Полный текст (2 804 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
بصيرة فى.. اقترب للناس حسابهم
السّورة مكِّيَّة بالاتِّفاق. وآياتها مائة واثنتا عشرة عند الكوفيِّين، وإِحدى عشرة عند الباقين. وكلماتها أَلف ومائة وثمانية وستون. وحروفها أَربعة آلاف وثمانمائة وسبعون، المختلف فيها آية واحدة: ﴿وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾ .
مجموع فواصل آياتها (م ن) وسمِّيت سورة الأَنبياءِ لاشتمالها على قصصهم على إِبراهيم، واسحاق، ويعقوب، ولوط، ونوح، وسليمان، وداود وأَيوب، وإِسماعيل، وصالح، ويونس، وزكريا، ويحيى، وعيسى.
مقصود السّورة: ما اشتملت عليه مجملا: من التنبيه على الحساب فى القيامة، وقرب زمانها، ووصف الكفَّار بالغفلة، وإِثبات النبوّة، واستيلاء أَهل الحَقّ على أَهل الضَّلالة، وحُجّة الوحدانيّة، والإِخبار عن الملائكة وطاعتهم، وتخليق الله السّماواتِ والأَرض بكمال قدرته، وسير الكواكب ودَوْر الفَلَك، والإِخبار عن موت الخلائق وفنائهم، وكَلاءُ الله تعالى وحفظه العبدَ من الآفات، وذكر ميزان العَدْل فى القيامَة، وذكر إِبراهيم بالرّشد والهداية، وإِنكاره على الأَصنام وعُبَّادها، وسلامة إِبراهيم من
стр. 317
نار نُمرود وإِيقادها، ونجاة لوط من قومه أُولى العُدْوان، ونجاة نوح ومتابعَته من الطوفان، وحُكم داود، وفهم سليمان، وذكر تسخير الشيطان، وتضرّع أَيّوب، ودعاء يونس، وسؤال زكريّا، وصلاح مريم، وهلاك قُرًى أَفرطوا فى الطغيان، وفتح سدّ يأْجوج ومأْجوج فى آخر الزَّمان وذلّ الكفَّار والأَوثان، فى دخول النيران، وعِزّ أَهل الطَّاعة والإِيمان، من الأَزل إِلى الأَبد فى جميع الأَزمان، على علالىّ الجِنَان، وطىّ السّماوات فى ساعة القيامة، وذكر الأُمم الماضية، والمنزلة من الكتب فى سالف الأَزمان، وإِرسال المصطفى ﷺ بالرأفة والرّحمة والإِحسان، وتبليغ الرّسالة على حكم السّويّة من غير نقصان ورجحان، وطلب حكم الله تعالى على وَفْق الحقّ، والحكمة فى قوله ﴿رَبِّ احكم بالحق وَرَبُّنَا الرحمان﴾ .
الناسخ والمنسوخ:
فى هذه السّورة آيتان م ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ إِلى تمام الآيتين ن ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ .
المتشابهات:
قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ﴾ وفى الشعراءِ ﴿مِّن
стр. 318
ذِكْرٍ مِّنَ الرحمان مُحْدَثٍ﴾ خصّت هذه السّورة بقوله ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ بالإِضافة، لأَن (الرّحمن) لم يأْت مضافاً، ولموافقة ما بعده، وهو قوله: ﴿قُلْ رَبِّي يَعْلَمُ﴾ وخصّت الشعراءِ بقوله ﴿مِّنَ الرحمان﴾ ليكون كلُّ سورة مخصوصةً بوصف من أَوصافه، وليس فى أَوصاف الله تعالى اسم أَشبهُ باسم الله من الرحمن؛ لأَنَّهما اسمان ممنوعان أَن يسمّى بهما غيرُ الله ، ولموافقة ما بعده، وهو قوله: ﴿العزيز الرحيم﴾ ؛ لأَنَّ الرَّحمن والرَّحيم من مصدر واحد.
قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً﴾ وبعده ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلَكَ مِنْ رَسُوْلٍ﴾ ، (قبلك) و (من قبلك) كلاهما لاستيعاب الزمان المتقدّم، إِلا أَنَّ (مِن) إِذا دخل دَلَّ على الحَصْر بين الحَدَّيْن، وضبطه بذكر الطَّرفين. ولم يأت ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ﴾ إِلاَّ هذه - وخصَّت بالحذف؛ لأَنَّ قبلها ﴿مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ﴾ فبناه عليه لأَنه هو؛ وآخر فى الفرقان ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ﴾ وزاد فى الثانى ﴿مِنْ قَبْلَكَ مِنْ رَسُوْلٍ﴾ على الأَصل للحصر.
قوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ وفى العنكبوت: ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ ؛ لأَن ثمَّ للتراخى، والرّجوعُ هو الرّجوع إِلى الجنَّة أَو النَّار، وذلك فى القيامة، فخُصّت سورة
стр. 319
العنكبوت به. وخُصّت هذه السّورة بالواو لَمَّا حيل بين الكلامين بقوله: ﴿وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً وَإِلَيْنَا﴾ وإِنَّما ذُكِرَا لتقدّم ذكرهما، فقام مقام التراخى، وناب الواو مَنابه، والله أَعلم.
قوله: ﴿وَإِذَا رَآكَ الذين كفروا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾ وفى الفرقان ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾ لأَنَّه ليس فى الآية التى تقدّمتها ذكر الكفَّار؛ فصرّح باسمهم، وفى الفرقان قد سَبَق ذكر الكفَّار، فخُصّ الإِظهار بهذه السّورة، والكنايةُ بتلك.
قوله: ﴿مَا هاذه التماثيل التي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُواْ وَجَدْنَآ﴾ وفى الشعراءِ ﴿قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ﴾ ؛ لأَنَّ قوله: ﴿وَجَدْنَآ آبَآءَنَا﴾ جواب لقوله: ﴿مَا هاذه التماثيل﴾ وفى الشعراءِ أَجابوا عن قوله ﴿مَا تَعْبُدُوْنَ﴾ بقولهم ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ ثمَّ قال لهم ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ﴾ فأَتى بصورة الاستفهام ومعناه النفى ﴿قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ﴾ (أَى قالوا لا بل وجدنا) عليه آباءَنا، لأَن السّؤال فى الآية يقتضى فى جوابهم أَن ينفوا ما نفاه السّائل، فأَضربوا عنه إِضراب مَن ينفى الأَوّل، ويُثبت الثانى، فقالوا: بل وجدنا. فخُصت السّورة به.
قوله: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الأخسرين﴾ ، وفى الصَّافَّات ﴿الأسفلين﴾ ؛ لأَنَّ فى هذه السورة كادهم إِبراهيم؛ لقوله: ﴿لأَكِيدَنَّ
стр. 320
أَصْنَامَكُمْ﴾ وهم كادوا ابراهيم لقوله: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً﴾ فجرت بينهم مكايدة، فغلبهم إِبراهيم؛ لأَنَّه كسر أَصنامهم، ولم يغلبوه؛ لأَنَّهم (لم يبلغوا من إِحراقه مرادهم) فكانوا هم الأَخسرين. وفى الصَّافَّات ﴿قَالُواْ ابنوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الجحيم﴾ ، فأَجّجوا ناراً عظيمة، وبنوا بنياناً عالياً، ورفعوه إِليه، ورمَوه [منه] إِلى أَسفل، فرفعه الله، وجعلهم فى الدّنيا سافلين، ورَدَّهم فى العقبى أَسفل سافلين. فخُصت الصَّافَّات بالأَسفلين.
قوله: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ بالفاءِ سبق فى يونس. ومثله فى الشّعراءِ ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عَجُوْزًا فِي الْغَابِرِيْنَ﴾ .
