Полный текст (2 804 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
وهَيَّأَتُ الشىءَ فتَهَيَّأَ، أَى أَصْلَحتُه فصَلَحَ. قال الله تعالى: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً﴾ .
والمُهايَأَةُ: أَمرٌ يَتَهايَأُ القَوْمُ عليه فَيَتراضَوْن.
وهِيّاكَ أَنْ تَفْعَل كذا لغة فى إِيّاكَ.
стр. 2627
الباب التاسع والعشرون - فى الكلمات المفتتحة بحرف الياء
стр. 2628
بصيرة فى الياء
وهى حرف هجاءٍ شَجْرِىٌّ مخرجُه من مفتتح الفم جوار مخرج الصّاد، والنسبة إِليه يائِىٌّ وياوِىٌّ ويَوِىٌّ. والفعل منه يَاءَيْتُ ياءً حسنةً وحَسْناءُ، والأَصل يَيَّيْتُ، اجتمعت أَربعُ ياءَات متوالية قلبوا اليائين المتوسطتين أَلفاً وهمزة طلبا للتخفيف.
٢ - الياءُ فى حساب الجُمَّل: اسمٌ لعدد العَشَرَة.
٣ - الياءُ الأَصلىّ: الذى يكون تارةً فى أَوَّل الكلمةِ، نحو يُمْن، وتارة فى وسطها، نحو: مَيْن، وتارة فى آخرها نحو: ظَبْى ولَحْى.
٤ - الياءُ المكرّرة، نحو: حَىٍّ وطَىٍّ فى الأَسماءِ، وعَيَّن وبَيَّنَ فى الأَفعال.
٥ - الياءِ الكافية عن كلمة نحو: يس، وكهيعص، الياءُ من اليُمْنِ، والسّين من السّيّد، وهكذا باقى الحروف.
٦ - ياءُ الوَقْف، فى نحو: حُبْلَى وكِسْرَى إِذا وقفوا عليها جعلوا الأَلف المقصورة ياء.
стр. 2629
٧ - ياءُ التَّثْنِيَة [نحو] : رأَيت الزَّيْدَين، ﴿وَمِنَ الإبل اثنين وَمِنَ البقر اثنين﴾ ، ﴿إِحْدَى ابنتي هَاتَيْنِ﴾ ، ﴿وَجَعَلْنَا الليل والنهار آيَتَيْنِ﴾ .
٨ - ياءُ الجمع: ﴿إِنَّ المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات﴾ .
- ياءُ الإِعراب فى الأَسماءِ نحو: رَبِّ اغْفِرْ لىِ ولأَبِى: ﴿لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي﴾ .
١٠ - ياءُ الاستقبال فى حال الإِخبار، نحو؛ يدخُلُ، ويَخْرج.
١١ - الياءُ الفارِقة المميّزة بين الخطاب والتأْنيث، نحو: تضرِبِى وتَدْخُلى.
١٢ - ياءُ الإِضافَةِ، وتكون مخفَّفة، نحو: دارِى وغُلامِى ﴿قُلْ ياعبادي﴾ .
١٣ - ياءُ النسبة، وتكون مُشدّدة، نحو: عَرَبِىٍّ وقرَشىٍّ.
١٤ - ياءُ المؤنَّث: ﴿فادخلي فِي عِبَادِي * وادخلي جَنَّتِي﴾ .
١٥ - ياءُ التصغير: ﴿يابني اركب مَّعَنَا﴾ ، ﴿يابني لاَ تُشْرِكْ بالله﴾ ، ونحوه: أُخَىٌّ وأُخَيَّة، ورُجَيْل ومُرَيَّة.
- ياء النِّداءِ: يا رَبَّنا.
стр. 2630
١٧ - الياءُ الزائدة، وهذه قد تكون فى أَوّل الكلمة نحو: يرمع، ويَعْسُوب؛ أَو فى ثانيها نحو: حَيْدَر وصَيْقَل؛ أَو فى ثالثها، نحو: خَطِيب وخَطِير؛ أَو فى رابِعها نحو: قِنْدِيل ومِنْدِيل؛ أَو فى خامسها نحو: خَنْدَرِيس وعَنْتَرِيس.
- الياءُ المبْدَلة، وهذه إِما أَن تكون من أَلف: كحِمْلاق فى حمليق أو من باءٍ: كالثَّعالِى فى ثَعالِب، أَو من ثاءٍ: كالثَّالِى فى الثَّالِث، أَو من راءٍ: كقِيراط فى قِرّاط، أَو من سين: كالسّادِى والخامِى فى السّادس والخامس، أَو من صاد: نحو قصَّيْتُ أَظفارى فى قَصَّصْت، أَو من ضاد نحو: تَقَضَّى البازى أَى تَقَضَّضَ، أَو من عين: كالضَّفادِى فى ضَفادع، أَو من كاف: كالمَكاكِى فى جمع مَكُّوك، أَو من لام نحو: أَمْلَيْتُ فى أَمْللت، أَو من ميم نحو: دِيماس فى دِمّاس، أَو من نون نحو: دِينار والأَصلُ دِنَّارٌ؛ أَو من واو نحو: ميزانٍ، والأَصل مِوْزان؛ أَو من هاءٍ نحو: دَهْدَيْتُ الحجر فى دَهْدَهْتُه.
١٩ - الياءُ اللُّغَوِىّ، قال الخليل: الياءُ عندهم النَّاحِيَة.
تَيَمَّمتُ ياءَ الحَىِّ حين رَأَيْتُها ... تُضِىءُ كبَدْر طالِعٍ ليلَةَ البَدْرِ
стр. 2631
بصيرة فى يئس
اليَأْسُ واليأسَةُ: القُنوط. ابن فارس: اليأَسُ: قَطْع الأَملِ/ وليس فى كلام العرب ياءٌ فى صدر الكلام بعدها همزةٌ إِلاَّ هذه، يقال: يَئِسَ من الشىءِ يَيْأَسُ، مِثال عَلِمَ يَعْلَمُ، وفيه لغة أَخرى: يِئِسَ يَيْئِسُ بالكسر فيهما، وهى شاذة، وقرأَ الأَعرج ومجاهدٌ ﴿لا تِيْئَسُوا من رَوْحِ الله﴾ بكسر التاءِ. وقرأَ ابن عبّاس رضى الله عنهما ﴿إِنَّه لا يِيْئَسُ من رَوْحِ الله﴾ وهذا على لغة تميم وأَسَد وقَيْسٍ ورَبِيعة، يكسرون أَوّل المستقبَل إِلاَّ ما كان فى أَوّله ياءٌ نحو يَعْلم لاستثقالهم الكسرة على الياءِ، وإِنَّما يكسرون فى يَِيْأَس ويَِيْجَل لتَقَوِّى إِحدى الياءَيْن بالأُخْرَى. ورجل يَؤُسٌ ويَوؤُسٌ مثل حَذُر وصَبُورٍ. وقال المبرّد: منهم من يبدل فى المستقبل من الياءِ الثانية أَلِفاً فيقول ياءَس. قال: ويُقال يَئِسَ يَيْأَس كَحَسِبَ يَحْسَب، ونَعِمَ يَنْعَمُ، ويَئِسَ يَيْئِسُ بالكسر فيهنّ. وقال أَبو زَيْد: عُلْيا مُضَر يقولون: يَحْسِبُ وَينْعِمُ وَيَيَئْسُ بالكسر، وسُفلاها بالفتح. وقال سيبويه: وهذا عند أَصحابنا يجىءُ على لُغَتَيْن، يعنى يَئِسَ يَيْأَسُ وَيأَسَ يَيْئِسُ، ثم يركّب منهما لغة ثالثة. وأَمّا وَمِقَ يَمِقُ ووَثِقَ يَثِقُ ووَرمَ يَرمُ ووَلِىَ يَلِى ووَفِقَ يَفِقُ ووَرثَ يَرثُ فلا يجوز فيهنَّ إِلاَّ الكسر لغة واحدة.
стр. 2632
ويَئِسَ أَيضا بمعنى عَلِمَ فى لغة النَخَع، ومنه قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا﴾ . كان علىّ بن أَبى طالبِ رضى الله عنه ومُجاهِدٌ وأَبو جَعْفر والْجَحْدِرىّ وابنُ كَثِيرٍ وابنُ عامرٍ يقرأُون: (أَفَلَمْ يتبيّن الَّذين آمَنُوا) ، فقيل لابن عبّاس: إِنَّها يَيْأَس، فقال: أَظنَّ الكاتب كتَبها وهو ناعِسٌ. وقال سُحَيُمُ بن وَثِيل اليَرْبُوعى الرِّياحىّ.
