Полный текст (2 804 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
بصيرة فى البزوغ
وهو ابتداءُ الطُّلوع. وقيل: بزغت الشمس بَزْغاً وبُزُوغاً: شرَقَت، وبزغ ناب البعير طلع، وبزغ الحاجم: شَرط. والمِبْزَغ المِشراط. وابتزغ الرّبيعُ: جاءَ أَوّله: ﴿فَلَمَّآ رَأَى القمر بَازِغاً﴾ أَى طالعاً (منتشر الضوءِ) .
стр. 807
بصيرة فى البس
البَسّ: الفَتّ والذُّلّ: ﴿وَبُسَّتِ الجبال﴾ أَى فُتَّتْ، من قولهم: بَسسْت الحنطة، والسّويقَ بالماءِ: فتَتُّه به وهى البَسِيسة. وقيل معناه: سِيقت سَوقاً سريعاً، من قولهم: انبسّت الحيَّاتُ: أَى انسابت انسياباً سريعاً. فيكون كقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجبال﴾ وبسسْت بالإِبل: زجرتها عند السّوق. وأَبْسَسْتُ بها عند الحلب، وناقةٌ بَسُوس: لا تُدِرّ إِلاَّ على الإِبساس.
стр. 808
بصيرة فى بسر
البَسْر فى الأَصل: الاستعجال بالشئِ قبل أَوانه. وبَسَر الرّجُل حاجتَه: طلبها فى غير أَوانها، (والفحل الناقة: ضربها فى غير أَوانها) قبل الضبَعة. وَمَاءٌ بَسْر: متناول من غديره قبل سكونه. ومنه قيل لِمَا [لم] يدرك من التمر: بُسْر.
وقوله - تعالى -: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ أَى أَظهر العبوس قبل أَوانه، وفى غير وقته. فإِن قيل: فقوله - تعالى -: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ ليس يفعلون ذلك قبل الوقت، وقد قلت: إِن ذلك يقال فيما كان قبل وقته، [قيل: إِن ذلك إِشارة إِلى حالهم قبل الانتهاءِ بهم إِلى النار. فخص لفظ البسر تنبيها أَن ذلك مع ما ينالهم من بَعْدُ يجرى مجرى التكلُّف، ومجرى ما يفعل قبل وقته] . ويدلّ على ذلك قوله : ﴿تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ﴾ .
стр. 809
بصيرة فى البسوق
بَسَقَت النخلةُ: طالت. وبَسَق على أَصحابه، علاهم. والبَسُوق والمِبسَاق: الطويلة الضَّرْع من الغنم. ولا تُبَسِّق علينا تبسيقاً: لا تطوّل ﴿والنخل بَاسِقَاتٍ﴾ طويلات مرتفعات.
стр. 810
بصيرة فى البسل
هو الضمّ والمَنْع. والبَسْل: الحرام؛ لأَنَّه ممنوع عنه. والبَسْل: الحلال؛ لأَنَّه يُضمّ ويجمع. فهو من الأَضداد. وتبسّل الرّجلُ: عَبَس غضباً، أَو شجاعة. وبه سمّى الأَسد باسلاً، ومبَسّلاً. والباسل الشّجاع؛ لعبوسه، أَو لكونه محرّماً على أَقرانه أَن ينالوه، أَو لمنعه ما تحت يده عن أَعدائه. وقد بَسُل - ككرم - بَسَالةً، وَبَسالاً.
وقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أَى تُمنع الثَّواب وتُحرمه.
والفرق بين الحرام والبسل أَنَّ الحرام عامّ فيما كان ممنوعاً منه بالحُكم والقهر، والبَسْل هو الممنوع منه بالقهر. وقوله تعالى ﴿أولائك الذين أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ﴾ أَى مُنعوا الثواب، وحُرمُوا. وفُسّر بالإِرهان، كقوله - تعالى -: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ .
وأَبسلت المكان: جعلته بَسْلاً على من يريده. وأَبسله لكذا: رَهَنه. وأَبسل عِرْضه: فضحه. وأَبسله لعمله: وكَله إِليه. وفلاناً: جعله بَسْلاً، شجاعاً، قويّاً على مدافعة الشيطان، أَو الحيّات، أَو الهوامّ. والبُسْلة: أَجرة الرّاقى. وبَسَلت الحنظل بَسْلاً طيّبَتْه، كأَنه أَزال بَسَالته أَى شدّته، أَو ما فيه من المرارة الجارية مجرى المحرّم.
стр. 811
بصيرة فى البسم
قال - تعالى - ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا﴾ . والتبسّم، والابتسام. والبَسْم بمعنى واحدٍ، وهو أَقل الضحك. وأَحسنه. وقد بسَم يبسم - كضرب - بَسْماً فهو مِبْسَام، وبَسّام والمَبْسِم - كمنزل - الثَّغْر. والمَبْسَم - كمقعد -: التبسُّم.
стр. 812
بصيرة فى البضاعة
وهى: قِطعة وافرة من المال، تُقْتَنى للتجارة. يقال: أَبضَع بضاعة، وابتضعها. وأَصله البَضْع: القطع: بَضَعه يَبْضَعه - كمنعه يمنعه - وبضَّعه تبضيعاً: قطعه. وبَضَعهُ. أَيضاً: شقَّه (والبضع أَيضاً التزوّج والمجامعة والتبيّن) . والبُضْع - بالضمّ - الجماع وعَقد النكاح - وبالكسر والفتح - ما بين الثلاث إِلى التسع، أَو إِلى الخمس، أَو إِلى أَربعة، أَو من أَربع إِلى تسع، أَو هو سبع. وإِذا جاوزت العَشْر ذهب البِضْع: لا يقال: بضع وعشرون، وقيل: يقال، وقال الفَرّاء: لا يُذْكر [إِلا] مع العشرة، والعشرين إِلى التسعين، ولا يقال: بضع ومائة، ولا أَلف. وقال مَبْرَمان: البضع: ما بين العَقْدين من واحد إِلى عشرة، ومن أَحد عشر إِلى عشرين. ومع المذكر بهاءٍ، ومع المؤنث بغير هاءٍ: بضعة وعشرون رجلا، وبضع وعشرون امرأَة.
