Полный текст (2 804 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
القرآن، ودخول الجنَّة من أَهل الإِيمان، وخلود النار لأَهل الكفر والطغيان، وأَن عاقبة الكفر الخسران، والمِنَّة على العباد بحفظ السّماءِ والأَرض عن تخلخل الأَركان، وأَنَّ العقوبة عاقبة المكر، والإِخبار بأَنَّه لو عَدَلَ رَبُّنَا فى الْخَلْقِ لم يسلم من عذابه أَحد من الإِنس والجانّ.
الناسخ والمنسوخ:
فيها من المنسوخ آية واحدة: ﴿إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ﴾ م آية السّيف ن.
المتشابهات:
قوله: ﴿والله الذي أَرْسَلَ الرياح﴾ بلفظ الماضى؛ موافقة لأَوّل السّورة ﴿الحمد للَّهِ فَاطِرِ السماوات والأرض جَاعِلِ﴾ لأَنهما للماضى لا غير وقد سبق قوله: ﴿وَتَرَى الفلك فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ بتقديم (فيه) موافقة لتقدّم ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُوْنَ﴾ وقد سبق.
قوله: ﴿جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات وبالزبر وبالكتاب﴾ بزيادة الباءَات قد سبق.
قوله: ﴿مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ وبعده ﴿أَلْوَانُهَا﴾ ثمّ ﴿أَلْوَانُهُ﴾ لأَنَّ الأَوّل يعود إِلى ثمرات، والثاني يعود إِلى الجبال؛ وقيل إِلى حُمْر، والثالث يعود
стр. 387
إلى بعض الدّال عليه (مِن) ؛ لأَنه ذكر (من) ولم يفسّره كما فسّره فى قوله ﴿وَمِنَ الجبال جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ فاختصّ الثالث بالتذكير.
قوله: ﴿إِنَّ الله بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ بالتصريح وبزيادة اللاَّم، وفى الشُّورى ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ ، لأَن الآية المتقدمة فى هذه السّورة لم يكن فيها ذكر الله فصرّح باسمه ، وفى الشورى متَّصل بقوله: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله﴾ فخُصّ بالكناية، ودخل اللام فى الخبر موافقة لقوله ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ .
قوله: ﴿جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرض﴾ على الأَصل قد سبق.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي﴾ سبق.
﴿عَلَى ظَهْرِهَا﴾ سبق.
قوله: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلاً﴾ كرّر، وقال فى الفتح: ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾ وقال فى سبحان ﴿وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً﴾ التبديل تغيير الشئ عمّا كان عليه قبلُ مع بقاءِ مادّة الأَصل؛ كقوله تعالى: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ ، وكذلك ﴿تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ ؛ والتحويل: نقل الشىء من مكان إِلى مكان آخر، وسنة الله لا تبديل ولا تحوّل، فخص هذا الموضع بالجمع بين الوصفين لمّا وصف الكفار بوصفين، وذكر لهم
стр. 388
عَرَضين، وهو قوله، ﴿وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً﴾ وقوله: ﴿استكبارا فِي الأرض وَمَكْرَ السيىء﴾ وقيل: هما بدلان من قوله: ﴿نُفُوراً﴾ فكما ثنَّى الأَوّل والثَّانى ثَنَّى الثالث؛ ليكون الكلام كلُّه على غِرار واحد. وقال فى الفتح ﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾ فاقتصر على مرّة واحدة لمّا لم يكن (التكرار موجَباً) وخصّ سورة سبحان بقوله: ﴿تَحْوِيلاً﴾ لأَنَّ قريشاً قالوا لرسول الله ﷺ : "لو كنت نبيّاً لذهبت إِلى الشأم؛ فإِنَّها أَرض المبعث والمحشر، فهَمّ النبى ﷺ بالذهاب إِليها، فهيّأَ أَسباب الرّحيل والتحويل، فنزل جبرائيل ﵇ بهذه الآيات، وهى: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرض لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾ وخَتَم الآيات بقوله ﴿تَحْوِيلاً﴾ تطبيقا للمعنى.
فضل السّورة
فيه أَحاديث ضعيفة، منها: مَن قرأَ سورة الملائكة دعته يوم القيامة ثمانيةُ أَبوابِ الجنَّة: أَنِ ادخل مِن أَىّ باب شئت. ورُوى: مَنْ قرأَ سورة الملائكة كتب له بكلّ آية قرأَها بكلّ ملك فى السّماوات والأَرض عشرُ حسنات، ورفع له عشرُ درجات. وله بكلّ آية قرأَها فُصّ من ياقوتة حمراء.
стр. 389
بصيرة فى.. يس. والقرآن الحكيم
السّورة مكِّيّة بالإِجماع. عدد آياتها ثمانون وثلاث آيات عند الكوفيّين واثنتان عند الباقين. وكلماتها سبعمائة وتسع وعشرون. وحروفها ثلاثة آلاف. المختلف فيها آية واحدة. يس. مجموع فواصل آياتها (من) وللسّورة اسمان: سورة يس؛ لافتتاحها، وسورة حبِيب النجار؛ لاشتمالها على قصّته.
معظم مقصود السّورة: تأكيد أَمْر القرآن، والرسالة، وإِلزام الحجّة على أَهل الضَّلالة، وضرب المَثَل فى أَهل أَنطاكِية، وذكر حَبِيب النَّجار، وبيان البراهين المختلفة فى إِحياءِ الأَرض الميتة، وإِبداءِ اللَّيل، والنهار، وسير الكواكب، ودَوْر الأَفلاكِ، وَجَرى الجوارى المنشآت فى البحار، وذلَّة الكفار عند الموت، وحَيْرتهم ساعة البَعْث، وسعد المؤمنين المطيعين، وشُغُلهم فى الجنَّة، وميْز المؤمن من الكافر فى القيامة، وشهادة الجوارح على أَهل المعاصى بمعاصيهم، والمِنَّة على الرّسول ﷺ بصيانته من الشِّعْر ونظمِه، وإِقامة البرهان على البعث، ونفاذ أَمر الحق فى كن فيكون، وكمال مُلْك ذى الجلال على كلّ حال فى قوله: ﴿فَسُبْحَانَ الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
стр. 390
السّورة خالية من النَّاسخ والمنسوخ.
المتشابهات:
قوله: ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى﴾ سبق.
قوله: ﴿إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ مرتين ليس بتكرار؛ لأَنَّ الأُولى هى النفخة الَّتى يموت بها الخَلْق، والثانية التى يحيا بها الخَلْق.
قوله: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً﴾ ، وكذلك فى مريم. ولم يقل: ﴿مِنْ دُوْنِهِ﴾ ؛ كما فى الفرقان، بل صرّح كيلا يؤدّى إِلى مخالفة الضمير قبله؛ فإِنه فى السورتين بلفظ الجمع تعْظيما. وقد سبق فى الفرقان.
