Полный текст (2 804 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
بصيرة فى وبر ووبق
الوَبَرُ معروف، وجَمْعه أَوْبارٌ، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا﴾ . وبعيرٌ وَبِرُ وأَوْبَرُ، وناقةٌ وَبِرَةٌ ووَبْراءُ: كثيرةُ الوَبَر. ووَبَّرَتِ الأَرنبُ تَوْبِيراً وهو أَن تَمْشِىَ على وَبَر قوائِمها لئلاَّ يُقْتَصَّ أَثرُها. قال:
مَرَطَى مُقَطِّعَة سُحورَ بُغاتِها ... من سُوسِها التوْبِيرُ مهما تُطْلب
ووَبَّر فلانٌ أَمْرَهُ توبيراً: عَمّاهُ.
الوُبُوقُ: الهَلاكُ. وَبَقَ يَبِقُ، كوَعَد يَعِدُ، ووَبِقَ يَوْبَقُ كوَجِلَ يَوْجَلُ، ووَبِق يَبِقُ كوَثِقَ يَثِقُ. قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾ أَى جعلنا بينهم من العَذاب ما يُهْلكهم. وقال أَبو عبيدة: المَوْبِقُ: المَوْعِدُ. وقال ابن عَرَفَة: مَوْبِقاً أَى مَحْبِساً. وكلُّ شىء حالَ بين شيئين فهو مَوْبِقٌ. وقيل: المَوْبِقُ: واد فى جهنَّم.
وأَوْبَقَهُ: أَهْلَكه. وقيل: حَبَسَه، قال الله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ أَى يَحْبسُ السُفُن فلا تَجْرى عُقوبةً لأَهلها.
стр. 2417
بصيرة فى وتن ووتد ووتر
الواتِن: الشىء الثَّابِتُ الدّائم فى مكانه؛ والماءُ المَعِينُ الدّائم.
والوَتِينُ: عِرْقٌ فى القَلْب إِذا انقطَعَ مات صاحبُه، والجمع: أَوْتِنَةٌ ووُتْنٌ، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوتين﴾ . ووَتَنَه: أَصابَ وَتِينَهُ. والماءُ: دامَ ولم يَنْقَطِع. واسْتَوْتَنَ المالُ: سَمِنَ وغَلُظَ وَتِينهُ.
الوَتْدُ بالفتح، والوَتِدُ ككَتِفٍ واحد الأَوتاد. وفى المثل: "أَذَلُّ من وَتِد بِقاعِ" لأَنَّه يُدَقُّ أَبداً، قال:
إِنَّ الهَوانَ حِمارُ الأَهل تَعْرِفُه ... والحُرُّ يُنْكِرُه والجَسْرَةُ الأُجُدُ
ولا يُقِيم بدارِ الذُلِّ يَعْرِفُها ... إِلاَّ الأَذَلاَّنِ عَيْرُ الأَهْلِ والوَتدُ
هذا على الخَسْف مربَوطٌ برُمَّتِه ... وذا يُشَجُّ فلا يَرْثِى له أَحَدُ
وكذلك الوَدّ فى لغة من يدغم. قال الله تعالى: ﴿والجبال أَوْتَاداً﴾
стр. 2418
وتقول: وَتَدْتُ الوَتْدَ أَتِدُهُ وَتْداً، وأَوْتَدْتُه. وإِذا أَمَرْت قلت: تِدْ وَتِدَكَ بالمِيتَدَةِ أَى بالمُدُقِّ.
الوِتْرُ بالكسر: الَفْردُ. والوَتْرُ بالفتح: الذَّحْل، هذه لغة أَهل العالية فامّا لغةُ أَهلِ الحِجاز فبالضِدّ، قال تعالى: ﴿والشفع والوتر﴾ وأَمّا تميمٌ فبالكَسْر فيهما. والمَوْتُور: الذى قُتِلَ له قَتِيلٌ فلم يُدْرِك بدَمِه، تقول منه: وَتَرَهُ يَتِرُهُ وَتْراً وتِرَةً. وكذلك وَتَرَهُ حَقَّه، أَى نَقَصَه، قال الله تعالى: ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ أَى لم يَنْقُصْكم من أَعْمالكم.
والتَّواتُرُ: تَتابُع الشىء ولا يُراد به التَّواصُل. ومُواتَرَةُ الصَّوْمِ: أَنْ يصومَ يوماً ويُفْطِرَ يوماً أَو يومين، ويأَتىِ به وِتْراً وِتْراً، ولا يُراد به المُواصَلَة. وكذلك واتَرْتُ الكُتُبَ فتواترَتْ، أَى جاءَ بعضُها فى إِثْرِ بَعْض، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ أَى واحداً بعد واحدٍ، وفيها لغتان: التَّنْوينُ، وتَركُ التنوين مثل عَلْقَى، فمن تَرَكَ صَرْفَها فى المعرفةِ جعل أَلِفَها أَلِفَ ثأْنيث وهو أَجود، وأَصلُها وَتْرَى من الوتْر وهو الفَرْد، ومن نَوَّنَها جعل أَلِفَها ملحقةً.
والوَتِيرَةُ: السَجِيَّة. وحَلْقَةٌ من عَقَبٍ يُتَعَلَّم عليها الطَّعن.
стр. 2419
بصيرة فى وثق ووثن
وَثِقْتُ بفلان، بالكسر، أَثِقُ ثِقَةً ومَوْثِقاً ووُثُوقاً: إِذا ائْتَمَنْتَهُ قال الله تعالى: ﴿حتى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ الله﴾ ، أَى مِيثاقاً. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ .
والمِيثاق: عَقْدٌ يُؤكَّد بيمينٍ وعَهْد. قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين﴾ ، أَى أَخذ العهدَ عليهم بأَنْ/ يُؤمِنوا بمحمّد ﷺ . وأَخْذُ المِيثاق بمعنى الاسْتِحْلافِ.
وأَصلُ المِيثاقِ: المِوْثاق صارت الواوُ ياءً لانكسار ما قَبْلها، والجمعُ: المَواثِيقُ، والمَياثِيقُ أَيضاً على اللفظ، وقد جاءَ فى الشعر المَياثق أَنشد ابنُ الأَعرابىّ لِعياضِ ابن دُرَّةَ الطائىّ.
حِمىً لا يَحُلُّ الدَّهْرُ إِلاَّ بإِذْنِنا ... ولا نَسْأَلُ الأَقْوامَ عَقْدَ المَياثِق
والوَثاق والوِثاقُ: ما يُشدّ به، والجمعُ: وُثُقٌ ككُتُب، قال الله تعالى: ﴿فَشُدُّواْ الوثاق﴾ . وأَوْثَقَه فى الوَثاقِ: شَدَّه.
стр. 2420
ووَثَّقْتُ الشَّىءَ تَوْثيقاً؛ ووَثِّقْتُ فُلاناً: إِذا قلتَ إِنَّه ثِقَةٌ، وناقةٌ مُوَثَّقَة الخَلْقِ: مُحْكَمَة.
واسْتَوْثَقْت منه: أَخَذْتُ منه الوَثِيقَة. قال الكُميت يمدح مخلد بن يزَيدَ بن المُهَلَّب:
وخلائقٌ منهُ إِلىّ جميلة ... حَسْبِى ونِعْمَ وَثِيقَةُ المُسْتَوْثِقِ
وواثَقَنِى بالله ليَفْعَلَنَّ. وتَواثَقُوا على كذا، قال كعبُ بن زُهَير:
لِيُوفُوا بما كانُوا عليه تَواثَقُوا ... بِخَيْفِ مِنىً واللهُ راءٍ وسامِعُ
والوُثْقَى قريبةٌ من المَوْثِق، قال الله تعالى: ﴿فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى﴾ .
الوَثَنُ محرّكة: الصَّنَمُ، والجمع وُثْنٌ وأَوْثانٌ.
والواثِنُ: الشىء الدّائم الثابت فى مَكانه كالواتِن بالمُثَنَّاة.
وأَوْثَنَ من المال: أَكْثَرَ منه.
وأَوْثَنَ زيداً: أَجْزَل عَطِيَّتَهُ.