وورد فى التنزيل من هذه المادَّةِ على وجوه:
الأَول: اسمٌ لمال التجارة ﴿وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ﴾ ﴿هاذه بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ .
стр. 813
الثانى: اسم للمأْكُولاتِ، وأَسبابُ المعيشة: ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾ .
الثالث: اسم لحقيقة البضاعة ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ .
الرّابع: لمدّة من الزمان ﴿فَلَبِثَ فِي السجن بِضْعَ سِنِينَ﴾ . وفلان حسن البَضع، والبَضِيع، والبَضْعَة؛ عبارة عن السّمن. والبَضِيع: الجزيرة المنقطعة عن البرّ. والباضعة الشَّجّة تبضَع اللَّحم. وهو بِضْعة منى: أَى جار مَجْرَى بعض جسدى.
стр. 814
بصيرة فى الباطل
وهو مالا ثبات له عند الفحص عنه. وقد يقال ذلك فى الاعتبار إِلى المقال. والفعال، بطل بُطْلاً، وبُطُولا وبُطلاناً - بضمّهنّ -: ذهب ضياعاً، وخَسِرَ، وأَبطله غيره. وبطل فى حديثه بَطَالة أَى هَزَل (كأَبطل) إِبطالا. وأَبطل أَيضاً: جاءَ بالباطل. والباطل أَيضاً: إِبليس. ومنه قوله: ﴿وَمَا يُبْدِىءُ الباطل﴾ . ورجل بطَّالٌ: ذو باطل بيّن البُطُول. وتبطَّلوا بينهم: تداولوا الباطل. ورجل بَطَل، وبطَّال، بيِّن البَطَالة والبُطُولة: شجاع تبطل جراحَته، فلا يكترث لها ولا يبطلُ نجادته، أَو تبطل عنده دماءُ الأَقران. والجمع أَبطال. وهى بهاءٍ. وقد بَطُل ككرُمَ، وتبطَّل. والبُطَّلات: التُرّهات، وبينهم أُبطولة وإِبطالة: باطل. والبَطَلة: السّحَرة.
والإِبطال يقال فى إِفساد الشئ وإِزالته، حقّاً كان ذلك الشئ أَو باطلاً. قال تعالى: ﴿لِيُحِقَّ الحق وَيُبْطِلَ الباطل﴾ .
وقد جاءَ بمعنى الكذب: ﴿لاَّ يَأْتِيهِ الباطل مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ﴾
стр. 815
، ﴿إِذاً لاَّرْتَابَ المبطلون﴾ ، وبمعنى الإِحباط: ﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى﴾ ، ﴿وَلاَ تبطلوا أَعْمَالَكُمْ﴾ وبمعنى الكفر والشّرك: ﴿وَقُلْ جَآءَ الحق وَزَهَقَ الباطل إِنَّ الباطل كَانَ زَهُوقاً﴾ ، وبمعنى الصّنم، ﴿والذين آمَنُواْ بالباطل وَكَفَرُواْ بالله﴾ أَى بالصّنم، أَو بإِبليس، وبمعنى الظُّلم والتعدّى: ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل﴾ أَى بالظُّلم.
стр. 816
بصيرة فى البطن
وهو خلاف الظَّهر - والجمع أَبطن، وبُطون، وبُطْنان، - والجماعة دون القبيلة، أَو دون الفَخذ، وفوق العِمَارة. والجمع أَبطن وبطون. والبطن: جوف كلّ شئٍ. ورجل بَطِين: عظيم البطن، وبَطِنٌ - ككتف -: هَمّه بطنه، أَو رَغِيب لا يَنتهى عن الأَكْلِ. ويقال لما تدركه الْحاسّة: ظاهر، ولما يخفى عنها: باطن؛ قال تعالى: ﴿وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإثم وَبَاطِنَهُ﴾ ورجل مُبَطَّن: خميص البطن، وبُطِن - كعنى - أُصيب بطنه، فهو مبطون أَى عليل البطن. والبطانة: خلاف الظِّهارة. ويستعار البطانة لمن تختصّه بالاطِّلاع على باطن أَمرك. قال تعالى: ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً﴾ أَى مختصّاً بكم: يَستبطِن أُموركم. وذلك استعارة من بِطَانة الثوب، بدلالة قولهم: لبِست فلاناً إِذا اختصصته، وفلان شِعارى ودثارى. وفى الصّحيح عن النبىّ ﷺ "مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبىٍّ وَلاَ اسْتَخْلَفَ خليفة إِلاَّ كانت له بِطَانتان: بِطَانة تأْمره بالخَيْر، وتحضُّه عليه، وبطانة تأْمره بالشَّرّ، وتحُثُّه عليه".