وقُلْتُ لهم بالشَّعب إِذْ يَيْسِرُونَنِى ... أَلَمْ تَيْأَسُوا أَنِّى ابنُ فارِسِ زَهْدَمِ
وقال الفَرّاء فى قوله تعالى: ﴿أَفلَمْ يَيْئَسِ الَّذِين آمَنُوا﴾ أَفَلَمْ يَعْلَم قال: وهو فى المعنى على تفسيرهم، لأَنّ الله تعالى قد أَوْقَع إِلى المؤمنين أَنْ لَوْ شاءَ لَهَدَى النَّاسَ جميعاً فقال: أَفلم ييأَسوا علماً، يقول: يُؤيسُهم العلم، فكان العلم فيه مضمرا، كما تقول فى الكلام: قد يَئِستُ منك أَلاَّ تُفْلح، كأَنَّك: قلت [قد] عَلِمْتُه عِلْماً. وقيل معناه: أَفلَمْ يَيْأَس الَّذين آمنوا من إِيمان من وَصَفَهم الله بأَنَّهم لا يؤمنون، لأَنه قال: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهدى﴾ .
وقوله: ﴿كَمَا يَئِسَ الكفار مِنْ أَصْحَابِ القبور﴾ قال ابن عرفة:
стр. 2633
مَعْنَى قَوْلِ مجاهد: كما يئس الكفّار فى قبورهم من رحمة الله تعالى، لأَنَّهم آمنوا بعد المَوْت بالغَيْب فلم ينفعُهم إِيمانُهم حينئذ، وعلىّ قال: كما يَئِسُوا أَنْ يُحْيَوْا ويُبْعَثُوا.
وأَيْأَسْتُه وآيَسْتُه: قَنَّطْتُه، قال طَرَفَة بنُ العَبْد:
وأَيْأَسَنى من كُلِّ خَيْرٍ طَلَبْتُه ... كَأَناً وَضَعْناه إِلى رَمْس مُلْحَدِ
واتّأَسَ على افْتَعَل، واسْتَيْأَسَ بمعنى تأَيَّس، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ﴾ .
стр. 2634
بصيرة فى يبس
اليُبْسُ بالضَمِّ مصدرُ قولك: يَبِسَ الشىءُ بالكَسْر يَيْبَسُ ويابَسُ، وفيه لغة أُخرَى: يَبِسَ يَيْبِسُ بالكسر فيهما، وهو شاذٌ.
واليَبْسُ: اليابِسُ، يُقال: حَطَبٌ يَبْسٌ بالفتح قال ابن عَبَدَةَ:
تُخَشْخِشُ أَبْدانُ الحَدِيدِ عَلَيْهِمُ ... كما خَشْخَشَتْ يَبْسَ الحَصادِ جَنُوبُ
وقال ابن السكيت: هو جَمْع يابِسٍ مثل راكِب ورَكْب. وقال أَبو عُبَيْد فى قول ذى الرّمَّة:
ولَمْ يَبْقَ بالخَلْصاءِ مِمَّا عَنَتْ به ... من الرُّطْبِ إِلاَّ يُبْسُها وهَجِيرُها
ويُروَى بالفَتْح، قال: وهما لُغتان.
/وقرأَ الحسن البصرىّ: ﴿طَرِيقاً فى البَحْرِ يَبْساً﴾ بالفتح وسكون الباءِ، وقرأَ الأَعْمَش: يَبِساً بكسر الباءِ، وهى [لغة فى فتح] الباءِ.
والعرب تقول فيما أَصلُه اليُبُوسة ولم يُعْهَد رَطْباً قطُّ: هَذا شىءٌ يَبَسٌ بفتح الباءِ، فإِن كان يعهد رَطْباً ثمَّ يَبِسَ فبسُكُونها، يقال: هذا حَطَبٌ يَبْسٌ وموضِعٌ يَبْسٌ أَى كانا رَطْبَيْن ثم يَبِسا. والطريق الَّذى ضَربَهُ الله لموسَى ﵇ وأَصحابه لم يُعْهَد قطّ طريقاً لا رَطْباً ولا يابِساً إِنما أَظهره الله تعالى
стр. 2635
لهم جَسَداً مخلوقاً على ذلك لتعظيم الآية وإِيضاحها. وأَمّا قِراءَة إِسكان الباء فذهابا إِلى أَنَّه وإِنْ لم يكن طريقاً فإِنَّه موضعٌ قد كان فيه ماءٌ فيَبسَ. وحرّك العجّاج الباء، للضرورة فى قوله:
تسمعُ لِلْحَلْىِ إِذا ما وَسْوَسا ... والْتَّجَّ فى أَجْيادِها وأَخْرَسَا
رَفْرَفَةَ الرّيحِ الحَصادَ اليُبَّسا
ويقال: شاةٌ يَبَسٌ: إِذا لم يكن بها لَبَنٌ، ويَبْسٌ أَيضاً بالتسكين، حكاهما أَبو عبيدة. وقال ابنُ عبّاد: اليَبْسة: التى لا لَبَنَ لها من الشَّاءِ، والجمع اليَبَساتُ واليباس.
والأَيْبَسانِ: مالا لَحْمَ عَلَيْه من السّاقين، وقيل: ما ظهر من عَظْمَى وَظِيفِ الفَرَس وغيره، وهو اسمٌ لا نَعْت، ولهذا جُمِع على أَيابِس.
واليَبِيسُ من النَّبات: ما يَبِس منه، يقال يَبِسَ فهو يَبيسٌ مثال سَلِمَ فهو سَلِيمٌ.
ويَبيسُ الماءِ: العَرَقُ، قال بشْرُ بن أَبى خازِم يصف حِجْراً.
تراها من يَبيس الماءِ شُهْباً.
إِنَّما قال شُهْباً لأَنَّ العَرَق يجفّ عليها فتَبْيَضُّ.
стр. 2636
وأَيْبِسْ يا رجلُ، أَى اسْكُتُ. وأَيْبَسَتِ الأَرضُ: يَبِسَ بَقْلُها.
وأَيْبَسَه، وَيَبَّسَهُ تَيْبِيساً: جفَّفه قال جريرٌ:
فلا تُوبِسُوا بَيْنِى وبَيْنَكُمُ الثَّرىَ ... فإِنَّ الَّذِى بَيْنِى وبَيْنَكُمُ مُثْرِى
واتَّبَسَ على افْتَعل: يَبِسَ.
стр. 2637
بصيرة فى اليتم
اليُتْم: انْقِطاعُ الطِّفل عن الأَبِ قبلَ بُلوغه، وفى سائر الحيوان مِنْ قِبَلِ أُمِّه، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ والجمع: يَتامَى، وأَيْتامٌ، ويَتَمَةٌ، وَميْتَمةٌ، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى﴾ .
وقال اللغويّون: اليَتْمُ: الانْفرادُ؛ والهَمُّ.
واليَتِيمُ: الفَرْدُ من كلِّ شىءٍ.
واليُتْمُ بالضمِّ، والْيَتَمُ بالتحريك: فِقْدَانُ الأَبِ، يَتَمَ يَيْتِمُ كضرب يَضْرِب، ويَتِم يَيْتَمُ، كعَلِمَ يَعْلَم، يُتْما ويَتْماً، وهو يَتِيمٌ ويَتْمانُ ما لَمْ يَبْلُغ الحُلُمَ. وامرأَةٌ مُوتِمٌ، ونِسوَةٌ مَياتِيم.
ويَتِمَ كفَرِحَ: قَصَّرَ؛ وفَتَرَ؛ وأَعْيَا؛ وأَبْطَأَ.
ويقال: دُرَّةٌ يَتِيمَةٌ تنبيهاً أَنَّه قد انقطعَ مادَّتُها التى خَرجت منها. ويقال: بَيْتٌ يَتِيمٌ تشبيهاً بالدُّرَّةِ الْيَتِيمة.