стр. 2421
بصيرة فى وجب
مادّته تدلّ على سُقوط الشىء ووقوعه، تقول: وَجَبَ الشىء: إِذا لَزِمَ، يَجِبُ وُجُوباً. وفى كتاب يافع ويَفَعة: وَجَبَ البَيْع وَجُوباً بفتح الواو كالقَبُول والوَلُوع وجِبَةً كِعَدة. ووَجَبَ القَلْبُ وَجِيباً: اضْطَرَبَ.
ووَجُبَ الرَّجُلُ ككَرُم وُجُوبَةً: جَبُنَ. والوَجْبُ: الجَبانُ، قال الأَخطل:
عَمُوِس الدُّجَى يَنْشَقُّ عن مُتَضَرِّمٍ ... طَلُوب الأَعادِى لا سَؤُوم ولا وَجْبِ
والوَجْبَةُ: السَّقْطَة قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ ، أَى سقطت إِلى الأَرضِ، ومنه: خرجَ القومُ إِلى مَواجِبِهم، أَى مصارِعِهم.
وَوَجَبَ المَيّتُ: إِذا سَقَطَ ومات، وفى الحديث: "دَعْهُنَّ فإِذا وَجَبَ فلا تَبْكِيَنَّ باكِيَةٌ، فقيل ما الوُجوبُ؟ قال: إِذا مات". ويُقال للقَتِيل واجِبٌ، قال قَيْس بن الخطيم الأَنصارىّ:
أَطاعَتْ بنُو عَوْف أَمِيراً نهاهُمُ ... عن السِّلْمِ حَتَّى كان أَوَّلَ واجِبِ
وأَوْجَبَ الله الشىءَ على عِباده: فَرَضَه.
стр. 2422
والواجِبُ يقال على أَوْجُه: يقال فى مُقابَلَة المُمْكِن وهو الحاصِلُ الَّذى إِذا قُدّرَ كَوْنُه مرتفعاً حَصَل منه مُحالٌ، نحوُ وجُودِ الواحِد مع وُجودِ الاثْنَيْن، فإِنَّه مُحالٌ أَن يرتفع الواحدُ مع حصول الاثْنين.
الثانى: يُقال الَّذِى إِذا لم يُفْعَلْ يُستحقُّ [به] اللَّوْمُ، وذلك ضَرْبان: واجبٌ من جهة العَقْل كوُجوب معرفةِ الوَحْدانية والنُبُوَّة، وواجبٌ من جهة الشَّرْع كوُجوب العِبادات المُوَظَّفة.
وقيل: الواجِبُ يُقال على وَجْهَين: أَحدُهما يُراد به اللازِمَ الوجوب، فإِنَّه لا يصحّ أَن لا يكون موجوداً، كقولنا فى الله تعالى إِنّه واجبٌ وُجوده. والثانى الواجبُ بمعنى أَنَّ حَقَّه أَنْ يُوجَدَ.
وقولُ الفُقَهاء: الواجِبُ الذى يستحق تارِكُه العِقابَ وصْفٌ له بشىء عارِض له، ويَجْرى مَجْرَى مَنْ يقول: الإِنسانُ الذى إِذا مَشَى مَشَى على رِجْلَيْن.
وأَوْجَبَ الرّجلُ: إِذا عَمِلَ عَمَلاً يُوجِبُ الجنَّةَ أَو النَّار. ويُقال للحَسَنَة والسّيِّئة مُوجبَةٌ. وفى الدُّعاءِ النَّبوىّ: "اللَّهُمَّ إِنَّى أَسأَلك مُوجِباتِ رَحْمَتِك" وقيل/ للنبىّ ﷺ "إِن صاحِباً لنا قد أَوْجَبَ فقال: مُرُوهُ فَلْيُعْتِقُ رَقَبَةً" أَى ارتكب كبيرةً وَجَبت له النَّارُ. وفى حديثه الآخر: "أَوْجَبَ ذو الثلاثَةِ والاثْنَين" أَى الذى أَفْرَطَ من وَلَده ثلاثةً أَو اثنين. والكلمة المُوجِبَةُ لا إِله إِلاَّ الله.
стр. 2423
بصيرة فى وجد
وَجَدَ مطلوبَهُ يَجِدهُ وُجوداً، ويَجْدَه بالضمَّ لغة عامريّة لا نظير لها فى باب المِثال. ووَجِدَ بكسر الجيم لغةٌ، قال جرير:
لَمْ أَرَ مِثْلَكِ يا أُمامَ خَلِيلاً ... أَنْأَى بحاجَتِنا وأَحْسن قِيلاَ
لو شِئْتِ قَدْ نَقَعَ الفؤادُ بَشْربة ... تَدَعُ الصّوادِىَ لاَ يَجِدْنَ غَلِيلاَ
بالعَذْبِ من وَصْفِ القِلاتِ مَقِيلة ... قَضَّ الأَباطحِ لا يَزالُ ظَلِيلاَ
ووَجَدَ ضالَّته وِجْداناً. ووَجَد عليه فى الغَضَب يَجِدُ ويَجُدُ مَوْجِدَةً ووِجْداناً أَيضاً، حكاها بعضهم: ووَجَدَ فى الحُزْن وَجْداً. ووَجَدَ فى المال وُجْداً ووَجْداً وجِدَةً: استغنىَ.
وقرأَ الأَعرج ونافعٌ ويَحْيَى بن يَعْمُرَ وسَعِيد بنُ جُبَيْرٍ وطاوُسُ وابنُ أَبى عَيْلَةَ وأَبو حَيْوَة وأَبو البَرَهْسَم ﴿مِنْ وَجْدِكم﴾ بفتح الواو، وقرأَ أَبو الحَسَن رَوْحُ بنُ عبدِ المؤمِن ﴿مِنْ وِجْدِكم﴾ بالكَسُرِ، والباقون: مِنْ وُجْدِكم بالضَمّ.
ووَجَدَ فى الحُبّ وَجْداً لا غير، قالت شاعرةٌ:
مَنْ يُهْدِ لىِ من ماءِ نقعاءَ شَرْبَةً ... فإِنَّ له مِنْ ماءِ لِينَةَ أَرْبَعا
стр. 2424
لقد زَادَنا وَجْداً بنَقْعاءَ أَنَّنا ... وَجَدْنا مَطايانا بِلِينَةَ ظُلَّعَا
فمن مُبْلغ تِرْبَىَّ بالرَمْل أَنَّنىِ ... بَكَيْتُ فلم أَتْرُك لِعَيْنَىَّ مَدْمَعَا
قال أَبو القاسم الأَصبهانىّ: الوُجودُ أَضْرُبٌ: وُجودٌ بإِحدَى الحواسِّ الخمس نحو: وَجَدْتُ زيداً، وَوَجدْت طَعْمَه ورائحتَه وصَوْتَه وخُشونَتَه، ووجُودٌ بقوّة الشَهْوة نحو: وَجَدْتُ الشِبَعَ، ووجُودٌ بقوَّةِ الغَضَب، كوُجود الحُزْنِ والسَّخَط، ووجودٌ بالعَقْل أَو بوسَاطَةِ العقل، كمَعْرفة الله تعالى ومَعْرِفة النُبّوة. وما نُسِب إِلى الله تعالى من الوُجودِ فبمعنى العِلْم المجرّد إِذْ كان الله تعالى مُنَزَّها عن الوَصْف بالجَوَارح والآلاتِ نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ وكذا المعدوم يُقال على ضدّ هذه الأَوجه.
ويُعَبَّر عن التَمَكُّن من الشىءِ بالوُجود نحو: ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ أَى حيث رأَيتموهم.
وقوله: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ امرأة تَمْلِكُهُمْ﴾ ، وقوله: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾ ، وقوله: ﴿وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ وُجودٌ بالبَصِيرَة، وكذا قوله: ﴿وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّاً﴾ .
стр. 2425
وقوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً فَتَيَمَّمُواْ﴾ أَى إِن لم تَقْدِرُوا على الماءِ وقوله: ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ أَى من تمكُّنِكم وقَدْرِ غِناكُمْ.
وقال: بعضهم: الموجوداتُ ثلاثةُ أَضْرُبٍ: موجود لامَبْدَأَ له ولامُنْتَهَى، وليس ذلك إِلاَّ البارِى تعالَى، وموجودٌ له مبدأُ ومُنْتَهًى كالجَواهِر الدُّنْيَوِيّة؛ وموجودٌ له مبداٌّ وليس له مُنْتَهًى كالنَّاسِ فى النَّشَأَةِ الآخِرَة.
