Полный текст (2 804 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
بصيرة فى / غزل وغزو وغسق وغسل وغشى
غَزَلت المرأَة القطنَ تغزِله واغتزلته. ونسوة غُزَّل وغوازل. والمغزل - مثلَّثه الميم -: ما يُغزل به الغَزْل، قال: ﴿كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ .
والغَزَل - محركة - والمَغْزَل: اللهو مع النساءِ. وقد غازلها. والتغزُّل: التكلّف له. ورجل غَزِل: متغزِّل بالنساءِ.
والغزال: الشادن حين يتحرّك ويمشى، والجمع: غِزْلة وغِزْلان.
والغَزْو: الخروج لمحاربة العدُوّ. غزاه: أَراده وطلبه وقصده، والعَدُوَّ: سار إِلى قتالهم وانتهابهم، غَزْوًا وغَزَوانا وغَزَاوة، فهو غازٍ، والجمع: غُزًّى وغُزِىٌّ كدلىٍّ. والغَزِىُّ كغنِىٍّ: اسم الجمع. وأَغزاه إِغزاء: حمله عليه، قال تعالى: ﴿أَوْ كَانُواْ غُزًّى﴾ .
والغَسَق: ظُلمة أَوّل اللَّيل [غَسَقت عينُه كضرب وسمع غُسُوقًا [وغَسَقانا] محركة: أَظلمت] والغاسق: الليل إِذا غاب الشفق.
وقوله تعالى ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ أَى الليل إِذا دخل، أَو الثُّريّا إِذا سقطت لكثرة الطَّواعين حينئذ. الغَزَالىُّ عن ابن عباس: من شرّ الذكر إِذا قام. وقيل: القمر إِذا كَسَفَ واسودّ.
стр. 1857
والغَسَاق والغَسّاق كسحاب وشدَّاد: البارد المنتن، وقيل: ما يقطر من جلود أَهل النار. وقال تعالى: ﴿إلى غَسَقِ الليل﴾ ، أَى ظُلمته.
وغَسَلته غَسْلاَ وغُسْلا: أَجريت عليه الماءَ فأَزلْت دَرَنه، وقيل: بالفتح المصدر، وبالضمّ الاسم، فهو غَسِيل ومغسول، والجمع: غَسْلى وغُسَلاءُ. وهى غَسِيل. والغُسْل والغِسْل والغِسْلة والغَسُول: الماءُ الذى يُغتسل به. والغِسْلِينُ: غُسَالة أَبدان الكفّار.
غُشِى عليه - كعُنى - غَشْيا وغَشَيانا - محركة - فهو مغشِىّ عليه، والاسم الغَشْية، قال تعالى: ﴿تَدورُ أَعْيُنُهُمْ كالذي يغشى عَلَيْهِ مِنَ الموت﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ أَى أَغماءٌ. وعلى بصره وقلبه غشوة وغشاوة مثلَّثين، وغاشية، وغُشْية وغَشاية مضمومتين، وغِشَاية بالكسر: غطاء. وغشَّى اللهُ على بصره تَغْشية وأَغشى. وغشِيه الأَمر وتغشَّاه وأَغشيته إِيّاه وغشَّيته. وغَشِيتُ الدّار: أَتيتها. وكنى به عن الجماع فقيل: غَشِيَهَا وتغشَّاهَا، قال تعالى: ﴿فَلَماَّ تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ﴾ .
والغاشية: القيامة، والنار، وقميص القلب، وجلدٌ أُلْبِسَ جَفْنَ السّيف من أَسفل شاربه إِلى نَعْلهِ.
стр. 1858
وقوله تعالى: ﴿أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ الله﴾ . أَى نائبة تغشَاهم وتُجلِّلهم. وقيل: الغاشية فى الأَصل محمودة، وإِنَّما استعير لفظه هاهنا تهكمّا على نَحو: ﴿لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ .
واستغشى ثوبَه وبه: تغطَّى به كيلا يسمع ولا يَرى، قال تعالى: ﴿واستغشوا ثِيَابَهُمْ﴾ . أَى جعلوها غِشاوة على أَسماعهم، وذلك كناية عن الامتناع من الإِصغاءِ. وقيل: كناية عن العَدْو، كقولهم: شَمَّرُوا ذيلهم.
стр. 1859
بصيرة فى غض وغضب وغطش وغطا وغفر
الغُصَّة: الشَجَا، وما اعترَض فى الحَلْق فأَشرق، والجمع: غُصَص. وقد غَصِصْت وغَصَصْت تَغَصّ غَصَصًا.
والغَضّ والغضيض: الطرىّ. وغَضَّ طَرْفَه: خفضه واحتمل المكروه، ومن فلان: نقص ووضع من قَدْره.
والغَضَب: ثَوَران دم القلب إِرادةً للانتقام، قال تعالى: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾ . غَضِب عليه غَضَبًا ومَغْضَبَة: سخِطَ. وقوله / تعالى: ﴿غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم﴾ . يعنى اليهود.
وقال ابن عرفة: الغضب من المخلوقين شىءٌ يُداخل قلوبَهم، ويكون منه محمود ومذموم، فالمذموم ما كان فى غير الحقِّ. وأَمّا غضب الله ، فهو إِنكاره على من عصاه فيعاقبه. وقال الطحاوى: إِنَّ الله يغضب ويرضى لا كأَحد من الوَرَى. وقال غيرهما: المفاعيل إِذا وليتها الصّفات فإِنها تذكِّر الصفات وتجمعها وتؤَنِّثها، وتترك المفاعيل على أَحوالها، يقال: هو مغضوب عليه، وهما مغضوب عليهما.
стр. 1860
وهم مغضوب عليهم، وهى مغضوب عليها، وهُنَّ مغضوب عليهنَّ. ورجل غضبان وامرأَة غَضْبىَ. ولغة بنى أَسَد غضبانة. وقوم غَضْبى وغُضَابى وغَضابى مثل سكرى وسُكارَى وسَكارَى.
وقوله تعالى: ﴿وَذَا النون إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً﴾ أَى مراغماً لقومه.
﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ ، أَى أَذهب ضوءَه وجعله مظلمًا. وأَصله من الغَطَش، وهو شبه الغَمَش فى العين.
والغِطاءُ - ككساء -: ما يغطَّى به الشىءُ. وقد استعير للجهالة، قال تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ﴾ .
والغَفْر: الستر. اللهُمّ غَفْرًا. والغُفْرَان والمَغْفِرَة من الله هو أَن يصون العَبْدَ مِن أَن يمسّه العذاب. وقد يقال: غفر له إِذا تجاوز عنه فى الظَّاهر وإِن لم يتجاوز فى الباطن، نحو: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله﴾ . والاستغفار: طلب المغفرة قولاً وفعلاً. وقوله: ﴿استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ لم يؤْمَرُوا أَن يسأَلوه ذلك باللسان فقط، بل به وبالفعل، فبدونه قول الكذَّابين. وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ، وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً﴾ ، وقوله: ﴿غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب﴾ فيه من تأْميل الرّاجين، وتأْنِيس المذنبين ما لا يخفى.