قوله: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ ختم القصّة بقوله ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ وقال فى ص ﴿رَحْمَةً مِّنَّا﴾ لأَنَّه بالغ (فى التضرّع) بقوله ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فبالغ سبحانه فى الإِجابة، وقال ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ لأَنَّ (عند) حيث جاءَ دلَّ على أَنَّ الله سبحانه تولَّى ذلك من غير واسطة. وفى ص لمَّا بدأَ القصة بقوله ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا﴾ ختم بقوله (منَّا) ليكون آخِرُ الآية ملتئما بالأَوّل.
قوله: ﴿فاعبدون وتقطعوا﴾ وفى المؤمنين ﴿فاتقون فتقطعوا﴾ لأَنَّ الخطاب فى هذه السّورة للكفار، فأَمرهم بالعبادة التى هى التَّوحيد، ثم
стр. 321
قال: ﴿وتقطعوا﴾ بالواو؛ لأَنَّ التقطُّع قد كان منهم قبل هذا القول لهم. ومَن جعله خطاباً للمؤمنين، فمعناه: دُوموا على الطَّاعة. وفى المؤمنين الخطاب للنبىِّ ﷺ وللمؤمنين بدليل قوله قبله ﴿ياأيها الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات﴾ والأَنبياءِ والمؤمنون مأْمورون بالتَّقوى، ثم قال ﴿فتقطعوا أَمْرَهُمْ﴾ أَى ظهر منهم التقطُّع بعد هذا القول، والمراد أُمّتُهم.
قوله: ﴿والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾ وفى التحريم (فيه) ؛ لأَنَّ المقصود هنا ذِكرها وما آل إِليه أَمرها، حتى ظهر فيها ابنُها، وصارت هى وابنها آية. وذلك لا يكون إِلا بالنَّفخ فى جُملتها، وبحَمْلها، والاستمرار على ذلك إِلى يوم ولادتها. فلهذا خُصَّت بالتَّأْنيث. وما فى التحريم مقصور على ذكر إِحصانها، وتصديقها بكلمات ربّها، وكان النفخ أَصاب فرجها، وهو مذكَّر، والمراد به فرج الجَيْب أَو غيره، فخُصّت بالتَّذكير.
فضل السّورة
رُوى فيه أَحاديث ساقطة ضعيفة. منها: مَن قرأَ سورة اقترب للنَّاس حسابهم حاسبه الله حساباً يسيراً، وصافحه، وسلَّم عليه كلُّ نبىّ ذكر اسمُه فى القرآن. وفى حديث علىّ: يا علىّ مَنْ قرأَ هذه السّورة فكأَنَّما عبد الله على رضاه.
стр. 322
بصيرة فى.. يأيها الناس اتقوا ربكم
السّورة مكِّيّة بالاتِّفاق، سوى ستّ آياتٍ منها، فهى مَدَنِيَّة: ﴿هاذان خَصْمَانِ﴾ إِلى قوله: ﴿صِرَاطِ الحميد﴾ . وعدد آياتها ثمانٍ وسبعون فى عدّ الكوفيِّين، وسبع للمدَنيين، وخمس للبصرييِّن، وأَربع للشاميِّين. وكلماتها ألفان ومائتان وإِحدى وتسعون كلمة. وحروفها خمسة آلاف وخمسة وسبعون.
والآيات المختلف فيها خمس: الحميم، الجلود، وعاد وثمود، ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ ، ﴿سَمَّاكُمُ المسلمين﴾ . مجموع فواصل آياتها (انتظم زبرجد قطَّ) على الهمزة منها ﴿إِنَّ الله يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ .
سمِّيت: سورة الحج؛ لاشتمالها على مناسك الحجّ، وتعظيم الشَّعائر، وتأذين إِبراهيم للنَّاس بالحج.
مقصود السورة على طريق الإِجمال: الوصيّة بالتَّقوى، والطَّاعة، وبيان هَوْل السّاعة، وزلزلة القيامة، (والحجّة) على إِثبات الحشر والنشر،
стр. 323
وجدال أَهل الباطل مع أَهل الحقِّ، والشكاية من أَهل النفاق بعد الثبات، وعَيْب الأَوثان وعبادتها، وذكر نُصْرة الرّسول ﷺ ، وإِقامة البرهان والحُجَّة، وخصومة المؤمن والكافر فى دين التوحيد، وتأذين إِبراهيم على المسلم بالحجِّ، وتعظيم الحُرُمات والشعائر، وتفضيل القرآن فى الموسم، والمِنَّة على العباد بدفع فساد أَهل الفساد، وحديث البئر المعطَّلة، وذكر نسيان رسول الله ﷺ وسهوه حال تلاوة القرآن، وأَنواع الحجّة على إِثبات القيامة، وعجز الأَصنام وعُبَّادها، واختيار الرّسول من الملائكة والإِنس، وأَمر المؤمنين بأَنواع العبادة والإِحسان، والمِنَّة عليهم باسم المسلمين، والاعتصام بحفظ الله وحِياطته فى قوله ﴿واعتصموا بالله هُوَ مَوْلاَكُمْ﴾ إِلى قوله ﴿وَنِعْمَ النصير﴾ .
الناسخ والمنسوخ:
المنسوخ فيها آيتان: ﴿إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ﴾ م ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى﴾ ن ﴿الله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ م آية السّيف ن. والنَّاسخ فى هذه السّورة ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ .
المتشابهات:
قوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ وبعده ﴿وَتَرَى الناس سكارى﴾ محمول على: أَيُّها المخاطب كما سبق فى قوله ﴿وَتَرَى الفلك﴾ .
стр. 324
قوله: ﴿ومِنَ الناس مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [فى هذه السورة، وفى لقمان: ﴿وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ ] لأَنَّ ما فى هذه السّورة وافق ما قبلها [من الآيات، وهى: نذير، القبور، وكذلك فى لقمان وافق ما قبلها] وما بعدها وهى الحمير والسّعير والأُمور.
قوله: ﴿مِن بَعْدِ عِلْمٍ﴾ بزيادة (مِن) لقوله ﴿مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ الآيه وقد سبق فى النحل.
قوله: ﴿ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ وفى غيرها ﴿أَيْدِيْكُمْ﴾ لأَنَّ هذه الآية نزلت فى نضر بن الحارث وقيل [فى] أَبى جهل [فوحده، وفى غيرها] نزلت فى الجماعة الَّذين تقدم ذكرهم.
قوله: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ "والصابئين والنصارى"﴾ (قدّم الصابئين لتقدم زمانهم. وقد سبق فى البقرة.
قوله: ﴿يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السماوات﴾ سبق فى الرّعد.
قوله: ﴿كُلَّمَآ أرادوا أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ وفى السّجدة ﴿مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ لأَنَّ المراد بالغمِّ [الكرب] والأَخذ بالنَّفْس حتى
стр. 325
لا يجد صاحبه مُتنفَّساً، وما قبله من الآيات يقتضى ذلك، وهو ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ﴾ إِلى قوله ﴿مِنْ حَدِيْدٍ﴾ فمَنْ كان فى ثياب من نار فوق رأسه جهنم يذوب من حَرّه أَحشاءُ بطنه، حتى يذوب ظاهرُ جِلده، وعليه موكَّلون يضربونه بمقامع من حديد، كيف يجد سروراً ومُتنفَّساً من تلك الكُرَبِ التى عليه وليس فى السّجدة من هذا ذِكر، وإِنما قبلها ﴿فَمَأْوَاهُمُ النار كُلَّمَآ أرادوا أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾ .
قوله: ﴿وَذُوْقُواْ﴾ ، وفى السَّجدة: ﴿وَقِيْلَ لَهُمْ ذُوْقُواْ﴾ القول ها هنا مضمر. وخُصّ بالإِضمار لطُول الكلام بوصف العذاب. وخصّت سورة السّجدة بالإِظهار، موافقة للقول قبله فى مواضع منها ﴿أَم يَقُوْلُونَ افْتَرَاهُ﴾ ﴿وَقَالُواْ أَءِذَا ضَلَلْنَا﴾ ، و ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم﴾ و ﴿حَقَّ الْقَوْلُ﴾ وليس فى الحجّ منه شىء. قوله: ﴿إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ مكرَّرة. وموجِب التكرار قوله: ﴿هاذان خَصْمَانِ﴾ ، لأَنَّه لمّا ذكر أَحَدَ الخَصْمين وهو ﴿فالذين كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ﴾ لم يكن بُدّ من ذِكر الخَصْم الآخر فقال: ﴿إِنَّ الله يُدْخِلُ الذين آمَنُواْ﴾ .
قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ والقآئمين﴾ وفى البقرة ﴿وَالْعَاكِفِيْنَ﴾ وَحَقَّه أَن يذكر هناك لأَنَّ ذكر العاكف هاهنا سبق فى قوله ﴿سَوَآءً العَاكِفَ فِيْهِ وَالبَاد﴾ ومعنى ﴿والقآئمين والركع السجود﴾ المُصَلُّون. وقيل:
стр. 326
(القائمين) بمعنى المقيمين. وهم العاكفون [لكن] لمَّا تقدّم ذكرهم عُبِّر عنهم بعبارة أُخرى.
قوله: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر﴾ كرّر؛ لأَنَّ الأَوّل متَّصل بكلام إِبراهيم وهو اعتراض ثم أَعاده مع قوله ﴿والبدن جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾ .
قوله: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ وبعده ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ خصّ الأَوّل بذكر الإِهلاك؛ لاتِّصاله بقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أَى أَهلكتهم، والثانى بالإِملاءِ؛ لأَنَّ قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب﴾ دَلّ على أَنَّه لم يأتهم فى الوقت، فحسنُ ذكر الإملاءِ.
قوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الباطل﴾ هنا وفى لقمان ﴿مِن دُونِهِ الباطل﴾ لأَنَّ هنا وقع بين عشر آيات كلُّ آية مؤكَّدة مرّة أَو مرَّتيْن، ولهذا أَيضاً زيدَ فى هذه السّورة اللاَّم فى قوله: ﴿وَإِنَّ الله لَهُوَ الغني الحميد﴾ وفى لقمان: ﴿إِنَّ الله هُوَ الغني الحميد﴾ إِذ لم يكن سورة لقمان بهذه الصّفة. وإِن شئت قلت: لمّا تقدّم فى هذه السّورة ذِكْرُ الله وذكرُ الشيطان أَكَّدهما؛ فإِنَّه خبر [وقع] بين خبرين. ولم يتقدّم فى لقمان ذِكرُ الشيطان، فأَكد ذكر الله، وأَهمل ذكر الشَّيطان. وهذه دقيقة.
стр. 327
فضل السّورة
ذكر المفسّرون فيه أَحاديث واهية. منها: من قرأَ من سورة الحجّ أَعْطَى من الأَجر كحَجّة حَجَّها، وعمرة اعتمرها، بعدَد مَن حجّ واعتمر، مَنْ مضى منهم ومن بَقى، ويُكتب له بعدد كلّ واحد منهم حجَّة وعمرة وله بكلِّ آية قرأَها مثلُ ثواب مَنْ حَجّ عن أَبويه.
стр. 328
بصيرة فى.. قد أفلح المؤمنون
السّورة مكِّية إِجماعا. وعدد آياتها مائة وثمانية عشر عند الكوفيّين، وتسعة عشر عند الباقين. وكلماتها أَلف ومائتان وأَربعون. وحروفها أَربعة آلاف وثمانمائة وواحد. المختلف فيها ﴿وَأَخَاهُ هَارُوْنَ﴾ .
مجموع فواصل آياتها (من) . وسميت سورة المؤمنين لافتتاحها بفلاح المؤمنين.
مقصود السّورة ومعظم ما اشتملت عليه: الفتوى بفلاح المؤمنين، والدّلالة على أَخلاق أَهل الإِسلام، وذكر العجائب فى تخليق الأَولاد فى الأَرحام، والإِشارة إِلى الموت والبعث، ومِنَّة الحق على الخلق بإِنبات الأَشجار، وإِظهار الأَنهار، وذكر المراكب، والإِشارة إِلى هلاك قوم نوح، ومَذَمّة الكفَّار، وأَهل الإِنكار، وذكر عيسى ومريم، وإِيوائهما إِلى رَبْوة ذات قرار، وإِمهال الكُفَّار فى المعاصى، والمخالفات، وبيان حال المؤمنين فى العبادات، والطَّاعات، وبيان حُجّة التَّوحيد وبرهان النبوّات، وذلّ الكفَّار بعد الممات، وعجْزهم فى جهنَّم حال العقوبات، ومكافأَتهم فى العقبى على حسب المعاملات، فى الدّنيا فى جميع الحالات، وتهديد أَهل اللَّهو،
стр. 329
واللَّغو، والغَفَلات، وأَمر الرّسول بدعاءِ الأَمّة، وسؤال المغفرة لهم والرّحمات، فى قوله: ﴿رَّبِّ اغفر وارحم وَأنتَ خَيْرُ الراحمين﴾ .
النَّاسخ والمنسوخ:
المنسوخ فيها آيتان ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ م آية السّيف ن ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ م آية السّيف ن.
المتشابهات:
قوله: ﴿لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ (فواكه) بالجمع و (منها) بالواو، وفى الزّخرف ﴿فَاكِهَةٌ﴾ على التوحيد ﴿مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ بغير واو. راعى فى السّورتين لفظ الجَنَّة. وكانت فى هذه (جنَّات) بالجمع فقال: (فواكه) بالجمع، وفى الزخرف: ﴿وَتِلْكَ الجَنَّةُ﴾ بلفظ التوحيد، وإن كانت هذه جنَّة الخُلْد لكن راعى اللَّفظ فقال ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ وقال فى هذه السّورة ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ بزيادة الواو؛ لأَنَّ تقدير الآية: منا تَدَّخِرون، ومنها تأكلون، ومنها تبيعون، وليست كذلك فاكهة الجنَّة، فإِنها للأَكل فقط. فذلك قال: ﴿مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ووافق هذه السورة ما بعدها أَيضاً، وهو قوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيْرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُوْنَ﴾ فهذا للقرآن معجزة وبرهان.
قوله: ﴿فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾ وبعده ﴿وَقَالَ الملأ
стр. 330
مِن قَوْمِهِ الذين كَفَرُواْ﴾ فقُدِّم (مِن قومه) فى الآية الأُخرى، وأُخِّر فى الأُولى؛ لأَنَّ صلة (الذين) فى الأُولى اقتصرتْ على الفعل وضمير الفاعل، ثمَّ ذكر بعده الجارّ والمجرور ثم ذكر المفعول وهو المَقُول، وليس كذلك فى الأُخرى، فإِن صلة الموصول طالت بذكر الفاعل والمفعول والعطف عليه مَرّة بعد أُخرى، فقدّم الجارّ والمجرور؛ لأَنَّ تأخيره يلتبس، وتوسيطه ركيك، فخُصَّ بالتقدم.
قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾ (وفى حم السجدة: ( ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لأَنزَلَ مَلاَئِكَةً﴾ ) لأَنَّ فى هذه السّورة تقدّم ذكر الله، وليس فيه ذكر الرّب، وفى السّجدة تقدّم ذكر (ربّ العالمين) سابقا على ذكر لفظ الله، فصرّح فى هذه السورة بذكر الله، وهناك بذكر الرَّب؛ لإضافته إِلى العالمين وهم مِن جملتهم، فقالوا إِمَّا اعتقاداً وإِمَّا استهزاءً: لو شاءَ ربنا لأَنزل ملائكة، فأَضافوا الربّ إِليهم.
قوله: ﴿واعملوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ، وفى سبأ ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ كلاهما من وصف الله سبحانه. وخصّ كلّ سورة بما وافق فواصل الآى.
قوله: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ بالأَلف واللاَّم، وبعده: ﴿لِّقَوْمٍ
стр. 331
لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ لأَنَّ الأَوَّل لقوم صالح، فعرّفهم بدليل قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة﴾ ، والثانى نكرة، وقبله ﴿قُرُوناً آخَرِينَ﴾ وكانوا منكَّرين، ولم يكن معهم قرينة عُرِفوا بها، فخُصّوا بالنَّكرة.
قوله: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا هاذا مِن قَبْلُ﴾ ، وفى النمل ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هاذا نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ لأَنَّ ما فى [هذه] السّورة على القياس؛ فإنَّ الضَّمير المرفوع المتَّصل لا يجوز العطفُ عليه، حتى يؤكَّد بالضمير المنفصل، فأَكَّد (وعدنا نحن) ثم عُطِف عليه (آباؤنا) ، ثم ذكر المفعول، وهو (هذا) وقُدِّمَ فى النمل المفعول موافقة لقوله (تراباً) لأَنَّ القياس فيه أَيضاً: كنَّا نحن وآباؤنا تراباً (فقدّم "تراباً") ليسُدّ مسدّ نحن وكانا متوافقين.
قوله: ﴿سَيَقُوْلُوْنَ للهِ﴾ ، وبعده: ﴿سَيَقُوْلُوْنَ للهِ﴾ وبعدهُ: ﴿سَيَقُوْلُوْنَ للهِ﴾ الأَوّل جواب لقوله ﴿قُل لِّمَنِ الأرض وَمَن فِيهَآ﴾ جواب مطابق لفظاً ومعنًى لأَنَّه قال فى السّؤال: (قل لمن) فقال فى الجواب: (لله) وأَمّا الثانى والثالث فالمطابقة فيهما فى المعنى؛ لأَنَّ القائل إِذا قال لك: مَنْ مالِك هذا الغلام؟ فلك أَن تقول: زيدٌ، فيكون مطابقاً لفظاً ومعنى. ولك أَن تقول لزيد، فيكون مطابقاً للمعنى. ولهذا قرأَ أَبو عمرو الثَّانى والثَّالث: (الله) (الله) ؛ مراعاة للمطابقة.
стр. 332
قوله ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ وقبله: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تتلى عَلَيْكُمْ﴾ ليس بتكرار؛ لأَنَّ الأَوَّل فى الدنيا عند نزول العذاب وهو الجَدْب عند بعضهم، ويومُ بدر عند البعض، والثانى فى القيامة، وهم فى الجحيم؛ بدليل قوله: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ .
فضل السّورة
يذكر فيه من الأَحاديث الواهية حديث أُبى: مَنْ قرأَ سورة المؤمنين بشَّرته الملائكة بالرَّوح، والريْحان، وما تقرُّ به عَيْنُه عند نزول مَلَك الموت، ويروى: أَنَّ أَوّل هذه السّورة وآخرها من كنوز العرش من علم بثمان آيات من أَوّلها، واتَّعظ بأَربع آيات مِن آخرها؛ فقد نجا، وأَفلح، وحديث علىّ: يا علىّ مَنْ قرأَها تقبل الله منه صلاته، وصيامه، وأَفلح؛ وحديث علىّ: يا علىّ مَنْ قرأَها تقبل الله منه صلاته، وصيامه، وجَعَله فى الجنَّة رفيق إِسماعيل، وله بكل آية قرأَها مثلُ ثواب إِسماعيل.
стр. 333
بصيرة فى.. سورة أنزلناها
السّورة مدنيَّة بالاتِّفاق. عدد آياتها أَربع وستّون فى العراقىّ والشامىّ، واثنتان فى الحجازى. كلماتها أَلف وثلثمائة وستة عشر. وحروفها خمسة آلاف وستمائة وثمانون. المختلف فيها آيتان: ﴿بالغدو والآصال﴾ و ﴿يَذْهَبُ بالأبصار﴾ .
مجموع فواصل آياتها (لم نربّ) على الَّلام آية واحدة ﴿بالغدو والآصال﴾ وعلى الباءِ آيتان ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ و ﴿سَرِيعِ الحِسَابِ﴾ سميت سورة النُّور، لكثرة ذكر النور فيها (الله نور.. مثل نوره.. نور على نورٍ يهدى الله لنورهِ.. ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) .
مقصود السّورة ومعظمُ ما اشتملت عليه: بيان فرائض مختلفَة، وآداب حدّ الزَّانى والزَّانية، والنَّهى عن قَذْف المحصنات، وحكم القذف، واللِّعان، وقصّة إِفك الصّدّيقة، وشكاية المنافقين، وخوضهم فيه، وحكاية حال المخلصِين فى حفظ اللِّسان، وبيان عظمة عقوبة البهتان، وذمّ إِشاعة
стр. 334
الفاحشة، والنهى عن متابعة الشيطان، والمِنَّة بتزكية الأَحوال على أَهل الإِيمان، والشفاعة لمِسْطحٍ إِلى الصّديق، فى ابتداءِ الفضل والإِحسان، ومدح عائشة بأَنَّها حَصَان رَزَان، وبيان أَن الطيّبات للطيّبين، ولعن الخائضين فى حديث الإِفك، والنَّهى عن دخول البيوت بغير إِذن وإِيذان، والأَمر بحفظ الفروج، وغضِّ الأَبصار، والأَمر بالتَّوبة لجميع أَهل الإِيمان، وبيان النكاح وشرائطه، وكراهة الإِكراه على الزِّنا، وتشبيه المعرفة بالسّراج والقنديل، وشجرة الزيتون، وتمثيل أَعمال الكفار، وأَحوالهم، وذكر الطّيور، وتسبيحهم، وأَورادهم، وإِظهار عجائب صُنْع الله فى إِرسال المطر، وتفصيل أَصناف الحيوان، وانقياد أَمر الله تعالى بالتَواضع والإِذْعان، وخلافة الصّديق، وصلابة الإِخوان، وبيان استئذان الصّبيان، والعُبْدَان، ورفع الحَرَج عن العُمْيَان، والزَّمْنى، والعُرْجان، والأَمر بحرمة سيّد الإِنس والجانّ، وتهديد المنافقين، وتحذيرهم من العصيان، وخَتم السّورة بأَن لله المُلْك والملكوت بقوله ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ إِلى قوله ﴿عَلِيمُ﴾ .
стр. 335
الناسخ والمنسوخ:
فيها من المنسوخ ستُّ آيات ﴿وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً﴾ م ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ﴾ ن ﴿والزانية لاَ يَنكِحُهَآ﴾ م ﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى﴾ ن. وقيل: محكمة ﴿والذين يَرْمُونَ﴾ م ﴿والخامسة أَنَّ﴾ ن ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ﴾ العموم فيه م ﴿والقواعد مِنَ النسآء﴾ ن الخصوص ﴿عَلَيْهِ مَا حُمِّل﴾ م آية السّيف ن ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ﴾ م ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطفال﴾ ن.
