← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9856

بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز

الفيروزآبادي

Полный текст (2 804 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

بصيرة فى وصل وصلَ الشَّىْءَ بغَيْرِه فاتَّصَلَ. ووَصَّلَ الحِبالَ وغيرها تَوْصِيلاً: وَصَلَ بعضَها ببَعْضِ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ القول﴾ أَى أَكْثَرْنا لهم القَوْلَ موصولاً بعضُه ببعضٍ. وخَيْطٌ مُوَصَّلٌ: فيه وَصْل كثيرٌ. وغُصْنٌ مٌوَصَّلٌ: فيه غُصْنٌ غَرِيبٌ، قال: وإِذا ما نَكَحْت فانْكح غَرِيباً ... ومن الأَقْرَبِين لا يَتَوَصَّلْ فأَلَذُ الثِّمار حُسْناً وطِيباً ... ثَمرٌ غُصْنُه غَرِيبٌ مُوَصَّلْ ووَصْلَنِى بعد الهَجْر وواصَلَنِى، وصَرَمَنى بعد الوَصْل والصِّلة والوِصال. ووَصَلَت شَعْرَها بشَعر آخر، "ولَعَنَ الله الواصِلةَ والمستوصِلَة". وقطع اللهُ أَوْصالَه، أَى مَفاصِلَه. والوَصْلُ يكون فى الأَعْيان وفى المَعانِى قال الله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ الذين يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ﴾ أَى يَنْتَسِبُون، يقال: فلانٌ مُتَّصِلٌ بفلان: إِذا كان بيْنَهما نِسْبة أَو مُصاهرة. وقولُه تعالى: ﴿مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ﴾

стр. 2487

قيل هى التى وَصَلَت أَخاها من أَولاد الغنم فلم تُذْبَح. كان إِذا وَلَدَت لهم شاةٌ ذَكَراً وأُثْنَى قالوا وَصَلَتْ أَخاها. وقيل: الوَصِيلة: الناقَةٌ الَّتى وَصَلَتْ بين عشرة أَبْطُن، ومن الشاءِ الَّتى وَلَدَت سبعَة أَبْطُن عَناقَيْن عناقَيْن، فإِن ولدت فى السَّابعة عَناقاً وجَدْياً قيل: وصلت أَخاها فلا يَشْرَب لَبَنَ الأُمّ إِلاَّ الرّجالُ دون النِّساءِ، ويجرى مجرى السّائبَةِ. وقيل: الوَصِيلَةُ خاصّة بالغَنَم، كانت الشَّاةُ إِذا ولدت الأُنْثَى فهى لهم، وإِذا وَلَدَت ذكراً جعلوه لآلِهَتِهم، فإِن ولدت ذكراً وأُنْثى قالوا: وصلت أَخاها فلم يَذْبَحُوا الذَكَر لآلهتهم. وقيل: الوصيلةُ: شاةٌ وَلَدت ذكراً ثم ولدت أُنْثَى، فتصل أَخاها فلا يذبحون أَخاها من أَجْلِها، فإذا ولدت ذكراً قالوا هذا قُرْبانٌ لآلهتنا. وَوَصِيلُك: من يَدْخُلُ مَعَكَ ويَخْرُجُ معك. والاتِّصال ضدّ الانفصال، وهو عند العارفين على ثلاث مراتب: اتصال العلم والعمل، واتصال الحال والمعرفة، واتصال الوِجْدانِ والوُجود، وهو أَنْ يَجِدَ العبدُ رَبَّه بعد أَن كان فاقداً، فهو بمنزلة من كان يطلُب كَنْزاً ولا وُصُول له إِليه فظفر به بعد ذلك ووَجَدَه واستَغْنَى به غايةَ الغِنى، فهذا اتِّصال الوجود، كما فى الأَثر: "اطْلُبْنى تَجِدْنى، فإِنّ وَجَدْتَنِى وَجَدْت كُلُّ شَىْءٍ، وإِنْ فُتُّكَ فاتَكَ كلُّ شَىء". وهذا الوُجود من العبد لِرَبِّه يتنوّع بحسب حال العبد ومَقامه، فالتائب الصّادق

стр. 2488

فى تَوْبته إِذا تاب إِليه وَجَده غفوراً رحيماً، والمتوكِّلُ إِذا صَدَقَ فى تَوَكُّله وَجَده كَافِياً حسيباً، والدّاعِى إِذا صَدَق فى الرَّغْبة إِليه وَجَده قرِيباً مُجِيباً، والمحبّ إِذا صَدَق فى مَحَبَّتِهِ وَجَده وَدُوداً حبيباً، والملهوف إِذا صَدَق فى الاستِعانة وَجَده كَاشِفاً للكرْب مُخَلِّصاً منه، والمضطرُّ إذا صَدَق فى الاضْطِرار إِليه وَجَده رَحِيماً مُعِيناً، والخائفُ إِذا صَدَق فى الَّلَجإِ إِليه وَجَده مُؤَمِّناً من الخوف، والراجى/ إِذا صَدَق فى رَجائه وَجَده عند ظَنِّه به؛ فمُحِبُّه وطالِبُه ومريدُه ومن لا يَبْتَغِى به بَدَلاً ولا يرضَى بسِواهُ عِوَضاً إِذا صَدَق فى محبّته وإِرادتِه وجَده أَيضاً وُجُوداً أَخصّ من تلك الوجودات، فإِنَّه إذا كان المُريدُ منه يَجدهُ فكيف مُرِيدُه ومُحِبُّه! فيظفر هذا الواجِدُ بنَفْسِه وبِرَبِّه، أَمَّا ظَفَرُهُ بنَفْسه فتَصِير مُنقادةً له، مطيعةً تابعةً مَرْضاتِه، غيرَ أَبِيَّةٍ ولا أَمَّارة، بل تَصِير خادمةً له ومملوكةً بعد أَنْ كانت مخدومةً مالكةً. وأَمّا ظَفَرُه بربّهِ فقُرْبُه منه وأُنْسُه به، وعِمارَةُ سِرِّه به، وفَرَحُهُ وسُرُورُه أَعظم فَرَح وسرور. فهذا حقيقة اتصال الوُجود. وأَمّا اتصالُ العِلْمِ والعملِ قد يُسَمُّونَه اتَّصال الاعْتِصام، فهو بتصحيح القَصْد، ثمَّ تصفيته الإِرادة، ثم تحقيق الحال. وتصحيح القصد يكون بشيئين: إِفرادُ المقصود، وجمعُ الهمِّ عليه؛ وحقيقته توحيدُ القصد والمقصود، فمتى انْقسم قصده أَو مقصوده لم يكن اتّصاله صحيحاً. وأَمّا تصفية الإِرادة فهو تخليصُها من الشوائب وتعلُّقِها بالسِّوى أِو بالأَعْراض، بل

стр. 2489

تكون إرادةً صافية عن ذلك كله، بحيث يكون تعلُّقه بالله وبمراده الدّينِىّ الشرعىّ. ثم تحقيق الحال بأَن يكون له حالٌ محقَّق لا يكتِفى بمجرّد العِلْم حتَّى يصحبَهُ العملُ، ولا لمجرّد العملِ حتى تصحبَه الحالُ، فتصير الإِرادة والمحبَّةُ والإِنابةُ والتوكُّلُ وحقائقُ الإِيمان حالاً لقلبه، بحيث لو انقطعت جوارِحهُ كان قَلْبُه فى العمل والسَّيْر إِلى الله، وربّما يكون عملُ قلبِه أَقْوَى من عملِ جَوارحِه. وأَمّا اتَّصالُ الحال والمعرفة الَّتى يسمّونه اتصالَ الشهُّود، فهو الخَلاصُ من الاعْتِلال، والفَناءُ عن الاستِدْلال، وهذه المنزلة أَعْلَى من اتِّصال الاعْتصام، لأَنَّ الأُولَى اتصالٌ بصحة المقصود والأَعمال، وهذا اتِّصالُ برؤيةِ مَنِ العَمَلُ له، فيتخلَّصُ العبدُ بذلك مِنْ عِلَل الأَعمالِ واستِكْبارها واسْتحْسانها والسُّكون إِليها.