والظَّاهر، والباطن فى صفة الله - تعالى - لا يقال إِلاَّ مزدوجَيْن؛ كالأَوّل والآخر. والظَّاهر قيل: إِشارة إِلى معرفتنا البديهيّة؛ فإِنّ الفطرة
стр. 817
تقتضى فى كلّ ما نظر إِليه الإِنسان أَنَّه موجود؛ كما قال - تعالى -: ﴿وَهُوَ الذي فِي السمآء إلاه وَفِي الأرض إلاه﴾ . ولذلك قال بعض الحكماءِ: مَثَل طالب معرفتِه مَثَلُ مَن طوّف الآفاق فى طلب ما هو معه. والباطن إِشارة إِلى معرفته الحقيقية. وهى الَّتى أَشارة إِليها أَبو بكر الصّدّيق - رضى الله تعالى عنه - بقوله: يا من غاية معرفته، القصور عن معرفته. وقيل: ظاهر بآياته، باطن بذاته، وقيل: ظاهر بأَنَّه محيط بالأَشياءِ، مدرك لها، باطن من أَن يحاط به؛ كما قال: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار﴾ . وقد رُوى عن أَمير المؤمنين علىّ - رضى الله عنه - ما دلَّ على تفسير اللفظتين، حيث قال: تجلَّى لعباده من غير أَن رأَوه، وأَراهم نفسَه من غير أَنْ تجلَّى لهم. ومعرفة ذلك تحتاج إِلى فهم ثاقب، وعقل وافر. وقوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ قيل: الظاهر بالنبوّة، والباطنة بالعقل. وقيل: الظَّاهرة: المحسوسات، والباطنة: المعقولات: وقيل: الظاهرة: النُّصرة على الأَعداءِ بالنَّاس، والباطنة: النصرة بالملائكة. وكلّ ذلك يدخل فى عموم الآية. والله أَعلم.
стр. 818
بصيرة فى البطء
بَطُؤ - ككرم - بُطأً - بالضم -، وبِطاء - ككتاب - وأَبطأَ، وتَبَاطَأَ: واستبطأَ: تأَخَّر عن الانبعاث فى الأَمر. وأَبطئوا إِذا كانت دوابّهم بِطَاءً وبطَّاهُ وأَبطاه: أَخَّره عن الانبعاث قال - تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ أَى يثبّط غيره. وقيل: يُكثر هو من البطءِ فى نفسه. والمقصد بذلك: أَن منكم مَنْ يتأَخَّر، ويؤخِّر غيرهُ. ولم أَفعله بُطْءَ يا هذا، وبُطْأَى يا هذا: أَى الدّهَر. وبُطْآن ذا خروجا - بالضمّ، والفتح - أَى بَطُؤَ.
стр. 819
بصيرة فى البعد
وهو ضدّ القرب، وما لهما حدّ محدود، وإِنَّمَا هو أَمر اعتبارىّ. ويستعمل فى المحسوس وفى المعقول ولكن استعماله فى المحسوس أَكثر. مثاله فى المعقولة قوله - تعالى -: ﴿قَدْ ضَلُّواْ ضلالا بَعِيداً﴾ يقال بَعُد - ككرم -: أَى تباعَدَ، فهو بعيد. قال - تعالى -: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ﴾ .
وبَعِدَ بَعَداً - كفرِحَ فَرَحاً: مات. والبَعَد أَكثر ما يقال فى الهلاك، والبُعْد والبَعَد كلاهما يقال فى الهلاك، وفى ضدّ القرب. قال - تعالى -: ﴿فَبُعْداً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾ . وقوله: ﴿بَلِ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة فِي العذاب والضلال البعيد﴾ أَى الضلال الذى يصعبُ الرجوع منه إِلى الهدى؛ تشبيهاً بمَنْ ضلَّ عن مَحَجَّة الطَّريق بُعْداً متناهياً، فلا يكادُ يُرجَى له إِليها رجوع، وقوله: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ أَى تقاربونهم فى الضَّلال، فلا يبعد أَن يأْتيكم ما أَتاهم من العذاب.
стр. 820
بصيرة فى بعض
بعض كلّ شئ: طائفة منه. والجمع أَبعاض. ولا يدخله أَل خلافاً لابن درسْتويه. بعَّضته تبعيضاً: جعلته أَبعاضاً؛ كجزَّأْته. وهو من الأَضداد: يقال للجزءِ وللكلّ. قال أَبُو عبيدة ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الذي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ أَى كلّ..؛ كقول الشاعر:
أَو يَرْتَبِطْ بعضَ النفوس حِمامها
قيل: هذا قصور نظر منه. وذلك أَنَّ الأَشياءَ على أَربعة أَضرب:
ضربٌ فى بيانه مفسدة، فلا يجوز لصاحب الشَّريعة بيانه؛ كوقت القيامة، ووقت الموت.
وضربُ معقولاتٍ يمكن للنَّاسِ إِداركه، من غير نبىّ؛ كمعرفة الله، و (معرفة خَلْقه) السَّماواتِ والأَرضِ، فلا يلزم صاحب الشرع أَن يبيّنه؛ أَلا ترى أَنه كيف أَحال معرفته على العقول فى نحو قوله: ﴿قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض﴾ ، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ﴾
стр. 821
وضرب يجب عليه بيانه؛ كأُصول الشرعيّات المختصّة بشرعه.
وضرب يمكن الوقوف عليه بما يبيّنه صاحب الشرع؛ كفروع الأَحكام. فإِذا اختلف الناس فى أَمرٍ غير الَّذى يختصّ بالنبىّ بيانُه، فهو مخيّر بين أَن يبيّن وبين أَلاَّ يبيّن، حسبما يقتضيه اجتهاده وحكمته، وأَمّا الشاعر فإِنَّه عنى نفسه. والمعنى: إِلا أَن يتداركنى الموت؛ لكن عَرَّضَ ولم يصرّح؛ تفَادياً من ذكر موت نفسه. والبَعوض اشتق لفظه من بَعْضِ: وذلك لصغر جسمه، بالإِضافة إِلى سائر الحيوانات. وبُعِضُوا: آذاهم البُعُض وليلة بَعِضة، ومبعوضة، وأَرض بَعِضَة: كثيرة البَعُوض.