وأَوْجَدَه اللهُ: أَغْنَاه، وأَوْجَدَه مَطْلُوبَه: أَظْفَرَه به. وأَوْجَدَه على الأَمْرِ: أَكْرَهَه.
ووُجِدَ عن عَدَمِ فهو موجُودٌ، كحُمّ فهو مَحْمُومٌ، ولايُقال وَجَدَه الله، وإِنَّما يقال: أَوْجَدَه الله.
стр. 2426
بصيرة فى وجس ووجل
الوَجْسُ: الصَّوْتُ الخَفِىُّ/، والوَجْسُ: الهَمُّ. والوَجْسُ: الهَمُّ. والوَجْسُ: الفَزَعُ يَقَع فى القَلْبِ من صَوْتٍ وغيره. والوَجَسان: فَزَعُ القَلْبِ.
والأَوْجَسُ: الدَّهْرُ، يُقال: لا أَفْعَلُه سَجِيسَ الأَوْجَسِ والأَوْجُسِ، بفتح الجيم وضمّها، أَى أَبَداً. وما ذُقْتُ عنده أَوْجَسَ، أَى شيئاً من الطَّعام. وما [فى] سقائه أَوْجَسُ، أَى قَطْرَة. قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً﴾ أَى أَحَسَّ وأَضْمَرَ فى نفسه خَوْفاً، وكذلك تَوَجَّس بمعناه. والتَّوَجُّس أَيضاً: التَّسَمُّع إِلى الصَّوْتِ الخَفِىِّ.
الوَجَلُ - مُحرَّكة -: الخَوْفُ ورَجَفان القَلْب وانْصِداعه لذِكْرِ من يُخاف سَطْوَتُه وعُقوبته أَو لِرُؤيته. وقيل: الخوفُ، والخَشْيَة، والرَّهْبة، والوَجَل أَلفاظٌ متقارِبَة المعنى. وَجِلَ كفَرِح ياجَلُ ويَيْجَلُ ويِيجَلُ بكسر أَوَّلهِ، ويَوْجَلُ. ورجُلٌ أَوْجَلُ ووَجِلٌ، والجمع: وِجالٌ ووَجِلُونَ، وهى وَجِلَةٌ. قال الله تعالى: ﴿إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿والذين يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أَهو الذى يَسْرق وَيزْنِى ويشربُ الخمر؟ قال: لا يابنة الصّدِّيق، ولكنَّه الرجل يصوم ويُصلّى ويتصدَّق ويخاف أَن لا يَتَقَبَّلَ اللهُ منه.
стр. 2427
بصيرة فى وجه
الوَجْهُ: مُسْتَقْبَلُ كلِّ شىءٍ، والجمع أَوْجُهٌ ووُجوهٌ. والوَجْهُ: نَفْسُ الشىء، وقيل: أَصْلهُ الجارِحَة قال الله تعالى: ﴿فاغسلوا وُجُوهَكُمْ﴾ ولمّا كان الوجهُ أَوَّلَ ما يستقبلُك وأَشرفَ ما فى ظاهرِ البَدَن استُعْمِل فى مُسْتَقْبَل كلِّ شىءٍ وفى أَشْرَفه ومَبْدئه.
ووَجْهُ الدّهرِ: أَوَّلهُ ووَجْهُ النَّجْم: ما بَدا لَك منه. ووَجْهُ الكلامِ: السَبِيلُ المقصودُ منه. ووَجْه القومِ: سَيِّدُهم.
والوَجْهُ والوِجْه، والوِجْهَةُ، والوُجْهَةُ: الجاهُ والمَنْزِلَةُ.
وقولُه تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ قيل: إِنَّ الوجه زائدٌ، والمعنى: كلُّ شىء هالكٌ إِلاَّ هو. وقولُه تعالى: ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ قيل: المعنى ذاتُه، وقيل: الوجهُ زائد، وقيل: المعنى إِلاَّ التَوَجُّه إِلى الله بالأَعمال الصّالحة. ويُرْوَى أَنَّه قيل لأَبى عبد الله الرّضا إِنَّ بعض العلماءِ يقول: الوَجْهُ زائد والمعنى كلّ شىء هالك إِلاَّ هو. فقال: سبحان الله! لقد قالوا قولاً عظيماً، إِنَّما عُنِىَ الوَجْهُ الذى يُؤتَى منه، ومعناه: كلّ شىءٍ من أَعمالِ العِباد هالك إِلاَّ ما أُريد به وَجْهَ الله. وعلى هذا الآياتُ الأُخَرُ. وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ
стр. 2428
كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ قيل: أَراد به الجارِحَةَ واستعارَها كقولك: فعلتُ هذا بِيَدِى. وقيل: أَراد بالإِقامَةِ تَحَرِّىَ الاستقامة، وبالوَجْه التَّوَجُّهَ، والمعنى: أَخْلِصُوا العبادةَ لله فى الصلاةِ. وقوله تعالى: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ﴾ وأَخواتُه من نحو: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ ، الوَجْه فى كلّ ذلك كما تقدّم أَو على الاستعارة للمَذْهب والطريق.
ويقال: واجَهْتُ فلاناً، أَى جعلت وَجْهَى تلقاءَ وَجْهه.
ووَجَهَهُ: ضَرَبَ وَجْهَه فهو مَوْجُوهٌ.
ووَجَّهَه تَوْجِيهاً: أَرسلَه، وشَرَّفه كأَوْجَهَه. والمَطَرَةُ الأَرضَ: صَيَرَتْها وَجْهاً واحداً.
وقمتُ وَجاهَه وتُجاهَه مثلَّثين، أَى تِلْقاءَ وَجْهه وتَوَاجَها: تَقابَلاً. والمُوَجَّهُ كمعظَّم: ذُو الجاهِ.
وتَوَجَّه: أَقْبَلَ؛ والشيخُ: وَلَّى وأَدْبَرَ، وكَبِرَ؛ والعُمُرُ: تَوَلَّى؛ والجَيْشُ: انْهَزَم.
والوَجِيه/: ذو الجاه، والجمع: وُجَهاءُ، قال تعالى: ﴿وَجِيهاً فِي الدنيا والآخرة﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَكَانَ عِندَ الله وَجِيهاً﴾ . وأَوْجَهَهُ: صادَفَه وَجِيهاً، وجعله وَجِيهاً. ووَجَّهْتُ: تَوجَّهْتُ.
وَوَجَهْتُكَ عند الناسِ أَجِهُكَ: صرتُ أَوْجَه منك.
والجِهَةُ والجُهَةُ، بالكسر والضمّ، [و] الوَجْهُ: الجانبُ والناحيةُ، والجمع جِهاتٌ.
стр. 2429
بصيرة فى وجف
وَجَفَ الشىءُ: اضْطَرَبَ، قال الله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ قال الزَّجَاج: أَى شديدةُ الاضْطرابِ، فهو يَجِفُ وَجْفاً ووَجِيفاً ووُجُوفاً.
والوَجْفُ والوَجِيفُ: ضَرْبٌ من سَيْرِ الخَيْل والإِبل، قال العجّاج:
ناجٍ طَواه الأَيْنُ مِمَّا وَجَفا
وأَوْجَفَها صاحُبَها. قال الله تعالى: ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ أَى ما أَعْمَلْتم.
وقال الأَزهرىّ: اسْتَوْجَف الحُبّ فؤادَه: إِذا ذَهَب به، وأَنشد لأَبِى نُخْيَلَةَ:
ولَكِنّ هذَا القَلْبَ قَلْبٌ مُضَلَّلٌ ... هَفا هَفْوَةً فاسْتَوْجَفَتْه المَقادرُ
ويُرْوَى بالخاءِ المعجمة، والمعنَى واحدٌ.
