Полный текст (2 804 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
الضالين﴾ . وقال تعالى فى حديث ذَبْح البقرة: ﴿فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ﴾ وقَرُب أَن يتحكَّم عليهم اللجَاج: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ . ولمَّا قال النَّبىُّ ﷺ : ﴿وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾ أَجيب بقوله تعالى ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله﴾ ، ويفعل بالأعداء كما فعل بأَشياعهم من قبل: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ ، ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين﴾ وعرَّف عباده بأَنَّ سبب الفلاح إِنَّما هو فعل الخير وقال: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اركعوا واسجدوا وَاعْبُدُواْ رَبَّكُمْ وافعلوا الخير لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ أَى، إِن لم تبلِّغ هذا الأَمر فأَنت فى حكم من لم يبلِّغ شيئاً.
والفِعل عامّ لِما كان بإِجادة أَو غيرها، ولِما كان بعِلم أو بغيره، وبقصد أَو بغيره، ولِمَا كان من إِنسان أَو حيوان أَو جماد. والعمل والصنع أَخصَّ منه. ويقال للذى من جهة الفاعل: مفعول ومنفعل. وفصَّل بعضهم فقال: المفعول إِذا اعتبر بفعل الفاعل، والمنفعل إِذا اعتبر قَبُول الفعل فى نفسه، فالمفعول أَعمِّ من المنفعِل / لأَنَّ المنفعل يقال لما لا يقصِد الفاعل إِلى إِيجاده وإِن تولَّد منه، كالطرب الحاصل من الغِنَاء، وتحرك العاشق لرؤية معشوقه.
стр. 1927
بصيرة فى فقد
الفاء والقاف والدَّال تدلّ على ذهاب شىء وضياعه. وقد فقدت الشىء أَفقِده فَقْدًا وفِقْداناً - بالكسر - وفُقداناً - بالضمّ - وفُقُودًا، وهذه عن ابن دريد. قال عنترة بن شدَّاد العبسىّ يذكر رميه جُرَيَّة العَمْرىّ.
فإِنْ يَبْرَأْ فلم أَنفِث عليه ... وإِن يُفقد فحقَّ له الفُقُود
وتفقَّدته، أَى طلبته عند غَيبته، قال الله تعالى: ﴿وَتَفَقَّدَ الطير﴾ .
قال أَبو الدَّرداءِ: من يتفقَّد يفقِد، اقرِض من عِرضك ليوم فقرك، أَىْ مَن يتفقَّد أَحوال النَّاس ويتعرفها عَدِم الرِّضا، فإِنْ ثَلَبَك أَحد فلا تشتغل بمعارضته، ودع ذلك قرضاً عليه ليوم الجزاءِ.
ويقال: ما افتقدتُه منذ افتقدته، أَى ما تفقَّدته منذ فقَدته. وبات فلان غير فَقِيدٍ ولا حميد، أَى غير مكترَث لفقده.
стр. 1928
بصيرة فى فقر
الفقر: ضدّ الغِنى.
ووقع فى القرآن لفظ الفقر فى أَربعة مواضع:
أَحدها - قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرض﴾ ، أَى الصَّدقاتُ لهؤلاءِ، وكان فقراءُ المهاجرين نحو أَربعمائة لم يكن لهم مساكن فى المدينة ولا عشائر، وكانوا قد حبسوا أَنفسَهم على الجهاد، وكانوا وَقْفاً على كلِّ سريَّه يبعثها رسول الله ﷺ وهم أَهل الصُّفَّة. هذا أَحد الأَقوال [فى] إِحصارهم فى سبيل الله. وقيل: هو حبْسهم أَنفسهم فى طاعة الله. وقيل: حَبَسهم الفقر والعُدْم عن الجهاد. وقيل: لَمَّا عادَوا أَعداء الله وجاهدوهم أُحصِروا عن الضرب فى الأَرض لطلب المعاش، فلا يستطيعون ضرباً فى الأَرض. والصَّحيح أَنه لفقرهم وعجزهم وضعفهم لا يستطيعون ضرباَ فى الأَرض، ولِكمَال عفَّتهم وصيانتهم يحسبهم من لم يعرف حالهم أَغنياء.
والموضع الثانى - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين﴾ الآية.
والموضع الثالث - قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس أَنتُمُ الفقرآء إِلَى الله﴾ .
والموضع الرابع - قال الله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ .
стр. 1929
والصّنف الأَول خواصّ الفقراءِ، والثَّانى فقراءُ المسلمين خاصّهم وعامّهم، والثالث الفقر العامّ لأَهل الأَرض كلِّهم غنيّهم وفقيرهم، مؤمِنهم وكافرهم. والرابع الفقر إِلى الله المشار إِليه بقوله: "اللَّهم أَغْنِنى بالافتقار إِليك". وبهذا أَلَمَّ الشاعر:
ويعجبنى فقرى إِليك ولم يكن ... ليعجبنى لولا محبَّتُك الفقرُ
والفقراءُ الموصوفون فى الآية الأُولى يقابلهم أَصحاب الجِدَة، ومن ليس محصَرًا فى سبيل الله، ومن لم يكتم فقرًا وضعفاً. فمقابلهم أَكثر من مقابل الصّنف الثانى. والصّنف الثانى يقابل أَصحاب الجِدَة، ويدخل فيهم المتعفِّف وغيره، والمحصَر وغيره. والصَّنف الثالث لا مقابل لهم، بل الله وحده الغنىّ وكلُّ ما سواه فقير إِليه.
ومراد المشايخ بالفقر شىء أَخصُّ من هذه كلّها وهو الافتقار إِلى الله فى كلِّ حالة. وهذا المعنى أَجلّ من أَن يسمَّى فقرًا، بل هو حقيقة العبوديَّة ولُبّها، وعَزْل النفس عن مزاحمة الرُّبوبيَّة.
وسئل عنه يحيى بن مُعَاذ الرازىّ فقال: حقيقته أَلاَّ يستغنى إِلاَّ بالله، ورَسْمه / عدم الأَسباب كلّها. وقال بعض المشايخ: الفقر سرّ لا يضعه الله إِلاَّ عند من يحبّه، ويسوقه إِلى مَن يريد. وقال: رُوَيم: إِرسال النَّفس فى أَحكام الله. وسئل أَبو حفص بم يقدَم الفقير على ربِّه؟ فقال: ما للفقير أَن يقدَم به على ربّه سوى فقره. وسئل بعضهم: متى يستحق
стр. 1930
الفقير اسم الفقر؟ قال إِذا لمّ [يبق] عليه منه بقيّة. فقيل له: وكيف ذاك؟ فقال: إِذا كان له فليس له، وإِذا لم يكن له فهو له. وهذه من أَحسن العبارات عن معنى الفقر الذى يشير إِليه القوم، وهو أَن يصير كلُّه لله لا يبقى عليه بقيَّة من نفسه وحظِّه وهواه، فمن بقى عليه شىء من أَحكام نفسه ففقره مدخول. ثم فسّر ذلك أَى قوله: إِذا كان له فليس له، أَى إِذا كان لنفسه فليس لله، وإِذا لم يكن لنفسه فهو لله. فحقيقة الفقر إِذًا أَلاَّ تكون لنفسك ولا يكون لها منك شىء بحيث تكون كلُّك لله. وهذا الفقر الذى يشيرون إِليه لا ينافيه الجدَة ولا الأَملاك، فقد كان رُسُل الله وأَنبياؤه - صَلوات الله وسلامه علَيهم - فى ذروة الفقر مع جدتهم ومِلكهم، كإِبراهيم الخليل ﵇ كان أَبا الضِّيفان، وكانت له الأَموال والمواشى، وكذلك كان سليمان وداود، وكذلك كان نبيّنا ﷺ كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلاً فأغنى﴾ ، وكانوا أَغنياءَ فى فقرهم، فقراءَ فى غناهم.