стр. 822
بصيرة فى البعل
وهو الزَّوج. والجمع بِعَال، وبُعُول. والمرأَة بَعْل، وبَعْلة. وبَعَل يَبْعَل بُعُولة: صار بعلاً. وكذا اسْتَبْعَل. والبِعال. والتباعُل. والمباعلة: الجماع، وملاعبة الرّجل المرأَة. وباعلت: اتخذتْ بعلاً، وتبعَّلتْ: أَطاعت بعلها، أَو تزيَّنَتْ له.
وذكر فى القرآن البَعْل على وجهين:
الأَوّل: اسم صنم لقول إِلياس ﵇: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ .
الثانى: بمعنى الأَزواج: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ﴿وهاذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ وله نظائر.
ولمَّا تُصوّر من الرّجل استعلاء على المرأَة، وأَن بسببه صار سائسَها، والقائم عليها، شُبّه كلّ مستعل على غيره به، فسمّى به. فسمَّى قوم معبودهم الذى يتقَرَّبُون به إِلى الله تعالى "بعلا" لاعتقادهم ذلك فيه. وقيل للأَرضِ المستعلية على غيرها: بَعْل، ولفَحْل النخل: بعل. تشبيها بالبعل من الرّجال، وكذا سمّوا ما عَظُم من النخل حتى شرب بعروقه بعلاً، لاستعلائه واسغنائه عن السّاقى، ولمّا كانت وَطْأَة العالى على المستولَى عليه مستثقلة فى النَّفس قيل: أَصبح فلان بَعْلاً على أَهله أَى ثقيلاً، لعلوّه عليهم.
стр. 823
بصيرة فى بعثر
قال - تعالى -: ﴿وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ﴾ أَى قُلِب ترابها، وأُثير ما فيها ومن رأَى أَن تركيب الرّباعىّ والخماسىّ من ثلاثيين نحو هلَّل وبَسْمل، - إِذا قال: لا إِله إِلاَّ الله، وبسم الله - يقول: إِن بُعْثِر مركَّب من بُعث، وأُثِيرَ. وهذا غير بعيد فى هذا الحرف؛ وإِنَّ البعْثرة يتضمّن معنى بُعِث، وأُثير.
стр. 824
بصيرة فى البغى
وهو طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرّى، تجاوزَه أَولم يتجاوزه. فتارة يُعتبر فى القَدْر الَّذى هو الكَمّيّة، وتارة يعتبر فى الوصف الَّذى هو الكيفيّة. يقال: بَغَيت الشئَ إِذا طلبت أَكثر ممّا يجب، وابتغيت كذلك. والبغْى على ضربين:
أَحدهما محمود، وهو تجاوز العَدْل إِلى الإِحسان، والفَرضِ إِلى التطوّع.
والثانى مذموم. وهو تجاوز الحقّ إِلى الباطل، أَو تجاوزه إِلى الشُّبَه؛ كما قال النبىّ ﷺ : "إِنَّ الحلال بيّن، وإِنَّ الحرام بيّنٌ، وبينهما أَمور مشتبهات. ومن يرتعْ حول الحمى يوشكْ أَن يقع فيه".
وقد ورد فى القرآن لفظ البغى على خمسة أَوجه:
الأَوّل بمعنى الظُّلم: ﴿وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغي﴾ ، ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والبغي﴾ .
الثانى: بمعنى المعصية، والزَلَّة، ﴿ياأيها الناس إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ﴾ ﴿فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ﴾ أَى يعصون.
الثالث: بمعنى الحَسَد: ﴿بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ أَى حسدا.
стр. 825
الرَّابع: بمعنى الزِّنى: ﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء﴾ .
الخامس: بمعنى الطلب: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ أَى يطلبون لها اعوجاجا، ﴿يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله﴾ ولها نظائر.
ولأَنَّ البغى قد يكون محموداً ومذموماً قال - تعالى -: ﴿إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس وَيَبْغُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾ فَخَصّ العقوبة بمن بغيُهُ بغير الحقِّ.
وأَبغيتك الشئَ: أَعنتك على طَلبِه. وبَغَى الجرحُ: تجاوز الحَدّ فى فساده. وبغت المرأَة: إِذا فجَرَتْ؛ لتجاوزها إِلى ما ليس لها. وبغت السّماءُ تجاوزة فى المطر حَدّ الحاجة. وبغى: تكبّر؛ لتجاوزه منزلتَه. ويستعمل ذلك فى أَىّ أَمر كان، فالبغى فى أَكثر المواضع مذموم. وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ أَى غير طالب ما ليس له طلبه، ولا متجاوز لما رُسم له. وقال الحسن: غير متناول للَّذَّةِ، ولا متجاوز سَدّ الجَوْعَةِ [وقال] : مجاهد: "غير باغ" على إِمام، "ولا عادٍ" فى المعصية طريق الحقّ.
وأَمّا الابتغاءُ فالاجتهاد فى الطلب، فمتى كان الطَّلب لشئٍ محمودٍ كان الابتغاءُ محموداً؛ نحو ﴿ابتغآء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ .
стр. 826
انبغى مطاوع بَغَى، فإِذا قيل ينبغى أَن يكون كذا فعلى وجهين:
أَحدهما: ما يكون مسخَّراً للفعل؛ نحو النارُ ينبغى أَن تحرق الثوب.
والثانى على معنى الاستئهال؛ نحو فلان ينبغى أَن يُكْرَم لِعِلْمِهِ.