قوله: ﴿فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ وفى ويونس ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ تشابَهَا فى الوقف على (قولُهم) فى السّورتين، لأَنَّ الوقف عليه لازم، (وإِنَّ) فيهما مكسور بالابتداءِ بالحكاية، ومحكىُّ القول محذوف ولا يجوز الوصل؛ لأَنَّ النبىّ ﷺ منزَّه من أَن يخاطَب بذلك.
قوله: ﴿وَصَدَقَ المرسلون﴾ ، وفى الصّافَّات: ﴿وَصَدَّقَ المرسلين﴾ ذكر فى المتشابه، وما يتعلَّق بالإِعراب لا يُعَدُّ من المتشابه.
стр. 391
فضل السّورة
روى عن النبىّ ﷺ أَنَّه قال: "من قرأَ يس فى ليله أَصبح مغفوراً مغفوراً [له] " وروى أَيضاً: من دخل المقابر فقرأَ يس خُفّف عنهم يومئذ، وكان به بعدد من فيها حسنات، وفتحت له أَبواب الجنَّة. وفى لفظ: مَن قرأَ يس يريد بها الله غفر الله له، وأُعطى من الأَجر كأَنَّما قرأَ القرآن اثنتى عشرة مرّة. وأَيُّمَا مريض قرئ عنده سورةُ يس نزل عليه بعدد كلّ حرف عشرةُ أَملاكٍ يقومون بين يديه صفوفاً، فيُصلُّون ويستغفرون له، ويشهدون قبضهُ وغُسله، ويشيّعون جنازته، ويصلُّون عليه ويشهدون دفنه. وأَيُّما مريضٍ قرأَ سورة يس وهو فى سكرات الموت لم يقبض مَلَك الموت روحه حتى يجيئه رِضوانُ خازن الجنان بشَرْبة من الجَنَّة فيشربُها وهو على فراشه، فيموت وهو رَيَّان، ولا يحتاج إِلى حوض من حياض الأَنبياءِ، حتى يدخل الجنَّة، وهو رَيَّان. وفى حديث علىّ: يا علىّ من قرأَ يس فتحت له أَبواب الجنَّة، فيدخل من أَيِّها شاءَ بغير حساب، وكُتب له بكلّ آية قرأَها عشرة آلاف حسنة.
стр. 392
بصيرة فى.. والصافات صفا
السّورة مكِّيَّة بالاتِّفاق. عدد آياتها مائة وثمانون وآية عند البصريِّين، وآيتان عند الباقين. وكلماتها ثمانمائة واثنتان وستون. وحروفها ثلاثة آلاف وثمانمائة وستّ وعشرون. المختلف فيها: آيتان ﴿وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَإِنْ كَانُواْ لَيَقُولُونَ﴾ مجموع فواصلها (قدم بنا) سمِّيت (والصافات) لافتتاحها بها.
معظم مقصود السّورة: الإِخبار عن صَفِّ الملائكة والمصلِّين للعبادة، ودلائل الوحدانية، ورَجْم الشياطين، وذُلّ الظَّالمين، وعِزّ المطيعين فى الجِنَان، وقهر المجرمين فى النِّيران، ومعجزة نوح، وحديث إِبراهيم، وفداء إسماعيل فى جزاءِ الانقياد، وبشارة إِبراهيم بإِسحاق، والمنَّة على موسى وهارون بإِيتاء الكتاب، وحكاية النَّاس فى حال الدّعوة، وهلاك قوم لوط وحبْس يونس فى بطن الحوت، وبيان فساد عقيدة المشركين فى إِثبات النسبة، ودرجات الملائكة فى مقام العبادة، وما مَنَح اللهُ الأَنبياء من النُّصرة والتأْييد، وتنزيه حضرة الجلال عن الضّدّ والنديد فى قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ إِلى آخره.
стр. 393
الناسخ والمنسوخ:
فيها من المنسوخ آية واحدة: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ﴾ م آية السّيف ن.
المتشابهات:
قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ، وبعده: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ لأَنَّ الأَوّل حكاية كلام الكافرين، وهم ينكرون البعث، والثانى قول أَحد القرينين لصاحبه عند وقوع الحساب والجزاءِ، وحصوله فيه: كان لى قرين ينكر الجزاءَ وما نحن فيه فهل أَنتم تطلعوننى عليه، فاطَّلع فرآه فى سواءِ الجحيم. قالَ: تالله إِن كدت لَتُرْدِين. قيل: كانا أَخوين، وقيل: كانا شريكين، وقيل: هما بطروس الكافر، ويهوذا المسلم. وقيل: القرين هو إِبليس.
قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ وبعده ﴿فَأَقْبَلَ﴾ بالفاءِ. وكذلك فى ﴿ن والقلم﴾ لأَنَّ الأَوّل لعطف جملة على جملة فحسب، والثانى لعطف جملة على جملة بينهما مناسبة والتئام؛ لأَنه حَكَى أَحوال أَهل الجنة
стр. 394
ومذاكرتهم فيها ما كان يجرى فى الدنيا بينهم وبين أَصدقائهم، وهو قوله: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطرف عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أَى يتذاكرون، وكذلك فى ﴿ن والقلم﴾ هو من كلام أَصحاب الجنَّة بصنعاءَ، لمَّا رأَوْها كالصَّريم ندموا على ما كان منهم، وجعلوا يقولون: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِيْنَ﴾ ، بعد أَن ذكَّرهم التسبيحَ أَوسطُهم، ثم قال: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاَوَمُوْنَ﴾ أَى على تركهم الاستثناءَ ومخافتتهم أَن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين.
قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين﴾ وفى المرسلات: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين﴾ ؛ لأَنَّ فى هذه السّورة حِيل بين الضمير وبين (كذلك) بقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي العَذَابِ مَشْتَرِكُونَ﴾ فأَعاد، وفى المرسلات متَّصل بالأَول، وهو قوله: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الآخرين كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين﴾ فلم يحتج إِلى إِعادة الضَّمير.
قوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إلاه إِلاَّ الله﴾ وفى القتال ﴿فاعلم أَنَّهُ لاَ إلاه إِلاَّ الله﴾ بزيادة (أَنَّه) وليس لهما فى القرآن ثالث؛ لأَنَّ ما فى هذه وقع بعد القول فحكِى، وفى القتال وقع بعد العِلْم فزيد قبله (أَنَّه) ليصير مفعولَ العلم، ثمّ يتصل به ما بعده.
стр. 395
قوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين﴾ وبعده ﴿سَلاَمٌ على إِبْرَاهِيمَ﴾ ثم ﴿سَلاَمٌ على مُوْسَى وَهَارُونْ﴾ وكذلك ﴿سَلاَمٌ على إِلْ يَاسِين﴾ فيمن جعله لغة فى إِلياس، ولم يقل فى قصّة لوط ولا يونس ولا إِلياس: سلام؛ لأَنه لمّا قال: ﴿وَإِنَّ لُوْطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، ﴿وَإِنَّ يُوْنُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، وكذلك؛ ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فقد قال: سلام على كلّ واحد منهم؛ لقوله آخر السّورة ﴿وَسَلاَمٌ على الْمُرْسَلِيْنَ﴾ .
قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ وفى قصّة إِبراهيم: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ ، ولم يقل: (إِنَّا) ، لأَنَّه تقدّم فى قصته ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ وقد بقى من قصته شىء، وفى سائرها وقع بعد الفراغ. ولم يقل فى قصّتىْ لوط ويونس: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين﴾ ؛ لأَنَّه لمّا اقتصر من التسليم على ما سبق ذكر اكتفى بذلك.
قوله: ﴿بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ﴾ وفى الذاريات ﴿عَلِيمٍ﴾ وكذلك فى الحِجْر، لأَنَّ التقدير: بغلام حليم فى صباه، عليم فى كِبره، وخُصّت هذه السّورة. بحليم؛ لأَنه ﵇ حَلُم فانقاد وأَطاع، وقال: ﴿ياأبت افعل مَا تُؤمَرُ ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين﴾ والأَظهر أَنَّ الحليم إِسماعيل،
стр. 396
والعليم إِسحاق؛ لقوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امرأته فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ قال مجاهد: الحليم والعليم إِسماعيل. وقيل: هما فى السّورتين إِسحاق. وهذا عند من زعم أَنَّ الذبيح إِسحاق.
قوله: ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ثمّ قال: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ كرّر وحذف الضمير من الثانى؛ لأَنه لمَّا نَزَل ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ قالوا: متى هذا الذى تُوعدنا به؟ فأَنزل الله ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ثم كرّر تأْكيداً. وقيل: الأُولى فى الدّنيا، والثانية فى العُقْبى. والتقدير: أَبصر ما ينالهم، وسوف يبصرون ذلك. وقيل: أَبصر حالهم بقلبك فسوف يبصرون معاينةً. وقيل: أَبصر ما ضيّعوا من أَمرنا فسوف يبصرون ما (يحل بهم) وحُذِف الضّمير من الثانى اكتفاءً بالأَوّل. وقيل: التقدير: ترى اليوم (عِيرهم إِلى ذلّ) وترى بعد اليوم ما تحتقِر ما شاهدتهم فيه من عذاب الدّنيا. وذكر فى المتشابه: ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ بالفاءِ، وفى الذاريات ﴿قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ بغير فاء؛ لأَنَّ ما فى هذه السّورة (جملة اتَّصلت) بخمس جمل كلّها مبدوءَة بالفاءِ على التَّوالى، وهى: ﴿فَمَا
стр. 397
ظَنُّكُم﴾ الآيات، والخطاب للأَوثان تقريعاً لمن زعم أَنَّها تأْكل وتشرب، وفى الذاريات متَّصل بمضمر تقديره: فقرّبه إِليهم، فلم يأْكلوا فلمّا رآهم لا يأْكلون، ﴿قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ والخطاب للملائكة. فجاءَ فى كلّ موضع بما يلائمه.
فضل السّورة
فيه أَحاديث غير مقبولة. منها حديث أُبىّ: مَن قرأَ (والصّافات) أُعطِى من الأَجر عشرَ حسنات، بعدد كلّ جِنِّى، وشيطان، وتباعدت منه مَرَدة الشَّياطين، وبَرِئ من الشِّرْك، وشهد له حافظاه يوم القيامة أَنه كان مؤمناً بالمرسلين، وحديث علىّ: يا علىّ مَن قرأَ (والصَّافَّات) لا يصيبه يوم القيامة جُوع، ولا عطش، ولا يفزع إِذا فزع النَّاس، وله بكلّ آية قرأَها ثواب الضَّارب بسيفين فى سبيل الله.
стр. 398
بصيرة فى.. ص. والقرآن
السّورة مكِّيّة إِجماعاً. وآياتها ثمان وثمانون فى عدّ الكوفة، وستّ فى عدّ الحجاز، والشأم، والبصر، وخمس فى عَدّ أَيّوب بن المتوكِّل وحده. وكلماتها سبعمائة واثنتان وثلاثون. وحروفها ثلاثة آلاف وسبع وستّون. المختلف فيها ثلاث: الذكر، وغوّاص، ﴿والحق أَقُولُ﴾ مجموع فواصل آياتها (صدّ قُطْرُب مَن لجّ) ولها اسمان سورة صاد؛ لافتتاحها بها، وسورة داود؛ لاشتمالها على مقصد قصَّته فى قوله: ﴿واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأيد﴾ .
معظم مقصود السورة: بيان تعجّب الكفَّار من نبوّة المصطفى ﷺ ، ووصف المنكرين رسول الله ﷺ بالاختلاق والإفتراءِ، واختصاص الحقِّ تعالى بمُلْك الأَرض والسّماءِ، وظهور أَحوال يوم القضاءِ، وعجائب حديث داود وأُوريَا وقصّة سليمان فى حديث المَلَك، على سبيل المِنَّة والعطاءِ، وذكر أَيّوب فى الشفاءِ، والابتلاءِ، وتخصيص
стр. 399
إِبراهيم وأَولاده من الأَنبياءِ، وحكاية أَحوال ساكنى جَنَّةِ المأْوَى، وعجز حال الأَشقياءِ فى سقر ولَظَى، وواقعة إِبليس مع آدم وحوّاء وتهديد الكفَّار على تكذيبهم للنبىّ المجتبى فى قوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ﴾ .
الناسخ والمنسوخ:
فيها من المنسوخ آيتان: ﴿إِن يوحى إِلَيَّ﴾ م آية السّيف ن ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ م آية السّيف ن.
ومن المتشابهات: قوله تعالى: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الكافرون﴾ بالواو، وفى ق: (فقال) بالفاءِ؛ لأَنَّ اتَّصاله بما قبله فى هذه السّورة معنوى، وهو أَنَّهم عجِبُوا من مجئ المنذر وقالوا: هذا المنذر ساحر كذاب، واتِّصاله فى ق معنوىّ ولفظىّ؛ وهو أَنهم عجبُوا، فقالوا: هذا شئ عجيب. فراعى المطابقة بالعَجُزِ والصّدر، وختم بما بدأَ به، وهو النّهاية فى البلاغة.
قوله: ﴿أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا﴾ وفى القمر ﴿أَأُلْقِيَ﴾ لأَنَّ ما فى هذه السّورة حكاية عن كفَّار قريش يُجيبون محمّدا ﷺ حين قرأَ عليهم ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ
стр. 400
إِلَيْهِمْ﴾ فقالوا: أَأُنزل عليه الذكر. ومثله ﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب﴾ و ﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ﴾ هو كثير. وما فى القمر حكاية عن قوم صالح. وكان يأْتى الأَنبياءَ يومئذ صحفٌ مكتوبة، وأَلواح مسطورة؛ كما جاءَ إِبراهيمَ وموسى. فلهذا قالوا: ﴿أَأُلْقِيَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ مع أَنَّ لفظ الإِلقاءِ يستعمل لما يستعمل له الإِنزال.
