Полный текст (2 804 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
بصيرة فى لو
وهى حرف شرط للماضى. ويقلّ فى المستقبل. وقال سيبويه: حرف لِمَا كان سيقع لوقوع غيره. وقال غيره: حرف امتناعٍ لامتناع. وقيل: لمجرّد الربط. وقيل: الصحيح أَنه فى الماضى لامتناع ما يليه، واستلزام تاليه، ثم ينتفى الثانى إِن ناسب ولم يخلف المقدَّمَ غيره، نحو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ ؛ لا إِن خلفه؛ نحو: لو كان إِنسانا لكان حيوانا. ويَثبت إِن لم يناف وناسب بالأَولى، كلولم يخف لم يعصِ، أو المساوى: كلولم تكن رَبيبته لَمَا حَلَّت للرضاع، أَو الأَدون؛ كقولك: لو انتفت أُخوّة النّسب لما حلَّت للرضاع.
وترد للتمنِّى والعَرْض، والتقليل، نحو: ولو بظِلْفٍ مُحْرقٍ.
وتكون مصدريّة بمنزلة أَن، إِلاَّ أَنها / لا تنصب، نحو قوله تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ .
وقد ورد بمعنى إِنْ، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿لاَّ يَسْتَوِي الخبيث والطيب وَلَوْ أَعْجَبَكَ
стр. 2172
كَثْرَةُ الخبيث﴾ ، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ ، ولو جاء على فرس. وقول الشاعر:
قومٌ إِذا حاربوا شدُّوا مآزرهم ... دون النساء ولو باتت بأطهار
وقولنا: لو شرط للماضى معناه أَن لو يفيد عقد السببيّة والمسببّية بين الجملتين بعدها، وبهذا يجامع إِنّ الشرطية؛ وبتقييد الشرط بالماضى يفارق إِنْ، فإِنها للمستقبل. ومع تنصيص النحاة على قلة ورود لو للمستقبل فإِنهم أَوردوا لها أَمثلة، منها قوله:
ولو تلتقى أَصداؤنا بعد موتنا ... ومن دون رَمْسينا من الأَرض سبسب
لظلَّ صَدَى صوتى وإِن كنت رِمّة ... لصوت صدى ليلى يَهَش ويطرب
وقول توبة ابن الحُمَيِّر:
ولو أَنّ ليلى الأَخيليَّة سلَّمت ... علىّ ودونى جَنْدَلٌ وصفائحُ
لسلَّمتُ تسليم البشاشة أَوزقا ... إِليها صدًى من جانب القبر صائح
وقول الآخر:
لا يُلْفِكَ الراجوكَ إِلاَّ مظهرا ... خُلقَ الكرام ولو تكون عديما
وقد أَكثر الخائضون القول فى لو الامتناعية. وعبارة سيبويه مقتضِية أَن التالى فيها كان بتقدير وقوع المقدّم قريب الوقوع؛ لإِتيانه بالسين فى قوله: سيقع. وأَمَّا عبارة المعربين: أَنها حرف امتناع لامتناع فقد ردّها
стр. 2173
جماعة من مشايخنا المحقِّقين، قالوا: دعوى دلالتها على الامتناع مطلقا منقوضة بمالا قِبَل به. ثم نقضوا بمثل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ والبحر يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ الله﴾ ، قالوا: فلو كانت حرف امتناع لامتناع لزم نفاد الكلمات مع عدم كون كل ما فى الأَرض من شجرة أَقلاما تكتب الكلماتِ، وكون البحر الأَعظم بمنزلة الدواة، وكون السبعة الأَبحر مملوءات مِدَاداً وهى تَمُد ذلك البحْر؛ وقول عُمَر رضى الله عنه: نعم العبد صُهَيب لو لم يخف الله لم يعصه. قالوا. فيلزم ثبوت المعصية مع ثبوت الخوف، وهو عكس المراد.
ثم اضطربت عباراتهم. وكان أَقربها إِلى التحقيق كلام شيخنا أَبى الحسن بن عبد الكافى، فإِنه قال: تتبَّعت مواقع (لو) من الكتاب العزيز، والكلام الفصيح، فوجدت المستمرّ فيها انتفاءَ الأَوّل وكون وجوده لو فرض مستلزماً لوجود الثانى. وأَمَّا الثانى فإِن كان الترتيب بينه وبين الأَوّل مناسباً ولم يخلُف الأَوّل غيره فالثانى منتف فى هذه الصورة؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ ، وكقول القائل: لو جئتنى لأَكرمتك. لكن المقصود الأَعظم فى المثال الأَوّل نفى الشرط ردَّا على من ادّعاه، وفى المثال الثانى أَن الموجب لانتفاء الثانى هو انتفاء الأَوّل لا غير. وإِن لم يكن الترتيب بين الأَول والثانى مناسباً لم يدلَّ على انتفاء الثانى، بل على وجوده من باب الأَولى، مثل: نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه، فإِن المعصية منفيَّة عند عدم الخوف. فعند الخوف أَولى
стр. 2174
وإِن كان الترتيب مناسباً ولكن الأَول عند انتفائه شىء آخر يخلفه بما / يقتضى وجود الثانى [فالثانى غير منتفٍ] ، كقولنا: لو كان إِنساناً لكان حيوانا؛ فإِنه عند انتفاءِ الإِنسانية قد يخلفها غيرها مِمَّا يقتضى وجود الحيوانيّة. وهذا ميزان مستقيم مطَّرد حيث وردت لو وفيها معنى الامتناع.