وقوله - تعالى -: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ على الأَوّل فإِنَّ معناه: لا يتسخَّر، ولا يتسهَّل له؛ أَلا ترى أَنَّ لسانه لم يكن يجرى به؟!
стр. 827
بصيرة فى البقاء
وهو ثبات الشئ على الحالة الأُولى. (وهو يضادّ الفناءَ) وبَقِىَ يَبْقَى كَرَضِىَ يَرْضَى، وبَقَى كَسَعَى يَسْعَى: ضدّ فنِى. وأَبقاه وتبقَّاه واستبقاه والاسم البَقْوى بالفتح وبالضَّمِّ والبُقيا بالضمّ وقد توضع الباقية موضع المصدر، و ﴿بَقِيَّةُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أَى طاعة الله، أَو انتظار ثوابه، أَو الحالة الباقيةُ لكم من الخير، أو ما أُبقِى لكم من الحلال. و ﴿أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ﴾ أَى إِبقاءٍ، أَو فهمٍ. و (الباقيات الصالحات) كل عمل صالح، أَو سبحان الله والحمد لله ولا إِله إِلاَّ الله والله أَكبر، أَو الصّلوات الخمس. وفى الحديث: "بَقينَا رسول الله ﷺ ": أَى انتظرناه وترصّدنا له مدّة كثيرة.
والباقى ضربان: باق بنفسه لا إِلى مدّة. وهو البارئ تعالى. ولا يصحّ عليه الفناء. وباقٍ بغيره. وهو ما عداه، ويصحّ عليه الفناء. والباقى بالله ضربان:
باقٍ بشخصه، إِلى أَن يشاءَ الله أَن يفنيه؛ كبقاءِ الأَجرام السماويّة.
وباقٍ بنوعه وجنسه، دون شخصه وجزئه؛ كالإِنسان، والحيوانات. وكذا فى الآخرة باق بشخصه؛ كأَهل الجنة؛ فإِنَّهم يبقون على التأْبيد؛ لا إِلى مدّة. وباق بنوعه، وجنسه؛ كما روى عن النبىِّ ﷺ "إِنَّ ثمار أَهل الجنَّة يقطفها أَهلها، ويأْكلونها، ثمّ يخلَف مكانها مثلُها". ولكون ما فى الآخرة دائماً قال الله : ﴿وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى﴾ .
стр. 828
بصيرة فى البك
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ ، قيل: هى اسم لمكَّة. وقيل: لغة فيها؛ كلازب فى لازم. وقيل: اسم لما بين جبليها. وقيل: هى اسم للمَطَاف.
والبَكُّ لغة: الخرق والتَّخريق، والشَّقُّ والتفريق. وبكَّ فلاناً: أَى زاحمه، فيُشبه أَن يكون من الأَضداد. وبكَّهُ: وضعه. وبَكَّ عُنُقه: دَقَّها. وبكَّ فلاناً: ردّ نَخْوته، والشئ: فسخه، والمرأَة: جهَدَها جماعاً، وفلان: افتقر، وخَشُنَ بدنُه؛ شجاعة. وتباكّ: تراكم، والقوم: ازدحموا؛ كَتبكبكوا. والبكبكة: طرح الشئِ بعضه على بعض، والازدحامُ. وسمّيت مَكَّةُ بها لازدحام الحجيج؛ أَوْ لأَنَّها تدُقُّ أَعناق الجبابرة إِذا أَرادوا بإِلحاد فيها.
стр. 829
بصيرة فى البكم
الأَبكم: هو الَّذى يولَد أَخرس. وكل أَبكم أَخرس، وليس كلّ أَخرس أَبكم. قال - تعالى -: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ وقيل: البَكَم، والبَكَامة: الخَرَس. وقيل: الخَرَس مع عِىٍّ وبلاهة. وقيل: هو أَن يولد لا ينطق، ولا يسمع، ولا يبصر. بَكِم يَبْكَم - كفرِح يفرح - فهو أَبكم، وبكيم. وبَكُم - كَكَرُم - امتنع عن الكلام تعمّداً، وانقطع عن النكاح، جهلاً أَو عَمْداً. وتبكَّم عليه الكلامُ: أُرتج.
стр. 830
بصيرة فى البكاء
بكى يبكى بُكاءً وبُكىً، فهو باكٍ. والجمع بُكَاة وبُكِىّ، والتَِبكاء - بالفتح والكسر: البكاءُ، أَو كثرته. وأَبكاه: فعل به ما يوجِب بكاه. وبَكَّاه على المَيّت تبكية: هيّجه للبكاءِ. وبكاه بكاءً، وبَكَّاه: بكى عليه، ورثاه. وبَكى: غَنَّى. فهو من الأَضداد. وقيل: البكاءُ بالمدّ (سيلان الدمع عن حزن وعويل. هكذا يقال بالمدّ) إِذا كان الصوت أَغلب كالرّغَاءِ، والثُّغَاءِ، وسائر الأَبنية الموضوعة للصّوت؛ والبُكَى - بالقصر -: إِذا كان الحزن أَغلب. وبَكى يقال فى الحزن، وإِسالة الدّمع معاً، ويقال فى كلّ واحد منهما منفرداً عن الآخر.
وقوله - تعالى -: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً﴾ إِشارة إِلى الفرح، والتَّرح، وإِن لم يكن مع الضَّحك قهقهة ولا مع البكاءِ إِسالة دمع. وكذا قوله - تعالى - ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السمآء والأرض﴾ وقيل: إِنَّ ذلك على الحقيقة. وذلك قول من يجعل له حياة، وعلماً. وقيل: ذلك على المجاز، على تقدير مضاف أَى أَهلهما.
