Полный текст (2 804 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
السّادس: إِذا وصلت قوافل القضاءِ استقبِلْها بالتَّوكُّل: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا﴾ الآية.
السّابع: إِذا نَصبتِ الأَعداءُ حِبالات المكر ادخُلْ أَنت فى أَرض التوكُّل ﴿واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾ إِلى قوله: ﴿فَعَلَى اللهِ توكَّلْتُ﴾ .
الثامن: وإِذا عرفت أَنَّ مرجع الكلّ إِلينا، وتقدير الكلّ منَّا، وطِّنْ نفسك على فَرْش التوكُّل: ﴿فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ .
التاسع: إِذا علمت أَنى الواحدُ على الحقيقة، فلا يكن اتِّكالك إِلاَّ علينا: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا إلاه إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ .
العاشر: إِذا عرفت أَنَّ هذه الهداية من عندى، لاقِها بالشُّكر، والتَّوكُّل: ﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ إِلى قوله: ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون﴾ .
الحادى عشر: إِذا خشِيت بأْس أَعداءِ الله، والشيطان الغدّار، لا تلتجئ إِلاَّ إِلى بابنا: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .
الثانى عشر: إِن أَردتَ أَن أَكون أَنا وكيلك فى كلّ حال، فتمسّك بالتَّوكُّل فى كلّ حالٍ: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الله وكفى بالله وَكِيلاً﴾ .
стр. 877
الثالث عشر: إِن أَردتَ أَن يكون الفردوس الأَعلى منزلك انزل فى مقام التوكُّل: ﴿الذين صَبَرُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ .
الرابع عشر: إِن شئت النزول محلّ المحبّة اقصد أَولاً طريق التوكُّل: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين﴾ .
الخامس عشر: إِن أَردتَ أَن أَكونَ لكَ، وتكون لى، فاستقرَّ على تَخْت التوكُّل: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّكَ عَلَى الحق المبين﴾ ، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ .
ثمّ اعلم أَنَّ التَّوكُل نصف الدّين، والنصف الثانى الإِنابة. فإِنَّ الدّين استعانة، وعبادة. فالتَّوكُّل هو الاستعانة، والإِنابة هى العبادة.
ومنزلة التوكُّل (أَوسع المنازل: لا يزال معمورا بالنازلين لسعة متعلّق التوكُّل) وكثرة حوائج العاملين، وعموم التَّوكُّل، ووقوعه من المؤمنين والكفَّار، والأَبرار، والفُجّار، والطَّير، والوحوش، والبهائم، وأَهل السّماوات، والأَرض، وأَنَّ المكلَّفين، وغيرهم فى مقام التوكُّل [سواءٌ] وَإِنْ تباينَ متعلِّق توكُّلهم.
فأَولياؤه وخاصّته متوكِّلون عليه فى حصول ما يُرضيه منهم، وفى إِقامته فى الخَلْق، فيتوكَّلون عليه فى الإِيمان، ونُصْرة دينه، وإِعلاءِ كلماته، وجهاد أَعدائه، وفى محابّه، وتنفيذ أَوامره.
стр. 878
ودون هؤلاءِ مَن يتوكَّل عليه فى معلومٍ يناله: مِن رزق، أَو عافية، أَو نَصْرٍ على عدوٍّ، أَو زوجة، أَو ولد، ونحو ذلك.
ودون هؤلاءِ مَن يتوكَّل عليه فى حصول ما لا يحبّه الله، ولا يرضاه: من الظُّلم، والعدوان، وحصول الإِثم، والفواحش. فإِنَّ أَصحاب هذه المطالب لا ينالون غالباً إِلاَّ باستعانتهم، وتوكُّلهم عليه. بل قد يكون توكُّلهم أَقوى من توكُّل كثير من أَصحاب الطَّاعات. ولهذا يُلقُون أَنفسهم فى المهالك، معتمدين على الله - تعالى - أَن يُشمّهم، ويُظِفرهُم بمطالبِهم. فأَفضل التَّوكُّل فى الواجب: أَعنى واجبَ الحقّ، وواجبَ الخَلْق، وواجبَ النَّفس. وأَوسعُه وأَنفعُه التَّوكُّل فى التأْثير فى الخارج فى مصلحة دينه، أَو فى دفعِ مفسدة دينه. وهو توكُّل الأَنبياءِ - عليهم الصّلاة والسّلام - فى إِقامة دين الله، ودفع المفسدين فى الأَرض. وهذا توكُّل وَرَثتهم.
ثمّ النَّاس فى التوكُّل على حسب [أَغراضهم] . فمن متوكل على الله فى حصول المُلْك، ومتوكِّل عليه فى حصول (رغيف. ومَنْ صدق توكُّله على الله فى حصول) . شئٍ ناله. فإِن كان محبوباً له مرضيّاً كانت له فيه العاقبة المحمودة. وإِن كان مسخوطاً مبغوضا كان ما حصل له بتوكّله مَضرّة. وإِن كان مباحاً حصلت لهُ مصلحة التوكُّل، دون مصلحة ما توكَّل فيه، إِن لم يستعن به على طاعة.
فإِن قلت: ما معنى التوكُّل؟ قلت: قال الإِمام أَحمد: التوكل: عمل القلب: يعنى ليس بقولٍ، ولا عمل جارحة، ولا هو من باب العلوم،
стр. 879
والإِدراكات. ومن الناس مَن يجعله من باب المعارف، فيقول: هو علم القلب بكفاية العبد من الله. ومنهم من يقول: هو جُمُود حركة القلب، واطِّراحه بين يدِ الله كاطّراح الميّت بين يدى الغاسِل: يقلِّبه كيف يشاءُ. وقيل: ترك الاختيار، والاسترسالُ مع مجارى الأَقدار. ومنهم من يفسّره بالرّضا، ومنهم من يفسره بالثِّقة بالله، والطُّمأْنينة إِليه.