وقال بعض العصريِّين ممن يودّ تصحيح عبارة سيبويه وترجيحها: مدلول لو الشرطيّة امتناع التالى لامتناع المقدّم مطلقاً. وهذا هو المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ولاكن حَقَّ القول مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ ، فالمعنى والله أَعلم - ولكن حق القول فلم أَشأ، أَولم أَشأ فحقَّ القول: ﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمر ولاكن الله سَلَّمَ﴾ ، أَى فلم يريكموهم لذلك. ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ولاكنه أَخْلَدَ إِلَى الأرض﴾ ، ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض ولاكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين﴾ ، ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات ولاكن اختلفوا فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا ولاكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ، ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ولاكن لِّيَبْلُوَكُمْ﴾ ، ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَآءَ ولاكن كَثِيراً مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ، ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَآ إِلَيْهِمُ الملائكة وَكَلَّمَهُمُ الموتى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً
стр. 2175
مَّا كَانُواْ ليؤمنوا إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله ولاكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ ، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى آمَنُواْ واتقوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض ولاكن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ ، ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد ولاكن لِّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً﴾ ، ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولاكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ ، ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ولاكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة﴾ ، ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً ولاكن كَرِهَ الله انبعاثهم﴾ ، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى﴾ ، ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ولاكن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ ، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ ولاكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وغير ذلك من الآيات. وفى الحديث: "لو كنت متَّخذا [من أُمَّتى خليلا] لاتَّخذت أَبا بكر خليلاً، ولكن أَخى وصاحبى". وفى رواية: ولكن أُخوّة الإِسلام، "ولو يُعطَى الناسُ بدعواهم لادّعى رجال دماءَ قومٍ وأَموالهم، لكن البيِّنة على المدّعِى واليمينُ على مَن أَنكر". وقال امرؤ القيس:
стр. 2176
ولو أَنَّما أَسعَى لأَدنى معيشة ... كفانى ولم أَطلب قليلٌ من المال
ولكنّما أَسعى لمجد مؤثَّل ... وقد يدرك المجدَ المؤثَّل أَمثالى
وقال طرفة بن العبد:
فلو كان مولاى امرأً هو غيرُه ... لفرَّج كربى أَو لأَنظرنى غدى
ولكنَّ مولاى امرؤ هو خانقى ... على الشكر والتسآل أَو أَنا مفتدِ
وقال قُرَيط بن أُنَيف العنبرىّ:
لو كنتُ من مازنٍ لم تستبح إِبلى ... بنو الَّلقيطة من ذُهل بن شيبانا
لكنَّ قومى وإِن كانوا ذوى عَدَدٍ ... ليسوا من الشرِّ فى شىءٍ وإِن هانا
هكذا وقع فى جمهور نسخ الحماسة. والصواب: بنو الشقيقة. والنسخ / محرّفة. وقال آخر:
رأَين فتى لا صيدُ وحشٍ يهمّه ... فلو صافحت إِنسا لصافحنه معا
ولكنَّ أَرباب المخاض يشفَّهم ... إِذا اقتفروه واحدا أَو مشيّعا
وقال آخر:
ولو خفت أَنى إِن كففت تحيتى ... تنكّبت عنى رُمْت أَن تتنكبا
ولكن إِذا ماحلَّ كرهٌ فسامحت ... به النفس يوما كان للكره أَذهبا
وقال آخر:
فلو كان حمدٌ يُخلد الناسَ لم تَمُتْ ... ولكنَّ حمد الناس ليس بِمُخْلِدِ
стр. 2177
فهذه الأَماكن وأَمثالها صريحة فى أَنها للامتناع، لأَنها عُقّبت بحرف الاستدراك داخلاً على فعل الشرط منفيًّا لفظاً أَو معنى، فهى بمنزلة: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولاكن الله رمى﴾ . فإِذا كانت دالَّة على الامتناع ويصحّ تعقيبها بحرف الاستدراك دلَّ على أَن ذلك عامّ فى جميع مواردها، وإِلاَّ يلزم الاشتراك، وعدم صحّة تعقيبها بالاستدراك. وذلك ظاهر كلام سيبويه، فلم يخرج عنه.
وأَمَّا قول مَن قال: إِنه ينتقض كونه للامتناع بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾ الآية، وبالأَثر العُمَرىّ: لو لم يخف، وبقول النبى ﷺ : "لو لم تكن ربيبتى فى حجرى لما حلَّت لى" فإِنه يمكن ردّ جميع ذلك إِلى الامتناع. وإِيضاح ذلك بأَن تقول: إِذا قلنا: امتنع طلوع الشمس لوجود الليل فليس معناه انتفاءُ طلوع الشمس رأْساً بل انتفاؤه لوجود الليل. وفَرْق بين انتفائه لذلك وانتفائه المطلق، فإِن الأَوّل أَخصّ من الثانى. ولا يلزم من ارتفاع الخاص ارتفاع العام. فاذا قلنا: لو حرف امتناع لامتناع كان المعنىّ به أَن التالى يمتنع امتناعاً مضافاً إِلى امتناع المقدَّم. وليس المعنىّ به أَنه يمتنع مطلقا. وإِذا قلت فيمن قيل لك انتقض وضوءُه لأَنه مسّ ذكره: لم ينتقض لأَنه مسّ، فإِنه لم يمسّ، ولكن لناقض آخر غير المسّ، صحّ؛ ولذلك لك أَن تقول: لم ينتقض لأَنه لم يمسّ. كلَّ هذا كلام صحيح، وإِن كان وضوءه منتقِضاً عندك بناقض آخر؛ فإِن حاصل كلامك أَن الانتقاض
стр. 2178
بالنسبة إِلى المسّ لم يحصل، ولا يلزم من ذلك انتفاء أَصل الانتقاض، فإِنما يلزم مطلقاً الامتناع فى لو الشرطية لو قلنا: إِن مقتضاه الامتناع مطلقا، ونحن لم نقل ذلك، وإِنما قلنا: يقتضى امتناعاً منكَّرًا لامتناع منكَّر، فالمنفىّ خاصّ لا عامّ.
إِذا عرفت هذا فنقول: قد يؤتى بلَوْ مسلَّطة على ما يحسب العقل كونه إِذا وُجد مقتضِياً لوجود شىء آخر، مرادًا بها أَن ذلك لا يلزم تحقيقا لاستحالة وجود ذلك الشىء الآخر الذى ظُنَّ أَنه يوجد عند وجود ما يحسبُه العقل مقتضِيا؛ كما تقول لعابد الشمس: لو عبدتها أَلف سنة ما أَغنت عنك من الله شيئاً، فإِن مرادك أَن عبادتها لا تغنى. وفى الحقيقة الازدياد من عبادتها ازدياد من عدم الإِغناء، ولكن لمَّا كان الكلام خطابا لمن يعتقدها مغنِية حسن إِخراجه فى هذا القالَب. وكذلك تقول للسائل إِذا أَحكمت أَمر منعه: لو تضرعت إِلىّ بألف شفيع ما قضيتُ لك سُؤلا. ولذلك إِذا [كان] بصيغة إِن الشرطيّة لم يكن له مفهوم عند المعترفين بمفهوم الشرط؛ كما فى قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ﴾ ، لأَن المراد قطع الإِياس. والإِتيان بصيغة لو فيما ضَرَبناه مَثَلا لتحقَّق الامتناع لا لمقابله.
وأَمَّا ما أَوردوه نقضاً، وأَنه يلزم نفاد الكلمات عند انتفاء كون ما فى الأَرض من شجرة أَقلاما، وهو الواقع؛ فيلزم النَفَاد وهو مستحيل؛ فالجواب أَن النَفَاد إِنما يلزم انتفاؤه لو كان المقدّم ممَّا لا يتصور العقل أَنه
стр. 2179
مقتضٍ للانتفاء. أَما إِذا كان ممَّا قد يتصوّره العقل مقتضياً فألاَّ يلزم عند انتفائه أَولى وأَحرى. وهذا لأَن الحكم إِذا كان لا يوجد مع وجود المقتضِى فأَلاَّ يوجد عند انتفائه أَولى. فمعنى (لو) فى الآية أَنه لو وجد الحكم المقتضِى لما وُجد الحكم، لكن لم يوجد فكيف يوجد. وليس المعنى: لكن لم يوجد فوجد؛ لاِمتناع وجود الحكم بلا مقتضٍ.
فالحاصل أَن ثمّ أَمرين: أَحدهما: امتناع الحكم لامتناع المقتضِى. وهو مقرر فى بدائه العقول؛ وثانيهما: وجوده عند وجوده، وهو الذى أَتت (لو) للتنبيه على انتفائه مبالغة فى الامتناع. فلولا تمكُّنها فى الدلالة على الامتناع مطلقا لما أُتى بها. فمن زعم أَنها والحالة هذه لا تدل عليه فقد عكس ما يقصده العرب بها، فإِنها إِنما تأْتى بلو هنا للمبالغة فى الدلالة على الانتفاء؛ لما للو من التمكُّن فى الامتناع.
