← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9856

بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز

الفيروزآبادي

Полный текст (2 804 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

التَّاسع: (فى نار موسى ليلة طور سينين ﴿أَن بُورِكَ مَن فِي النار﴾ أَى فى طلب النار) . العاشر: فى شجرة الزَّيتون، الممثّل بنور معرفة العارفين: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ . الحادى عشر: فى المسجد الأَقصى الَّذى هو مَمَرّ سيّد الرّسل إِلى أَعلى علِّيّين: ﴿إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ . الثَّانى عشر: فى ليلة القَدْر التى هى موسم الرّحمة والغفران للعاصين والمذنبين ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ . الثالث عشر: فى القرآن الذى هو أَعظم معجزِات البَشَر: ﴿وهاذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾ . الرابع: عشر فى المَنْزل الَّذى قُصِد، لا على التعيين: ﴿رَّبِّ أَنزِلْنِي مُنزَلاً مُّبَارَكاً﴾ أَى حيث يوجد الخير الإِلهى. والبركة معناها ثبوت الخير الإِلهى فى الشئِ. والمادّة موضوعة للزوم والثبوت. وقوله - تعالى - ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ السمآء والأرض﴾ سمّى بذلك لثبوت الخير (فيه ثبوت الماءِ فى البِرْكة. والمبارك ما فيه ذلك الخير) وقوله - تعالى -: ﴿هاذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾ تنبيه على ما يَفِيض من الحياة الإِلهية. ولمّا كان الخير الإِلهىّ يصدر من حيث لا يُحَسّ، وعلى وجه

стр. 772

لا يُحْصى ولا يُحْصَر، قيل لكلّ ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة: هو مبارك، وفيه بركة. وإِلى هذه الزّيادة أشير بما روى (لا يَنْقص مال من صدقة) لا إِلى النّقصان المحسوس، حيث ما قال بعض الملاحدة الخاسرين حيث قيل له ذلك، فقال له: بينى وبينك الميزان. على أَنَّ عمّى - وكان من أَكابر الصّالحين - أَخبرنى أَنَّه كال كُدْساً من الطعام، ثمّ أَخرج منه الزكاة، ثمّ إِنَّه كاله ثانيةً عند النقل إِلى المنزل، فوجده لم ينقص شيئاً من الكيل الأَوّل.

стр. 773

بصيرة فى البر، والبر وقد ورد فى القرآن على أَربعة عشر وجهاً: الأَوّل: - أَعنى البَرّ - بالفتح - خمس. الأَوّل: بمعنى الحَقّ - جَلّ اسمه وعلا - ﴿إِنَّهُ هُوَ البر الرحيم﴾ . الثَّانى: بمعنى الصّحراءِ ضدّ البَحْر: ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر﴾ ، ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر﴾ ، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر﴾ . الثالث: فى مدح يحيى بن زكريا ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ﴾ . الرّابع: فى المسيح عيسى: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي﴾ . الخامس: فى ساكنى مَلَكوت السّماءِ: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ . وأَما البِرّ - بالكسر - فأَربعة: الأَوّل بمعنى البارّ: ﴿ولاكن البر مَنْ آمَنَ بالله﴾ أَى البارّ. الثانى: بمعنى الخير: ﴿لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ . الثَّالث: بمعنى الطَّاعة: ﴿أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر﴾ .

стр. 774

الرّابع: بمعنى تصديق اليمين: ﴿وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ﴾ . وقد جاءَ بمعنى صلة الرّحم ﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الذين لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدين وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ﴾ أَى تصلوا أَرحامكم. والأَبرار مذكور فى خمسة مواضع: الأَوّل: فى صفة الأَخيار، فى جوار الغفَّار: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأبرار لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ . الثانى: فى صفة نظارتهم على غُرَف دار القرار: ﴿إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ عَلَى الأرآئك يَنظُرُونَ﴾ . الثالث: فى مجلس أُنْسهم، ومجاورة المصطفى، وصحابته الأَخيار: ﴿إِنَّ الأبرار يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً﴾ . الرّابع: فى تقريرهم فى قُبّة القُرْبَة من الله الكريم الستَّار: ﴿وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ﴾ . الخامس: فى مرافقة بعضم بعضاً يوم الرحيل إِلى دار القرار ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار﴾ .

стр. 775

وأَصل الكلمة ومادّتها - أَعنى (ب ر ر) - موضوعة (لخلاف البحر) ، وتُصوّر منه التوسّع، فاشتُقّ منه البِرّ أَى التوسّع فى فعل الخير. وينسب ذلك تارة إِلى الله تعالى فى نحو ﴿إِنَّه هُو البرُّ الرَّحيمُ﴾ ، وإِلى العبد تارة، فيقال: برّ العبدُ ربّه، أَى توسّع فى طاعته. فمن الله تعالى الثواب ومن العبد الطاعةُ. وذلك ضربان: ضرب فى الاعتقاد، وضرب فى الأَعمال. وقد اشتمل عليهما قولُه تعالى ﴿لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ﴾ الآية (وعلى هذا ما روى أَنه ﷺ سئل عن البرّ فتلا هذه الآية) فإِن الآية متضمّنة للاعتقاد، ولأَعمال الفرائض، والنَّوافل. وبِرّ الوالدين: التَّوسُّع فى الإِحسان إِليهما. ويستعمل البِرّ فى الصدق لكونه بعضَ الخير. يقال: برّ فى قوله، وفى يمينه، وحَجّ مبرورُ: مقبول. وجمع البارّ أَبرار، وبَرَرة. وخصّ الملائكة بالبَرَرة من حيث إِنَّه أَبلغ من الأَبرار؛ فإِنه جمع بَرّ. والأَبرار جمع بَارٍّ، وبرٌّ أَبلغ من بارّ؛ كما أَنَّ عَدْلاً أَبلغ من عادل. والبُرّ معروف وتسميته بذلك لكونه أَوسع ما يُحتاج إِليه فى الغذاءِ.