فالفقر الحقيقىُّ: دوام الافتقار إِلى الله تعالى فى كلِّ حال، وأَن يشهد العبد فى كلِّ ذرّة من ذرَّاته الظَّاهرة والباطنة فاقة نامية إِلى الله تعالى من كلِّ وجه. فالفقر ذاتىّ للعبد، وإِنما يتجدَّد له بشهوده حالاً، وإِلاَّ فهو حقيقته؛ كما قال بعض المشايخ:
الفقر لى وصفُ ذاتٍ لازمٌ أَبدا ... كما الغِنَى أَبدا وصفٌ له ذاتى
وله آثار وعلامات وموجِبات، أَكثر إِشارات القوم إليها، كقول بعضهم الفقير لا يسبق همَّته، أَى ابن وقته، فهمَّته مقصورة على وقته لا يتعدَّاه. وقيل: أَركان الفقر أَربعة: عِلْم يسوسه، وورع يحجزه، ويقين يحمله،
стр. 1931
وذِكْر يؤنسه. وقال الشِّبلِىّ: حقيقة الفقر أَلاَّ يستغنى بشىء دون الله. وسئل سهل: متى يستريح الفقير؟ فقال: إِذا لم ير لنفسه غير الوقت الَّذى هو فيه. وقال أَبو حفص: أَحسن ما يتوسَّل به العبد إِلى الله دوام الافتقار إِليه على جميع الأَحوال، وملازمة السُنَّة فى جميع الأَفعال، وطلب القُوت من وجه حلال. وقيل: مِن حكم الفقير أَلاَّ يكون له رغبة، فإِن كان ولا بدّ فلا يجاوز رغبتُه كفايتَه. وقيل: الفقِير من لا يَملك ولا يُمْلَك. وأَتمّ من هذا: لا يَملك ولا يملكه مالك. وقيل: من أَراد الفقر لشرفه مات فقيراً، ومن أَراده لئلا يشتغل عن الله بغيره مات غنيّا.
والفقر له بداية ونهاية، فبدايته الذلُّ ونهايته العزّ، وظاهره العُدْم وباطنه الغِنى، كما قال رجل لآخر، [الفقر] فقر وذلّ، فقال، لا: بل فقر وعِزّ. فقال: فقر وثرًى. فقال: لا، بل فقر وعَرْش. وكلاهما مصيب.
واتَّفقت كلمةُ القوم على أَن دوام الافتقار إِلى الله مع تخليط خير من دوام الصَّفاء مع رؤية النَّفس والعُجْب، مع أَنه لا صفاءَ معهما.
وإِذا عرفت معنى الفقر عرفت عين الغنى بالله تعالى / فلا معنى لسؤال من سأَل: أَىّ الحالين أَكمل؟ الافتقار إِلى الله أَم الاستغناء به؟ هذه مسأَلة غير صحيحة، فإِنَّ الاستغناء به هو عين الافتقار إِليه.
وأَمَّا مسأَلة الفقير الصَّابر، والغنىّ الشاكر، وترجيحُ أَحدهما، فعند المحقِّقين أَن التفضيل لا يرجع إِلى ذات الفقْر والغِنَى، وإِنما يرجع إِلى الأَعمال والأَحوال والحقائِق. فالمسْأَلة فاسدة فى نفسها، وإِنَّ التفضيل
стр. 1932
عند الله بالتَّقوى وحقائِق الإِيمان، لا بفقر ولا غِنى، قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ ولم يقل: أَفقركم أَو أَغناكم.
ثمّ اعلم أَنَّ الفَقْر والغِنَى ابتلاء لعبده كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ وَأَمَّآ إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ كَلاَّ﴾ أَى ليس كلّ من أَعطيتهُ ووسَّعت عليه فقد أَكرمته، لا كلُّ من ضيَّقت عليه وقَتَرت عليه الرزق فقد أَهنته والإِكرام أَن يكرم العبد بطاعته ومحبَّته ومعرفته، والإِهانة أَن يسلبه ذلك. ولا يقع التفاضل بالغنى والفقر بل بالتقوى. وقال بعضهم: هذه المسأَلة محال أَيضاً من وجه آخر، وهو أَنَّ كًّلا من الغنىّ والفقير لا بدّ له من صبر وشكر، فإِنَّ الإِيمان نصفان: نصفٌ صبر، ونصفٌ شكر. بل قد يكون قسط الغنِىّ من الصَّبر أَوفى، لأَنه يصبر عن قدرة، فصبره أَتمّ من صبر من يصبر عن عجز، ويكون شكر الفقير أَتمّ، لأَن الشكر هو استفراغ الوسع فى طاعة الله، والفقير أَعظم فراغا بالشكر من الغنِىّ. وكلاهما لا يقوم قائمة إِيمانه إِلا على ساق الصَّبر والشكر.
نعم الَّذى رجع الناس إِليه فى المسأَلة أَنَّهم ذكروا نوعا من الشكر، ونوعا من الصَّبر، وأَخذوا فى التَّرجيح، فجردوا غنيًّا مُنفقاً متصدِّقاً باذلا ماله فى وجوه القُرَب، شاكرًا الله عليه؛ وفقيرا متفرِّغاً لطاعة الله ولأوراد العبادات، صابرًا على فقره، هل هو أَكمل من ذلك الغنى أَم بالعكس. فالصَّواب فى مثل هذا أَنّ أَكملهما أَطوعهما، فإِن تساوت طاعتهما تساوت درجتهما والله أَعلم.
стр. 1933
والعرب تقول: سَدّ الله مَفاقِره، أَى وجوه فقره. ويقال: افتقر فهو مفتقِر وفقير، ولا يكاد يقال: فَقُر. وإِن كان القياس يقتضيه.
وأَصل الفقير هو المكسور الفَقَار. عَمِل به الفاقرةَ أَى الدَّاهية الَّتى كسرت فَقَاره. وأَفقرك الصَّيدُ: أَمكنك عن فقاره. أَفْقَرته ناقتى: أَعرته فَقَارها للركوب، وما أَحسن قول الزَّمخشرى:
أَلاَ أَفقر الله عبداً أَبَتْ ... عليه الدّناءة أَن يُفْقِرَا
ومن لا يُعير قَرا مَرْكَبٍ ... فقل كيف يَعقِره للقِرَى
وما أَحسن فِقَر كلامه، أَى نُكته، وهى فى الأَصل حُلِىّ تصاغ على شكل فِقَر الظهر.
стр. 1934
بصيرة فى فقع وفقه وفك
الفُقُوع: النُصُوع، أَى خُلُوص اللَّون، قال تعالى: ﴿صَفْرَآءُ فَاقِعٌ﴾ فَقَعَ - كمنع ونصر - فَقْعاً وفُقُوعًا: اشَتدَّت صفرته. وأَصفر فاقع وفُقَاعىّ اللون: صادق. وأَبيض فِقِّيع كسكِّيت. وأَصابته فاقعة من فواقع الدَّهر: بائقة من بوائِقه، يقال: كلّ باقعة مَمْنُوّ بفاقعة. وطَفَت على الشراب الفواقع والفواقيع، وهى النُفَّاحات.