فإِذا تبين هذا أَنقله إِلى الأَثر وغيره، فنقول: لو لم يخف اللهَ لم يعصه لِمَا عنده من إِجلال الله تعالى والخشية، وإِذا لم يخف يكون المانع واحدا وهو الإِجلال. فالمعصية منتفية على التقديرين، وجئ بلو تنبيها على الامتناع بالطريقة التى قدَّمناها لا على مطلق الامتناع.
فإِن قلت: قوله لو لم يخف لم يعص إِذا جعلنا لو للامتناع صريح فى وجود المعصية، مستندا إِلى وجود الخوف، وهذا لا يقبله العقل. قلنا: المعنى: لو انتفى خوفه انتفى عصيانه، لكن لم ينتف خوفه فلم ينتف عصيانه مستنداً إِلى أَمر وراءَ الخوف.
стр. 2180
وأَما قوله: ترد للتمنِّى فشاهده قوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ ، أَى فليت لنا كرّة؛ ولهذا نصب (فيَكُونَ) فى جوابها، كما انتصب (فأَفُوزَ) فى جواب كنت فى قوله تعالى: ﴿ياليتني كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ .
وأَما العَرْض فمثاله: لو تنزل عندنا فتصيب خيرًا.
وأَما التقليل فذكره بعض النحاة؛ وكثر استعمال الفقهاء له، وشاهده قوله تعالى: ﴿وَلَوْ على أَنْفُسِكُمْ﴾ ، وقوله ﷺ : "أَوْلِم ولو بشاة"، وقوله ﷺ : "اتَّقوا النار ولو بشِق تمرة"، وقوله ﷺ : "التمِس ولو خاتما من حديد"، وقوله ﷺ : "تصدَّقوا ولو بظِلف مُحْرَق".
وقد يُسأَل عن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ﴾ ، ويقال: إِن الجملتين يَتَركَّب منهما قياس وحينئذ ينتج: لو علم الله فيهم لتولَّوْا وهذا مستحيل.
الجواب أَن التقدير: لأَسمعهم إِسماعاً نافعا، ولو أَسمعهم إِسماعا غير نافع لتولَّوْا.
جواب ثان: أَن يقدّر ولو أَسمعهم على تقدير عدم علم الخير فيهم.
جواب ثالث: أَن التقدير: ولو علم الله فيهم خيرًا وقتاما لتولَّوا بعد ذلك.
стр. 2181
قال الشيخ أَثِير الدين: وقد ركَّب أَبو العبَّاس بن مرَيسُح ما دخلت عليه لو تركيباً غريباً غير عربىّ فقال:
ولو كلَّما / كلب عوى مِلْتُ نحوَه ... أَجاوبه إِنّ الكلاب كثير
ولكن مبالاتى بمن صاح أَو عَوى ... قليل فإِنِّى بالكلاب بصير
стр. 2182
بصيرة فى لولا
وهى على أَربعة أَوجه:
أَحدها: أَن تدخل على اسمية ففعليَّة لربط امتناع الثانية بوجود الأَولى، نحو: لولا زيد لأَكرمتك، أَى لولا زيد موجود. وأَمَّا قوله ﷺ : "لولا أَن أَشُقَّ على أُمَّتى لأَمرتهم بالسواك عند كل صلاة"، فالتقدير: لولا مخافة أَن أَشق لأَمرتهم أَمر إِيجاب، وإِلاَّ لا نعكس معناها؛ إِذِ الممتنع المشقَّة والموجود الأَمر. والمرفوع بعد لولا مبتدأ، والخبر يكون كوناً مطلقا.
الثانى: يكون للتحضيض والعَرْض، فيختص بالمضارع أَو ما فى تأْويله؛ نحو: ﴿لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ الله﴾ ونحو: ﴿لولا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ والفرق بينهما أَن التحضيض طلب بحثٍّ، والعَرْض طلب برفع وتأَدّب.
الثالث: أَن تكون للتوبيخ والتنديم، فتختصّ بالماضى؛ نحو قوله تعالى: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ ، ﴿فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله قُرْبَاناً آلِهَةَ﴾ ، ومنه: ﴿ولولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ ، الاَّ أَن الفعل أُخّر، وقوله:
стр. 2183
تعدُّون عَقْرَ النِّيب أَفضلَ مجدكم ... بنى ضَوْطَرَى لولا الكِمىَّ المقنَّعا
إِلاَّ أَن الفعل أضمر، أَى لولا عددتم.
وقد فُصلت من الفعل بإِذا وإِذا معمولين له، وبجملة شرط معترَضة. فالأَول نحو: ﴿ولولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ ، ﴿فلولا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ ، والثانى والثالث: ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ولاكن لاَّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَآ﴾ ، المعنى: فهلاَّ ترجعون الروح إِذا بلغت الحلقوم إِن كنتم غير مربوبين وحالتكم أَنكم تشاهدون ذلك. ولولا الثانية تكرار للأُولى.
الرابع: الاستفهام؛ نحو: ﴿لولا أخرتني إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ، ﴿لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ هكذا مثَّلوا. والظاهر أَن الأُولى للعَرْض، والثانية مثل: ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ .
وذكر بعضهم قسماً خامساً وهو: أَنها تكون نافية بمعنى لَمْ، وجعل منه: ﴿فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَآ إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ﴾ ، والظاهر أَن المعنى على التوبيخ، أَى فهَلاَّ كانت قرية واحدة من القرى المهلَكة تابت عن الكفر قبل مجئ العذاب فنفعها ذلك؛ وهو تفسير الأَخفش والكسائىّ والفرّاء وعلى بن عيسى والنحاس. ويؤيده قراءَة أُبَى وعبد الله؛ (فَهَلاَّ) ، ويلزم من هذا المعنى النفى؛ لأَن التوبيخ يقتضى عدم الوقوع.
стр. 2184
وذكر الزمخشرى فى قوله تعالى: ﴿فلولا إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ﴾ : لكنه جئ بلولا ليفاد أَنهم لم يكن لهم عذر فى ترك التضرع، إِلاَّ عنادهم وقسوة قلوبهم وإِعجابهم بأَعمالهم التى زيَّنها الشيطان لهم. وقول القائل:
أَلا زعمت أَسماءُ أَن لا أحبّها ... فقلتُ بَلَى لولا ينازعنى شُغلى
قيل: إِنها الامتناعية، والفعل بعدها على إِضمار أَن، على حدّ قولهم: تسمعُ بالمُعَيدِىّ خير من أَن تراه. وقيل: ليس من أَقسام لولا، قيل: هما كلمتان بمنزلة قولك: لو لم، والجواب محذوف، أَى لولم ينازعنى شغلى لزرتك.
و (لَوْما) بمعنى لولا تقول: لوما زيد لأَكرمتك، ومنه قوله تعالى: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة﴾ : وزعم بعضهم أَن لوما لا يستعمل إِلا للتحضيض. والله أَعلم.