стр. 1861
ومن دعاءِ الأَعراب: اللَّهُمّ أَسأَلك الغَفِيرة، والناقة الغزيرة، والعزّ فى العشيرة قال:
كلّ الذنوب فإِنَّ الله يغفرها ... إِنْ شيَّع المرءَ إِخلاص وإِيمانُ
وكل كسر فإِن الله يَجبرهُ ... وما لكسر قناة الدين جُبْرانُ
واعلم أَنَّ كلّ أَحد - من عهد آدم إِلى يومنا هذا وإِلى يوم القيامة - من نبىٍّ وولىٍّ، ومؤْمن موقِن وصادق، وفاسق، وكافر ونافر، ومخلص، إِلاَّ وهو ينتظر بحقَّه المغفرة. أَما ترى آدم ﵇ وابتهالَه وتضرّعه فى سؤال الغفران فى قوله: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ . وقال شيخ المرسلين: ﴿رَّبِّ اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ وأَمَر قومه به: ﴿فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ﴾ . وقال هود لقومه: ﴿وياقوم استغفروا رَبَّكُمْ﴾ . وقال صالح: ﴿لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ الله﴾ . وقال إِبراهيم: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي﴾ وقال فى حقِّ نفسه: ﴿والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي﴾ . وإِخوة يُوسفَ سأَلوا وَالِدَهم أَن يستغفر لهم: ﴿ياأبانا استغفر لَنَا﴾ فوعدهم بقوله: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ ربي﴾ ، ويوسف بشرّهم بالمغفرة بقوله: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ﴾ . سَحَرة فرعون كانوا فى طلب المغفرة: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَآ﴾ . موسى ساعة قَتْلِه
стр. 1862
القِبطىّ عرض هذه الحاجة فقال: ﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغفر لِي﴾ ، ثم أَشرك أَخاه فى دعائه / فقال: ﴿رَبِّ اغفر لِي وَلأَخِي﴾ . داوُد رفع قصّة ضراعته فى هذه الحاجة: ﴿فاستغفر رَبَّهُ﴾ فقوبلت قصته بإِجابته ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ﴾ . سليمان افتتح سؤَاله قبل سؤال المُلْك بطلب المغفرة: ﴿رَبِّ اغفر لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً﴾ . عيسى فى عرَصات القيامة يُحِيل أُمَّتَه إِلى عالم المغفرة: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ . سيّد المرسلين ومقصد الوجود وأُعجوبة العالَم أُمِر بطلبه له ولأُمَّتِه: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فكانت المغفرة أَعظم هداياه من ربِّ العالمين: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ﴾ . عتاب الصدّيق من الله لم يكن إِلاَّ لأَجل المغفرة: ﴿أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ﴾ . شفاعة الملكِ الوهّاب إِلى عمر بن الخَطَّاب فى قوم قد استوجبوا أَشدّ العقاب ما كانت [إِلاَّ] فى المغفرة: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ لِلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ أَيَّامَ الله﴾ . أَعظم حاجات عثمان فى أَعقاب الصّلوات وخَتْم القرآن طلب المغفرة والرضوان: ﴿وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ . والثناء على علّى، من الملِك العلىِّ، كان بهذا المُهمّ الجلىّ: ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ .
стр. 1863
ثمّ إِنَّ الله تعالى نبّه على أَنَّ المشرك غيرُ أَهل للمغفرة فقال: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ . دعوة سيّد المرسلين كانت بطمع طلبه المغفرة: ﴿تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ الله﴾ ، ثم عَرَّف بعدم معرفة الكافر قدر المغفرة: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ . ثمّ أَمر بالعفو والاستغفار، للأَخيار والأَبرار: ﴿فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ﴾ . حَمَلة العرش يتوسّلون إِلى الله بطلب المغفرة للمؤْمنين من عباده: ﴿الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ إِلى قوله: ﴿فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾ ، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض﴾ ، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ . تضرّع أَهل الإِيمان وانتهاؤُهم إِلى الرحمان فى طلب الغفران: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ﴾ . بشَّر عباده بأَعظم البُشْرى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى وَأَهْلُ المغفرة﴾ ، ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم﴾ .
стр. 1864
بصيرة فى غفل
الغَفْلة: سهوٌ يعترى من قِلَّة التحفَّظ والتيقَّظ. غَفَل عنه غفُو وأَغفله. قيل: غفلَ، أَى صار غافلا، وغفل عنه وأَغفله: وَصَل غَفْلَته إِليه، والاسم الغَفْلة والغَفَل والغُفْلان، قال تعالى: ﴿مَّآ أُنذِرَ آبَآؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ . والتغافل والتغفُّل: تعمّد الغفلة. والتَّغفيل: أَن يكفيك صاحبك وأَنت غافل. والمغفَّل: مَن لاَ فطنة له. والغُفْل - بالضمّ - مَن لا يرجىَ خيره ولا يُخشى شرّه.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا﴾ ، أَى تركناه غير مكتوب فيه الإِيمان. وقيل: من جعلناه غافلا عن الحقائق.
والغَفُول: العظيم الغفلة.
تيقَّظ من منامك يا غَفُولُ ... فنومك بين رَمْسك قد يطولُ
تأَهَّبْ للمنيّة حين تغدو ... عسى تُمسى وقد نزل الرسول
قيل: وردت حروف هذه المادّة فى القرآن على عشرة أَوجه:
١- غفلة الكفَّار المغبونين بالإِعراض عن الإِيمان: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ .
٢- وغفلة مقيّدة بإِقرارهم: ﴿قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هاذا﴾ .
стр. 1865
٣- وغفلة شهد عليهم بها القرآن: ﴿إِذْ قُضِيَ الأمر وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ .
٤- وغفلة / مقيّدة بشهادة الملائكة المقرّبين: ﴿لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هاذا﴾ .
٥- وغفلة عن عبادتهم من الأَوثان: ﴿إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ﴾ .
٦- وغفلة لهم عن أَحكام آيات القرآن: ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ .
٧- وغفلة شُبِّهوا فيها بالأَنعام من الحيوان: ﴿أولائك كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ أولائك هُمُ الغافلون﴾ .
٨- وغفلة تعالى الله عنها: ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ .
٩- وغفلة عن أَعمال الظَّالمين تقدّس الله وتنزَّه عنها: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ .
стр. 1866
بصيرة فى غلب
الغَلَبة: القهر. غلبه غَلْباً - بسكون اللام - وغَلَبا بتحريكها، وغَلَبة بإِلحاق الهاءِ، وغَلاَبِيَة - مثال عَلانية - وغُلُبَّة - مثال حُزُقَّة - وغُلُبَّى - بضمتين مشدّدة بالباء مقصورة - ومَغْلَبة، قال تعالى: ﴿الاما غُلِبَتِ الروم في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ . والغَلَب من المصادر المفتوحة العين مثل الطلَب. قال الفرّاء: وهذا يحتمل أَن يكون غَلَبة فحُذفت الهاء عند الإِضافة، كما قال فَضْل بن عبّاس.
إِنّ الخليط أَجدُّوا البين فانجردُوا ... وأَخلفوك عِدَ الأَمر الذى وَعدوا
أَراد عدة الأَمر فحَذف الهاء عند الإِضافة. والحجّة فى المَغْلَبة قول بنت عُتْبة ترثى أَباها:
يا عينِ بَكِّى عتبهْ ... شيخاً شديد الرقَبَهْ
يُطعم يوم المَسْغَبهْ ... يدفع يوم المَغْلَبهْ
إِنِّى عليه حَرِبَهْ ... ملهوفة مستلَبه
لنهبطَنْ يَثْرِبهْ ... بغارة منشعِبَه
والحجّة فى الغُلُبَّة قول المَرَّار بن سعيد الفَقْعَسِىّ:
منَعتُ بنجد ما أَردت غُلُبَّة ... وبالغَوْر لى عِزّ أَشَمُّ طويل
стр. 1867
وهضبة غَلباء، وعزّة غلْباء، وحديقة غلباء، وحدائق غُلْب أَى غِلاظ ممتلئة، قال تعالى: ﴿وَحَدَآئِقَ غُلْباً﴾ .
ورجل غُلُبَّة، وغَلُبَّةَ، وغُلَبة - مثال تُؤدَةِ - وغَلاَّب، وغُلُبَّى، وغِلِبَّى، أَى كثير الغَلَبة سريعها.
وقد ورد فى القرآن على أَربعة أَوجه:
الأَوّل: بمعنى الظهور والاستيلاءِ: ﴿قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ﴾ .
الثانى: بمعنى الهزيمة: ﴿غُلِبَتِ الروم في أَدْنَى الأرض وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ : سيَهزمون.
الثالث: بمعنى القتل: ﴿قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ أَى ستقتلون.
الرّابع: بمعنى القهر: ﴿والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ﴾ ، أَى قاهر، ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ ، أَى القاهرون. ﴿فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ﴾ : قُهِروا وهُزِموا.
стр. 1868
بصيرة فى غل
الغُلّ والغُلّة والغَلَل والغَلِيل: العطش، وقيل: شدّة العطش وحرارة الجوف. وقد غَلّ يَغَلّ - بفتحهما وبضمهما - فهو مغلول وغَليل ومغتلّ. وبعير غالّ وغَلاّن؛ وقد غلَّ يغَل بفتحهما.
والغُلّ معروف، والجمع: أَغلال. وغَلّه: وضع فى عنقه أَويده الغُلّ. ويقال للبخيل: مغلول اليد، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ اليهود يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ، أَى رَمَوه بالبخل. وقيل: إِنهم لمّا سمعوا أَنّ الله قد قضى كلّ شىء قالوا: إِذًا يدُ الله مغلولة، أَى فى حكم المقيّد لكونه فارغًا. فقال تعالى ذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً﴾ أَى منعناهم فعل الخير، وذلك نحو وصفهم بالطَّبْع والخَتْم على قلوبهم وسمعهم وأَبصارهم. وقيل: بل ذلك وإِن كان بلفظ الماضى فإِنه إِشارة إِلى ما يُفعل بهم فى الآخرة كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا الأغلال في أَعْنَاقِ الذين كَفَرُواْ﴾ .
والغِلّ والغَلِيل: الحِقد والضِّغْن، وقد غَلّ / صدرُه يَغِلّ، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ وغَلّ غُلُولا وأَغلّ: خان. وقيل: خاصّ بالفىء.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ قرأَ ابن كثير وأَبو عمرو وعاصم
стр. 1869
ويعقوب برواية رَوْح وزيد (أَنْ يَغُلّ) بفتح الياءِ وضمّ الغين، والباقون على العكس، فمعنى يَغُلّ يخون، ومعنى يُغَلّ بضم الياءِ وفتح الغين يحتمل أَمرين: يُخَان، يعنى أَن يؤخذ من غنيمته. والآخر، يُخَوَّن أَى ينسب إِلى الغُلُول.
وقال أَبو عبيد: الغُلُول من المغنم خاصّة، ولا نراه من الخيانة ولا من الحِقْد. وممّا يبيّن ذلك أَنّه يقال من الخيانة: أَغلَّ يُغِلّ، ومن الحقد: غَلّ يَغِلّ بالكسر، ومن الغلول: غَلَّ يَغُلّ بالضم، وفى الحديث: "ثلاث لا يغلّ عليهنّ قلب مؤمن: إِخلاص العمل لله، والنصيحة لولاة الأَمر، ولزوم جماعة المسلمين فإِن دعوتهم تحيط من ورائهم"، رُوى: لا يَغِلّ أَى لا يضطغن. وروى: لا يُغِلّ أَى لا يصير ذا خيانة. وفلان شَفَى غَلِيله، أَى غيظه.
وغَلّ فى الشىء، وانغلّ، وتغلّل، وتغلغل: دَخَلَ.
стр. 1870
بصيرة فى غلظ وغلف وغلق
الغلْظة - بفتح الغين وكسرها وضمِّها - والغِلَظ - كعنب - والغِلاَظة - بالكسر -: ضدّ الرّقّة. والفعل ككرم وضرب، فهو غَلِيظ وغُلاَظ، قال تعالى: ﴿وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ أَى خشونة. والغَلْظ بالفتح: الأَرض: الخشِنة، وأَغلظ: نزل بها، والثوبَ: وجده غليظاً. قال:
فما زُهد التقِىّ بحَلْق رأْس ... وليس بلبس أَثوابٍ غلاظِ
ولكن بالتُّقى قولا وفعلا ... وإِدمانِ التخشع فى اللحاظ
وقد ورد فى القرآن فى مواضع مختلفة:
(١) فى أَمر النبىّ ﷺ بالصلابة والتخشين على المنافقين والكافرين: ﴿جَاهِدِ الكفار والمنافقين واغلظ عَلَيْهِمْ﴾ .
(٢) وفى أَمر المؤمنين بذلك أَيضاً: ﴿وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ .
(٣) وفى منع النبىّ ﷺ عن ذلك مع المؤمنين: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ القلب لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾ .
(٤) وفى بيان قوّة الإِسلام وصلابته: ﴿فاستغلظ فاستوى على سُوقِهِ﴾ .