وقال ابن عطاءٍ. هو أَلاَّ يظهر فيه انزعاج إِلى الأَسباب، مع شدّة فاقته إِليها؛ ولا يزول عن حقيقة السّكون إِلى الحقِّ، مع وقوفه عليها. وقيل: ترك تدبير النَّفس، والانخلاعُ من الحَوْل والقُوّة.
وإِنَّما يَقْوَى العبد على التوكُّل إِذا علمِ أَن الحقّ سبحانه يعلم ويرى ما هو فيه. وقيل: التوكُّل أَن ترد عليك مواردُ الفاقات، فلا تسمو إِلاَّ إِلى مَنْ له الكفايات، أَو نفى الشكوك، أَو التفويض إِلى مالك الملوك، أَو خلع الأَرباب، وقطع الأَسباب، أَى قطعها مِن تعلَّق القلب بها [لا] من ملابسة الجوارح لها. وقال أَبو سعيد الخَّراز: هو اضطراب بلا سكون، وسكون بلا اضطراب. وقال سهل: مَنْ طعن فى الحركة، فقد طعن فى السُّنَّة. ومَنْ طعنَ فى التَّوكُّل فقد طعن فى الإِيمان. فالتوكُّل حال النبىّ ﷺ ، والكَسْب سُنَّته. فمَن عمل على حاله فلا يتركنَّ سنَّته.
стр. 880
وحقيقة الأَمر أَنَّ التوكُّل: حال مركَّب من مجموع أُمورٍ لا يتمّ حقيقة التَّوكُّل إِلاَّ بها. وكلّ أَشار إِلى واحدٍ من هذه الأُمور، أَو اثنين أَو أَكثر. فأَوّل ذلك معرفة الرّبّ وصفاتِه: من قدرته، وكفايته، وفيوضه، وانتهاءِ الأُمور إِلى علمه، وصدورها عن مشيئته، وقدرته. وهذه المعرفة أُولى درجة والثَّانية إِثبات الأَسباب والمسبّبات، فإِنَّ مَنْ نفاها فتوكّله مَزْح. وهذا عكس ما يظهر فى بادئ الرّأْى: من أَنَّ إِثبات الأَسباب يقدح فى التوكُّل. ولكنّ الأَمر بخلافه: فإِنَّ نُفَاةَ الأَسباب لا يستقيم لهم توكُّل البتَّة. فإِنَّ التوكُّل أَقوى الأَسباب فى حصول المتوكَّل به؛ فهو كالدّعاءِ الذى جعله الله سبباً فى حصول المدعُوّ به.
الدّرجة الثالثة رسوخ القلب فى مقام التَّوحيد؛ فإِنَّه لا يستقيم توكُّله حتى يصحّ توحيده.
الدرجة الرابعة اعتماد القلب على الله تعالى، واستناده عليه، وسكونه إِليه، بحيث لا يبقى فيه اضطراب من جهة الأَسباب.
الخامسةُ حُسن الظنّ بالله. فعلى قدر حسن ظنِّك به يكون توكُّلك عليه.
السّادسة استسلام القلب له، وانجذاب دواعيه كلِّها إِليه.
السّابعة التفويض. وهو رُوح التوكُّل، ولُبّه، وحقيقته. فإِذا وَضَع قدمه فى هذه الدّرجة انتقل منها إِلى درجة الرضا وهى ثمرة التوكُّل. ونستوفى الكلام عليه إِن شاءَ الله تعالى فى محلِّه من المقصد المشتمل على علم التَّصوّف.
стр. 881
بصيرة فى التذكر والتفكر
التَّذكُر: تَفعُّل من الذِّكر. والذِكر: هيئة للنَّفْس، بها يمكن للإِنسان أَن يحفظ ما يقتنيه من المعرفة. والفكرة: قوّة مُطَرِّقة للعلم إِلى المعلوم. والتفكُّر غيره؛ فإِنَّ تلك القوّة بحسب نظر العقل، وذلك للإِنسان دون الحيوان. ولا يقال إِلاَّ فيما يمكن أَن يَحصل له صورة فى القلب. ولهذا رُوِىَ "تَفَكّروا فى آلاءِ الله، ولا تفكّروا فى ذاتِ اللهِ". إِذ كان الله منزَّهاً أَن يوصَف بصورة. قال - تعالى -: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ في أَنفُسِهِمْ﴾ ، ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السماوات والأرض﴾ .
ثمّ اعلم أَنَّ التذكُّر قرين الإِنابة. قال - تعالى -: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب﴾ .