المتشابهات:
قوله تعالى ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾
стр. 336
محذوف الجواب، تقديره: لفَضَحكم. وهو متصل ببيان حكم الزانيين، وحكم القاذف وحكم اللِّعان. وجواب لولا محذوفاً أَحسن منه ملفوظاً به. وهو المكان الذى يكون الإِنسان فيه أَفصح ما يكون (إِذا سكت) .
وقوله بعده: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ فحذف الجواب أَيضاً. وتقديره: لعجّل لكم العذاب. وهو متصل بقصّتها رضى الله عنها، وعن أَبيها. وقيل دَلَّ عليه قولُه ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدنيا والآخرة لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وقيل: دلَّ عليه قوله: ﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾ وفى خلال هذه الآيات ﴿لولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون﴾ ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ ﴿ولولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ وليس هو الدّال على امتناع الشىء لوجود غيره، بل هو للتحضيض؛ قال الشاعر:
تعدُّون عَقر النِّيب أَفضل مجدكم ... بنى ضَوْطَرَى لولا الكمىَّ المقنَّعا
وهو فى البيت للتحْضيض. والتحْضِيض يختصّ بالفعْل، والفعل فى البيت مقدّر، تقديره: هلاَّ تعدُّون الكمىَّ، أَو هلاَّ تعقرون الكمىَّ.
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ﴾ ، وبعده: ﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ﴾ ؛
стр. 337
لأَن اتصال الأَوّل بما قبله أَشدّ: فإِنَّ قوله: (وموعظة) محمول ومصروف إِلى قوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ ، وإِلى قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ ، ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ﴾ فاقتضى الواو؛ ليعلم أَنَّه عطف على الأَوّل، واقتضى بيانه بقوله: (إِليكم) ليعلم أَنَّ المخاطبين بالآية الثانية هم المخاطبون بالآية الأُولى. وأَما الثَّانية فاستئناف كلام، فخصّ بالحذف.
قوله: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ﴾ إِنَّما زاد (منكم) ؛ لأَنَّهم المهاجِرون. وقيل: عامّ، و (مِن) للتبيين.
قوله: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطفال﴾ ختم [الآية] بقوله: ﴿كذلك يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ﴾ وقبلها وبعدها ﴿لَكُمْ الآيَاتِ﴾ ؛ لأَنَّ الذى قبلها والذى بعدها يشتمل على علامات يمكن الوقوف عليها. وهى فى الأُولى ﴿ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صلاة الفجر وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم مِّنَ الظهيرة وَمِن بَعْدِ صلاة العشآء﴾ وفى الأُخرى ﴿مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ الآية فعدّ فيها آيات كلُّها معلومة، فختم الآيتين بقوله ﴿لَكُمُ الآيات﴾ . ومثله ﴿يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ وَيُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات﴾ يعنى حَدّ الزَّانين وحدّ القاذفين، فختم بالآيات. وأَمَّا بلوغ الأَطفال فلم يذكر له علامات يمكن الوقوف عليها، بل تفرّد سبحانه بعلم ذلك، فخصّها بالإِضافة إِلى نفسه، وختم كلّ آية بما اقتضاها أَوّلها.
стр. 338
فضل السّورة
فيه حديث أُبىّ المستضعف "من قرأ سورة النور أُعطِى من الأَجر عشرَ حسنات، بعدد كلّ مؤمن فيما مضى، وفيما بقى" وحديث: "لا تُنزلوا النساءَ الغُرَف ولا تعلِّموهنّ الكتابة، وعلِّموهن الغَزْل وسورة النور" وحديث علىّ: "يا علىّ مَن قرأَ سورة النّور نوّر الله قلبه، وقبره، وبيّض وجهه، وأَعطاه كتابه بيمينه وله بكلّ آية قرأَها مثل ثواب مَن مات مبطوناً".
стр. 339
بصيرة فى.. تبارك الذى نزل الفرقان
السّورة مكِّيَّة بالاتِّفاق. وعدد آياتها سبع وسبعون. وكلماتها ثمانمائة واثنتان وسبعون. وحروفها ثلاثة آلاف وسبعمائة وثلاث وثلاثون. مجموع فواصل آياتها (لا) على اللاَّم منها آية واحدة: ﴿ضَلُّوا السبيل﴾ سمّيت سورة الفرقان لأَنَّ فى فاتحتها ذكرَ الفرقان فى قوله ﴿نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ﴾ .
مقصود السّورة ومعظمُ ما اشتملت عليه: المِنَّة بإِنزال القرآن، ومنشور رسالة سيّد ولد عدنان، وتنزيهُ الحقّ تعالى من الولد، والشَّريك، وذمُّ الأَوثان، والشكاية من المشركين بطعنهم فى المرسلين، بأَكل الطَّعام فى أَخسّ مكان، واستدعائهم مُحالات المعجِزات من الأَنبياءِ كلَّ أَوان، وذُلّ المشركين فى العذاب والهوان، وعِزّ المؤمنين فى ثوابهم بفراديس الجِنَان، وخطاب الحق مع الملائكة فى القيامة تهديداً لأَهل الكفر والطُّغيان، وبشارة الملائكة للمجرمين بالعقوبة فى النِّيران، وبطلان أَعمال الكفَّار يوم يُنصب الميزان، والإِخبار بمقَرّ المؤمنين فى درجات الجِنَان، وانشقاق السّماوات بحكم الهَوْل وسياسة العُبْدان، والإِخبار عن ندامة الظَّالمين يوم الهيبة ونطق الأَركان، وذكر الترتيب والترتيل فى نزول القرآن، وحكاية حال القُرُون الماضية، وتمثيل الكفَّار بالأَنعام، أَخسّ الحيوان، وتفضيل الأَنعام
стр. 340
عليهم فى كلِّ شان، وعجائب صنع الله فى ضمن الظلّ والشَّمس وتخليق اللَّيل، والنَّهار، والآفات، والأَزمان، والمِنَّة بإِنزال الأَمطار، وإِنبات الأِشجار فى كلّ مكان، وذكر الحُجّة فى المياه المختلِفة فى البحَار، وذكر النَّسب، والصهر، فى نوع الإِنسان، وعجائب الكواكب، والبروج، ودَوْر الفلك، وسير الشمس، والقمر، وتفصيل صفات العباد، وخواصّهم بالتَّواضع، وحكم قيام اللَّيل، والاستعاذة من النِّيران، وذكر الإِقتار، والاقتصاد فى النفقة، والاحتراز من الشرك والزِّنى وقتل النَّفس بالظُّلم والعدوان، والإِقبال على التَّوبة، والإِعراض عن اللَّغو، والزُّور، والوعد بالغُرَف للصّابرين على عبادة الرّحمن، وبيان أَنَّ الحكمة فى تخليق الخَلْق التضرّع والدّعاء والابتهال إِلى الله الكريم المنَّان، بقوله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ﴾ الآية.
المتشابهات:
قوله: (تبارك) هذه لفظة لا تستعمل إِلاَّ لله تعالى. ولا تستعمل إِلاَّ بلفظ الماضى. وجاءَ فى هذه السّورة فى ثلاثة مواضع ﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان﴾ ﴿تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ﴾ ﴿تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء
стр. 341
بُرُوجاً﴾ ؛ تعظيماً لذكر الله. وخُصّت هذه المواضع بالذكر؛ لأَنَّ ما بعدها عظائم: الأَوّل ذكر الفرقان، وهو القرآن المشتمل على معانى جميع كتاب أَنزله الله، والثانى ذكر النبى الذى خاطبه الله بقوله: (لولاك يا محمّد ما خلقت الكائنات) . والثَّالث ذكر البروج والسيّارات، والشمس والقمر، واللَّيل والنَّهار، ولولاها ما وجد فى الأَرض حيوان، ولا نبات. ومثلها ﴿فَتَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين﴾ ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك﴾ .