(٥) وفى قوّة الميثاق وإِحكام العهد: ﴿وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ .
(٦) وفى صفة العذاب الذى نجّى منه الموحدِّين: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ .
стр. 1871
(٧) وفى العذاب الموعود به الكفّار: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ .
(٨) وفى صفة الملائكة الموكَّلين بتعذيب الكافرين: ﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ﴾ .
والغِلاَف للسّيف ونحوه معروف، والجمع: غُلُف وغُلْف [وغُلَّف] كَرُكَّع. وقرأَ به ابن مُحَيصِن فى قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ ، قيل: هو جمع أَغلف من قولهم: قلب أَغلف كأَنما أُغشِى غِلاَفا فهو لا يعى. ويكون ذلك كقوله: ﴿قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ﴾ ، وقيل: معناه: قلوبنا أَوعية للعلم فلا نحتاج إِلى أَن نتعلَّم منك، وقيل: قلوبنا مغطاة. وقيل: غُلْف هنا جمع غِلاَف، والأَصل غُلُف بضم اللاّم نحو كُتُب، وقد قرِئ به.
والغَلَق - محركة - والمِغْلَق والمِغْلاَق والمُغْلُوق: ما يُغلق به. وقيل: وما يفتح به. لكن إِذا اعتبر بالإِغلاق قيل: مِغْلَق ومِغلاق، وإِذا اعتُبر بالفتح قيل: مِفتح ومِفتاح. وأغلقت الباب وغلّقته على التكثير، وذلك إِذا أغلقت أَبواباً كثيرة أَو أغلقت باباً مراراً، قال تعالى: ﴿وَغَلَّقَتِ الأبواب وَقَالَتْ / هَيْتَ لَكَ﴾ .
стр. 1872
بصيرة فى غلم وغلو وغمر وغمز
الغلام: الطارّ الشاربِ، والكهل أَيضا. وقيل: من حين يولد إِلى أَن يشِبّ. والجمع: أَغْلِمَة وغِلْمة وغِلمانٌ، والأنثى غُلاَمة. واغتلم الغلام: بلغ حدّ الغُلُومة والغلومِيَّة.
والغُلُوّ: التجاوز عن الحدّ. إِذا كان فى السّعر سمّى غَلاَء، وقد غلا السِّعرُ فهو غالِ وغَلِىّ. وأَغلاه الله. وبعته بالغالى والغلِىّ أَى بالغلاءِ. وغالاه وبه: سامَ فَابْعَطَ. وغلا فى الأَمر: جاوز حَدّه، وبالسّهم غَلْوًا وغُلُوًّا: رفع يديه لأَقصى الغاية. والغَلْى والغَلَيان فى القِدْر إذا طفَحت. وقد غَلَتْ وأَغلاها وغلاَّها، ولا تقل: غَلِيَت فإِنّها لحن. قال يَفتخر بالفصاحة.
ولا أَقول لِقدْر القوم قد غَلِيَتْ ... ولا أَقول لباب الدار مَغلوق
لكن أَقول لبابى مُغلَق وغلت ... قِدْرى وقابلها دنٌّ وإِبريق
وقال تعالى: ﴿يَغْلِي فِي البطون كَغَلْيِ الحميم﴾ ، وبه شُبِّه غَلَيان الغَضَب والحرب.
والغَمْرة: معظم الماءِ السّاتر لمقرّه، وجُعل مَثَلا للجهالة التى تَغْمُر صاحبها. وقيل للشدائد: غمرات، قال تعالى: ﴿فِي غَمَرَاتِ الموت﴾ .
والغَمْز: الإِشارة بالجَفْن أَو اليد طلبا إِلى ما فيه مَعاب، ومنه قولهم: فلان ما فيه غَمِيزة: ما يَطعن فيه ويُغمز من النّقائص التى يشار بها إِليه. قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ .
стр. 1873
بصيرة فى غم
الغَمّ والغُمّة والغَمَّاءُ: الكَرْب، والجمع: غُموم. غَمّه يَغُمّه فاغتمّ وانغمّ: أَحزنه فحزِن. ومن دعائه ﷺ : "يا فارج الهمّ ويا كاشف الغمّ".
وقد ورد فى القرآن على وجوه:
الأَوّل: غمّ الصحابة فى حرب أُحُد بسبب صياح إِبليس: أَلا إِن محمدّا قد قُتل: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ﴾ - الثانى: المدال من ذلك الغمّ بالأَمن: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الغم أَمَنَةً نُّعَاساً﴾ - الثالث: تطييب قلوبهم وتفريحهم بزوال الغمّ: ﴿ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ - الرّابع: غمّ أَهل النار، وذلك الذى ما بعده غمّ: ﴿أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ . قال الشاعر:
صاحبُ السلطان لا بدّ له ... من غموم تعتريه وغُمَمْ
والذى يركب بحرًا سيرى ... قُحَم الأَهوال من بعد قُحَمْ
والغمام ورد على ثلاثة أَوجه:
الأَوّل - غمام النعمة: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن﴾
الثانى - غمام المحنة والعقوبة: ﴿فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام﴾ :
الثالث - غمام العظمة والهيبة: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام﴾ .
стр. 1874
بصيرة فى غمض وغنم وغنى
يقال: ما اكتحلتُ غُمْضا - بالضمّ - وغَمَاضا وغِماضاً - بالفتح والكسر - وتَغْماضًا - بالفتح - أَى ما نمت. وغَمَضَ عنه وأَغمض: تساهل، قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ . وأَغمِض فيما بعتنى، وغمّض، كأَنَّك تريد الزِّيادة منه لرداءَته والحطَّ منْ ثمنه.
والغَنَمُ لا واحد له من لفظه، أَو الواحدة شاة. والجمع: أَغنام وغُنومٌ وأغانم.
والمغنم والغنيمة والغُنم: الفَىْء، وقد غَنِمَ غنما، قال تعالى: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ ، وقال: ﴿مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ . وغَنَّمه تغنيماً: نفَّله. واغتنمه وتغنَّمه: عدّه غَنِيمة.
والغِنَى: ضدّ الفقر. وإِذا فتح مُدّ. والاسم: الغِنْية - بالضمّ والكسر - والغُنْوة والغُنْيان مضمومتين. والغَنِىّ والغانى: ذو الوفْر.
والغِنىَ يكون مطلقاً وهو عدم الحاجة بالكليَّة، وليس ذلك إِلاَّ لله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله / هُوَ الغني الحميد﴾ . ويكون باعتبار قلَّة الحاجات، وهو المشار إليه بقوله: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى﴾ ، وهو المذكور فى الحديث: "الغِنى غنى النفس". ويكون أَيضاً باعتبار كثرة القُنيات
стр. 1875
بحسب ضروب النَّاس كقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ وقوله: ﴿قالوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ قالوا ذلك لمّا سمعوا: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ ، وقوله: ﴿أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف﴾ أَى لهم غِنىَ النَّفس ويحسب الجاهل أَنَّ لهم القُنْيات الكثيرة لِمَا يَرَون فيهم من التعفُّف.
