← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9856

بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز

الفيروزآبادي

Полный текст (2 804 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

صَادِقِينَ﴾ أَى عَدَلوا وأَوّل الذنوب العدول عن الحقَّ، ثم لم يعلموا ولو علموا لَمَا عَدَلوا ثم لم يَذكَّروا فيَعْلموا بالنَّظر والاستدلال، فأَشركوا من غير حُجّة وبرهان. قُلْ لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إِن كنتم صادقين. قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور فَفَزِعَ مَن فِي السماوات﴾ وفى الزُّمر: ﴿فَصَعِقَ﴾ : خُصَّت هذه السورة بقوله ﴿فَزَعِ﴾ موافقة لقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ مَيِّتُوْنَ﴾ ، وخُصّت الزُّمر بقوله: ﴿فَصَعَقَ﴾ موافقة لقوله ﴿إِنَّهُمْ مَيِّتُوْنَ﴾ ؛ لأَن معناه: مات. فضل السّورة رُويتْ أَحاديث ضعيفة منها حديث أُبىَّ: مَن قرأَ طس كان له من الأَجر عشرُ حسنات. بعَدَد مَنْ صدَّق سليمان، وكذَّب به، وهود، وشعيب، وإِبراهيم، ويخرج من قبره وهو ينادى: لا إِله إِلاَّ الله؛ وحديث علىّ: يا علىّ مَن قرأَ طس النَّمل أَعطاه الله بكلِّ سجدة يسجد بها المؤمنون ثواب المؤمنين كلهم، وله بكلِّ آية ثوابُ المتوكلين.

стр. 352

بصيرة فى.. طسم. القصص السورة مكِّيّة بالاتِّفاق. عدد آياتها ثمان وثمانون وكلماتها أَلف وأَربعمائة وواحدة. وحروفها خمسة آلاف وثمانمائة الآيات المختلف [فيها] اثنتان: طسم، يَسْقُون. فواصل آياتها (لم تر) وسميت سورةَ القَصَص؛ لاشتمالها عليها فى قوله: ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ القصص﴾ أَى قصّ موسى على شُعَيب. مقصود السورة: بيانُ ظلم فرعون بنى إسرائيل، وولادة موسى، ومحبة آسية له، وردّ موسى على أُمّه، وحديث القبطى، والإِسرائيلى، وهجرة موسى من مصر إِلى مَدْيَن، وسَقْيه لبنات شُعيب، واستئجار شعيب موسى، وخروج موسى من مَدْين، وظهور آثار النبوّة، واليد البيضاء، وقلب العصا، وإِمدادُ الله تعالى له بأَخيه هارون، وحيلة هامان فى معارضة موسى، وإِخبار الله تعالى عمّا جرى فى الطُّور، ومدح مؤمنى أَهل الكتاب، وقصّة إِهلاك القرون الماضية، ومناظرة المشركين يوم القيامة، واختيار الله تعالى ما شاءَ، وإِقامة البرهان على وجود الحق إِيّاه بالقهر، ووعد الرسول ﷺ بالرجوع إِلى مكة،

стр. 353

وبيان أَنَّ كلَّ ما دون الحقِّ فهو فى عُرْضة الفناء والزَّوال، وأَنَّ زمام الحكم بيده (تعالى) فى قوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الحكم وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . الناسخ والمنسوخ: المنسوخ فيها آية واحدة. ﴿لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ م آية السّيف ن. المتشابهات: قوله ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ واستوى آتَيْنَاهُ﴾ أَى كمَّل أَربعين سنة. وقيل: كَمُل عقلُه. وقيل: خرجت لحيته. وفى يوسف ﴿بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ فحسب؛ لأَنه أُوحى إِليه فى صِباه. قوله: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة﴾ ، وفى يس: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ﴾ قيل: اسمه خربيل مؤمن من آل فرعون، وهو النجار. وقيل شمعون وقيل: حبيب. وفى يس هو هو. قوله: ﴿مِّنْ أَقْصَى المدينة﴾ يحتمل ثلاثة أَوجه. أَحدها أَن يكون (من أَقصى المدينة) صفة لرجل، والثانى أَن يكون صلى لجاءَ.

стр. 354

والثالث أَن يكون صلى ليسعى. والأَظهر فى هذه السّورة أَن يكون وصفاً، وفى يس أَن يكون صلة. وخصّت هذه السّورة بالتقديم؛ لقوله تعالى قبله: ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلاَنِ يَقْتَتِلاَنِ﴾ ثم قال: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ﴾ وخصّت سورة يس بقوله ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة﴾ لِمَا جاءَ بالتفسير أَنَّه كان يعبد الله فى جبل، فلمّا سمع خبر الرُّسل سعى مستعجلاً. قوله ﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [وفى الصافات: ﴿مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ ، لأَنَّ ما هنا من كلام شعيب، والمعنى: ستجدنى من الصالحين] فى حسن العشرة، والوفاءِ بالعهد، وفى الصَّافات من كلام إِسماعيل حين قال له أَبوه ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ فانظر مَاذَا ترى﴾ فَأَجاب ﴿ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين﴾ أَى على الذبح. قوله: ﴿ربي أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ﴾ وبعده: ﴿مَن جَآءَ﴾ بغير باءٍ. الأَوّل هو الوجه؛ لأَن (أَعلم) هذا فيه معنى الفعل، ومعنى الفعل لا يعمل فى المفعول به، فزيد بعده باء؛ تقويةً للعمل. وخُصَّ الأَوّل بالأَصل، ثم حذف من الآخر الباءُ؛ اكتفاءً بدلالة الأَول عليه. ومحلُّهُ نصب بفعل آخر، أَى يعلم مَن جاءَ بالهدى. ولم يقتض تغييراً، كما قلنا فى الأَنعام؛ لأَنَّ دلالة الأَول قام مقام التغيير. وخصّ الثانى؛ لأَنه فرع.

стр. 355

قوله: ﴿لعلي أَطَّلِعُ إلى إلاه موسى﴾ وفى المؤْمن ﴿لعلي أَبْلُغُ الأسباب أَسْبَابَ السماوات فَأَطَّلِعَ إلى إلاه موسى﴾ ، لأَن قوله ﴿أَطَّلِعُ إلى إلاه موسى﴾ فى هذه السّورة خبر لعلَّ، وفى المؤْمن عطف على خبر ﴿أَبْلُغُ الأسباب﴾ وجعل قوله ﴿أَبْلُغُ الأسباب﴾ خبر لعلَّ، ثم أَبدل منه ﴿أَسْبَابَ السماوات﴾ وانما زاد ليقع فى مقابلة قوله ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ﴾ ، لأَنه زعم أَنَّه إِله الأَرض، فقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إلاه غَيْرِي﴾ أَى فى الأَرض؛ أَلا ترى أَنَّه قال: ﴿فَأَطَّلِعَ إلى إلاه موسى﴾ فجاءَ فى كلِّ سورة على ما اقتضاه ما قبله. قوله: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكاذبين﴾ وفى المؤْمن ﴿كَاذِبًا﴾ لأَن التقدير فى هذه السورة: وإنى لأَظنه كاذبا من الكاذبين، فزيد ﴿مِنَ الكاذبين﴾ لرءُوس الآى، ثم أَضمر (كاذباً) ؛ لدلالة (الكاذبين) عليه. وفى المؤْمن جاءَ على الأَصل، ولم يكن فيه موجب تغيير. قوله: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ﴾ بالواو، وفى الشورى ﴿فَمَآ أُوتِيتُم مِّن﴾ بالفاءِ؛ لأَنه لم يتعلق فى هذه السّورة بما قبله أَشدّ تعلَّق، فاقتُصر على الواو؛ لعطف جملة على جملة، وتعلَّق فى الشُّورى بما قبلها أَشدّ تعلق؛ لأَنَّه عقَّب ما لهم من المخافة بما أُوتوه من الأَمَنة، والفاء حرف التّعقيب. قوله: ﴿وَزِيْنَتُهَا﴾ ، وفى الشُّورى ﴿فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَّا﴾ فحسب؛ لأَنَّ فى هذه السُّورة ذكر جميع ما بسط من الرزق، وأَعراض الدّنيا،