стр. 2490

بصيرة فى وصى وَصّاه تَوْصِيَةً: عَهِدَ إِلَيْه، والاسمُ: الوَصاةُ والوَصِيَّةُ والوِصاية. (والوصيَّة) : المُوصَى به أَيضاً. والوَصِىُّ: المُوصِى والمُوصَى. والمرأَةُ وصِىٌّ أَيضاً، والجمع أَوْصِياءُ، وقيل: لا يُثَنَّى ولا يُجْمَع. قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ الله﴾ أَى يَفْرِضُ عليكم. وقوله تعالى: ﴿ووصى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ﴾ ، قرئ: وأَوْصَى وهما بمعنًى. وتَواصَى القَوْمُ: وَصَّى بعضُهم بعضاً، قال الله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالحق وَتَوَاصَوْاْ بالصبر﴾ . ووَصَى الشىءَ بالشىْءِ: وَصَلَه به، قال ذو الرّمَة: نَصِى اللَّيْلَ بالأَيّام حَتى صَلاتُنا ... مقاسمةٌ يشتق أَنصافها السَّفْرُ ووَصَى النَبْتُ: اتَّصَل وكَثُر. وأَرضٌ واصِيَةُ النباتِ. وواصَى البلدُ البَلَدَ: واصَلَه. وأُوصِيكَ بتَقْوَى الله. واسْتَوْصِ بفُلان خَيْراً.

стр. 2491

وقال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً﴾ وقال: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ . وقال: ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى﴾ . وقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب﴾ وقال: ﴿وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة﴾ . وقال: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ . وقال: ﴿غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ الله﴾ . وقال: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً﴾ ، وقال: ﴿وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة﴾ /وقال ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ .

стр. 2492

بصيرة فى وضع الوَضْعُ أَعمّ من الحَطِّ، وهو ضدّ الرّفع، ومنه المَوْضِعُ، قال الله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكلم عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ ، [و] يقال ذلك فى الحَمْلِ والحِمْل، وَضَعْتُ الحمل فهو موضوعٌ، وقال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾ . وقوله تعالى: ﴿والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ هذا الوضعُ عِبارة عن الإِيجاد والخَلْق. ووَضَعَت المرأَةُ الحَمْل، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ . [و] وَضْعُ البَيْتِ: بناؤُه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ . وقوله: ﴿وَوُضِعَ الكتاب﴾ هو إِبرازُ أَعمالِ العباد، نحو قوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ . ووَضَعَت الدّابَّةُ وَضْعاً: أَسْرَعَت، ودابَّة حَسَنَةُ المَوْضُوع. وأَوْضَعْتُها أَنَا، قال الله تعالى: ﴿ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ﴾ قال طَرَفَة بن العَبْد:

стр. 2493

مَرْفُوعها زَوْلٌ ومَوضُوعُها ... كَمَرّ غَيْث لَجِب وَسْطَ رِيحْ ووَضْعَت الشىءَ من يَدِى وَضْعاً ومَوْضَعاً بفتح الضَّاد ومَوْضُوعاً. وقوله ﷺ : "اللَّهُمَّ ارْفَعْنَا ولا تَضَعْنا". ارْفَع دَرَجَتنا ولا تضعها، وقوله ﷺ : "مَنْ رَفَع السِلاح ثمَّ وَضَعَه فَدمُه هَدَرٌ" أَى قاتَلَ فى الفِتْنة، وليس معنى قولِه ثمَّ وَضَعه أَنَّه وَضَعَه مِنْ يَدِه، قال سُدَيْف: فضَعِ السَّوْطَ وارْفَعِ السّيفَ حَتَّى ... لا تَرَى فَوْقَ ظَهْرِها أُمَوِيَا معناه ضَع السَوْطَ على بَدَن من تَبْسطه عليه، وارفع السّيف له ليُقْتَلَ به. ووَضَعَ منْه: حَطَّ مِنْ قَدْرِه. ووَضَع عن غَرِيمه: نَقَص ممّا له عليه ومنه الحديث: "مَنْ أَنْظَر مُعْسِراً أَو وَضَع له أَظَلَّه اللهُ تحت ظِلِّ عَرْشه". ووضع يَدَه فى الطَّعام: إِذا أَخَذَ فى الأَكْل. ووَضَع يَدَه عن فلان: كَفَّ عنه، ومنه الحديث: "واضِعٌ يَدَه لِمُسِىءِ اللَّيْلِ لِيَتُوبَ بالنَّهارِ" أَى لا يُعاجل المُسىءَ بالعقوبة بل يُمْهِلُه لِيَتُوبَ.

стр. 2494

وامرأَةٌ واضِعٌ: لاخِمارَ عليها. ووَضَعت المرأَةُ حَمْلَها وَضْعاً بالضَّمِّ وتُضْعاً بالضمّ، وتُضُعاً بضمَّتين، أَى حَمَلت فى آخِرِ طهرها فى مُقْتَبَلِ الحَيْضِة فهى واضِعٌ. ووُضِعَ فى تجارته كَعُنِىَ: خَسِرَ. قال ابنُ دُرَيْد: وَضِعَ يَوْضَعُ كوَجِلَ يَوْجَل لغةٌ فيه. وفى حَسَبِهِ ضَعَةٌ وضِعَةٌ بالكسر أَى انْحطاطٌ، والهاء عوض عن الواو. وقد وَضُع الرَّجُل ككرُم يَوْضُع ضَعة وضِعةً. قال الفرّاءُ: يُقال: له فى قَلْبِى مَوْضِعَةٌ ومَوْقِعَةٌ، أَى مَحَبَّةٌ. ووضَعْتُ عنده وَضِيعاً، أَى استَوْدَعتُه وَدِيعَةً. وقوله تعالى: ﴿ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ﴾ أَى حَمَلُوا ركابَهم على العَدْوِ السّريع. ومنه الحديث: "أَنَّه أَفاضَ من عَرَفَةَ وعليه السَّكِينَة وأَوْضَعَ فى وادِى مُحَسِّر". وقال ﷺ : "أَيّها الناس عليكم بالسَّكِينَة فإِنَّ البِرَّ ليس بالإِيْضاع". ورَجُلٌ مُوَضَّع كمعظَّم: فيه تَخَنُّثٌ. وتَواضَعَ: تَذَلَّلَ؛ وما بيننا: بَعُدَ. وإِنَّ بَلَدَكم لمُتواضِعٌ عنَّا: مُتَباعِدٌ، قال ذو الرّمَة: فَدعْ ذا وَلكن رُبّ وَجْناءَ عِرْمِس ... دَواءٌ لِغَوْل النازِحِ المُتواضِع

стр. 2495

بصيرة فى وضن ووطر، ووطؤ وَضَنَهُ يَضِنُه فهو مَوْضُونٌ ووَضِينٌ: ثَنَى بعضَه على بعضٍ، وضاعَفَه أَو نَضَّدَهُ، قال الله تعالى: ﴿على سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ ، وقيل: موضونة، أَى/ مَنْسُوجة بالجَواهر. ووَضَنَ النِسْعَ: نَسَجَهُ. والوَضِينُ: بِطانٌ عريضٌ منسوجٌ من سُيورٍ أَوْ شَعر. وقيل لا يكون إِلاّ من جِلْد، والجمع: وُضُنٌ. والمَوْضُونَة: الدِّرع، وقيل الدِّرْع المُقارِبَة النَسْج، أَو المَنْسُوجةُ حَلْقَتَيْن. والتَوَضُّنُ: التَذَلًُّل. واتَّضَنَ: اتَّصَلَ. الوَطَرُ: الحاجَةُ المُهِمّة ولا يُبنَى منه فِعْلٌ، والجمع الأَوطار، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قضى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾ . وَطِئْتُ الشَىْءَ برِجْلِى وَطْأ، ووَطِىءَ زَوْجَتَه يَطَأُ فيهما، سقطت الواوُ من يَطَأُ سُقوطها من يَسَعُ لتعدِّيهما، لأَنَّ فَعِلَ يَفْعَل ممّا اعتلّ فاؤه لا يكون إلاَّ لازماً، فلما جاءَا من بين أَخواتهما متعدّيَيْن خُولفَ بهما نظائرهما.