والتَّذكُّر والتفكُّر مَنْزلان يُثْمران أَنواع المعارف، وحقائق الإِيمان والإِحسان. فالعارف لا يزال يَعُود تفكُّره على تذكُّره، وتذكُّره على تفكُّره، حتى يُفتح قُفْل قلبه بإِذن الفتَّاح العليم. قال الحسن البصرىّ: ما زال أَهل العلم يعودون بالتذكر على التفكُّر، وبالتَّفكُّر على التَّذكُّر، ويناطقون القلوب
стр. 882
حتى نطقت. قال الشيخ أَبو عبد الله الأَنصارىّ: والتَّذكُّر فوق التَّفكُّر؛ لانَّ التفكُّر طلبٌ، والتَّذكُّر وجودٌ. يعنى أَنَّ التَّفكر التماسُ الغايات من مبادئها. وقوله: التذكُّر وجود؛ لأَنه يكون فيما قد حصل بالتَّفكُّر، ثمّ غاب عنه بالنِّسيان، فإِذا تذكَّره وجده، وظفِر به. واختير له بناءُ التفعّل؛ لحصوله بعد مُهْلة وتدريج؛ كالتبصّر، والتفهُّم. فمنزلة التذكُّر من التفكُّر منزلةُ حصولِ الشئِ المطلوب بعد التفتيش عليه. ولهذا كانت آيات الله المتلوّة والمشهودةُ ذكرى؛ كما قال فى المتلوّة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الهدى وَأَوْرَثْنَا بني إِسْرَائِيلَ الكتاب هُدًى وذكرى لأُوْلِي الألباب﴾ ، وقال فى القرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ ، وقال فى الآية المشهودة: ﴿أَفَلَمْ ينظروا إِلَى السمآء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ. والأرض مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. تَبْصِرَةً وذكرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ فالتَّبصرة آية البصر، والتَّذكرة آية القلب. وفرقٌ بينهما. وجُعِلا لأَهل الإِنابة؛ لأَنه إِذا أَناب إِلى الله أَبصر مواقع الآيات والعِبَر، فاستدلَّ بها على ما هى آيات له، فزال عنه الاعتراضُ بالإِنابة، والعمى بالتبصرة، والغفلةُ بالتَّذكر؛ لأَنَّ التبصّرة توجب له حصول صورة المدلول فى القلب، بعد غفلته عنها. فترتَّبت المنازل الثلاثة أَحسن ترتيب. ثمّ إِنَّ كلاَّ منها يمدّ صاحبها، ويقوّيه، ويثمره. وقال - تعالى - فى آياته المشهودة: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُواْ فِي البلاد هَلْ مِن
стр. 883
مَّحِيصٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السمع وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ .
والنَّاس ثلاثة: رجل قلبه مَيّت، فذلك الَّذى لا قلب له: فهذا ليست هذه الآية تذكرة فى حقِّه. ورجل حَىّ مستَعِدّ، لكنَّه غير مستمِع للآيات المتلوّة، التى تُجزئه عن الآيات المشهودة: إِمّا لعدم ورودها، أَو لوصولها إِليه، ولكن قلبه مشغول عنها بغيره. فهو غائب القلب، ليس حاضرا. فهذا أَيضاً لا يحصل له الذكرى، مع استعداده، ووجود قلبه. والثالث رجل حَىّ القلب، مستعدّ، تليت عليه الآيات، فأَصْغَى بسمعه، وأَلقى السّمع، وأَحضر قلبه، ولم يَشغله بغيره، فهم ما يسمعه، فهو شاهد القلب، مُلْقٍ للسمع. فهذا القسم هو الَّّذى ينتفع بالآيات المتلوّة والمشهودة. فالأَوّل بمنزلة الأَعمى الَّذى لا يبصر. والثانى بمنزلة الطَّامح بصرُه إِلى غير جهة المنظور إِليه. والثالث بمنزلة المبُصر الذى فتح بصره الطامح لرؤية المقصود، وأَتبعه بصره، وقلبه، على توسُّط من البعد والقرب. فهذا هو الَّذى يراه.
فإِن قيل: فما موقع (أَو) من قوله - تعالى -: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ قيل: فيها سرّ لطيف. ولسنا نقول: إِنَّها بمعنى الواو كما يقول ظاهريّة النحاة. فاعلم أَنَّ الرّجل قد يكون له قلب وقَّاد، مُلِئَ باستخراج العِبَر، واستنباط الحِكَم. فهذا قلبه يُوقعه على التَّذكُّر، والاعتبار. فإِذا سمع الآيات كانت له نوراً على نور. وهؤلاءِ أَكملُ خَلْق الله - تعالى -، وأَعظمهم إِيماناً، وبصيرة؛ حتى كأَنَّ الَّذى أَخبرهم به الرّسولُ قد كان مشاهَداً لهم، لكن لم يشعروا بتفاصيله، وأَنواعه. حتى قيل: إِنَّ الصّدِّيق - رضى الله
стр. 884
عنه - كان حاله مع النبىّ ﷺ كحال رجلين دخلا داراً. فرأَى أَحدهما تفاصيل ما فيها، وجزئيّاتها، والآخر وقع بصرُه على ما فى الدّار، ولم ير تفاصيله ولا جزئيّاته؛ لكنه علم أَنَّ فيها أُموراً عظيمة، لم يدرِك بصرُه تفاصيلها، ثم خرجا، فسأَله عمّا رأَى فى الدّار، فجعل كلَّما أَخبره بشئٍ صدّقه، لِمَا عنده من شواهده. وهذه أَعلى درجات الصّدّيقيّة. ولا يستبعد أَن يَمُنّ الله تعالى على عبد بمثل هذا الإِيمان؛ لأَنَّ فضل الله لا يدخل تحت حَصْر ولا حسبان. فصاحب هذا القلب إِذا سمع الآيات. وفى قلبه نور من البصيرة ازداد بها نوراً إِلى نوره. فإِن لم يكن للعبد مثلُ هذا القلب فأَلقى السّمع، وشهد قلبُه، ولم يغِبْ، حصل له التَّذكُّر أَيضاً ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ والوابل والطَّلّ فى جميع الأَعمال، وآثارها، وموجباتها. وأَهل الحبّ سابقون ومقرّبون، وأَصحاب يمين، وبينهما من درجات التفضيل ما بينهما، والله أَعلم.