وتغنَّيت، وتغانيت، واستغنيت، بمعنى، قال تعالى: ﴿واستغنى الله والله غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ .
وغَنِىَ فى المكان - كرضى -: طال مُقامه فيه مستغنياً عن غيره، قال تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا﴾ .
والمغْنىَ: المنزل الَّذى غَنِىَ به أَهله ثمّ ظَعَنوا. ثم استعمل فى كلّ منزل.
والغانِية: المرأَة التى تُطلب ولا تَطلب، أَو الغنيّة بحسنها عن الزينة، أَو التى غنِيت فى بيت أَبويها ولم يقع عليها سِباء، أَو الشابّة العفيفة.
стр. 1876
بصيرة فى غيب
الغَيْب: ما غاب عنك. وقوله تعالى: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ قيل: الغَيْب هو الله تعالى لأَنه لا يُرَى فى دار الدّنيا، وإِنَّما تُرَى آياته الدالَّة عليه. وقيل: الغيب: ما غاب عن النَّاس ممّا أَخبرهم به النبىّ ﷺ : من الملائكة والجنَّة والنار والحساب. وقيل: يؤْمِنُون إِذا غابوا عنكم وليسوا كالمنافقين. وقيل: الغَيب: القرآن. وقال ابن الأَعرابىّ: الغَيْب: ما كان غائباً عن العيون وإِن كان محصّلاً فى القلوب، وأَنشد بيت تميم بن أُبَىّ بن مُقبل
وللفؤاد وَجِيبٌ تحت أَبْهره ... لَدْمَ الغلام وراءَ الغَيْب بالحجر
وقوله تعالى: ﴿وَللَّهِ غَيْبُ السماوات والأرض﴾ ، أَى عِلم غيب السماوات والأَرْضِ.
وقوله : ﴿مَّنْ خَشِيَ الرحمان بالغيب﴾ ، أَى خاف الله من حيث لا يراه أَحد. وقوله تعالى: ﴿حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾ ، أَى لغَيْب أَزواجهنَّ فلا يفعلن فى غيْبته ما يكرهه.
стр. 1877
والغِيْبة - بالكسر -: ذِكر الإِنسان فى غَيْبته بما يكرهه إِلاَّ فى أَحوال أُبيحت، وهى:
لم تُستبح غِيبة فى حالة أَبدا ... إِلاَّ لستة أَحوالٍ كما سترى
استفتِ عرِّف تظلَّم حذِّر استعنِ ... على إِزالة ظلم واحْكِ ما ظهرا
وقال بعض أَولادنا فى مجوِّزات الكذب أَيضاً:
والكِذْب لا ينبغى إِلاَّ لواحدة ... من الثلاث التى تصديقها شُهِرا
إِصلاح ذى البين أَو إِرضاءُ زوجته ... وفى الحروف وكن عن غيره حذرا
وقوله تعالى: ﴿وَيَقْذِفُونَ بالغيب مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ، أَى من حيث لا يدركونه ببصرهم وبصيرتهم.
стр. 1878
بصيرة فى غور وغوص وغول
الغَوْر: ما انخفض من الأَرض. وغار وأَغار: أَتى الغَوْر. والأَوّل أَفصح. وغَوْر كلِّ شىءٍ: بُعده وعُمقه. قال تعالى: ﴿أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ أَى غائرا فى بُعْدٍ من الأَرض. والغار فى الجبل. وكُنى عن الفرج والبطن بالغارَين. وأَغار على العدوّ إِغارة.
وقوله تعالى: ﴿فالمغيرات صُبْحاً﴾ عبارة عن الخيول. وفى الحديث: "من دعا إِلى طعام لم يُدْع إِليه دخل سارقاً وخرج مُغيرا". وأَغار: أَسرع فى العَدْو، ومنه أَشرِقْ ثَبِير كيما نغير، أَى نذهب سريعاً.
والغَوْص: الدّخول تحت الماءِ لإِخراج / شىء. وقد غاص غَوْصًا وغِياصاً ومَغَاصًا. والمغاص أَيضاً: موضعه. والغَوَّاص: مَن يغوص فى البحر على اللؤْلؤ قال تعالى: ﴿وَمِنَ الشياطين مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾ ، أَى يستخرجون له الأَعمال الغريبة والأَفعال البديعة، وليس استخراج الدّرّ فقط.
والغَوْل: الهلاك والإِهلاك خُفْية. غاله واغتاله بمعنى. والغَوْل أَيضاً: الصُدَاع، والسُّكْر، والمشقَّة، وبُعْد المفازة، والتُّرابُ الكثير، وما انهبط من الأَرض. قال تعالى يصف خمر الجنَّة: ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ﴾ إِشارة [إِلى] نفى جميع ما ذكرنا من المعانى المكروهة. والغُول - بالضمّ -: الدّاهية، والسعلاءُ والجمع: أَغوالٌ وغِيلانٌ، والحيّة، وساحرة الجنِّ، وشيطان يأْكل النَّاس.
стр. 1879
بصيرة فى غيض وغيظ وغى
غاض الماءُ يغيض غَيْضًا ومَغَاضًا: قلَّ ونقص، كانغاض، والماءَ: نقصه كأَغاضه، لازم ومتعدّ. قال تعالى: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأرحام﴾ ، أَى تفسده فتجعله كالماءِ الذى تبتلعه الأَرض.
والغَيْظ: الغضب، وقيل: أَشَدّه، وقيل: سَورته وأَوّله. وهو الحرارة التى يجدها الإِنسان من ثوران دم قلبه، قال تعالى: ﴿قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ﴾ . وقد دعا الله تعالى العباد إِلى إِمساك النَّفْس عند حصوله فقال: ﴿والكاظمين الغيظ﴾ . وإِذا وُصِف الله تعالى به فإِنما يراد به الانتقام كما قلنا فى الغضب، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ﴾ أَى داعون بفعلهم إِلى الانتقام. والتغيّظ: إِظهار الغيظ. غاظه فاغتاظ، وغيّظه فتغَيَّظ. وقد يكون ذلك مع صوت كما قال: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ .
والغَىّ: الضلال والجهل من اعتقاد فاسد، وَوادٍ فى جهنمَّ، غَوَى يغوِى - كرمى يرمى - غَيًّا، وغَوِىَ غَوَاية - بالفتح - فهو غاوٍ وغَوِىٌّ وغَيّانُ: ضلّ، وغَوَاه غيره لازم ومتعدّ، وأَغواه وغوّاه.