والفِقه بالكسر: العلم بالشىء، / والفهم له، والفطنة. وغلب على عِلم الدّين لِشرفه، فقه - ككرم وفرح - فهو فقيه وفَقُهٌ. والجمع فُقَهَاءُ. وهى فقيهة، والجمع: فقائه. وفَقِهَهُ كعلمه: فَهِمَه. وتفقَّهه: تفهَّمه. وفقَّهه تفقيهًا، وأَفقهه: علَّمه. وفاقَهه فَفَقهه كنصره: باحثه فغلبه فى العلم. ويقال للشاهد: كيف فَقاهتك لما أَشهدناك.
والفِقه أَخصّ [من] العلم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ ، وقال: ﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين﴾ .
فكَّه: فَصَله. والرهنَ فكًّا وفُكوكاً: خلَّصَهُ، والرقبةَ: أَعتقها، ويدّه: فتحها عمّا فيها. وفَكَاك الرهن - ويكسر -: ما يُفْتَكُّ به..
стр. 1935
وانفكَّت قدمُه: زالت، وإِصبعه: انفجرت، قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين مُنفَكِّينَ﴾ ، أَى لم يكونوا متفرِّقين، بل كان كلّهم على الضَّلال. وما انفكَّ يفعل كذا، نحو ما زال يفعل كذا.
стр. 1936
بصيرة فى فكر
الفِكْرُ: قوّة مطرِّقة للعلم إِلى المعلوم. والتفكر: جريان تلك القوّة بحسب نظر العقل، وذلك مختصّ بالإِنسان دون الحيوان، ولا يقال إِلا فيما يمكن أَن يحصل له صورة فى العقل، ولهذا قيل: تفكَّروا فى آلاءِ الله ولا تفكَّروا فى الله؛ إِذ كان منزَّهاً أَن يوصف بصورة، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ في أَنفُسِهِمْ﴾ ، ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السماوات﴾ .
ورجل فِكِّيرٌ وفَكُور: كثير الفكرة. وتقول: لفلان فِكَر، كلّها فِقَر، وما زالت فكرته مغاص الدُرَر.
وقال المشايخ: الفكرة فكرتان: فكرة تتعلَّق بالعلم والمعرفة، وفكرة تتعلقُ بالطلب والإِرادة. فالتى تتعلق بالعلم والمعرفة فكرة التمييز بين الحقِّ والباطل، والثابت والمنفِىِّ. والفكرة الَّتى تتعلَّق بالطَّلب والإِرادة هى الفكرة الَّتى تميّز بين النافع والضَّار، ثمّ تترتَّب عليها فكرة أَخرى فى الطَّريق إِلى حصول ما ينفع فيسلكها، وطريق ما يضرّ فيتركها ولهم فكرة فى عين التوحيد وفكرة فى لطائف الصّنعة، وفكرة فى معانى الأَعمال والأَحوال. فهذه ستة أَقسام لا سابع لها هى مجال أَفكار العقلاءِ.
فالفكرة فى التوحيد: استحضار أَدلَّته وشواهده الدّالة على بطلان الشِّرْكِ واستحالته، وأَنَّ الإِلهيّة يستحيل ثبوتها لاثنين كما يستحيل ثبوت الربوبيّة لاثنين؛ فذلك أَبْطلُ الباطل عبادة اثنين، والتوكُّل على اثنين، بل لا تصلح العبادة إِلا للإِله الحقّ، والرّب الحقّ وهو الله الواحد القهار.
стр. 1937
بصيرة فى فكه وفلح وفلق
الفاكهة: الثمار كلّها، وقيل: ما عدا العنب والرّمان والتمر، كأَن قائله نظر إِلى اختصاصها بالذِّكر فى قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ . والفاكهانىّ: بائعها. والفِكه - ككتف -: آكلها. والفاكه: صاحبها. وفكَّههم تفكيهاً: أَتاهم بها. والفاكهة: النخلة المعجبة، واسم للحلواءِ. وفكَّههم بمُلح الكلام تفكيهًا: أَطْرفهم: بها. والاسم الفَكِيهة والفُكَاهة بالضَّمّ. [وفكه - كفرح - فَكَهًا وفكاهة] فهو فَكِهٌ وفاكِه: طيّب النفس ضَحُوك وفاكهه. مازحه. وتفاكهوا: تمازحوا.
الفَلَح - محركة - والفلاح: البقاءُ، والظفر، وإِدراك المُنْية. وذلك ضربان: دينىّ ودنيوىّ. فالدنيوىّ: الظفر بالسعادات الَّتى تطيب بها حياةُ الدّنيا. والأُخروىّ أَربعة أَشياء: بكاءٌ بلا فناء، وغِنىً بلا فقر، وعزّ بلا ذلّ، وعلم بلا جهل؛ ولذلك قِيل: / لا عيش إِلا عيش الآخرة. وقوله: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى﴾ يحتمل الأُخروىّ والدنيوى وهو أَقرب. والفلاَّحة: الأَكَرةُ لأَنَّهم يَفلَحُونَ الأَرض أَى يشُقونها.
وحَىّ على الفلاح، أَى على الظفر الذى جعله الله لنا بالصّلاة
والفَلَحُ - محركة -: الشقّ فى الشَفَة السفلى.
стр. 1938
الفَلْق: شَقّ الشىءِ وإِبانة بعضه من بعض، فَلَقه يَفْلِقه وفَلَّقه: شَقَّه فانفلق وتفلَّق، قال تعالى: ﴿فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود﴾ . وفالِق الحَبّ: خالِقه أَو شاقُّه بإِخراج الورق منه. وفالِق الإِصباح: شاقُّه بالفَجْر وبالنُور. وأَفلق الشاعر وافتلق: أَتى بالعجيبة.
الفَيْلَقُ: الجيش، والعَجَب، والرجل العظيم. وتَفَيْلَق: ضَخُم وسمِن.
و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ أَى الصّبح، وقيل: الأَنهار المذكورة فى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً﴾ ، وقيل: هو الكلمة التى علّمها الله موسى ففلّق بها البحر.
стр. 1939
بصيرة فى فلك وفلن وفن
الفَلَك - محركة -: مدار النّجوم. والجمع: أَفلاك وفُلُك، ومن كلِّ شىءٍ: مستداره ومعظمه، وقِطَعٌ من الأَرض تستدير وترتفِع عمّا حولها، الواحدة فَلْكة بسكون اللام. ومنه: فَلَك ثديُها وأَفْلك وتفلَّك، وفَلَكَت هى وفَلَّكت، فهى فالِك ومُفَلِّك.
والفُلْك - بالضمّ: السفينة. ويذكَّر ويؤَنَّث ويستوى فيه الواحد والجمع، وتقديراهما مختلفان، فإِنه إِذا كان واحدا فكبناءِ قُفْل، وإِذا كان جمعاً كان كبناء حُمْر.
وفُلانٌ وفُلانةُ كنايتان عن أَسماءِ الرّجل والمرأَة، والفُلان والفلانة كناية عن غير بنى آدم. وقد يقال للواحد: يا فلُ، وللاثنين: يا فُلاَنِ، وللجمع: يا فُلُونَ، وفى المؤَنث: يا فُلَةُ، ويا فُلَتَان، ويا فُلاةُ. ومنه سيبويه أَن يقال يا فُل ويراد به يا فلان. قال تعالى: ﴿ياويلتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ تنبيها على تندّم من خالّ صاحبه فى تحرىّ باطل.
الفَنَن - مَحركَّة -: الغُصْن. والجمع أَفنانٌ. وجمع الجمع أَفانين. وشجرة فَنَّاءُ وفَنْوَاء: كثيرتها. والأُفنون: الغُصْن. وقوله تعالى: ﴿ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ﴾ ، أَى ذواتا غصون. وقيل: ذواتا أَلوان مختلفة.