стр. 2496

قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً﴾ . والمَوْطَأُ بفتح الطاءِ: مَوْضِعُ وَطْءِ القَدَم. قال اللَّيث: هو المَوْطِئ بكسر الطَّاءِ. قال: وكلُّ شىءٍ يكون منه الفِعْلُ على فَعِلَ يَفْعَل مثل سَمِعَ يَسْمَع فإن المَفْعَل منه مفتوحُ العَيْن، إِلاَّ ما كان من بَنات الواو على بِناءِ وَطِىء يَطَأُ وَطْأَ. ووَطُؤَ المَوْضِعُ يَوْطُؤ، وَطاءَةً أَى، صار وَطِيئاً، وكذلك الطِّئة والطَّأَة مثال الطِّعَة والطَّعَة فى المصدر، فالهاء عِوضٌ عن الواو كما قال الكميت: أَغْشَى المكَارِهَ أَحياناً ويَحْمِلُنِى ... منهُ على طَأَةٍ والدَّهْرُ ذُونُوَبِ أَى على حال لَيّنة، ويروى على طِئة بالكسر. وقولُه تعالى: ﴿لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ﴾ ، أَى تنالُوهم بمكروه. وبنو فلان يَطَؤُهم الطَّريقُ أَى ينزلون قريبا منه، والمعنى: يَطَؤُهم أَهلُ الطَّريق. وأَوطأْتُه الشىءَ فوَطِئَهُ. ورجلٌ مُوَطَّأُ العَقِب، أَى سلطانٌ يُتَّبَعُ، وتُوطَأُ عَقِبُه ووطَّأَه تَوْطِئَة: جعله وَطِيئا. ووَطَّأَهُ فتَوَطَّأَ، وهَيَّأَهُ فتَهَيَّأَ.

стр. 2497

وقوله تعالى: ﴿لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ الله﴾ أَى لِيُوافِقٌوا ويُماثِلُوا قاله الأَخفش. وقولُه تعالَى: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْأً﴾ بالكسر والمدّ وهى قراءَة أَبى عمرو وابن عامر، أَى مُواطَأَة، وهى المواتاة، أَى مواتاةُ السمع والبصر إِيّاه، وذلك أَنَّ اللَّسان يُواطِئُ العملَ، والسّمْعَ يُواطئ فيها القَلْبَ. وقرأَ [غير] أَبى عمروٍ وابن عامر: (أَشَدُّ وَطْأ) بسكون الطَّاءِ أَى قِياماً، أَى هى أَبلغ فى القيام وأَوطأُ للقائم، وهى أَبلغ فى الثواب. ويجوز أَن يكون معناه أَغلظ على الإِنسان من القيام بالنَّهار لأَنَّ اللَّيل جُعِل سَكَناً. وتَواطَؤُوا عليه: تَوافَقُوا.

стр. 2498

بصيرة فى وعد الوَعْدُ يُسْتعمل فى الخَيْر والشرّ. قال الفرّاءُ: يُقال وَعَدْتُه خَيْراً ووَعَدْتُه شَرّاً، قال القطامى: أَلاَ عَلِّلانِى كُلُّ حَىٍّ مُعَلَّلُ ... ولا تَعِدانِى الشَرَّ والخَيْر مُقْبِلُ والعِدَةُ: الوَعْدُ، وفى الحديث: "العِدَةُ عَطِيَّة"، و "العِدَةُ دَيْن" قال الرّاعى يمدح سَعِيدَ بنَ العاصِ: وأَنْضاءٍ أَنَخْنَ إِلى سَعِيدٍ ... طُرُوقاً ثُمَّ عَجَّلْن ابْتِكارَا على أَكْوارِهنَّ بَنُو سَبيل ... قليلٌ نومُهم إِلاَّ غِرارَا حَمَدْنَ مَزارَهُ فلَقِينَ منهُ ... عَطاءً لم يكنْ عِدَةً ضِمارَا والمَوْعِدَةُ، والمِيعاد: المُواعَدَة، والوَقْت، لأَنَّ ما كان فاءُ الفعل منه واواً أَو ياءً ثمَّ سَقَطَتا فى المستقبل مثل يَعِدُ ويَزِنُ ويَهَبُ، ويَضَعُ، ويَئل، فإِنَّ المَفْعِل منه مكسورٌ فى الاسم والمصدر جميعاً، ولا تُبالى مفتوحاً كان يَفْعلُ منه أَو مكسوراً بعد أَن تكون الواوُ منه ذاهبة، إِلاَّ أسماء/ جاءَت نوادِرَ، والقياس الكسر. فإِن كانت الواو من يَفْعَلُ ثابتة

стр. 2499

نحو يَوْجَلُ ويَوْجَعُ ويَوْسَنُ ففيه الوجهان، فإِن أردت به المكان أَو الاسم كَسَرْت، وإِن أردتَ به المصدرَ فتحتَ، فقلت: مَوْجَل ومَوْجِل. وقوله تعالى: ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ﴾ قال مجاهد: عَهْدك، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي﴾ أَى عهدى. وقوله تعالى: ﴿وَفِي السمآء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ ، رِزْقكم: المطر، وما تُوعَدُون: الجَنَّة. وقوله تعالى: ﴿الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر﴾ أَى يَخَوِّفكم به فيَحَمِلكم على مَنْع الزَكَوات. قال الفرّاءُ: إِذا أَسْقَطُوا الخيرَ والشَرَّ قالوا فى الخَيْر: المَوْعِد والعِدَة، وقالوا فى الشرّ: الوَعِيدُ والإِيعاد. قال عامِر بن الطَّفْيل: ولا يَرْهَبُ ابنُ العَمِّ ماعشت صَوْلَتىِ ... ولا أَخْتَتِى من صَوْلَة المُتَهَدِّد وإِنَّى وإِن أَوْعَدْتُه أَو وَعَدْته ... لَمُخْلِفُ إِيعادِى ومُنْجزُ مَوْعِدِى وتَواعدَ القومُ: وَعَد بعضُهم بعضاً فى الخَيْر، وأَمّا فى الشَرِّ فيقال اتَّعد: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد﴾ . وقال تعالى فى الوَعْد بالخير: ﴿وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ . ومن الوعد بالشَرّ قولُه تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ﴾ . وممّا يتضمّن الأَمرَيْن جميعاً قولُه تعالى: ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ ولاكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ فهذا وعدٌ بالقيامة وجَزاء العِباد إِنْ خَيْراً فَخيْرٌ وإِنْ شَرّاً فشرٌّ.

стр. 2500

والمُواعَدَة معروفة، قال الله تعالى: ﴿ولاكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾ أَى نِكاحاً، وقال: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا موسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ ، ﴿وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً﴾ فثلاثين وأَرْبَعِين مفعولٌ لا ظرف، أَى انقضاءَ ثلاثين. قال الزجّاج: كان من الله الأَمر ومن موسى القَبولُ، فلذلك ذكر بلفظ المُفاعَلَة. وقرأَ أَبو عَمْرٍو وأَهلُ البصرة: وَعَدْنا من الوَعْد. وقال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن﴾ وقوله: ﴿واليوم الموعود﴾ يعنى القِيامَة، كقوله تعالى: ﴿إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ . ومن الإيعاد قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بالقرآن مَن يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أَى أَوْعَدْت مَن عَصانى من العَذاب. قال ابن عباس قالوا يا رَسُولَ اللهِ لَوْ خَوَّفْتَنا فنزلت: ﴿فَذَكِّر بالقرآنِ من يخافُ وَعِيدِ﴾ . وقوله: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ . فقولُه: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ تفسيرٌ للوَعْد، كما أَنَّ قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنثيين﴾ تفسيرٌ للوَصِيَّة. وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ﴾ فقولُه: أَنَّها لكم بدلٌ من إِحدَى الطَّائفتين.