قوله: ﴿مِن دُونِهِ﴾ هنا، وفى مريم، ويس: ﴿مِن دُونِ الله﴾ ؛ لأَنَّ فى هذه السّورة وافق ما قبله، وفى السّورتين لوجاءَ (من دونه) لخالف ما قبله؛ لأَنَّ ما قبله فى السّورتين بلفظ الجمع؛ تعظيماً. فصرّح.
قوله: ﴿ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾ قدّم الضرّ؛ موافقة لما قبله وما بعده. فما قبله نفى وإِثبات، وما بعده موت وحياة. وقد سبق.
قوله: ﴿مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ﴾ قدّم النَّفع؛ موافقة لقوله تعالى: ﴿هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ .
قوله: ﴿الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ
стр. 342
استوى عَلَى العرش الرحمان﴾ ومثله فى السّجدة يجوز أَن يكون (الَّذى) فى السّورتين مبتدأ (الرّحمن) خبره فى الفرقان، و ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُوْنِهِ﴾ خبره فى السّجدة، وجاز غير ذلك.
فضل السّورة
فيه الأَحاديث الضعيفة الَّتى منها حديث أُبىّ: مَن قرأَ سورة الفرقان بُعِث يوم القيامة وهو يؤمن أَنَّ السّاعة آتية لا ريب فيها، وأَنَّ الله يَبْعث مَنْ فى القبور، ودخل الجَنَّة بغير حساب. ومن قرأَ هذه السورة يُبعث يوم القيامة آمناً مِن هَوْلِها، ويدخل الجَنَّة بغير نَصَب، وحديث علىّ: يا علىّ من قرأَ ﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ﴾ . فكأَنما قرأَ كلَّ كتاب نزل من السّماءِ، وكأَنما عَبَدَ الله بكلّ آية قرأَها سنَةً.
стр. 343
بصيرة فى.. طسم. تلك الشعراء
السّورة مكِّيَّة، إِلا آية واحدة: ﴿والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون﴾ إِلى آخره. عدد آياتها مائتان وسبع وعشرون فى عدّ الكوفىّ والشامىّ. وست فى عدّ الباقين. كلماتها أَلف ومائتان وسبع وسبعون. وحروفها خمسة آلاف وخمْسمائة وثنتان وأَربعون: الآيات المختلف فيها أَربع طسم ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين﴾ .
مجموع فواصل آياتها (مِلْن) على اللام أَربع، آخرهنّ إِسرائيل وسميت سورة الشعراءِ لاختتامها بذكر هم فى قوله: ﴿والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون﴾ .
مقصود السّورة وجُلّ ما اشتملت عليه: ذكر القَسم ببيان آيات القرآن، وتسلية الرّسول عن تأَخُّر المنكِرين عن الإِيمان، وذكر موسى وهارون، ومناظرة فرعون الملعون، وذكر السّحرة، ومكرهم فى الابتداءِ، وإِيمانهم وانقيادهم فى الانتهاءِ، وسَفَرِ موسى ببنى إِسرائيل من مصر، وطلب فرعون إِيَّاهم، وانفلاق البحر، وإِغراق القِبْط، وذكر الجَبَل، وذكر المناجاة، ودعاءُ إِبراهيم الخليل، وذكر استغاثة الكفَّار من عذاب النيران،
стр. 344
وقصّة نوح، وذكر الطُّوفان، وتعدّى عاد، وذكر هود، وذكر عقوبة ثمود، وذكر قوم لوط، وخُبْثهم، وقصّة شُعيب، وهلاك أَصحاب الأَيْكة، لعبثهم، وتنزيل جبريل على النبىّ بالقرآن العربىّ، وتفصيل حال الأُمم السّالفة الكثيرة، وأَمر الرّسول ﷺ بإِنذار العشيرة، وتواضعه للمؤمنين، وأَخلاقه اللَّينة، وبيان غَوَاية شعراءِ الجاهلية، وأَنَّ العذاب منقلَب الذين يظلمون فى قوله ﴿وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ .
الناسخ والمنسوخ:
المنسوخ فى هذه السّورة آية واحدة: ﴿والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون﴾ العموم م ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ ن الخصوص.
المتشابهات:
قوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرحمان مُحْدَثٍ﴾ سبق فى الأَنبياءِ. ﴿فَسَيَأْتِيهِم﴾ سبق فى الأَنعام، وكذا ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ﴾ وما تعلَّق بقصّة موسى وفرعون سبق فى الأَعراف.
قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ مذكور فى ثمانية مواضع: أَوّلها فى محمّد ﷺ ، وإِن لم يتقدّم ذكرُه صريحاً، فقد تقدّم كناية
стр. 345
ووضوحاً، والثانية فى قصّة موسى، ثمَّ إبراهيم، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شُعيب.
قوله ﴿أَلاَ تَتَّقُونَ﴾ إِلى قوله: ﴿العَالَمِيْنَ﴾ مذكور فى خمسة مواضع: فى قصّة نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشُعيب ﵈. ثمَّ كرّر ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾ فى قصّة نوح، وهود، وصالح فصار ثمانية مواضع. وليس فى ذكر النبىّ ﷺ ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ ؛ لذكرها فى مواضع. وليس فى قصّة موسى؛ (لأَنَّه ربَّاه فرعون حيث قال: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِيْنَا وَلِيْدًا﴾ ولا فى قصة إِبراهيم، لأَن أَباه فى المخاطبين حيث يقول: ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيْهِ وَقَوْمِهِ﴾ وهو ربَّاه، فاستحيا موسى) وإبراهيم أَن يقولا: ما أَسأَلكم عليه من أَجر، وإِن كانا منزَّهَيْن من طلب الأَجر.
قوله: فى قصّة إِبراهيم: ﴿مَا تَعْبُدُوْنَ﴾ وفى الصافات ﴿مَاذَا تَعْبُدُوْنَ﴾ لأَنَّ (ما) لمجرّد الاستفهام، فأَجابوا فقالوا: ﴿نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ و (ماذا) فيه مبالغة، وقد تضمّن فى الصّافَّات معنى التوبيخ، فلمَّا وبَّخهم ولم يجيبوا،
стр. 346
زاد فى التوبيخ فقال: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العالمين﴾ فجاءَ فى كلّ سورة ما اقتضاه ما قبله وما بعده.
قوله: ﴿الذي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ والذي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ زاد (هو) فى الإِطعام، والشِّفاءِ؛ لأَنهما ممَّا يدَّعى الإِنسان، فيقال: زيد يُطعم، وعمرو يداوى. فأَكد؛ إِعلاماً لأَنَّ ذلك منه لا من غيره. وأَمَّا الخَلْق والموت، والحياة، فلا يدَّعيها مدّع، فأَطلق.
قوله فى قصّة صالح: ﴿مَآ أَنتَ﴾ بغير واو، وفى قصّة شعيب: ﴿وَمَآ أَنتَ﴾ لأَنَّه فى قصّة صالح بَدَل من الأَول، وفى الثانية عطف، وخُصّت الأُولى بالبدل؛ لأَنَّ صالحاً قلَّل فى الخطاب، (فقللوا فى الجواب) وأَكثر شعيب فى الخطاب، فأَكثروا فى الجواب.