قوله: ﴿وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا﴾ ، وفى الأَنبياءِ: ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾ ؛ لأَنَّ الله ميّز أَيُّوب بحسن صبره على بلائه، من بين أَنبيائه، فحيث قال لهم: من عندنا قال له: منَّا، وحيث لم يقل لهم: من عندنا قال له: من عندنا [فخصت هذه السورة بقوله: منا لما تقدم فى حقهم (من عندنا) ] فى مواضع. وخُصّت سورة الأَنبياء بقوله: (من عندنا) لتفرّده بذلك.
قوله ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوتاد﴾ وفى ق: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرس﴾ إِلى قوله: ﴿فَحَقَّ وَعِيْد﴾ قال الإِمام: سورة ص بُنيت فواصلها على رَدْف أَواخرها [بالأَلف؛ وسورة ق على ردف أَواخرها] بالياءِ والواو. فقال فى هذه السّورة: الأَوتاد،
стр. 401
الأَحزاب، عقاب، وجاءَ بإِزاءِ ذلك فى ق: ثمود، وعيد، ومثله فى الصافات: ﴿قَاصِرَاتُ الطرف عِينٌ﴾ وفى ص ﴿قَاصِرَاتُ الطرف أَتْرَابٌ﴾ فالقصد إِلى التَّوفيق بين الأَلفاظ مع وضوح المعانى.
قوله فى قصّة آدم: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾ قد سبق.
فضل السورة
فيه حديث أُبىّ الواهى: مَن قرأَ سورة ص كان له بوزن كلّ جبل سخّره الله لداود عشرُ حسنات، وعُصِم أَن يُصرّ على ذنب صغير أَو كبير، وحديث علىّ مثله: يا على من قرأَ (ص والقرآن) . فكأَنما قرأَ التَّوراة، وله بكلِّ آية قرأَها ثوابٌ الأَسخياءِ.
стр. 402
بصيرة فى.. تنزيل الكتاب من الله
السّورة مكِّيّة، إِلاَّ ثلاث آيات: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ﴾ إِلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْعُرُوْنَ﴾ . عدد آياتها خمس وسبعون فى عدّ الكوفىّ، وثلاث فى عَدّ الشامى، والباقين. وكلماتها أَلْف ومائة وسبعون. وحروفها أَربعة آلاف وسبعمائة وثمان. والآيات المختلف فيها سبع: ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ، ﴿مُخْلِصاً لَّهُ الدين﴾ ، الثانى ﴿مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي﴾ ، و ﴿مِنْ هَادٍ﴾ الثانى، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ، أَربعهن ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ ، ﴿مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ . مجموع فواصل آياتها (من ولى يُدر) وللسورة اسمان: سورة الزُّمر؛ لقوله: ﴿إِلَى الجنة زُمَراً﴾ وسورة الغُرَف؛ لقوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ قال وَهْب: من أَراد أَن يعرف قضاءَ الله فى خَلْقه فليقرأْ سورة الغُرَف.
стр. 403
معظم مقصود السّورة: بيان تنزيل القرآن، والإِخلاص فى الدّين، والإِيمان، وباطل عُذْر الكفَّار فى عبادة الأَوثان، وتنزيه الحقّ تعالى عن الوَلَد بكلمة ﴿سُبْحَانَهُ﴾ ، وعجائب صنع الله فى الكواكب والأَفلاك بلا عَمَد وأَركان، والمِنَّة على العباد بإِنزال الإِنعام من السّماءِ فى كلِّ أَوان، وحفظ الأَولاد فى أَرحام الأُمهات بلا أَنصار وأَعوان، وجزاءُ الخَلْق على الشكر والكفران، وذكر شرف المتهجّدين فى الدّياجر بعبادة الرّحمن، وبيان أَجر الصابرين وذلِّ أَصحاب الخسران، وبشارة المؤمنين فى استماع القرآن بإِحسان، وإِضافة غُرف الجنان لأَهل الإِخلاص والعِرفان، وشرح صدر المؤمنين بنور التوحيد والإِيمان، وبيان أَحوال آيات الفرقان، وعجائب القرآن، وتمثيل أَحوال أَهل الكفر وأَهل الإِيمان، والخطاب مع المصطفى بالموت والفناءِ وتحلُّل الأَبدان، وبشارة أَهل الصّدق بحسن الجزاءِ والغفران، والوعد بالكِفاية والكِلاءَة للعُبدان، وبيان العجز عن العون، والنّصرة للأَصنام والأَوثان، وعجائب الصنع فى الرّؤيا، والنوم وماله من غريب الشان، ونُفرة الكفَّار من سماع ذكر الواحد الفَرْد الديَّان، والبشارة بالرّحمة لأَهل الإِيمان، وإِظهار الحسرة والنَّدامة يوم القيامة من أَهل العصيان، وتأَسفهم فى تقصيرهم فى الطَّاعة زمان الإِمكان، وإِضافة المُلْك إِلى قبضة قدرة الرّحمن، ونفْخ الصُور على سبيل الهيبة، والسِّياسة، وإِشراق العَرَصات بنور العدل، وعظمة السلطان، وسَوْق الكفَّار بالذلِّ والخزى
стр. 404
إِلى دار العقوبة والهوان، وتفريح المؤمنين بالسّلام عليهم فى دار الكرامة، وغُرف الجنان، وحكم الحقِّ بين الخَلْقِ بالعدل، وختمه بالفضل والإِحسان، فى قوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين﴾ .
الناسخ والمنسوخ:
فيها من المنسوخ خمس آيات: ﴿إِنَّ الله يَحْكُمُ﴾ م ﴿فاعبدوا مَا شِئْتُمْ﴾ م ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ م ﴿اعملوا على مَكَانَتِكُمْ﴾ م ﴿فَمَنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ﴾ م آية السّيف ن قل ﴿إني أَخَافُ﴾ م ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله﴾ ن.
المتشابهات:
قوله: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق﴾ وفى هذه السّورة أَيضاً ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب لِلنَّاسِ بالحق﴾ الفرق بين ﴿أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب﴾ و ﴿أَنزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ قد سبق فى البقرة. ويزيده وضوحاً أَن كلَّ موضع خاطب (فيه) النَّبى ﷺ بقوله: إنا أَنزلنا إِليك الكتاب
стр. 405
ففيه تكليف، وإِذا خاطبه بقوله: إِنا أَنزلنا عليك ففيه تخفيف. اعتبِرْ بما فى هذه السّورة. فالذى فى أَوّل السّورة (إِليك) فكلَّفه الإِخلاص فى العبادة. والذى فى آخرها (عليك) فختم الآية بقوله ﴿وَمَآ أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيْل﴾ أَى لست بمسئول عنهم، فخفَّف عنه ذلك.
قوله: ﴿إني أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين﴾ زاد مع الثانى لاماً؛ لأَنَّ المفعول من الثانى محذوف، تقديره: وأُمرت أَن أَعبد الله لأَن أكون، فاكتفى بالأَول.
قوله: ﴿قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي﴾ بالإِضافة، والأَول ﴿مُخْلِصاً لَّهُ الدِّيْن﴾ ، لأَنَّ قوله: ﴿الله أَعْبُدُ﴾ إِخبار عن المتكلم؛ فاقتضى الإِضافة إِلى المتكلم، وقوله: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله﴾ ليس بإِخبار عن المتكلم، وإِنما الإِخبار (أُمرت) ، وما بعده فضلة ومفعول.
