← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9856

بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز

الفيروزآبادي

Полный текст (2 804 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

بصيرة فى الباب وهو مَدْخل الشئِ. وأَصل ذلك مداخل الأَمكنة؛ كبَاب المدينة والدّار، وجمعه أَبواب، وبيبانٌ، وأَبْوِبة نادر. والبِوَابة: حرفة البَوَّاب من وباب له يَبُوب: صار بوّاباً له. وتبوّب بوّاباً: اتَّخذه. ومنه يقال فى العلم باب كذا، وهذا العلم باب إلى كذا: أَى يتوصّل إِليه. وقد يقال: أَبواب الجنَّة، وأَبواب جهنَّم للأَسباب الَّتى بها يتوصّل إِليهما. والباب، والبابة فى الحساب، والحدود: الغايةُ. وهذا بابته: أَى يصلح له. وبابات الكتاب: سطوره لا واحد لها. بصيرة فى البياض وهو ضدّ السّواد. وجمع الأَبِيض بِيض. وأَصله بُيْض بالضمّ أَبدلوه بالكسر، ليصحّ الياءُ. وقد ابيضّ يَبْيضُّ ابيضاضاً. ولمّا كان البياض أَفضل لون عندهم - كما قيل: البياض أَفضل، والسّواد أَهْوَل، والحُمرة أَجمل، والصُّفرة أَشكل - عُبّر عن الفضل والكرم بالبياض؛ حتى قيل لمن لم يتدنَّس بمعاب: هو أَبيض الوجه. وقد تقدّم فى بصيرة الأَبيض.

стр. 842

بصيرة فى البيع وهو إِعطاءُ المُثْمَن، وأَخذ الثمن. والشِّرى: إِعطاءِ الثمن، وأَخذ المُثْمن. ويقال للبيع: الشِرَى، وللشرى: البَيْع. وذلك بحسب ما يتصوّره من الثمن، والمُثْمن. وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ ، وقال ﵇ "لا يبيعَنَّ أَحدُكم على بيع أَخيه" أَى لا يشتر على شِراه. وأَبعْت الشئَ: عَرَضته للبيع. وبايع السّلطان: إِذا تضمّن بذل الطَّاعة بما رَضخ له. ويقال لذلك: بَيْعة ومبايعة. وقوله: ﴿فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ إِشارةٌ إِلى بَيْعَة الرّضوان التى فى قوله - تعالى -: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة﴾ والتى فى قوله - تعالى -: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ ، وقوله - تعالى -: ﴿وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ جمع بِيعة هو: مصلَّى النَّصارى، فإِن كان عربيّاً فى الأَصل فلِما قال الله - تعالى -: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الآية.

стр. 843

بصيرة فى البال وهو الحال الَّتى تكثرت بها. ولذلك يقال: ما باليتُ بكذا بالةً أَى ما اكترثت. ويعبّر به عن الحال الَّذى ينطوى عليه الإِنسان، وقوله - تعالى - ﴿فَمَا بَالُ القرون الأولى﴾ : أَى حالهم وخبرهم. والبال: الخاطر والقلب، يقال: ما خطر ببالى كذا.

стр. 844

بصيرة فى البواء وأَصله: مساواة الأَجزاءِ فى المكان، خلافُ النُبوّ الَّذى هو منافاة الأَجزاءِ. ويقال: مكان بَوَاءٌ: إِذا لم يكن نابيا بنازِلِه. وبوّأْت له مكاناً: سوّيته. وتبوّأَ المكان: حلَّه، وأَقام به. قال - تعالى -: ﴿تَبَوَّءُوا الدار والإيمان﴾ وفى الحديث: "مَنْ كذب على متعمّداً فليتبوّأْ مقعدَه من النَّار" ويستعمل البَوَاءُ فى مراعاة التكافؤ فى المصاهرة، والقصاص، فيقال: فلان بوَاءٌ بفلان: إِذا ساواه. وقوله - تعالى -: ﴿وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ الله﴾ أَى حَلّوا متبوَّأً، ومعهم غضب الله، أَى عقوبتُه. وقوله: (بغضب) فى موضع الحال، نحو خرج بسيفه، لا مفعول، نحو مرّ بزيد. واستعمال (باءَ) تنبيه أَنَّ مكانه الموافق يلزمه فيه غضبُ الله، فكيف غيره من الأَمكنة. وذلك على حدّ ما ذكره فى ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ . وقوله: ﴿إني أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ أَى تقيم بهذه الحالة.

стр. 845

الباب الرابع - فى وجوه الكلمات المفتتحة بحرف التاء بصيرة فى التاء هو حرف هجاءٍ، لِثوىّ، من جِوار مخرج الطَّاءِ. ويمدّ ويقصر. والنسبة إِلى الممدود: تائىّ، وإِلى المقصور: تاوىّ. وجمعه أَتْوَاءٌ؛ كداءٍ وأَدْواءٍٍ. وقصيدة تائيّة، وتيَويّة. وتيّيت تاءً حسنة. والتَّاءُ المفردة محرّكة فى أَوائل الأَسماءِ وفى أَواخرها، وفى أَواخر الأَفعال، [ومسكنة فى أَواخرها] . والمحرّكة فى أَوائل الأَسماءِ حرف جرّ للقسم. وتختصّ بالتعجب، وباسم

стр. 846

الله تعالى. وربّما قالوا: تربِّى، وتربِّ الكعبة، وتالرحمن، والمحرّكة فى أَواخرها حرف خطاب؛ كأَنْت. والمحرّكة فى أَواخر الأَفعال ضمير؛ كقمت. والسّاكنة فى أَواخرها علامة للتَّأْنيث: كقامت. وربّما وُصلت بثُم ورُبّ، والأَكثر تحريكها معهما بالفتح. و"تا" اسم يشار به إِلى المؤنث [مثل] "ذا"، و "ته" مثل ذِه، وتان للتثنية، وأُولاءِ للجمع. وتصغير "تا": تيَّا، وتيّاك، وتيّالِك، وتدخل عليها ها، فيقال هاتا. فإِن خوطب بها جاءَ الكاف، فقيل: تيك، وتاك، وتِلْك، وتَلك بالكسر والفتح، وهى رديئة. وللتثنية تانِك، وتانِّك [تخفف] وتشدّد، والجمع أَولئك وأُلاكَ وأَولالك، وتدخل الهاءُ على تيك، وتاك، فيقال: هاتيك، وهاتاك. والتاءُ فى حساب الجُمّل أَربعمائة. والتاءُ المبدلة من الواو كالتراث والوُراث، والتجاه والوجاه ﴿وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً﴾ . وأَصله الوراث ومنها التَّاءُ المبدلة من السّين فى الطَّسْت والطسّ.