стр. 2430
بصيرة فى وحد
الوَحْدَةُ: الانْفِرادُ. والواحِدُ: أَوَّلُ العَدَدِ، والجمع: وُحْدان وأُحْدَان، ويُرْوَى بالوجهين بيت قُرَيْط بن أُنَيْف العَنْبَرِىّ:
قَوْمٌ إِذا الشَرُّ أَبْدَى ناجِذَيْه لهم ... طارُوا إِليه زُرافاتٍ ووُحْدانا
مثلُ شابٍّ وشُبَّان، ورَاع ورُعْيان. قال الفرّاءُ: أَنتم حَىٌّ واحِدُون، يقال منه: وَحِدَ يَحِدُ وُحُوداً ووُحُودَةً وَوَحْداً ووُحْدَةً وحِدَةً. وقوله تعالى ﴿إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ أَى بخصلة واحدة، وهى هذه: ﴿أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مثنى وفرادى﴾ ، وقيل: معناه أَعِظُكم بَوحْدَانيّة الله تعالى، أَى بأَن تُوَحِّدوا الله. وقولُه تعالى. ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النسآء﴾ ولم يَقُل كواحدة لأَنّ أَحداً نَفْىٌ عامٌّ للمذكّر والمؤنَّث، والواحد والجمع.
ومن صفات الله تعالَى الواحِدُ الأَحَدُ. قال الأَزهرىّ: الفرقُ بينهما أَنَّ الأَحدَ بُنِىَ لنَفْىٍ ما يُذْكَر معه من العَدَد؛ والواحد مُفْتَتَح العَدَد، تقول: ما أَتانى منهم [أَحَدٌ] وجاءَنى منهم واحدٌ. والواحِدُ بُنِى على انْقطاع النَّظِير وعَوَزِ المِثْلِ.
стр. 2431
وقولهم: رأَيته وَحْدَه منصوبٌ عند أَهلِ الكوفة على الظَّرْف، وعند أَهل البصرة على المصدر فى كلّ حال، كأَنك قلت أَوْحَدْتُه برؤيتى إيحاداً، أَى لم أَرَ غيره، ثم وَضَعْت وَحْدَه موضع هذا. وقال أَبو العباس: يحتمل وَجْهاً آخر وهو أَن يكون الرجلُ فى نفسه منفرداً كأَنَّك قلتَ رأَيت رجلاً منفرداً ثمّ وضعت وحده موضعه. وقال بعض البصريِّين هو منصوب على الحال. قال ابن الأَعرابىّ: يقال جَلَس على وَحْدِه وَجَلَسَا على وَحْدِهما، وجَلَسَا على وَحْدَيْهما كما يقال جَلَس وَحْدَه وَجَلَسا وَحْدَهُما.
ورجلٌ وَحَدٌ، ووَحِدٌ، ووَحِيدٌ: مُنفرِدٌ.
والوَحْدانِيَّةُ: الفَرْدانِيَّة.
ووَحِدَ الرّجلُ - بالكسر - ووَحُد - بالضمّ -، أَى بقى وَحْدَه. وأَوْحَدْتُه برؤيتى، أَى لم أَر غَيرَه.
وقال أَبو القاسم الرّاغب: [الواحِد] فى الحقيقة هو الشىء الَّذى لاجُزْءَ له البتَّة، ثمَّ يُطْلق على كلِّ موجودٍ، حتَّى إِنَّه ما من عَدَد إِلاَّ ويَصحُّ وصفُه به، فيقال: عشرةٌ واحدةٌ، ومائةٌ واحدةٌ. فالواحد لفظ مُشْتَركٌ يُستعمل على سِتَّة أَوجه:
стр. 2432
الأَوّل: ما كان واحداً فى الجِنْس أَو فى النَّوْع كقولنا: الإِنسان والفَرَسُ واحدٌ فى الجنس، وزَيْدٌ/ وعَمْرٌو واحدٌ فى النَّوْع.
الثَّانى: ما كان واحداً بالاتَّصال إِمّا من حَيْثُ الخِلْقَةُ، كقولك: شخصٌ واحدٌ، وإِمّا من حيثُ الصّناعةُ كقولك: حرفةٌ واحدةٌ.
الثالث: ما كان واحداً لِعَدَم نَظيره، إِمّا فى الخلْقَة كقولك: الشمسُ واحدة، وإِمّا فى دَعْوَى الفضيلة، كقولك: فلانٌ واحِدُ دَهْرِه، وكَقُولِك نَسِيجُ وَحْدِه.
الرابعُ: ما كان واحداً لامْتِناع التَجَزِّى فيه إِمّا لصِغَره كالهَباءِ، وإِمّا لصَلابَته كالأَلْماس.
الخامس: للمبدإِ، إِمَّا لمَبْدَإِ العَدَد كقولك واحدٌ اثْنان، وإِمَّا لمبدإِ الخَطّ كقولك: النُقطةُ الواحدةُ، والوَحْدَة فى كُلِّها عارِضَةٌ.
وإِذا وُصِف الله بالواحِد فمعناهُ هو الذى لا يصحّ عليه التَجَزِّى ولا التَكَثُّر، ولصُعُوبة هذه الوَحْدَة قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشمأزت﴾ الآية.
والتَّوحيد الحقيقىّ الَّذى هو سببُ النَّجاة ومادَّة السّعادة فى الدّار الآخرة ما بيَّنه الله تعالى وهَدانا فى كتابه العزيز بقوله: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إلاه إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم قَآئِمَاً بالقسط لاَ إلاه إِلاَّ هُوَ العزيز الحكيم *
стр. 2433
إِنَّ الدِّينَ عِندَ الله الإسلام﴾ والقوم دائرون فى تفسيره بين حَكَمَ وقَضَى، وأَخْبَر وأَعْلَم، وبَيَّن وعَرَفَ.
والتَّوْحِيدُ تَوْحِيدان: تَوْحِيد الرُّبوبيّة، وتَوْحيد الإِلهِيّةِ، فصاحبُ توحيدِ الرُّبوبيّة يشهد قَيُّومِيَّة الربّ فوقَ عَرْشه يدبِّر أَمَر عِباده وَحْدَه، فلا خالِقَ ولارازق، ولامُعْطِىَ ولامانعَ ولامُميت ولامُحْيِىَ ولامُدَبِّر لأَمرِ المملكة ظاهراً وباطناً غيرُهُ، فما شاءَ كان، وما لم يشأْ لم يكن، ولا تتحرّك ذَرّةٌ إِلاَّ بإِذنه، ولا يجرِى حادثٌ إِلاَّ بمشيئته، ولا تسقُط ورقةٌ إِلاَّ بِعلْمه، ولا يَعْزُب عنه مِثْقَالُ ذَرَّة فى السَّمَاوات ولا فى الأَرْض ولا أَصْغَرُ من ذلك ولا أَكبَر إِلاَّ وقد أَحصاها عِلْمُه وأَحاطَتْ بها قُدْرَتُه، ونَفَذت فيها مشيئتُه، واقتضتها حِكْمَتُه.
وأَمَّا توحيدُ الإِلهية فهو أَن يجمع هَمَّهُ وقلبَهُ وعَزْمَه وإِرادتَه وحركاتِه على أَداءِ حقٍّه والقيام بعُبودِيَّتِه، وأَنشد صاحبُ المنازل أَبياتاً ثلاثة ختم بها كتابه ولا أَدرِى هل هى له أَو لغيره:
ما وَحَّدَ الواحِدَ مِنْ واحِدِ ... إِذ كُلُّ مَنْ وَحَّدَهُ جاحدُ
تَوْحيدُ من ينطق عن نعته ... عارِيَّةٌ أَبْطَلَها الواحِدُ
تَوْحِيدُهُ إِيَّاهُ تَوْحِيدُه ... ونَعْتُ من يَنْعَتُه لاحِدُ
وظاهر معناه أَنَّ ما وحَّد الله أَحدٌ سواهُ، وكلّ من أَحَّدَه
стр. 2434
فهو جاحِدٌ لحقيقة تَوْحِيده، فإِنَّ توحيدَه يتضمّن شُهودَ ذاتِ المُوَحّد وفِعْله، وما قام به من التوحيد وشُهودِ ذات الواحِد وانفرادِه، وتلك بخلاف تَوْحيده لنَفْسه، فإِنَّه يكون هو الموحِّد والموحَّد، والتَّوحيد صِفَتُه وكلامُه القائم، فما ثَمّ غيره فلا اثنينيّة ولا تعدّد. وأَيضاً فمَنْ وَحَّده من خَلْقه فلا بدّ أَنْ يصفَه بصفة، وذلك يتضمّن جَحْدَ حَقِّه الذى هو عدم انصحارِه تحت الأَوصاف، فمَنْ وصفَ فقد جَحد إِطلاقَه من قُيود الصّفات. وقوله:
توحيد مَنْ ينطق عن نَعْته ... عاريّة أَبطلها الواحدُ
يعنى توحيد الناطقين عنه عاريّة مردودة، كما تُستردُّ العَوارِى، إِشارة إِلى أَنَّ توحيدهم ليس مِلْكاً لهم، بل الحقُّ أَعارهم إِيّاه كما يُعِير المعيرُ متاعَه لغيره ينتفع به. وقوله: أَبطلها الواحد، أَى الواحد/ المطلق من كلّ الوجُوه وَحْدَتُه يُبطل هذه العارة. وقوله:
تَوْحِيدُه إِيّاه تَوْحِيدُه
يعنى توحيدُه الحقيقىّ هو تَوْحيدٌ لنَفْسه بَنفْسه من غير أَثَرٍ للسِّوَى بوجه، بل لا سِوَى هناك. وقوله:
ونَعْتُ مَنْ يَنْعَتُه لاحِدُ
أَى نعتُ الناعِت له إِلْحاد، أَى عدولٌ عمّا يستحقُّه من كَمال التوحيد، فإِنَّه أَسند إِلى نزاهة الحَقِّ ما لا يَليق إِسناده.