стр. 356

كلَّها مستوعبة بهذين اللفظين. فالمتاع: ما لا غِنى عنه فى الحياة: من المأَكول، والمشروب، والملبوس، والمسكن، والمنكوح. والزينة: ما يتجمَّل به الإِنسانُ، وقد يُستغنى عنه؛ كالثياب الفاخر، والمراكب الفارهة، والدُّور المجصّصة، والأَطعمة الملبَّقة. وأَمّا فى الشورى فلم يقصد الاستيعاب، بل ما هو مطلوبهم فى تلك الحالة: من النجاة، والأَمْن فى الحياة، فلم يحتج إلى ذكر الزينة. قوله ﴿إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً﴾ وبعده ﴿إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً﴾ قَدَّم اللَّيل على النهار لأَنَّ ذهاب اللَّيل بطلوع الشَّمس أَكثر فائدة من ذهاب النَّهار بدخول اللَّيل، ثم ختم الآية الأُولى بقوله: ﴿أَفَلاَ تَسْمَعُوْنَ﴾ بناءً على اللَّيل، وختم الأُخرى بقوله: ﴿أَفَلاَ تَبْصِرُوْنَ﴾ بناءً على النهار، والنَّهار مبصر، وآية النهار مُبصرة. قوله: ﴿وَيْكَأَنَّ﴾ ﴿وَيْكَأَنَّهُ﴾ ليس بتكرار؛ لأَنَّ كل واحد منهما متصل بغير ما اتَّصل به الآخر. قال ابن عبّاس: وَىْ صلة. وإِليه ذهب سيبويه، فقال: وَىْ: كلمة يستعملها النَّادم بإِظهار ندامته. وهى مفصولة من (كَأَنَّهُ) . وقال الأَخفش: أَصله وَيْكَ (وَأَنَّ) بعده منصوب بإِضمار العِلْم، أَى أَعلم أَنَّ الله ... . وقال بعضهم أَصله: ويلك.

стр. 357

وفيه ضعف. وقال الضَّحّاك: الياءُ والكاف صلة، وتقديره وأَنَّ الله. وهذا كلام مزيَّف. فضل السورة رُوِيت الأَحاديث الَّتى لا تُذكر إِلاَّ تنبيها على وَهْنها. منها حديث أُبيّ: من قرأَ طسم القصص لم يبق ملك فى السماوات والأَرض إِلا يشهد له يوم القيامة أَنَّه كان صادقاً أَنَّ كلَّ شىءٍ هالك إِلاَّ وجهه، والحديث الآخر: مَنْ قرأَ سورة القَصَص كان له من الأَجر بعدد من صدَّق موسى وكذَّبه عشر حسنات، وحديث علىّ: يا علىَّ من قرأَ طسم القصص أَعطاه الله من الثواب مثلَ ثواب يعقوب، وله بكلِّ آية قرأَها مدينة عند الله.

стр. 358

بصيرة فى.. ألم. أحسب الناس السّورة مكِّيَّة إِجماعاً. عدد آياتها تسع وستون، بالاتفاق. وكلماتها تسعمائة وثمانون. وحروفها أَربعة آلاف ومائة وخمس وتسعون. المختلف فيها ثلاث: الم ﴿وَتَقْطَعُونَ السبيل﴾ ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ . فواصل آياتها (نمر) . فواصل آياتها (نمر) . على الرَّاءِ آية واحدة (قدير) سمِّيت سورة العنكبوت؛ لتكرُّر ذكره فيه ﴿كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت﴾ . معظم مقصود السّورة: توبيخُ أَهل الدّعوى، وترغيبُ أَهل التَّقوى، والوصيَّة ببرِّ الوالدين للأَبرار، والشكاية من المنافقين فى جُرْأَتهم على حَمْل الأَوزار، والإِشارة إِلى بَلْوَى نوح والخليل، لتسلية الحبيب، وهجرة ابراهيم من بين قومهم إِلى مكان غريب، ووعظ لوط قومَه باختيار الخُبُث، وعدم اتِّعاظهم، وإِهلاك الله إِيَّاهم، والإِشارة إِلى حديث شُعيب، وتعيير عُبَّاد الأَصنام، وتوبيخهم، وتمثيل الصَّنم ببيت العنكبوت، وإِقامة حُجَج التوحيد، ونهى الصّلاة عن الفحشاءِ والمنكر،

стр. 359

وأَدب الجدال مع المنكرين، والمبتدعين، وبيان الحكمة فى كون رسولنا ﷺ أُمِّيّاً، والخبر من استعجال الكفار العذاب وأَن كلَّ نفْس بالضرورة مَيِّت ووعد المؤْمنين بالثواب، وضمان الحقِّ رزق كلِّ دابة، وبيان أَنَّ الدنيا دارُ فناءٍ وممات، وأَن العُقْبى دار بقاءٍ وحياة، وبيان حُرْمة الحَرم وأَمنه، والإِخبار بأَنَّ الجهاد بثمن الهداية، وأَن عناية الله مع أَهل الإِحسان، فى قوله: ﴿والذين جَاهَدُواْ فِينَا﴾ إِلى آخر السّورة. النَّاسخ والمنسوخ: المنسوخ فيها آية واحدة ﴿وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ م ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ن. المتشابهات: قوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْناً﴾ ، وفى لقمان: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ﴾ وفى الأَحقاف ﴿بِوَالِدَيْهِ حُسْناً﴾ الجمهور على أَنَّ الآيات الثلاث نزلت فى سعد بن مالك (وهو سعد بن أَبى وقَّاص) وأَنَّها فى سورة لقمان اعتراض بين كلام لقمان لابنه. ولم يذكر فى لقمان

стр. 360

(حسناً) ؛ لأَنَّ قوله بعده ﴿اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ قام مقامه، ولم يذكر فى هذه السّورة (حمله) ولا (وضعه) ، موافقة لما قبله من الاختصار، وهو قوله: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ، فإِنَّه ذكر فيها جميع ما يقع بالمؤمنين بأَوجز كلام، وأَحسن نظام، ثم قال بعده: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان﴾ أَى أَلزمناه ﴿حَسَنًا﴾ فى حقِّهما، وقياماً بأَمرهما، وإِعراضاً عنهما، وخلافاً لقولهما إِن أَمرَاهُ بالشرك بالله. وذكر فى لقمان والأَحقاف حاله فى حمله ووضعه. قوله ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ ، وفى لقمان: ﴿عَلَى أَن تُشْرِكَ﴾ ؛ لأَنَّ ما فى هذه السُّورة وافق ما قبله لفظاً، وهو قوله ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ - وفى لقمان محمول على المعنى؛ لأَنَّ التقدير: وإِن حملاك على أَن تشرك. قوله: ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ﴾ بتقديم العذاب على الرّحمة فى هذه السّورة فحسْب؛ لأَن إِبراهيم خاطب به نمُرودَ وأَصحابَه، فإِنَّ العذاب وقع بهم فى الدّنيا. قوله: ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء﴾ ، وفى الشُّورى ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض﴾ ؛ لأَنَّ (ما) فى هذه السّورة خطاب لنُمرود