стр. 847

بصيرة فى التسبيح وهو تنزيه الله تعالى. وأَصله المَرُّ السّريع فى عبادة الله. وجُعِل ذلك فى فعل الخير؛ كما جعل الإِبعاد فى الشرّ، فقيل: أَبعده الله. وجعل التَّسبيح عامّاً فى العبادات، قولاً كان، أَو فعلاً، أَو نِيّة. وقوله - تعالى -: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين﴾ قيل: من المصلِّين. والأَولى أَن يُحمل على ثلاثها والتَّسبيح ورد فى القرآن على نحو من ثلاثين وجهاً. ستَّة منها للملائكة، وتسعة لنبينّا محمّد ﷺ وأَربعة لغيره من الأَنبياء، وثلاثة للحيوانات والجمادات، وثلاثة للمؤمنين خاصّة. وستَّة لجميع الموجودات. أَما الّتى للملائكة فدعوى جبريلَ فى صفّ العبادة: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ المسبحون﴾ . الثانى: دعوى الملائكة فى حال الخصومة: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ . الثالث: تسبيحهم الدّائم من غير سآمة: ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بالليل والنهار وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ﴾ . الرابع: تسبيحهم المعرَّى عن الكسل، والفَتْرة: ﴿يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ﴾ .

стр. 848

الخامس: تسبيحهم المقترن بالسجدة: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ . السادس: تسبيحهم مقترناً بتسبيح الرّعد على سبيل السياسة والهيبة ﴿وَيُسَبِّحُ الرعد بِحَمْدِهِ والملائكة مِنْ خِيفَتِهِ﴾ . وأَمّا التسعة الَّتى لنبيّنا محمّد ﷺ ، فالأَول: تسبيح مقترن بسجدة اليقين، والعبادة: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ الساجدين واعبد رَبَّكَ﴾ . الثانى: تسبيح فى طرفى النّهار، مقترنٌ بالاستغفار من الزلَّة: ﴿واستغفر لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بالعشي والإبكار﴾ . الثالث تسبيح فى بطون الدياجر، والخلوة: ﴿وَمِنَ الليل فاسجد لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ . الرّابع تسبيح فى الابتداءِ، والانتهاءِ، حال العبادة: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ. وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النجوم﴾ . الخامس تسبيح مقترن بالطُّلوع، والغروب لأَجل الشَّهادة ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ ﴿وَمِنَ الليل فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السجود﴾ .

стр. 849

السّادس تسبيح دائم لأَجل الرّضا والكرامة ﴿فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النهار لَعَلَّكَ ترضى﴾ . السّابع: تسبيح مقترِن بذكر العظمة: ﴿فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم﴾ . الثَّامن: تسبيح بشكر النعمة: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى الذي خَلَقَ فسوى﴾ . التَّاسع: تسبيح لطلب المغفرة: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره﴾ قال ﷺ : "ما أُوحى إِلىَّ أَن اجمعِ المال وكن من التّاجرين، ولكن أُوحى إِلى أَن سبّح بحمد ربّك وكن من السّاجدين، واعبد ربّك حتى يَأْتيك اليقين". وأَمّا الأَربعة التى للأَنبياءِ فالأَوّل لزكريّا علامةً على ولادة يحيى: ﴿قَالَ رَبِّ اجعل لي آيَةً﴾ إِلى قوله: ﴿وَسَبِّحْ بالعشي والإبكار﴾ . الثَّانى: فى وصيّته لقومه على محافظة وظيفة التسبيح: ﴿فأوحى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ . الثالث: فى موافقة الجبال، والظباءِ، والحيتان، والطيور لداود فى التسبيح: ﴿يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق﴾ . الرَّابع: فى نجاة يونس من ظلمات البحر وبطن الحوت ببركة التسبيح ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين﴾ .

стр. 850

وأَمّا الثلاثة التى لخواصّ المؤمنين، فالأَوّل فى أَمر الله تعالى لهم بالجمع بين الذكر والتسبيح دائماً: ﴿اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ . الثانى: فى ثناءِ الحقّ تعالى على قوم إِذا ذُكر الله عندهم سجدوا له وسبّحوا: ﴿خَرُّواْ سُجَّداً وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ . الثالث: فى أُناس يختلُون فى المساجد. ويواظبون على التسبيح والذكر، ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ . وأَمّا الثلاثة الَّتى فى الحيوانات، والجمادات، فالأَول: فى أَنَّ كلّ نوع من الموجودات مشتغِل (بنوع من التسبيحات: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولاكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ . الثانى) : فى أَنَّ الطُّيور فى الهواءِ مصطفَّة لأَداءِ وِرْد التسبيح: ﴿والطير صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ . الثَّالث: أَنّ حَمَلة العرش والكرسىّ فى حال الطواف بالعرش والكرسىّ مستغرقون فى التسبيح والاستغفار: ﴿الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ، ﴿وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ مِنْ حَوْلِ العرش يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ .

стр. 851

وأَمّا الستَّة الَّتى للعامّة فالأَوّل: على العموم فى تسبيح الحقّ على الإِحياءِ والإِماتة: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ إِلى قوله: ﴿يُحْيى وَيُمِيتُ﴾ . الثانى: فى أَنَّ كلّ شىءٍ فى تسبيح الحقّ على إِخراج أَهل الكفر، وإِزعاجهم ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ إِلى قوله: ﴿هُوَ الَّذِى أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ﴾ . الثَّالث: أَنَّ الكلّ فى التسبيح، ومَن خالف قوله فعله مستحِقّ للذمّ والشكاية: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات﴾ إِلى قوله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مالاَ تَفْعَلُونَ﴾ . الرّابع: فى أَنَّ الكلّ فى التسبيح للقدس والطَّهارة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ إِلى قوله: ﴿المَلِكِ القُدُّوسِ﴾ . الخامس: فى أَنَّ الكلّ فى التسبيح على تحسين الخِلْقة والصّورة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ إِلى قوله: ﴿وصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ . السادس: فى الملامة والتعيير من أَصحاب ذلك النسيان بعضِهم لبعض من جهة التقصير فى تسبيح الحقّ - تعالى -: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ . الحادى والثلاثون: خاصّ بالنبىّ ﷺ فى الأَمر بالجمع بين التوكُّل والتسبيح: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ .

стр. 852

بصيرة فى التابوت وهو شِبْه صُندوق يُنْحت من خشب. وأَصله تَابُوَة كتَرْقُوة، سكِّنت الواو، فانقلب هاءُ التأْنيث تاءً. والتَّبُوت كزبُور: لغة فى التَّابوت. وقد ورد فى القرآن على وجهين: الأَوّل: بمعنى الصُّندوق الَّذى وضَعَت أُمُّ موسى ولدهَا فيه، ورمته فى البحر: ﴿أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم﴾ . الثَّانى: بمعنى الصّندوق الَّذى ورثه الأَنبياءُ من آدم ﵇: ﴿أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ . وأَمّا التابوت الَّذى يجعل فيه الميّت فمستعار من هذا. وقيل: التَّابوت عبارة عن القلب، والسّكينةُ عمّا فيه من العلم. ويسمّى القلب سَفَط العلم، وبيت الحِكْمة، وتابوته، ووِعاءَه، وصُندوقه.