стр. 2501

بصيرة فى وعظ ووعى الوَعْظُ والعِظَةُ والمَوْعِظَة مصادر قولك: وَعَظْتُه أَعِظَه، وهو زَجْرٌ مقتَرِنٌُ بتخويف. وقال الخليل: هو التَّذْكِير بالخَيْر، ومنه قولُ النبىّ ﷺ : "السَّعِيدُ من وُعِظَ بغَيْره" قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ قال رؤبة ويروى للعجّاج: لما أَوْنا عَظْعَظَتٍْ عِظْعاظَا ... نَبْلُهُم وَصَدَّقُوا الوَعّاظَا يقولُ: كان وَعَظَهُم النُوَبَ واعِظٌ وقال لهم إِنْ ذهبتم هلكتهم، فلمّا ذهبوا أَصابهم ما وَعَظَهم به فصدّقوا الوُعّاظ [حينئذ] . وفى الحديث: "يأْتِى على النَّاسِ زَمانٌ يُستَحَلُّ فيه الرِبّا بالبيع، والقَتْلُ بالمَوْعِظة" وهو أَنْ يُقْتَل البَرِىءُ ليتَّعظ به المُرِيب. /الوَعْىُ مصدر وَعاه يَعِيه: حَفِظَه، وجَمَعَه كأَوْعاهُ، قال الله تعالى: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ . ومالى منه وَعْىٌ، أَى بُدٌّ.

стр. 2502

والوِعاءُ، والوُعاءُ - بالكَسْرِ والضَمِّ - والإِعاءُ: الظَّرفُ، والجمع: أَوْعِيةٌ. وأَوْعاهُ، وأَوْعىَ [عليه] : قَتَّرَ عَلَيْه، قال ﷺ : "لا تُوعِى فَيُوعِى اللهُ عَلَيْك". والإِيعاءُ: حِفظُ الأَمْتعة فى الوِعاء، قال الله تعالى: ﴿وَجَمَعَ فأوعى﴾ ، قال: والشَرُّ أَخْبَثُ ما أَوْعَيْتَ مِنْ زادِ وقال تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَآءِ أَخِيهِ﴾ . والواعِيَةُ: الصُّراخ والصّوت لا الصّارخة. ولا وَعْىَ عن ذلك الأَمر، أَى لا تَماسُكَ دوُنه.

стр. 2503

بصيرة فى وفد وَفد فلان على الأَمِيرِ يَفِدُ وَفْداً ووفُوُداً ووِفادة (أَى، ورد رَسولا، فهو وافِدٌ، والجمع وَفْد، مَثل صَاحِب وصَحْب. وجمع الوَفْد: أَوْفادٌ ووُفُود. والوافِدُ من الإِبل والقطا: ما سَبَق سائرها، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمان وَفْداً﴾ . والوافِدان فى قول الأَعشى: رَأَتْ رَجُلاً غائبَ الوافِدَيْـ ... ـنِ مُخْتَلِفَ الخَلْقِ أَعْشَى ضَرِيرا هما الناشِزان من الخَدَّيْن عند المضغ، فإِذا هَرِمَ الإِنسانُ غاب وافِداه. وأَمْسَيْنا على أَوْفاد، وأَوْفاز، أَى على سَفَرٍ قد أَشخصنا، أَى أَقْلَقنا. وأَوْفَدْتُه إِلى الأَميرِ أَى أَرْسَلْتُه. والإِيفادُ على الشىء: الإِشرافُ عليه، قال حُمَيْد بن ثَوْر الهِلالّى رضى الله عنه: تَرَى العِلافِىَّ عَليْها مُوفِداَ ... كأَنَ بُرْجاً فَوْقَها مُشَيَّدَا والإِيفاد أَيضاً: الإِسْراعُ. وَفَّدْتُهُ إِلى الأَمير تَوْفِيداً: مثلُ أَوْفَدْتُه. واسْتَوْفَدَ الرجلُ فى قِعْدَتِه: مثل اسْتَوْفَزَ.

стр. 2504

بصيرة فى وفر ووفض شَىْءُ وافِرٌ ومَوْفُورٌ ومُوَفَّر ومُتَوَفِّر: كثيرٌ، وقد وَفَرَ ووَفُر. ووَفَرْتُه ووَفَّرْته: كَثَّرْتُه. ووَفَّرْت عليه حَقَّهُ فاسْتَوْفَره، نحو وَفَّيْتُه إِيّاه فاسْتَوْفاه. وهذه أَرضٌ فى نَبْتها وشَجَرها وَفْرَةٌ (وَفِرَةٌ) أَى وُفُورٌ لم يُرْعَ. ولفُلان وَفْرٌ، أَى مالٌ وافِرٌ، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً﴾ . وسِقاءٌ أَوْفَرُ، ومَزادَةٌ وَفْراءُ: لم يُنْقَص من أَدِيمها شىءٌ. وجاريةٌ ذاتُ وَفْرَة: ذات لِمَّة إِلى أُذَنَيْها. ووفَّر شَعْرَه: أَعْفاهُ. وتَوَفَّر على صاحِبه: رَعَى حُرُماتِه. وَفَضَ يَفِضُ وَفْضاً، وأَوْفَضَ، واسْتَوْفَضَ: عَدَا وأَسْرَعَ، قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ ، أَى كأَنَّهم نُصِبَ لهم شىء فهم يُسرعون إِليه ويسبقون. ولَقِيتُه على أَوْفاض، أَى على عَجَلَة، الواحد وَفْضٌ، ووَفَضٌ، قال رؤبة: تَمْشِى بنا الجِدَّ على أَوْفاضِ واسْتَوْفَضَه: طَرَدَه واسْتَعْجَلَه. واستَوْفَضت الإِبلُ: تَفَرَّقت. وفى الحديث: "واسْتَوْفضوه عاما"، أَى غَرَّبُوه.

стр. 2505

بصيرة فى وفق ووفى الوَفْقُ من المُوافَقَة بين الشَّيْئين كالاْلتِحام، يقال: حَلُوبَتُهُ وَفْق عِيالِه، أَى لها لَبَنٌ قَدْر كِفايتهم لا فَضْلِ فيها، قال الرّاعِى: أَمّا الفَقِيرُ الَّذى كانت حَلُوبَتُه ... وَفْقَ العِيال فلم يُتْرك لَه سَبَدُ وأَتيتك لِوفْقِ الأَمْرِ وتَوْفاقِه وتَيْفاقِه، ونِيفاقِه. والمُوافَقة معروفة، قال الله تعالى: ﴿جَزَآءً وِفَاقاً﴾ أَى جازيتُهم جزاء وافَق أَعمالَهم قال مقاتل: وافَق العَذابُ الذَنْب، فلا ذَنْبَ أَعظم من الشِّرك، ولا عَذاب أَعْظَم من النَّارِ. واسْتَوْفَقْتُ الله: سأَلُته التَّوفيق. ووَافَقْتُه: صادَفْتُه. والتَّوافُق: الاتِّفاق. ولا يَتَوفَّقُ عبد حتى يوفِّقَه الله. ووَفِقَ الأَمرُ/ يَفِقُ: كان صواباً مُوافِقاً للمراد. ووُفِّقْتَ أَمْرَك: أُعْطِيتَه موافِقا لمُرادِك. وإِنَّك لمُوفَّقٌ، أَى رَشِيدٌ. الوَفاءُ: التَّمام. ودِرهمٌ واف، وكيلٌ واف، وشعرٌ واف. وصار هذا وَفاءً لذاك، أَى تماماً له. ومات فلان وأَنت بوَفاءٍ، أَى بتمام عُمر.