стр. 885
بصيرة فى التبتل
قال تعالى: ﴿واذكر اسم رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ .
والتبتُّل: الانقطاع. وهو تفعّل من البَتْل وهو القطع. وسمّيت مَرْيم البَتُول لانقطاعها عن الأَزواج وعن نظراءِ زمانها، ففاقت نساءَ عالَمِها شرفاً وفضلاً. ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ كالتعلُّم والتفهُّم. ولكن جاءَ على التَّفعيل مصدر بَتَّل تَبْتيلاً لسرٍّ لطيف؛ فإِنَّ فى هذا الفعل إِيذاناً بالتدريج، وفى التفعيل إِيذان بالتكثير والمبالغة، فأُتى بالفعل الدّال على أَحدهما، والمصدر الدَّالّ على الآخر، كأَنَّه قيل: بَتِّل نفسَك إِليه تَبْتِيلاً، وتبتَّل أَنت إِليه تبتُّلاً، ففهم المعنَيان من الفعل ومصدرِه. وهذا كثير فى القرآن، وهو من أَحسن الاختصار والإِيجاز. فالتَّبَتُّل: الانقطاع إِلى الله فى العبادة وإِخلاص النيّة انقطاعاً يختصّ به. وإِلى هذا المعنى أَشار تعالى ﴿قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ﴾ وليس هذا منافِياً لما صحّ عن النبىّ ﷺ "لا رهبانيّة ولا تبتُّل فى الإِسلام" فإِنَّ التَّبتل هاهنا هو الانقطاع من النكاح، والرّغبةُ عنه محظورٌ.
والتَّبَتُّل يجمع أَمرين: اتَّصالاً وانفصالاً لا يصحّ إِلاَّ بهما، فالانفصال انقطاع قلبه عن حظوظ النَّفس المزاحِمة لمراد الربّ منه، وعن التفات قلبه
стр. 886
إِلى ما سوى الله خوفاً منه، أَو رغبةً فيه، أَو مبالاةً وفِكراً فيه، بحيث يشتغل قلبهُ عن الله تعالى. والاتِّصال لا يصحّ إِلاَّ بعد هذا الانفصال. وهو اتِّصال القلبِ باللهِ، وإِقبالُه عليه، وإِقامة وجهه له حُبّاً وخوفاً ورجاءً وإِنابةً وتوكلاً. وهذا إِنما يحصل بحَسْم مادة رجاء المخلوقين من قلبك، وهو الرّضا بحكم الله وقَسْمه لك، وبِحَسْم مادة الخوف وهو التسليم لله؛ فإِنَّ مَنْ سلَّم لله واستسلم له علم أَنَّ ما أَصابه لم يكن ليُخطئه فلا يبقى للمخلوقين فى قلبه موقع؛ فإِنَّ نفسه الَّتى يَخاف عليها قد سلَّمها إِلى مولاها وأَودعها عنده وجعلها تحت كَنَفه، حيث لا يناله يَدُ عادٍ ولا بغىُ باغٍ، وبحَسْم مادَّة المبالاة بالنَّاس. وهذا إِنَّما يحصل بشهود الحقيقة وهو رؤية الأَشياءِ كلّها من الله وبالله وفى قبضته وتحت قهر سلطانه، لا يتحرّك منها شئ إِلاَّ بحَوْله وقوّته، ولا ينفع ولا يضرّ إِلاَّ بإِذنه ومشيئته، فما وجه المبالاة بالخلق بعد هذا الشهود.
стр. 887
بصيرة فى التفويض
يقال: فَوّض إِليه أَمرَه أَى ردّه إِليه. وأَصله من قولهم: أَمرهم فوضَى بينهم وفوْضُوضَى وفَوْضُوضاءُ إِذا كانوا مختلِطين يتصرّف كلّ منهم فى (مال الآخر) . وقوم فَوْضَى: متساوون لا رئيس لهم. أَو متفرّقون أَو مختلِط بعضُهم ببعض. ومنه شركة المفاوضة وشركة التفاوض. وهو الاشتراك فى كلّ شيءٍ.
واختُلِف فى التفويض والتَّوكُّل أَيّهما أَعلى وأَرفع. فقال الشيخ أَبو عبد الله الأَنصارى: التفويض أَلطف إِشارةً وأَوسع معنى؛ فإِنَّ التَّوكُّل بعد وقوع السّبب، والتَّفويض قبل وقوعه وبعده. وهو من الاستسلام، والتوكُّل شُعبةٌ منه يعنى أَنَّ المفوِّض بين أَمر الحَول والقوّة، ويُفوضّ الأَمر إِلى صاحبه من غير أَن يقيمه مُقام نفسه فى مصالحه. بخلاف التوكُّل فإِنَّ الوكالة تقتضى أَن يقوم [الوكيل] مقام الموكِّل. والتفويض براءَة وخروج من الحول والقوة وتسليم الأَمر كلَّه إِلى مالكه. وقال غيره: كذلك التوكل أَيضاً، و [ما] قَدَحْتُم به فى التوكُّل يرِد عليكم نظيره فى التّفويض سواءً، فإِنَّا نقول: كيف يفوّض شيئاً لا يملكه البتَّة إِلى مالكه وهل يصحّ أَن يفوّض واحد من آحاد الرّعيّة المُلْك إِلى ملِك زمانه. فالعلَّة إِذاً فى التَّفويض أَعظم منها فى التوكُّل. بل لو قال: قائل: التَّوكُّل فوق التفويض وأَجلّ
стр. 888
منه وأرفع، لكان مصيباً. ولهذا القرآن مملوء به أَمراً وإِخباراً عن خاصّة الله وأَوليائه وصفوة عباده؛ فإِنَّه حالهم، وأَمر به رسوله فى أَربعة مواضع كما تقدّم فى بصيرة التوكُّل. وسماه المتوكِّلَ فى التوراة؛ ثبت ذلك فى صحيح البخارى، وأَخبر عن رُسُله بأَنَّ حالهم التوكُّل، وأَخبر النبىّ ﷺ عن السبعين أَلفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب أَنَّهم أَهل مقام التَّوكُّل. ولم يجىءْ التفويض فى القرآن إِلاَّ فيما حكاه تعالى عن مؤمن آل فرعون من قوله ﴿وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله﴾ وسيعود تمام الكلام عليه فى مقصد التَّصوف إِن شاءَ الله تعالى.