وحاصل كلامه، وأَحسن ما يحمل عليه: أَنَّ الفَناءَ فى شُهود الأَزليّة
стр. 2435
والحُكم يَمْحُو شُهودَ العبدِ لنفسه وصفاته فضلاً عن شهود غيره، فلا يشهدُ موجوداً فاعلاً على الحقيقة إِلاَّ الله وحده، وفى هذا الشهود تفنى الرّسوم كلُّها، فيمحق هذا الشهودُ من القلب كلَّ ما سوى الحقِّ، إِلاَّ أَنَّه يمحقه من الوجود، وحينئذ يشهد أَنَّ التوحيدَ الحقيقىّ غيرَ المستعارِ هو توحيد الربّ تعالى نفسه، وتوحيد غيره له عاريّة محضة أَعاره إِياها مالك الملوك، والعوارِىُّ مردودة إِلى من تُرَدّ إِليه الأُمور كلَّها، ﴿ثُمَّ ردوا إلى الله مَوْلاَهُمُ الحق﴾ . قال العارفُ عبد الله بن المعمار:
السِرُّ أَنْ تُنْظُرَ الأَشياءُ أَجْمَعُها ... ويُعْرِفَ الواحدُ النَّاشِى به العَددُ
فذاكَ تَوْحِيدُه فى واحِدِيَّته ... وفَوْقَ ذاكَ مقامٌ إِسْمُه الأَحَدُ
стр. 2436
بصيرة فى وحش
الوَحْشُ والوَحِيشُ واحد، قال أَبو النَّجْم:
أَمْسَى يَباباً والنَّعامُ نَعَمُهْ ... قَفْراً وآجَالُ الوَحِيشِ غَنَمُه
وقيل: وَحْشٌ ووَحِيشٌ كضَأْنٍ وضَئين، ومَعْز ومَعِيز، وكَلْب وكَلِيب، والجمع: الوُحوشُ والوُحْشانُ. وقيل: واحدُ الوَحْش وَحْشىٌّ، كزَنْج وزَنْجىّ، ورُومٍ ورومىّ، وهو حَيوانُ البَرِّ، قال النابغةُ الذّبيانىّ:
مِنْ وَحْشِ وَجْرَةَ موشىّ أَكارِعُهُ ... طاوِى المَصِير كسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفرد
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الوحوش حُشِرَتْ﴾ .
والمَكان الذى لا إِنْسَ فيه: وَحْشٌ. [و] بَلَدٌ وَحْشٌ، أَى قَفْرٌ.
ولَقِيتُه بَوْحِشِ إِصْمِتْ، أَى ببلدٍ قَفْرٍ. ورجلٌ وَحْشانُ: مُغَتَمٌّ، والجمع: وَحاشَى كسَكْران وسَكارى، ومنه الحديث: "لا تَحْقِرَنَّ شيئاً ولَوْ أَنْ تُؤنِسَ الوَحْشان".
стр. 2437
وأَوْحَشْتُ الأَرضَ وجدتُها وَحِشَةً.
وأَوْحَشَ: جاعَ أَوْ نَفِدَ زادُه.
ووَحَّش تَوْحيشاً: رَمَى بِثَوْبِه وسِلاحِه مخافة أَنْ يُلَحْقَ، مثل وَحَشَ وَحْشاً. وكان بين الأَوْس والخَزْرَجِ قِتالٌ فجاءَ النبىّ ﷺ ، فلما رآهم نادَى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ حتَّى فرغَ من الآيات، فَوَحَّشُوا بأَسْلِحَتِهم واعْتَنَق بعضُهم بعضاً".
стр. 2438
بصيرة فى وحى
الوَحْىُ: ما يقعُ به الإِشارةُ القائمة مقامَ العِبارة من غير عبارَة، فإِنَّ العِبارةَ يجوزُ منها إِلى المعنى المقصود بها، ولذا سُمِيّت عِبارةً، بخلاف الإِشارة الَّتى هى الوحى فإِنها ذاتُ المُشار إليه، والوَحْىُ هو المفهومُ الأَوّل، والإِفهام الأَوّل، ولاتعجب من أَن يكون عين الفهم عين الإِفهام عين المفهوم منه، فإِن لم تحصل لك هذه النكتة فلست بصاحبِ وَحْىٍ، أَلا تَرى أَنَّ الوَحْىَ هو السُّرْعة، ولاسُرْعَة أَسْرَعُ ممّا ذكرنا. فهذا الضَّرب من الكلام يُسمَّى وَحْياً، ولما كان بهذه المَثابة وأَنَّه تَجَلٍّ ذاتٌّى، لهذا ورد فى الحديث الذى رَواه ابن حبّان فى صحيحه وغيره "أَنَّ الله إِذا تَكَلَّم بالوَحْىِ سَمع أَهلُ السّماءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ/ السِلْسِلَة على الصّفاة فيَصْعَقُون، فلا يزالون كذلك حَتَّى يأَتيَهم جبريل، فإِذا جاءَهم فُزِّع عن قُلُوبهم فيقولون: يا جبريل ماذا قال رَبُّك فيقولُ: الحَقّ: فيُنادُون الحقَّ وهو العَلّىِ الكبير" [وما سَأَلت الملائكة] عن هذه الحقيقة [وإنما عن] السبب من حيث هُوِيَّته.
فالوحى: ما يسرع أَثره من كلام الحق فى نفس السّامع، ولا يَعْرف هذا إِلا العارِفُون بالشؤون الإِلهيَّةِ فإِنَّها عَيْنُ الوحى الإِلهىّ فى العالَم وهم لا يشعرون. فافْهَم.