стр. 1940
بصيرة فى فند
الفَنَد - محرّكة -: الكذب، وضَعْف الرّأى من هَرَم، والخطأ فيه. قال النابغة الذبيانىّ يمدح النُّعمان بن المنذر:
ولا أَرى فاعلاً فى النَّاس يشبهه ... وما أُحاشى من الأَقوام مِن أَحدِ
إِلاَّ سليمان إِذ قال المليك له ... قم فى البريّة فاحْدُدْهَا عن الفَنَد
والتفنيد: اللوم، وتضعيف الرأى، قال تعالى: ﴿لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾ أَى قبل أَن تلومونى فيه.
والتفَنُّد: التندّم فى الأَمر.
стр. 1941
بصيرة فى فوت وفوج
الفَوْت والفَوَات: خلاف إِدراك الشىءِ والوصول إِليه. فاتَهُ يفوته فَوْتًا وفَوَاتًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ ترى إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ﴾ قال، ابن عرفة: أَى لم يَسبقوا ما أريد منهم. ومرّ النبى ﷺ بحائط مائل فأَسرع المشى، فقيل: يا رسول الله أَسرعت المشى، فقال: "أَخاف موت الفَوَات"، أَى موت الفُجاءَة. ورجل فُوَيت وامرأَة فوَيت لم ينفرد برأْيه ولا يشاور. والافتيات: السبق إِلى الشىءِ دون ائتمار من يؤتمر. وتفاوت الشيئان تباعد ما بينهما تفاوُتاً. وقال ابن السِّكِّيت: قال الكلابيوّن: تفاوَتاً بفتح الواو، وقال العنبرىُّ: تفاوِتاً بكسر الواو. وحكى أَيضاً أَبو زيد تفاوَتاً / - وتفاوِتاً بفتح الواو وكسرِها - وهو على غير قياس؛ لأَن المصدر من تفاعَل تفاعُل بضم العين إِلاَّ ما روى فى هذه الكلمة.
وقوله تعالى: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمان مِن تَفَاوُتٍ﴾ أَى اختلاف واضطراب. وقرأَ حمزة والكسائىّ: (من تفوّت) ، قال السُدّى: أَى من عيب، يقول النّاظر: لو كان كذا وكذا كان أَحسن.
وجعل الله رزقه فَوْت فمه، أَى حيث يراه ولا يصل إِليه.
والفَوْج: الجماعة يمرّون مسرعين، قال تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجاً﴾ .
стр. 1942
بصيرة فى فود و (فور)
الفَوَاد - بالفتح وبالواو - لغة فى الفُؤاد - بالضمّ وبالهمز -. وقيل: إِنَّما يقال للقلب الفؤاد إِذا اعتبر فيه معنى التَفَؤُّد أَى التوقُّد. وقيل: القلب أَخَصّ من الفؤَاد، ومنه حديث النَّبى ﷺ : "أَتاكم أَهلُ اليَمَن هم أَرقّ قلوباً وأَلْيَن أَفئدَة. والإِيمان يمانِ، والحِكْمة يمانِية"، فوصف القلوب بالرقّة، والأَفئدَة باللِّين، وقال تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى﴾ . وقوله تعالى: ﴿نَارُ الله الموقدة التي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة﴾ تنبيه على شدّة تأْثيرها.
ورجل مَفْئود: مصاب الفؤاد. وقد فُئِدَ، وفأَده الفزع. وفأَدت الظبى: رميته فأَصبت فؤاده. والمُفْتَأَدُ: موقُد النار للشواءِ.
الفَوْر: شدّة الغليان. فارتِ النارُ والقِدْرُ، والعين، والغضب. وثار ثائره، وفار فائره، أَى اشتدَّ غضبه. وفَوْرة العُقار: طُفَاوَتُها وما فار منها، وفُوارة الماءِ، كلّ ذلك تشبيهاً بغليان القدْر.
وفعلته مِن فَوْرى، أَى فى غليان الحال، قال تعالى: ﴿وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ .
стр. 1943
بصيرة فى فوز وفوض
الفوز: الظفر. والفوز: النجاة. يقال: طوبى لمن فاز بالثواب، وفاز من العقاب، أَى ظفِر ونجا. وهو بمفَازة من العذاب، أَى بمَنْجاةٍ منه، وقال تعالى: ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِّنَ العذاب﴾ . وسُمّى الفلاة مفازة على سبيل التَّفاؤل. وفاز سهمه، وخرج لهم سهم فائز: إِذا غَلَب. وفاز بفائزة، أَى شىءٍ يسير يصيب به الفوز. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفوز المبين﴾ .
وفوّز الرجل: مات، أَى صار فى مفازة ما بين الدُّنيا والآخرة، أَو بمعنى أَنه نجا من متاعب الدّنيا وحِبَالتها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾ أَى فوزًا، أَو مكان فوز، ثمّ فسّر فقال: ﴿حَدَآئِقَ وَأَعْنَاباً﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ الله﴾ إِلى قوله: ﴿فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ أَى يحرصون على أَعراض الدّنيا ويَعُدُّون ما ينالونه من الغنيمة فوزًا عظيمًا. وقال تعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ﴾ .
فوّض إِليه الأَمر: ردّه إِليه. ﴿وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله﴾ . وفاوضته فى أَمرى: جارَيته. والمفاوضة والتَّفاوض: الاشتراك فى كلِّ شىءٍ. وكانت بيننا مفاوضات ومخاوضات.
стр. 1944
بصيرة فى فوق وفوه (وفوم)
كلمة فوق نقيض تحت. وتستعمل فى الزَّمان والمكان، والجسم، والعَدَد والمنزلة. وذلك أَضْرُبٌ:
الأَوّل: بمعنى العلوّ، نحو قوله: ﴿قُلْ هُوَ القادر على أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ .
الثانى: باعتبار الصعُود والحدور، نحو قوله تعالى: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ .
الثالث: يقال فى العدَد، نحو قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين﴾ .
الرابع: فى الكبر والصغر؛ نحو قوله تعالى: ﴿أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ ، أَشار بما فوقها إِلى العنكبوت المذكور فى قوله: ﴿كَمَثَلِ العنكبوت﴾ . وقيل معناه: ما فوقها فى الصّغر. وليس فوق من الأَضداد، كما توَّهم بعض المصنّفين.
الخامس: باعتبار الفضيلة الدنيويّة، نحو قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ ، أَو الأَخرويّة نحو قوله تعالى: ﴿والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ .
стр. 1945
السّادس: باعتبار القهر والغلبة؛ نحو [قوله تعالى] : ﴿وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ ، ومنه قيل: فاق فلان قومَه أَى علاهم.
وما أَقام عنده إِلاَّ فُوَاق ناقة، وفِيقة ناقة: أَى قليلا؛ وذلك أَنَّ النَّاقة تُحلب فى اليوم خمس مرات أَو ستّ مرّات، فما اجتمع بين الحَلبتين فهو فِيقة.
والفُوه والفاه والفِيهُ والفَم سواء. والجمع: أَفواه وأَفمام، ولا واحد لها؛ لأَنَّ فمًا أَصله فَوْه، حُذفت الهاءُ كما حذفت من سَنَة، وبقيت الواو طَرَفًا متحركة فوجب إِبْدالها أَلِفًا لانفتاح ما قبلها، فبقى (فا) ولا يكون الاسم على حرفين أَحدهما التنوين، فأبدك مكانها حرف جَلْد مشاكِل لها، وهو الميم؛ لأَنهما شفهيَّتان. وفى الميم هُوِىّ فى الفم يضارع امتداد الواو. ويقال فى تثنيته: فَمَان وفَمَوان وفَمَيان، والأَخيران نادران.