стр. 889
بصيرة فى التسليم
وهو نوعان: تسليم لحُكْمِهِ الدّينىّ الأَمْرىّ، وتسليم لحُكمِهِ الكونىّ القدَرىّ.
فأَمّا الأَوّل فهو تسليم المؤمنين العارفين. قال الله تعالى ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾ فهذه ثلاث مراتب: التحكيم، وسعة الصّبر بانتفاءِ الحَرَج، والتسليم.
وأَمّا التسليم للحُكْم الكَونىّ فمزَلَّة أَقدام، ومضَلَّة أَفهام. حَيّر الأَنام، وأَوْقع الخِصَام. وهى مسأَلة الرّضا بالقضاءِ. وسيجئ الكلام عليه فى محلِّه، ونبيّن أَنَّ التسليم للقضاءِ يُحمد إِذا لم يُؤْمر العبد بمنازعته ودفعه ولم يقدر على ذلك؛ كالمصائب التى لا قُدْرَةَ على دفعها. وأَمّا الأَحكامُ التى أُمر بدفعها فلا يجوز له التسليم إِليها، بل العبوديّة مدافعتها بأَحكامٍ أُخْرى أَحسنَ عند الله منها.
فاعلم أَنَّ التسليم هو الخَلاص من شُبهةٍ تعارضُ الخَبَر، أَو شهوة تعارض الأَمر، أَو إِرادة تعارض الإِخلاص، أَو اعتراض يعارض القَدَر والشرع، وصاحب (هذه التخاليص) هو صاحب القلب السّليم الَّذى لا ينجو إِلاَّ مَن أَتى اللهَ به. فإِنَّ التسليم ضدّ المنازعة، والمنازعة إِمّا بشبهة فاسدة تعارض الإِيمان بالخبر عما وَصَف الله تعالى به نفسه من صفاته وأَفعاله،
стр. 890
وما أَخبر به عن اليوم الآخر وغير ذلك. فالتسليم له ترك منازعته بشبهات المتكلِّمين الباطلة، وإِمّا بشهوة تعارض أَمر الله. فالتَّسليم للأَمر بالتخلُّص منها، أَو إِرادة تعارِض مراد الله من عبْده، فتعارضه إِرادة تتعلق بمراد العبد من الرّب. فالتَّسليم بالتَّخلُّص منها. أَو اعتراض [ما] يُعارض حكمته فى خلقه وأَمره بأَن يظنّ أَنَّ مقتضى الحكمة خلاف ما شرع وخلاف ما قضَى وقدّر. فالتَّسليم التخلُّص من هذه المنازعات كلها.
وبهذا تبيّن أَنَّه من أَجلِّ مقامات الإِيمان، وأَعلى طُرُق الخاصّة، وأَنَّ التسليم هو محض الصّدِّيقيّة.
ثمّ إِنَّ كمال التسليم السّلامةُ من رؤية التسليم بأَن يعلم أنَّ الحقّ تعالى هو الَّّذى يسلِّم إِلى الله نفسه دونه. فالحقّ تعالى هو الَّذى سلَّمك إِليه، فهو المسلِّم وهو المسلَّم إِليه، وأَنت آلة التسليم. فمن شهد هذا المشهد ووجد ذاته مسلَّما إِلى الحقّ، وما سلَّمها إِلى الحقّ غيرُ الحقّ، فقدْ سَلِم العبدُ من دعوى التسليم؛ والله أَعلم.
стр. 891
بصيرة فى التربص
يقال: تربّص به تربُّصاً أَى انتظر به خيراً أَو شرّاً يحُلّ به.
وقد ورد فى القرآن لثمانية أُمور:
الأَوّل: تربّص الإِيلاءِ ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ :
الثانى: تربّص المطلَّقة ثلاثة أَشهر أَو ثلاثة أَطْهار.
الثالث: تربّص المعتدّة ﴿والمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ .
الرّابع تربّص المنافقين للمؤمنين بالغنيمة أَو الشَّهادة ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الحسنيين﴾ .
الخامس: تربّص كفَّار مكَّة فى حقِّ سيّدِ المرسلين لحادثة أَو نكبة ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المنون﴾ .
السّادس: تربّص المؤمنين للمنافقين بالنكال والفضيحة ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ .
стр. 892
السّابع: تربّص سيّد المرسلين لهلاك أَعداءِ الدّين ﴿قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المتربصين﴾ .
الثامن: تربّص العموم والخصوص للقضاءِ والقَدَر ﴿قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُواْ﴾ .
ويقرب من معنى التربّص الترقُّب والترصّد والتَّنظُّر والتطلُّع.
وقد ورد فى القرآن من مادّة هذه الكلمات حروف تذكر فى مواضعها من بصائر رقب ورصد ونظر وطلع إِن شاءَ الله تعالى.