وقوله تعالى: ﴿والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون﴾ أَى الشَّياطين، وقيل: من ضلّ من النَّاس، وقيل: الذين يحبّون الشاعر إِذا هجا قوماً، أَو محبّوه
стр. 1880
لمدحه إِيّاهم بما ليس فيهم. قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غوى﴾ : ما جهل. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً﴾ ، أَى عذاباً، سّماه الغىّ لأَنَّه سببه. وقيل معناه: سوف يلقون أَثر الغىّ.
وقوله تعالى: ﴿وعصىءَادَمُ رَبَّهُ فغوى﴾ أَى جهل، وقيل: معناه: خاب، وقيل: معناه: فسد عيشه، من غَوِىَ الفصيل غَوَى فهو غَوٍ: إِذا بَشِمَ من اللَّبَن، أَو مُنع من الرضاع، فهُزِل وكاد يهلك.
وقوله: ﴿إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ قيل: معناه أَن يعاقبكم على غيّكم. وقيل: يحكم عليكم بغيّكم كما تقدّم فى ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ﴾ ، وقوله: ﴿رَبَّنَا هاؤلاء الذين أَغْوَيْنَآ أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ إِعلاما منهم أَنا قد فعلنا بهم غاية ما كان فى وُسع الإِنسان أَن يفعل بصَدِيقه، [فإِن حق الإِنسان أَن يريد بصديقه] ما يريد بنفسه، فيقول: قد أَفدناهم ما كان لنا، وجعلناهم أُسوة أَنفسنا. وعلى هذا قوله: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ .
وتغاوَوا عليه: تعاونوا وجاءُوا من هاهنا وهاهنا وإِن لم يَقتلوا. وهو ولد غَيّة - بالفتح والكسر -: ولد زَنْية. والغوغاءُ: الجراد، والكثير المختلِط من الناس. والغاوية: الرّاوية.
آخر باب الغين
стр. 1881
الباب الحادى والعشرون - فى الكلم المفتتحة بحرف الفاء
стр. 1882
بصيرة فى الفاء
الفاءُ المفردة حرف مهمل. وقيل: حرف ناصبة نحو: ما تأْتينا فتحدّثنا. وقيل: يخفض نحو:
- فمِثْلِك حُبْلَى قد طرقتُ ومُرْضعٍ -
بجرّ مثل.
وترد الفاءُ عاطفة، وتفيد الترتيب، وهو نوعان: معنوىّ كقام زيد فعمرو، وذِكْرىّ وهو عطف مفصّل على مُجمَل، نحو: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشيطان عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ . وتفيد التعقيب، وهو فى كلّ شىءٍ بحسبه؛ كتزوّجَ فوُلد له، وبينهما مدّة الحمل. ويكون بمعنى ثُمَّ ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العلقة مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المضغة عِظَاماً فَكَسَوْنَا العظام لَحْماً﴾ . وبمعنى الواو نحو قوله: ... بين الدخول فحومل.
ويجىءُ للسببيّة، وذلك غالب فى العاطفة جملة نحو: ﴿فَوَكَزَهُ موسى فقضى عَلَيْهِ﴾ ، أَو صفة نحو قوله تعالى: ﴿لآكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحميم﴾ .
стр. 1883
ويكون رابطة للجواب والجواب، جملة اسميّة، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ ، ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ ؛ أَو يكون جملة فعليّة كالاسميّة، وهى الَّتى فعلها جامد، نحو: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً فعسى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ﴾ ، ﴿إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِيَ﴾ ؛ أَو يكون فعلها إِنشائيَّا، نحو قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني﴾ ؛ أَو يكون فعلاً ماضياً لفظا ومعنى، إِمّا حقيقة، نحو قوله تعالى: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ ، أَو مجازًا نحو قوله تعالى: ﴿وَمَن جَآءَ بالسيئة فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ نُزّل الفعل لتحقّقه منزلة الواقع.
وقد يحذف ضرورة، نحو:
مَنْ يَفْعلِ الحسناتِ اللهُ يشكرها
أَى فاللهُ أَولا يجوز مطلقاً والرّواية:
من يفعل الخير فالرحمان يشكره
أَو هى لغة فصيحة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً الوصية لِلْوَالِدَيْنِ﴾ ومنه حديث اللُّقَطة: "فإِن جاءَ صاحبها وإِلاَّ اسْتَمْتِعْ بها" أَى فاستمتِع.
والفاءُ فى حساب الجُمَّل: اسم لعدد الثمانين.
قال بعض النحاة: فاء الجواب يكون فى سبعة مواضع: جواب الأَمر والنَّهى، والدّعاءِ، والنفى، والتمنى، والاستفهام، والعَرْض.
стр. 1884
مثال الأَمر: زُرْنى فأُكرمَك. مثال النَّهى، نحو قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء فَيَأْخُذَكُمْ﴾ . مثال الدّعاءِ: اللهمَّ وفِّقنى فَأَشكرَك. مثال النَّفى: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ﴾ . مثال التمنى: ﴿ياليتني كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ . مثال الاستفهام: ﴿فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ﴾ . مثال العَرْض، قوله تعالى: ﴿لولا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ .
وفاء التخيير يكون فى جواب أَمَّا: / ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ .
ومن أَقسام الفاءِ فاء التَأْكيد، وذلك يكون فى الأَمر؛ نحو: زيدًا مّا فَضُرَّ. ويكون فى القَسَم: فورَبِّك، فبعزَّتك.
ومنها الفاء الزَّائدة، وتدخل على الماضى نحو: ﴿فَقُلْنَا اذهبآ﴾ ، وعلى المستقبل: ﴿فَيَقُولُ رَبِّ﴾ ، وعلى الحرف: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ﴾
وقد يبدل عن الثاء؛ نحو فُمَّ فى ثُمَّ، وفُوم فى ثُوم.
ومنها الفاءُ اللّغوى وهو، زبد البحر قال:
لمَا مُزبد طامٍ يجيش بفائه ... بأَجود منه يوم يأْتيه سائله
стр. 1885
بصيرة فى فتح
قد ورد الفتح فى القرآن على وجوه:
الأَوَّل: بمعنى القضاءِ والحكومة، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ ، أَى حكمنا وقضينا، ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بالحق﴾ أَى يقضى، ﴿متى هاذا الفتح﴾ أَى القضاء، ﴿قُلْ يَوْمَ الفتح﴾ أَى يوم القضاء
الثانى: بمعنى إِرسال الرَّحمة: ﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ ، أَى ما يُرسل.
الثالث: بمعنى النُصْرة: ﴿فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح﴾ أَى بالنصرة.
الرَّابع: بمعنى إِزالة الأَغلاق. وهذا يأْتى على وجوه:
الأَوَّل: بمعنى فتح أَبواب النُّصْرة: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ﴾ .