والفَوَه - محركة -: سعة الفم. قال الله تعالى: ﴿ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ .
والفُوم - بالضمّ -: الثُوم، والحنطة، والحِمَّص، والخبز، وسائر الحبوب التى تُخْبز.
стр. 1946
بصيرة فى فهم وفيض وفيل وفيأ
فَهِمه فَهْمًا، وفَهَما - بالتحريك وهى أَفصح - وفَهامِيَةً: علمه. وقيل الفَهم: هيئه للنَّفس بها يتحقَّق معانى ما يحسن. فَهِمَ فهو فَهِمٌ. واستفهمنى وفهَّمته، قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ ، وذلك إِمّا بأَن جعل الله له من فضل قوّة الفهم ما أَدرك به ذلك وإِمَّا بأَن أَلقى ذلك فى رُوعه، أَو بأَن أوحى إِليه وخصّه به. وتفهَّم الكلام: فهمه شيئاً بعد شىءٍ.
فاض الماءُ يَفِيض فَيْضًا وفُيُوضًا وفِيُوضًا - بالكسر - وفَيْضُوضة وفَيَضاناً: سال فى كثرة انصباب. وأَفاض الماءَ على نفسه: أَفرغه، والناسُ من عرفات: دَفَعُوا أَو رجعوا وتفرّقوا، وفى الحديث: "اندفعوا وفاضوا". قال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ . والإِناءَ: ملأَه حتى فاض، ومن المكان: أَسرع منه إِلى آخر. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ﴾ ، أَى اندفعتم منها بكثرة كاندفاع السيل وفيضان الماءِ.
والفِيل: معروف والجمع أَفيال، وفُيُولٌ، وفِيَلَةٌ. والأُنثى فِيلَة. وصاحبهما فيّال. واستَفْيَل الجملُ: صار كالفِيل.
وتَفَيَّل الشبابُ: زاد. وفال رأْيهُ يَفيل فيلولة: أَخطأ وضعف.
والفَىْءُ والفَيئة والفُيوء: الرّجوع إِلى حالة محمودة، قال تعالى: ﴿فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ﴾ . وسمّى الفَىْء فيئاً لرجوعه من جانب إِلى جانب.
стр. 1947
قال ابن السكِّيت: الفَىْءُ: ما نسخ الشمسَ، والظلّ: ما نسخته الشمس.
والفِئة: الطَّائفة. والهاءُ عوض من الياءِ الَّتى سقطت من وسطها، وأَصلها فىء مثال فِيعٍ، ويجمع على فئين وفئات.
وأَفأته: رجعته، قال تعالى: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى﴾ يعنى من مال الكفَّار.
والفَىْءُ الغنيمة، والخراج. سمّى بذلك تشبيهاً بالفىءِ الذى هو الظلّ، تنبيهاً بأَن أَشرف أَعراض الدنيا يَجْرِى مَجْرَى ظِلٍّ زائل. والله أَعلم.
стр. 1948
الباب الثانى والعشرون - فى الكلم المفتتحة بحرف القاف
стр. 1949
بصيرة فى القاف
وإِنه وارد على تسعة أَوجه:
١- حرف هجاءٍ لَهَوىّ مخرجه من اللَهَاة قرب مخرج الكاف. والنسبة قافىّ. والفعل منه: قَوّفت قافاً حَسَنًا وحسنةً. والجمع: أَقواف وقافات.
٢- اسم لعدد المائة فى حساب الجُمّل.
٣- القاف الأَصلىّ فى الكلم، كما فى: قول، وقلو، ولوق.
٤- قاف الإِتباع والمزاوجة: هو ابن عمّى لحّا قَحًّا، أَى خالِصاً.
٥- القاف المبدلة من الكاف: أَعرابىّ قُحّ وكُحّ، أَى محض خالص. ﴿فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ﴾ ، و (لاَ تَكْهَرْ) قرأَ بها ابن مسعود رضى الله عنه.
٦- قاف العجز والضرورة، كقوله العرب: قال فى كال. والترك يقولون فى خادم: قادم.
٧- القاف المكرّرة: نحو: حقّ: وحقوق.
٨- القاف الكافية الَّتى يختصر عليها من الكلمة: نحو: ﴿ق والقرآن﴾ و ﴿حمعاساقا﴾ قال الشاعر:
قلت لها قِفِى فقالت لى قاف أَى وقفْت
٩- قاف: اسم جبل محيط بالعالم.
١٠- القاف اللغوىّ: معناه فى اللغة: الرجل المصلح بين القوم.
قال أَبو النّجم:
مهذَّب الخِلْقَة أَرْيَحىُّ ... قافٌ بَسيطُ الكفِّ عبقرىّ
стр. 1950
بصيرة فى قبح وقبر وقبس
ما ينبو عنه البصرُ من الأَعيان يقال فيه: قَبِيح. وكذا ما تنبو عنه النَّفس من الأَفعال والأَحوال. وهذا قبيح مستقبَح. وأَحسنت وأَقْبَحَ أَخوك: جاءَ بفعل قبيح. وقبَّحتُ عليه فعله. وقبَحه الله: أَبعده. وفلان مقبوح: مُنَحًّى عن الخير. قال تعالى: ﴿هُمْ مِّنَ المقبوحين﴾ أَى المعْلَمين بعلامة قبيحة، وذلك إِشارة إِلى ما وصف الله تعالى به الكفّار من المذامّ، ومن سواد الوجه وزرقة العيون، وسَحْبهم فى الأَغلال ونحو ذلك.
القبر: منزل الميت. ونُقِلوا من القصور إِلى القبور، ومن المنابر إِلى المقابر. والمَقبَرَة والمَقْبُرَة: مجتمع القبور. قال:
لكُلِّ أُناس مَقْبَرٌ بِفِنائهم ... فهم يَنْقصون والقبورُ تزيد
وقَبَرَه: جعله فى القبر. وأَقبره: جعل له مكاناً يُقبر فيه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ ، وقيل: معناه: أُلْهِم كيف يُدفَن. وقوله تعالى: ﴿حتى زُرْتُمُ المقابر﴾ كناية عن الموت. وقوله: ﴿إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي القبور﴾ إِشارة إِلى حال البعث، وقيل: إِشارة إِلى حين كَشف السرائر. فإِنَّ أَحوال النَّاس فى الدنيا مستورة كأَنها مقبورة، وقيل معناه: إِذا زالت الجهالة
стр. 1951
بالموت. وكأَنّ الكافر والجاهَل ما دام فى الدنيا مقبور، فإِذا مات فقد نشر من قبره وأُخرِج / من جهالته، وذلك معنى الأَثر: "النَّاس نِيَام فإِذا ماتوا انتبهوا". والله تعالى أَشار إِلى هذا بقوله: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي القبور﴾ .
خُذْ قَبَساً من النَّار ومِقْبَساً ومِقْبَاساً، واقبِس لى نارا. ومنه: وما أَنت إِلا كالقابس العجلان، أَى كالمقتبس.
وقَبَسته، ناراً وعلماً وأقبسته، كقولك: بغيته وأَبْغَيته. وما أَنا إِلاَّ قَبْسة من نارك، وقَبْضة من آثارك. قال تعالى: ﴿نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ .
وحُمَّى قبْسِ لا حُمَّى عَرَض، أَى اقتبسها من غيره ولم تعرِض له من تِلقاءِ نفسه.
стр. 1952
بصيرة فى قبص وقبض
القَبْص والتقبيص: التناول بأَطراف الأَصابع. وذلك المتناوَل قَبْصة وقُبصة وقبيصه. وقرئ فى الشاذّ: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول﴾ .