стр. 361

حين صَعِدَ الجَوّ موهِماً أَنه يحاول السّماءَ، فقال له ولقومه: ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض﴾ أَى من فى الأَرض: من الجنّ، والإِنس، ولا مَن فى السّماءِ: من الملائكة، فكيف تُعْجزون الله! وقيل: ما أَنتم بفائتين عليه، ولو هَرَبتم فى الأَرض، أَو صعدتم فى السّماءِ (فقال: ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض وَلاَ فِى السَّمَآءِ﴾ لو كنتم فيها. وما فى الشورى خطاب للمؤْمنين، وقوله: ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فِبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيْكُمْ﴾ يدل عليه. وقد جاءَ ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ فى قوله ﴿والذين ظَلَمُواْ مِنْ هاؤلاء﴾ من غير ذكر الأَرض ولا السّماءِ. قوله: ﴿فَأَنْجَاهُ الله مِنَ النار إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وقال بعده: ﴿خَلَقَ الله السماوات والأرض بالحق إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ فجمع الأُولى، ووحّد الثانية؛ لأَنَّ الأُولى إِشارة إِلى إِثبات النبوّة، وفى النَّبيِّين (صَلوات الله وسلامه عليهم) كثرة، والثَّانى إِشارة إِلى التَّوحيد وهو - سبحانه - واحد لا شريك له. قوله: ﴿إِنَّكُمْ﴾ جمع بين استفهامين فى هذه السّورة. وقد سبق فى الأَعراف. قوله: ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً﴾ ، وفى هود. ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ﴾

стр. 362

بغير (أَن) ؛ لأَنَّ (لمَّا) يقتضى جواباً، وإذا اتَّصل به (أَنْ) دلّ على أَن الجواب وقع فى الحال من غير تراخ؛ كما فى هذه السّورة، وهو قوله: ﴿سياء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ ومثله فى يوسف ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ البشير أَلْقَاهُ على وَجْهِهِ فارتد بَصِيراً﴾ وفى هود اتَّصل به كلام بعد كلام، إِلى قوله: ﴿قَالُواْ يَا لُوْطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكَ﴾ فلمَّا طال لم يحسن دخول أَنْ. قوله: ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً فَقَالَ﴾ هو عطف على قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوْحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ﴾ . قوله: ﴿قُلْ كفى بالله بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ أَخَّره فى هذه السّورة لما وصف. وقد سبق. قوله: ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ وفى القصص ﴿يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ وفى الرّعد والشُّورى: ﴿لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ لأَنَّ ما فى هذه السّورة اتَّصل بقوله: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ الآية، وفيها عموم، فصار تقديره، يبسط الرّزق لمن يشاءُ من عباده أَحياناً، ويقدر له أَحياناً؛ لأَنَّ الضَّمير يعود إِلى (مَن) وقيل: يقدّر له البسط من التقدير. وفى القصص تقديره: يبسط الرّزق لمن يشاءُ ويقدر لمن يشاءُ. وكلُّ واحد منهما غير الآخر، بخلاف الأُولى. وفى السّورتين يحتمل الوجهين فأَطلق.

стр. 363

قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ وفى البقرة والجاثية: ﴿بَعْدِ مَوْتِهَا﴾ لأَنَّ فى هذه السّورة وافق ما قبله وهو ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ فإِنهما يتوافقان وفيه شىء آخر وهو أَنَّ ما فى هذه السورة سؤال وتقرير، والتقرير يحتاج إِلى التحقيق فوق غيره، فقيّد الظرف بمن، فجمع بين طَرَفيه؛ كما سبق. قوله: ﴿لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ [سبق. قوله] : ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُوْنَ﴾ سبق. قوله: ﴿نِعْمَ أَجْرُ العَامِلِيْنَ﴾ بغير واو لاتصاله بالأَول أَشدّ اتصال. وتقديره: ذلك نعم أَجر العاملين. فضل السورة عن أُبىّ رفعه: من قرأَ العنكبوت كان له من الأَجر عشرُ حسنات، بعدد كل المؤمنين، والمنافقين، وحديث علىّ: يا علىّ مَن قرأَها كتب له بكل يهودىّ ونصرانىّ مائةُ حَسَنة، ورُفع له مائةُ درجة، وله بكل آية قرأَها ثوابُ الذين فتحوا بيت المقدس.

стр. 364

بصيرة فى.. ألم. غلبت الروم السورة مكِّيّة إِجماعا. عدد آياتها خمس وستون عند المكِّيّين، وستُّون عند الباقين وكلماتها ثمانمائة وسبع وحروفها ثلاثة آلاف وخمسمائة وثلاثون، والآيات المختلف فيها أَربع: أَلم ﴿غُلِبَتِ الروم﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِيْنَ﴾ ، ﴿يُقْسِمُ المجرمون﴾ فواصل آياتها نمر، على الراءِ آيتان ﴿قَدِيْر﴾ فى موضعين. وسميت سورة الروم لما فيها من ذكر غلبة الروم. معظم مقصود السورة: غلبة الروم على فارس، وعَيْب الكفار فى إِقبالهم على الدنيا، وأَخبار القرون الماضية، وذكر قيامة الساعة، وآيات التوحيد، والحجج المترادِفة الدالَّة على الذات والصفات، وبيان بعث القيامة، وتمثيل حال المؤمنين والكافرين، وتقرير المؤمنين على الإِيمان، والأَمر بالمعروف، والإِحسان إِلى ذوى القربى، ووعد الثواب على أَداءِ الزكاة، والإِخبار عن ظهور الفساد فى البر والبحر، وعن آثار القيامة، وذكر عجائب الصنع فى السحاب والأَمطار، وظهور آثار الرحمة فى الربيع، وإِصرار الكفار على الكفر، وتخليق الله الخلق مع الضعف والعجز، وإِحياءُ الخلق بعد

стр. 365

الموت، والحشر والنشر، وتسلية رسول الله ﷺ ، وتسكينه عن جفاءِ المشركين وأَذاهم فى قوله: ﴿وَلاَ يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِيْنَ لاَ يُوْقِنُوْنَ﴾ . الناسخ والمنسوخ: فيها من المنسوخ آية واحدة: ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ م آية السيف ن) . المتشابهات: قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأرض﴾ ، وفى فاطر وأَوّل المؤمن بالواو، وفى غيرهنَّ بالفاءِ، لأَنَّ ما قبلها فى هذه السّورة ﴿أَوْلَمْ يَتَفَكَّرُواْ﴾ وكذلك ما بعدها (وأَثاروا) بالواو، فوافق ما قبلها، وما بعدها، وفى فاطر أَيضاً وافق ما قبله وما بعده، فإِنَّ قبله ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلاً﴾ ، وبعدها ﴿وَمَا كَانَ الله﴾ ، وكذلك أَوّل المؤمن [قبله] ﴿وَالَّذِيْنَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ وأَمّا آخر المؤمن فوافق ما قبله وما بعده، وكان بالفاءِ، وهو قوله: ﴿فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُونَ﴾ ، وبعده ﴿فَمَآ أغنى عَنْهُم﴾ . قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ كانوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ متَّصل بكَوْن آخَر مضمر وقوله: ﴿كانوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ :

стр. 366

إِخبارٌ عمَّا كانوا عليه قبل الإِهلاك، وخصّت هذه السّورة بهذا النسق لمّا يتَّصل به من الآيات بعده وكلّه إِخبار عمَّا كانوا عليه وهو ﴿وَأَثَارُواْ الأَرْضَ وَعَمَرُوْهَا﴾ وفى فاطر: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ وَكانوا﴾ بزيادة الواو، لأَنَّ التَّقدير: فينظروا كيف أُهلِكوا وكانوا أَشدَّ منهم قوّة. وخصّت [هذه] السّورة به لقوله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ﴾ الآية. وفى المؤْمن ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْ كانوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُم قُوَّةً﴾ فأَظهر (كان) العامل فى (من قبلهم) وزاد (هم) لأَنَّ فى هذه السّورة وقعت فى أَوائل قصّة نوح، وهى تَتِمُّ فى ثلاثين آية، فكان اللائق به البسط، وفى آخر المؤمن ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ كانوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ فلم يبسط القول؛ لأَن أَوّل السّورة يدلّ عليه. قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ ، وختم الآية بقوله ﴿يَتَفَكَّرُوْنَ﴾ ؛ لأَنَّ الفكر يؤدى إِلى الوقوف على المعانى التَّى خُلِقَت لها: من التوانس، (والتجانس) ، وسكون كلّ واحد منهما إِلى الآخر. قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات والأرض﴾ ، وختم بقوله ﴿لِلْعَالَمِيْنَ﴾ لأَن الكل تظلّهم السّماء، وتُقِلهم الأَرض، فكل واحد منفردٌ بلطيفة فى صورته يمتاز بها عن غيره؛ حتى لا ترى اثنين فى أَلف يتشابه

стр. 367

صورتاهما ويلتبس كلاهما؛ وكذلك ينفرد كلّ واحد بدقيقة فى صورته، يتميّز بها من بين الأَنام، فلا ترى اثنين يشتبهان. وهذا يشترك فى معرفته النَّاس جميعاً. فلهذا قال ﴿لآَيَاتٍ لِلْعَالَمِيْنَ﴾ . ومن حمل اختلاف الأَلسن على اللغات، واختلاف الأَلوان على السّواد والبياض، والشُّقْرة، والسّمرةِ، فالاشتراك فى معرفتها أَيضاً ظاهر. ومن قرأَ ﴿لِلْعَالَمِيْنَ﴾ بالكسر فقد أَحسن، لأَنَّ بالعلم يمكن الوصول إِلى معرفة ما سبق ذكره. قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بالليل والنهار﴾ وختم بقوله ﴿يَسْمَعُوْنَ﴾ فإِن مَن سمع أَنَّ النوم مِن صنع الله الحكيم لا يقدر أَحد على اجتلابه إِذا امتنع، ولا على دفعه إِذا ورد، تيقَّن أَنَّ له صانعاً مدبِّراً. قال الإِمام: معنى (يسمعون) هاهنا: يستجيبون إِلى ما يدعوهم إِليه الكتابُ. وختم الآية الرّابعة بقوله ﴿يَعْقِلُوْنَ﴾ لأَن العقل مِلاك الأَمر فى هذه الأَبواب، وهو المؤدِّى إِلى العلم، فختم بذكره. قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ﴾ أَى أَنَّه يريكم. وقيل: تقديره: ويريكم من آياته البرق. وقيل: أَن يُرِيكم، فلمَّا حُذِفَ (أَنْ) سكن الياءُ وقيل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ كلام كافِ؛ كما تقول: منها كذا، ومنها كذا ومنها ... . وتسكت، تريد بذلك الكثرة.

стр. 368

قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ﴾ وفى الزمر ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُواْ﴾ لأَن بسط الرزق مِمَّا يشاهَد ويرى، فجاءَ فى هذه السّورة على ما يقتضيه اللَّفظ والمعنى. وفى الزمر اتَّصل بقوله ﴿أُوتِيْتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ وبعده: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُوْنَ﴾ (فحسن "أَو لم يعلموا". قوله: ﴿وَلِتَجْرِيَ الفلك بِأَمْرِهِ﴾ ، وفى الجاثية: ﴿فِيْهِ بِأَمْرِهِ﴾ ، لأَنَّ فى هذه السّورة تقدّم ذكر الرّياح، وهو قوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالمطر، وإِذاقة الرّحمة، ولتجرى الفلك بالرياح بأَمر الله تعالى. ولم يتقدّم ذكر البحر. وفى الجاثية تقدّم ذكر البحر، وهو قوله: ﴿الله الذي سَخَّرَ لَكُمُ البحر﴾ فكنى عنه، فقال: ﴿لِتَجْرِيَ الفلك فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾ . * * * (فضل السورة. فيه الأَحاديث الساقطة. عن أُبىّ من قرأَ سورة الروم كان له من الأَجر عشر حسنات بعدد كل مَلك سبّح الله فى السماءِ والأَرض، وأَدرك ما ضيّع فى يومه وليلته) وحديث علىّ: يا علىّ مَن قرأَ غلبت الرّوم كان كمَن أَعتق بعدد أَهل الرّوم، وله بكلّ آية قرأَها مثلُ ثواب الَّذين عَمروا بيت المقدس.

стр. 369

بصيرة فى.. الم. لقمان السّورة مكِّيَّة، سوى آيتين: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ﴾ إِلى آخر الآيتين. عدد آياتها ثلاث وثلاثون عند الحجازيِّين، وأَربع عند الباقين. وكلماتها خمسمائة وثمانٍ وأَربعون. وحروفها أَلفان ومائة وعشر. المختلف فيها آيتان: الم ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ . فواصل آياتها (ظن مرد) و (مد نظر) على الدال منها آية واحدة: ﴿غَنِيٌ حَمِيدٌ﴾ ، وعلى الظَّاءِ آية: ﴿عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ . سمِّيت سورة لقمان لاشتمالها على قصّته. معظم مقصود السّورة: بشارة المؤمنين بنزول القرآن، والأَمر بإِقامة الصَّلاة، وأَداءِ الزَّكاة، والشكاية من قوم اشتغلوا بلَهْو الحديث، والشكاية من المشركين فى الإِعراض عن الحقِّ، وإِقامة الحجّة عليهم، والمِنَّة على لقمان بما أُعطِى من الحكمة، والوصيّة ببرّ الوالدين، ووصية لقمان لأَولاده، والمِنَّة بإِسباغ النعمة، وإِلزام الحجّة على أَهل الضَّلالة، وبيان