стр. 893
بصيرة فى التفصيل
وقد ورد فى القرآن على وجهين:
الأَوّل: بمعنى التَّبيين والإِيضاح، إِمّا لجملة الأَحكام كقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾ وقوله ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾ وإِمّا لبيان القرآن فى نفسه ﴿بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ على عِلْمٍ﴾ ﴿أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الكتاب مُفَصَّلاً﴾ أَى مُبَيَّناً، وإِمّا لتبيين آيات القرآن أَحكامَ الشَّرع ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ، ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ وقيل هو إِشارة إِلى ما قال تعالى ﴿تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ .
стр. 894
الباب الخامس - وهو باب الثاء
بصيرة فى الثاء
وهو يرد فى كلام العرب على ثمانية وجوه:
الأَوّل: حرف من حروف التهجّى لِثَوىّ، يظهر من أُصول الأَسنان، قريباً من مخرج الذَّال. ويمدّ ويقصر. والنسبة إِليه ثائىٌّ وثاوِىّ وثَوَوِىّ وقد ثيّيت ثاءً حَسَنة. ويذكَّر ويؤنَّث. والجمع أَثواءٌ وأَثياءٌ وثاءات.
الثَّانى: اسم فى حساب الجُمَّل لخمسمائة من العدد.
الثالث: الثاءُ المكرّرة كما فى رثَّ وغثَّ وأَثِّ.
الرّابع: الثاءُ الكافِيَة وهى الَّتى يُكتفى بها من الكلمة، كما يكتفى بالثاءِ عن ذكرِ الثناءِ والثَّواب ونحوه، قال الشَّاعر:
فى ثاءٍ قومه يُرى مبالغاَ ... وعن ثَناءٍ مَن سواهمُ فارغا
стр. 895
الخامس: ثاءُ العجز والضرورة كثاءِ الأَلثغ الَّّذى يقول فى أَساس: "أَثاث"، وفى عبّاس: "عباث"، قال الشاعر:
وشادِنٍ قلت به إِذْ بدَا ... ما اسمكَ قُلْ لى قال عبّاث
فصرت من لُثغته أَلْثغا ... وقلت أَين الطَّاث والكاث
السادس: الثاءُ المبدلة من الفاءِ كما يقال فُمَّ فى ثُمَّ، وفُومٌ وثُومٌ، وجَدَفٌ وجَدَثٌ.
السّابع: الثَّاءُ الأَصلىّ كثاءِ ثلم ومثل.
الثامن: الثاءُ اللَّغوىّ. قال الخليل: الثاءُ عندهم: الخيار من كلّ شىءٍ. قال الشَّاعر:
إِذا ما أَتى ضيف وقد جَلَّل الدُجَى ... أَتيتُ بثاءِ البُرّ واللَّحم والسّكَّرْ
стр. 896
بصيرة فى الثقل
اعلم أَنَّ الثِّقَل والخفَّة متقابلان. فكلّ ما يترجّح على ما يوزَن أَو يقدّر به يقال: هو ثقيل. وأَصله فى الأَجسام، ثمّ يقال فى المعانى؛ نحو أَثْقَلَهُ الغُرْم والوِزْر. قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾ .
والثقيل يستعمل تارة فى الذَّمِّ، وهو أَكثر فى التَّعارف، وتارة فى المدح؛ نحو قول الشاعر:
تَخِفُّ الأَرْضُ إِمَّا بِنْتَ عنها ... وتبقى ما بقيت بها ثقيلاَ
حَلَلت بمستقرّ العِزَّ منها ... فتمنع جانبَيْهَا أَن يميلاَ
ويقال: فى أُذنه ثِقَل إِذا لم يَجُدْ سمعُه، كما يقال: فى أُذنه خِفَّة إِذا جاد سمعه، كأَنه يثْقُل عن قبول ما يُلْقى إِليه. وقد يقال: ثَقُل القولُ إِذا لم يطِبْ سماعُه. وكذلك قال تعالى فى وصفة القيامة ﴿ثَقُلَتْ فِي السماوات والأرض﴾ .
وقوله تعالى ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ قيل: كنوزها. وقيل: ما تضمّنته من أَجساد الأَموات ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ أَى أَحمالكم الثقيلة
стр. 897
وقوله ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ أَى آثامهم الَّتى تثبّطهم وتثقِّلهم عن الثواب.
وقوله تعالى: ﴿انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾ أَى شَبَاباً وشيوخاً، أَو فقراء وأَغنياء. وقيل: عَزَباً ومتأَهِّلاً. وقيل: نِشَاطاً وكُسَالَى. وكلّ ذلك يدخل فى عمومها؛ فإِنَّ القصد بالآية الحثّ على النَّفْر على كلّ حال يسهل أَو يصعب. وقوله تعالى ﴿فأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ الآيتين، إِشارةٌ إِلى كثرة الخيرات وقلَّتها.
والثَّقَلان: الإِنس والجنّ لكثرتهم.
والثقيل والخفيف يستعملان على وجهين:
أَحدهما: على سبيل المضايفة وهو أَلاَّ يقال: الشئ ثقيل أَو خفيف إِلاَّ باعتباره بغيره ولهذا يصحّ للشئِ الواحد أَن يقال له: خفيف إِذا اعتُبر به ما هو أَثقل منه، وثقيل إِذا اعتبر به ما هو أَخفُّ منه.