стр. 2439
وقد يكون الوَحْىُ إِسراع الروح الإِلهىّ بالإِيمان بما يقع به الإِخبار والمفطور عليه كلُّ شىء ممّا لا كَسْبَ فيه من الوحى أَيضاً، كالمولود يَلْتَقِمُ ثَدْىَ أُمّه، ذلك من أَثر الوحى الإِلهىّ إِليه كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ولاكن لاَّ تُبْصِرُونَ﴾ ، ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ فلولا أَنَّها فَهِمَت من الله وَحْيَه لما صَدَر منها ما صَدَر، ولهذا لا تُتَصورّ معه المخالفةُ إِذا كان الكلامُ وَحْياً، فإِن سلطانَه أَقوَى من أَن يُقاوَم، ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليم﴾ ، ولذا فَعَلَت ولم تخالِف، والحالة تُؤذن بالهَلاك ولم تُخالِف ولا تَرَدَّدت، ولا حَكَمت عليها البَشَرِيَّة بأَن هذا من أَخطر الأَشياءِ، فدلَّ على أَنَّ الوحىَ أَقْوَى سلطاناً فى نفس المُوحَى إِليه من طبْعه الذى هو عين نَفْسِه، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد﴾ وحَبْلُ الوَرِيد من ذاتهِ. فإذا زعمت ياوَلِىُّ بأَنَّ الله أَوحَى إِليك فانظر نَفْسك فى التردُّد والمُخالَفة، فإِن وجدت لذلك أَثر تَدْبِيرٍ أَوْ تَفْضِيلٍ أَو تَفكُّرٍ فلستَ بصاحبِ وَحْىٍ، فإِن حكم عليك وأَعماكَ وأَصَمَّك وحال بَيْنَكَ وبين فِكْرِك وتَدْبِيرك وأَمضى حكمَهُ فيك، فذلك هو الوَحْى، وأَنت عند ذلك صاحب وَحْىٍ،
стр. 2440
وعَلِمْتَ عند ذلك أَنَّ رِفْعَتك وعُلُوَّ مرتبتك أَنْ تَلْحَقَ بمن يقول إِنَّه دونك من حيوانِ أَو نبات أَو جماد، فإِن كلّ شىءٍ مفطورٌ على العِلْم بالله إِلاَّ مجموع الإِنس والجانِّ، فإِنَّه من حيث تَفْصِيلُه مُنطوٍ على العلم بالله كسائر ماسِواهُما من المخلوقات من مَلَكٍ وحيوان ونبات وجَماد، فما من شىءٍ فيه من شَعْرٍ وجِلْدٍ ولَحْم وعَصَبٍ ودَمٍ ورُوح ونَفَسٍ وظُفُرٍ ونابٍ إِلاَّ وهو عالم بالله، حتَّى ينظر ويفكِّر ويرجع إِلى نفسه فيَعْلَم أَنَّ له صانعاً صَنَعه وخالِقاً خَلَقَه، فلو أَسمعه الله نُطْق جِلْدِه أَو يَدهِ أَو لسانِه أَو عَيْنِه لَسَمِعه ناطقاً بمعرفته بربّه، مُسَبِّحاً لجلالهِ، مُقَدِّسا لِجَماله ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ﴾ الآية ﴿اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ﴾ ، ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا﴾ . فالإِنسان من حيث تَفْصيِلُه عالمٌ بالله، ومن حيث جُمْلَتُه جاهِلٌ بالله حتَّى يتعَلَّم، أَى يَعْلَم بما فى تَفْصِيله، فهو العالم الجاهلُ ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ .
قال أَبو القاسم الأَصْفهانىّ: الوَحْىُ: الإِشارَةُ السَّرِيعة، ولِتَضَمُّن السُّرْعَة قيل: أَمرٌ وَحِىٌّ، وذلك يكونُ بالكلام على سَبيل الرمْزِ أَو التَعْرِيض. وقد يكون بصَوْت مُجَرَّد عن التركيب، وبإِشارةٍ ببعضِ الجوارح وبالكِتابة، وقد حُمِلَ على كل ذلك قولُه/ تعالى: ﴿فأوحى إِلَيْهِمْ
стр. 2441
أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ فقد قيل: رَمَزَ وقيل: أَشارَ، وقيل: كَتَبَ. وحُمِل على هذه الوُجوه أَيضاً قولُه تعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القول غُرُوراً﴾ ، وقوله: ﴿وَإِنَّ الشياطين لَيُوحُونَ إلى أَوْلِيَآئِهِمْ﴾ فذلك بالوَسْواس المشار إِليه بقوله: ﴿مِن شَرِّ الوسواس الخناس﴾ وبقوله ﷺ : "إِنَّ للشَّيْطان لَمَّةً" الحديث.
ويُقالُ للكلمة الإِلهيّةِ الَّتى تُلْقَى [إِلى] أَنْبِيائه وأَوْلِيائه وَحْىٌ، وذلك أَضْرُبٌ حَسْبَ ما دلَّ عليه قولُه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾ وذلك إِمّا برَسُولٍ مشاهَدٍ تُرَى ذاتُه ويُسْمَعُ كلامُه كتَبْليغ جبريلَ ﵇ للنبىِّ ﷺ فى صُورةٍ مُعَيَّنة، وإِمّا بسَماع كلامٍ من غير مُعايَنَةٍ كسَماع مُوسَى ﵇ كلامَ الله تعالى، وإِمّا بإِلقاءٍ فى الرُّوْع كما ذَكَرَ ﷺ : "إِنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ فى رُوْعِى"، وإِمّا بإِلْهامٍ نحو قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ، وإِمَّا بتَسْخِير نحو قوله تعالى: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل﴾ ، وإِمّا بمَنامٍ كما قال ﷺ : "لم يَبْقَ من النُبُوَّة إِلاَّ المُبشِّرات". فالإِلهام
стр. 2442
والتَّسخير والمَنام دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿إِلاَّ وَحْياً﴾ ، وسَماعُ الكلام من غير مُعَاينة دلَّ عليه: ﴿مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ ، وتَبْليغُ جبريل ﵇ فى صورة معيّنة دلَّ عليه: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ ، فذلك ذمّ لمن يدَّعِى شيئاً من أَنواع ما ذكرنا من الوَحْى، أَىّ نوعٍ ادَّعاه من غير أَنْ حَصَلَ له.
وقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ﴾ فهذا الوَحْىُ هو عامٌّ فى جميع أَنواعِه، وذلك أَنَّ معرفةَ وَحْدانيّةِ الله تعالى، ومعرفةَ وُجوب عبادتِه ليست مقصورةً على الوَحْىِ المختصّ بأُولِى العَزْم من الرّسل بل ذلك يُعْرف بالعقل والإِلهام، كما يعرف بالسّمع، فإِذاً القصدُ من الآية تنبيهٌ أَنَّه من المُحالِ أَن يكون رسولٌ لا يَعرِف وَحْدانيّة الله تعالى ووُجوبَ عبادتهِ.
وقوله: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الحواريين﴾ فذلك وَحْىٌ بوَساطة عيسى ﵇. وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخيرات﴾ فذلك وَحْىٌ إِلى الأُمم بوَساطة الأَنبياءِ ﵈.
ومن الوَحْى المختصّ بالنبىّ ﷺ : ﴿اتبع مَآ أُوحِيَ إِلَيْكَ
стр. 2443
مِن رَّبِّكَ﴾ . وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى وَأَخِيهِ﴾ فوحْيُه إِلى موسَى بِوسَاطة جبريل، وإِلى هارون بوَساطة مُوسَى ﵇.
وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة أَنِّي مَعَكُمْ﴾ فذلك وَحْىٌ إِليهم بوسَاطة اللَّوح والقَلَم فيما قيل.
وقولُه: ﴿وأوحى فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا﴾ فإِن كان الوَحْىُ إِلى أَهل السماءِ فقط فُالمُوحَى إِليه مَحْذوفٌ ذِكْره كأَنَّه قال: أَوْحَى إِلى الملائكة، لأَنَّ أَهل السّماءِ هم الملائكة، ويكون كقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الملائكة﴾ ، وإِن كان المُوحَى إِليه هى السَّماوَات فذلك تسخيرٌ عند من يجعل السّماءَ غير حَىٍّ، ونُطْقٌ عند من يجعله حَيّاً.
وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ قريبٌ من الأَوّل.
وقوله: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بالقرآن مِن قَبْلِ أَن يقضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ فحَثٌّ له على التثبتِ فى السّماع، وعلى تَرْك الاسِتعْجال فى تَلَقِّيه وتَلَقُّنه.