стр. 2185
بصيرة فى لا
/ وهى على ثلاثة أَوجه: نافية، وموضوعة لطلب الترك، وزائدة. فأَمَّا النافية فعلى خمسة أَوجه:
أَحدها: أَن تكون عاملة عمل إِنَّ. وإِنما يظهر نصب اسمها إِذا كان خافضا، نحو: لا صاحب جود ممقوت، وقول المتنبِّى:
فلا ثوب مجدٍ غيرَ ثوب ابن أَحمد ... على أَحد إِلاَّ بلؤم مرقَّع
أَو رافعاً، نحو: لا حَسَناً فعلُه مذموم؛ أَو ناصباً، نحو: لا طالعاً جبلاً حاضر ومنه لا خيرًا من زيد عندنا، وقول المتنبِّى:
قِفا قليلا بها علىّ فلا ... أَقلَّ من نظرة أَزوّدها
والثانى: العاملة عمل ليس، فمثَّلوا بقوله:
مَن صَدّ عن نيرانها ... فأَنا ابن قيس لا براحُ
الوجه الثالث: أَن تكون عاطفة، ولها ثلاثة شروط:
أَحدها: أَن يتقدّمها إِثبات، نحو: جاءَ زيد لا عمرو؛ أَو نداء، نحو: يا ابن أَخى لا ابن عمِّى.
الثانى: أَلاَّ تقترن بعاطف.
стр. 2186
الثالث: أَن يتعاند متعاطِفاها، فلا يجوز جاءَنى رجل لا زيد؛ لأَنه يصدق على زيد اسمُ الرّجل، بخلاف جاءَنى رجل لا امرأَة.
قالوا: فإِن كان ما بعدها جملة اسميّة صدرُها معرفة أَو نكرة ولم تعمل فيها، أَو فعلاً ماضياً لفظاً أَو تقديرًا، وجب تكرارها. مثال المعرفة: ﴿لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر وَلاَ الليل سَابِقُ النهار﴾ ؛ ومثال النكرة: ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ ، والتكرار هنا واجب بخلاف: ﴿لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ﴾ ، ومثال الفعل الماضى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى﴾ ، وفى الحديث: "فإِنَّ المُنْبَتَّ لا أَرضا قَطَع ولا ظَهْراً أَبقى".
الثانى من أَوجه لا: أَن تكون موضوعة لطلب الترك، وتختص بالمضارع؛ نحو: قوله تعالى: ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ ، ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ الكافرين أَوْلِيَآءَ﴾ .
الوجه الثالث: لا الزَّائدة للتأْكيد، نحو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضلوا أَلاَّ تَتَّبِعَنِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ﴾ وتوضِّحه الآية الأخرى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾ .
واختلف فى لا فى مواضع من التنزيل هل هى نافية أَو زائدة:
أَحدها: قوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة﴾ فقيل: نافية لما تقدّم منهم من إِنكار البعث. وقيل: زائدة لمجرّد التوكيد وتقوية الكلام.
стр. 2187
الموضع الثانى: قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً﴾ ، فقيل: لا نافية. وقيل: ناهية، وقيل: زائدة. والجمع محتمل. وحاصل القول فى الآية: أَن (ما) خبريَّة بمعنى الذى منصوبة بـ (أَتْلُ) ، (وحرَّم رَبُّكُمْ) صلة، (وعليكم) متعلق بـ (حرَّم) .
الموضع الثالث: قوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ فيمن فَتَح الهمز، فقال الخليل والفارسىّ: لا زائدة، وإِلاَّ لكان عُذراً لهم أَى للكفَّار. وردّه الزجَّاج بأَنهّا نافية فى قراءَة الكسر، فيجب ذلك فى قراءَة الفتح. وقيل: نافية وحُذف المعطوف، أَى أَو أَنهم يؤمنون وقال الخليل مرّة: (أَنَّ) بمعنى لعل. وهى لغة فيه.
الموضع الرابع: ﴿وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ ، وقيل: زائدة. والمعنى: ممتنع على أَهل قرية قدَّرنا إِهلاكهم لكفرهم أَنهم يرجعون عن الكفر إِلى القيامة. وقيل: نافية، والمعنى: ممتنع عليهم أَنهم لا يرجعون إِلى الآخرة.
الموضع الخامس: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيهُ الله الكتاب والحكم والنبوة ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَاداً لِّي مِن دُونِ الله ولاكن / كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكتاب وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَاباً﴾ قرئ فى السبع برفع (يأْمركم) ونصبه. فمن رفعه
стр. 2188
قطعه عمَّا قبله، وفاعله ضميره تعالى، أَو ضمير الرسول، و [لا] على هذه القراءَة نافية لا غير. ومن نصبه فهو معطوف على (يُؤتيه) وعلى هذا (لا) زائدة مؤكَّدة لمعنى النفى.
وقوله تعالى: ﴿واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ﴾ قرأَ جماعة (لَتُصِيبَنَّ) ، وخُرّج على حذف أَلف (لا) تخفيفاً؛ كما قالوا: أَمَ والله.
وأَمَّا (لا) فى قوله تعالى: ﴿وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ فقيل: نافية، والتاء لتأْنيث اللفظة، نحو: رُبَّت وثُمَّت، وحرّكت لالتقاء الساكنين. وقيل نافية والتاء زائدة فى أَوّل الحِين. وقيل: إِنما هى كلمة واحدة، فعل ماضٍ بمعنى نَقَص، من قوله تعالى: ﴿لاَ يَلِتْكُمْ مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ فإِنه يقال: لات يليت، كما يقال أَلَت يأْلت، وقد قرئ بهما. وقيل: أَصلها لَيِس على زنة أَيس، قُلبت الياءُ أَلِفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وأَبدلت السين تاء.
واختلف فى عمله، فقال الأَكثرون: يعمل عمل ليس، وقيل: يعمل عمل إِنَّ: ينصب الاسم ويرفع الخبر، وقيل: لا يعمل شيئاً. فإِن وليها مرفوع فمبتدأ محذوف الخبر، أَو منصوب فمعمول لفعل محذوف. والتقدير فى الآية: لا أَرى حين مناص. وعلى قراءَة الرفع التقدير: لا حينُ مناص كائن لهم.
وقرئ: ﴿وَلاَتَ حِينِ مَنَاصٍ﴾ بخفض (حين) ، فزَعم الفرّاء أَن (لات) يستعمل حرفاً جارا لأَسماءِ الزمان خاصّة؛ كما أَن مذْ ومُنْذ كذلك. والله أَعلم.
стр. 2189
بصيرة فى لن وليت (واللات)
لَنْ: حرف نصب ونفى واستقبال، ولا يفيد توكيد المنفى، ولا التأْبيد، خلافا للزمخشرى؛ ولو كانت للتأْبيد لم يقيّد منفيّها باليوم فى قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً﴾ ، ولكان ذكر الأَبد فى قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً﴾ تكرارًا، والأَصل عدمه.