стр. 853

بصيرة فى التأويل وجاءَ فى القرآن على خمسة أَوجه: الأَوّل: بمعنى المُلْك ﴿وابتغاء تَأْوِيلِهِ﴾ أَى مُلْك محمّد ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ﴾ أَى نهاية ملكه. فزعم اليهود أَنَّهم أَخذوه من حساب الجُمَّل. الثَّانى: بمعنى العاقبة، ومآل الخير والشَّرّ الَّذى وعد به الخَلْق: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ أَى عاقبته، ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أَى عاقبة ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع﴾ أَى عاقبته. الثالث: بمعنى تعبير الرّؤيا: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحاديث﴾ أَى تعبير الرّؤيا. الرابع: بمعنى التحقيق والتفسير: ﴿هاذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ أَى تحقيقها وتفسيرها. الخامس: بمعنى أَنواع الأَطعمة وأَلوانها: ﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أَى بأَلوانه وأَنواعه. والتأْويل أَصله من الأَوْل، وهو الرجوع. ومنه المَوْئل: للموضع الَّذى

стр. 854

يُرْجَعِ إِليه. وذلك هو رَدّ الشئ إِلى الغاية المرادة [منه] عِلْماً كان، أَو فعلاً. ففى العلم نحو ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله﴾ ، وفى الفعل كقول الشاعر: وللنوى قبل يوم البين تأْويل وقوله - تعالى -: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ : أَى غايته. وقد تقدّم. وقيل فى قوله - تعالى -: ﴿ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ : أَى أَحسن معنى وترجمة، وقيل: أَحسن ثواباً فى الآخرة. بصيرة فى التب وهو الخسران والنقص. وبمعناه التَبَبَ، والتَبَاب، والتَتْبيب. وتبّا له، وتبّاً تتبيباً: مبالغة. وتبّبه: قال له ذلك. وتبّب فلاناً: أَهلكه. و ﴿تَبّتْ يَدَا أَبى لَهَبٍ﴾ أَى ضَلَّتا، وخسِرتا، واستمرتا فى خسرانه ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أَى تخسير. بصيرة فى التبر وهو الكَسْر، والإِهلاك. يقال: تَبَره، وتَبَّره. وقوله - تعالى -: ﴿وَلاَ تَزِدِ الظالمين إِلاَّ تَبَاراً﴾ أَى هلاكاً.

стр. 855

بصيرة فى التبع تبعه تبَعاً وتَبَاعة: مشى خَلْفه أَو مَرّ به، فمضى معه. والتبع تارة يكون بالجسم، وتارة بالارتسام، والائتمار. وعلى ذلك قوله تعالى -: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ويقال: أَتْبعه: إِذا لحقه. ومنه قوله - تعالى -: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ﴾ أَى لحقهم، أَو كاد يلحقهم. ومنه ﴿فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾ . ويقال أُتبع فلان بمال على آخر: أَى أُحِيل عليه. وتُبّع كانوا رءُوساً؛ سُمّوا بذلك لاتِّباع بعضهم بعضاً فى الرّياسة، والسّياسة. و "أَتْبع الفرسَ لجامَها والنَّاقةَ زمامَها" يضرب عند الأَمر باستكمال المعروف. والتَّبَع واحد، ويجمع. وقد يجمع على أَتباع.

стр. 856

بصيرة فى تبارك وقد ذُكِر فى ثمانية مواضع من القرآن: الأَوّل: عند بيان الخَالِقيّة: ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ . الثانى: فى بيان الرُّبوبيّةِ: ﴿تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين﴾ . الثالث: فى بيان الكَرَم والجلالة: ﴿تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ ذِي الجلال والإكرام﴾ . الرّابع: فى بيان المُلْك: ﴿وَتَبَارَكَ الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ . الخامس: فى بيان القهر، والقدرة: ﴿تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . السّادس: عند إِظهار عجائب صنع الملكوت: ﴿تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً﴾ . السابع: فى بيان نفاذ المشيئة والإِرادة: ﴿تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذلك﴾ . الثامن: فى بيان عظمة القرآن، وشرفه: ﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان﴾ . واختُلِف فى معناه: فقِيل: لم يزل ولا يزال. وقيل: تبارك تقدّس. وقيل: تَعظَّم. وقيل تعالى. وكلّ موضع ذُكِر فيه (تبارك) فهو تنبيه على اختصاصه - تعالى - بالخيرات المذكورة مع تبارك. مثل قوله: ﴿تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً﴾ ؛ فإِنَّه تنبيه على اختصاصه بما يُفيضه علينا: من نِعمِهِ، بوساطة هذه البروج.

стр. 857

بصيرة فى تترى وهى فَعْلَى من المواترة أَى المتابعة وتراً وتراً. وأَصلها واو، فأُبدلت تاءً؛ كتراث وتُجاه. فمن صرفه جعل الأَلف زائدة لا للتأْنيث. ومن [منع] صرفه جعل أَلفه للِتأْنيث. قال - تعالى -: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ أَى متواتِرين، وقال الفرّاءُ: يقال: تَتْرٌ فى الرّفع، وتَتْراً فى النَّصب، وتَتْرٍ فى الجرّ. والأَلف فيه بدل من التنوين. وقال ثعلب: هى تَفْعَل. وغلَّطه أَبو علىّ الفسَوىّ، وقال: ليس فى الصّفات تَفْعَل. بصيرة فى التجارة وقد ذكرها الله تعالى فى ستَّة مواضع. الأَوّل: تجارة غُزَاة المجاهدين بالرُّوح، والنفْس، والمال: ﴿هَلْ أَدُلُّكمْ على تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إِلى قوله: ﴿بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُم﴾ . الثانى: تجارةُ المنافقين فى بَيْع الهدى بالضَّلالة: ﴿اشتروا الضلالة بالهدى فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ﴾ . الثالث: تجارة قراءَة القرآن: ﴿إِنَّ الذين يَتْلُونَ كِتَابَ الله﴾ إِلى قوله: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ .

стр. 858

الرّابع: تجارة عُبّاد الدّنيا بتضييع الأَعمار، فى استزادة الدرهم والدّينار: ﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا﴾ . الخامس: فى معاملة الخَلْق بالبيع والشِّرَى: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ . السّادس: تجارة خواصّ العباد بالإِعراض عن كلّ تجارة دنيويّة: ﴿رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ الله﴾ . وهى لغةً: التَّصرّف فى رأْس المال؛ طلباً للرّبح. تجَر يَتْجُرُ فهو تاجر. والجمع تَجْر - كصاحب وصَحْب - وتُجّار وتِجَار. وليس فى الكلام تاءٌ بعده جيم غيرها. ويقال: هو تاجر بكذا: أَى حاذِق، عارف لوجه المكتسب منه. ويقال: نِصف البركة فى التجارة. وقيل، نعم الشئُ التجارة، ولو فى الحجارة. ويروى فى الكلمات القدسيّة: من تاجَرَنِى لم يخسر. وأُوحى إِلى بعض الأَنبياءِ: قل لعبيدى: تاجرونى تربحوا علىّ؛ فإِنى خلقتكم لتربحوا علىّ لا لأَربح عليكم. وفى الحديث: الرفق فى المعيشة خير من بعض التجارة. وقال الشاعر: خُذوا مال التجار وسوّفوهم ... إِلى وقت فإِنهمُ لئام وليس عليكم فى ذاك إِثْمٌ ... فإِن جميع ما جَمَعوا حرام

стр. 859

بصيرة فى التراب وقد جاءَ فى القرآن على وجوه: الأَوّل: بمعنى العظام البالية: الرّميمة: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً﴾ . الثَّانى: بمعنى البهائم: ﴿ياليتني كُنتُ تُرَاباً﴾ أَى بهيمة من البهائم. وقيل: هو بمعنى آدم ﵇. وهذا ممّا يقوله إِبليس. الثالث: بمعنى حقيقة التُرْبة: ﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ . وفيه لغات: التُّرْب، والتُرْبة، والتُّرْباء، والتَّيْرب، والتَّيراب، والتَّوْرب، والتوارب، والتَّريب. وجمع التُّراب أَتربة، وتِرْبان. ولم يسمع لسائر لغاته بجمع. قال بعض الشعراءِ: خُلِقتُ بغير ذنب من تراب ... فأَرجع بالذنوب إِلى التراب أَلا وجميعُ من فوق التراب ... فداءُ تراب نعل أَبى تراب وترب - كفرح -: كثر ترابه، وصار فى يده الترابُ، ولزق بالتُّراب، وافتقر، وخسر. وأَترب: استغنى، وقلّ ماله. فهو من الأَضداد. وكذا تَرَّبَ تتريباً. وبَارِحٌ تَرِبٌ: ريح فيها تراب. والترائب: ضلوع الصّدر، أَو ما ولىِ التَرْقُوتيْن منها، أَو ما بين الثَدْيين والترقوتين، أَو أَربع أَضلاع من يَمْنة الصّدر، وأَربع من يَسْرته، أَو اليدان، والرّجلان، والعينان، أَو موضع القلادة. و ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطرف أَتْرَابٌ﴾ أَى لِدَات نشأن معاً؛ تَشبيهاً فى التساوى والتَّماثل بضلوع الصَّدر، أَو لوقوعهنّ معاً على التُّراب عند الوِلاَد. والتَّربْة: الضَّعْفة.

стр. 860

بصيرة فى الترك وهو رفض الشئِ قصداً واختياراً، أَوْ قهراً واضطراراً. تركه تَرْكاً، وتِرْكَاناً، واتَّركَه: وَدَعه. والترك أَيضاً الجَعْل؛ كقولك: تركته وَقيذاً، كأَنَّه ضدّ. وقوله - تعالى -: ﴿واترك البحر رَهْواً﴾ من القصد الاختيارى وقوله: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ﴾ من القهرىّ الاضطرارىّ. وقد يقال فى كلّ فعلٍ يُنتهى به إِلى حالة مّا: تركته كذا.

стр. 861

بصيرة فى التقوى وهى مشتقَّة من الوِقَايَة، وهى حفظ الشئِ ممّا يؤذيه، ويضرّه. يقال: وقاه وَقْياً ووِقاية وواقية: صانه. والتَّوقية: الكلاءَة، والحفظ. وقيل: الأَصل فيها وِقاية النِّساءِ الَّتى تستُر المرأَةُ بها رأْسها، تقيها من غبار، وحرّ، وبرد. والوِقاية: ما وقيت به شيئاً. ومن ذلك فرس واق: إِذا كان يَهاب المشىَ من وجَعٍ يجده فى حافره. فأَصل تقوى: وَقَوى، أَبدلت الواو تاءً؛ كتراث، وتجاه. وكذلك اتَّقى يتَّقى أَصله: اوتقى، على افتعل. فقلبت الواو يَاءً، لانكسار ما قبلها، وأُبدلت منها التَّاءُ، وأُدغمت. فلمّا كثر استعماله على لفظ الافتعال توهَّموا أَنَّ التَّاءَ من نفس الكلمة، فجعلوه تَقَى يَتَقى، بفتح التَّاءِ فيها. ثمّ لم يجدوا له مثالاً فى كلامهم يلحقونه به، فقالوا: تَقَى يَتْقِى مثل قضى يقضى. وتقول فى الأَمر: تَقِ، و (فى المؤنَّث) تَقِى. ومنه قوله: زيادَتنا نعمانُ لا تقطعنها ... تق الله فينا والكتاب الذى تتلو

стр. 862

بنى الأَمر على المخفَّف، فاستغنى عن الأَلف فيه بحركة الحرف الثانى فى المستقبل. والتَّقوى والتُّقى واحد. والتُّقَاةُ: التقِيّة. يقال: اتَّقى تقِيّة، وتُقَاةً. قال الله - تعالى -: ﴿إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ . والتَّقِىّ: المتَّقى، وهو مَن جعل بينه وبين المعاصى وِقاية تحول بينه وبينها: من قوّة عزمه على تركها، وتوطين قلبه على ذلك. فلذلك قيل له: متَّقٍ. والتَّقوى البالغة الجامعة: اجتنابُ كلّ ما فيه ضرر لأَمر الدين، وهو المعصية، والفضول. فعلى ذلك ينقسم على فرض، ونفل. وقد ورد فى القرآن بخمسة معانٍ: الأَوّل: بمعنى الخوف والخشية: ﴿ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ﴾ ، وقال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ولهذا نظائر. الثانى: بمعنى الطَّاعة، والعبادة: ﴿أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ﴾ . الثالث: بمعنى ترك المعصية، والزَلَّة: ﴿وَأْتُواْ البيوت مِنْ أَبْوَابِهَا واتقوا الله﴾ أَى اتركوا خلاف أَمره. الرّابع: بمعنى التَّوحيد والشَّهادة: ﴿اتقوا الله وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾ . الخامس: بمعنى الإِخلاص، والمعرفة: ﴿أولائك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى﴾ .

стр. 863

وأَمّا البِشَارَات الَّتى بشَّر الله تعالى بها الْمُتَّقِين فى القرآن فالأَوّل: البشرى بالكرامات: ﴿الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ البشرى﴾ . الثانى: البشرى بالعون والنّصرة: ﴿إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا﴾ . الثَّالث: بالعلم والحكمة: ﴿إِن تَتَّقُواْ الله يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً﴾ . الرّابع: بكفَّارة الذّنوب وتعظيمه: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ . السّادس: بالمغفرة: ﴿واتقوا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . السّابع: اليُسْر والسّهولة فى الأَمر: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ . الثَّامن: الخروج من الغمّ والمِحنةِ: ﴿وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ . التَّاسع: رزق واسع، بأَمن وفراغ: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ . العاشر: النَّجاة من العذاب، والعقوبة: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾ . الحادى عشر: الفوز بالمراد: ﴿وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾ . الثانى عشر: التَّوفيق والعصمة: ﴿ولاكن البر مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر﴾ إِلى قوله: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ .

стр. 864

الثالث عشر: الشهادة لهم بالصدق: ﴿أولائك الذين صَدَقُواْ وأولائك هُمُ المتقون﴾ . الرابع عشر: بشارة الكرامة والأَكرمية: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ﴾ . الخامس عشر: بشارة المحبّ: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين﴾ . السّادس عشر: الفلاح: ﴿واتقوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . السّابع عشر: نيل الوصال، والقُربة: ﴿ولاكن يَنَالُهُ التقوى مِنكُمْ﴾ . الثامن عشر: نيل الجزاء بالممحنة: ﴿إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾ . التَّاسع عشر: قبول الصّدقة: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين﴾ . العشرون: الصّفاء والصّفوة: ﴿فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب﴾ . الحادى والعشرون: كمال العبودية: ﴿اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ . الثانى والعشرون: الجنَّات والعيون: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ . الثالث والعشرون: الأَمْن من البليّة: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ أَمِينٍ﴾ . الرابع والعشرون: عزّ الفوقيْة على الخَلْق: ﴿والذين اتقوا فَوْقَهُمْ يَوْمَ القيامة﴾ .

стр. 865

الخامس والعشرون: زوال الخوف والحزن من العقوبة: ﴿فَمَنِ اتقى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ . السادس والعشرون: الأَزواج الموافِقة: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً﴾ إِلى قوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً﴾ . السّابع والعشرون: قُرب الحضرة، واللِّقاءِ والرّؤية: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ. فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ . ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب يَوْمَ القيامة﴾ تنبيهٌ على شدّة ما ينالهم وأَن أَجدرَ شئ يتَّقون به من العذاب يوم القيامة هو وجوههم. فصار ذلك: كقوله. وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التقوى﴾ أَى أَهل أَن يُتَّقى عقابُه. ورجل تقِىّ من أَتقياء وتُقَواء.

стр. 866

بصيرة فى التوبة تاب إِلى الله تَوْباً، وتوبة، ومَتَاباً، وتابةً، وتَتْوِبةً: رجع عن المعصية، وهو تائب، وتوّاب. وتاب الله عليه: وفَّقه للتوبة، أَو رجع به من التَّشديد إِلى التخفيف، أَو رجع عليه بفضله، وقبوله. وهو توّاب على عباده. واستتابه: سأَله أَن يتوب. والتوبة من أَفضل مقامات السّالكين؛ لأَنَّها أَوّل المنازل، وأَوسطها، وآخرها، فلا يفارقها العبد أَبداً، ولا يزال فيها إِلى الممات. وإِن ارتحل السّالك منها إِلى منزل آخر ارتحل به، ونزل به. فهى بداية العبد، ونهايته. وحاجته إِليها فى النِّهاية ضروريّة؛ كما حاجتُه إِليها فى البداية كذلك. وقد قال تعالى: ﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وهذه الآية فى سورة مدنيّة، خاطب الله تعالى بها أهل الإِيمان، وخيار خَلْقه أَن يتوبوا إِليه بعد إِيمانهم، وصبرهم، وهجرتهم، وجهادهم، ثمّ علَّق الفلاح بالتوبة تعلُّق المسبّب بسببه، وأَتى بأَداة (لعلّ) المشعرِ بالتَّرجّى؛ إِيذاناً بأَنَّكم إِذا تبتم كنتم على رجاءِ الفلاح، فلا يَرْجوا الفلاحَ إِلاَّ التائبون، جعلنا الله منهم. وقد قال - تعالى -: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فأولائك هُمُ الظالمون﴾ قسّم العباد إِلى تائبٍ، وظالم. وما قِسْم ثالث البتَّة، وأَوقع

стр. 867

الظُّلم على مَن لم يتُبْ، ولا أَظلم منه بجهله بربّه، وبحقِّه، وبعيب نفسه، وبآفات أَعماله. وفى الصّحيح: "يا أَيُّها النَّاسُ توبوا إِلى الله؛ فإِنى أَتوب إِليه فى اليوم أَكثر من سبعين مرّة"، وكان أَصحابه يَعُدّون له فى المجلس الواحد قبل أَن يقوم: (ربّ اغفر لى وتُبْ علىّ إِنَّك أَنت التَّواب الرّحيم) مائة مرّة، وما صلَّى قطُّ بعد نزول سورة النَّصر إلا قال فى صلاته: سبحانك اللَّهمّ ربّنا وبحمدك، اللَّهمّ اغفر لى. وقوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ﴾ يريد بالتَّوبة تمييز البقيّة من العزَّة: بأَن يكون المقصود من التَّوبة تقوى الله، وهو خوفه، وخشيته، والقيام بأَمره، واجتناب نهيه، فيعمل بطاعته على نور من الله، يرجو ثواب الله، ويترك معصية الله على نور من الله، يخاف عقاب الله، لا يريد بذلك عِزّ الطَّاعة؛ فإِنَّ للطَّاعة والتَّوبة عزّاً ظاهراً وباطناً، فلا يكون مقصوده العزَّة، وإِن علم أَنها تحصل له بالطَّاعة، والتَّوبة. فمن تاب لأَجل أَمر فتوبتُه مدخولةٌ. وسرائر التوبة ثلاثة أَشياءَ هذا أَحدها، والثانى نسيان الجِناية. والثالث التَّوبة من الإِسلام والإِيمان. قلنا المراد منه التَّوبة من رؤية التَّوبة