стр. 831
بصيرة فى بل
وقد ورد فى القرآن على وجهين.
الأَوّل: للتأْكيد نيابة عن إِنَّ: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ أَى إِنَّ الذين.
الثانى: لاستدراك ما بعده، أَو للإِضراب عما قبله: ﴿بَلْ أَنتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ ، ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ، ﴿بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ .
قال الراغب: بَلْ كلمة للتدارك. وهو ضربان.
ضرب يُناقض ما بعده ما قبله؛ لكن ربّما يقصد لتصحيح الحكم الَّذى بعده، وإِبطال ما قبله، وربّما يقصد تصحيح الَّذى قبله، وإِبطال الثانى، نحو قوله - تعالى -: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ ، ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ على قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أَىْ ليس الأَمر كما قالوا، بل جهلوا. فنبّه بقوله: ﴿رَانَ على قُلُوبِهِمْ﴾ على جهلهم. وعلى هذا قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هاذا﴾ وممّا قُصِد به تصحيح الأَوّل
стр. 832
وإِبطال الثانى قولُه - تعالى -: ﴿فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه﴾ إِلى قوله: ﴿كَلاَّ بَلْ لاَ تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ أَى ليس إعطاؤهم من الإِكرام، ولا منعْهم من الإِهانة، لكن جهلوا ذلك بوضعهم المال فى غير موضعهِ. وعلى ذلك قوله - تعالى -: ﴿ص وَالقُرْآنِ ذِى الذِّكْرِ بَلِ الذِينَ كَفَرُوا فِى عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ فإِنه دلّ بقوله: (والقرآن) أَنَّ القرآن مَقَرّ للتذكر، وأَن ليس امتناع الكفَّار من الإِصغاءِ إِليه أَنَّه ليس موضعاً للذكر، بل لتعزُّزهم ومشاقَّتهم. وعلى هذا ﴿ق وَالْقُرْآنِ المَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا﴾ أَى ليس امتناعهم من الإِيمان بالقرآن أَن لا مَجْد (فى القرآن) ، ولكن لجهلهم. ونبّه بقوله: (بل عجبوا) على جهلهم؛ لأَنَّ التعجّب من الشئِ يقتضى الجهل بسببه. وعلى هذا قوله: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكريم﴾ إِلى قوله: ﴿كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ ، كأَنه قيل: ليس ههنا ما يقتضى أَن يَغُرّهم به - تعالى ولكن تكذيبهم هو الَّذى حملهم على ما ارتكبوه.
والضَّرب الثانى من بل هو أَن يكوم مبينّاً للحكم الأَوّل، وزائداً عليه بما بعد بل، نحو قوله - تعالى -: ﴿بَلْ قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افتراه بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ فإِنَّه نبّه أَنهم يقولون: أَضغاث أَحلام، بل افتراه (يزيدون على ذلك بأَن الذى أَتى به مفترى افتراه، بل يزيدون) فيدّعون أَنَّه كذَّاب؛ فإِن الشَّاعر فى القرآن عبارة عن الكاذب بالطَّبع. وعلى هذا قوله:
стр. 833
﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار﴾ إِلى قوله: ﴿بل تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ أَى لو يعلمون ما يعلمون ما هو زائد على الأَوّل، وأَعظم منه وهو أَن تأْتيهم بغتة.
وجميع ما فى القرآن من لفظ (بل) لا يخرج من أَحد هذين الوجهين، وإِن دَقَّ الكلام فى بعضه.
стр. 834
بصيرة فى البلد
وقد ورد فى القرآن على خمسة أَوجه:
الأَوّل: بمعنى مَكَّة ﴿لاَ أُقْسِمُ بهاذا البلد﴾ ، ﴿وهاذا البلد الأمين﴾ ﴿اجعل هاذا البلد آمِناً﴾ ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ﴾ .
الثانى: بمعنى مدينة سبَأ: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ .
الثالث: كناية عن جُمْلة المدُن: ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ فِي البلاد﴾ .
الرّابع: بمعنى الأَرض لا نبات فيها: ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾ ﴿فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ .
الخامس: بمعنى الأَرض الَّتى بها نبات: ﴿والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ . وقيل: هو كناية عن النفوس الطَّاهرة، وبالذى خبث عن النفوس الخبيثة.
والبلد لغة: المكان المحدود، المتأَثِّر باجتماع قُطَّانِهِ، وإِقامتهم فيه. وجمعه
стр. 835
بلاد، وبُلْدان. وسمّيت المفازة بلداً؛ لكونها موضع الوحشيّات، والمقبرةُ بلداً؛ لكونها موطن الأَموات (والبلدة منزل من منازل القمر) والبلد: البُلْجَةُ ما بين الحاجبين؛ تشبيها بالبلد؛ لتحدّدِهِ. وسمّيت الكِرْكرة بَلْدة لذلك. وربّما استعير ذلك لصدر الإِنسان. ولاعتبار الأَثر قيل: بجلده بَلْدة: أَى أَثر. وجمعه أَبلاد، قال:
وفى النُّحورِ كلومٌ ذاتُ أَبلادِ
وأَبلد: صار ذا بلد؛ كأَنجد وأَتْهم، وَبَلد: لزم البلد. ولمّا كان اللاَّزم لوطنه كثيراً ما يتحيّر إِذا حصل فى غير وطنه، قيل للمتحيّر: بَلَدَ فى أَمره وأَبَلَدَ، وتبلَّدَ.
стр. 836
بصيرة فى البلاء (وبلى)
قد ورد فى القرآن على ثلاثة أَوجه:
الأَوّل: بمعنى النعمة: ﴿وَلِيُبْلِيَ المؤمنين مِنْهُ بلاء حَسَناً﴾ أَىْ وليُنْعِم.