والثَّانى: أَن يستعمل الثقيل فى الأَجسام المُرجَحِنِّة إِلى أَسفل كالحجر والمَدَر، والخفيفُ فى الأَجسام المائلة إِلى الصّعُودِ كالنَّار والدُّخَان. ومن هذا قوله تعالى ﴿اثاقلتم إِلَى الأرض﴾ .
стр. 898
بصيرة فى الثياب والثواب
وقد ورد فى القرآن على ثمانية أَوجه:
الأَوّل: ثوب الفراغ والاستراحة ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم مِّنَ الظهيرة﴾ .
الثانى: لباس التجمُّل والزِّينة ﴿أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ .
الثالث: ثياب الغفلة والجراءة ﴿واستغشوا ثِيَابَهُمْ﴾ .
الرّابع: لصناديد قريش ثوب الاطِّلاع على السرِّ والعلانيةِ ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ .
الخامس: للنبىّ ﷺ ثوب الصلاة والطّهَارة ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ .
السّادس: للكفَّار ثوب العذاب والعقوبة ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ﴾ .
السابع: لأَهل الإِيمان ثوب العزِّ والكرامة ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ .
الثامن: للخواصّ ثياب النُّصرة والخُضْرة فى الحضْرة ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ﴾ .
стр. 899
وأَصل الثَّوب رجوع الشئِ إِلى حالته الأُولى التى كان عليها، أَو إِلى حالته المقدّرة المقصودة بالفكرة، وهى الحالة المشار إِليها بقولهم: أَول الفكرة آخر العمل.
فمن الرّجوع إِلى الحالة الأُولى قولهم: ثاب فلان إِلى داره، وثاب إِلىَّ نَفْسى. ومن الرّجوع إِلى الحالة المقصودة المقدّرة بالفكرة الثوب، سمّى بذلك لرجوع الغَزْل إِلى الحالة الَّتى قُدِّر لها. وكذا ثوب العمل. وجمع الثوب أَثواب، وثياب.
والثواب: ما يرجع إِلى الإِنسان من جزاءِ أَعماله. فسمّى الجزاءُ ثواباً تصوّراً أَنَّه هو. أَلا ترى أَنه كيف جعل الجزاء نفس الفعل فى قوله: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ ولم يقل: ير جزاءَه.
والثواب يقال فى الخير والشر، لكن الأكثر المشهور فى الخير. وكذلك المَثُوبة. وقوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذلك مَثُوبَةً﴾ فإِنَّ ذلك استعارة فى الشرّ كاستعارة البشارة فيه. والإِثابة يستعمل فى المحبوب ﴿فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ﴾ وقد قيل ذلك فى المكروه أَيضاً نحو ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ﴾ على الاستعارة كما تقدّم. والتثويب لم يرد فى التَّنزيل إِلاَّ فيما يكره نحو ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكفار مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾ قيل: معناه: مكاناً
стр. 900
يثوب النَّاس إِليه على مرور الأَوقات. وقيل: مكاناً يكتسب [فيه] الثَّواب قال الشَّاعر.
وما أَنا بالباغى على الحُبِّ رِشوة ... قبيحٌ هوىً يُبْغى عليه ثوابُ
وهل نافعى أَن تُرْفع الحُجْب بيننا ... ومن دون ما أَمّلتُ منك حجاب
إِذا نلت منك الودّ فالمال هَيّن ... وكل الذى فوق التراب تراب
وقد ورد الثواب فى القرآن على خمسة أَوجه:
الأَوّل: بمعنى جزاء الطَّاعة ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ ﴿نِعْمَ الثواب وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ .
الثانى: بمعنى الفتح والظفر والغنيمة ﴿فَآتَاهُمُ الله ثَوَابَ الدنيا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخرة﴾ فثواب الدّنيا هو الفتح والغنيمة.
الثالث بمعنى وعد الكرامة ﴿فَأَثَابَهُمُ الله بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ﴾ أَى وعدهم.
الرَّابع: بمعنى الزِّيَادة على الزِّيادة ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمّاًً بِغَمٍّ﴾ أَى زَادكُمْ غَمّاً (على غم) .
الخامس: بمعنى الرَّاحة والمنفعة ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدنيا فَعِندَ الله ثَوَابُ الدنيا والآخرة﴾ .
стр. 901
بصيرة فى الثمرات
وقد ورد فى القرآن على أَربعة أَوجه:
الأَوّل: بمعنى الفواكه المختلفة ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب﴾ ﴿كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَآ أَثْمَرَ﴾ ﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات﴾ ولها نظائر.
الثانى: عبارة عن كثرة المال ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أَى مال كثير مستفاد. قاله ابن عبّاس.
الثالث: بمعنى الأَولاد والأَحفاد فى قول بعض المفسّرين ﴿وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال والأنفس والثمرات﴾ .
الرابع: بمعنى الأَزهار والأَنوار ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثمرات﴾ أَى من الأَزهار والأَنوار.
والثَّمَر فى الأَصل اسم لكلِّ ما يُتَطعَّم من أَحمال الشجر، الواحدة ثمرة والثَّمَار نحوه. والثُّمُر هو الثَّمَار. وقيل: هو جمعه. ويكنى به عن المال المستفاد كما تقدّم عن ابن عبّاس. ويقال ثمّر الله ما له أَىْ كثَّره. ويقال لكلّ نفعٍ يصدُر عن شئٍ: ثمرته؛ كقولك: ثمرة العلم العمل
стр. 902
الصّالح، وثمرة العمل الصّالح الجنَّة. وثمرة السّوطِ عُقَد أَطرافها تشبيهاً بالثمر فى الهيئة والتدلِّى عنه، كتدلِّى الثمر عن الشجرة.