стр. 776

بصيرة فى البعث وقد ورد فى القرآن على ثمانية معانٍ: الأَوّل: بمعنى الإِلهام: ﴿فَبَعَثَ الله غُرَاباً يَبْحَثُ﴾ أَى أَلهم. الثانى: بمعنى إِحياءِ الموتى فى الدنيا: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ ، ﴿فَأَمَاتَهُ الله مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ ، ﴿وكذلك بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ أَى أَحييناهم. الثالث: بمعنى الاستيقاظ من النوم: ﴿وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم بالليل وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ أَى من النَّوم، ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى﴾ . الرابع: بمعنى التسليط ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً﴾ . الخامس: بمعنى نَصْب القيّم والحاكم: ﴿فابعثوا حَكَماً مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ . السّادس: بمعنى التعيين: ﴿ابعث لَنَا مَلِكاً﴾ أَى عيّن وبَيّن، ﴿قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً﴾ أَى قد عَيّن وبَيّن.

стр. 777

السابع: بمعنى الإِخراج من القبور للحشر: ﴿وَأَنَّ الله يَبْعَثُ مَن فِي القبور﴾ . الثامن: بمعنى الإِرسال: ﴿فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ ، ﴿هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً﴾ أَى أَرسل. وأَصل البعث إِثارة الشئِ وتوجيهه. يقال: بعثتُه فانبعث. ويختلف البعث بحسب اختلاف ما عُلِّق به. فالبعث ضربان: بَشَرىّ؛ كبعث البعير، وبعث الإِنسان فى حاجة، وإِلهى، وذلك ضربان: أَحدهما إِيجاد الأَعيان، والأَجناس، والأَنواع عن ليس وذلك يختص به البارئُ - تعالى - ولم يُقْدِر عليه أَحداً من خَلْقه. والثانى: إِحياءُ الموتى. وقد خَصّ به بعض أَوليائه؛ كعيسى وغيره. ومنه ﴿فهاذا يَوْمُ البعث﴾ نحو يوم المَحْشر. وقوله: ﴿ولاكن كَرِهَ الله انبعاثهم﴾ أَى توجُّههم ومُضيّهم.

стр. 778

بصيرة فى البدل وهو الشىّ يكون مكان آخر. وهو أَعمّ من العوَضِ، فإِنَّ العوض هو أَن يصير لك الثانى بإِعطاءِ الأَوّل. والتَّبديل، والإِبدال، والاستبدال: جعل الشَّئِ مكان آخر. وقد ورد فى القرآن على وجوه: الأَوّل: بمعنى الهلاك ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَآ أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ ، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ أَى نهلك. الثانى: بمعنى نسْخ الشريعة والآية: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ﴾ أَى نسخنا، ﴿أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نفسي﴾ . الثالث: بمعنى التغيير: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدِّلُونَهُ﴾ أَى يغيّرونه، ﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ ومنه قوله - تعالى ﴿فأولائك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ وقيل: هو أَن يعملوا أَعمالاً صالحة تُبطل ما قدّموه من الإِساءَة. وقيل: هو أَن يعفو - تعالى - عن سيئاتهم، ويحتسب بحسناتهم ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ أَى تغيّر عن حالها. وقوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ القول لَدَيَّ﴾ أَى لا يغيّر ما سبق فى اللَّوح

стр. 779

المحفوظ؛ تنبيهاً على أَن ما علمه أَن سيكون يكون على ما قد علمه، لا يتغيّر عن حاله. وقيل: لا يقع فى قوله خُلْف. وعلى الوجهين قوله: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله﴾ ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾ وقيل: معناه: النهى عن الخِصاءِ. الرّابع: بمعنى تجديد الحالة: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ أَى جَدّدنا. الخامس: بمعنى اختيار الكفر، والنكرة على الإِيمان ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان﴾ . السّادس: بمعنى إِبليس فى طريق الظلم والضلالة: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ . والأَبدال: قوم صالحون، يجعلهم الله تعالى مكان آخرين مثلهم ماضين. وحقيقته: قوم بدّلوا أَحوالهم الذميمة (بأَحوالهم الحميدة) . قيل: وهم المشار إِليهم بقوله: تعالى - ﴿فَأُولَئكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ .

стр. 780

بصيرة فى البسط وهو لغة: النَّشر والتوسيع. فتارةً يتصور منه الأَمران، وتارة يتصوّر منه أَحدهما: بسط الثوب: نشره. ومنه البِساط، وهو اسم لكلّ مبسوط. والبَسَاط - بالفتح -: الأَرض المنبسطة، والمستوية. والبسيطة: الأَرض. واستعار قوم البسيط لكلّ شيءٍ لا يتصوّر فيه تركيب، وتأْليف، ونَظْم. قوله - تعالى - ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ﴾ أَى وسّعه، ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم﴾ أَى سعة. قال بعضهم: بَسْطتُه فى العلم هو أَن انتفع هو به، ونفع غيره، فصار له به بسطة أَى جُود. وبَسْط اليد: مَدّها. وبَسْط الكفّ يستعمل تارة للطَّلب نحو ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى المآء لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ ، وتارة للأَخذ؛ نحو ﴿والملائكة باسطوا أَيْدِيهِمْ﴾ ، وتارة للصّولة، والضَّرب؛ نحو ﴿ويبسطوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بالسواء﴾ ، وتارةً للبَذْل والإِعطاءِ؛ نحو ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ . ورجل بَسِيط الوجه: متهلِّل، وبسيط اليدين: منبسط. وانبسط النَّهار: امتدّ، وطال.