ويأْتى للدّعاءِ كقوله:
لن يزالوا كذلكم ثم لا زلـ ... ـتَ لهم خالدا خلود الجبال
ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾
وتلقّى القسم بها وبلم نادر جدًا، كقول أَبى طالب:
والله لن يصلوا إِليك بجَمعهم ... حَتّى أُوسَّد فى التراب دَفينا
وقد يُجزم بها؛ كقوله:
فلن يَحْلَ للعينين بعدكِ منظر
وليت حرف تمنٍّ يتعلق بالمستحيل غالبا؛ كقوله:
فيا ليت الشَّبابَ يعود يوماً ... فأخبره بما فعل المَشِيبُ
стр. 2190
ويتعلّق بالممكن قليلاً: ﴿ياليتني اتخذت مَعَ الرسول سَبِيلاً﴾ ، ﴿ياليتني كُنتُ مَعَهُمْ﴾ ، ﴿ياليتني كُنتُ تُرَاباً﴾ .
وحكمه أَن ينصب الاسم - ويرفع الخبر. قيل: وقد ينصبهما كقوله:
ياليت أَيام الصبا رواجعا
واللاتُ والعُزَّى صنمان. أَصل اللات: اللاه، فحذفوا منه الهاء، وأَدخلوا التاءَ فيه؛ فأَنَّثوه؛ تنبيها على قصوره عن الله تعالى. وجعلوه مختصّا بما يُتقرّب به إلى الله فى زعمهم.
стр. 2191
بصيرة فى لكن ولكن
لكنَّ - مشدَّدة -: حرف، تنصب الاسم وترفع الخبر؛ ﴿ولاكن الله سَلَّمَ﴾ ، ﴿ولاكن الشياطين كَفَرُواْ﴾ ، ونظائره كثيرة جدًّا.
ومعناه الاستدراك، وهو: أَن يُثبت لما بعدها حكما مخالفا لحكم ما قبلها ولذلك لا بدّ أَن يتقدّمها كلام مناقض لما بعدها. وقيل: تارة للاستدراك، وتارة للتوكيد. وقيل: للتوكيد دائماً مثل إِنّ، ويصحب التوكيد معنى الاستدراك.
وهى بسيطة عند البصريّين. وقيل: أَصلها: لكِنْ إِنَّ / فطُرحت الهمزة للتخفيف، ونون لكِنْ للساكنين. وقيل: مركَّبة من: لا، والكاف الزائدة، ولا التشبيهيَّة، وإِنَّ، حذفت الهمزة تخفيفاً. وقد يحذف اسمها كقوله
فلو كنت ضبَيًّا عرفتَ قرابتى ... ولكنَّ زنجىٌّ عظيم المشافر
لكنْ ساكنة النون حرف ابتداء لا يعمل، خلافاً لجماعة. فإِن وَلِيَها كلام فهى حرف ابتداء لمجرد الاستدراك، وليست عاطفة. ويجوز أَن يستعمل بالواو نحو قوله تعالى: ﴿ولاكن كَانُواْ هُمُ الظالمين﴾ ، وبدونها نحو قول زهير
إِنّ ابنَ ورقاءَ لا تُخشى بوادره ... لكنْ وقائعه فى الحرب تنتظر
وإِن وليها مفرد فهى عاطفة بشرط أَن يتقدَّمها نفى أَو نهى، نحو: ما قام زيد لكن عمرو. وقيل: لا يستعمل مع المفرد إِلاَّ بالواو.
стр. 2192
بصيرة فى لوح ولوذ ولوط ولوم
اللَّوْح: ما يكتب فيه من الخشب، ولَوْحُ السفينة. وقوله تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾ استأْثر الله بالعلم بكيفيته، وليس لأَحد بحقيقته علم إِلاَّ بقدر ما رُوى لنا فى الآثار الصّحيحة، وهو المعبّر عنه بالكتاب فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلك فِي كِتَابٍ﴾ ، والجمع: أَلواح قال تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ على ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ . ونظرت إِلى أَلواحه ولوائحه، أَى إِلى ظواهره.
وبه لَوْحٌ شديد، أَى عَطَش. ولاح والْتَاح: عطش. ولاح البرق والنجم وغيرهما، وأَلاح، قال جِران العَوْد:
أُراقِب لَوحاً من سُهَيلٍ كأَنه ... إِذا ما بدا من آخر الليل يطرِف
وقال المتلمِّس:
وقد أَلاحَ سهيلٌ بعد ما هجعوا ... كأَنَّه ضَرَم بالكف مقبوس
ولاحته النَّار والسَّموم: غيَّرته، وكذا لوَّحته. وأَلاحَ بسيفه وبثوبه، ولوَّح به: لَمَع به. ولوّح للكلب برغيف فتبعه. وأَلاح من الشىء وأَشاح: أَشفق وحذِر. ولاح لى أَمرُك: ظهر وبرز.
стр. 2193
لاذ به يَلُوذ لَوْذًا ولَوَاذًا ولُواذ ولِوَاذا بالحركات الثلاث. وقرأَ [يزيد بن] قُطَيب: ﴿يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لَوَاذاً﴾ ، و (لُواذًا) بالفتح والضمَّ، أَى لجأَ إِليه وعاذ به واستتر. قال عمرو بن جميل:
يُريغ شُذَّاذًا إِلى شذَّاذ ... من الرَبَاب دائم التَلْواذ
واللَوْذ أَيضا: جانب الجبل، وما يُطيف به. والجمع: أَلواذ.
ولاوذ القوم لِواذًا: لاذ بعضهم ببعض، ومنه قراءَة الجمهور: ﴿يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً﴾ .
قال القُطامىّ:
وما ضَّرها أن لم تكن رَعَتِ الحِمَى ... ولم تطلب الخير المُلاوِذُ من بِشْر
أَى لا يجىء خيره إِلاَّ بعد كدّ وجهد، قاله ابن السكيت.
وقال الزجاج فى قوله تعالى: ﴿يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِواذاً﴾ : إِنَّ معنى اللِوَاذ: الخلاف، أَى يخالفون خلافاً. وقال بعضهم: يلاوذونه فراراً منه وتباعد. وقيل: تستُّرًا. وكان المنافقون إِذا أَراد الواحد منهم مفارقة مجلس رسول الله ﷺ لاذ بغيره متستِّراً ثم نهض.
لوط النبىّ صلوات الله عليه ينصرف مع العجمة والتَّعريف، وكذلك نوح، وإِنّما أَلزموهما الصرف لأَن الاسم على ثلاثة أَحرف أَوسطه ساكن، وهو على غاية الخفة، فقاومت خفَّته أَحد السَّببين. واشتقاقه من: لاط
стр. 2194
الشىءُ بقلبى يَلُوط ويَلِيط لَوْطا ولَيْطاً. يقال: هو أَلْوط بقلبى وأَلْيط، وإِنى لأَجد له فى قلبى لَوْطاً ولَيْطا، أَى الحب اللازق بالقلب. ولُطت الحوض بالطين لَوْطا: بلَّطّته به وطيَّنته. ولاط يَلُوطُ: عمِل عمَل قوم لوط، مشتق من لفظ لوطٍ النَّاهى عنه، لا من لفظ المتعاطين له.