قوله: ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وفى النحْل ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صبروا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ وكان حقُّه أَن يذكر هناك. خصَّت هذه السورة بـ (الذى) ليوافق ما قبله. وهو ﴿أَسْوَأَ الذي﴾ ، وقبله ﴿والذي جَآءَ بالصدق﴾ . وخصّت النَّحل بـ (ما) للموافقة أَيضاً. وهو ﴿إِنَّمَا عِنْدَ الله هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ و ﴿مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ﴾ فتلاءَم اللفظان فى السّورتين.
قوله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾ وفى الجاثية ﴿مَا عَمِلُواْ﴾
стр. 406
علْته مثل عِلَّة الآية الأُولى؛ لأَن ﴿مَا كَسَبُواْ﴾ فى هذه السّورة وقع بين أَلفاظ كَسَب، وهو قوله: ﴿ذُوْقُواْ مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُوْنَ﴾ وفى الجاثية وقع بين أَلفاظ العمل وهو: ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُوْنَ﴾ ﴿عَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ وبعده ﴿سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ﴾ فخُصّت كلّ سورة بما اقتضاه طرفاه.
قوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً﴾ وفى الحديد ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً﴾ ؛ لأَنَّ الفعل الواقع قبل قوله ﴿ثُمَّ يَهِيْجُ﴾ فى هذه السّورة مسند إِلى الله تعالى، وهو قوله: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ فكذلك الفعل بعده: ﴿ثُمَّ يَجْعَلْهُ﴾ . وأَمَّا الفعل قبله فى الحديد فمسند إِلى النبات وهو ﴿أَعْجَبَ الكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ فكذلك ما بعده وهو ﴿ثُمَّ يَكُونَ﴾ ليوافق فى السّورتين ما قبل وما بعد.
قوله ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ وبعده ﴿وَفُتِحَتْ﴾ بالواو للحال، أَى جاءُوها وقد فتحت أَبوابُها. وقيل: الواو فى ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ زيادة، وهو الجواب، وقيل: الواو واو الثمانية. وقد سبق فى الكهف.
قوله: ﴿فَمَنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ﴾ ، وفى غيرها: ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ ؛ لأَنَّ هذه السّورة متأَخرة عن تلك السّورة؛ فاكتفى بذكره فيها.
стр. 407
فضل السّورة:
عن عائشة رضى الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يقرأُ كلَّ ليلة بنى إِسرائيل والزمرَ، وحديث أُبىّ الواهى: مَنْ قرأَ سورة الزمر لم يقطع الله رجاءَه يوم القيامة، وأُعطى ثواب الخائفين الَّذين خافوه، وحديث على: يا علىُّ مَنْ قرأَ سورة الزُّمر اشتاقت إِليه الجنَّة، وله بكلِّ آية قرأَها مثلُ ثواب المجاهدين.
стр. 408
بصيرة فى.. حم. المؤمن
السّورة مكِّيّة بالاتِّفاق. عدد آياتها خمس وثمانون فى عدّ الكوفة والشَّام، وأَربع فى الحجاز، واثنتان فى البصرة. وكلماتها أَلْف ومائة وتسع وتسعون. وحروفها أَربعة آلاف وتسعمائة وستون. الآيات المختلف فيها تسع: حم، كاظمين، التلاق، بارزون، ﴿بني إِسْرَائِيلَ﴾ ، ﴿فِي الحَمِيْمِ﴾ ﴿وَالبَصِيْرِ﴾ ﴿يُسْحَبُونَ﴾ ﴿كُنْتُمْ تُشْرِكُوْنَ﴾ مجموع فواصل آياتها (من علق وتر) .
ولها ثلاثة أَسماء: سورة المؤمن؛ لاشتمالها على حديث مؤمن آل فرعون - أَعنى خربيل - فى قوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ، وسورة الطَّوْل؛ لقوله: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ . والثالث حم الأُولى؛ لأَنها أُولَى ذوات حم.
معظم مقصود السّورة: المِنَّة على الخَلْق بالغفران، وقبول التوبة، وخطبة التوحيد على جلال الحقّ، وتقلب الكفار بالكسب والتجارة، وبيان وظيفة حَمَلة العرش، وتضرّع الكفَّار فى قَعْر الجحيم، وإِظهار أَنوار العَدْل فى القيامة، وذكر إِهلاك القرون الماضية، وإِنكار فرعون على موسى وهارون، ومناظرة خربيل لقوم فرعون نائباً عن موسى، وعَرْض أَرواح
стр. 409
الكفَّار على العقوبة، ووعد النَّصر للرّسل، وإِقامة أَنواع الحجّة والبرهان على أَهل الكفر والضَّلال، والوعد بإِجابة دعاءِ المؤمنين، وإِظهار أَنواع العجائب من صنع الله، وعجز المشركين فى العذاب، وأَنَّ الإِيمان عند اليأْس غير نافع، والحكم بخسران الكافرين والمبطلين فى قوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكَافِرُوْنَ﴾ .
النَّاسخ والمنسوخ:
فيها من المنسوخ آيتان ﴿إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾ فى موضعين م آية السّيف ن.
المتشابهات:
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَسِيروُاْ فِي الأرض﴾ ، وبعده: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ﴾ ما يتعلَّق بذكرهما سبق.
قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم﴾ ، وفى التغابن: ﴿بِأَنَّهُ كَانَت﴾ لأَنَّ هاءَ الكناية إِنما زيدت لامتناع (أَنَّ) عن الدّخول على (كان) فخُصّت هذه السّورة بكناية المتقدّم ذكرهم؛ موافقة لقوله: ﴿كَانُواْ هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ وخُصّت سورة التغابُن بضمير الأَمر والشأْن توصّلا إِلى (كان) .
قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمْ بالحق﴾ فى هذه السورة فحسْبُ، لأَنَّ الفعل لموسى، وفى سائر القرآن الفعل للحقِّ.
стр. 410
قوله: ﴿إِنَّ الساعة لآتِيَةٌ﴾ وفى طه ﴿آتِيَةٌ﴾ لأَنَّ اللام إِنَّما يزاد لتأْكيد الخبر، وتأْكيد الخبَر إِنَّما يُحتاجُ إِليه إِذا كان المخبرَ به شاكّاً فى الخبر، والمخاطبون فى هذه السّورة هم الكفَّار، فأَكَّد. وكذلك أَكّد ﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس﴾ (وافق ما قبله) فى هذه السّورة باللاَّم:
قوله ﴿ولاكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ ، وفى يونس ﴿ولاكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ - وقد سبق -، لأَنَّه وافق ما قبله فى هذه السّورة: ﴿ولاكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُوْنَ﴾ ، وبعده: ﴿ولاكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُوْنَ﴾ ثم قال: ﴿ولاكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ .
قوله فى الآية الأُولى ﴿لاَ يَعْلَمُوْنَ﴾ أَى لا يعلمون أَنَّ خَلْق الأَصغر أَسهل من خَلْق الأَكبر، ثمَّ قال: ﴿لاَ يُؤْمِنُوْنَ﴾ أَى لا يؤمنون بالبعث ثم قال: ﴿لاَ يَشْكُرُونَ﴾ أَى لا يشكرون الله على فضله. فختم كلّ آية بما اقتضاه.
قوله ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إلاه إِلاَّ هُوَ﴾ سبق.
قوله: ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ مدح نفسه سبحانه، وختم ثلاث آيات على التَّوالى بقوله ﴿رَبِّ العالمين﴾ وليس له فى القرآن نظير.
قوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ المبطلون﴾ وختم السّورة بقوله ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ
стр. 411
الكافرون﴾ ؛ لأَنَّ الأَوّل متصل بقوله: ﴿قَضَى بِالحَقِّ﴾ ونقيض الحق الباطل، والثانى متصل بإِيمان غير مُجْد، ونقيض الإِيمان الكفر.
فضل السورة
فيه حديث أُبىّ السّاقط: الحواميم ديباج القرآن. وقال: الحواميم سبع، وأَبواب (جهنم سبعة) : جهنم، والحُطمة، ولَظَى، والسّعير، وسقر، والهاوية، والجحيم. فيجىءَ كلّ حاميم منهنّ يوم القيامة على باب من هذه الأَبواب، فيقول: لا أُدخِل الباب من كان مؤمناً بى ويقرؤنى، وعن النبىّ ﷺ : إِنَّ لكلّ شىءٍ ثمرة، وثمرة القرآن ذوات حاميم، هى رَوْضات محصنات، متجاورات. فمن أَحبَّ أَن يَرْتَع فى رياض الجنَّة فليقرأْ الحواميم. وقال ابن عباس: لكلّ شىءٍ لُباب، ولباب القرآن الحواميم؛ وقال: ابن سيرين: رأَى أَحد فى المنام سبع جوار حِسَان فى مكان واحد، لم يُرَ أَحسنُ منهنّ فقال لهنّ: لمَن أَنتنّ؟ قلن: لمن قرأَ آل حاميم. وقال: مَن قرأَ حم المؤمنَ لم يبق رُوح نبىّ، ولا صِدِّيق، ولا شهيد، ولا مؤمن، إِلاَّ صَلَّوا عليه، واستغفروا له، وحديث علىّ: يا علىّ مَن قرأَ الحواميم السّبع بعضٌ إِثر بعض، من قرأَ هذه السّورة لا يصف الواصفون من أَهل السّماءِ والأَرض ماله عند الله من الثَّواب، وله بكلّ سورة قرأَها من الحواميم مثل ثواب ابن آدم الشهيد، وله بكلّ آية قرأَها مثل ثواب الأَنصار.
стр. 412
بصيرة فى.. حم. تنزيل من الرحمن الرحيم
السورة مكِّيّة بالاتِّفاق. عدد آياتها أَربع وخمسون فى عدّ الكوفة، وثلاث فى عدّ الحجاز، واثنتان فى عَدّ البصرة، والشَّأْم. وكلماتها سبعمائة وست وتسعون. وحروفها ثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمسون. المختلف فيها آيتان: حم ﴿عَادٍ وَثَمُوْدٍ﴾ مجموع فواصل آياتها (ظن طب حرم صد) وللسّورة اسمان: حم السّجدة، لاشْتمالها على السجدة، وسورة المصابيح؛ لقوله: ﴿زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً﴾ .
معظم مقصود السّورة: بيان شرف القرآن، وإِعراض الكفَّار من قبوله، وكيفيّة تخليق الأَرض والسّماءِ، والإِشارة إِلى إِهلاك عاد وثمود، وشهادة الجوارح على العاصين فى القيامة، وعجز الكفَّار فى سجن جهنَّم، وبشارة المؤمنين بالخلود فى الجِنان، وشرف المؤذِّنين بالأَذان، والاحتراز من نزغات الشيطان، والحُجّة والبرهان على وحدانيّة الرّحمن، وبيان شرف القرآن، والنفع والضرّ، والإِساءَة، والإِحسان، وجزع الكفَّار عند الابتلاءِ والامتحان، وإِظهار الآيات الدَّالة على الذَّات والصّفات
стр. 413
الحسان، وإِحاطة علم الله بكلّ شىء من الإِسرار والإِعلان، بقوله: ﴿أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ﴾ .
الناسخ والمنسوخ:
فيها من المنسوخ آية واحدة ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ م آية السّيف ن.
المتشابهات:
قوله تعالى: ﴿في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ أَى مع اليومين اللَّذين تقدّما فى قوله: ﴿خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ﴾ كيلا يزيد العدد على ستَّة أَيّام، فيتطرّق إِليه كلام المعترض. وإِنما جَمَع بينهما ولم يذكر اليومين على الانفراد بعدهما؛ لدقيقة لا يهتدى إِليها إِلا كلّ فطن خِرِّيت وهى أَنَّ قوله: ﴿خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ﴾ صلة ﴿الذي﴾ و ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً﴾ عطف على ﴿لَتَكْفُرُونَ﴾ و ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ عطف على قوله: ﴿خَلَقَ الأرض﴾ وهذا ممتنع فى الإِعراب لا يجوز فى الكلام، وهو فى الشعر من أَقبح الضرورات، لا يجوز أَن يقال: جاءَنى الذى يكتب وجلس ويقرأُ: لأَنَّه لا يحال بين صلة الموصول وما يُعطف عليه بأَجنبىّ من الصّلة؛ فإِذا امتنع هذا لم يكن بُدّ من إِضمار فعل يصحّ الكلام به ومعه، فيضمر ﴿خَلَقَ الأرض﴾ بعد قوله ﴿ذَلِكَ رَبُّ العالمين﴾ فيصير التقدير: ذلك ربّ العالمين، خَلَق الأَرض وجعل فيها رواسى من فوقها، وبارك فيها، وقدّر فيها أَقواتها، فى أَربعة أَيّام؛ ليقع
стр. 414
هذا كلَّه فى أَربعة أَيام. فسقط الاعتراض والسّؤال. وفيه معجزة وبرهان.
قوله: ﴿حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ﴾ ، وفى الزخرف وغيره ﴿حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا﴾ بغير (ما) ؛ لأَنَّ (حتى) هاهنا الَّتى تجرى مجرى واو العطف فى نحو قولك: أَكلت السّمكة حتى رأْسَها أَى ورأْسها. وتقدير الآية: فهم يوزعون، وإِذا ما جاءُوها و (ما) هى الَّتى تزاد مع الشَّرط، نحو أَينما، وحيثما. وحتى فى غيرها من السّوره للغاية.