стр. 781

والبُسْطة - بالضمّ -: الفضيلة: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى العِلْمِ وَالجِسْمِ﴾ والبَسْطة بالفتح: المرأَة الحسنة الجسم. والبِسْط - بالكسر والضمّ -: النَّاقة المتروكة مع ولدها، لا تُمنع. والجمع أَبساط، وبُسْط، وبُسَاط. وهذا من الجموع العزيزة.

стр. 782

بصيرة فى البقية وقد وردت على وجوه. الأَوّل: بمعنى المال والحلال: ﴿بَقِيَّةُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ . الثانى: الباقية بمعنى الصّلاة: ﴿والباقيات الصالحات﴾ أَى الصّلوات الخمس. الثالث: بمعنى ميراث الأَموات: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ موسى وَآلُ هَارُونَ﴾ . الرّابع: بمعنى قِلَّة القوم والتَّبَع ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القرون مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ﴾ ﴿فَهَلْ ترى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾ . وأَصل البقاء: ثبات الشئِ على الحالة الأُولى. وهو يضادّ الفناءَ. وقد بقِى يبقى بقاءً، وبَقَى - كرمى - لغةٌ. وفى الحديث: بَقَينا رسول الله ﷺ أَى انتظرناه، ورصدنا له مدّة كثيرة. والباقى ضربان: باقٍ بنفسه لا إِلى مدّة. وهو البارئُ تعالى، ولا يجوز عليه الفناءُ، وباقٍ بغيره، وهو ما عداه، ويصحّ عليه الفناءُ. والباقى بالله ضربان: باقٍ بشخصه إِلى أَن يشاءَ الله أَن يفنيه: كبقاءِ الأَجرام السّماويّة،

стр. 783

وباقٍ بجنسه، ونوعِه، دون شخصه، وجزئه، كالإِنسان، والحيوانات. فكذا فى الآخرة باقٍ بشخصه؛ كأَهل الجنَّة؛ فإِنهم يَبْقَوْن على التأْبيد لا إِلى مُدة، وباقٍ بنوعه، وجنسه؛ كما روى عن النبى ﷺ أَنَّ ثمار الجنَّة يقطعها أَهلها، ويأْكلونها، ثمّ تُخلف مكانها مثلَها. ولكون ما فى الآخرة دائما قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى﴾ .

стр. 784

بصيرة فى البصيرة وهى قوّة القلب المدركة. ويقال لها: بَصَر أَيضاً: قال الله - تعالى -: ﴿مَا زَاغَ البصر وَمَا طغى﴾ وجمع البصر أَبصار، وجمع البصيرة بصائر. ولا يكاد يقال للجارحة الناظرة بصيرة؛ إِنما هى بَصَرٌ؛ نحو ﴿كَلَمْحٍ بالبصر﴾ ويقال للقوّة الَّتى فيها أَيضاً: بَصَر. ويقال منه: أَبصرت، ومن الأَوّل: أَبصرته، وبَصُرت به. وقلَّما يقال فى الحاسّة إِذا لم تضامّه رُؤية القلب: بَصُرت. ومنه ﴿أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ﴾ أَى على معرفة وتحقُّق. وقوله: ﴿بَلِ الإنسان على نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ أَى عليه من جوارحه بصيرة، فتبصّره وتشهد عليه يوم القيامة. وقال الأَخفش: جعله فى نفسه بصيرة؛ كما يقال: فلان جُود وكرم. فههنا أَيضا كذلك؛ لأَنَّ الإنسان ببديهة عقله يعلم أَن ما يقرّبه إِلى الله هو السّعادة، وما يبعده عن طاعته الشقاوة.

стр. 785

وتأْنيث البصير لأَنَّ المراد بالإِنسان هنا جوارحه. وقيل: الهاءُ للمبالغة؛ كعلاَّمة، وزاوية. والضَّرير يقال له: البصير، على سبيل العكس. والصّواب أَنه قيل له ذلك لمالَه من قوّة بصيرة القلب. وقوله: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ حمله كثير من المتكلِّمين على الجارحة. وقيل: فى ذلك إِشارة إِلى ذلك، وإِلى الأَذهان، والأَفهام. والباصرة: الجارحة الناظرة. ﴿وَجَعَلْنَآ آيَةَ النهار مُبْصِرَةً﴾ قيل معناه: صار أَهله بُصَراءَ؛ نحو رجل مُخْبِث، ومُضْعِف أَى أَهله خُبثاءُ وضعفاءُ. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا القرون الأولى بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ﴾ : آية جعلناها عِبرة لهم. وقوله: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أَى انتظر حتى ترى ويرون. وقوله: ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ أَى طالبين للبصيرة. ويصحّ (أَن يستعار) الاستبصار للإِبصار؛ نحو استعارة الاستجابة للإِجابة. وقوله: ﴿تَبْصِرَةً وذكرى﴾ أَى تبصيرا وتنبييناً. يقال: بَصّرته تبصيراً، وتَبْصِرة؛ نحو ذكَّرته تذكيراً وتذكرة.