стр. 370

أَنَّ كلمات القرآن بحور المعانى، والحجّة على حَقِّيَّة البَعْث، والشكاية من المشركين بإِقبالهم على الحقِّ فى وقت المِحْنة، وإِعراضهم عنه فى وقت النعمة، وتخويف الخَلْق بصعوبة القيامة وهَوْلها، وبيان أَنَّ خمسة علوم ممَّا يختصّ به الرّبّ الواحد تعالى فى قوله: ﴿إِنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾ إِلى آخرها. النَّاسخ والمنسوخ: فيها من المنسوخ آية واحدة ﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ م آية السّيف ن. المتشابهات التى فى سورة لقمان (المتقدّم تفسيرها بصفحتين قبل) . قوله: ﴿كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ [وَقْراً﴾ وفى الجاثية ﴿كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ﴾ زاد فى هذه السورة ﴿كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ ] : جلّ المفسرين على أَنَّ الآيتين نزلتا فى النَضْر بن الحارث. وذلك أَنَّه ذهب إِلى فارس، فاشترى كتاب كليلة ودِمْنة، وأَخبار رُسْتُم وإِسفَنْديار، وأَحاديث الأَكاسرة، فجعل يرويها ويحدّث بها قُريشاً، ويقول: إِنَّ محمّدا يحدّثكم بحديث عاد، وثمود، وأَنا أُحدّثكم بحديث رُسْتم وإِسفنديار، ويستملحون حديثه، ويتركون استماع القرآن [فأَنزل الله هذه الآيات، وبالغ

стр. 371

فى ذمه؛ لتركه استماع القرآن] فقال: ﴿كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أَى صَمَماً، لا يقرع مَسامعه صوت. ولم يبالغ فى الجاثية هذه المبالغة؛ لِمَا ذكر بعده ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئاً﴾ لأَنَّ ذلك العلم لا يحصل إِلاَّ بالسّماع، أَو ما يقوم مقامه: من خطٍّ وغيره. قوله: ﴿يجري إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وفى الزّمر ﴿لأَجَلٍ﴾ قد سبق شَطْر من هذا. ونزيد بياناً أَن (إِلى) متَّصل بآخر الكلام، ودالّ على الانتهاءِ، واللام متَّصلة بأَوّل الكلام، ودالَّة على الصّلة. فضل السّورة: فيه الأَحاديث الضعيفة التى منها حديث أُبىّ: مَنْ قرأَ سورة لقمان كان له لقمان رفيقاً يوم القيامة، وأُعطى من الحسنات بعدد مَنْ أَمر بالمعروف، ونَهَى عن المنكر، وحديث علىّ: يا علىّ مَنْ قرأَ لقمان كان آمنا من شدّة يوم القيامة، ومن هَوْل الصراط.

стр. 372

بصيرة فى.. ألم. تنزيل السّورة مكِّيّة بالاتفاق، سوى ثلاث آيات، فإِنها مدنيّة ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ إِلى آخر الآيات الثلاثة. عدد آياتها تسع وعشرون عند البصريِّين، وثلاثون عند الباقين. كلماتها ثلاثمائة وثلاثون. وحروفها أَلْف وخمسمائة وتسع وتسعون. المختلف فيها آيتان (الم) ﴿خَلْقٌ جَدِيْدٌ﴾ فواصل آياتها (ملن) على الميم اثنان: الم و ﴿العَزِيزُ الرّحِيم﴾ وعلى اللام آية ﴿هُدًى لبني إِسْرَائِيلَ﴾ ولها ثلاثة أَسماء: سورة السّجدة، لاشتمالها على سجدة التلاوة، الثانى سجدة لقمان؛ للتميّز عن حم السّجدة الثالث المضاجع: لقوله ﴿تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع﴾ . مقصود السّورة: تنزيل القرآن، وإنذار سيِّد الرُّسُل، وتخليق السماءِ والأَرض، وخَلْق الخلائق، وتخصيص الإِنسان من بينهم، وتسليط مَلَك الموت على قبض الأَرواح، وتشوير العاصين فى القيامة، ومَلْءُ جهنَّم من أَهل الإِنكار، والضَّلالة، وإِسقاط خواصّ العِبَاد فى أَجواف اللَّيالى

стр. 373

للعبادة، وإِخبارهم بما ادُّخِر لهم فى العُقْبى: من أَنواع الكرامة، والتفريق بين الفاسقين والصادقين فى الجزاءِ، والثواب، فى يوم المآب، وتسلية النبى ﷺ بتقرير أَحوال الأَنبياءِ الماضين، وتقرير حُجَّة المنكرين للوحدانية، وأَمر الرسول ﷺ بالإِعراض عن مكافأَة أَهل الكفر، وأَمره بانتظار النَّصر، بقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وانْتَظِرْ إِنَّهُم مُنْتَظِرُوْنَ﴾ . الناسخ والمنسوخ: فيها من المنسوخ آية واحدة: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ م (آية السّيف ن) . المتشابهات: قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ ، وفى سأَل سائل ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ موضع بيانه التفسير. والغريب فيه ما رُوى عن عِكْرِمة فى جماعة: أَن اليوم فى المعارج عبارة عن أَول أَيّام الدّنيا إِلى انقضائها، وأَنَّها خمسون أَلْفَ سنة، لا يدرى أَحدٌ كمْ مضَى وكم بقى إِلاَّ اللهُ . ومن الغريب أَنَّ هذه عبارة عن الشدة، واستطالة أَهلها إِياها؛ كالعادة فى استطالة أَيَّام الشدة والحزن، واستقصار أَيَّام الرَّاحة والسّرور، حتى قال القائل: سَنة الوصل سِنَة [و] سِنة الهجْر سَنَة. وخُصّت هذه السّورة بقوله: أَلف سنة، لما قبله، وهو قوله: ﴿فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ وتلك الأَيَّام

стр. 374

من جنس ذلك اليوم وخصّت سورة المعارج بقوله ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ لأَن فيها ذكر القيامة وأَهوالِها، فكان هو اللائق بها. قوله ﴿ثُمَّ أَعْرِضْ عَنْهَا﴾ (ثمَّ) هاهنا يدلّ على أَنَّه ذُكِّرَ مرّات، ثم تأَخَّر (و) أَعرض عنا. والفاءُ على الإِعراض عقيب التذكير. قوله: ﴿عَذَابَ النار الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ، وفى سبأ ﴿التي كُنتُم بِهَا﴾ لأَنَّ النَّار وقعت فى هذه السُّورة موقع الكناية، لتقدّم ذكرها، والكنايات لا توصف، فوُصف العذاب، وفى سبأ لم يتقدم ذكر النَّار، فحسن وصف النار. قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ القرون﴾ بزيادة (مِن) سبق فى طه. قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ ليس غيره؛ لأَنَّه لما ذكر القرون والمساكن بالجمع حسن جمع الآيات، ولمّا تقدّم ذكر الكتاب - وهو مسموع - حسن لفظ السّماع فختم الآية به. فضل السّورة فيه حديث أُبىٍّ السّاقط سنده: من قرأَ سورة ﴿الاما تَنزِيلُ﴾ أُعطى من الأَجر كمن أَحيا ليلة القدر، وكان ﷺ لا ينام حتَّى يقرأَ

стр. 375

﴿الاما تَنزِيلُ﴾ السّجدة، و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْك﴾ ويقول: هما يَفْضُلان كلَّ سورة فى القرآن بسبعين حسنة، ومن قرأَها كتب له سبعون حسنة ومُحِى عنه سبعون سيِّئة ورفع له سبعون درجة؛ وحديث علىّ مَنْ قرأَ ﴿الاما تَنزِيلُ﴾ ضَحك الله إِليه يوم القيامة، وقُضى له كلُّ حاجة له عند الله وأَعطاه إِيَّاه بكلِّ آية قرأَها غرفة فى الجنة.