الثانى: بمعنى الاختبار والامتحان: ﴿هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون﴾ ، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ .
الثالث: بمعنى المكروه: ﴿وَفِي ذلكم بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أَى مِحْنة.
والمادّة موضوعة لضدّ الجِدَّة: بَلِى الثَّوب بِلاً، وبَلاءً: خَلُق. وقولهم: بلوته: اختبرته، كأَنى أَخلقْتَهُ من كثرة اختبارى. وقرئ ﴿هُنَالِكَ تَبْلوا كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ﴾ أَى تعرِف حقيقة ما عملت.
وسُمّى الغمّ بلاءً؛ من حيث إِنَّه يُبلىِ الجسم. وسُمّى التكليف بلاءً؛ لأَنَّ التكاليف مَشَاقُّ على الأَبدان، أَوْ لأَنَّها اختبارات. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ﴾ وقيل: اختبار الله تعالى لعباده تارة بالمسارّ ليشكروا، وتارة بالمضارّ ليصبروا. فصار المِنحة والمحنة جميعاً بلاءً. فالمِحْنة مقتَضِية للصّبر، والمِنحة مقتضية للشكر، والقيامُ بحقوق الصّبر أَيسر من القيام بحقوق الشكر. فصارت المِنْحة أَعظم البلاءَين.
стр. 837
لهذا قال عمر - رضى الله عنه - بُلينا بالضَّرّاءِ فصبرنا، وبلينا بالسَّراءِ فلم نصبر. وقال علىّ - رضى الله عنه -: من وُسّع عليه دنياه، فلم يعلم أَنه قد مُكِر به، فهو مخدوع عن عقله. وقال - تعالى -: ﴿وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً﴾ . وقوله: ﴿بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ راجع إِلى المحنة التى فى قوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ ، وإِلى المنحة الَّتى أَنجاهم. وإِذا قيل: بَلاَ الله كذا، وابتلاه، فليس المراد إِلاَّ ظهور جودته ورداءَته، دون التعرّف لحاله، والوقوف على ما يُجهل منه، إِذ كان الله تعالى علاَّم الغيوب، وعلى هذا قوله - تعالى -: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ وأَبلاه: أَحْلفه و [أَبلى] حلف له، لازم متعدّ.
وبَلَى: رَدّ للنفى: ﴿وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ إِلى قوله: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ أَو جوابٌ لاستفهام مقترن بنفى؛ نحو ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ ونعم يقال فى الاستفهام المجرّد؛ نحو ﴿هَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّاً قَالُواْ نَعَمْ﴾ ، ولا يقال ههنا: بلى. فإِذا قيل: ما [عندى] شئٌ فقلت: بلى كان ذلك ردّاً لكلامه. فإِذا قلت: نعم كان إِقرارا منك.
стр. 838
بصيرة فى البنان
وقد ورد فى موضعين. وهى الأَصابع، وقيل: رءُوس الأَصابع. الواحدة بَنَانة. سمّيت بذلك لأَن بها إِصلاح الأَحوال الَّتى (تمكِّن الإِنسان) أَن يُبِنَّ فيما يريد أَى يقيم. ويقال بَنَّ بالمكان، وأَبَنَّ: أَى أَقام به. ولذلك خَصّ فى قوله: ﴿بلى قَادِرِينَ على أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ ، ﴿واضربوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ خَصّه لأَجل أَنَّها يقاتَل بها ويدافع. والبَنَّة: الريح الطَّيّبّة والمنتنة: ضدّ. والجمع بِنَان بالكسر. والبُنَان - بالضَّمّ -: الرّوضة المُعْشبة.
стр. 839
بصيرة فى البنيان
وقد ورد فى القرآن على أَربعة أَوجهٍ:
الأَوّل: بمعنى الصّرح، والقصر العالى: ﴿فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ﴾ بنيانَهم: أَى صَرْحهم.
الثَّانى: بمعنى المسجد: ﴿فَقَالُواْ ابنوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً﴾ (مسجدا) ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوى مِنَ اللَّهِ﴾ ، ﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذي بَنَوْاْ﴾ أَى مسجدهم.
الثالث: بمعنى بيت النار: ﴿قَالُواْ ابنوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الجحيم﴾ .
الرّابع: بمعنى تشبيه صَفّ الغازين بالجدران المرصوصة: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ .
والبنيان واحد لا جمع له. وقال بعضهم: جمع واحدته بُنْيَانة، على حدّ نخلة ونخل. وهذا النَّحوُ من الجمع يصحّ تذكيره وتأْنيثه.
وابْنٌ أَصله بَنَىٌ لقولهم فى الجمع: أَبناءٌ، وفى التّصغير بُنىّ. وسمّى
стр. 840
بذلك؛ لكونه بناءً للأَب؛ فإِنَّ الأَب قد بناه. ويقال لكلّ ما يحصل من جهة شئٍ، أَو من ترتبيته أَو بتفقده، أَو كثرة خدمته له، وقيامه بأَمره: هو ابنه؛ نحو فلانٌ ابن الحرب، وابن السّبيل للمسافر. وابن بطنِه، وابن فرجه إِذا كان همّه مصروفاً إِليهما، وابن يومه إِذا لم يتفكَّر فى غدِه. وجمع ابن أَبناءٌ، وبنون. ومؤنَّثه ابنة وبنت. والجمع بنات.