стр. 868

وأَنها إِنَّما حصلت له بتوفيق الله، ومشيئته؛ ولو خُلِّى ونفسه لم يسمح بها البتَّة. فإِذا رآها من نفسه، وغفل عن مِنَّة الله عليه، تاب من هذه الرّؤية، والغفلة. ولكن هذه الرّؤية ليست التَّوبة ولا جُزْأَها، ولا شرطها، بل جناية أُخرى حصلت له بعد التوبة، فيتوب من هذه الجناية؛ كما تاب من الجناية الأُولى. فما تاب إِلاَّ من ذنب أَوّلاً، وآخراً. والمراد التَّوبة من نُقْصان التوبة وعدم توفيتها حقَّها. ووجهٌ ثالثٌ لطيف. وهو أَنَّه منْ حصل له مقام الأُنْس بالله - تعالى - وصفاءُ وقته مع الله - تعالى - بحيث يكون إِقباله على الله، واشتغاله بذكر آلائه وأَسمائه وصفاته، أَنفع شئٍ له، مَتى نزل عن هذا الحال اشتغل بالتَّوبة من جناية سالفة، قد تاب منها، وطالع الجناية، واشتغل بها عن الله تعالى، فهذا نقص ينبغى أَن يتوب إِلى الله منه. وهى توبة من هذه التَّوبة، لأَنَّه نزول من الصّفاءِ إِلى الجفاءِ. فالتَّوبة من التوبة إِنما تُعْقل على أَحد هذه الوجوه الثلاثة. والله أَعلم. واعلم أَنَّ صاحب البصيرة إِذا صدرت منه الخطيئة فله فى توبته نظر إِلى أُمور. أَحدها النظر إِلى الوعد والوعيد فيُحدث له ذلك خوفا، وخشيةً تحمله على التوبة. الثانى: أَن ينظر إِلى أَمره تعالى ونهيه فيحدث له ذلك الاعتراف بكونها خطيئة، والإقرار على نفسه بالذنب. الثالث: أَن ينظر إِلى تمكين الله تعالى إِيّاه منها، وتخليته بينه وبينها،

стр. 869

وتقديرها عليه، وأَنَّه لو شاءَ لعصمه منها، فيحدث له ذلك أَنواعاً من المعرفة بالله، وأَسمائه وصفاته، وحكمته، ورحمته، ومغفرته، وعفوه، وحلمه، وكرمه، وتوجب له هذه المعرفة عبوديّةً بهذه الأَسماء، لا تحصل بدون لوازمها، ويعلم ارتباط الخَلْق، والأَمر، والجزاءِ. بالوعد والوعيد بأَسمائه، وصفاته، وأَنَّ ذلك موجَب الأَسماء، والصفات، وأَثرها فى الوجود، وأَنَّ كلّ اسم مُفيضٌ لأَثره. وهذا المَشْهد يُطْلعه على رياض مؤنقة المعارف، والإِيمان، وأَسرار القدر، والحكمة يضيق عن التعبير [عنها] نطاق الكلم والنَّظر. الرّابع: نظره إِلى الآمر له بالمعصية، وهو شيطانه الموكَّل به، فيفيده النظر إِليه اتخاذه عدوَّا، وكمال الاحتراز منه، والتَّحفُّظ والتَّيقُّظ لما يريده منه عدوُّه، وهو لا يشعر؛ فإِنَّه يريد أَن يظفر به فى عَقبة من سبع عقبات بعضُها أَصعب من بعض: عقبة الكفر بالله، ودينه، ولقائه، ثمّ عَقَبة البِدْعة، إِمّا باعتقاده خلافَ الحقّ، وإِمّا بالتَّعبّد بما لم يأْذن به الله من الرّسوم المحدثة. قال بعض مشايخنا: تزوّجت الحقيقةُ الكافرةُ، بالبِدْعة الفاجرة، فولد بينهما خسران الدّنيا والآخرة، ثمّ عقبة الكبائر (يزينها له وأَن الإِيمان فيه الكفاية. ثم عَقَبة الصغائر بأَنها مغفورة ما اجتُنبت الكبائر) ولا يزال يجنيها حتى يصرّ عليها، ثمّ عقبة المباحات، فيشغله بها عن الاستكثار من الطَّاعات. وأَقلُّ ما يناله منه تفويت الأَرباح العظيمة،

стр. 870

ثمّ عقبة الأَعمال المرجوحة، المفضولة يُزيّنها له، ويَشْغله بها عمّا هو أَفضل وأَعظم ربحاً. ولكن أَين أَصحاب هذه العقبة! فهم الأَفراد فى العالم. والأَكثرون قد ظفِر بهم فى العقبة الأُولى. فإِن عَجَز عنه فى هذه العقبات جاءَ فى عقَبَة تسليط جُنده عليه بأَنواع الأَذى، على حسب مرتبته فى الخير. وهذه نبذة من لطائف أَسرار التَّوبة رزقنا الله تعالى [إِيّاها] بمنِّه وفضله إِنَّه حقيق بذلك. وورد التَّوبة فى القرآن على ثلاثة أَوجهٍ: الأَوّل: بمعنى التجاوز والعفو. وهذا مقيّد بعلى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ ، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ ، ﴿وَيَتُوبُ الله على مَن يَشَآءُ﴾ . الثَّانى: بمعنى الرّجوع، والإِنابة. وهذا مقيّد بإِلى: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ ، ﴿توبوا إِلَى الله﴾ ، ﴿فتوبوا إلى بَارِئِكُمْ﴾ . الثالث: بمعنى النَّدامة على الزَلَّة، وهذا غير مقيّد لا بإِلى، ولا بعلى: ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ﴾ ، ﴿فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ . ويقال: إِن التَّوبة من طريق المعنى على ثلاثة أَنواع، ومن طريق اللَّفظ وسبيل اللُّطف على ثلاثة وثلاثين درجة: أَمّا المعنى فالأَوّل: التَّوبة من ذنب يكون بين العبد وبين الرّب. وهذا يكون بندامة الجَنَان، واستغفار اللسان.

стр. 871

والثانى: التوبة من ذنب يكون بين العبد وبين طاعة الرّب. وهذا يكون بجبْر النقصان الواقع فيها. الثالث: التوبة من ذنب يكون بين العبد وبين الخَلْق. وهذه تكون بإِرضاءِ الخصوم بأَىّ وجه أَمكن. وأَمّا درجات اللطف فالأُولى: أَنَّ الله أَمر الخَلْق بالتَّوبة، وأَشار بأَيُّها الَّتى تليق بحال المؤمن ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعاً أَيُّهَا المُؤمِنُونَ﴾ . الثانية: لا تكون التَّوبة مثمِرة حتى يتمّ أَمرها ﴿توبوا إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ . الثالثة: لا تنظر أَنَّك فريد فى طريق التَّوبة؛ فإِنَّ أَباك آدم كان مقدّم التَّائبين: ﴿فتلقىءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ ، والكليم موسى لم يكن له لمّا عَلاَ على الطُّور تحفة غير التَّوبة ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ . ثمّ إِنَّه بشَّر النَّاس بالتَّمتع من الأَعمار، واستحقاق فضل الرّءُوف الغفَّار: ﴿ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَّتَاعاً حَسَناً﴾ . وأَشار صالح على قومه بالتَّوبة، وبشَّرهم بالقُرْبة والإِجابة: ﴿ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ . وسيّد المرسلين مع الأَنصار والمهاجرين سلكوا طريق الناس: ﴿لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين﴾ . والصّدّيق الأَكبر اقتدى فى التَّوبة بسائر النَّبيّين: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ المسلمين﴾ .