стр. 2444
بصيرة فى ود
تقول: وَدِدْتُ لو تَفْعَل ذاكَ، ووَدَدْتُ لو أَنَّك تفعل/ ذاك، أَوَدُّ وَدّاً ووُدّاً. وَوَدَاداً ووَدَادَةً بالفتح فيهما، أَى تمنَّيْت ومنه قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ﴾ أَى يتمنَّى، قال:
وَدِدْتُ ودادَةً لو أَنَّ حَظِّى ... من الخُلاَّنِ أَلاَّ يَصْرِمُونِى
وَدِدْتُ الرّجلَ أَوَدُّه وُدّاً ومَوَدَّة ومَوْدِدَةً، عن الفرّاءِ، بإِظهار التَّضْعِيف [و] قال: وَدَدْتُه أَوَدُّه مثال وَضعْتُه أَضَعُهُ لغة فيها، وأَنكرها البصريّون قال العجّاج:
إِنَّ بَنِىَّ لِلَّئام زَهَدَهْ ... لا يَجدُون لِصَدِيق مَوْدِدَهْ
وقوله تعالى: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة﴾ أَى بالكُتُب. وقولُه ﴿وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ﴾ أَى وَدَّ المُنافٍِقون ما عَنِتَ المؤمنون فى دِينِهم. وقوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمان وُدّاً﴾ ، قال ابنُ عبّاسِ رضى الله عنهما: أَى مَحَبَّةً فى قلوبِ الناس. وقال عُثمان بنُ عفَّان رضى الله عنه: "ما أَحَدٌ
стр. 2445
من الناسِ يعملُ خيراً أَو شَرّاً إِلاَّ وَدّ أَنَ الله يُرِى عَمَلَه"، يعنى أَنَّه يُظْهِر ذلك عليه فيجعله لِباساً له فيُعرَف به.
والوِدُّ بالكسر والوَدِيدُ واحدٌ والجمع أوُدّ، مِثالِ قِدْحٍ وأَقْدُح وذِئْبٍ وأَذْؤْبِ، وهنم أَوِدّاءُ.
والوَدُودُ: المُحِبّ. ورجالٌ وُدَدَاءُ. والوَدُودُ فى صفاتِ الله تعالى، قال ابن الأَنْبَارِىّ: هو المُحِبُّ لِعباده. ويستوى فى الوَدُود المذكَّرُ والمؤنَّث لكَوْنه وَصْفاً داخلاً على وَصْف للمُبالغة.
والتَوَدُّد: التَحَبُّبُ. والتَوادُّ: التَحابُّ، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ إِشارة إِلى ما أَوْقَع بينهم من الأُلْفَة المذكورة فى قوله: ﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأرض جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولاكن الله أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ . ومن المَوَدّة الَّتى هى المحبَّة المجرَّدة قولُه تعالى: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ .
قال أَبو القاسم الراغب فى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الغفور الودود﴾ : الوَدُودُ يتضمَّن ما دَخَل فى قوله ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ وقد تقدّم معنى مَحبَّةِ الله تعالى لعباده ومَحَبَّةِ العِباد له فى بصيرة الحُبّ. وقال بعضُهم: محبَّة الله لِعباده هى مُراعاتُه لَهُم، رُوِىَ أَنَّ الله تعالى قال لِمُوَسى ﵇: "أَنا لا أَغْفَلُ عن الصَّغِير لِصِغَرِه، ولاعن الكَبِيرِ لِكِبَرِهِ، فأَنا الوَدُودُ الشَّكُور". ويصحَّ أَن يكون، معنى
стр. 2446
﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمان وُدّاً﴾ معنى قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ .
ومن المَودَّة التى تقتضى معنى التمنى قوله تعالى: ﴿وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ﴾ نَهْىٌ عن مُوالاة الكُفَّار ومُظاهَرَتِهم كقوله: ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بالمودة﴾ أَى بأَسْباب المَحبَّة من النَّصيحة ونحوها، وتقدّم عن بعضهم تفسيرُه بالكُتُبِ.
والوُدّ بالضمّ وبالفتح: اسمُ صَنَم كان لقومِ نُوح ﵇، ثم صار لكَلْب، وكان بدُومَة الجَنْدل، ومنه سُمِّىَ عَبْدُ وُدٍّ. وقرأَ أَبو جعفرٍ ونافعٌ ﴿وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً﴾ بالضمّ، والباقون بالفتح.
والوَدّ: الوَتِدُ.
стр. 2447
بصيرة فى ودع
المادّة تدلُّ على التَّرْك والتَخْلِيَة. وَدُعَ الرجلُ فهو وَدِيعٌ ووادِعٌ، أَى ساكنٌ، مثلُ حَمُضَ فهو حامِضٌ، يُقال: نالَ المكارِمَ وادعاً، أَى من غير كُلْفَةِ ومَشَقَّة. وعليك بالمَوْدُوع أَى بالسَّكينة والوَقار. ووَدَّعْتُ فلاناً تَوْدِيعاً من وَداع السَّلام.
والدَّعَةُ: الخَفْضُ والرّاحةُ، والهاءُ عِوَضٌ من الواو، وقال:
لا يَمْعَنَّك خَفْضَ العَيْشِ فى دَعَةٍ ... نُزُوعُ نَفْسٍ إِلى أَهْلٍ وأَوْطانِ
تَلْقَى بكُلِّ بِلادٍ إِنْ حَلَلْتَ بها ... أَهْلاً بأَهْلٍ وجِيراناً بجيرانِ
والوَداعُ: اسمٌ من التَّوْدِيع، قال القَطامىّ:
قِفِى قَبْلَ التَفَرُّق يا ضُباعَا ... ولا يَكُ مَوْقِفٌ مِنكِ الوَداعَا
أَراد ولايَكُنْ مِنكِ مَوْقِف الوَداعِ، ولكن لِيَكُنْ مَوْقِف غِبْطَةٍ وإِقامة، لأَنَّ موقفَ الوَدع يكون للفِراق، ويكون مُنَغَّصاً بما يَتْلُوه من التَبارِيحِ والشَّوْق.
وقولُهم: دَعْ ذَا، أَى اتْرُكْه، وأَصلهُ وَدَعَ يَدَعُ، ومنه قولُ النبىّ ﷺ : "دَعْ ما يَريبك". قال عَمْرُو بن مَعْدِيكرب:
стр. 2448
إِذا لم تَسْتَطِعُ أَمراً فدَعْهُ ... وجاوِزْهُ إِلى ما تَسْتَطيعُ
قال اللغويون: أُمِيتَ ماضِيهِ، لا يُقال: وَدَعَهُ إِنَّما يُقال تَركَه ولا وادِعٌ ولكن تَارِكٌ. قالوا: ورُبَّما [جاءَ] فى ضرورة الشِّعر وَدَعَه وهو مَوْدُوع على أَصْلِه، قال أَنَسُ بن زُنَيْم:
لَيْتَ شِعْرِى عن خَلِيلِى ما الَّذى ... غالَهُ فى الوَعْدِ حَتَّى وَدَعَه
وقال سُوَيْدُ بن أَبى كاهِل اليَشْكُرِىّ يصفُ نَفْسه:
وَرِثَ البِغْضَة عن آبائه ... حافِظُ العَقْلِ لِما كان اسْتَمَعْ
فَسَعَى مَسْعاتَهُم فى قَوْمهِ ... ثمّ لم يَظْفَرْ ولا عَجْزاً وَدَعْ
وقال آخر:
وكانَ ما قَدَّمُوا لأَنْفُسِهم ... أَكْثر نَفْعاً من الَّذِى وَدَعُوا
وقد اختارَ النبىُّ ﷺ أَصلَ هذه اللغة فيما رَوَى عنه ابنُ عبّاسٍ رضى الله عنهما أَنَّه قرأَ: ﴿ما وَدَّعَك رَبُّكَ وما قلىَ﴾ بتخفيف الدَّال، وكذلك قرأَ بهذه القِراءَة عُرْوة ومُقاتل وأَبو حَيْوَةَ، وأَبو البَرَهْسَم وابنُ أَبِى عَيْلَةَ ويَزِيدُ النَّحْوَىّ. وقال ﷺ : "لَيَنْتَهِيَنَّ أَقوامٌ عن وَدْعِهِم الجُمُعات أَوْ لَيَخْتِمَنَّ الله على
стр. 2449
قُلُوبهم ثمّ لَيكُونُنَّ من الغافِلين"، وقرأَ الباقون ما وَدَّعك بالتشديد، أَى ما تَرَكك من اخْتارَك، ولا أَبْغَضَك منذ أَحَبَّك. وفى الحديث: "إِذا لم يُنْكِرِ الناسُ المُنْكَرَ فقد تُوُدِّع منهم" أَى أُسْلِمُوا إِلى ما استحقُّوه من المنكر عليهم، وتُرِكُوا [و] ما استَحبُّوه من المَعاصى حتى يُكْثِرُوا منها فيَستوجِبُوا العقوبةَ.
وفى الحديث: "دَعْ داعِىَ اللَّبَن" أَى اتركْ منه فى الضَرْع شيئا يَسْتَنْزِلُ اللَّبَنَ.