والقَبْض: التناول باليد، والسوق الشديد. والمتناوَل قَبْضة وقُبْضة، قال تعالى: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرسول﴾ . يقال: قبضت من أَثَره قَبْضة وقَبْضاً، واقتبضت. قال أَبو الجْهم الجعفرى:
قالت له واقتبضت من أَثَرِهِْ ... يا رَبّ صاحِبْ شيخنا فى سفرهِْ
قيل له: كيف اقتبضَتْ من أَثره؟ قال: أَخذت قبضة من أَثره فى الأَرض فقبَّلتها. وعن مجاهد فى قوله تعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ يعنى القُبَض الَّتى تُعطَى عند الحصاد. وقوله تعالى: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أَى يمتنعون عن العطاء والإِنفاق.
ويستعار القبض للتصرّف فى شىء وإِن لم يكن [فيه] مراعاة اليد والكف، نحو: قبضت الدار والأَرض أَى حُزتها. وقوله تعالى: ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة﴾ أَى فى حَوْزه حيث لا تملّك لأَحد. وقوله تعالى: ﴿والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أَى يَسلب ناسا ويعطى آخرين، أَو يجمع مرّة ويفرِّق مرَّة، أَو يميت ويُحْيى.
стр. 1953
وقد يكنى بالقبض عن الموت فيقال: قبضه الله. [وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾ إِشارة إِلى نسخ ظل الشمس] . أَخبر الله تعالى فى هذه الآية أَنه بسط الظلّ ومَدَّه وجعله متحركاً تبعاً لحركة الشمس، ولو شاءَ لجعله ساكناً لا يتحرَّك، إِمَّا بسكون المَظْهَر له والدَّليل عليه، وإِمَّا بسبب آخر. ثم أَخبر أَنه قبضه بعد بسطه قبضاً يسيراً، وهو شىء بعد شىء، لم يقبضه جُملة. فهذا من أَعظم آياته الدالَّة على كمال قدرته وحكمته. فندب سبحانه إِلى رؤية صنعه وقدرته وحكمته فى هذا الفَرْد من مخلوقاته، ولو شاءَ لجعله لا صِقاً بأَصل ما هو ظلٌّ له من جَبَل وبناءِ وحَجَر وغيره فَلم يَنتفع به أَحد، فإِن كمال الانتفاع به تابع لمدّه وبسطه وتحوّله من مكان إِلى مكان. وفى مَدّه وبسطه ثُمَّ قَبْضِه شيئاً فشيئاً من المصالح والمنافع مالا يخفى ولا يُحْصَى، فلو كان ساكناً دائماً أَو قُبض دفعة واحدة لتعطلَّت مرافقُ العالم ومصالحُه. وفى دلالة الشمس على الظِّلال ما تُعرف به أَوقات الصَّلوات، وما مضى من اليوم وما بقى منه، وفى تحرُّكه وانتقاله ما يَبْرد ما أَصابه حرّ الشمس، وينتفع الحيوان والشجر والنَّبات. فهو من آيات الله الدَّالَُّة عليه.
وفى الآية وجه آخر. وهو أَنه سبحانه مَدّ الظل حين بنا السَّماء كالقُّبة المضروبة، ودحا الأَرض عنها، فأَلقت القبّة ظلها عليها، فلو شاء سبحانه لجعله ساكنا مستقرا فى تلك الحال، ثم خلق الجبال ونصبها دليلا على ذلك
стр. 1954
الظل، فهو يتبعها فى حركتها، يزيد وينقص، ويمتد ويَقْلُص، فهو تابع لها تبعيَّة المدلول / لدليله.
وفيه وجه آخر، وهو أَن يكون المراد قَبْضه عند قيام السَّاعة بقبض أَسبابه، وهى الأَجرام الَّتى تُلقى الظِّلال، فيكون قد ذكر إِعدامه بإِعدام أَسبابه؛ كما ذكر إِنشاءَه بإِنشاءِ أَسبابه. وقوله: ﴿قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾ كأَنه يُشْعِر بذلك. وقوله: ﴿قَبْضاً يَسِيراً﴾ يشبه قوله: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ ، وقوله بصيغة الماضى لا ينافى ذلك كقوله: ﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ .
والوجه فى الآية هو الأَوَّل. وهذان الوجهان إِن أَراد من ذكرهما دلالة الآية عليهما إِشارة وإِيماءً فقريب، وإِن أَراد أَن ذلك هو المراد من لفظها فبعيد؛ لأَنَّه سبحانه جعل ذلك آية ودلالة عليه للناظر فيه كما فى سائر آياته التى تدعو عباده إِلى النَّظر فيها، فلا بدّ أَن يكون ذلك أَمرًا مشهودًا تقوم به الدِّلالة، ويحصل به المقصود.
قال المحقِّقون من السَّالِكين: القبض نوعان: قبض فى الأَحوال، وقبض فى الحقائق. فالقبض فى الأَحوال: أَمْر يطرق القلب ويمنعه عن الانبساط والفرح، وهو نوعان أَيضاً: أَحدهما: ما يعرف سببه كتذكر ذنب، أَو تفريط، أَو بعد، أَو جَفوة، أَو حدوث ذلك. والثانى: ما لا يُعرف سببهُ بل يَهْجُم على القلب هجوما لا يقدر على التخلُّص منه، وهذا هو القبض المشار إِليه بأَلسِنَة القوم، وضدُّ البسط.
стр. 1955
فالقبض والبسط عندهم حالتان للقلب لا يكاد ينفكّ عنهما. قال أَبو القاسم الجُنَيد: فى معنى القبض والبسط معنى الخوف والرَّجاء، فالرَّجاء يبسط إِلى الطَّاعة، والقبض والخوف يقبض عن المعصية.
وكلّهم تكلَّم فى القبض والبسط حتَّى جعلوه أَقساماً: قبض تأْديب، وقبض تهذيب، وقبض جمع، وقبض تفريق. ولهذا يمتنع به صاحبُه إِذا تمكَّن منه من الأَكل والشرب والكلام، ويقل الانبساط إِلى الأَهل وغيرهم.
فقبض التأْديب يكون عقوبة على غفلة أَو خُلطاء سَوْءٍ، أَو فكرة رديئة.
وقبض التهذيب يكون إِعْدَادًا لِبسط عظيم يأْتى بعده. فيكون القبض قبله كالتنبيه عليه والمقدِّمة له، كما كان الغَتُّ والغطّ بين يَدَى الوحى إِعدادًا لوروده. وهكذا الخوف الشديد مقدِّمة بين يدى الأَمن. فقد جرت سُنَّة الله - سبحانه - أَن هذه الأمور النافعة المحبوبة يُدخَل إِليها من أَبواب أَضدادها.
وأَمَّا قبض الجمع فهو ما يحصل للقلب حالة جَمْعيَّته على الله من انقباضه عن العالَم وما فيه، فلا يبقى فيه فضل ولا سعة لغير مَن اجتمع عليه قلبُه. وفى هذه مَن أَراد من صاحبه ما يعهده منه من المؤانسة والمذاكرة فقد ظلمه.
وأَما قبض التفرقة فهو القبض الذى يحصل لمن تفرَّق قلبُه عن الله وتشتَّت فى الشِّعاب والأَودية. فأَقلّ عقوبته ما يجده من القبض الذى ينتهى معه الموت.