اللَّوم واللَّوماءَ / واللَّوْمَى واللائمة: العَذْل. لامه لوما ومَلاَما ومَلاَمة فهو مَلِيم ومَلُوم. قال تعالى: ﴿فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ﴾ ، وقال: ﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ ذكر اللوم تنبيهاً على أَنه إِذا لم يلاموا لم يفعل بهم ما فوق اللوم. وأَلام: استحق اللَّوم، أَو صار ذا لائمة. قال تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُمْ فِي اليم. وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ . وأَلامهُ ولوّمه للمبالغة. وقوم لُوَّام ولُوّم ولُيَّم. واستلام إِليهم: أَتاهم بما يلومونه. وجاءَ بلَومة ولامة: بما يلام عليه. وتلوّم فى الأَمر: تمكَّث.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ أُقْسِمُ بالنفس اللوامة﴾ ، قيل: هى النَّفس التى اكتسبت بعض الفضيلة فتلُوم صاحبها إِذا ارتكب مكروها، فهى دون النفس المطمئنَّة، وقيل: بل هى النفس التى قد اطمأَنَّت فى ذاتها، وترشَّحت لتأْديب غيرها، فهى النفس المطمئنَّة.
стр. 2195
بصيرة فى لون ولؤلؤ وليل (ولين) ولى
اللون: واحد الأَلوان ينطوى على الأَبيض والأَسود وما بينهما. وتلوّن الشىءُ لونا غير اللون الذى كان له. واللون أَيضا: النوع.
وقوله تعالى: ﴿واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ إِشارة إِلى أَنواع الأَلوان واختلاف الصور التى يختص (بها كلَّ إِنسان كهيئة) غير هيئة صاحبه مع كثرة عددهم؛ وذلك تنبيه على سعة قدرته، وعدم انحصار تجلِّيَاته. وفلان يأْتى بأَلوان من الأَحاديث، أَى بأَجناس منها.
اللؤلؤة: الدُرّة. والجمع: اللؤلؤ واللآلئ. واللؤلؤة أَيضا: البقرة الوحشيّة. قال الفراءُ: تقول العرب لصاحب اللؤلؤ: لآل مثال، لعَّال، والقياس لآَء مثال لعّاع. واللِّئآلة مثال الكتابة: حرفته. ولُؤلُؤان: يشبه اللؤلؤ. وتلأْلأَ البرق: لمع.
الليل معروف. والليلاة لغة فيه، والجمع: ليالٍ وليائل. وليلة ليلاء بالمدّ وبالقصر: طويلة شديدة، وقيل: هى أَشدّ ليالى الشهر ظلمة، وقيل: هى ليلة الثلاثين. وليل أَلْيَل ولائل، ومليَّل كمعظَّم كذلك. وأَلاَلُوا وأَلْيَلوا: دخلوا فى الليل. ولايله مُلاية كياومه مياومة. ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ .
стр. 2196
اللِّين: ضدّ الخشونة، واللَّيانة - بالفتح - لغة فيه. لانَ يلِين وتَلَيَّن فهو لَيْنٌ كمَيْت وميّت. أَو المخفَّفة فى المدح خاصّة، والجمع لَيْنُون وأَلْينَاء قال:
هَيْنون لَيْنون أَيسارٌ ذوو شَرَفِ
قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ الله لِنتَ لَهُمْ﴾ .
واللِّين يكون على وجهين: لِين فى الأَجساد، كِلين الشمع والحديد وغيره؛ ولين فى المعانى، كلِين الطبع ولين القول، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله﴾ ، وفيه إِشارة إِلى إِذعانهم للحق وقبوله بعد تأَبِّيهم منه، وإِنكارهم إِيّاه.
والِّلينة: الدَّقَلُ من النخل، واللُّونَة لغة فيها، والجمع: لِيَن. وجمع اللِّيَن: لِيَان؛ وقيل: هى الناعمة من النخل، قال تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ﴾ .
واللَّىّ واللُّوىّ: الفَتْل. لواه يَلْوِيه: فتله وثناه، فالتوى وتَلوّى. ولَوَى يده. ولَوى رأْسهُ: عبارة عن الإِباءِ. ولَوَى لسانه بكذا: كناية عن
стр. 2197
الكذب، قال: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بالكتاب﴾ . وفلان لا يَلْوى على أَحَد: إِذا لم يلتفت فى الهزيمة، قال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ على أحَدٍ﴾
واللِّواءُ - بالمدّ والهمز - واللِّواىُ - بالياء -: العَلَم، وقيل: الراية. والجمع: أَلْوِية، وجمع الجمع: أَلْوِيات. وأَلواه: رفعه.
واللَّوَى / بمعنى اللائى جمع التى. واللاؤون واللاَّؤو بمعنى الذين. ولَوْلَيْتم مدبرين، أَى وَلَّيتم.
стр. 2198
الباب الخامس والعشرون - فى الكلم المفتتحة بحرف الميم
стр. 2199
بصيرة فى الميم نفسها
الميم ترد فى الكلام على اثنى عشر وجهاً:
١- حرف شَفَوىّ من حروف الهجاء، يظهر من انطباق الشفتين قرب مخرج الباء. والنسبة مِيمىّ. والفعل منه: ميّمت ميماً حَسَناً وحسنًة. وجمعه على التذكير: أَميام، وعلى التأَنيث: مِيمات ومِيَمٌ.
٢- الميم عبارة عن عدد الأَربعين فى حساب الجُمّل
٣- الميم الأَصلىّ، كما فى: ملح، ومحل، ولحم، وحلم، وحمل، ولمح.
٤- ميم التثنية: أَنتما ولكما.
٥- ميم الجمع: أَنتم ولكم.
٦- الميم المكرَّرة، نحو: عمّ وعمّم
٧- الميم الكافية: التى تكون كناية عن كلمة؛ نحو: حم، ح: حِلمه، م: مِلْكه. وله نظائر.
٨- ميم المفعول: وتكون مفتوحة، كميم منصور ومحبوب. ويكون فى مسغبة مضموماً فاعلاً كان أَو مفعولاً؛ نحو مُكرِم ومكرَم.
٩- الميم الزائدة: ومنها ما يكون أَوَّل الكلمة كمضرب ومِثْقب، أَو فى وسطها كلبِن قمارِص ودِرع دُلاَمِص، أَوفى آخِرها نحو زرقم وشدقم.
стр. 2200
١٠- الميم المبدَلة: من الباء، نحو: بنات بخر وبنات مخر؛ أَو من الواو، نحو: فَم، فإِن الأَصل فَوْه بدليل أَن الجمع أَفواه؛ أَو لام التعريف كالحديث "لَيْسَ من امْبِرّ امْ صِيامُ فى امْ سَفَر" أَو من النون كالبَنَام فى البَنَان.
١١- الميم اللغوىّ، قال اللغويُّون: الميم: الخمر، قال:
إِنى امرؤ فى سعة أَو مَحْل ... أَمتزِج الميم بماءٍ ضحِل
стр. 2201
بصيرة فى متع
مَتَع النهار يَمْتَع - كمنع يمنع - مُتُوعا: ارتفع. والمانِع: الطويل من كل شىء. وحَبْل ماتع: جيّد الفتل. ونبيذ ماتع: شديد الحمرة. وكل شىءٍ جيّد فهو ماتع. والمتاع: السلعة، والمتاع: المنفعة، وما تمتَّعت به، قال المسيَّب بن عَلَس:
أَرحلتَ من سَلمَى بغير متاعِ ... قبل العُطَاس ورُعتها بوَادع
أَى قبل أَن ترى ما تكره. وقال الليث: المتاع من أَمتعة البيت: ما يستمتع به الإِنسان فى حوائجه، وكذلك كل شىء نحوه. والدنيا متاع الغُرُور.