стр. 2506

ووَفَى بالعَهْدِ وأَوْفَى به: حفظَه وتَمَّمه. وهو وَفِىٌّ من قومٍ أَوْفياء، ووَفاةٌ. ووَفَّاه حَقَّه وأَوْفاهُ. قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الكيل إِذا كِلْتُمْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ بعهدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى﴾ ، توفِيَتُه أَنَّه بذل المجهود فى جميع ما طُولِب به ممّا أَشار إِليه فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ ، بَذَل مالَه فى الإِنفاق فى طاعة الله، وبَذَل وَلَده الذى هو أَعزُّ من نفسه للقُرْبان، وإِلى ما نبّه عليه بقوله وفَّى أَشار بقوله: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ . ووافَيْتُه بمكان كذا أَتَيْتُه وفاجأْتُه. وتَوْفِيَةُ الشَّىْءِ: بَذْلُه وافِياً، واستِيفاؤه: تناوُلُه وافيا، قال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ ، وقال تعالى: ﴿الذين إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ﴾ . وقد عَبِّرَ عن الموت والنَّوم بالتَوَفِّى، قال الله تعالى: ﴿الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ . وقولُه تعالى: ﴿ياعيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ فقد قيل: تَوَفِّىَ رِفْعة واختصاص لا تَوَفِّىَ موت. وقال ابن عبَّاس رضى الله عنهما: تَوَفِّىَ مَوْت لأَّنَّه أَماتَه ثم أَحياه.

стр. 2507

بصيرة فى وقب ووقت وَقَبَت الشمسُ: إِذا غابَتْ ودخلتْ موضِعَها. ووَقَبَ الظلامُ: دَخَل على الناس، قال الله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ ، قال الحسن: إِذا دخلَ على الناسِ. وقالت عائشة رضى الله عنها: أَخذ بيدى رسولُ الله ﷺ ثم نظر إِلى القَمَر فقال: "يا عائشة تَعَوَّذِى بالله من هذا فإِنَّه الغاسِق إِذا وَقَبَ"، ووُقُوبُه: دُخولُه فى الكسوف. أَراد تَعَوّذِى بالله منه عند كسوفه. ووَقَبَتْ عيناه غارَتا. والوَقْبُ فى الجبل: نُقْرَة يجتمع فيها الماءُ؛ والثَّقْبُ من المَحَالَة؛ والرجلُ الأَحمقُ، قال الأَسْودُ بن يَعْفرُ: أَبَنى نُجَيْحٍ إِنَّ أُمَّكمُ ... أَمَةٌ وإِنَّ أَبَاكمُ وَقْبُ أَكَلَتْ خَبِيثَ الزاد فاتَّخَمَت ... عنه فَشَمَّ خِمارَها الكَلْبُ ووَقْبَة الثَّريد: أُنقُوعَتُه. والمِيقابُ: الحَمْقاء. الوَقْتُ: نهايةُ الزَّمان المفروض للعَمَل، ولهذا لا يكاد يُقال إِلاَّ مُقَيَّداً نحو: وقتُ العَصْر، وقت الراحة [و] نحوه.

стр. 2508

ووَقَتُّ كذا كوَجَدْتُ: إِذا جعلتَ له وَقْتاً يُفْعَل فيه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصلاة كَانَتْ عَلَى المؤمنين كِتَاباً مَّوْقُوتاً﴾ . والتَّوْقيت: تَحْديد الأَوقات، تقول منه: وَقَّتُّه ليَوْم كذا، مثل أَجَّلْتُه. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ﴾ قرأَ أَهل البصرة: وُقَّتَتْ بتشديد القاف، وقرأَ أبو جعفر بالواو وتخفيف القاف، وقرأَ الباقون بالألف وتشديد القاف، وهما لغتان فصيحتان؛ والعرب تُعاقِب بين الواو والهمزة كقولهم: وَكَّدْتُ وأَكَّدْتُ، ووَرَّخْتُ وأَرَّخْتُ. ومعناهما جُمِعَت لمِيقات يوم معلوم، وهو يومُ القِيامة لِيَشْهَدُوا على الأمم.

стр. 2509

بصيرة فى وقد وَقَدَت النارُ تَقِدُ وَقْداً، ووُقوداً، ووَقوداً بالفتح. /وهذا شاذٌّ ووَقَدا بالتحريك، وقِدَةً كِعدَة، ووَقَداناً بالتحريك. وقرأَ الحسنُ البصرىّ وأَبو رَجاءٍ العطاردىّ ويَزِيدُ النحوىُّ: ﴿النار ذَاتِ الوقود﴾ بالضمَّ والوَقُود بالفتح أَيضاً. والوِقادُ بالكسر، والوَقِيدُ: الحَطَب، وقرأَ النبىّ ﷺ : ﴿أُولئك هم وقاد النَّار﴾ . وقرأ عُبَيْد بن عُمَير: ﴿وَقِيدُها الناسُ والحِجارة﴾ . وقال ابن فارس: الوَقَد بالتحريك نَفْس النار. والمَوْقِدُ: مَوْضِع الوُقود، مثال مَجْلِس لموضع الجُلوس. واسْتَوْقَدَتِ النارُ: أَتَّقَدَتْ، واسْتَوْقَدْتُ النَّارَ: أَوْقَدْتُها لازم متعد؛ قال الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً﴾ قال بعضهم: نحن حَبَسْنا بنى جَدِيلَة فى ن ... رٍ من الحرب جَحْمَة الضَرَمِ نَسْتَوقد النَّبْلَ بالحَضِيض ونَصْـ ... طاد نُفوساً بُنيت على الكَرَم ويقال: أَوْقَدْتُ النارَ فاتَّقَدَت وتَوَقَّدَت، قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله﴾ .

стр. 2510

بصيرة فى وقذ ووقر وَقَذَه يَقِذُهُ وَقْذاً: ضَرَبَه حتى اسْتَرْخَى وأَشْرَف على الموت. وقوله تعالى: ﴿والموقوذة﴾ ، وهى التى تُقْتل بِعَصاً أَو بحجارةٍ لاحَدّ لها فتموت بلا ذَكاة. ويقال: وَقَذَهُ النُّعاس: إِذا غَلَبَه. وَوَقَذَهُ الحِلْمُ، أَى سَكَّنَه. ورجلٌ وَقِيذُ الجَوانح، أَى حَزِينُ القَلْبِ كأَنَّ الحزنَ ضَعَّفَه وكَسَرَ قَلْبَه. ووَقَذْتُه وأَوْقَذْتُه: تركتُه عَلِيلاً. الوَقْرُ: الثِّقَلُ فى الأُذُن، وقد وَقِرَتْ أُذُنُه بالكسر تَوْقَرُ وَقْراً، أَى صَمَّت، وقياس مصدرِه التحريك إِلاَّ إِنَّه جاءَ بالتسكين. ووَقَر اللهُ أُذُنَه يَقِرُهَا وَقْراً. يقال: اللَّهمّ قِرْ أُذُنَه. ووُقِرَتْ أُذُنُه على ما لم يُسمَّ فاعله فهى مَوْقُورَة. ووَقَرْتُ العَظْمَ أَقِرُه وَقْراً: صَدَعْتُه، قال الأَعشى: يا دَهْرُ قد أَكْثَرْتَ فَجْعَتَنا ... بِسَراتِنا ووَقَرْتَ فى العَظْمِ والوَقارُ: الرّزانةُ، وقد وَقَرَ الرّجلُ يَقِرُ وَقَاراً وقِرَةً، فهو وَقُورٌ، قال الرّاجز: ثَبْتٌ إِذَا مَا صِيحَ بالقَوْم وَقَرْ

стр. 2511

وقال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ وقرئ: وَقَرْن بالفتح فهذا من القَرار كأَنَّه يريد اقْرَرْن فتُحْذَفُ الراء الأُولى للتَّخْفِيف وتُلقى فتحتُها على القاف، فيستغنى عن الأَلف بحركة ما بعدَها. ويحتمل قراءَةُ من قرأَ بالكسر أَيضاً أَن يكون من اقْرِرْن بكسر الراءِ على هذا، كما قرئ ﴿فَظَلْتُم تَفَكَّهُون﴾ بكسر الظاءِ وفتحها، وهو من شواذ التخفيف. والتَّوْقِيرُ: التعظيم والتَّرْزِينُ أَيضا. وقوله تعالى: ﴿مَّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً﴾ أَى لا تخافون لله عَظَمَةً، هكذا عن الأَخفش. ورجلٌ مُوَقَّرٌ: مجرَّب. والتَّيقُورُ: الوقارُ، وأَصلُه الوَيْقُورُ، قُلِبت الواو تاءً. وأَوْقَرَهُ الدَّيْن: أَثْقَلَه. وفَقِيرٌ وَقِيرٌ: إِتْباعٌ.