стр. 2638
بصيرة فى اليد
اليَدُ: الكَفُّ، وقيل: اليَدُ من أَطْرافِ الأَصابع إِلى الكَتِفِ وأَصلُها يَدْىٌ، والجَمْعُ يُدِىٌّ، وجمع الجمع أَيادٍ. وفيها لُغات: اليَدُ بالتخفيف، واليَدُّ بالتشديد، واليَدَى كفَتَى، واليَدَه. وإِنمّا قلنا أَصلها يَدْىٌ لأَنهم يجمعونها على أَيْدٍ، وأَيْدٍ أَفْعُلٌ، وأَفعُلٌ فى جمع فَعْلٍ أَكثرُ نحو أَظْبٍ وأَفْلُس، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَآ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق﴾ وقولُهم: يَدَيان يدلّ على أَنَّ أَصلَه فَعْلٌ. ويَدَيْتُه: ضربتُ يَدَه.
واستُعِير اليَدُ للجاهِ، والوَقارِ، والطَّرِيق، ومَنْع الظُلْم، والقُوَّةِ، والقُدْرَة، والسُّلْطانِ، والمِلْكِ - بكسر الميم - والجماعَةِ، والأَكل، والنَّدَم، والغِياثِ، والإِسْلامِ، والذُلِّ، والنِّعْمَة، والإِحسان، والجمع: يُدِىٌّ مثلَّثة الأَوّل، وأَيْدٍ.
ويُدِىَ كعُنَى، ويَدِىَ كرَضِىَ، وهذه ضعيفة: أُولِىَ بِرّاً.
ويَدَيْتُه: أَصَبْتُ/ يَدَه؛ واتْخَذْت عنده يَداً كأَيْدَيْتُ عِنْدَه، وهذه أَكثر، فأَنا مُودٍ، وهو مُودًى إِليه.
стр. 2639
ويقال: هذا فى يَدِ فُلان، أَى فى حَوْزه ومِلْكه، قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح﴾ .
ولفُلان يَدٌ على كذا، أَى قُوَّةٌ وتسلُّطٌ. ومالِى بكذا يَدٌ، وَمالى به يَدانِ..
وَيدُهُ مُطْلَقَة، عبارة عن بَثِّ النِّعْمة، ويَدُه مَغْلُولَة، عبارة عن إِمْساك النِّعَم، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط﴾ تنبيها على التوسُّط بين طَرَفى التبذير والتَّقتير.
ويُقال: نَفضْتُ يَدِى عن كذا، أَى خَلَّيْتُه وَتَركتُه.
وقولُه تعالى: ﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ القدس﴾ أَى قَوَّيْتُ يَدَك وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ تنبيه أَنَّهم اخْتَلَقُوه، وذلك كنسبة القول إِلى أَفْواهِهم فى قوله: ﴿ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ تنبيهاً على اختلاقِهم.
وقوله تعالى: ﴿أُوْلِي الأيدي والأبصار﴾ إِشارَة إِلى القُوَّةِ الموجودة لهم. وقولُه: ﴿واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأيد﴾ أَى القَوىّ.
وقوله: ﴿حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أَى يُعْطُون ما يُعْطُون عن مُقابَلَةِ نِعْمَة عليهم فى مُقارَّتِهِم. ومَوْضِعُ قولِه عن يَد
стр. 2640
حالٌ. وقيل: بعد اعْتِرافِ أَنَّ أَيْدِيَكم فَوْق أَيْدِيهم، أَى يُلْزَمون الذُل.
ويقال: فلانٌ يَدُ فُلان، أَى وَلِيُّه وناصِرُهُ. ويقال لأَولِياءِ الله هم أَيْدِى الله، وعلى هذا الوجه قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ فإِذا يَدُه ﷺ يَدُ الله، وإِذا كان يَدُه فوق أُيْدِيهم فيَدُ الله فوق أَيْدِيهم. ويؤيّد ذلك ما فى الصّحيحين من الحديث القدسىّ: "لا يزال العَبْدُ يَتَقَرّب إِلّى بالنَّوافل حَتَّى أُحِبَّه، فإِذا أَحْبَبْتُه كنتُ سَمْعَه الَّذى يَسْمَع به، وبصره الذى يُبْصر بهِ، ويَدُه الَّتى يَبْطِشُ بها".
وقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ عبارةٌ عن تَوَلِّيهِ لِخَلْقه باختراعه الذى ليس إِلا له تعالى. وخُصَّ لفظُ اليَد إِذ هى أَجَلُّ الجوارح الَّتى يُتَوَلَّى بها الفعل فيما بيننا لِيُتَصَوَّر لنا اختصاصُ المعنَى، لا لنَتَصَوَّر منه تَشْبِيهاً. وقيل: معناه بنِعْمَتى التى رشَّحْتُها لهم. والباءُ فيه ليس كالباءِ فى قَطَعْتُه بالسِكين، بل هو كقولهم: خرجَ بسَيْفه، أَى ومَعَه سَيْفُه، أَى خلقتُه ومعه نِعْمتاىَ الدُّنْيَويّة والأُخَروِيّة الَّلتان إِذا رعاهُما بلغ بهما السّعادة الكبرى.
وقولُه: ﴿يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ، قيل: نِعْمَتُه ونُصْرَتُه وقُوَّته.
стр. 2641
ورجُلٌ يَدِىٌّ، وامرأَةٌ يَدِيَّةٌ، أَى صَناعٌ.
وقولُه: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ﴾ أَى نَدِمُوا، يقال: سُقِط (فى يده وأُسْقِط) ، وذلك عبارة عن المُتَحَسِّر أَو عمّن يُقَلِّب كَفَّيْه كما قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا﴾ .
وقوله تعالى: ﴿فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ﴾ أَى كَفُّوا عمّا أُمِرْوا بقَبُوله من الحقَّ، يقال رَدَّ يَدَه فى فَمِهِ، أَى أَمْسَك ولم يُجبْ. وقيل: رَدُّوا أَيْدِى الأَنبياءِ فى أَفْواههم، أَى قالوا ضَعُوا أَنامِلَكم على أَفواهكم واسْكُتُوا. وقيل: رَدُّوا نِعَمَ الله بأَفْواههم، أَى بتكذيبهم. وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ، أَى يد نِعْمَته ويَد مِنَّتِه. وفى الحديث "اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ من اليَدِ السُّفْلَى".
وقيل فى قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إِنَّها على الأَصل، لأَنَّ يَدَا لغة فى اليَد، أَوْ هى الأَصلُ وحُذِف أَلِفُه كما قدّمناه، وقيل بل هى تَثْنِيَة اليَدِ.
стр. 2642
بصيرة فى يسر
/اليُسْرُ ضدّ العُسْر، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً * إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ . وقوله تعالى: ﴿فَمَا استيسر مِنَ الهدي﴾ ، أَى تَسَهَّل.
ويَسَرَ الأَمْرُ ويَسُرَ وتَيَسَّرَ واسْتَيْسَرَ. ويَسَّرَه اللهُ تعالَى وياسَرَهُ: سَهَّلَهُ. وفى الدُّعاءِ للحُبْلَى: أَيْسرَتْ وأَذْكَرَتْ، أَى يُسِّرَتْ عليها الوِلادَةُ، وتَيَسّر له الخُروج. وتَيَسَّر له فَتْحٌ جليل.
وخُذْ بِمَيْسورِهِ ودَع معْسُورَهُ. ويُسِرَ الأَمرُ كعُنِىَ، فهو مَيْسُورٌ، قال الله تعالى: ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ .
وفَرَسٌ يَسَرٌ بفتحتين: لَيِّنُ الانْقياد، قال:
إِنَّى على تَحَفُّظِى ونَزْرى ... أَعْسَرُ إِنْ ما رَسْتَنِى بعُسْرِ
ويَسرٌ لمنْ أَراد يُسْرى
وإِنَّ قوائِم هذه الدّابَّة يَسَراتٌ، أَى خِفاف، قال كَعْب بنُ زُهَيْر:
تَخْدِى على يَسَرات وهى لاحِقَةٌ ... ذَوابلٌ وَقْعُهُنَّ الأَرْضَ تَحْلِيلُ
ووِلادَةٌ يَسْرٌ. ويَسَّرَه اللهُ فتَيَسَّر.