стр. 786

والبصيرة: قطعة من الدّم تلمع، والتُرْس اللامع، وما بين شِقَّتى الثوب، والمزادة، ونحوها الَّتى تبصر منه. والبَصْرة: حجارة رِخوة تلمع كأَنَّها تُبصر. وورد البصر فى القرآن على وجوه: بصر النظر والحجّة: ﴿فارجع البصر هَلْ ترى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً﴾ ، وبَصَر الأَدب، والحرمة: ﴿مَا زَاغَ البصر وَمَا طغى﴾ ، وبصر للتعجيل والسّرعة: ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبصر﴾ ، وبصر الحيرة والحسرة: ﴿فَإِذَا بَرِقَ البصر﴾ ، وبصر للعمى فى الكافر، والجهالة: ﴿وَجَعَلَ على بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ ، وبصر السّؤال عن المعصية، والطَّاعة: ﴿إِنَّ السمع والبصر والفؤاد﴾ ، وبصر فى عدم الفائدة والمنفعة: ﴿فَمَآ أغنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ﴾ ، وبصر للغىّ والغفلة: ﴿أولائك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ ، وبصر للغِطاءِ واللعنة: ﴿فَأَصَمَّهُمْ وأعمى أَبْصَارَهُمْ﴾ ، وبصر لإِبعاد المنكرين عن اللِّقاءِ والرّؤية: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار﴾ ، وبصر للختم والخسارة: ﴿خَتَمَ الله على قُلُوبِهمْ وعلى سَمْعِهِمْ وعلى أَبْصَارِهِمْ﴾ وبصر للنَّظر والعِبْرة: ﴿فاعتبروا ياأولي الأبصار﴾ .

стр. 787

بصيرة فى البحر (والبحيرة) وقد ورد على أَنحاءٍ: بمعنى ضِدّ البرّ: ﴿واترك البحر رَهْواً﴾ ، ﴿وَجَاوَزْنَا ببني إِسْرَائِيلَ البحر﴾ ، وبمعنى بحر فارس والرّوم: ﴿وَمَا يَسْتَوِي البحران هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ، وبمعنى البحر الذى تحت العرش المجيد، وفيه عجائب لا يعلمها إِلا الله وبمائه يُحيي الله الأَموات: ﴿والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور﴾ ، وبمعنى الأَرياف والقرى: ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر﴾ أَى فى البوادى والحواضر. وأَصل البحر: كل مكان واسع جامع للماءِ الكثير. ثم اعتبر تارة سعته المكانيّة؛ فيقال: بحرت كذا: أَوسعته سعة البحر؛ تشبيهاً به. ومنه بَحَرت البعير: شققتُ أُذنه شقّاً واسعاً. ومنه البحيرة: ﴿مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ﴾ وذلك ما كانوا يجعلونه بالنَّاقة إِذا ولدَتْ عشرة أَبطن

стр. 788

شقُّوا أُذنها وسيَّبوها، فلا تُركب، ولا يُحمل عليها. وسمَّوْا كلّ متوسع فى شئٍ بحراً. فالرّجل المتوسّع فى علمه بحر، والفرس المتوسّع فى جريه بحر. واعتبر من البحر تارةٌ ملوحته، فقيل: ماءُ بَحْر أَى مِلْح. وقد أَبْحَر الماءُ. قال: وقد عاد ماءُ الأَرض بحرا وازدنى ... إِلى مرضى أَن أَبحر المشربُ العذبُ وقال بعضهم: البحر فى الأَصل المِلْح، دون العذب. وقوله تعالى: ﴿البحران هاذا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وهاذا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ إِنَّما سمى العذاب بحراً؛ لكونه مع الملح؛ كما يقال للشَّمس والقمر: قمران.

стр. 789

بصيرة فى البخل والبُخْل - بالضَّم، وبالفتح -، والبَخَل - بالتَّحريك -، والبُخُول مصادر بَخل يبخل، كعلم يعلم، فهو باخل من بُخَّل - كَرُكَّع -، وبخيلٌ من بُخَلاءَ. ورجل بَخَل - محرّكة - وصف بالمصدر (وبَخَال وبَخَّال ومبَخَّل) كسحَاب وشَدَّاد ومُعَظَّم. والبُخْل: إِمساك المتقنَيَات عمّا لا يحِقُّ حَبْسها عنه. ويقابله الجود. والبُخْل ثمرة الشُّحّ، والشُّحُّ يأْمر بالبُخْل؛ كما قال النبىّ ﷺ : "إِيّاكم والشُّحّ؛ فإِنَّ الشُّحّ أَهلك مَنْ كان قبلكم: أَمرهم بالبخل فبخِلوا، وأَمرهم بالقطعية فقطَعُوا" فالبخيل: مَنْ أَجاب داعى الشحّ، والمُؤثر مَن أَجاب داعىَ الجُود، والسّخاءِ، والإِحسان. والبخل ضربان: بخل بقنيات نفسه، وبخل بقنيات غيره. وهو أَكثرهما ذَمّاً. وعلى ذلك قوله - تعالى -: ﴿الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل﴾ . والبخيل مِن [الباخل] : الذى يكثر منه البخل؛ كالرّحيم من الرّاحم.

стр. 790

بصيرة فى البخس وهو نقص الشئِ على سبيل الظلم. والبَخْس، والباخِس: الشئُ الطفيف النَّاقص. وقوله - تعالى - ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ قيل: معناه: باخس، أى ناقص. وقيل: مبخوس أَى منقوص. وتباخسوا أَى تغابنوا فَبَخس بعضُهم بعضاً. قيل كان الثمن عشرين (درهماً، وقيل اثنين وعشرين) .

стр. 791

بصيرة فى البخع وهو لغة: قَتْل النفس غَمّاً، بخع نفسه يبخع بخعا كمنع يمنع. وبخع بالحقّ بُخوعاً، وبَخاعة: أَقرّ به، وخضع له. وبخع الرّكية بخْعاً: حفرها، حتى ظهر ماؤها. وبَخَع له نصحه: أَخلصه، وبالغ فيه. وبخَع الأَرض بالزِّراعة: نهكها، وتابع حراثتها، ولم يُجمّها عاماً. وبَخع الرجلَ خبره: صَدَقه. وبخع الشَّاة: بالغ فى ذبحها ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ أَى مهلكها، وقاتلها؛ حرصاً على إِسلامهم. وفيه حثّ على ترك التأَسّف؛ نحو ﴿فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ .

стр. 792

بصيرة فى البدار قال - تعالى -: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافاً وَبِدَاراً﴾ أَى مسارعة. يقال: بدَرتُ إِليه، وبادرت. ويعبّر عن الخطأ الَّذى يقع عن حِدّة: بادرة يقال: كانت من فلان بوادر فى هذا الأَمر. والبَدْر قيل: سمّى به لمبادرته الشمس بالطلوع. وقيل: لامتلائه، تشبيهاً بالبَدْرة. فعلى ما قيل يكون مصدراً فى معنى الفاعل. قال الرّاغب: "الأَقرب عندى أَن يجعل البَدْر أَصلاً فى الباب، ثم يعتبر معانيه الَّتى تظهر منه، فيقال تارة: بَدَر كذا أَى طلع طلوع البدر. ويعتبر امتلاؤه تارة فتشبّه البَدْرة به. والبَيْدَر: المكان المرشَّح لجمع الغلَّة فيه ومَلْئه منه.

стр. 793

بصيرة فى البديع وقد جاءَ بمعنى (المبتدِع وبمعنى المبتدَع) . والبديع أَيضاً. حَبْل ابتُدئَ فَتله، ولم يكن حبلاً فنُكِث، ثم غُزِل، ثم أُعيد فتله. والبديع: الزقّ الجديد، والرّجُل السّمين. قال - تعالى - ﴿بَدِيعُ السماوات والأرض أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ﴾ ﴿بَدِيعُ السماوات والأرض وَإِذَا قضى أَمْراً﴾ بمعنى المبدِع، والمبتدِئِ لإِيجاده، ورُوى أَنَّ اسم الله الأَعظمَ: يا بديع السّماوات والأَرض، ياذا الجلال والإِكرام. والبِدْع - بالكسر -: المبتدَع، والبديع، والغُمْر من الرّجال والغاية فى كلّ شئ. وذلك إِذا كان عالِماً، أَو شجاعاً، أَو شريفاً. والجمع أَبداع. وهى بِدْعة من بِدَع. وقد بَدُع بَدَاعة، وبدوعاً و ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ الرسل﴾ قيل: معناه: مُبْتَدعاً لم يتقدمنى رسول. وقيل: مبدِعاً فيما أَقوله. والبِدْعَة: الحَدث فى الدّين بعد الإِكمال. وقيل: ما استُحدث بعده ﷺ من الأَهواءِ، والأَعمال. والجمع بِدَع. وقيل: البِدْعة: إِيراد قول، أَو فعل، لم يَسْتنّ قائلها، ولا فاعلها فيه بصاحب

стр. 794

الشريعة، وأَماثلها المتقدّمة، وأُصولها المقنَّنة. ورُوى "كلّ مُحْدَثٍ بدْعة وكلّ بدعة ضلالة وكل ضلالة فى النَّار". وأَبدع: أَبدأ، والشاعر: أَتى بالبديع، وفلان بفلان: قَطَع به، وخذله، ولم يقم بحاجته، وحُجّتُه: بطلتْ، وبِرُّه بشكرى، وقصده بوصفى: إِذا شكره على إِحسانه إِليه، معترفاً بأَن شكره لا يفى بإِحسانه.

стр. 795

بصيرة فى البدن وهو [من] الجسد: ما سوى الرّأَس، والشَّوَى. وقيل: العضو، وقيل: البدن خاصّ بأَعضاءِ الجَزُور. وقيل فى الفرق بين البدن والجسد: إِن البدن يقال اعتبارا بعظم الجُنَّة، والجسد اعتباراً باللَّون. ومنه قيل: ثوب مُجَسّد. ومنه قيل: امرأَة بادنة، وبادن، وبَدين أَى عظيمة الجسم. وسمّيت البَدَنةُ بذلك لِسمَنها. ويقال: بَدُن إِذا سمِن. وكذلك بدّن. وقيل: بل بدّن (مشدّدة) معناه: أَسَنَّ. ومنه الحديث: "لا تبادرونى بالرّكوع والسّجود فإِنى قد بدَّنت" أَى كبِرَت وأَسننت. وقوله: تعالى: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أَى بجسدك. وقيل: بدرعك. وقيل: سمّى الدّرع بَدَنة، لكونه على البَدَن؛ كما يسمّى موضع اليد من القميص يدا، وموضع الظهر، والبطن ظهراً، وبطناً. وقوله - تعالى - ﴿والبدن جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ الله﴾ هى جمع البَدَنة الَّتى تُهْدَى. والبَدَنة من الإِبل والبقر كالأضحية من الغنم. وهنَّ للذكر والأُنثى. والجمعُ بُدْن، وبُدُن.