الثانى: بمعنى فتح أَبواب الغنيمة والظفر بها: ﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ الله﴾ .
الثالث: فتح خزائن القدرة: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب﴾ .
الرَّابع: فتح أَبواب النعمة: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
الخامس: فتح أَبواب السَّماءِ: ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السمآء﴾ .
стр. 1886
السَّادس: فتح مغاليق الخُصومات: ﴿رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق﴾ .
السَّابع: فتح أَبواب البركة: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء﴾ .
الثامن: فتح أَبواب القتل والإِهلاك: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾ .
التاسع: فتح باب البضاعة: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ﴾ .
العاشر: فتح أَبواب السَّمَاءِ على طريق الإِعجاز: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء﴾ .
الحادى عشر: فتح السَّدّ يوم القيامة: ﴿حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ .
الثانى عشر: فتح أَبواب العذاب: ﴿حتى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ .
الثالث عشر: فتح بيوت الأَصدقاء وَذوى القُرْبى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ .
الرَّابع عشر: فتح باب الدُّعاءِ رجاءً للإِجابة: ﴿فافتح بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ .
стр. 1887
الخامس عشر: فتح أَبواب الجنَّة: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب﴾ ﴿وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ .
السَّادس عشر: فتح أَبواب جهنَّم: ﴿وَسِيقَ الذين كفروا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً حتى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ .
السَّابع عشر: فتح أَبواب الثواب والكرامة: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ .
الثَّامن عشر: فتح أَبواب الطوفان: ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السمآء بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ .
التَّاسع عشر: فتح البلاد على يَدىْ أَهل الإِسلام: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ .
قال أَبو القاسم الأَصبهانىّ: الفَتْح ضروب:
أَحدها: ما يُدرك بالبصر، كفتح الباب والقُفْل والمتاع.
والثانى: ما يدرك بالبصيرة، كفتح الهمّ و [هو] إِزالة الغمّ، وذلك ضربان: غَمّ يُفَرَّج، وفقر يزال، ونحوه قوله: ﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، أَى وسَّعنا عليهم: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض﴾ ، أَى أَقبل عليهم الخيرات من كلّ جانب.
стр. 1888
/ والثالث: فتح المستغِلق من العلوم. قلت: وذلك على ضربين: الأَوَّل بتوفيق الاستكثار من العلوم الظَّاهرة وتحقيق معانيها، والثانى بفتح باب القلب إِلى العلم اللَّدنِّىّ كما تقدَّم بيانه فى "بصيرة العلم"
وقيل فى قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ إِنه عنى فتح مكَّة. وقيل: بل عنى ما فتح عليه من العلوم والهدايات التى هى ذريعة إِلى الثواب العظيم، والمقامات المحمودة التى صارت سبباً لغفران ذنوبه.
وفاتحة كل شىء مبدؤه الذى يفتح به ما بعده، وبه سمّى فاتحة الكتاب. ويقال: افتتح فلان كذا أَى ابتدأَه، وفتح عليه كذا: أَعلمه ووقَّفه عليه: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ الله عَلَيْكُمْ﴾ .
وقيل: فى قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ يحتمل النَّصر والظفر والحكم وما يفتح الله من المعارف، وعلى ذلك: ﴿نَصْرٌ مِّن الله وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ وقوله: ﴿قُلْ يَوْمَ الفتح﴾ أَى يوم الحكم، وقيل يوم إِزالة الشُّبهة بإِقامة القيامة، وقيل: ما كانوا يستفتحون من العذاب ويطلبونه.
والاستفتاح: طلب الفتح [أَو الفِتَاح قال: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَآءَكُمُ الفتح﴾ ] أَى إِن طلبتم الظفر أَو الفِتَاح أَى الحُكْم، أَو طلبتم مبدأَ الخيرات، فقد جَاءَكم ذلك بمجىء النبىّ ﷺ . وقوله: ﴿وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ﴾ أَى يستنصرون ببَعثة محمدّ ﷺ ، وقيل: يستعلمون خبره من النَّاس مرَّة، ويستنبطونه من الكُتُب مرَّة، وقيل: يطلبون من الله الظفر بذكره، وقيل: كانوا يقولون
стр. 1889
إِنا نُنْصر بمحمّدٍ ﷺ على عَبَدة الأَوْثان.
وقوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب﴾ ، أَى ما يتوصَّل به إِلى غَيْبه المذكور فى قوله: ﴿فَلاَ يُظْهِرُ على غَيْبِهِ أَحَداً﴾ .
وقوله: ﴿مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعصبة﴾ أَى مفاتح خزائنه، وقيل: عنى بالمفاتح الخزائن نفسها، قال الشَّاعر:
يا سيد الأُمراء والأَلباب ... أَشكو إِليك فظاظة البوّاب
قد كنت جئت لخدمةٍ أَبغى بها ... عزّا فقابلنى بذلِّ حجاب
إِن كنت ترغب سيدى فى خدمتى ... فأَقلُّ ما فى الباب فتح الباب
стр. 1890
بصيرة فى فتر وفتق وفتل وفتن
فَتَرَ الحرّ: سكن، والماءُ الحارّ: لانت شدّةُ حرارته. وقوله تعالى: ﴿على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل﴾ أَى سكون حال عن مجىءِ رسول الله ﷺ . وقوله تعالى: ﴿لاَ يَفْتُرُونَ﴾ أَى لا يسكنون عن نشاطهم فى العبادة. والطَرْف الفاتر: الذى فيه ضعف مستحسن.
والفَتْق: الشقُّ، فَتَقَه وفتَّقه فتفتَّق وانفتق. ومَفْتَق القميص: مشقّه. قال تعالى: ﴿كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ . والفَتْق أَيضاً: شقّ عصا الجماعة، ووقوع الحرب بينهم. والفَتْقُ والفَتَقَ والفَتِيق: الصّبح.
فَتَل الحَبْل وفَتَّله: لواه فهو فتيل ومفتول، وقد انفتل وتفتَّل. وفتل وجهَه عنهم: صرفه. وقوله: ﴿وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ مَثَل فى الحقارة والقِلَّة، وهو ما يكون فى شَقِّ النَّواة لكونه على هيئة الفَتِيل. وقيل: هو ما تفْتِله بين أَصابعك من خيط أَو وَسَخ.
والفَتْن: الفَنّ، والحال، والإِحراق. ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَى النار يُفْتَنُونَ﴾ . والمفتون والفِتْنة: الخِبْرة، مصدر كالمعقول والمجلود. ومنه قوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ المفتون﴾ . والفِتْنَة أَيضاً: إِعجابك بالشىءِ، فَتَنَهُ
стр. 1891
يفْتِنه فَتْنًا وفُتُونًا، وأَفتنه. وأَصل الفتنة إِدخال الذَّهبِ النارَ ليُخْتَبَر جودته، والجمع: فِتَن، قال:
وفيك لنا فِتن أَرْبعٌ ... تسُلّ علينا سيوف الخوارج
لِحاظُ الظِّباء وطوق الحمام ... ومشىُ القِباجِ وزىُّ التَّدارج
وقد / ورد فى القرآن على اثنى عشر وجهاً:
(١) بمعنى العذاب: ﴿ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ﴾ .