стр. 2643
وفى الحديث: "إِنّ هذا الدِّينَ يُسْرٌ" أَراد أَنَّه سَهْلٌ سَمْحٌ قليل التشديد. وفى حديث آخر: "يَسِّروُا ولا تُعَسِّرُوا". وفيه أَيضا: "مَنْ أَطاعَ الإِمامَ وياسَرَ الشَّريكَ"، وفيه: "كَيْفَ تَركْتَ البِلاد؟ فقالَ: تَيَسَّرَتْ" أَى أَخْصَبَت. وفيه: "لنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْن" أَى أَنَّ العُسْر بين يُسْرَيْن، إِمّا فَرَجٌ عاجلٌ فى الدّنيا، وإِمّا ثوابٌ آجلٌ فى الآخرة. وقيل: أَراد أَنَّ العُسْرَ الثانى هو الأَوَّل لأَنه ذكره مُعرَّفاً بالَّلام، وذكر اليُسْرَين نكرتين وكانا اثنين، تقول: كسبت دِرْهَماً ثمّ تقول: أَنْفَقْت الدّرهم، فالثانى هو الأَوّل المُكْتَسب. وفى الحديث أَيضاً: "تَياسَرُوا فى الصَّداق" أَى تساهَلُوا فيه ولا تُغالُوا. وفيه: "اعْمَلُوا وسَدِّدُوا وقارِبُوا، فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لمِا خُلِقَ له". وفيه: "وقد يُسِّر له طَهورٌ"، أَى هُيِّئ ووُضع. وفيه: "وقَدْ تَيَسَّر للقِتال": تَهَيّأَ له واسْتَعَدَّ.
وفى حديث علىّ رضى الله عنه: "اطْعَنُوا اليَسْر" بالفتح وسكون السّين وهو الطِّعن حِذاءَ الوَجْه. وقال أَيضاً: "الشِّطْرنج مَيْسِرُ العَجَم" شَبَّه اللَّعِبَ به بالمَيْسَر، وهو القِمارُ بالقِداح. وكلُّ شىءٍ فيه قِمارٌ فهو من المَيْسر حتى لعب الصِبيان بالجَوْز.
وَكان عُمَرُ رضى الله عنه أَعْسَرَ أَيْسَرَ هكذا يُرْوى، والصّواب
стр. 2644
"أَعْسَرَ يَسرَ"، وهو الَّذى يعمل بِيَدَيْه جميعاً ويُسمَّى الأَضبَط أَيضاً.
واليَسِيرُ يقال فى الشىءِ القليل. وفى الشىءِ السّهل، فعلىَ الأَوّل قولُه تعالى: ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً﴾ ، وعلى الثانى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيراً﴾ .
والمَيْسَرة واليَسارُ عِبارةٌ عن الغِنَى، قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ .
واليَسار: أُخْتُ اليَمِين، واليِسارُ بالكسر لغة فيها، وليس فى الكلام له نظير سِوى هِلالُ بن يِسار، على أَنَّ الفتح لغة فيها.
ويَسَّرَت الغَنَم: كَثُرَ لَبَنُها.
стр. 2645
بصيرة فى يقظ
رجل يَقِظٌ ويَقُظٌ، مثال حَذِر، وحَذُرٍ، ونَدِس ونَدُسٍ: خِلافُ النائِم؛ يُقال: يَقِظَ بالكسر يَيْقَظُ، كعَلِمَ يَعْلَمُ، يَقَظاً ويَقَظَةً بالتحريك فيهما، فهو يَقْظانُ وامْرأَةٌ يَقْظَى، ورجال ونِسْوة أَيْقاظٌ، قال الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ﴾ ، قال رؤبة ويُرْوَى للعجّاج:
ووَجَدُوا إِخْوَتَهم أَيْقاظا
ونِساءٌ يَقاظَى.
وقال اللِّحيانى: يَقُظَ الرّجلُ يَقاظَةً ويَقَظاً بيِّنا فهو يَقُظٌ بالضَّم. ورجلٌ يَقِظٌ ويَقُظٌ أَيضا: خلاف الغافِل السّاهى، وإِنَّما ذلك من الحَذَر.
وقال أَبو عمرو: إِنَّ فلاناً لَيَقِظٌ: إِذا كان خفيفَ الرأَس/ ويقال ما رأَيت أَيْقَظَ منه.
ويَقَّظْتُه من مَنامِهِ وأَيْقَظْتَهُ، أَى نَبَّهْته، فَتَيَقَّظَ واسْتَيْقَظَ. وفى الحديث "إِذا اسْتَيْقَظَ أَحدُكم من مَنامِه فلا يَغْمِسَنَّ يَدَه فى الإِناءِ حتَّى يَغْسِلَها ثلاثاً".
واليقظة عند القوم أَوّلُ مَنازل العبوديّة، وهى انْزعاج القَلْبِ. لِرَوْعَة الانْتِباه من رَقْدَةِ الغافلين. ولِلهِ ما أَنَفْعَ هذه الرّوعة، وما أَعظم
стр. 2646
قَدْرها وخَطَرَها، وما أَقْوَى إِعانَتها على السُّلوك، فمن أَحسن بها فقد أَحسَّ واللهِ بالفَلاح، وإِلاَّ فهو فى سَكَراتِ الغَفْلة، فإِذا انْتَبَه وتَيَقَّظَ شَمَّر بهِمَّتِه إِلى السّفَرِ إِلى مَنازِله الأُولَى، فأَخذ فى أُهْبَة السّفر، وانتقل إِلى مَنْزِلَة العَزْم، وهو العَهْدُ الجازم على الشىءِ، ومُفارقَة كلّ قاطِع ومُعَوِّق، ومُرافَقَة كلّ مُعِينٍ ومُوَصِّل، وبحَسَب كمالِ انْتِباهِه ويَقَظَتِه تكون عَزِيمتُه، وبحسب قوّة عَزْمه، يكون استعدادُه، فإِذا استيقَظ أَوْجَبَتِ اليقظةُ الفِكْرَةَ وهى تحديقُ القَلْب نحو المطلوب الَّذى قد سَعِدَ به مُجْمَلا، ولم يَهْتَدِ إِلى تفصيله، وطريق الوصول إِليه، فإِذا صحّت فِكرَتُه أَوْجَبَتْ له البَصيرَةَ، وهى نُورٌ فى القَلْب يَرَى به حقيقة الوَعْدِ والوَعِيد، والجنَّة والنَّار، وما أَعّدّ الله فى هذه لأَوليائه، وفى هذه لأَعدائه، فأَبْصَر النَّاسَ وقد خرجوا من قُبورِهم مُهْطِعِين لِدَعْوَه الحَقِّ، وقد نَزَلَت ملائكة السماوات فأَحاطت، وقد جاءَ الله ونَصَبَ كرسيَّه لفَصْل القَضاءِ، وقد أَشرقت الأَرض بنوره، ووضع الكتاب، وجاءَ بالنبيين والشهداءِ، وقد نُصِبَ المِيزان، وتَطايَرَت الصُّحُف، واجْتمعتِ الخصومُ، وتعلَّق كلُّ غَرِيم بغَرِيمه، ولاح الحوضُ وأَكوابُه عن كَثبٍ، وكثر العِطاش، وقَلَّ الوارِد، ونُصِبَ الجسْرُ للعُبور عليه، والنار تَحْطِمُ بعضُها بعضاً تحته والسَاقطون فيها أَضعاف أَضعاف الناجين، فينفتح فى قلبه عَيْنٌ ترى ذلك، ويقوم بقَلْبه شاهدٌ من شواهدِ الآخرة يُرِيه الآخرة ودَوامَها،
стр. 2647
والدّنيا وسُرْعة انقضائها. والبصيرةُ نورٌ يقذفه الله فى القَلْب يَرى به حقيقة ما أَخبرتْ به الرُّسُل كأَنَّه شاهدٌ رَأْىَ عَيْنٍ، فيتحَقَّق مع ذلك انْتِفاعُه بما دَعَتْ إِليه الرّسل وتَضرُّرُه بمُخالَفَتهم. وهذا معنى قَوْلِ بعضِ العارفين: البصيرَةُ تَحَقُّقُ الانْتِفاع بالشَّىءِ، والتَّضَرُّر به. والله تعالى أَعلم.