стр. 796

بصيرة فى البرج وهو القَصْر، وجمعه بُرُوج. وقد جاءَ فى القرآن على وجوه ثلاثة. الأَوّل: بمعنى مَدَار الكواكب: ﴿والسمآء ذَاتِ البروج﴾ ، ﴿تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً﴾ ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجاً﴾ . والثانى: بمعنى القصور: ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ أَى قصور محكمة، مطوَّلة. قيل: يجوز أَن يراد بها بروج فى الأَرض، وأَن يراد بروج النجوم، ويكون استعمال لفظ المشيّدة فيها على سبيل الاستعارة. ويكون الإِشارة بالمعنى إِلى نحو ما قال زُهَير: ومن هاب أَسباب المنايا يَنَلْنَهُ ... ولو نال أَسباب السّماءِ بسلَّم (وأَن يكون البروج فى الأَرض) ويكون الإِشارة إِلى ما قال الآخر: ولو كنت فى غُمْدَان يحرس بابه ... أَراجيلُ أَحبوش وأَسودُ آلف إِذا لأَتتنى - حَيث كنت - منيّتى ... يَخُبُّ بها هادٍ لإِثرى قائف

стр. 797

وثوب مبرَّج: صوّر عليه بروج. الثالث: بمعنى التزيّن والتَّوسّع ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية﴾ ، ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتِ﴾ . وهذا كلّه مأْخوذ من (المبرَّج) فى اعتبار حسنه. فقولهم: تبّرجت المرأَةُ: تشبّهت بالمبرّج فى إِظهار المحاسن. وقيل: ظهرت من بُرْجها أَى قصرها. والبَرَج: سعة العين، وحسنها؛ تشبّهاً بالبُرْج فى الأَمرين. كتب إِلىّ بعض الفضلاءِ: بنفسى مَنْ أَهدى إِلىّ كتابه ... فأَهدى لى الدّنيا مع الدّين فى دَرْج كتاب معانيه خلال سطوره ... كواكبُ فى بُرْج لآلئ فى دُرْج

стр. 798

بصيرة فى البراح وهو المكان الواسع الّذى لا بِنَاءَ فيه، ولا شجر. فيعتبر تارة ظهوره، فيقال: فعل كذا بَرَاحاً، أَى صُرَاحاً لا يستره شىءٌ. وبَرِح الخفاءُ: ظهر كأَنَّه حصل فى براحٍ يُرَى. وبَرَاح الدّار: ساحته، وبَرِح - كسمع صار فى البَرَاح. ومنه البارح للرّيح الشديدة. وبَرِح: (ثبت فى البَرَاح) ومنه لا أَبرح. وخصّ بالإِثبات؛ كقولهم: لا زال؛ لأَن برِح، وزال اقتضيا معنى النفى. ولا للنَّفى، والنَفْيان يحصل من اجتماعهما إِثبات. ومنه قوله - تعالى -: ﴿لا أَبْرَحُ حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين﴾ . ولما تصوّر من البارح معنى التشاؤم اشتقَّ منه التبريح والتباريح. فقيل، بَرَّح به الأَمرُ وبرّح بى فلان فى التقاضى. ومنه قوله ﷺ : "واضربوهنّ ضرباً غير مُبَرّح". ولقى منه البرحِين - مثلَّثة الأُولى - أَى الدّواهى والشدائد. وبُرْحة من البُرَح أَى ناقة من خيار الإِبل. والبارح: الرّيح الحارّة فى الصّيف. قال الشاعر: يا ساكن الدنيا لقد أَوطنتها ... ولتبرَحنّ وإِن كرهت بَرَاحها ما زلت تُنْقَل مُذْ خُلِقت إِلى البلا ... فانظر لنفسك إِن أَردت صلاحها وقوله - تعالى -: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الأرض﴾ أَى أَنتقل من مصر إِلى كَنْعَان.

стр. 799

بصيرة فى البروز وهو الظهور البيّن. وأَصله البَرَاز. وهو الفضاء. وبَرَز: حصل فى بَرَاز. وذلك إِما أَن يظهر بذاته؛ نحو ﴿وَتَرَى الأرض بَارِزَةً﴾ تنبيهاً أَنَّه يَبْطُل فيها الأَبنية. وسكَّانها. ومنه المبارزة فى القتال، وهى الظهور من الصّفِّ، أَو الظُّهور لما عنده من فضل الشجاعة. وهو أَن يُظهِر نفسه فى فعل محمود، وإِمّا أَن ينكشف عنه ما كان مستوراً به. ومنه قوله - تعالى -: ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ﴾ ، وقوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الجحيم لِلْغَاوِينَ﴾ تنبيهاً أَنَّهم يُعرضون عليها. وامرأَة بَرْزة: عفيفة؛ لأَنَّ رفعتها بالعفَّة.

стр. 800

بصيرة فى البرزخ هو الحاجز بين الشيئين. وهو تارة قدرة الله تعالى، وتارة بقدرة الله تعالى. والبَرْزَخ من وقت الموت إِلى القيامة: مَن مات دخله. وبرازخ الإِيمان: ما بين أَوّله وآخره. والبَرْزخ فى القيامة: الحائل بين الإِنسان وبين بلوغ المنازل الرّفيعة فى الآخرة. وذلك إِشارة إِلى العقبة المذكورة فى قوله: ﴿فَلاَ اقتحم العقبة﴾ . وتلك العقبة موانع من أَحوال لا يصل إِليها إِلاَّ الصّالحون.