(٢) وبمعنى الشِّرك: ﴿والفتنة أَكْبَرُ مِنَ القتل﴾ .
(٣) وبمعنى الكفر: ﴿لَقَدِ ابتغوا الفتنة﴾ ، ﴿مِنْهُ ابتغاء الفتنة﴾ ، ﴿ولاكنكم فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أَى كفرتم.
(٤) وبمعنى الإِثم ﴿فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أَى إِثم، ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ﴾ فى الإِثم.
(٥) وبمعنى العذاب: ﴿مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾ أَى عُذِّبوا.
(٦) وبمعنى البلاءِ والمِحْنَة: ﴿أَن يقولوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ أَى يُبْتَلُونَ، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ : امتحنَّاهُمْ، ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ أَى بلوناك. ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ أَى ابتليناهم.
стр. 1892
(٧) وبمعنى التعذيب والحُرقة: ﴿إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين﴾ أَى عذَّبوهم، ﴿ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ﴾ : حُرَقكم.
(٨) وبمعنى القتل والهلاك: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا﴾ أَى يقتلكم، ﴿على خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ أَى يقتلهم.
(٩) وبمعنى الصدّ عن الصراط المستقيم: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ ، ﴿واحذرهم أَن يَفْتِنُوكَ﴾ أَى يصدّوكَ. وقيل: يوقعوك فى بليّة وشدّة فى صرفهم إِيّاك عمّا أُوحى إِليك.
(١٠) وبمعنى الحَيرة والضَّلال: ﴿مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ أَى بضالِّين، ﴿وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ﴾ أَى ضلالته.
(١١) وبمعنى العُذْر وَالعِلّة: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ أَى عذرهم.
(١٢) وبمعنى الجنون والغفلة: ﴿بِأَيِّكُمُ المفتون﴾ أَى الجنون. وقيل التقدير: أَيكم المفتون والباء زائدة كقوله: ﴿وكفى بالله﴾
والفتنة والبلاءُ يستعملان فيما يُدفع إليه الإِنسان من شدّة ورخاء. وهما فى الشدّة أَظهر معنى وأَكثر استعمالاً.
стр. 1893
وقوله تعالى: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ﴾ إِشارة إِلى ما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف والجوع وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال والأنفس والثمرات﴾ .
والفتنة من الأَفعال التى تكون من الله تعالى، ومن العبد؛ كالبليّة والمصيبة، والقتل، والعذاب ونحوه من الأَفعال المكروهة. ومتى كان من الله إِنَّما يكون على وجه الحكمة، ومتى كان من الإِنسان بغير أَمر الله يكون ضدّ ذلك.
стр. 1894
بصيرة فى فتى
الفَتى: الشاب، والسخىّ الكريم، وهما فَتَيَان وفَتَوَان، والجمع، فِتْيانٌ وفِتْوة وفُتُوّ وفُتىّ، وهى فتاة، والجمع: فَتَيَات. والفُتُوَّة نهاية الكَرَم. ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِفَتَاهُ﴾ : يوشع.
والفُتُوَّة منزلة حقيقتها منزلة الإِحسان وكفّ الأَذَى عن الغير وَاحتمال الأَذى منهم. فهى فى الحقيقة نتيجة حُسْن الخُلُق وغايته. وقيل: الفرق بينها وبين المروءَة أنَّ المروءَة أَعمّ، والفتوّة نوع من أَنواعها؛ فإِنَّ المروءَة استعمال ما يجمّل ويزين ممّا هو مختصّ بالعبد، أَو متعدّ إِلى غيره، وترك ما يدنّس ويَشين ممّا هو مختصّ به أَو متعلِّقٌ بغيره. والفتوّة إِنَّما هى استعمال الأَخلاق الكريمة مع الخَلْق. وهى منزلة شريفة لم يعبَّر عنها [فى] الشريعة باسم الفتوّة، بل عُبّر عنها باسم مكارم الأَخلاق؛ كما قال ﷺ : "إِنَّ اللهَ بعثنى لتمام مكارم الأَخلاق، ومحاسن الأَفعال" رواه جابر. وأَصل الفتوّة من الفَتى وهو الشاب الطرىّ الحديث السِّنّ، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ وقال عن قوم إِبراهيم إِنهم: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾
стр. 1895
وقال تعالى عن يوسف ﵇: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السجن فَتَيَانِ﴾ ، ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجعلوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ .
فاسم / الفتى لا يُشعر بمدح ولا ذمّ كاسم الشابِّ والحَدَث. ولذلك لم يجئ لفظ الفتوّة فى الكتاب والسنَّة ولا فى كلام السّلف، وإِنما استعمله مَنْ بعدهم فى مكارم الأَخلاق. قيل: أَقدمُ من تكلَّم فى الفتوّة جعفر الصّادق، ثمّ الفُضَيل بن عِياض، والإِمام أَحمد، وسهل بن عبد الله التُسْتَرىّ، والجُنَيْد، ثم طائفة. سئل جعفر عنها وقال للسّائل ما تقول؟ قال. إِن أُعطيت شكرت، وإِن مُنِعت صبرت. فقال: الكلاب عندنا كذلك. فقال: يا ابن رسول الله فما الفتوّة عندكم؟ قال: إِن أُعطينا آثرنا، وإِن مُنِعنا شكرنا. وقال الفضيل: الفتوّة: الصّفح عن عَثَرَات الإِخوان. وسئل الإِمام أَحمد عن الفتوّة، فقال، ترك ما تهوَى لما تخشى. وسئل الجنيد عنها فقال: أَلاَّ تنافِر فقيراً، ولا تعارض غنيًّا. وقال الحارث المحاسبىّ: الفتوة أَن تُنْصف ولا تَنْتصف. وقال عمرو ابن عثمان المكىّ: الفتوة حُسْن الخلق. وقال محمّد بن على الترمذىّ: الفتوة أَن تكون خصيماً لربّك على نفسك. وقيل: الفتوة أَلاَّ ترى لنفسك فضلاً على غيرك. وقال الدقَّاق: هذا الخُلُق لا يكون كمالُه إِلاَّ لرسول الله ﷺ ، فإِنَّ كلَّ أَحد يقول يوم القيامة: نفسى نفسى، وهو يقول: أُمّتى أُمّتى. وقيل الفتوّة: كسر الصّنم الذى بينك وبين الله وهو نفسك؛ فإِنَّ الله تعالى حكى عن قصة
следующие страницы →