стр. 2648
بصيرة فى يقت
الياقوتُ فارسىٌّ مُعَرَّبٌ نَطَق به القرآنُ المَجِيد، قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الياقوت والمرجان﴾ ، الواحد ياقُوتَةٌ، والجمع اليَواقِيتُ. وسَكَتَ عن ذكِره أَكثرُ أَهلِ اللُّغَةِ. وقال أَرِسْطاطالِيس: الياقُوت ثلاثةُ أَجناس: أَصْفَرُ وأَحْمَر وكُحْلِىّ، فالأَحْمرُ أَشْرَفُها وأَنْفَسْها. وهو حجرٌ إِذا نُفِخ عليه النارُ ازْداد حُسْناً وحُمْرة، فإِن كانت فيه نُكْتَة شديدةُ الحُمْرَة وأُدْخِل النارَ انبسطت فى الحجر فسَقَتْه من تلك الحُمْرة وحَسَّنَتْه، وإِن كانت فيه نُكْتة سوداءُ قَلَّ سَوادُها ونقص. والأَصفرُ منه أَقلّ صبراً على النار من الأَحمر، وأَمّا الكُحْلِىّ فلا صَبْرَ له على النار البَتَّة.
وجميع أَنواع الياقوت/ لا تَعمل فيه المَبارِدُ. وأَمّا طبعُه فيُشْبِه أَن يكون معتدِلاً. وأَمّا خاصِّيَّته فى تفريح النفس وتقوية القلْب ومُقاوَمَة السُّموم فأَمرٌ عظيم، ويُشبه أَن تكون هذه الخاصيّة فيه قوة قابضة منه كقبضانها من المغناطيس، ولذلك يجذِبُ المغناطيس الحديدَ من بعيد.
وممّا ينفعُ فى هذا الباب من أَمر الياقوت أَنَّه يبعد أَنْ يقال إِن
стр. 2649
حرارتها الغريزيّه تفعل فى الياقوت المَسْرُوب إِحالةً وتحليلاً وتمزيجاً لجوهره بجواهرِ البُخار الرُّوحى كما يفعل الزَّعْفران أَو غيره، ثمَّ يحدث منه فعله، فإِنَّ جوهره كما يظهر جوهرٌ بعيدٌ عن الانفعال، فيُشبِه أَن يكون فعل الحرارة الغريزية غير مؤثِّر فى جوهره ولا فى أَعراضه اللازمة لصورته، ولكن فى أَقصَى أَيْنِه ومكانه، وفى عَرَضِيَّتهِ، أَمّا فى أَيْنِه فبأَنْ يَنْفُذَ مع الدّم إِلى ناحيةِ القلب فيصير أَقْرَبَ من المُنْفَعِل فيفعل فِعْلَه أَقوى؛ وامّا فى كيفيّته فبتسخينه، ومن شأْن السخونة أَن تُبَيّن الخواص وتُنَبِّهَها مثل الكهرباءِ، فإِنَّه إِذا قَصَّر فى جَذْب التِّبْن حُكَّ حَتى يَسْخن ثمَّ قُوبِل به التِبن فيجذبه.
وما يشهد به الأَوّلون من تفريح الياقوت إِمساكُه فى الفَمِ، وهذا دليلٌ على أَنَّه ليس يحتاج فى تفريحه إِلى استحالة من جوهره وأَعراضِه اللازمة له، ولا إِلى مُماسَّة المُنْفَعِل عنه، بل قوّته المفرّحة قابضَةٌ عنه، إِلاَّ أَنَّه يَقْوَى فعلُها بالتسخين والتقريب كما فى سائر الجواهر، ويشبه أَن يبيّن فعل هذه الخاصيّة ما فيه من التنوير.
وقال البَصْرِىُّ: الياقوت أَجناسٌ، فالأَحمر منه أَقربُ إِلى الحَرّ من الأَزرق، والأَبيضُ أَبردُ من الأَزْرَق. ومَنْ علَّق على بَدَنِه من أَجناس
стр. 2650
الياقوت الثلاثة أَو تَخَتَّم وكان فى بَلَد قد وقع [فيه] الطاعونُ أَمِن من الطاعُونِ إِن شاءَ الله.
وأَجْود الياقوت الأَحمرُ الرُمّانّى، مانعٌ للوَسواس والخَفَقان وضَعْف القلب شُرْباً، وقيل يَمْنَع جُمُود الدِّم تعليقا.
стр. 2651
بصيرة فى يم
اليَمُّ: البَحْرُ، وقيل: لُجَّةُ البَحر. وهو معرّب، سُرْيانِيَّة أَصلها يَمَّا. لا يُكَسَّر ولا يُجْمع جمع السَّلامة، قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقِيهِ فِي اليم﴾ .
والتَّيْمُّمُ: التَّوَخِّى والتَعَهُّد. ويَمَّمَهُ: قَصَدَه.
ويَمَّم المريضَ للصَّلاة فَتَيَمَّم هُو.
ويُمَّ فهو مَيْمُومٌ: طُرِحَ فى البَحْرِ. ويُمَّ الساحلُ: غَلَبَهُ البحرُ فطَما عليه.
وتيَمَّمْتُه بُرُمْحِى: قَصَدْتُه دون غيره.
стр. 2652
بصيرة فى يقن
اليَقِينُ من صِفة العِلْم فوق المعرفة والدِّراية وأَخواتهما، يقال: عِلْمُ يَقِين، ولا يُقال: معرفةُ يَقِينِ؛ وقد يَقِنَ زيدٌ الأَمرَ كفَرِح يَقَناً ويَقْنا وأَيْقَنَهُ وأَيْقَن بِه، وتَيَقَّنَهُ، واسْتَيْقَنَه واسْتَيْقَنَ به: عَلِمَه وتَحَقَّقَهُ.
وهو يَقِنٌ ويَقُنٌ ويَقَنَةٌ ومِيقانٌ: إِذا كان لا يَسْمع شيئاً إِلاَّ أَيْقَنَه، وهى مِيقانَةٌ.
قال المحقِّقون: اليَقين من الإِيمان بمنزلة الرّوح من الجسد، وفيه تفاضَلَ العارِفون وتنافَسَ المتنافِسون، وإِليه شَمَّرَ العاملون، وعَمَلُ القومِ إِنَّما كان عليه، وإِشارتهم كلُّها إِليه. وإِذا تزوّج الصبرُ باليقين وُلِدَ بينهما حُصُول الأَمانةِ فى الدِّين، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ . وخصّ تعالى أَهلَ اليقين بانتفاعهم بالآيات والبراهين، قال وهو أَصدق القائلين/ ﴿وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ ، وخصّ أَهل اليقين بالهُدَى والفَلاح من بين العالمين فقال: ﴿والذين يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ وبالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ * أولائك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وأولائك هُمُ المفلحون﴾ وأَخبر عن أَهل النارِ بأَنهم لم يكونوا من أَهل اليقين
стр. 2653
فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وعْدَ الله حَقٌّ والساعة لاَ رَيْبَ فِيهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِي مَا الساعة إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ .
فاليقين رُوح أَعمال القُلوب الَّتى هى أَرْواحُ أَعمال الجَوارح، وهو حقيقة الصِدّيقيّة، وقُطْبُ رَحَى هذا الشأْن الَّذى عليه مَدارُه، قال ﷺ : "لا تُرْضِيَنَ أَحَداً بسخط اللهِ، ولا تَحْمَدَنّ أَحداً على فَضْلِ الله، ولا تَذُمَّنَّ أَحداً على ما لم يُؤتِكَ اللهُ، فإِنَّ رِزْقَ الله لا يَسُوقُه حِرْصَ حِرْيصِ، ولا يَرُدُّه عنك كَراهِيَةُ كارِه، فإِنَّ الله بَعْدِله وقِسْطِه جعل الرَّوْح والفَرَح فى الرّضَا واليَقِين، وجعل الهَمَّ والحُزْنَ فى الشَكِّ والسّخط".
واليَقِينُ قَرِينُ التوكّل، ولهذا فُسِّر التوكُّل بقوّة اليقين. والصّواب أَنَّ التوكُّلَ ثمرةُ اليقين ونتيجتُه، ولهذا حَسُنَ اقْتِران الهُدَى به، قال تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّكَ عَلَى الحق المبين﴾ فالحقُّ هو اليَقِين. وقالت رسل الله: ﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ ، ومتى وَصَل اليقينُ إِلى القلب امتلأَ نوراً وإِشراقاً، وانتفَى عنه كلُّ رَيْبٍ وشَكٍّ وسُخْط وغَمٍّ وهَمٍّ، وامتلأَ محبّةَ اللهِ وخَوْفاً منه ورِضاً به، وشُكراً له، وتوكُّلاً عليه، وإِنابةً إِليه، فهو مادَّة جميع المقامات، والحامل له.