فضل السّورة
فيه حديث أَبىّ الواهى: مَن قرأَ سورة الشُّعراءِ كان من له الأَجر عشرُ حسنات، بعدد مَنْ صَدّق بنوح، وكَذَّب به، وهود، وشعيب، وصالح، وابراهيم، وبعدد مَنْ كذَّب بعيسى، وصدَّق بمحمّد ﷺ ، وحديث علىّ: يا علىّ مَنْ قرأَ هذه السّورة كان موته موت الشُّهداءِ، وله بكلِّ آية قرأَها مثل ثواب امرأَة فرعون آسية.
стр. 347
بصيرة فى.. طس. تلك آيات القرآن
السّورة مكِّيّة بالاتِّفاق، عدد آياتها خمس وتسعون فى عدّ الحجاز، وأَربع فى عدّ الشام، والبصرة، وثلاث فى عدّ الكوفة، كلماتها أَلف ومائة وتسع وأَربعون. وحروفها أَربعة آلاف وسبعمائة وتسع وتسعون. والآيات المختلف فيها ﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ، ﴿مِّن قَوارِيرَا﴾ ، مجموع فواصل آياتها (من) وسميت سورة النَّمل؛ لاشتمالها على مناظرة النَّمل سليمان فى قوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ ياأيها النمل ادخلوا﴾ .
مقصود السّورة ومعظم ما تضمّنته: بيان شرف القرآن، وما منه نصيب أَهل الإِيمان، والشكاية من مكر أَهل الشرك والعصيان، وإِشارة إِلى ذكر الوادى المقدّس وموسى بن عمران، وذكر خبر داود وسليمان، وفَضْل الله تعالى عليهما بتعليمهما منطق الطَّير وسائر الحيوان، وقصّة النَّمل، وذكر الهدهد وخبر بِلْقِيس، ورسالة الهدهد إِليها من سليمان، ومشاورتها أَركانَ الدّولة، وبيان أَثر الملوك إِذا نزلوا فى مكان، وإِهداء بِلْقيس إِلى سليمان، وتهديده لها، ودعوة آصَف لإِحضار تخت بِلْقِيس فى أَسرع زمان، وتغيير حال العرش لتجربتها وإِسلامها على يدى سليمان، وحديث صالح ومكر
стр. 348
قومه فى حقِّه، وطَرَف من حديث قوم لوط أَولى الطغيان، والبرهان فى الحدائق، والأَشجار، والبحار، والأَنهار، وإِجابة الحق دعاءَ أَهل التَّضرّع، والابتهال إِلى الرّحمن، وهداية الله الخَلْقَ فى ظلمات البرّ، والبحر، واطلاع الحق تعالى على أَسرار الغيب، وتسلية الرّسول ﷺ فى إِعراض المنكرين من قبول القرآن، وقبول الإِيمان، وخروج الدَّابَّة، وظهور علامة القيامة، والإِخبار عن حال الجبال فى ذلك اليوم، وبيان جزاء المجرمين، وإِعراض الرّسول عن المشركين، وإِقباله على القرآن الكريم، وأَمر الله له بالحمد على إِظهار الحجة، أَعنى القرآن فى قوله ﴿وَقُلِ الْحَمْدُللهِ سَيُرِيْكُمْءَايَاتِهِ﴾ .
الناسخ والمنسوخ:
فى هذه السّورة آية واحدة م ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ القرآن﴾ ن آية السّيف.
المتشابهات:
قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ﴾ ، وفى القصص وطه ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا﴾ الآية، قال فى هذه السّورة ﴿سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ فكرّر (ءاتيكم) فاستثقل الجمع بينهما وبين ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا﴾ فعدل إِلى قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهَا﴾ بعد أَن كانا بمعنى واحد. وأَمَّا فى السّورتين فلم يكن ﴿إِلا سَآتِيكُمْ﴾ ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا﴾ .
стр. 349
قوله: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ وفى القصص ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ ؛ لأَنَّ فى هذه السّورة ﴿نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النار وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ الله رَبِّ العالمين ياموسى إِنَّهُ أَنَا الله العزيز الحكيم وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فحيل بينهما بهذه الجملة فاستُغنى عن إِعادة (أَن) ، وفى القصص: ﴿أَن ياموسى إني أَنَا الله رَبُّ العالمين وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فلم يكن بينهما جملة أُخرى عُطِف بها على الأَوّل، فحسُن إِدْخال (أَن) .
قوله: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ ، وفى القصص: ﴿أَقْبِلْ وَلاَ تَخَفْ﴾ خُصّت هذه السّورة بقوله: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ لأَنَّه بُنى على ذكر الخوف كلام يليق بهِ، وهو قوله: ﴿إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُوْنَ﴾ ، وفى القصص اقتُصِر على قوله: ﴿لاَ تَخَفْ﴾ ، ولم يُبْن عليه كلام، فزيد قبله ﴿أَقْبِلْ﴾ ؛ ليكون فى مقابلة ﴿مُدْبِرًا﴾ أَى أَقبل آمناً غير مُدْبِر، ولا تخف، فخصّت هذه السّورة به.
قوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء﴾ ، وفى القصص: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ خُصّت هذه السّورة بـ (أَدخل) ؛ لأَنه أَبلغ من قوله: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾ ، لأَن (اسلُكْ) يأْتى لازماً، ومتعدِّياً، وأَدْخِلْ متعدٍّ لا غير، وكان فى هذه السّورة ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ أَى مع تسع آيات مرسلاً إِلى فرعون. وخصّت القَصَص بقوله ﴿اسْلُكْ﴾ موافقة لقوله ﴿اضْمُمْ﴾ ثم قال: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ (وكان) دون الأَوّل فخُصّ بالأَدْوَنِ من الَّلفظين.
стр. 350
قوله ﴿إلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ ، وفى القصَص: ﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ﴾ ؛ لأَنَّ الملأَ أَشراف القوم، وكانوا فى هذه السّورة موصوفين بما وصفهم الله به من قولهم ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُواْ هاذا سِحْرٌ مُّبِينٌ وَجَحَدُواْ بِهَا﴾ الآية فلم يسمّهم ملأً، بل سمّاهم قوماً. وفى القَصَص لم يكونوا موصوفين بتلك الصّفات، فسمّاهم ملأً وعقبهُ ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ياأيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إلاه غَيْرِي﴾ . وما يتعلَّق بقصّة موسى سوى هذه الكلمات قد سبق.
قوله: ﴿وَأَنجَيْنَا الذين آمَنُواْ﴾ وفى حم ﴿وَنَجَّيْنَا الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يتَّقُونَ﴾ ونجينا وأَنجينا بمعنى واحد. وخُصّت هذه السُّورة بأَنجينا؛ موافقة لما بعده وهو: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ وبعده: ﴿وَأَمْطَرْنَا﴾ ، ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ كلّه على لفظ أَفعل. وخصّ حم بنجيّنا؛ موافقة لما قبله: [وزيّنا] وبعده ﴿وقَيَّضْنَا لَهُمْ﴾ وكلَّه على لفظ فعَّل.
قوله: ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ﴾ سبق.
قوله: ﴿أإلاه مَّعَ الله﴾ فى خمس آيات، وختم الأُولى بقوله: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ثم قال: ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ثم قال ﴿تَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ثم ﴿هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ
стр. 351
صَادِقِينَ﴾ أَى عَدَلوا وأَوّل الذنوب العدول عن الحقَّ، ثم لم يعلموا ولو علموا لَمَا عَدَلوا ثم لم يَذكَّروا فيَعْلموا بالنَّظر والاستدلال، فأَشركوا من غير حُجّة وبرهان. قُلْ لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إِن كنتم صادقين.
قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات﴾ وفى الزُّمر: ﴿فَصَعِقَ﴾ : خُصَّت هذه السورة بقوله ﴿فَزَعِ﴾ موافقة لقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ مَيِّتُوْنَ﴾ ، وخُصّت الزُّمر بقوله: ﴿فَصَعَقَ﴾ موافقة لقوله ﴿إِنَّهُمْ مَيِّتُوْنَ﴾ ؛ لأَن معناه: مات.
فضل السّورة
رُويتْ أَحاديث ضعيفة منها حديث أُبىَّ: مَن قرأَ طس كان له من الأَجر عشرُ حسنات. بعَدَد مَنْ صدَّق سليمان، وكذَّب به، وهود، وشعيب، وإِبراهيم، ويخرج من قبره وهو ينادى: لا إِله إِلاَّ الله؛ وحديث علىّ: يا علىّ مَن قرأَ طس النَّمل أَعطاه الله بكلِّ سجدة يسجد بها المؤمنون ثواب المؤمنين كلهم، وله بكلِّ آية ثوابُ المتوكلين.
стр. 352
بصيرة فى.. طسم. القصص
السورة مكِّيّة بالاتِّفاق. عدد آياتها ثمان وثمانون وكلماتها أَلف وأَربعمائة وواحدة. وحروفها خمسة آلاف وثمانمائة الآيات المختلف [فيها] اثنتان: طسم، يَسْقُون. فواصل آياتها (لم تر) وسميت سورةَ القَصَص؛ لاشتمالها عليها فى قوله: ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص﴾ أَى قصّ موسى على شُعَيب.
مقصود السورة: بيانُ ظلم فرعون بنى إسرائيل، وولادة موسى، ومحبة آسية له، وردّ موسى على أُمّه، وحديث القبطى، والإِسرائيلى، وهجرة موسى من مصر إِلى مَدْيَن، وسَقْيه لبنات شُعيب، واستئجار شعيب موسى، وخروج موسى من مَدْين، وظهور آثار النبوّة، واليد البيضاء، وقلب العصا، وإِمدادُ الله تعالى له بأَخيه هارون، وحيلة هامان فى معارضة موسى، وإِخبار الله تعالى عمّا جرى فى الطُّور، ومدح مؤمنى أَهل الكتاب، وقصّة إِهلاك القرون الماضية، ومناظرة المشركين يوم القيامة، واختيار الله تعالى ما شاءَ، وإِقامة البرهان على وجود الحق إِيّاه بالقهر، ووعد الرسول ﷺ بالرجوع إِلى مكة،
стр. 353
وبيان أَنَّ كلَّ ما دون الحقِّ فهو فى عُرْضة الفناء والزَّوال، وأَنَّ زمام الحكم بيده (تعالى) فى قوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
الناسخ والمنسوخ:
المنسوخ فيها آية واحدة. ﴿لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ م آية السّيف ن.
المتشابهات:
قوله ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ واستوى آتَيْنَاهُ﴾ أَى كمَّل أَربعين سنة. وقيل: كَمُل عقلُه. وقيل: خرجت لحيته. وفى يوسف ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ فحسب؛ لأَنه أُوحى إِليه فى صِباه. قوله: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة﴾ ، وفى يس: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ﴾ قيل: اسمه خربيل مؤمن من آل فرعون، وهو النجار. وقيل شمعون وقيل: حبيب. وفى يس هو هو. قوله: ﴿مِّنْ أَقْصَى المدينة﴾ يحتمل ثلاثة أَوجه. أَحدها أَن يكون (من أَقصى المدينة) صفة لرجل، والثانى أَن يكون صلى لجاءَ.
стр. 354
والثالث أَن يكون صلى ليسعى. والأَظهر فى هذه السّورة أَن يكون وصفاً، وفى يس أَن يكون صلة. وخصّت هذه السّورة بالتقديم؛ لقوله تعالى قبله: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلاَنِ يَقْتَتِلاَنِ﴾ ثم قال: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ﴾ وخصّت سورة يس بقوله ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة﴾ لِمَا جاءَ بالتفسير أَنَّه كان يعبد الله فى جبل، فلمّا سمع خبر الرُّسل سعى مستعجلاً. قوله ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [وفى الصافات: ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ، لأَنَّ ما هنا من كلام شعيب، والمعنى: ستجدنى من الصالحين] فى حسن العشرة، والوفاءِ بالعهد، وفى الصَّافات من كلام إِسماعيل حين قال له أَبوه ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ فانظر مَاذَا ترى﴾ فَأَجاب ﴿ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين﴾ أَى على الذبح.
قوله: ﴿ربي أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ﴾ وبعده: ﴿مَن جَآءَ﴾ بغير باءٍ. الأَوّل هو الوجه؛ لأَن (أَعلم) هذا فيه معنى الفعل، ومعنى الفعل لا يعمل فى المفعول به، فزيد بعده باء؛ تقويةً للعمل. وخُصَّ الأَوّل بالأَصل، ثم حذف من الآخر الباءُ؛ اكتفاءً بدلالة الأَول عليه. ومحلُّهُ نصب بفعل آخر، أَى يعلم مَن جاءَ بالهدى. ولم يقتض تغييراً، كما قلنا فى الأَنعام؛ لأَنَّ دلالة الأَول قام مقام التغيير. وخصّ الثانى؛ لأَنه فرع.
стр. 355
قوله: ﴿لعلي أَطَّلِعُ إلى إلاه موسى﴾ وفى المؤْمن ﴿لعلي أَبْلُغُ الأسباب أَسْبَابَ السماوات فَأَطَّلِعَ إلى إلاه موسى﴾ ، لأَن قوله ﴿أَطَّلِعُ إلى إلاه موسى﴾ فى هذه السّورة خبر لعلَّ، وفى المؤْمن عطف على خبر ﴿أَبْلُغُ الأسباب﴾ وجعل قوله ﴿أَبْلُغُ الأسباب﴾ خبر لعلَّ، ثم أَبدل منه ﴿أَسْبَابَ السماوات﴾ وانما زاد ليقع فى مقابلة قوله ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ﴾ ، لأَنه زعم أَنَّه إِله الأَرض، فقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إلاه غَيْرِي﴾ أَى فى الأَرض؛ أَلا ترى أَنَّه قال: ﴿فَأَطَّلِعَ إلى إلاه موسى﴾ فجاءَ فى كلِّ سورة على ما اقتضاه ما قبله.
قوله: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكاذبين﴾ وفى المؤْمن ﴿كَاذِبًا﴾ لأَن التقدير فى هذه السورة: وإنى لأَظنه كاذبا من الكاذبين، فزيد ﴿مِنَ الكاذبين﴾ لرءُوس الآى، ثم أَضمر (كاذباً) ؛ لدلالة (الكاذبين) عليه. وفى المؤْمن جاءَ على الأَصل، ولم يكن فيه موجب تغيير.
قوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ﴾ بالواو، وفى الشورى ﴿فَمَآ أُوتِيتُم مِّن﴾ بالفاءِ؛ لأَنه لم يتعلق فى هذه السّورة بما قبله أَشدّ تعلَّق، فاقتُصر على الواو؛ لعطف جملة على جملة، وتعلَّق فى الشُّورى بما قبلها أَشدّ تعلق؛ لأَنَّه عقَّب ما لهم من المخافة بما أُوتوه من الأَمَنة، والفاء حرف التّعقيب.
قوله: ﴿وَزِيْنَتُهَا﴾ ، وفى الشُّورى ﴿فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَّا﴾ فحسب؛ لأَنَّ فى هذه السُّورة ذكر جميع ما بسط من الرزق، وأَعراض الدّنيا،
следующие страницы →