قوله: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشيطان نَزْغٌ فاستعذ بالله إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ ومثله فى الأَعراف، لكنه ختم بقوله ﴿سَمِيْعٌ عَلِيْمٌ﴾ ؛ الآية فى هذه السّورة متَّصلة بقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ وكان مؤكَّداً بالتكرار، وبالنفى والإِثبات، فبالغ فى قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾ بزيادة (هو) وبالأَلف واللام، ولم يكن فى الأَعراف هذا النَّوع من الاتِّصال، فأَتى على القياس: المخبرُ عنه معرفة، والخبر نكرة.
قوله: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ وفى عسق بزيادة قوله: ﴿إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ وزاد فيها أَيضا: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ ؛ لأَنَّ المعنى: تفرق قول اليهود فى التَّوراة، وتفرّق قولُ الكافرين فى القرآن، ولولا كلمة سبَقَت من ربِّك بتأْخير العذاب إِلى يوم الجزاءِ، لقُضى بينهم بإِنزال العذاب عليهم، وخُصّت عسق بزيادة قوله تعالى: ﴿إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾
стр. 415
لأَنَّه ذكر البداية فى أَوّل الآية وهو ﴿وَمَا تفرقوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم﴾ وهو مبدأُ كفرهم، فحسن ذكر النَّهاية الَّتى أُمهِلوا إِليها؛ ليكون محدوداً من الطَّرفين.
قوله: ﴿وَإِن مَّسَّهُ الشر [فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ وبعده: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشر] فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ﴾ لا منافاة بينهما؛ لأَنَّ معناه: قَنُوط من الصّنم، دَعَّاء لله. وقيل: يئوس قَنُوط بالقلب دَعَّاء باللِّسان. وقيل: الأَوّل فى قوم والثَّانى فى آخرين. وقيل الدُّعاءُ مذكور فى الآيتين، وهو ﴿لاَّ يَسْأَمُ الإنسان مِن دُعَآءِ الخير﴾ فى الأَوّل، و ﴿ذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ﴾ فى الثَّانى.
قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ﴾ [بزيادة مِن] وفى هود: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ﴾ ، لأَنَّ فى هذه السّورة بيّن جهة الرّحمة، وبالكلام حاجة إِلى ذكرها وحَذَف فى هود؛ اكتفاءً بما قبله، وهو قوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِّنَّا رَحْمَةً﴾ ، وزاد فى هذه السّورة (من) لأَنه لمّا حدّ الرّحمة والجهة الواقعة منها، حَدَّ الطَّرف الَّذى بعدها فتشاكلا فى التحقيق. وفى هود لمّا أَهمل الأَوّل أَهمل الثَّانى.
قوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ وفى الأَحقاف ﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ بالواو؛ لأَنَّ معناه فى هذه السّورة: كان عاقبة أَمركم بعد الإِمهال للنَّظر والتدبّر الكفر، فحسن دخول ثُمّ، وفى الأَحقاف
стр. 416
عطف عليه ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ﴾ ؛ فلم يكن عاقبة أَمرهم. (وكان) من مواضع الواو.
فضل السّورة:
فيه حديث أُبىّ المردود: من قرأَ هذه السورة أَعطاه الله بكلّ حرف عشرَ حسنات.
стр. 417
بصيرة فى.. حم. عسق
السّورة مكِّيّة إِجماعاً. عدد آياتها ثلاث وخمسون فى الكوفى، وخمسون فى الباقين. كلماتها ثمانمائة وستّ وستّون. وحروفها ثلاثة آلاف وخمسمائة وثمان وثمانون. المختلف فيها من الآى ثلاث: حم عسق، كالأعلام مجموع فواصل آياتها (زرلصب قدم) ولها اسمان: عسق؛ لافتتاحها بها، وسورة الشورى؛ لقوله ﴿وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ﴾ .
معظم مقصود السّورة: بيان حُجّة التوحيد، وتقرير نبوّة الرّسول، وتأْكيد شريعة الإِسلام، والتَّهديد بظهور آثار القيامة، وبيان ثواب العاملين دنيا وأُخرى، وذلّ الظَّالمين فى عَرَصات القيامة، واستدعاء الرّسول ﷺ من الأُمّة محبّة أَهل البيت العِترة الطَّاهرة، ووعد التَّائبين بالقبول، وبيان الحكمة فى تقدير الأَرزاق وقسمتها، والإِخبار عن شؤم الآثام والذنوب، والمدح والثناءِ على العافين من النَّاس ذنوبَ المجرمين، وذلّ الكفَّار فى مَقَام الحساب، والمِنَّة على الخَلْق بما مُنحوا: من الأَولاد وبيان كيفيّة نزول الوحى على الأَنبياءِ، والمنَّة على الرّسول بعطيّة الإِيمان، والقرآن، وبيان أَن مرجع الأُمور إِلى الله الدّيان فى قوله: ﴿إِلَى الله تَصِيرُ الأمور﴾ .
стр. 418
الناسخ والمنسوخ:
فيها من المنسوخ ثمان آيات: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض﴾ م ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ن ﴿الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ م آية السّيف ن ﴿واستقم كَمَآ أُمِرْتَ﴾ م ﴿قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ ن ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة﴾ م ﴿يُرِيدُ العاجلة﴾ ن ﴿إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ م ﴿مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ ن وقيل: محكمة ﴿أَصَابَهُمُ البغي﴾ وقوله: ﴿وَلِمَنِ انْتَصَرَ﴾ م ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ﴾ ن ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ﴾ م آية السّيف ن.
المتشابهات:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور﴾ وفى لقمان: ﴿مِنْ عَزْمِ الأمور﴾ ؛ لأَنَّ الصّبر على وجهين: صبرٍ على مكروه ينال الإِنسان ظلماً؛
стр. 419
كمن قُتل بعضُ أَعِزّته، وصبر على مكروه ليس بظلم؛ كمن مات بعضُ أَعِزَّته. فالصّبر على الأَوّل أَشدّ، والعزم عليه أَوكد. وكان ما فى هذه السّورة من الجنس الأَوّل؛ لقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ فأَكَّد الخبر باللاَّم. وما فى لقمان من الجنس الثانى فلم يؤكده.
قوله: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ﴾ وبعده: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ ليس بتكرار؛ لأَنَّ المعنى: ليس له من هاد ولا مَلْجَأ.
قوله: ﴿عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ ليس له نظير. والمعنى: تعالى عن أَن يُكَلِّم شِفَاهاً، حكيم فى تقسيم وجوه التكليم.
قوله: ﴿لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ﴾ وفى الأَحزاب ﴿تَكُونَ قَرِيْبًا﴾ زيد معه (تكون) مراعاة للفواصل. وقد سبق.
فضل السّورة
فيه حديث ضعيف جدًّا: من قرأَ حم عسق كان ممَّن يصلى عليه الملائكةُ، ويستغفرون له، ويسترحمون له.
стр. 420
بصيرة فى.. حم. والكتاب المبين. انا جعلناه
السّورة مكِّيّة إِجماعاً. عدد آياتها [ثمان وثمانون] عند الشَّاميّين، وتسع عند الباقين. وكلماتها ثمانمائة وثلاث وثلاثون. وحروفها ثلاثة آلاف وأَربعمائة. الآيات المختلف فيها اثنتان: حم، مهين. مجموع فواصل آياتها (ملن) تسمّى سورة الزّخرف؛ لقوله ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفاً﴾ .