стр. 376

بصيرة فى.. يأيها النبى اتق الله السّورة مدنية بالاتفاق. آياتها ثلاث وسبعون. كلماتها أَلف ومائتان وثمانون. حروفها خمسة آلاف وسبعمائة وستّ وتسعون، فواصل آياتها (لا) على اللام منها آية واحدة ﴿يَهْدِي السبيل﴾ . سمّيت سورة الأَحزاب، لاشتمالها على قصّة حَرْب الأَحزاب فى قوله ﴿يَحْسَبُونَ الأحزاب لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ . معظم مقصود السّورة الذى اشتملت عليه: الأَمر بالتَّقوى، وأَنه ليس فى صدرٍ واحد قلبان، وأَنَّ المتبَنَّى ليس بمنزلة الابن، وأَنَّ النبىّ ﷺ للمؤمنين بمكان الوالد، وأَزواجه الطاهرات بمكان الأُمهات، وأَخذ الميثاق على الأَنبياءِ، والسؤال عن صدق الصّادقين، وذكر حَرْبِ الأَحزاب، والشِّكاية من المنافقين، وذمّ المعرضين، ووفاء الرِّجال بالعهد، وردّ الكفَّار بغيظهم، وتخيير أُمّهات المؤمنين، ووعظهنَّ، ونصحهنَّ، وبيان شرف أَهل البيت الطَّاهرين ووعد المسلمين والمسلمات بالأُجور الوافرات، وحديث تزويج زيد وزينب ورفع الحَرَج عن النّبى ﷺ ، وختم الأَنبياءِ به ﵇، والأَمر بالذكر الكثير،

стр. 377

والصّلوات والتسليمات على المؤمنين، والمخاطبات الشريفة لسيِّدنا المصطفى ﷺ ، وبيان النكاح، والطَّلاق، والعدّة، وخصائص النبى ﷺ فى باب النكاح، وتخييره فى القَسْم بين الأَزواج والحجر عليه فى تبديلهنَّ، ونهى الصحابة عن دخول حُجْرة النَّبىِّ ﷺ بغير إِذن منه، وضَرْب الحجاب، ونهى المؤمنين عن تزوّج أَزواجه بعده، والموافقة مع الملائكة فى الصلاة على النبى ﷺ ، وتهديد المؤذين للنَّبى وللمؤمنين، وتعليم آداب النساءِ فى خروجهن من البيوت، وتهديد المنافقين فى إِيقاع الأَراجيف، وذلِّ الكفار فى النار، والنَّهى عن إِيذاءِ الرّسول ﷺ والأَمر بالقول السّديد وبيان عَرْض الأَمانة (على السماوات والأَرض) وعذاب المنافقين، وتوبة المؤمنين فى قوله ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأمانة﴾ إِلى آخر السّورة. النَّاسخ والمنسوخ: فيها من المنسوخ آيتان م ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ ن آية السّيف م ﴿لاَّ يَحِلُّ لَكَ النسآء مِن بَعْدُ﴾ ن ﴿إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ . المتشابهات ذهب بعض القرّاء إِلى أَنَّه ليس فى هذه السورة متشابه. وأَورد بعضهم فيها كلمات، وليس فيها كثير تشابه؛ بل قد تلتبس على الحافظ القليل

стр. 378

البضاعة. فأَوردناها؛ إِذ لم يخل من فائدة. وذكرنا مع بعضها علامة يستعين بها المبتدىء فى تلاوته. منها قوله: ﴿لِّيَسْأَلَ الصادقين عَن صِدْقِهِمْ﴾ وبعده ﴿لِّيَجْزِيَ الله الصادقين بِصِدْقِهِمْ﴾ ليس فيها تشابه؛ لأَنَّ الأَوّل من لفظ السّؤال، وصلته ﴿عَن صِدْقِهِمْ﴾ وبعده ﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ ، والثَّانى من لفظ الجزاءِ، وفاعله الله، وصلتُه ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ بالباءِ، وبعده ﴿وَيُعَذِّبَ المنافقين﴾ . ومنها قوله: ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا "نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ"﴾ وبعده ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً﴾ فيقال للمبتدىءِ: إِنَّ الذى يأْتى بعد العذاب الأَليم نعمة من الله على المؤمنين، وما يأتى قبل قوله ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ ﴿اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً﴾ شكراً على أَن أَنزلكم منزلة نبيِّه فى صلاتِه وصلاة ملائكته عليه حيث يقول: ﴿إِنَّ الله وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي﴾ . ومنها قوله: ﴿ياأيها النبي قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾ ليس من المتشابه لأَنَّ الأَوّل فى التخيير والثانى فى الحجاب. ومنها قوله: ﴿سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ﴾ [فى موضعين] وفى الفتح ﴿سُنَّةَ الله التي قَدْ خَلَتْ﴾ التقدير فى الآيات: سنَّة الله

стр. 379

الَّتى قد خلت فى الذين خلوا (فذكر فى كل سورة الطرف الذى هو أَعمّ، واكتفى به عن الطرف الآخر، والمراد بما فى أَول هذه السورة النكاح نزلت حين عيَّروا رسول الله بنكاح زينب) فأَنزل الله ﴿سُنَّةَ الله فِي الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلُ﴾ أَى النكاحُ سنَّة فى النَّبيين على العموم. وكانت لداود تسع وتسعون، فضمّ إِليها الَّتى خطبها أُورِيَا، ووَلَدت سليمان. والمراد بما فى آخر هذه السّورة القتل؛ نزلت فى المنافقين والشاكيّن الَّذين فى قلوبهم مرض، والمرجفين فى المدينة، على العموم. وما فى سورة الفتح يريد به نُصرة الله لأَنبيائه. والعمومُ فى النُّصرة أَبلغ منه فى النكاح والقتل. ومثله فى حم ﴿سُنَّةَ الله التي قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِ﴾ فإِنَّ المراد بها عدم الانتفاع بالإِيمان عند البأْس فلهذا قال: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ . ومنها قوله: ﴿إِنَّ الله كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ﴿وَكَانَ الله عَلَى كُلِّ شَيءٍ رَقِيْبًا﴾ ﴿وَكَانَ الله قَوْيًّا عَزِيزًا﴾ ﴿وَكَانَ الله عَلِيمًا حَكِيماً﴾ . وهذا من باب الإِعراب، وإِنما نصب لدخول كان على الجملة: فتفرّدت السّورة، وحسن دخول (كان) عليها، مراعاة لفواصل الآى والله أَعلم.