стр. 2512

بصيرة فى وقع الوُقوع: مصدر وَقَعَ الشىءُ يَقَعُ وُقوعاً أَى هُوِيّاً. والوَقْعُ: وَقْعةُ الضَرْبِ بالشىءِ. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدين لَوَاقِعٌ﴾ أَى واجب على الكفار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ القول عَلَيْهِم﴾ أَى وجب وقيل: ثَبَتَت الحُجَّة عليهم، وقيل معناه: إِذا ظهرت أَماراتُ القِيامة التى تقدّم القول فيها. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الحق﴾ أَى ثَبَتَ. وفى الحديث: "اتَّقُوا النَّارَ ولو بشِقِّ تَمْرة، فإِنَّها تَقَعُ من الجائع مَوْقِعهَا من الشَبْعان"، قال بعضهم: أَراد أَنْ شِقّ التمرة لا يُغْنِى من الجُوع ولا يتبيّن له موقع على الجائِع إِذا تناوله، كما لا يتبيّن على الشبْعان إِذا أَكله، فلا تَعْجِزُوا/ أَن تَتصدّقوا به. وقيل: لأَنَّه يَسْأَل هذا شِقَّ تَمْرة وذا شِقَّ تمرة، والثالثَ والرابعَ، فيجتمع له ما يَسُدَّ جَوْعته. ويقال للطَّير على شجر أَو على أَرض: هنّ وُقوعٌ ووُقَّعٌ، قال المَرَّار بن سعيد الفَقْعَسِىّ: أَنا ابْنُ التارك البَكْرى بشْر ... عَلَيْه الطَيْرُ تَأكُلُه وُقُوعا

стр. 2513

والواقِعَةُ لا تُقال إِلاَّ فى الشّدة والمكروه. وأَكثر ما جاءَ فى القرآن من لفظ وَقَعَ جاءَ فى العذاب والشدائد، نحو: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة﴾ أَى القيامة. ووُقوع القَوْل: حُصُول مُتضمَّنِه، قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ القول عَلَيهِم بِمَا ظَلَمُواْ﴾ أَى وجب العذاب الَّذى وُعِدُوا لظلمهم، وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ الله﴾ استعمالُ لفظ على مع الوقوع هاهنا تأكيد للوُجوب كاستعمال: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين﴾ . وقوله: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ عبارةٌ عن مُبادَرَتِهم إِلى السُجود. والوَقْعَةُ فى الحَرْب: صَدْمَةٌ بعد صَدْمة. والاسمُ الوَقِيعَة والواقِعَة. ووقائع العَرَب أَيّامها التى كانت فيها حُروبهم. والواقِعَة: النازِلَة من شدائد الدّهر. ومَواقِعُ الغَيْث: مُساقِطُه، وفى الحديث: "يُوشِكُ أَن يكون خَيْرُ مالِ المُسْلم غَنَماً يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجِبال ومَواقِعَ القَطْر، يَفِرّ بدِينه مِن الفِتَن". والوَقْع [و] بكسر القاف: السّحاب الرّقيق. وبالتحريك: الحِجارَةُ والحَفاءُ، وقد وَقِعَ كَفَرِحَ. ورجلٌ وَقَّاعٌ ووَقَّاعَةٌ: يَغْتابُ النَّاسَ كثيراً.

стр. 2514

وأَوْقَعَ بالقوم: بالَغَ فى قِتالهم. والرّوضة: أَمسكت الماءَ. وطريقٌ مُوَقَّع: مُذَلَّل، ورجُلٌ مُوقَّع: أَصابته البَلايا. ووَقعَ القَوْمُ: عَرَّسُوا قال ذو الرّمة: إِذا وَقَّعُوا وَهْناً كَسَوْا حَيْثُ مَوَّتَتْ ... من الجَهْد أَنْفُاسُ الرّياح الحَواشِكِ والاسْتِيقاع: تخوُّف ما يَقَع به، وهو شبه التَوَقُّع. [والوِقاعُ] والمواقَعَةُ: المُحاربة، قال القطامىّ: ولو يُسْتَخْبَرُ العُلَماء عَنَّا ... ومَنْ شَهِدَ المَلاحِمَ والوِقاعا بِتَغْلِبَ فى الحُروب أَلم يَكُونوا ... أَشدَّ قَبائِلِ العُرْب امتناعا وقال: وكُلُّ قبيلةٍ نَظَرُوا إِلَيْنا ... وخَلَّوْا بَيْنَنا كَرِهُوا الوِقاعا وواقع المرأَة: خالطها وباضَعها. وتوقَّعه: انتظر كَوْنَه.

стр. 2515

بصيرة فى وقف الوَقْفُ لازمٌ مُتَعَدّ، تقول: وَقَفَتِ الدابّةُ والرَّجُلُ وُقُوفاً، ووَقَفْتُه أَنا وَقْفاً، قال امُرؤ القيس: قِفانَبْكِ من ذِكْرَى حَبِيب ومَنْرِلِ ... بسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُول فحَوْمَلِ وقال الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ ، وقال ذُو الرُّمَّة: وَقَفْتُ على رَبْعٍ لِمَيَّةَ ناقَتِى ... فما زِلْتُ أَبْكِى عِنْدَهُ وأُخاطِبُه ووَقَفْتُه على ذَنْبِه: أَطْلَعتُه عليه. والمَوْقِفُ: المَوْضِع الذى تَقفُ [فيه] حيث كانَ. والواقِفُ: خادِم البِيعَة لأَنَّه وَقَفَ نَفْسَه على خِدْمتها. والوقِّيفَى مِثالُ خِصِّيصَى: الخِدْمَةُ. وأَوْقَفْتُ وَقْفاً للمَساكِين لغةٌ رديئة، وليس فى الكلام أَوْقَفْتُ إِلاَّ حرف واحد، يُقال: أَوْقَفْتُ عن الأَمِر الَّذى كنتُ فيه، أَى أَقْلَعْت، قال الطِرِمّاح: فتَطَرَّبْتُ لِلْهَوَى ثمَّ أَوْقَفْـ ... تُ رِضاً بالتُقَى وذُو البِرِّ رَاضِى

стр. 2516

وحكَى أَبو عَمْرو: وكَلَّمْتُهم ثم أَوْقَفْتُ، أَى سَكتُّ. وقال أَبو عمرو بن العَلاءِ: لَوْ مَرَرْت برجل واقف فقلت: ما أَوْقَفَك ها هُنا لرأَيته حَسَناً. وعن الكسائىّ: أَىُّ شَىْءٍ أَوْقَفَكَ ها هُنا، أَى أَىّ شَىْءِ صَيَّرَك إِلى الوُقُوف؟ وتَوَقَّفَ: تَلَبَّثَ. وفى الشىءِ: تَلَوَّم. /وتَواقَفَ الفَرِيقان فى القِتال ووَاقَفا مُواقَفَةً ووقافاً. واسْتَوْقفه: سأَلَهُ الوُقوف. ويقالُ: امرُؤ القَيْسِ أَوَّلُ من اسْتَوْقَفَ الرَّكْبَ على رسْم الدّارِ بِقِفَا نَبْك.