وثمّ قبض آخر خصَّ الله به صُيَّابَته أَى خواصّ عباده. وهم ثلاث فرق:
стр. 1956
فرقة قبضهم إِليه قبض التّوفى أَو قبض التوقِّى - من الوقاية - أَى سترهم عن أَعين النَّاس وقاية لهم وصيانة عن مُلابستهم، فغيَّبهم عن أَعينهم. وهؤلاءِ أَهل الانقطاع والعُزْلة عن الناس وقت فساد الزمان. ولعلَّهم الذين قال [فيهم] النبى ﷺ : "يوشِك أَن يكون خير مال المسلم غَنماً يتَّبع بها شعَف الجبال ومواقع القَطْر"، وقوله: "ورجل معتزل فى شِعْب من الشِّعاب يعبد ربَّه، ويدع النَّاس من شرِّه". وهذه الحال تُحمد فى بعض الأَماكن والأَوقات دون بعضها، وإِلاَّ فالمؤمن الذى يخالط النَّاس ويصبر على أَذاهم أَفضل من هؤلاءِ.
وفرقة أَخرى مستورون فى لباس التلبيس، مخالطون للناس، والنَّاسُ يرون ظواهرهم وقد سَتر الله سبحانه حقائقهم وأَحوالهم عن رؤية الخَلْق لها، فحالهم ملتَبسٌ على النَّاس. فإِذَا رأَوا منهم ما يرون من أَبْنَاءِ الدنيا - من الأَكل والشرب واللباس والنكاح وطلاقة الوجه وحسن المعاشرة - قالوا: هؤلاءِ منَّا أَبناءَ الدنيا، وإِذا رأَوا ذلك الجدّ والهمّ والصبر والصدق وحلاوة المعرفة والإِيمان والذكر، وشاهدوا أَمورًا ليست فى أَبناءِ الدنيا، قالوا: هؤلاءِ أَبناء الآخرة، فالتبس حالهم عليهم فهم مستورون عنهم. فهؤلاءِ هم الصادقون، هم مع النَّاس، والنَّاس لا يعرفونهم ولا يرفعون بهم رأْسا، وهم من سادات أَولياءِ الله. وهذه الفِرقة بينها وبين
стр. 1957
الفرقة الأُولى من الفضل مالا يعلمه إِلا الله. فهم بين النَّاس بأَبدانهم، ومع الرفيق الأَعلى بقلوبهم، فإِذا قُبِضوا انتقلت أَرواحهم إِلى تلك الحضرة؛ فإِن المَرْءَ مع من أَحبّ. وما أَحسن قول القائل
ووراءَ هاتيك الستور محجَّب ... بالحُسن كلُّ العزِّ تحت لوائه
لو أَبصرت عيناك بعضَ جماله ... لبذلت منك الروح فى إِرضائه
ما طابت الدنيا بغير حديثه ... كلاَّ ولا الأخرى بدون لقائه
يا خاسراً هانت عليه نفسُه ... إِذْ باعها بالغَبْن من أَعدائه
لو كنت تعلم قدر ما قد بعته ... لفسخت ذاك البيع قبل وفائه
أَو كنت كفؤا للرشاد وللهدى ... أَبصرت لكن لست من أَكفائه
وفرقة ثالثة قبضهم إِليه فصَافاهم مصَافاة ستر وفيض ومدد عليهم وهذه الفرقة أَعلى من الفرقتين المتقدِّمتين، لأَن الحق سبحانه قد سترهم عن نفوسهم، وشغلهم به عنهم، فهم فى أَعلى الأَحوال والمقامات، ولا التفات لهم إِليها. فهؤلاءِ قلوبهم معه سبحانه لا مع سواه، بل هم مع السِّوَى بالمجاورَة والامتحان، لا بالمساكنة والأُلفة، وقد سترهم وليّهم وحبيبهم عنهم، وأَخذهم إِليه منهم والله أَعلم.
стр. 1958
بصيرة فى قبل
قبل: نقيض بعد، يقال: أَتيتك من قبلُ، وأَتيتك قَبْلُ، وقَبْلٌ بالتنوين، وقَبْلَ بالفتح، وقَبْلاَ منوّنة.
والقُبُل - بضمَّتينِ -: نقيض الدبر. ويكنى بهما عن السوءَتين، ومن الجبل: سَفْحه، ومن الزمان: أَوله. وإِذًا أُقْبِلُ قُبْلك - بالضمّ - أَى أَقْصِد قصدَك.
وقَبْل يستعمل على أَوجه:
الأَول: فى المكان بحسب الإِضافة؛ كقول الخارج من اليمن إِلى بيت المقدس: مكَّة قبل المدينة، ويقول الخارج من القدس إِلى اليمن: المدينة قبل مكَّة.
الثانى: فى الزمان: زمان معاوية قبل زمان عمر بن عبد العزيز.
الثالث: فى المنزلة، نحو: فلان عند السلطان قبل فلان.
الرابع: فى الترتيب الصناعىّ، نحو: تعلَّم الهجاء قبل تعلُّم الخطِّ.
والقَبْل والإِقبال والاستقبال: التَّوجّه. والقابل: الذى يستقبل الدلو من البئر فيأْخذها. والقابلة: الَّتى تأْخذ الولد عند الولادة.
وقبِل توبته يقبلها قَبُولا وتقبّلها، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ وقال: ﴿غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب﴾ .
стр. 1959
والتقبّل: قبول الشىء على وجه يقتضِى ثوابا كالهديَّة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين﴾ تنبيه أَنه ليس كل عبادة متقبَّلة. بل إِذا كانت على وجه مخصوص. وقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ ، قيل: معناه: قَبلها، وقيل: تكفَّل بها. وإِنما قال: ﴿تَقَبَّلَهَا بِقَبُولٍ﴾ ولم يقل ﴿بِتَقَبُّل﴾ للجمع بين الأَمرين: التقبُّل الذى هو الترقىّ فى القبول، والقبول الذى يقتضى الرضا والإِثابة. وقيل: القَبُول هو من قولهم: فلان عليه قَبُول، أَى من رآه أَحبَّه.
وقوله: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً﴾ قيل: هو جمع قابل، ومعناه: مقابل لحواسّهم. قال مجاهد: جماعةَ جماعَةً فيكون جمع قبيل، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب قُبُلاً﴾ . ومن قرأَ ﴿قِبَلا﴾ بكسر القاف فمعناه عِيَانًا، وكذا قوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قِبَلاً﴾ أَى عِيَانًا، ﴿وقُبُلاً﴾ أَى جماعة جماعة.
والقبيل: جمع قِبيلة، وهى الجماعة المجتمعة التى تُقبل بعضها على بعض، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ﴾ ، مأْخوذ من قبائل الرأْس وهى القِطَع المشعوب بعضُها إِلى بعض. قيل ترتيب صنوف الأَحياءِ على ترتيب الأَعضاءِ. فأَوّلها القبيلة من قبائل الرأْس، ثم الشَّعْب، ثم
стр. 1960
العِمارة هى الصدر، ثم البطن، ثم الفخِذ، ثم الفصِيلة، وهى الساق. وأَعظمها الحىّ لأَنه يجمع الجميع.
وقوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً﴾ أَى جماعة جماعة. وقيل: معناه كفيلا من قولهم: قَبَلت فلانًا وتقبّلت به أَى تكفَّلت. وقيل: مقابَلة، أَى معاينة. والمقابَلة والتقابل أَن يُقبل بعضهم على بعض إِمّا بالذات وإِمّا بالعناية والمودّة، قال تعالى: ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ .
ولى قِبَل فلان حقّ كقولك عنده، قال تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ . ويستعار ذلك للقوّة والقُدْرةِ، فيقال: لا قِبَل لى بكذا، أَى لا يمكننى أَن أقابله، قال تعالى: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قِبلَهُ﴾ ، وقوله: ﴿بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ أَى لا طاقة لهم على استقبالها ودفاعها.