واخْتُلِفَ هل هو كَسْبِىٌّ أَو مَوْهِبِىٌّ. فقيل: هو العِلْم المُسْتودَع فى القُلوب، فيشير إِلى إِنَّه غيرُ كَسْبّى.
стр. 2654
وقال سَهْلٌ: اليقين من زِيادة الإِيمان، ولا رَيْب أَنّ الإِيمان كسْبِىّ باعتبار أَسبابِه، مَوْهِبىّ باعتبار نفسه وذاته. وقال سهل أَيضا: ابتداؤه المُكاشَفَة كما قال بعض السلف: لو كُشِفَ الغِطاءُ ما ازْدَدْتُ يقيناً.
وقال ابنُ خفيفٍ: هو تَحقُّقُ الأَسرار بأَحكامِ المُغَيَّبات.
وقال أَبو بَكْرِ بنِ طاهِر: العلمُ يعارضه الشُّكوك، واليقين لا شَكَّ فيه. وعند القوم: اليقين لا يُساكِنُ قلباً فيه سُكُونٌ إِلى غير الله.
قال ذُو النُّون: اليقين يدعُو إِلى قَصْرِ الأَمَل، وقَصْرُ الأَملِ يدعُو إِلى الزُّهْد، والزُّهْدُ يُورِثُ الحكمةَ، وهى تُورث النَظَر فى العَواقِب.
وثلاثةٌ من أَعْلام اليقين: قِلَّةُ مُخالطة الناس فى العِشْرَة؛ وتَرْكُ المدحِ لهم فى العِطيَّة؛ والتَنَزُّه عن ذَمِّهم عند المنع. وثلاثةٌ من أَعلامه أَيضاً: النَّظر إِليه فى كل شىءِ؛ والرّجوع إِليه فى كلّ أَمر؛ والاستعانة به فى كلّ حال.
وقال الجُنيْد ﵀: اليقينُ هو استقرارُ العِلْم الذى لا يَحُول ولا ينقلب ولا يتغيَّرُ فى القَلْب.
وقال ابن عطاءٍ ﵀: على قَدْرِ قُرْبهم من التَّقْوَى أَدْرَكُوا من اليقين. وأَصل التَّقْوَى مُبايَنَة المَنْهِىّ عنه، فعلى مفارقتهم النفس وصلوا إِلى اليَقِين.
стр. 2655
وقيل: اليَقِين هو المُكاشَفة، وهى على ثلاثة أَوجه: مكاشَفَةٌ بالأَخْبارِ، ومكاشَفَةٌ بإِظهار القُدْرَة، ومكاشَفَةُ القُلوب بحقائِق الإِيمان. ومرادُ القَوْمِ بالمكاشَفَة ظهور الشَّىْءِ بالقلب بحيث تصير نِسْبَتُه إِليه كنِسْبة المرئىّ إِلى العين، فلا يَبْقَى معه شكٌّ ولا رَيْب أَصلا، وهذا نهايةُ الإِيمان، وهو مَقامُ الإِحسان. وقد يريدون بها أَمراً آخر وهو ما يَراهُ أَحدٌ فى برْزَخٍ بين النَّوْم واليَقَظة عند أَوائل تجرُّد الرُّوح عن البَدَن ومن أَشار إِلى غيرِ هذَيْن فقط غَلِط، ولُبِّس عليه.
وقال السّرىُّ: اليقين سُكُونُك عند جَوَلان الموارِد فى صَدْرك، لِيَقِينِك أَن حَرْكَتَك فيها لا تَنْفعك ولا تردّ عنك مَقْضِيّاً.
وقال أَبو بكرٍ الورّاق: اليقين مِلاكُ القَلْب، وبه كمالُ الإِيمان. وباليَقِين عُرِفَ الله، وبالعقل عُقِلَ عن الله.
وقال الجُنَيْد ﵀: قد مَشَى رجالٌ باليَقين على الماء، ومات بالعَطَشِ من هو أَفضل منهم يَقِيناً.
وقد اختلف فى تفضيل اليقين على الحُضور، والحضور على اليقين، فقيل: الحضور أَفضل. وبعضهم رَجَّحَ اليَقِين وقال هو غايَةُ الإِيمان. والأَوّل رأَى أَنَّ اليقينَ ابتداءُ الحضور، وكأَنه جعل اليقينَ ابتداءً والحضُورَ دواماً، وهذا الخلاف لا يتبيّن، فإِنَ اليقين لا ينفكَّ عن الحضور، والحضورَ لا ينفكَّ عن اليقين، بل فى اليقين من زيادة
стр. 2656
الإِيمان ومعرفة تفاصيله وتنزُّلها منازلها ما ليس فى الحضور، فهو أَكمل منه من هذا الوجه، وفى الحضور من الجمعية وعدم التفرقة والدّخول فى الفناءِ ما قد ينفكُّ عنه اليقين، فاليقين خُصّ بالمعرفة، والحضور خصّ بالإِرادة. والله أَعلم.
وقال النَّهْرجُوِرىِّ ﵀: إِذا استكمل العبُد حقائِقَ اليقين صار البلاءُ عنده نِعْمة، والرّخاء مصيبة.
وقال أَبو بكرٍ الورّاق ﵀: اليقين على ثلاثة أَوْجُه: يَقِينُ خَبَر، ويقين دَلالَة، ويقين مُشاهدة. يريد بيقين الخَبَر سُكُون القلب إِلى خَبَرِ المُخْبِر ووُثوقُه به؛ ويقين الدّلالة ما هو فوْقَه، وهو أَن يُقِيم له مع وثُوقِه بصدْقهِ الأَدلَّةَ الدّالَّة على ما أَخبر به، وهذا كعامة الأَخبار بالإِيمان والتوحيد فى القرآن، فإِنَّه سبحانه مع كونه أَصدق القائلين الصّادقين يُقِيم لِعبادِه الأَدلَّةَ والبراهين على صِدْق أَخبارِه، فيحصل لهم اليقين من الوَجْهَيْن، من جهة الخَبرِ ومن جهة الدّليل، فيرتفعون من ذلك إِلى الدّرجة الثالثة وهى يقين المكاشفة بحيث المُخْبَرُ به كالمرئِى لعيونهم، فنِسْبَة الإِيمان بالغيب هى إِلى القلب كنسبة المرئى إِلى العين وهذا أَعلى أَنواع المُكاشَفة، وهى الَّتى أَشار إِليها عامر بن عبد القيس فى قوله: لو كشف الغِطاءُ ما ازددت يَقينا. وليس هذا من كلام رسول الله
стр. 2657
صلَّى الله عليه وسلَّم ولا من كلام علىّ بن أَبى طالب كرّم الله وجهه كما يظنه من لا عِلْمَ له بالمنقولات.
وقال بعضهم: رأَيت الجنَّة والنار حقيقة، قيل له: كيف؟ قال: رأَيته بعَيْنَىْ رسولِ الله/ ﷺ ، ورؤيتى لهما بعينَيْه أَوثق عندى من روْيتى لهما بعينى، فإِنَّ بصرى قد يُخْطِئ بخلاف نصره ﷺ .
واليَقِينُ يَحمِلُ على مُباشَرَة الأَهوال ورُكوب الأَخطار، وهو يأْمرُ بالتقدّم دائما، فإِن لم يقارِنْه العِلْم حَمَل على المعاطِب، والعلم يأْمرُ بالتأّخُّر دائما وبالإِحِجام، فإِنْ لم يُصِبْه اليقينُ فقد [يَصُدّ صاحبه] عن المكاسب والغنائم.