стр. 872

أَصحاب النبىّ ما نالوا التوبة إِلاَّ بتوفيق الله. ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا﴾ تحرُّزاً من انتشار العصمة أُمِرنَ بالتَّوبة ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى الله فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ومن توقَّف عن سلوك طريق الناس وُسِمَ جبين حاله بميسم الخائبين: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُبْ فأولائك هُمُ الظالمون﴾ الأَزواج اللائقة بخاتم النَّبيّين تعيّنّ بالتَّوبة: ﴿قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ﴾ . الرّجال لا يُقعدهم على سرير السّرور إِلاَّ التَّوبة: ﴿التائبون العابدون﴾ ولا يظنّ التوَّاب اختصاص النَّعت به (فإِنَّا جعلنا) هذا الوصف من جملة صفات العَلِى: ﴿إِنَّ الله كَانَ تَوَّاباً﴾ وإِذا وفَّقنا العبد للتَّوبة تارة قربناه بالحكمة ﴿وَأَنَّ الله تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ وإِذا قبلنا منه التَّوبة قرّبناه بالرّحمة: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ . والمؤمن إِذا تاب أَقبلنا عليه بالقبول، وتكفَّلنا له بنيل المأْمول: ﴿وَيَتُوبَ الله عَلَى المؤمنين والمؤمنات﴾ . وإِن أَردت أَن تكون فى أَمان الإِيمان، مصاحباً لسلاح الصّلاح، فعليك بالتَّوبة: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً﴾ ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾ ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ وإِذا أَقبل العبد على باب التَّوبة استحكم عَقْد أُخُوّته، مع أَهل الإِسلام: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ

стр. 873

الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدين﴾ . ومن تاب، وقصد الباب، حصل له الفرج بأَفضل الأَسباب: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ ومن أَثار غبار المعاصى، وأَتبعه برشاش النَّدم، غلَّبت حكمتنا الطَّاعة على المعصية، وسُترت الزَّلَّة بالرّحمة: ﴿خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ . السّارق المارق إِذا لاذ وتحرّم بالتَّوبة قبل القدرة عليه، فلا سبيل للإِيذاءِ إِليه: ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ﴾ . وإِذا أَردت التَّوبة فأَنا المريد لتوبتك قبلُ: ﴿والله يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ وإِذا تبت بتوبتى عليك، وتوفيقى لك، جازيت بالمحبّة: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين﴾ . وإِنا لا نقبل توبةَ مَن يؤخِّر توبتَه إِلى آخر الوقت: ﴿وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن﴾ . وإِنَّما يتقبّل توبة مَن تتَّصل توبتُه بزَلَّته، وتقترن بمعصيته: ﴿إِنَّمَا التوبة عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السواء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ . أَعظم الذنوب قتل النفس وإِذا حصل خَطَأً من غير عمدٍ فبِالتوبة والصّيام كفِّر: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ الله﴾ . نَهَينَا سيّد المرسلين عن التحكُّم على عبادنا؛ فإِنَّ ذلك إِلينا. ونحن نتوب عليهم لو نشاءُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ

стр. 874

أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ لا تفرّ من التوبة؛ فإِنها خير لك فى الدّارين: ﴿فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ﴾ ، ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلكم خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ ومن رَمَى بنفسه فى هُوّة الكفر فلا توبة له ﴿لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ أَيظنون أَنا لا نقبل توبة المخلص من عبادنا: ﴿أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ نحن نأْخذ بيد المذنب، ونقبل باللُّطف توبته: ﴿غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب﴾ ، ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ﴾ . ولهذا قيل: التَّوبة قَصّار المذنبين، وغسّال المجرمين، وقائد المحسنين، وعَطَّار المريدين، وأَنيس المشتاقين، وسائق إِلى ربّ العالمين.

стр. 875

بصيرة فى التوكل وهو يقال على وجهين: يقال: توكَّلت لفلان بمعنى تولَّيت له. يقال: وكَّلته توكيلاً، فتوكَّل لى. وتوكَّلت عليه بمعنى اعتمدته. وقد أَمر الله تعالى بالتَّوكُّل فى خمسة عشر موضعاً من القرآن: الأَوّل: إِن طلبتم النَّصر والفرج فتوكَّلوا علىّ: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ﴾ إِلى قوله: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ، ﴿وَعَلَى الله فتوكلوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ . الثانى: إِذا أَعرضتَ عن أَعدائى فليكن رفيقك التَّوكُّل: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ . الثَّالث: إِذا أَعرض عنك الخلْقُ اعْتَمِدْ على التَّوكُّل: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ الله لا إلاه إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ . الرابع: إِذا تُلِى القرآن عليك، أَو تلوته، فاستَنِدْ على التوكُّل: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . الخامس: إِذا طلبت الصّلح والإِصلاح بين قومٍ لا تتوسّل إِلى ذلك إِلاَّ بالتَّوكُّل: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى الله﴾ .

стр. 876

السّادس: إِذا وصلت قوافل القضاءِ استقبِلْها بالتَّوكُّل: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا﴾ الآية. السّابع: إِذا نَصبتِ الأَعداءُ حِبالات المكر ادخُلْ أَنت فى أَرض التوكُّل ﴿واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ إِلى قوله: ﴿فَعَلَى اللهِ توكَّلْتُ﴾ . الثامن: وإِذا عرفت أَنَّ مرجع الكلّ إِلينا، وتقدير الكلّ منَّا، وطِّنْ نفسك على فَرْش التوكُّل: ﴿فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ . التاسع: إِذا علمت أَنى الواحدُ على الحقيقة، فلا يكن اتِّكالك إِلاَّ علينا: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إلاه إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ . العاشر: إِذا عرفت أَنَّ هذه الهداية من عندى، لاقِها بالشُّكر، والتَّوكُّل: ﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ إِلى قوله: ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون﴾ . الحادى عشر: إِذا خشِيت بأْس أَعداءِ الله، والشيطان الغدّار، لا تلتجئ إِلاَّ إِلى بابنا: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . الثانى عشر: إِن أَردتَ أَن أَكون أَنا وكيلك فى كلّ حال، فتمسّك بالتَّوكُّل فى كلّ حالٍ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً﴾ .

стр. 877

الثالث عشر: إِن أَردتَ أَن يكون الفردوس الأَعلى منزلك انزل فى مقام التوكُّل: ﴿الذين صَبَرُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ . الرابع عشر: إِن شئت النزول محلّ المحبّة اقصد أَولاً طريق التوكُّل: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين﴾ . الخامس عشر: إِن أَردتَ أَن أَكونَ لكَ، وتكون لى، فاستقرَّ على تَخْت التوكُّل: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّكَ عَلَى الحق المبين﴾ ، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ . ثمّ اعلم أَنَّ التَّوكُل نصف الدّين، والنصف الثانى الإِنابة. فإِنَّ الدّين استعانة، وعبادة. فالتَّوكُّل هو الاستعانة، والإِنابة هى العبادة. ومنزلة التوكُّل (أَوسع المنازل: لا يزال معمورا بالنازلين لسعة متعلّق التوكُّل) وكثرة حوائج العاملين، وعموم التَّوكُّل، ووقوعه من المؤمنين والكفَّار، والأَبرار، والفُجّار، والطَّير، والوحوش، والبهائم، وأَهل السّماوات، والأَرض، وأَنَّ المكلَّفين، وغيرهم فى مقام التوكُّل [سواءٌ] وَإِنْ تباينَ متعلِّق توكُّلهم. فأَولياؤه وخاصّته متوكِّلون عليه فى حصول ما يُرضيه منهم، وفى إِقامته فى الخَلْق، فيتوكَّلون عليه فى الإِيمان، ونُصْرة دينه، وإِعلاءِ كلماته، وجهاد أَعدائه، وفى محابّه، وتنفيذ أَوامره.