معظم مقصود السّورة: بيان إِثبات القرآن فى اللَّوح المحفوظ، وإِثبات الحُجّة والبرهان على وجود الصانع، والرد على عبّاد الأَصنام الذين قالوا: الملائكة بنات الله، والمنَّة على الخليل ﷺ بإِبقاءِ كلمة التوحيد فى عَقِبه، وبيان قسمة الأَرزاق، والإِخبار عن حسرة الكفار، وندامتهم يوم القيامة، ومناظرة فرعون، وموسى ومجادلة المؤمنين مع ابن الزِّبَعْرَى بحديث عيسى، وبيان شرف الموحّدين فى القيامة وعجز الكفَّار فى جهنَّم، وإِثبات إِلهيّة الحقّ فى السماءِ والأَرض، وأَمر الرّسول بالإِعراض عن مكافأَة الكفَّار فى قوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾ .
стр. 421
الناسخ والمنسوخ:
فيها من المنسوخ آيتان ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوْضُواْ﴾ وقوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ م آية السّيف ن.
المتشابهات:
قوله تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ ، وفى الجاثية: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ ، لأَنَّ [ما] فى هذه السّورة متّصل بقوله: ﴿وَجَعَلُواْ الملائكة﴾ [الآية] والمعنى أَنَّهم قالوا: الملائكة بناتُ الله، وإِنَّ الله قد شاءَ منا عبادتنا إِيَّاهم. وهذا جهل منهم وكذب. فقال - سبحانه -: ما لهم بذلك من علم إِن هم إِلاَّ يخرصون أَى يكذبون. وفى الجاثية خلطوا الصّدق بالكذب؛ فإِن قولهم: نموت ونحيا صِدق؛ فإِن المعنى: يموت السّلف ويحيا الخلف، وهو كذلك إِلى أَن تقوم السّاعة. وكَذَبوا فى إِنكارهم البعث، وقولِهم: ما يهلكنا إِلاَّ الدّهر. ولهذا قال: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّوْنَ﴾ أَى هم شاكُّون فيما يقولون.
قوله: ﴿وَإِنَّا على آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ ، وبعده: ﴿مُقتَدُوْنَ﴾ خصّ الأَول بالاهتداءِ؛ لأَنه كلام العرب فى محاجّتهم رسولَ الله ﷺ وادّعائهم أَن آباءَهم كانوا مهتدين فنحن مهتدون. ولهذا قال عَقِيبه: ﴿قال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بأهدى﴾ . والثانى حكاية عمّن كان قَبْلهم من الكفَّار،
стр. 422
وادّعوا الاقتداءِ بالآباءِ دون الاهتداءِ، فاقتضت كلّ آية ما خُتِمت به.
قوله: ﴿وَإِنَّآ إلى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ وفى الشعراءِ: ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ ، لأَنَّ ما فى هذه السّورة عامّ لمن ركب سفينة أَو دابّة. وقيل: معناه ﴿إلى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ على مركب آخر، وهو الجنازة، فحسن إِدخال اللاَّم على الخبر للعموم. وما فى الشعراءِ كلام السّحَرة حين آمنوا ولم يكن فيه عموم.
فضل السّورة
فيه حديث ضعيف: من قرأَ الزّخرف كان ممّن يقال لهم يوم القيامة: يا عبادى لا خوف عليكم ولا أَنتم تحزنون، وادخلوا الجنَّة بغير حساب.
стр. 423
بصيرة فى.. حم. والكتاب المبين. انا أنزلناه
السّورة مكِّيّة إِجماعاً. آياتها تسع وخمسون فى عدّ الكوفة، وسبع فى عدّ البصرة، وستّ للباقين. كلماتها ثلاثمائة وست وأَربعون. وحروفها أَلف وأَربعمائة وأَحد وثلاثون. المختلف فيها من الآى أَربع: حم، ﴿إِنَّ هاؤلاء لَيَقُولُونَ﴾ ، ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزقوم﴾ ، ﴿فِي البطون﴾ . فواصل آياتها كلّها (من) سمّيت سورة الدّخان لقوله فيها: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ .
معظم مقصود السورة: نزول القرآن فى ليلة القدر، وآيات التوحيد، والشكاية من الكفَّار، وحديث موسى وبنى إِسرائيل وفرعون، والرّد على منكرى البعث، وذلّ الكفار فى العقوبة، وعزّ المؤمنين فى الجنَّة، والمنَّة على الرّسول بتيسير القرآن على لسانه فى قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ .
(الناسخ والمنسوخ:
فيها آية منسوخة: ﴿فارتقب إِنَّهُمْ مُّرْتَقِبُونَ﴾ م آية السيف ن) .
стр. 424
المتشابهات:
قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى﴾ مرفوع. وفى الصّافات منصوب. ذكر فى المتشابه، وليس منه؛ لأَنَّ ما فى هذه السّورة مبتدأ وخبر، وما فى الصّافّات استثناء.
قوله: ﴿وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين﴾ أَى على علم منَّا. ولم يقل فى الجاثية: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ﴾ على علم لأَنه ذكر فيه: ﴿وَأَضَلَّهُ الله على عِلْمٍ﴾ .
قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض﴾ بالجمع؛ لموافقة أَوّل السّورة: ﴿رَبِّ السماوات والأرض﴾ .
فضل السّورة
عن النبىّ ﷺ : مَنْ قرأَ حم الَّتى يذكر فيها الدّخان فى ليلة الجمعة أَصبح مغفوراً له.
стр. 425
بصيرة فى.. حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم
السّورة مكِّيّة بالإِجماع. آياتها سبع وثلاثون فى الكوفة، وست فى الباقين. كلماتها أَربعمائة وثمانون. وحروفها أَلفان ومائة وتسعون. مجموع فواصل آياتها (من) ولها اسمان: سورة الجاثية؛ لقوله ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ ، وسورة الشريعة؛ لقوله ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ على شَرِيعَةٍ مِّنَ الأمر﴾ .
معظم مقصود السّورة: بيان حُجّة التّوحيد، والشكاية من الكفار والمتكبرين، وبيان النفع، والضرّ والإِساءَة، والإِحسان، وبيان شريعة الإِسلام والإِيمان، وتهديد العصاة والخائنين من أَهل الإِيمان، وذَمّ متابعى الهوى، وذلّ الناس فى المحشر، ونَسْخ كُتُب الأَعمال من اللَّوح المحفوظ، وتأبيد الكفَّار فى النَّار، وتحميد الرّب المتعال بأَوجز لفظ، وأَفصح مقال، فى قوله: ﴿فَلِلَّهِ الحمد رَبِّ السماوت وَرَبِّ الأرض﴾ إلى آخر السورة.
المنسوخ فيها آية واحدة: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُواْ يَغْفِرُواْ﴾ م آية السّيف ن.
المتشابهات:
﴿وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأمر﴾ نزلت فى اليهود. وقد سبق.
следующие страницы →