وقوله تعالى: ﴿مَتَاعُ الحياة﴾ أَى منفعتها التى لا تدوم، وقال بعض العرب فى امرأَته يهجوها على كفران النعمة:
لو جُمع الثُلاث والرُباع ... وحِنطة الأَرض التى تُباع
لم تَرَهُ إِلاَّ هوَ المتاع
الثُّلاث والرُّباع: أَحدهما كيل معلوم والآخر وزن معلوم، يقول: لو جمع لها جميع ما يكال أَو يوزن لم تره هذه المرأَة إِلاَّ / مُتْعة قليلة.
стр. 2202
وقولُه تعالى: ﴿ابتغآء حِلْيَةٍ﴾ ، أَى ذهب أَو فضة، (أَوْ مَتَاع) أَى حديد وصُفْر ونحاس ورصاص. والمتْعَة والمِتْعة - بالضم والكسر -: ما يُتبلَّغ به من الزاد، والجمع: مُتَع ومِتَع، كغُرَف وكِسَر.
ومتعة المرأَة إِذا طلَّقها زوجها متَّعها متعة فوصلها بشىءٍ من غير أَن يكون له لازماً ولكن سُنَّة، ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ مَتَاعاً بالمعروف﴾ . ومتعة التزوّج: كان الرجل يتزوّج المرأَة يتمتَّع بها أَيَّاماً ثم يخلِّى سبيلها؛ وكان ذلك بمكَّة حين حجّ النبىّ ﷺ ثلاثة أَيام، ثم حرّمها الله إِلى يوم القيامة. كان الرجل يشارط المرأَة شَرْطاً على شىء بأَجل معلوم، ويعطيها شيئاً فيستحل بذلك فرجها، ثم يخلِّى سبيلها من غير تزويج ولا طلاق.
والمتعة فى الحج: أَن يضمّ الرجل عمرة إِلى حِجّة.
والمُتْعة والمَتَاع: اسمان يقومان مقام المصدر الحقيقىّ، وهو التمتيع. وأَمتعه الله بكذا أَى متَّعه. وقال أَبو زيد: أَمْتَعت بالشىء أَى تمتَّعت به. وقوله تعالى: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾ بالتخفيف. وهى قراءَة ابن عامر، أَى فأُؤخِّره. ومتَّع الشىء تمتيعاً طوّله. ومتَّعه الله بكذا، أَى أَبقاه وأَنْسأَه إِلى أَن ينتهى شبابه، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أَى يُبْقِكم بقاء فى عافية إِلى وقت وفاتكم، ولا يستأْصلكم بالعذاب كما استأْصل أَهل القرى الذين كفروا. وقيل
стр. 2203
يعمّركم. والتمتيع: التعمير. ومثله قوله تعالى: ﴿إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ وقوله: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾ ، وهى قراءة مَن سوى ابن عامر، أَى فأُؤخِّره.
واستمتعت بالشىءِ وتمتَّعت بمعنى. وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ﴾ ، قال الفرَّاءُ: رَضُوا بنصيبهم فى الدنيا مِن أَنصبائهم فى الآخرة، وفعلتم أَنتم كما فعلوا؛ ونحو ذلك قال الزجَّاج. وقوله تعالى: ﴿فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ﴾ أَى انتفعتم به من وطئهن. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا استمتع بَعْضُنَا بِبَعْضٍ﴾ . وقوله: ﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ﴾ يَقول: تردَّدوا، وقيل: عِيشوا عَيْشاً صحيحاً ثلاثة أَيَّام، وهذا الأَمر وعيد. والله أَعلم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ﴾ تنبيهٌ على أَن لكل إِنسان من الدنيا تمتُّع مدّة معلومة. وقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ﴾ تنبيه أَن ذلك فى جنب الآخرة غير معتدّ به. وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ﴾ أَى طعامهم، وقيل: وعاءَهم، وكلاهما متاع، وهما متلازمان؛ فإِن الطعام كان فى الوعاءِ.
وكل موضع فى القرآن ذكر [فيه] تمتَّعوا فى الدنيا فإِنما هو على طريق التهدّد، وذلك لما فيه من معنى التوسّع. والله أَعلم.
стр. 2204
بصيرة فى متن ومتى
المَتْن والمَتْنة: ما صلُب من الأَرض وارتفع. والمَتْن أَيضاً: الرجل الصُلْب. ومتُن - ككرم يكرم -: صَلُب واشتدّ. ومتنا الظهر: مكتنِفا الصلب. ويؤنَّث. وحبل متين: شديد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الله هُوَ الرزاق ذُو القوة المتين﴾ .
مَتَى: سؤال عن الوقت. قال الله تعالى: ﴿متى هاذا الوعد﴾ ، وقال ﴿متى نَصْرُ الله﴾ . ويكون اسم شرط كقوله:
متى أَضع العمامةَ تعرفونى
وحكى أَن هُذَيلاً تقول: جعلته متى كُمىّ، أَى وسط كمىّ. وقيل: إِنما هى بمعنى مِن /: أَخرجته متى كُمىّ، أَىْ من كُمىّ، وأَنشدوا:
شربْنَ بماءِ البحر ثم ترفَّعت ... متى لُجَجٍ خضرٍ لهنَّ نئيج
стр. 2205
بصيرة فى مثل
المِثْل والمَثَل والمَثِيل، كالشِبْه والشَبَه والشبيه لفظا ومعنًى، والجمع: أَمثال. والمَثَل - محركة -: الحديث. وقد مثَّل به وامتثله وتمثَّله وتمثَّل به. وقد يعبّر بالمَثَل والشَبَه عن وصف الشىء؛ نحو قوله تعالى: ﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون﴾ .
وقد يستعمل المِثْل عبارة عن المشابه لغيره فى معنى من المعانى، أَىَّ معنى كان. وهو أَعمّ الأَلفاظ الموضوعة للمشابهة؛ وذلك أَن النِدّ يقال فيما يشاركه فى الجوهريّة فقط، والشكل يقال فيما يشاركه فى القَدْر والمساحة، والشِبْه يقال فيما يشاركه فى الكيفيّة فقط، والمساوى يقال فيما يشاركهُ فى الكميّة فقط، والمِثْل عامّ فى جميع ذلك. ولهذا لمَّا أَراد الله نفى التشبيه من كل وجه خصّه بالذِكر فقال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ .
وأَمَّا الجمع بين الكاف والمِثْل فقد قيل: ذلك لتأْكيد النفى، تنبيها على أَنه لا يصح استعمال المِثْل ولا الكاف، فنفى بليس الأَمرين جميعاً. وقيل: المِثل هاهنا بمعنى الصفة، ومعناه: ليس كصفته صفة، تنبيها على أَنّه وإِن وُصف بكثير ممَّا يوصف به البَشَر فليس تلك الصفات له على حَسَب ما يُستعمل فى البَشَر.