والقِبْلة فى الأَصل: الحالة التى عليها المقابِل، نحو الجِلسة والقِعدة، وفى التعارف صارا اسما للمكان المقابَل المتوجَّه إليه للصلاة. وقوله تعالى: ﴿واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أَى متقابلة. وقوله تعالى: ﴿لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق﴾ ، أَى نحوه.
стр. 1961
بصيرة فى قتر
قَتَر على أَهله يَقْتُرُ ويَقْتِر، وأَقتَر وقَتَّر، أَى ضيّق عليهم وقلَّل، قال تعالى: ﴿لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾ ، وقرىءَ: ﴿وَلَمْ يَقْتِرُواْ﴾ .
واقتتر الصائد وتقتّر للصيد: اختفى فى القُتْرة ليختِله، وهى ناموس الصائد الحافظُ لقُتار الإِنسان أَى ريحه.
ورجل مُقَتّر وقَتُور. وقوله: ﴿وَكَانَ الإنسان قَتُوراً﴾ تنبيه على ما جُبل عليه الإِنسان من البخل.
ورجل مُقْتر - كمحسن -: مُقِلّ، قال تعالى: ﴿وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ﴾ . ويوجهه قَتَر وقَتَرة، وهو ما يغشاه من غَبَرة الكذب والموت. قال تعالى: ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ . وكأَن المُقْتر والمقَتِّر هو الذى يتناول من الشىءِ قُتاره. ورجل قاتر: ضعيف.
وابن قِتْرَةَ: حيّة لا تُطْنِى. وأَبو قِترَة كنية إِبليس. وقُتْرة البستان: خَرْقه الذى يدخل الماءُ منه، ومن الباب: مكانُ الغَلَق. وهم فى قُتْرة من العيش: ضِيق.
وتقتَّر له: تلطَّف، وللرمى: تهيّأَ.
стр. 1962
بصيرة فى قتل
قَتَلَه يقتُله قَتْلاً وتَقتالا: أَزال رُوحه عن جسده. وقَتَّل الرّجال وقاتَلهم وتقاتلوا واقتتلوا. وأَقْتَلَه: عرّضه للقتل، كما قال مالك بن نُوَيرة لامرأَته الحسناء حين رآها خالد بن الوليد: أَقتَلْتِنى يا امرأَة، أَى سيقتلنى من أَجلك.
وقوله تعالى: ﴿قُتِلَ الخراصون﴾ دعاء عليهم، و [هو] من الله إِيجاد لذلك. وقيل: معناه لُعِن الخرّاصُونَ وطُردوا / وكذا قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الإنسان مَآ أَكْفَرَهُ﴾ ، و ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأخدود﴾ ، كلّ ذلك بمعنى اللَّعن والطَّرد. ويقال: قتل الشىءَ خُبْرًا أَى علمه وتحقَّقه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أَى ما علموه ولا حقَّقوه. وقوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ أَى جفاه، و (قطعه فقتله) وقوله تعالى: ﴿فاقتلوا أَنفُسَكُمْ﴾ أَى لِيَقْتُل بعضُكم بعضًا. وقال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ .
وقوله: ﴿قَاتَلَهُمُ الله﴾ أَى لعنهم الله. وقيل معناه: قتلهم الله. والصّحيح الأَوّل، والمعنى صار يتصدّى لِمُحَاربة الله، فإِنَّ من قاتَل الله
стр. 1963
مقتول. وقال تعالى: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله﴾ ، ﴿وَقَتْلَهُمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ، وقال: ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ ، وقال: ﴿أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بالأمس﴾ ، ﴿اقتلوا أَبْنَآءَ الذين آمَنُواْ مَعَهُ واستحيوا﴾ ، ﴿إِنَّ الملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ ، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾ ، ﴿حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ﴾ : اقتلع رأَسه بيده. ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ المسجد الحرام حتى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ ، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ، ﴿والفتنة أَشَدُّ مِنَ القتل﴾ ، ﴿وَإِذَا الموءودة سُئِلَتْ بِأَىِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾ ، ﴿لاَ تَقْتُلُواْ الصيد وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّداً فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم﴾ ، ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ﴾ ، ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً﴾ ، ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ إِلى قوله ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ﴾ .
والاقتتال كالقتال. قال الله تعالى ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا﴾ أَى قاتَلوا.
стр. 1964
بصيرة فى قد
القَدّ: الشق طُولاً. قددت السَّيرَ وغيره أَقُدّه قدًّا، قال الله تعالى: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ﴾ ، ومنه حديث على رضى الله عنه: إِذا تطاول قدّ، وإِذا تقاصر قطَّ. والقَدّ: المقدود، ومنه قيل لقامة الإِنسان: قدُّهُ كقولك: تقطيعه. والقِدّ - بالكسر -: النعل لم تجرّد من الشَعَر، والسّير يُقَدّ من جلد مدبوغ، ومنه الحديث: "ولقابُ قوسِ أَحدكم من الجنَّة أَو موضعُ قِدّه خير من الدّنيا وما فيها"، أَراد بالقِدّ السّوط لأَنه يُتَّخذ من القِدّ.
والقِدَّة: الطَّريقة، والفِرقة من الناس إِذا كان هوى كلّ واحد على حِدَة، قال الله تعالى: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾ ، أَى فِرَقاً مختلفة أَهواؤُها. ومعنى (قِدَدًا) : متفرقين يعنى فى اختلاف الأَهواءِ.
وقد - مخفَّفة -: حرف لا يدخل إِلا على الأَفعال، وهو جواب لقولك: لمّا يفعلْ. وزعم الخليل أَن هذا لمن ينتظر الخبر، يقول: قد مات فلان، ولو أَخبره وهو لا ينتظره لم يقل: قد مات، ولكن يقول: مات فلان. وقد يكون بمعنى ربّما، قال.
стр. 1965
قد أَترك القِرْن مُصْفرًّا أَناملُه ... كأَنَّ أَثوابَه مُجَّت بِفرصاد
فإِن جعلتها اسما شدَّدتها، قلت: كتبت قَدّا حسنة. وكذلك كى، وهو، ولَوْ، لأَنَّ هذه الحروف لا دليل على [ما] نقص منها، فيجب أَن يزاد فى آخرها ما هو من جنسها ويدغم، إِلاَّ فى الأَلف فإِنَّك تهمزها. ولو سمَّيت رجلا بـ (لا) و (ما) ثم زدت فى آخره أَلِفا همزت؛ لأَنك تحرك الثانية، والأَلف إِذا تحركت صارت همزة.
فأَمَّا قولهم: قَدْك بمعنى حسبُك، وقدنى بمعنى حَسْبى، فاسم، تقول: قَدِى وقَدْنى / أَيضاً بالنون على غير قياس؛ لأَنَّ هذه النُّون إِنَّما تزاد فى الأَفعال وقاية لها، مثل: ضربنى وشتمنى. قال ابن عَتَّاب الطَّائىّ:
فناولته من رِسْل كَوْماءَ جَلْدة ... وأَغضيت عنه الطَرْف حتى تضلَّعا
إِذا قال: قدنى، قلت: بالله حلفة ... لَتُغنِنَّ عنىّ ذا إِنائك أَجمعا
وفى رواية أَبى زيد فى نوادره:
إِذا هو آلى حلْفَة قلت مثلها ... لتُغِننَّ عنىِّ ذا إِنائك أَجمعا
وقد: كلمة لا يكون الماضى حالا إِلاَّ بإِضمارها أَو بإِظهارها معه، وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ ، لا يكون (حصرت) حالاً إِلا باضمار قَدْ، فيكون تقدير الكلام: حَصِرةً صدورهم. وقال الفرَّاءُ فى
следующие страницы →