стр. 2517

بصيرة فى وقى وَقاهُ الله كُلَّ سُوءٍ وِقايَةً ووَقْياً وواقِيَةً، ووَقّاه تَوْقِيَةً: صانَهُ، وفى المثل: "الشُّجاع مُوقًّى". والوَقاءُ والوِقاءُ بالفتح والكسر، والوقايَةُ والوَقايَةُ والوَقايَةُ: ما وَقَيْت به. والتَّوْقِيَةُ: الكَلاءةُ والحِفْظ ممّا يؤذيه ويضرّه، قال الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ الله شَرَّ ذَلِكَ اليوم﴾ واتَّقَيْتُ الشَّىءَ أَتَّقِيهِ وتَقَيْتُه (أَتْقيه تُقىً وتَقِيَّةً) وَتِقاءً كَكِساء: حَذِرْتُه، والاسم التَّقْوَى، قال الله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى﴾ أَى أَهل أَنْ يُتَّقَى عِقابُه. رجلٌ تَقِىٌّ من أَتقِياءِ وتُقَواء. وفيه تُقَيَّا تصغير تَقْوَى، قال النَّمر ابن تَوْلَب. وإِنَّى كما قَدْ تَعْلَمِين لأَتَّقِى ... تُقَيَّا وأُعْطِى من تِلادِىَ لِلْحَمْدِ وأَصل التَّقْوَى وَقْوَى، أُبدلت الواو تاءً كما أُبدلت فى تُراث وتُخَمَة وتُجاه. وكذلك اتَّقَى يَتَّقِى أَصلُه إِوْتَقَى يَوْتقِى، فقلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها، وأُبْدِلت منها التاء وأُدْغمت، فلمّا كثر استعمالهُ على

стр. 2518

لفظ الافِعال توهمّوا أَنَّ التَّاءَ من نفس الكلمة، فجعلوه إِتَقَى يَتَقَى بفتح التاءِ فيهما، ثمَّ لم يجدوا له مثالاً فقالوا: تَقَى يَتْقِى مثل قَضَى يَقْضِى. وتقول فى الأَمر: تَقْ، والمرأَة تَقِى ومن ذلك قوله: زيادتُنا نُعْمانُ لا تَقْطَعَنَّها ... تَقِ اللهَ فينا والكِتابَ الَّذى تَتْلُو بنى الأَمر على المُخفَّف "ومن عَصَى اللهَ لم تَقِهْ منه واقِيةً". قال أَبو عبد الله التُّونُسى: حقيقةُ التَّقْوَى عبارةٌ عن امتِثال المأْموراتِ واجتنابِ المَنْهِيّات. وقال الغزالى: التَّقْوَى فى قول شُيوخنا: تنزيهُ القَلْب عن ذَنْب لم يسبق منك مِثْلُه حتى يَحْصُلَ للعبدِ من قُوّة العَزْم على تركِه وِقايةٌ بينه وبين المعاصى. وأَمّا تفصيلاً فإِنَّ التقْوَى تُطْلق فى القرآن الكريم على ثلاثة أَشياء: أَحدها: بمعنى الخَشْيَة والهَيْبة، قال الله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فاتقون﴾ وقال تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ . والثانى: بمعنى الطَّاعة والعِبادَة، قال الله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ، قال ابنُ عبّاسٍ: أَطيعوا الله حَقَّ طاعَتِه. قال مُجاهد: هو أَن يُطاع ولا يُعْصَى وأَن يُذْكَر فلا يُنْسَى، وأَن يُشْكَر فلا يُكْفَر.

стр. 2519

الثالث: بمعنى تنزيه القَلْبِ عن الذُّنوب، وهذه هى الحقيقة فى التَّقْوَى دُون الأَوَّلَيْن، أَلا ترى إِلى قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ الله وَيَتَّقْهِ فأولائك هُمُ الفآئزون﴾ ، ذكر الطَّاعة والخشيةَ ثمّ ذكر التَّقْوَى، فعلمت بهذا أَنّ حقيقة التقوَى بمعنى غير الطاعة والخشية، وهى تنزيه القلب عمّا ذكرناه. ومَنازِل التقوَى ثلاثةٌ على ما ذكره الشيوخ الجِلَّة: تَقْوَى عن الشِّرْك، وتَقْوَى عن البِدْعَة؛ وتقوَى عن المعَاصِى الفرعيّة. وقد ذكرها الله سبحانه فى آية واحدة وهى قوله : ﴿لَيْسَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جُنَاحٌ فِيمَا طعموا إِذَا مَا اتقوا وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ والله يُحِبُّ المحسنين﴾ ، التَّقْوَى الأُولَى تَقْوَى عن الشِّرْك، والإِيمانُ فى مقابَلَة التوحيد؛ والتَّقْوَى الثانية عن البِدْعَة، والإِيمانُ المذكورُ معها إِقرارُ السُنَّةِ والجمَاعة؛ والتَّقْوَىَ الثالثة عن المعاصِى الفرعيّة، والإِقرار فى هذه المنزلة قابَلَها بالإِحْسانِ وهو الطَّاعة والاستِقامة عليها. قال الغزالى: ووجدت التَّقْوى بمعنى اجْتِناب فُضولِ الحلالِ، وهو ما فى الخَبَر المشهور عن النبىّ صلَّى الله علهي وسلَّم أَنَّه قال: "إِنَّما سُمِّىَ المُتَّقُونَ متقين لِتَرْكِهِم مَالاَ بأَسَ حَذَراً عمّا به بَأسٌ" فأَحببت أَن أَجمع بين ما قالَه عُلماؤنا وبين ما فى الخبر النَّبوىّ فيكون حَدّاً جامِعاً، ومعنى بالِغاً فأَقول: التَّقْوَى اجْتِناب ما تَخاف ضرراً فى دِينِكَ وذلك

стр. 2520

قسمان: مَحْضُ الحَرام، وفُضُول الحَلال، لأَنَّ استِعْمال فُضُول الحَلال قد يُخْرِج صاحِبَه إِلى الحرامِ ومَحْضِ العِصْيان، وذلك لِشِرَّةِ النَّفْسِ وطُغْيانِها، فمن أَراد أَنْ يَأْمَن الضَّررَ فى دِينه اجْتنبَ المحظورَ وامتنعَ عن فُضُول الحلالِ حَذَراً أَن يَجُرَّه إِلى مَحضِ الحَرام. وحَصل من ذلك أَنَّ التَّقْوَى على قسمين: فَرْضٌ ونَفْلٌ، فالفَرْضُ ما تَقَدَّم من أَنَّها تنزيهُ القلبِ عن شَرٍّ لم يَسْبِق عَنْك مثلُه لِقُوَّة العَزْم على تَرْكِه حتىّ يصير ذلك وِقايَةً بينك وبين كُلّ شرٍّ. والنَّفْل: ما نُهِىَ عنه نَهْىَ تأدِيب، وهو فُضُول الحَلال، فالمباحاتُ المأَخوذات بالشُّبُهات؛ فالأُولَى يلزمُ بِتَرْكِها عذابُ النار، والثَّانية خَيْرٌ وأَدَب يلزم بتركها الحَبْسُ والحِساب، والتَّعْيير والَّلوْم. فمن أَتَى بالأُولى فهو فى الدّرجة الأَدْنَى من التَّقْوَى، ومن أَتَى بالأُخْرَى فهو فى الدّرجة العُلْيا. واعلم أَنَّ التَّقْوَى كَنْزٌ عزيزٌ، إِنْ ظَفِرْتَ به فكم تجد فيه من جَوْهَرٍ شريف وعِلْقٍ نفيس، وخير كثيرٍ، ورِزْقٍ كريم، وغُنْمٍ جسيم ومُلْك عظيم. فهى الخَصْلة الَّتى تجمع خَيْرَ الدّنيا والآخِرة. وتأَمَّل ما فى القرآن من ذِكْرِها كم عَلَّق بها من خير، وكم وَعَدَ عليها من ثَواب، وكم أَضاف إِليها من سَعادة، قال الله تعالى: ﴿وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا

стр. 2521

والذين هُم مُّحْسِنُونَ﴾ ، وقال: ﴿واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾ وقال: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ . وقال تعالى: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ فوَعَدَ فيها بإِصْلاح العَمَلِ ثم بغُفْرانِ الذُّنوب فقال: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ . وبَشَّر بمَحَبَّةِ الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين﴾ ، ولو لم يكن فى تَقْوَى الله تعالى إِلاَّ هذه الخصلة الَّتى هى محبَّةُ الله تعالى لَكَفَتْ عمّا عَداها. ومنها أَنَّ العَمَلَ لا يُتَقَبَّل إِلاَّ منهم ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين﴾ ، ومنها الإِكرامُ والإِعْزاز، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ ، ومنها البِشارةُ عند الموت، قال الله تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة﴾ . ومنها النَّجاةُ من النار، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾ ، ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ ، ومنها الخُلُود فى الجَنَّة، قال الله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ . ثمّ تأَمَّلْ أَصلاً واحداً، هب أَنَّك جاهَدْتَ وثابرت جميعَ عُمرك فى العِبادة، وعِشْتَ ما عشت، وحصل لك من العِنايات ما حصل، أَلَيْسَ ذلك كلُّه مُتَوقِّفاً على القَبول؟ وإِلاَّ كان هَباءً

стр. 2522

منثوراً. وقد علمنا أَنَّ الله تعالى إِنَّما يَتَقَبَّل من المتَّقين، فَرَجَعَ الأَمرُ كلُّه إِلى التَّقْوَى. وقال بعضُ المُرِيدين لَشْيخِه: أَوْصِنِى قال: أُوصِيكَ بما أَوْصىَ الله تعالَى الأَوَّلِين والآخِرِين/ وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتقوا الله﴾ . قال الشيخ أَبو حامد ﵀: أَلَيْسَ اللهُ سبحانه أَعلمُ بصَلاح العَبْد من كلِّ أَحدٍ، ولَو كانت فى العالَمِ خصلةٌ هى أَصلحُ للعبد وأَجْمَعُ للخير، وأَعظمُ للأَجْرِ، وأَجَلُّ فى العُبوديّة، وأَعظمُ فى القَدْرِ، وأَوْلَى فى الحالِ، وأَنجحُ فى المآلِ من هذه الخَصْلَة الَّتَى هى التقوىَ لكان الله سبحانه أَمَرَ بهَا عِبادَه وأَوْصَى خَواصّه بذلك؛ لِكمال حِكْمَته، ورحمته، فلمّا أَوْصَى بهذه الخَصْلة جميعَ الأَوْلين والآخِرين [من] عِبادِه واقتصر عليها عَلِمْنا أَنَّها الغايةُ التى لا مُتجاوَزَ عنها، وأَنَّه قد جمع كُلَّ مَحْضِ نُصْح، ودَلالة، وإِرشادِ، وتأَدِيبٍ، وتعليم، وتَهْذيب فى هذه الوصيّة الواحدة كما يَلِيقُ بحِكْمَته ورحمته، فهى الخَصْلة الجامِعةُ لخير الدُّنيا والآخرة، الكافِيَة لجميع المهمات، المُبْلِغَة إِلى أَعلَى الدّرجات. وهذا أَصلٌ لا مَزيدَ عليه، وفيه كِفايَةٌ لمن أَبصرَ النُّورَ واهْتَدَى، وعَمِلَ واستَغْنَى، والله وَلِىُّ الهِداية والتَّوْفيق. ولقد أَحسن القائل: مَنْ عَرَفَ الله فلم تُغْنهِ ... مَعْرِفَةُ اللهِ فَذاك الشَّقِى ما يَصْنَعُ العَبْدُ بِعِزّ الغِنَى ... والعِزُّ كُلُّ العزِّ للمُتَّقِى رَوَى الثَّعلبىّ بسَنَده عن ابنِ عبّاس رضى الله عنهما قال: "قَرَأَ

стр. 2523

النبىُّ ﷺ ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ قال: مَخْرجاً من مهمّات الدُّنيا، ومن غَمرات المَوْت، ومن شدائد يوم القيامة". وقال الحسنُ بن الفَضْل: ومَنْ يَتَّقِ اللهَ فى أَداءِ الفَرائض يجعلْ له مخرجاً من العُقوبة، ويَرْزُقه الثَّواب من حيثُ لا يحتسب. وقال عَمْرُو بن عثمان الصوفىّ: ومَنْ يَقِفْ عند حدوده ويجتنب مَعاصِيَه يُخْرِجه من الحَرام إِلى الحَلال، ومن الضِّيق إِلى السَّعَة، ومن النَّارِ إِلى الجَنَّة. وقال أَبو سعيد الخَرّاز: ومَنْ يَتَبرّأ من حَوْله وقُوَّته بالرّجوع إِليه يجعلْ له مخرجاً ممّا كلَّفه بالمَعُونة له. وقيل: ومَنْ يَتَّق الله فى الرِّزق وغيره بقَطْع العلائق، يَجْعَلُ له مَخْرجاً بالكِفاية، ويرزقْه من حيثُ لا يحتسب. ورَوَى الثَّعْلَبىّ مُسْنِداً عن أَبى الدّرداءِ، قال النبىّ ﷺ : "إِنِّى لأَعْلَم آيةً لَوْ أَخَذ الناسُ بها لكَفَتهمْ: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ فما زال يقولُها ويُعيدُها. وقال عِكْرِمة والشَّعبىّ والضَّحَّاك: من يُطَلِّق [طلاق] السُّنَّة يجعلْ له مَخْرجاً إِلى الرّجعة، ويرزقه من حيثُ لا يرجُو ولا يتَوقَّع.

стр. 2524

ورُوى عن ابن عَبّاس قال: "جاءَ عوفُ بن مالِكٍ الأَشجعىّ إِلى النبىّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله إِنَّ ابْنِى أَسَرَهُ العَدُوُّ وجَزَعَتِ الأُمُّ فما تأْمُرُنى؟ قال: آمُرُك وإِيّاها أن تَسْتَكْثِرا من قَوْلِ: لا حَوْل ولا قُوَّة إِلاَّ بالله. فانصرف إليها فقالت: ما قال رسول الله ﷺ ؟ قال: أمرني وإياك أن نستكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، قالت: نِعْمَ ما أَمَرَك به رسولُ الله ﷺ ، فجعلا يقولان ذلك، فغَفَل العدوُّ فاستاق غَنَمَهم، فجاءَ به إِلى أَبيه وهى أَربعةُ آلاف شاةٍ ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ وقال/ مُقاتل: أَصابَ غَنَماً ومَتاعاً فرجع إِلى أَبيه، فانْطَلَق أَبُوه فأَخَبر النبىَّ ﷺ بخبره، فسأَله أَن يُحِلَّ له أَنْ يأْكل ممّا أَتاه ابنُه. فقال له النبىّ ﷺ : نَعَمْ: فأَنْزَل الله هذه الآية.

стр. 2525

بصيرة فى وكد ووكر وَكَدَ بالمَكان يَكِدُ وُكُوداً: أَقام به. وقولُهم: وَكَدَ وَكْدَهُ، أَى قَصَد قَصْدَه. والوَكائد: السُّيور التى يُشَدُّ بها القَرَبُوس إِلى دَفَّتَى السَّرْج، الواحدُ وِكادٌ وإِكادٌ. قال ابن عَبَّاد: الوُكْدُ بالضم: الجُهْدُ والسّعى، يقال كان وُكْدِى من الأَمرِ ما فعلته، أَى كان جهدى. والتَّواكِيدُ والتَّآكيد، والمَياكِيد: الوكائد. والتَّوْكيد والتَّأكِيد واحد، وبالواو أَفصح، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ . والتَّوْكيد دخل فى الكلام على وجهين: تكريرٌ صريح، وغير صريح، نحو قولك: رأَيتُ زيداً زيداً، وغير الصّريح نحو قولك: فَعَلَ زيدٌ نفسُهُ وعَيْنُه، والقَوْمُ أَنْفُسُهم وأَعْيانُهم. والرَّجُلان كِلاهُما والمرأَتان كِلْتاهُما، والرِّجال أَجْمَعُون، والنساءُ جُمَع. وجَدْوَى التوكيد أَنَّك إِذا كرّرت فقد قَرَّرت المؤكَّد، وما عَلِقَ به فى نفس السّامع ومَكَّنْتَه فى قلبه، وأَمَطْت شبهَةً رُبَّما خالَجَتْه، أَوْ تَوَهَّمتَ غفلةً وذَهاباً عما أَنت بصَدَدِه فأَزَلْتَه.
следующие страницы →