وقوله: ﴿هاؤلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ ، وقوله: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ فقد قيل: خاطب بذلك أَكابر القوم، وعَرَض عليهم بناته، لا أَهلَ قريته كلَّهم؛ فإِنَّه محال أَن يعرض بنات قليلة على الجمّ الغفير. وقيل: بل أَشار بالبنات إِلى بنات أُمّته. سمّاهنّ بنات له؛ لكون النبىّ بمنزلة الأَب لأُمّته، بل لكونه أَكبر الأَبوين لهم. وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات﴾ يريد به قولهم: الملائكة بنات الله.
стр. 841
بصيرة فى الباب
وهو مَدْخل الشئِ. وأَصل ذلك مداخل الأَمكنة؛ كبَاب المدينة والدّار، وجمعه أَبواب، وبيبانٌ، وأَبْوِبة نادر. والبِوَابة: حرفة البَوَّاب من وباب له يَبُوب: صار بوّاباً له. وتبوّب بوّاباً: اتَّخذه. ومنه يقال فى العلم باب كذا، وهذا العلم باب إلى كذا: أَى يتوصّل إِليه. وقد يقال: أَبواب الجنَّة، وأَبواب جهنَّم للأَسباب الَّتى بها يتوصّل إِليهما. والباب، والبابة فى الحساب، والحدود: الغايةُ. وهذا بابته: أَى يصلح له. وبابات الكتاب: سطوره لا واحد لها.
بصيرة فى البياض
وهو ضدّ السّواد. وجمع الأَبِيض بِيض. وأَصله بُيْض بالضمّ أَبدلوه بالكسر، ليصحّ الياءُ. وقد ابيضّ يَبْيضُّ ابيضاضاً.
ولمّا كان البياض أَفضل لون عندهم - كما قيل: البياض أَفضل، والسّواد أَهْوَل، والحُمرة أَجمل، والصُّفرة أَشكل - عُبّر عن الفضل والكرم بالبياض؛ حتى قيل لمن لم يتدنَّس بمعاب: هو أَبيض الوجه. وقد تقدّم فى بصيرة الأَبيض.
стр. 842
بصيرة فى البيع
وهو إِعطاءُ المُثْمَن، وأَخذ الثمن. والشِّرى: إِعطاءِ الثمن، وأَخذ المُثْمن. ويقال للبيع: الشِرَى، وللشرى: البَيْع. وذلك بحسب ما يتصوّره من الثمن، والمُثْمن. وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ ، وقال ﵇ "لا يبيعَنَّ أَحدُكم على بيع أَخيه" أَى لا يشتر على شِراه. وأَبعْت الشئَ: عَرَضته للبيع. وبايع السّلطان: إِذا تضمّن بذل الطَّاعة بما رَضخ له. ويقال لذلك: بَيْعة ومبايعة.
وقوله: ﴿فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ إِشارةٌ إِلى بَيْعَة الرّضوان التى فى قوله - تعالى -: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة﴾ والتى فى قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ ، وقوله - تعالى -: ﴿وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ جمع بِيعة هو: مصلَّى النَّصارى، فإِن كان عربيّاً فى الأَصل فلِما قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الآية.
стр. 843
بصيرة فى البال
وهو الحال الَّتى تكثرت بها. ولذلك يقال: ما باليتُ بكذا بالةً أَى ما اكترثت. ويعبّر به عن الحال الَّذى ينطوى عليه الإِنسان، وقوله - تعالى - ﴿فَمَا بَالُ القرون الأولى﴾ : أَى حالهم وخبرهم. والبال: الخاطر والقلب، يقال: ما خطر ببالى كذا.
стр. 844
بصيرة فى البواء
وأَصله: مساواة الأَجزاءِ فى المكان، خلافُ النُبوّ الَّذى هو منافاة الأَجزاءِ. ويقال: مكان بَوَاءٌ: إِذا لم يكن نابيا بنازِلِه. وبوّأْت له مكاناً: سوّيته. وتبوّأَ المكان: حلَّه، وأَقام به. قال - تعالى -: ﴿تَبَوَّءُوا الدار والإيمان﴾ وفى الحديث: "مَنْ كذب على متعمّداً فليتبوّأْ مقعدَه من النَّار" ويستعمل البَوَاءُ فى مراعاة التكافؤ فى المصاهرة، والقصاص، فيقال: فلان بوَاءٌ بفلان: إِذا ساواه.
وقوله - تعالى -: ﴿وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله﴾ أَى حَلّوا متبوَّأً، ومعهم غضب الله، أَى عقوبتُه. وقوله: (بغضب) فى موضع الحال، نحو خرج بسيفه، لا مفعول، نحو مرّ بزيد. واستعمال (باءَ) تنبيه أَنَّ مكانه الموافق يلزمه فيه غضبُ الله، فكيف غيره من الأَمكنة. وذلك على حدّ ما ذكره فى ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . وقوله: ﴿إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أَى تقيم بهذه الحالة.
стр. 845
الباب الرابع - فى وجوه الكلمات المفتتحة بحرف التاء
بصيرة فى التاء
هو حرف هجاءٍ، لِثوىّ، من جِوار مخرج الطَّاءِ. ويمدّ ويقصر. والنسبة إِلى الممدود: تائىّ، وإِلى المقصور: تاوىّ. وجمعه أَتْوَاءٌ؛ كداءٍ وأَدْواءٍٍ. وقصيدة تائيّة، وتيَويّة. وتيّيت تاءً حسنة.
والتَّاءُ المفردة محرّكة فى أَوائل الأَسماءِ وفى أَواخرها، وفى أَواخر الأَفعال، [ومسكنة فى أَواخرها] .
والمحرّكة فى أَوائل الأَسماءِ حرف جرّ للقسم. وتختصّ بالتعجب، وباسم
следующие страницы →