وقال الشيخ أَبو إِسماعيل الأَنصارىّ ﵀: اليقين مَرْكَبُ الآخِذِ فى هذا الطَّريق، وهو غاية درجات العامّة وأَوّل خطوة للخاصة، لمَّا كان اليقين هو الَّذى يحمل السّائر إِلى الله، كما قال أَبو سعيد الخرّاز ﵀: العلمُ ما اسْتَعْمَلك، واليَقِينُ ما حَمَلَك وسَمّاهُ مَرْكباً يركبه السائر إِلى الله، فإِنَّه لولا اليقين ما سار الراكب إِلى الله، ولا ثَبَتَ لأَحدِ قَدَمٌ فى السّلوك؛ وإِنَّما جعله آخِرَ درجات العامّة لأَنَّهم إِليه ينتهون. ثم حكى قول من قال: إِنَّه أَوّل خطوة للخاصّة، يعنى أَنَّه ليس بمقام له، وإِنَّما هو مُبْتدَأْ سُلوكه، وهذا لأَنَّ الخاصّة عنده سائِرون إِلى الجَمْع والفَناءِ فى شهُود الحقيقة، لا يَقِف لهم دُوَنَها هِمَّة، فكلُّ ما دُونَها فهو
стр. 2658
عندهم مِنْ مُشاهَدَة العامّة ومَنازلهم ومَقاماتهم حتَّى المَحَبّة، وحَسْبُك بجَعْل اليَقِين نهايةً للعامة وبداية لهم.
قال: وهو على ثلاث درجات:
علمُ اليَقِين: وهو ما ظَهَرَ من الحَقِّ، وقَبُول ما غابَ للحْقّ، والوُقُوف على ما قام بالحَقّ، فذكر ﵀ ثلاثة أَشياء هى مُتَعَلَّق اليقين وأَركانه
الأَوّل: هو ما ظهر من الحقَّ تعالى، والَّذى ظهر منه سبحانه أَوامرُه ونَواهِيه وشَرْعُه ودِينُه الَّذى ظهر لنا منه على أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، فيتلقَّاه بالقَبول والانْقياد والإِذعان والتَّسْليم للرّبوبيّة، والدّخول تحت رقّ العبوديّة.
الثانى: قَبُولُ ما غابَ للحقِّ وهو الإِيمانُ بالغيب الَّذى أَخبر به الحقُّ سبحانه على لسان رُسُلِه من أَمورِ المَعاد وتَفاصيله، والجنَّة والنَّار، وما قبل ذلك من الصّراط والميزان والحساب، وما قبل ذلك من تَشَقُّق السّماءِ وانفطارها وانتثار الكواكب ونَسْف الجبال وطَىِّ العالم، وما قبل ذلك من أَمور البَرْزَخ ونَعِيمه وعَذابه، فقبولُ هذا كلِّه تصديقاً وإِيماناً هو اليقين بحيث لا يُخالج القَلْبَ فيه شُبْهَةٌ ولا شكٌّ ولا رَيْب، ولا تَناس ولا غَفْلَة عنه، فإِنَّه إِن لم يستملك يَقِينَه أَفْسَدَه وأَضْعَفَه. الثالث: الوقوف على ما قام بالحقِّ سبحانه من أَسمائه وصفاته وأَفعاله، وهو عِلْمُ التَّوحيد الَّذى أَساسهُ إِثبات الأَسماءِ والصّفات، وضدّه التَّعْطِيل والنَّفْىُ والتَّجْهِيم. فهذا التَّوحيد يقابله التَّعطيل. وأَما التوحيد القصدى
стр. 2659
الإِرادى الَّذى هو إِخلاص العمل لله وعبادته وحده فيقابله الشِّرك، والتعطيل شرّ من الشرك، فإِنَّ المعطل جاحِدٌ للذَّات أَو لكمالها، وهو جحد لحقيقة الإِلهية، فإِنَّ ذاتاً لا تسمعُ ولا تُبْصِر ولا تَتَكَلَّم ولا ترضَى ولا تَغْضَب ولا تَفْعَل شيئاً، وليست داخلَ العالَمِ ولا خارجه ولا متَّصِلَة بالعالَمِ ولا مُنْفَصِلَة ولا مُجانِبَة ولا مُباينة ولا فَوْقَ العَرْشِ ولا تَحْته ولا خَلْفَه ولا أَمامَه ولا عن يَمِينهِ ولا عن شِمالِه، سواءٌ والعَدَم. والمشرك مقرّ بالله وصفاته/ ولكن عنده معه غيره، فمُعَطِّل الذات والصّفات شَرٌّ منه. فاليقين هو الوقوف على ما قام بالحَقِّ سبحانه من أَسمائه وصفاته ونُعُوتِ كَمالِه وتوحيده وهذه الثلاثة هى أَشرفُ عُلُوم الخلائِق، عِلْمُ الأَمْرِ والنَّهْىِ، وعِلْمُ الأَسماءِ والصّفات والتَّوْحِيد، وعِلْمُ المعَاد واليَوْم الآخر.
قال: الثانية: عين اليَقين وهو المَعْنِىّ بالاسْتِدْراك عن الاسْتِدْلال، وعن الخَبَرِ بالعَيان، وخَرْق الشُّهود حجابَ العِلْم.
والفَرْقُ بين عِلْم اليَقِين وعَيْن اليقين كالفَرْقِ بين الخَبَر الصادِق والعَيان، وحَقُّ اليَقين فَوْقَ هذا. وقد مُثِّلَت المراتب الثلاثة بمن أَخبرك [أَنَّ] عنده عَسَلاً وأَنت لا تَشُكَّ فى صِدْقه، تمَّ أَراك إِيّاه فازددت يقينا، ثم ذُقْت منه، فالأَوّل عِلْمُ يَقِين، والثانى عَيْنُ يَقِينٍ؛ والثالث حَقُّ يَقِين. فعِلْمُنا الآن بالجنَّة والنَّار عِلْمُ يَقينٍ، فإِذا أَزْلِفَتِ الجنَّة
стр. 2660
فى المَوْقف وشاهَدَها الخلائِقُ، وبُرِّزت الجَحيم وعاينها الخلائِق، فذلك عَيْنُ اليَقين، فإِذا دخل أَهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ وأَهلُ النَّار النَّارَ فذلك هو حَق اليقين.
وقوله المَعْنَىُّ بالاسْتدراك عن الاسْتدلال، يُريد بالاسْتدراك الإِدْراكَ والشُّهودَ، يعنى أَنَّ صاحبَه قد استغنَى به عن طَلَب الدّليل، فإِنَّه إِنَّما يَطْلُب الدَّليلَ ليحصلَ له العلَمُ بالمَدْلُول فإِذا كان المدلولُ مُشاهَداً له وقد أدركه بكَشْفه، فأَىّ حاجة به إِلى الاستدلال؟ وهذا معنى الاستغناء عن الخَبَر بالعَيان.
وأَمّا قوله وخَرْق الشهود حجابَ العلم، فيريد به أَنَّ المعارف التى تحصُل لصاحب هذه الدرجة هى من الشُّهود الخارق لحجاب العلْم، فإِنَّ العلْم حجابٌ على المَشْهُود، ففى هذه الدّرجة يرتفع الحجابُ ويُفْضى إِلى المعلوم بحيث يُكافحُ قَلْبَه وبَصيرَتَه.
ثمّ قال: والدّرجة الثالثة حَقُّ اليَقين، وهو إِسْفارُ صُبْح الكَشْف، ثم الخلاصُ من كُلْفَة اليَقين، ثم الفناءُ فى حَقّ اليقين. انتهى كلامه.
والحق إِنَّ هذه الدّرجة لا ينالها فى هذا العالم إِلاَّ الرّسلُ صلوات الله وسلامه عليهم، فإِنَّ نبيّنا صلَّى الله منه رأى بعينه الجنَّة والنَّار، ومُوَسى ﵇ سَمعَ كلامَ الله إِليه بلا واسطة وكَلَّمة تكليماً، وتَجَلَّى للجبل وموسى ينظر فجَعَلَه دكّاً هشيماً، فحصل لهما حقُّ اليقين، وهو ذَوْقُ ما أَخبر به الرّسولُ من حقائق الإِيمان المتعلِّقة بالقلوب، وأَنَّ القلبَ إِذا باشرها وذاقَها صارت فى حقِّه حَقَّ يقين. وأَمّا فى أُمُور
стр. 2661
الآخرةَ والمعاد، ورُؤية الله جَهْرَةً عياناً، وسماع كلامه حقيقة بلا واسطة، فحظُّ المُؤمن منه فى هذه الدّار الإِيمانُ به.
وعلْمُ اليَقين وحَقُّ اليقين يتأَخَّر إِلى وقت اللِّقاءِ، لكنَّ السّالك عند القوم ينتهى إِلى الفناءِ ويتحقَّق شهود الحقيقة، ويصل إِلى عين الجمع.