стр. 801

بصيرة فى البرق وهو لمعان السّحاب. والبَرْق، والبارقة: السّيف. سُمّى للمعانه. ويقال فى البرق: يَشْرَى ويُومض، ويَعِنُّ ويعترضُ، ويوبصُ، ويستطير، ويستطيل، ويَلمع ويتبوّج، ويخطَف، ويخفِق، ويبرق، ويتأَلَّق، ويتلألأ، ويستشرِى، ويَنْبِض، ويهبّ، ويخرق، ويتسلسل، ويستَنَّ، ويبتسم، ويضحك، وينبعق، وينشقّ، ويَرْتَعِص، ويَفْرِى، ويهُضَّ، وينبعث، ويلوح، ويتهلَّل، ويتكلَّل. ومما يستحسنُ فى وصف البرق وخفائه، والرّعد فى حُدَائه، والثَّلج ولأْلائه، قول بعضهم: يَنْبض نَبْض العِرْق فى استخفاءِ ... شرارةً تطرف من قَصْباءِ أَو طَرْف طَيْر هَمّ باقتذاءِ ... حتى إِذا امتدَّت على السّواءِ ورجفت بزَجل الحُدَاءِ ... وقعقعت بالرّعد ذى الضَّوضاءِ كأَنَّ بين الأَرض والسّماءِ ... رِجْل جراد ثار فى عَماءِ

стр. 802

أَو سَرَعاناً مِن دَبى غوغاءِ ... أَو كُرْسُفا يندف فى الهواءِ تُطيرهُ الريح على القواءِ ... أَو (حَلبا ينطف فى الخباءِ) أَو رغوة تنفشّ من عَزْلاءِ ... أَو كنقىّ الفِضَّة البيضاءِ أَو كانتشار الدُرّ ذى اللآلاءِ ... أَو كانتظام الوَدْع فى الإِخفاءِ فاشمَطَّت الأَرض على فتاءِ ... واستوت الآكام بالضَّواءِ وقال الأَصمعىّ: أَحسن ما قيل فى البرق والغيث قول عَدِىّ بن الرِّقاع: فقمت أُخبره بالغيث لم يره ... والبرق إِذا أَنا محزون له أَرق مُزْن يسبّح فى ريح شآمية ... مكلَّل بعماءِ الماءِ منتطِق أَلقى على ذات أَجفار كلاكله ... وشبّ نيرانه وانجاب يأْتلق وبات يحتلِب الجوزاءَ دِرّتها ... فنوؤها حين ناحت مُرْبع لَثِق تبكى ليُدرك مَحْلا كان ضيّعه ... يزيله سَبِط منه ومندفق جَوْن المَشَارب رَقراق تظلّ به ... شمّ المخارم والأَثناءُ تصطفق يكاد يظلع ظلما ثم يغلبه ... عن الشواهق والوادى به شرق

стр. 803

وقال العتَّابىّ: أَرِقتُ للبرق يخبو ثم يأْتلقُ ... يخفيه طورا ويبديه لنا الأُفق كأَنها غُرَّة شهباءُ لامحة ... فى وجه دهماءَ ما فى جدلها بَلَق أَو ثغر رنجيّة تفترُّ ضاحكةً ... تبدو مشافرها طوراً وتنطبق أَو غُرَّة الصّبح عند الفجر حين بَدَت ... أَو فى المساءِ إِذا ما استعرض الشَفَق له بدائِع حُمْر اللَّون هائلة ... فيها سلائل بيض ما لها حلق والغيم كالثَّوب فى الآفاق منتشرٌ ... من فوقه طَبَق مِن تحته طبق تظنَّه مُصْمَتاً لافتق فيه فإِن ... سالت عَزَاليه قلت: الثوب منفتق إِن قعقع الرّعد فيه قلت منخرق ... أَولأْلأَ البرق فيه قلت يحترق تستكّ من رعده أُذن السّميع كما ... تعْشى إِذا نظرت (فى برْقه) الحَدَق فالرّعد صهصلِق والرّيح محترق ... والبَرْقُ مؤتلِق والماءُ منبعق غيث أَواخره تحدو أَوائله ... أَربّ بالأَرض حتى ماله لبق قد حاك فوق الرُبا نَوراً له أَرج ... كأَنه الوشى والدّيباج والسرق فطار فى الأَنف ريح طيّب عَبِق ... ونار فى الطَّرف لونٌ مشرق أَنق من خُضرة بينها حمراءُ قانية ... أَو أَصفرٌ فاقع أَو أَبيض يَقق

стр. 804

بصيرة فى البرهان وهو فُعْلان، بزنة الرّجحان. ومعناه: بيان الحجّة. وقيل: هو مصدر بَرِهَ يبْره كسمع يسمع إِذا ثاب جسمُه بعد عِلَّة، وابيضَّ جسمه. ومنه البَرَهْرَهة: للمرأَة البيضاءِ الشَّابّة، أَو التى تُرْعَد رطوبةً، ونعومةً. والبرهة بالضمّ، والفتح: الزَّمان الطَّويل، أَو مطلق الزَّمان، أَو مدّة منه. فالبرهان أَوكد الأَدلَّة. وهو الَّذى يقتضى الصّدق أَبداً لا محالة. وذلك أَنَّ الأَدلَّة خمسة أَضرب: (دلالة تقتضى الصّدق أَبدا، ودلالة تقتضى الكذب أَبدا) ، ودلالة إِلى الصّدق أَقرب، ودلالة إِلى الكذب أَقرب، ودلالة اليهما سواء. وجاءَ البرهان فى القرآن على ثلاثة أَوجهٍ: الأَوّل: بمعنى المعجزة، والولاية: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ﴾ . الثانى: بمعنى الدّليل، والحجّة: ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ﴾ . الثَّالث: بمعنى القرآن، والنبوّة: ﴿يَا أَيُّهَا الناس قَدْ جَآءَكُمْ بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أَى كتاب ورسول. أَنشدنى بعض الفضلاءِ: من استشار صُروفَ الدّهر قام له ... على حقيقة طبع الدّهر برهان من استنام إِلى الأَشرار نام وفى ... قميصه منهم صِلّ وثُعبان