ووادَعَ بَنِى فُلان: صالَحَهُم.
والتَّوْديع عند الرّحيل معروفٌ، وهو تخليف المسافِرِ الناسَ خافِضين وادِعين، وهم يُوَدِّعُونَه إِذا سافَر تَفاؤلاً بالدَّعَة التى يصير إِليها إِذا قَفَل، أَى يتركونه وَسَفَره، قال الأَعشى:
ودِّعْ هُرَيْرَة إِنَ الرَكْبَ مُرْتَحِلْ ... وهَلْ يُطِيقُ وَداعاً أَيّها الرّجُلُ
واستَوْدَعْتُه وَديعَةً: استْحْفَظْتُه إِيّاها قال:
اسْتُودِع العلْمَ قرطَاسٌ فضَيَّعَه ... فِبئْسَ مستودَعُ العِلْم القَراطيسُ
стр. 2450
وقوله تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ أَى مستودَعٌ فى الصلب فى وقيل فى الثَّرَى.
والمُسْتَوْدَعُ فى قول عبّاس بن عبد المطَّلب رضى الله عنه:
مِنْ قَبْلِها طِيبَ فى الظِّلال وفىِ ... مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ
المكانُ الذى جُعِلَ فيه آدم وحَوّاءُ ﵉ من الجنَّة واستُودعاهُ، وقيل: الرَّحمُ.
стр. 2451
بصيرة فى ودق
الوَدْقُ: المَطَرُ، قال الله تعالى: ﴿فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ وقد وَدَقَ يَدِقُ وَدْقاً، أَى قَطَرَ قال عامر بن جُوَيْن الطَّائىّ:
فلا مُزْنَة وَدَقَتْ وَدْقَهَا ... ولا أَرْضَ أَبْقَل إِبْقالَهَا
هكذا أَنشده سيبويه، وفى شعره: ولا رَوْضَ فلا يحتاج إِلى تأَويل. وذاتُ وَدْقَيْن: الدّاهيَة، قال علىُّ بن أَبى طالب رَضىَ الله عنه:
تلْكُم قُرَيْشٌ تَمَنَّانِى لِتَقْتُلَنِى ... فلا وَرَبِّك ما بَرُّوا ولا ظَفِرُوا
فإِن هَلَكْتُ فرهنٌ ذِمَّتِى لَهُمُ ... بذات وَدْقَيْنِ لا يَعْفُوا لها أَثَرُ
قال المازنىّ: لم يصحّ أَنَّ عليّاً تكلَّم بشىءٍ من الشعر [غير] هذين البيتين، ويروى بذات رَوْقَين أَى ذات قَرْنَيْن.
وأَوْدَقَت السّماءُ: جاءَت بوَدْق مثل وَدَقَتْ، وقال غيرُه: وَدَقَت ذاتُ الحافِر ووَدَّقَتْ واسْتَوْدَقَت: اشتهَتِ الفَحْلَ.
ووَدَقْتُ بِه وَدْقاً: اسْتَأَنْسَتُ بِهِ.
والوَدِيقَةُ: شِدَّةُ الحَرِّ، قال رَبِيعَة بن مَقْرُوم.
стр. 2452
كَلَّفْتُها فرأَتْ حَقّاً تَكَلُّفَهُ ... وَدِيقَةً كأَجِيج النار صَيُخودا
وقال أَبو المُثَلَّمِ الهُذَلّى يرثى صَخْرَ الغَىِّ:
حامى الحَقِيقَة نَسّالُ الوَدِيقَةِ مِعْـ ... تَاقُ الوَسِيقَةِ جَلْدٌ غَيْرُ ثُنْيان
وقيل: الوَدْق شىءٌ يكون خِلالَ المَطَر كأَنَّه غُبارٌ، لكن قد يُعَبَّر به عن المَطَر.
стр. 2453
بصيرة فى ودى ووذر
الدِّيَةُ بالكسر: حَقُّ القَتِيل. ووَداهُ كوَعاهُ: أَعْطَى دِيَتَه. قال الله تعالى: ﴿فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ﴾ .
والوَادِى: كلَّ مَفْرَج بَيْنَ جِبال أَوْ تِلال أَوْ آكام. وكلُّ مَسيلِ ماءٍ وادٍ، والجمعُ. أَوْداءٌ وأَوْدِيَة، وأَوْداةٌ، وأَوْدايَةٌ. قال تعالى: ﴿إِنَّكَ بالواد المقدس طُوًى﴾ وهو وادٍ بجانبِ الطُّور من الأَرض المقدَّسة.
[و] يقال: أَنا فى وادٍ وأَنت فى وادٍ. وفلانٌ فى وادٍ غير واديكَ، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ أَى من أَوْدِيَة الكَلامِ.
والوَدَى كفَتىً: الهَلاكُ. وكغَنِىٍّ: صِغارُ الفَسِيل، الواحدة وَدِيَّة.
стр. 2454
وأَوْدَى: هَلَكَ، وتَكَفَّرَ بالسَّلاح وبه المَوْتُ: ذهَبَ به. واسْتَوْدَى بحَقِّى: أَقَرَّ به، وفى الحديث الصّحيح: "لَوْ كان لابْنِ آدَمَ وادِيانِ من مالِ، ويُرْوَى من ذَهَب، ويُرْوَى من نَخْلٍ، لابْتَغَى إِليهما ثالثاً".
والمُودِى: الأَسَدُ.
وذَرْه أَى دَعْهُ، وهو يَذْرُه أَى يَدَعُه. والأَصل وَذِرَهُ يذَرُه مثالُ وَسِعَهُ يَسَعُه، ولكن قد أُمِيتَ مَصْدرُه [والفعل الماضى] ، فلا يُقال وَذِرَهُ ولا واذِرٌ استَغْنَوْا عنهما بَتركَه وتارِك.
وَذَّرْت اللحمَ تَوْذِيراً: قَطَّعْتُه، والجُرْحَ: شَرَّطْتُه. قال الله تعالى ﴿قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ وقال تعالى ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ .
والوَذْرَةُ: قطعةٌ من اللحم، سمّيت بذلك لِقلَّة الاعْتِداد بها، والجمع: وَذْرٌ كتَمْرَة وتَمْر.
ومِنْ سَبّ العرب: يا ابْنَ شامَّةِ الوَذْرَة.
стр. 2455
بصيرة فى ورث وورد
وَرِثْتُ أَبى، ووَرِثْتُ المالَ من أَبِى، أَرِثُه بالكسر فيهما، وِرْثاً ووِرَاثَةً، وإِرْثاً، الأَلف منقلبةٌ عن الواو، ورِثَةً كَعِدَة الهاء عوضٌ عن الواو، وإِنَّما سقطت الواو من المستقبل لوُقوعها بين ياءٍ وكَسْرَة وهما مُتجانِسان، والواوُ مُضادَّتُهما فحُذِفَت لاكْتنافهما إِيّاها، ثم جُعل حُكمهما مع الأَلف والياءِ والنون كذلك لأَنهِنّ مبدلات منها، والياءُ هى الأَصل، يدلُّ على ذلك أَنَّ فَعِلت وفَعِلْنا وفَعِلْتَ مبنيّات على فَعِلَ، ولم تَسْقَط الواو من يَوْجَلُ لوُقوعِها بين ياء وفتحة، ولم تَسْقُط الياء من يَيْسَر لِتَقَوِّى إِحْدَى الياءَيْن بالأُخرى.
والميراث: أَصلهُ موْراثٌ صارت الواو ياءً لسكونها وكَسْرِ ما قَبْلها.
والوارِثُ فى أَسماءِ الله تعالى: الَّذى يَرِث الخَلائِق، ويَبْقَى بعد فَنائهم، لما رُوِى أَنَّه يُنادَى لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ؟ فيُقال: لِله الواحِدِ القَهَّار، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَللَّهِ مِيرَاثُ السماوات والأرض﴾ وقال: / ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب﴾ . وكُلّ من حصل له شىءٌ من غير تعبٍ يقال فيه قد وَرِثَ كذا.
ويُقال لمن خُوّل شيئاً مُهَنِّئا: أُورِثَ، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ ، وقولُه: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً *يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ
следующие страницы →