قال: حقّ اليقين هو إِسفار صبح الكَشْف، يعنى تحقُّقه وثُبُوته وغَلَبَة نوره على ظُلْمَة ليل الحجاب، فينتقل من طَوْر العلم إِلى الاسْتِغْراق فى الفَناء عن الرّسْم بالكُلِّيَّة. وقولُه ثُمّ الخلاصُ من كلفة اليقين، يعنى أَنَّ اليقين له حقوق يجب على صاحبه أَن يؤدِّيَها ويقومَ به ويَتَحَمَّل كُلَفَها ومَشاقَّها، فإِذا فَنِىَ فى التَّوْحيد حَصَل له أُمورٌ أُخرَى رفيعةٌ عالية جدّاً يصير فيها محمولاً بعد أَن كان حاملاً، وظاهراً بعد أَن كان ساتراً، فتزول عنه كلفةُ حَمْل تلك الحقوق. وهذا أَمْرٌ التَحاكُمُ فيه إِلى الذَّوْق والإِحساس، فلا تَذْهَب إِلى إِنكاره، وتأَمَّلْ حالَ ذلك الصّحابىِّ الَّذى أَخذ تَمَراتٍ وقعد يَأْكُلها على حاجَةٍ وفاقَةٍ إِليها، فلمَّا عايَنَ سُوقَ الشهادة قد قامت أَلْقَى قُوتَه منْ يَده وقال: إِنها لحياةٌ طويلة إِنْ بَقيتُ حَتَّى آكُل هذه التَّمرات وأَلْقَاها من يده، وقاتَلَ حتى قُتلَ، وكذلك أَحوال الصَّحابة رضى الله عنهم كانت مطابقةً لما أَشار إِليه. لكن بَقيَتْ نُكتةٌ عظيمة، وهى مَوْضعُ السجدة، وهى أَنَّ فَناءَهم لم يكن فى توحيد الرُّبُوبيَّة وشهود الحقيقة التى يشير إِليها أَرباب الفناءِ، بل فى توحيد الإِلهيّة،
стр. 2662
فعَنوا بحُبّه تعالى عن حُبّ ما سواه، وبُمراده منهم عن مرادهم.. وحظوظهم، فلم يكونوا عاملين على فناءٍ ولا استغراق فى الشُّهود، بحيث فَنُوا به عن مُراد محبوبهم، بل فَثُوا بمُراده عن مُرادهم، فهم أهل فَناءٍ فى بَقاءٍ، وفَرْق فى جَمْع، وكَثْرَة فى وَحْدَة، وحقيقةٍ كَوْنِيَّة فى حقيقة دينيَّة.
هم القَوْمُ لا قَوْمَ إِلاَّ هُمُ ... ولولاهُمُ ما اهْتَدَينا السَّبيلا
فنسبة أَحوالهم إِلى أَحوال غيرهم كنسبة ما يَرشَحُه الظَّرْفُ والقرْبة إِلى ما فى داخلها، والله أَعلم. قال بعض العارفين:
اليقين الصّريح رُؤيَتُك الَشْى ... ءَ وما للفْؤاد فيه هُيامُ
لم يُغَيِّرْكَ فيه ذَمٌّ ولا يَطعَنْـ ... كَ مَدْحٌ ولا عَلَيْه كَلامُ
стр. 2663
بصيرة فى يمن
اليُمْنُ بالضَمِّ: البَرَكَةُ كالمَيْمَنَة، وقد يَمَنَ الشىءُ يَيَمْنُ كعَلِمَ يَعْلَمُ، ويُمِنَ يُومَنُ كعُنى يُعْنَى، (ويَمَنَ يَيْمَنُ كمَنَع) وَيَمُنَ يَيْمُنُ ككَرُمَ يَكْرُم، فهو مَيْمُونٌ وأَيْمَنُ ويامِنٌ ويَمِينٌ، أَى مُبارَكٌ، والجمعُ أَيامِنُ ومَيامِينُ.
وتَيَمَّن به، واسْتَيْمَنَ: تَبَرَّك.
وقَدِمَ على أَيْمَن اليَمين، أَى اليُمن.
واليَمينُ: الجارِحَةُ، وضدُّ اليَسار، واستعماله فى وصف الله فى قوله تعالى: ﴿والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ على حدّ استعمال اليَد فيه.
واليَمينُ أَيضا: البَرَكَةُ، واليمين: المَنْزِلَةُ الجَليلَة، والجَمْع: أَيْمُنٌ وأَيْمانٌ، وأَيا مِنُ، وأَيامينُ.
ويَمَنَ به يَيْمِنُ ويا مَنُ، ويَمَّنَ، وتَيامَنَ: ذهَبَ به ذاتَ اليَمين وقولُه تعالى: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين﴾ أَى كنتم تَخْدَعُوننا
стр. 2664
بأَقْوَى الأَسْباب، أَو من قبل الشَّهْوَة؛ لأَن اليمينَ موضعُ الكَبد، والكَبد مَظنَّةُ الشَّهْوَة والإِرادة. وقيل: عن الناحية التى كان منها الحَقُّ فَتَصْرفونَنَا عَنْهَا.
وأَخَذَ يَمْنَةً وَيَمَناً، أَى ناحية اليَمِين. وقيل لبلاد اليَمَن يَمَناً لأَنَّها من يَمين الكَعْبَة. وفى الحديث: الإِيمانُ يَمان والحكْمَةُ يَمانية" وقال: "إِنّى لأَجدَ نَفَسَ الرَّحْمان من قِبَل اليَمَن" وقد تقدّم معناه فى بصيرة "نفس".
وكان ﷺ يُحبُّ التَّيامُنَ فى كلّ شَىْءٍ حتى فى تَنْعُّله وتَرَجُّله وفى شأْنهِ كلِّه.
والأَيْمَنُ: من يَصْنَعُ بيُمْناهُ.
واليَمينُ: القَسَمُ لأَنَّهم كانوا يَتماسَحُون بأَيْمانهم فيتحالُفون وفى الحديث: "مَنْ حَلَفَ على يَمينٍ فرأَى غَيْرَها خَيْراً منها فَلْيٌكَفِّر عَنْ يَمِينه ثمَّ ليَفْعَل الَّذى هو خَيْرٌ"، والجمعُ: أَيْمُنٌ وأَيْمانٌ، قال/ الله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ .
وأَيْمُنُ الله بضَمّ المِيمِ وفَتْحها، والهمزة تُفْتَح وتكسر، وأَيْمُ الله
стр. 2665
وأَِيمُ الله بفتح الهمزة وكسرها. وإِذا كُسِرَت فالأَلفُ أَلِفُ قَطْع. وأَمُ الله وأُم اللهِ، وأَمَ اللهِ، وإِمَ الله، وإِمُ الله بكسر الهم وضمّ الميم (وفَتْحِها) ومَ الله، ومِ الله، وَمُ الله، ومَنَ الله بفتحهما، ومُنُ الله بضمّهما، ومِنِ الله بكسرهما؛ ومُنِ الله بضم الميم وكسر النون. ولَيْمُ الله بفتح اللاَّم، ولَيْمَنُ اللهِ، وهَيْمُ الله، كلّ ذلك بمعنى اسم وُضِعَ للقَسَم. والتَّقدير أَيْمُنُ الله قَسَمى.
وهمزة أَيْمُنُ همزة وَصْل عند سيبويه. وقال الفراءُ: جمع يَمينٍ وهمزته همزةُ قطع، ويحذفونها لكثرة الاستعمال. وقال الزجّاج والرُّمّانىّ: أَيْمُن حرفٌ لا اسمٌ. وعند سيبويه أَمُ وَمُ ومُنُ وبقيّة اللغات أَصلها أَيْمُن، وزعم بعضهم أَنَّ مُ المفردة بدل من واو القسم. وزعم آخرون أَنَّ مُنُ ومُ بلغاتهما حرفان وليستا بلُغَتَىْ أَيْمنُ.
والمُيَمَّنُ كمُعَظَّم: الذى يأْتى باليُمْن والبَرَكة.
وقوله تعالى: ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ باليمين﴾ أَى منعناه ودَفَعْناه، فعبَّر عن ذلك بالأَخْذ باليَمِين، كقولك: أَخَذ بيمِينِ فُلان.
وقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ أَى أَصحابُ السّعادات والمَيامن وذلك على حسب تعارُف الناس فى العِبارة عن المَيامن
следующие страницы →