стр. 2206
والمَثَل: عبارة عن قول فى شىء يشبه قولاً فى شىء آخر بينهما مشابهة، ليبيِّن أَحدهما الآخر، ويصوّره، نحو قولهم: الصيفَ ضيَّعتِ اللَبَنَ؛ فإِن هذا القول يشبه قولك: أَهملت وقت الإِمكان أَمرَكِ. وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأَمثال فقال: ﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ، ﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون﴾ .
والمُثُول: الانتصاب. والتَمثال - بالفتح -: التمثيل. والتِمثال - بالكسر -: الصورة. ومثَّله له: صوّرهُ. وتمثل: تصوَّر. قال تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ [و] تَمثَّل بالشىءِ: ضربه مَثَلاً.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة مَثَلُ السوء وَلِلَّهِ المثل الأعلى﴾ أَى لهم الصفات الذميمة، ولله الصفات العلى. وقد منع الله تعالى عن ضرب الأَمثال بقوله: ﴿فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال﴾ ، ثم أَخبر أَنه يضرب لنفسه المَثَل، ولا يجوز لنا أَن نقتدى به فى ذلك وقال: ﴿إِنَّ الله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ ثم ضرب لنفسه مَثَلاً فقال: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ على شَيْءٍ﴾ الآية. وفى هذا تنبيه أَنه لا يجوز أَن نصفه بصفة ممَّا يوصف به البشر إِلاَّ ما وصف به نفسه. وقوله: ﴿مَثَلُ الذين حُمِّلُواْ
стр. 2207
التوراة ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحمار يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ ، أَى هم فى جهلهم بمضمون حقائِق التوراة كالحمار فى جهله بما على ظهره من الأَسفار.
وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكلب إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ فإِنه شبهه فى ملازمته واتّباع هواه وقلَّة مزايلته بالكلب الذى لا يزايل اللهْث على جميع الأَحوال. وقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً﴾ ، شبّه من آتاه الله ضرباً من الهداية والمعاون فأَضاعه ولم يتوصَّل به إِلى ما رُشِّح له من نعيم الأَبد، بمن استوقد نارًا فى ظلمة، فلما أَضاءَت له ضيَّعها / ونُكس فعاد فى الظلمة.
وقوله: ﴿وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً﴾ ، فإِنه قصد تشبيه المدعوّ بالغنم التى يُنعق بها، وداعيهم بالناعق بالغنم، فأَجمل وراعى مقابلة المعنى دون مقابلة اللفظ؛ وبسط الكلام وحاصله: مَثَلُ داعى الذين كفروا والذين كفروا كمثل الذى ينَعق بالغنم ومثلِ الغنم التى لا تسمع إِلاَّ دعاء ونداء. والمُثْلة - بالضمّ - والمَثْلة والمَثُلة: نِقمة تنزل بالإِنسان فيُجعل مثالاً يَرتدع به غيره وذلك كالنَكَال، وجمعه: مُثْلات ومَثُلات، وقرئ (المَثْلات) بإِسكان الثاء على التخفيف؛ نحو عَضْد فى عَضُد.
стр. 2208
والأَماثل: يقال من هم أَشبه بالأَفاضل وأَقرب إِلى الخير. وأَماثل القوم: خيارهم، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى﴾ أَى الأَشبه بالفضيلة، وقيل: أَشبه بالحق، وهى تأْنيث الأَمثل، وقيل: أَمثلهم طريقة أَى أَعدلهم وأَشبههم بأَهل الحق، وقيل: أَعلمهم عند نفسه بما يقول.
والمَثَالة: الفضل. وقد مَثُل - ككرم -: صار فاضلا.
стр. 2209
بصيرة فى مجد
المَجْد: الكَرَم والشرف. المجيد: الكريم، والمجيد: الشريف، وقد مَجَد ومَجُد - بالضمّ - فهو ماجد ومَجِيد، أَى كريم الفَعَال شريف. وقوله تعالى: ﴿ق والقرآن المجيد﴾ ، أَى الشريف، وُصف به لكثرة ما يتضمّن من المكارم الدنيويّة والأُخرويَّة وعلى هذا وصفه بالكريم. ورجل ماجد: مِفضال كثير الخير.
وقال ابن السكِّيت: الشرف والمجد يكونان بالآباءِ، يقال: رجل شريف ماجد: له آباءٌ متقدّمون فى الشرف؛ قال: والحسب والكرم يكونان فى الرجل وإِن لم يكن له آباء لهم شرف.
والتمجيد: أَن تنسب الرجل إِلى المجد، قال أُميّة بن أَبى الصَلْت الثقفى:
مَجِّدوا الله وهو للمجد أَهل ... ربُّنا فى السماءِ أَمسى كبيرا
وقوله تعالى: ﴿ذُو العرش المجيد﴾ لسعة فيضه وكثرة جوده، وقرئ بالجر لجلالته وعِظم قَدْره. وقد أَشار إِليه النبىّ ﷺ : "ما الكرسىّ فى جنب العرش إِلاَّ كحَلْقة ملقاة فى أَرضٍ فلاة"، وعلى هذا قوله: ﴿رَبُّ العرش العظيم﴾ .
والتمجيد من العبد لله تعالى بالقول وذكر الصفات العُلَى.
стр. 2210
بصيرة فى محص ومحق ومحل
مادّة (م ح ص) موضوعة للدلالة على تخليص الشىءِ وتنقيته. مَحّص الذهب بالنار: أَخلصه ممَّا يشوبه. وفى حديث علىّ رضى الله عنه وذكر فتنة: "يُمَحّص الناس فيها كما يمحّص ذهب المعدِن" أَى يُختبرون فيها كما يختبر الذهب فى النار فيعرف جودته من رداءَته.
والممحوص والمحيص: السنان المجلوّ. وقد مَحَصه. وفرس ممحوص القوائم: إِذا خلص من الرَهَل. والأَمحص: الذى يقبل اعتذار الصادق والكاذب. وأَمحص: إِذا برأ: والتمحيص: الابتلاء والاختبار.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ الله الذين آمَنُواْ﴾ ، قال ابن عرفة: أَى ليبتليهم، قال: ومعنى التمحيص: النقص، يقال: مَحّص الله عنك الذنوب أَى نَقَصها، فسمّى الله ما أَصاب المسلمين من بلاءٍ تمحيصاً لأَنه يَنقص ذنوبهم، وسمَّاه للكافرين مَحْقا. وقيل: هو من مَحَصْت العَقَب من اللحم: إِذا نقَّيته منه لتفتله وَتَرا، فأَراد أَنه يخلِّصهم من الذنوب. وقال تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ / مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ، التمحيص هاهنا كالتزكية والتطهير ونحو ذلك من الأَلفاظ. ويقال فى الدعاء: اللهم محِّص عنَّا ذنوبنا، أَى أَزِل ما علِق بنا من الذنوب. وإِذا أَصابهم مرض قالوا: اللهم اجعله تمحيصاً لا تبغيضاً، وأَدباً لا غضباً.
следующие страницы →