стр. 878

ودون هؤلاءِ مَن يتوكَّل عليه فى معلومٍ يناله: مِن رزق، أَو عافية، أَو نَصْرٍ على عدوٍّ، أَو زوجة، أَو ولد، ونحو ذلك. ودون هؤلاءِ مَن يتوكَّل عليه فى حصول ما لا يحبّه الله، ولا يرضاه: من الظُّلم، والعدوان، وحصول الإِثم، والفواحش. فإِنَّ أَصحاب هذه المطالب لا ينالون غالباً إِلاَّ باستعانتهم، وتوكُّلهم عليه. بل قد يكون توكُّلهم أَقوى من توكُّل كثير من أَصحاب الطَّاعات. ولهذا يُلقُون أَنفسهم فى المهالك، معتمدين على الله - تعالى - أَن يُشمّهم، ويُظِفرهُم بمطالبِهم. فأَفضل التَّوكُّل فى الواجب: أَعنى واجبَ الحقّ، وواجبَ الخَلْق، وواجبَ النَّفس. وأَوسعُه وأَنفعُه التَّوكُّل فى التأْثير فى الخارج فى مصلحة دينه، أَو فى دفعِ مفسدة دينه. وهو توكُّل الأَنبياءِ - عليهم الصّلاة والسّلام - فى إِقامة دين الله، ودفع المفسدين فى الأَرض. وهذا توكُّل وَرَثتهم. ثمّ النَّاس فى التوكُّل على حسب [أَغراضهم] . فمن متوكل على الله فى حصول المُلْك، ومتوكِّل عليه فى حصول (رغيف. ومَنْ صدق توكُّله على الله فى حصول) . شئٍ ناله. فإِن كان محبوباً له مرضيّاً كانت له فيه العاقبة المحمودة. وإِن كان مسخوطاً مبغوضا كان ما حصل له بتوكّله مَضرّة. وإِن كان مباحاً حصلت لهُ مصلحة التوكُّل، دون مصلحة ما توكَّل فيه، إِن لم يستعن به على طاعة. فإِن قلت: ما معنى التوكُّل؟ قلت: قال الإِمام أَحمد: التوكل: عمل القلب: يعنى ليس بقولٍ، ولا عمل جارحة، ولا هو من باب العلوم،

стр. 879

والإِدراكات. ومن الناس مَن يجعله من باب المعارف، فيقول: هو علم القلب بكفاية العبد من الله. ومنهم من يقول: هو جُمُود حركة القلب، واطِّراحه بين يدِ الله كاطّراح الميّت بين يدى الغاسِل: يقلِّبه كيف يشاءُ. وقيل: ترك الاختيار، والاسترسالُ مع مجارى الأَقدار. ومنهم من يفسّره بالرّضا، ومنهم من يفسره بالثِّقة بالله، والطُّمأْنينة إِليه. وقال ابن عطاءٍ. هو أَلاَّ يظهر فيه انزعاج إِلى الأَسباب، مع شدّة فاقته إِليها؛ ولا يزول عن حقيقة السّكون إِلى الحقِّ، مع وقوفه عليها. وقيل: ترك تدبير النَّفس، والانخلاعُ من الحَوْل والقُوّة. وإِنَّما يَقْوَى العبد على التوكُّل إِذا علمِ أَن الحقّ سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه. وقيل: التوكُّل أَن ترد عليك مواردُ الفاقات، فلا تسمو إِلاَّ إِلى مَنْ له الكفايات، أَو نفى الشكوك، أَو التفويض إِلى مالك الملوك، أَو خلع الأَرباب، وقطع الأَسباب، أَى قطعها مِن تعلَّق القلب بها [لا] من ملابسة الجوارح لها. وقال أَبو سعيد الخَّراز: هو اضطراب بلا سكون، وسكون بلا اضطراب. وقال سهل: مَنْ طعن فى الحركة، فقد طعن فى السُّنَّة. ومَنْ طعنَ فى التَّوكُّل فقد طعن فى الإِيمان. فالتوكُّل حال النبىّ ﷺ ، والكَسْب سُنَّته. فمَن عمل على حاله فلا يتركنَّ سنَّته.

стр. 880

وحقيقة الأَمر أَنَّ التوكُّل: حال مركَّب من مجموع أُمورٍ لا يتمّ حقيقة التَّوكُّل إِلاَّ بها. وكلّ أَشار إِلى واحدٍ من هذه الأُمور، أَو اثنين أَو أَكثر. فأَوّل ذلك معرفة الرّبّ وصفاتِه: من قدرته، وكفايته، وفيوضه، وانتهاءِ الأُمور إِلى علمه، وصدورها عن مشيئته، وقدرته. وهذه المعرفة أُولى درجة والثَّانية إِثبات الأَسباب والمسبّبات، فإِنَّ مَنْ نفاها فتوكّله مَزْح. وهذا عكس ما يظهر فى بادئ الرّأْى: من أَنَّ إِثبات الأَسباب يقدح فى التوكُّل. ولكنّ الأَمر بخلافه: فإِنَّ نُفَاةَ الأَسباب لا يستقيم لهم توكُّل البتَّة. فإِنَّ التوكُّل أَقوى الأَسباب فى حصول المتوكَّل به؛ فهو كالدّعاءِ الذى جعله الله سبباً فى حصول المدعُوّ به. الدّرجة الثالثة رسوخ القلب فى مقام التَّوحيد؛ فإِنَّه لا يستقيم توكُّله حتى يصحّ توحيده. الدرجة الرابعة اعتماد القلب على الله تعالى، واستناده عليه، وسكونه إِليه، بحيث لا يبقى فيه اضطراب من جهة الأَسباب. الخامسةُ حُسن الظنّ بالله. فعلى قدر حسن ظنِّك به يكون توكُّلك عليه. السّادسة استسلام القلب له، وانجذاب دواعيه كلِّها إِليه. السّابعة التفويض. وهو رُوح التوكُّل، ولُبّه، وحقيقته. فإِذا وَضَع قدمه فى هذه الدّرجة انتقل منها إِلى درجة الرضا وهى ثمرة التوكُّل. ونستوفى الكلام عليه إِن شاءَ الله تعالى فى محلِّه من المقصد المشتمل على علم التَّصوّف.
следующие страницы →