стр. 380

فضل السّورة فيه الأَحاديث الموضوعة الَّتى نذكرها للتنبيه عليها: من قرأَ سورة الأَحزاب وعلَّمها أَهلَه وما ملكت يمينه أُعطىَ الأَمان من عذاب القبر، وحديث على: يا علىّ مَنْ قرأَ سورة الأَحزاب قال الله لملائكته: اشهدوا أَنَّ هذا قد أَعتقتُه من النَّار، وكان يوم القيامة تحت ظلِّ جناح جَبْرائيل، وله بكلِّ آية قرأَها مثلُ ثواب البارِّ بوالديه.

стр. 381

بصيرة فى.. الحمد لله الذى له ما فى السماوات وما فى الأرض السّورة مكِّية بالاتفاق. عدد آياتها خمس وخمسون فى عدِّ الشَّام، وأَربع فى عدِّ الباقى. وكلماتها ثمانمائة وثمانون. وحروفها أَربعة آلاف وخمسمائة واثنا عشر. المختلف فيها آية واحدة: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ فواصل آياتها (ظن لمدبّر) سمِّيت سورة سبأ، لاشتمالها على قصّة سبأ ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ . مقصود السّورة: بيان حجّة التوحيد، وبرهان نبوّة الرسول ﷺ ومعجزات داود، وسليمان، ووفاتهما، وهلاك سبأ، وشؤم الكفران، وعدم الشكر، وإِلزام الحجّة على عُبّاد الأَصنام، ومناظرة مادَّة الضَّلالة، وسَفِلتهم، ومعاملة الأُمم الماضية مع النَّبيِّين، ووعد المنفقين والمصَّدّقين بالإِخلاف، والرّجوع بإِلزام الحجّة على منكِرى النبوّة، وتمنى الكفَّار فى وقت الوفاة الرّجوعَ إِلى الدّنيا فى قوله: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ إِلى آخره. النَّاسخ والمنسوخ: فيها من المنسوخ آية واحدة: م ﴿قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا﴾ ن آية السّيف.

стр. 382

المتشابهات: قوله: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض﴾ مرّتين، بتقديم السّماوات؛ بخلاف يونس؛ فإِن فيها ﴿مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأرض وَلاَ فِي السمآء﴾ ؛ لأَنَّ فى هذه السّورة تقدَّم ذكرُ السّماوات فى أَوّل السّورة ﴿الحمد للَّهِ الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ وقد سبق فى يونس. قوله: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا﴾ بالفاءِ ليس غيره. زيد الحرف؛ لأَنَّ الاعتبار فيها بالمشاهدة على ما ذكرنا، وخصّت بالفاءِ لشدّة اتِّصالها بالأَوّل، لأَنَّ الضَّمير يعود إِلى الذين قَسَموا الكلام فى النبىِّ ﷺ ، وقالوا: محمّد إِمّا عاقل كاذب، وإِما مجنون هاذِ، وهو قولهم: ﴿أفترى عَلَى الله كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾ فقال الله: بل تركتم القِسم الثالث، وهو إِمّا صحيح العقل صادق. قوله: ﴿قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ الله﴾ وفى سبحان: ﴿قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾ ، لأَن فى هذه السّورة اتَّصلت بآية ليس فيها لفظ الله، فكان التصريح أَحسن، وفى سبحان اتَّصل بآيتين فيهما (بضعة عشر) مرّة ذكر الله صريحاً وكناية، (وكانت) الكناية أَولى. وقد سبق.

стр. 383

قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ ، وبعده، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ بالجمع؛ لأَن المراد بالأَوّل: لآية على إِحياءِ الموتى فخُصّت بالتوحيد، وفى قصّة سبأ جمع؛ لأَنَّهم صاروا اعتباراً يضرب بهم المثل: تفرّقوا أَيدى سبا: فُرِّقُوا كلَّ مفرَّق، ومُزِّقوا كلَّ ممزق، فوقع بعضهم إِلى الشأم، وبعضهم إِلى يَثْرِب، وبعضهم إِلى عُمان، فخُتم بالجمع، وخُصَّت به لكثرتهم، وكثرة مه يعتبر بهنّ، فقال ﴿لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ﴾ على المِحنة ﴿شَكُورٍ﴾ على النِّعمة، أَى المؤمنين. قوله ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ وبعده: ﴿لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ سبق. وخصّ هذه السّورة بذكر الربِّ لأَنه تكرّر فيها مرّات كثيرة. منها ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾ ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ ﴿مَوْقُوفُوْنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ولم يذكر مع الأَول ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ ؛ لأَن المراد بهم الكفَّار. وذكر مع الثانى؛ لأَنهم المؤمنون. وزاد (له) وقد سبق بيانه. قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ﴾ ولم يقل: من قبلك، ولا قبلَك. خُصّت السورة به، لأَنه فى هذه السّورة إِخبار مجرّد وفى غيرها إِخبار للنبىِّ ﷺ ، وتسلية له، فقال: ﴿قَبْلِكَ﴾ .

стр. 384

قوله ﴿وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ، وفى غيرها ﴿عَمّا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ﴾ ؛ لأَن قوله ﴿أَجْرَمْنَا﴾ بلفظ الماضى، أَى قبل هذا، ولم يقل: نُجْرم فيقع فى مقابلة (تعملون) ؛ لأَن مِن شرط الإِيمان وصف المؤمن أَن يعزم أَلاَّ يُجرِم. وقوله: ﴿تَعْمَلُوْنَ﴾ خطاب للكفاَّر، وكانوا مصرِّين على الكفر فى الماضى من الزَّمان والمستقبل، فاستغنت به الآية عن قوله ﴿كُنْتُمْ﴾ . قوله: ﴿عَذَابَ النار التي﴾ قد سبق. فضل السّورة فيه حديث ساقط: من قرأَ سورة سبأ فكأَنما كانت له الدنيا بحذافيرها فقدّمها بين يديه، وله بكل حرف قرأَه مثلُ ثواب إِدريس.

стр. 385

بصيرة فى.. الحمد لله فاطر السماوات السّورة مكِّيّة إِجماعاً. عدد آياتها خمس وأَربعون عند الأَكثرين، وعند الشاميّين ستّ. وكلماتها سبعمائة وسبعون. وحروفها ثلاثة آلاف ومائة وثلاثة وثلاثون. المختلف فيها سبع آيات؛ ﴿الذين كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ جديد، النور، البصير ﴿مَنْ فِي القُبُوْرِ﴾ ، ﴿أَنْ تَزُوْلا﴾ تبديلاً. فواصل آياتها (زاد من بز) لها اسمان: سورة فاطر (لما فى أَولها فاطر) السماوات وسورة الملائكة؛ لقوله: ﴿جَاعِلِ الملائكة﴾ . معظم مقصود السّورة: بيان تخليق الملائكة، وفتح أَبواب الرّحمة، وتذكير النّعمة، والتحذير من الجِنّ، وعداوتهم، وتسلية الرّسول (وإِنشاءِ السحاب، وإِثارته، وحوالة العزَّة إِلى الله، وصعود كلمة الشهادة وتحويل الإنسان) من حال إِلى حال، وذكر عجائب البحر، واستخراج الحِلْية منه، وتخليق اللَّيل، والنَّهار، وعجز الأَصنام عن الرُّبوبيّة، وصفة الخلائق بالفقر والفاقة، واحتياج الخَلْق فى القيامة، وإقامة البرهان، والحجة، وفضل القرآن، وشرَفَ التلاوة، وأَصناف الخَلْق فى ميراث