стр. 805

بصيرة فى الابرام وهو الإِحكام. وأَصله من إِبرام الحَبْل، وهو أَن يجعله طاقين، ثم يفتِله. والمَبَارِم: المغازل الَّتى يُبْرم بها، قال تعالى: ﴿أَمْ أبرموا أَمْراً﴾ أَى أَتقنوا إِحكامه. ويقال أَيضاً: بَرَمَ الأَمر يبرِمه ويَبْرُمه بمعنى المزيد. وأَبرم فلاناً فبرِم (وتبرّم: أَملَّه: فَمَلّ) . والبَرِيم: المبْرم، أَى المفتول فَتْلاً محكما. ومن هذا قيل للبخيل الَّذى لا يدخل فى المَيْسر: بَرَمٌ - محرّكة - كما يقال للبخيل أَيضاً: مغلول اليد. والمُبْرِم: الَّذى يُلِحّ ويشدِّد فى الأَمْرِ؛ تشبيهاً بمُبْرم الحبل. ولمّا كان البريم من الحبل قد يكون ذا لونَيْن سمّى كلّ ذى لونين من شئٍ مختلط أَبيض، وأَسود، وكغنَم مختلطٍ وغير ذلك ممّا فيه لونان مختلطان: بَرِيماً، ومنه قيل للصبح: بَرِيم. وحَبل فيه لونان مزيّن بجوهر تشدّه المرأَة على وسَطها بَريم. والبُرْمة فى الأَصل: هى القِدْر المحكة ثم خَصّوه بما كان من الحجارة لإِحكامها. والجمع بِرَام كجُفْرة وجِفار.

стр. 806

بصيرة فى البزوغ وهو ابتداءُ الطُّلوع. وقيل: بزغت الشمس بَزْغاً وبُزُوغاً: شرَقَت، وبزغ ناب البعير طلع، وبزغ الحاجم: شَرط. والمِبْزَغ المِشراط. وابتزغ الرّبيعُ: جاءَ أَوّله: ﴿فَلَمَّآ رَأَى القمر بَازِغاً﴾ أَى طالعاً (منتشر الضوءِ) .

стр. 807

بصيرة فى البس البَسّ: الفَتّ والذُّلّ: ﴿وَبُسَّتِ الجبال﴾ أَى فُتَّتْ، من قولهم: بَسسْت الحنطة، والسّويقَ بالماءِ: فتَتُّه به وهى البَسِيسة. وقيل معناه: سِيقت سَوقاً سريعاً، من قولهم: انبسّت الحيَّاتُ: أَى انسابت انسياباً سريعاً. فيكون كقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال﴾ وبسسْت بالإِبل: زجرتها عند السّوق. وأَبْسَسْتُ بها عند الحلب، وناقةٌ بَسُوس: لا تُدِرّ إِلاَّ على الإِبساس.

стр. 808

بصيرة فى بسر البَسْر فى الأَصل: الاستعجال بالشئِ قبل أَوانه. وبَسَر الرّجُل حاجتَه: طلبها فى غير أَوانها، (والفحل الناقة: ضربها فى غير أَوانها) قبل الضبَعة. وَمَاءٌ بَسْر: متناول من غديره قبل سكونه. ومنه قيل لِمَا [لم] يدرك من التمر: بُسْر. وقوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ أَى أَظهر العبوس قبل أَوانه، وفى غير وقته. فإِن قيل: فقوله - تعالى -: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ ليس يفعلون ذلك قبل الوقت، وقد قلت: إِن ذلك يقال فيما كان قبل وقته، [قيل: إِن ذلك إِشارة إِلى حالهم قبل الانتهاءِ بهم إِلى النار. فخص لفظ البسر تنبيها أَن ذلك مع ما ينالهم من بَعْدُ يجرى مجرى التكلُّف، ومجرى ما يفعل قبل وقته] . ويدلّ على ذلك قوله : ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ .

стр. 809

بصيرة فى البسوق بَسَقَت النخلةُ: طالت. وبَسَق على أَصحابه، علاهم. والبَسُوق والمِبسَاق: الطويلة الضَّرْع من الغنم. ولا تُبَسِّق علينا تبسيقاً: لا تطوّل ﴿والنخل بَاسِقَاتٍ﴾ طويلات مرتفعات.

стр. 810

بصيرة فى البسل هو الضمّ والمَنْع. والبَسْل: الحرام؛ لأَنَّه ممنوع عنه. والبَسْل: الحلال؛ لأَنَّه يُضمّ ويجمع. فهو من الأَضداد. وتبسّل الرّجلُ: عَبَس غضباً، أَو شجاعة. وبه سمّى الأَسد باسلاً، ومبَسّلاً. والباسل الشّجاع؛ لعبوسه، أَو لكونه محرّماً على أَقرانه أَن ينالوه، أَو لمنعه ما تحت يده عن أَعدائه. وقد بَسُل - ككرم - بَسَالةً، وَبَسالاً. وقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أَى تُمنع الثَّواب وتُحرمه. والفرق بين الحرام والبسل أَنَّ الحرام عامّ فيما كان ممنوعاً منه بالحُكم والقهر، والبَسْل هو الممنوع منه بالقهر. وقوله تعالى ﴿أولائك الذين أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ﴾ أَى مُنعوا الثواب، وحُرمُوا. وفُسّر بالإِرهان، كقوله - تعالى -: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ . وأَبسلت المكان: جعلته بَسْلاً على من يريده. وأَبسله لكذا: رَهَنه. وأَبسل عِرْضه: فضحه. وأَبسله لعمله: وكَله إِليه. وفلاناً: جعله بَسْلاً، شجاعاً، قويّاً على مدافعة الشيطان، أَو الحيّات، أَو الهوامّ. والبُسْلة: أَجرة الرّاقى. وبَسَلت الحنظل بَسْلاً طيّبَتْه، كأَنه أَزال بَسَالته أَى شدّته، أَو ما فيه من المرارة الجارية مجرى المحرّم.
следующие страницы →