стр. 386

القرآن، ودخول الجنَّة من أَهل الإِيمان، وخلود النار لأَهل الكفر والطغيان، وأَن عاقبة الكفر الخسران، والمِنَّة على العباد بحفظ السّماءِ والأَرض عن تخلخل الأَركان، وأَنَّ العقوبة عاقبة المكر، والإِخبار بأَنَّه لو عَدَلَ رَبُّنَا فى الْخَلْقِ لم يسلم من عذابه أَحد من الإِنس والجانّ. الناسخ والمنسوخ: فيها من المنسوخ آية واحدة: ﴿إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ﴾ م آية السّيف ن. المتشابهات: قوله: ﴿والله الذي أَرْسَلَ الرياح﴾ بلفظ الماضى؛ موافقة لأَوّل السّورة ﴿الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات والأرض جَاعِلِ﴾ لأَنهما للماضى لا غير وقد سبق قوله: ﴿وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ بتقديم (فيه) موافقة لتقدّم ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُوْنَ﴾ وقد سبق. قوله: ﴿جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات وبالزبر وبالكتاب﴾ بزيادة الباءَات قد سبق. قوله: ﴿مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ وبعده ﴿أَلْوَانُهَا﴾ ثمّ ﴿أَلْوَانُهُ﴾ لأَنَّ الأَوّل يعود إِلى ثمرات، والثاني يعود إِلى الجبال؛ وقيل إِلى حُمْر، والثالث يعود

стр. 387

إلى بعض الدّال عليه (مِن) ؛ لأَنه ذكر (من) ولم يفسّره كما فسّره فى قوله ﴿وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ فاختصّ الثالث بالتذكير. قوله: ﴿إِنَّ الله بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ بالتصريح وبزيادة اللاَّم، وفى الشُّورى ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ، لأَن الآية المتقدمة فى هذه السّورة لم يكن فيها ذكر الله فصرّح باسمه ، وفى الشورى متَّصل بقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله﴾ فخُصّ بالكناية، ودخل اللام فى الخبر موافقة لقوله ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ . قوله: ﴿جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرض﴾ على الأَصل قد سبق. ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي﴾ سبق. ﴿عَلَى ظَهْرِهَا﴾ سبق. قوله: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلاً﴾ كرّر، وقال فى الفتح: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾ وقال فى سبحان ﴿وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ التبديل تغيير الشئ عمّا كان عليه قبلُ مع بقاءِ مادّة الأَصل؛ كقوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ ، وكذلك ﴿تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ ؛ والتحويل: نقل الشىء من مكان إِلى مكان آخر، وسنة الله لا تبديل ولا تحوّل، فخص هذا الموضع بالجمع بين الوصفين لمّا وصف الكفار بوصفين، وذكر لهم

стр. 388

عَرَضين، وهو قوله، ﴿وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً﴾ وقوله: ﴿استكبارا فِي الأرض وَمَكْرَ السيىء﴾ وقيل: هما بدلان من قوله: ﴿نُفُوراً﴾ فكما ثنَّى الأَوّل والثَّانى ثَنَّى الثالث؛ ليكون الكلام كلُّه على غِرار واحد. وقال فى الفتح ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾ فاقتصر على مرّة واحدة لمّا لم يكن (التكرار موجَباً) وخصّ سورة سبحان بقوله: ﴿تَحْوِيلاً﴾ لأَنَّ قريشاً قالوا لرسول الله ﷺ : "لو كنت نبيّاً لذهبت إِلى الشأم؛ فإِنَّها أَرض المبعث والمحشر، فهَمّ النبى ﷺ بالذهاب إِليها، فهيّأَ أَسباب الرّحيل والتحويل، فنزل جبرائيل ﵇ بهذه الآيات، وهى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾ وخَتَم الآيات بقوله ﴿تَحْوِيلاً﴾ تطبيقا للمعنى. فضل السّورة فيه أَحاديث ضعيفة، منها: مَن قرأَ سورة الملائكة دعته يوم القيامة ثمانيةُ أَبوابِ الجنَّة: أَنِ ادخل مِن أَىّ باب شئت. ورُوى: مَنْ قرأَ سورة الملائكة كتب له بكلّ آية قرأَها بكلّ ملك فى السّماوات والأَرض عشرُ حسنات، ورفع له عشرُ درجات. وله بكلّ آية قرأَها فُصّ من ياقوتة حمراء.

стр. 389

بصيرة فى.. يس. والقرآن الحكيم السّورة مكِّيّة بالإِجماع. عدد آياتها ثمانون وثلاث آيات عند الكوفيّين واثنتان عند الباقين. وكلماتها سبعمائة وتسع وعشرون. وحروفها ثلاثة آلاف. المختلف فيها آية واحدة. يس. مجموع فواصل آياتها (من) وللسّورة اسمان: سورة يس؛ لافتتاحها، وسورة حبِيب النجار؛ لاشتمالها على قصّته. معظم مقصود السّورة: تأكيد أَمْر القرآن، والرسالة، وإِلزام الحجّة على أَهل الضَّلالة، وضرب المَثَل فى أَهل أَنطاكِية، وذكر حَبِيب النَّجار، وبيان البراهين المختلفة فى إِحياءِ الأَرض الميتة، وإِبداءِ اللَّيل، والنهار، وسير الكواكب، ودَوْر الأَفلاكِ، وَجَرى الجوارى المنشآت فى البحار، وذلَّة الكفار عند الموت، وحَيْرتهم ساعة البَعْث، وسعد المؤمنين المطيعين، وشُغُلهم فى الجنَّة، وميْز المؤمن من الكافر فى القيامة، وشهادة الجوارح على أَهل المعاصى بمعاصيهم، والمِنَّة على الرّسول ﷺ بصيانته من الشِّعْر ونظمِه، وإِقامة البرهان على البعث، ونفاذ أَمر الحق فى كن فيكون، وكمال مُلْك ذى الجلال على كلّ حال فى قوله: ﴿فَسُبْحَانَ الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .

стр. 390

السّورة خالية من النَّاسخ والمنسوخ. المتشابهات: قوله: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى﴾ سبق. قوله: ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ مرتين ليس بتكرار؛ لأَنَّ الأُولى هى النفخة الَّتى يموت بها الخَلْق، والثانية التى يحيا بها الخَلْق. قوله: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً﴾ ، وكذلك فى مريم. ولم يقل: ﴿مِنْ دُوْنِهِ﴾ ؛ كما فى الفرقان، بل صرّح كيلا يؤدّى إِلى مخالفة الضمير قبله؛ فإِنه فى السورتين بلفظ الجمع تعْظيما. وقد سبق فى الفرقان. قوله: ﴿فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ وفى ويونس ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ تشابَهَا فى الوقف على (قولُهم) فى السّورتين، لأَنَّ الوقف عليه لازم، (وإِنَّ) فيهما مكسور بالابتداءِ بالحكاية، ومحكىُّ القول محذوف ولا يجوز الوصل؛ لأَنَّ النبىّ ﷺ منزَّه من أَن يخاطَب بذلك. قوله: ﴿وَصَدَقَ المرسلون﴾ ، وفى الصّافَّات: ﴿وَصَدَّقَ المرسلين﴾ ذكر فى المتشابه، وما يتعلَّق بالإِعراب لا يُعَدُّ من المتشابه.
следующие страницы →