وأَثمر القومَ: أَطعمهم من الثِّمار. وفى كلامهم: من أَطعم ولم يُثمر كان كمن صلَّى العشاءَ ولم يوتر.
وفيه يقول الشاعر:
إِذا الضّيفانُ جاءُوا قم فقدّم ... إِليهم ما تيسّر ثمّ آثر
وإِن أطعمت أقواماً كراماً ... فبعد الأَكل أَكرمهم وأَثمِر
فمن لم يُثمر الضّيفان بُخلاً ... كمن صلَّى العِشَاءَ وليس يوتر
стр. 903
بصيرة فى الثلاث والثلاثة والثلاث وما يشتق منه
وقد ورد كلّها فى القرآن على ثلاثة وعشرين نحواً:
الأَوّل: فى عدد ملائكة النَّصر ﴿بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ الملائكة مُنزَلِينَ﴾ .
الثانى: فى عدد سنى أَصحاب الكهف ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ﴾ .
الثالث: فى عدد ليالى وَعْد الكليم للمناجاةِ ﴿وَوَاعَدْنَا موسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً﴾ .
الرّابع: فى عدد شهور الحمل والرضاع والفِصَال ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً﴾ .
الخامس: فى عدد الحيض أَو الطُّهر للطَّلاق ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء﴾ .
السادس: فى عدد ليالى زكريّا للتضرع والدّعاءِ ﴿ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ .
السّابع: فى عدد أَيَّامه ﴿ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً﴾ .
الثامن: فى عدد أَيّام الحجّ للفدْية ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحج﴾ .
التاسع: أَيّام الصّيام عن الكفَّارة ﴿فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذلك كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ .
стр. 904
العاشر: عدد المتخلِّفين عن غزوة تَبُوكَ التَّائبين ﴿وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ﴾ .
الحادى عشر: عدد أَيّام الوعيد من صالحٍ لقومه بالعذاب ﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ﴾ .
الثانى عشر: عدد أَصحاب الكهف فى بَدْءٍ الأَمر ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ .
الثالث عشر: عدد أَوقات يكشف به العورة ﴿والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ... ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ﴾ .
الرابع عشر: أَصناف الْخَلْق فى القيامة ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ .
الخامس عشر: عدد شُعَب درجات جهنم ﴿ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾
السّادس عشر: فى عدد حُجُب الخلق ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ﴾ .
السّابع عشر: فى اعتقاد النَّصارى فى اللاهوت والناسوتِ ورُوح القدس ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ .
الثامن عشر: فى حال اللات والعزَّى ومَناة على اعتقاد أهل الضلالات ﴿وَمَنَاةَ الثالثة الأخرى﴾ .
التاسع عشر: عدد النساء فى حال جواز العقد ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء مثنى وَثُلاَثَ﴾ .
стр. 905
والعشرون: عدد أَجنحة الملائكة ﴿أولي أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلاَثَ﴾ .
الحادى والعشرون: فى بيان قيام اللَّيل للطَّاعة ﴿مِن ثُلُثَيِ الليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ .
الثانى والعشرون: فى بيان نصيب أَصحاب الفرائض ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ اثنتين فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ .. ﴿فلأُمّه الثُّلُثُ﴾ .
﴿فَهُمْ شُرَكَآءُ فِي الثلث﴾ وفيه يقول القائل:
ثلاثة إِخوة لأَب وأُمّ ... وكلهمُ إِلى خير فقيرُ
فحظُّ الأَكثرين الثلْث منه ... وباقى المال أَحرزه الصغير
стр. 906
بصيرة فى ثم
[هى] حرف عطف يقتضى تأَخُّر ما بعده عمّا قبله، إِمّا تأْخيراً بالذات أَو بالمرتبة أَو بالوضع. وثُمَّتْ لغة فيه.
وقد ورد فى القرآن على ستَّة أَوجه:
الأَوّل: للعطف ﴿آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازدادوا كُفْراً﴾ .
الثَّانى: للتعجّب ﴿ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ .
الثالث: للابتداءِ ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب﴾ .
الرّابع: بمعنى الواو ﴿ثُمَّ الله شَهِيدٌ﴾ .
الخامس: بمعنى مع ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين آمَنُواْ﴾ .
السّادس: بمعنى قبل ﴿ثُمَّ استوى إِلَى السمآء﴾ ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الجحيم﴾ ومنه قول الشاعر:
إِنَّ من مات ثم مات أَبوه ... ثمّ قد مات قبل ذلك جَدُّهْ
стр. 907
وثَمَّ إِشارة إِلى المتبعّد عن المكان، وهناك للمتقرّب وهما ظرفان فى الأَصل.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ فهو فى موضع المفعول.
بصيرة فى الثنى والاثنين
[هما] أَصل لمتصرّفات هذه الكلمة. وذلك يقال باعتبار العدد، أَو باعتبار التكرير الموجود فيه، أَو باعتبارهما معاً. يقال: ثَنَى الشَّئَ يَثْنِيه ثَنْياً: ردّ بعضه على بعض، فتثنّى وانثنى. وثَنَيْت كذا ثَنْياً: كنت له ثانياً أَو أَخذت نصف ماله، أَو ضممت إِليه ما صار به اثنين. والثِّنَى: ما يعاد مرّتين. وامرأَة ثِنْىٌ: ولدَت اثنين. والولد يقال له ثِنْىٌ. وثناه ثَنْياً: لواه. قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ وقرأَ ابن عبّاس ﴿يَثْنَوْنِى﴾ مضارع اثْنَوْنَى أَى انعطف. وقوله تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ عبارة عن النُّكْر والإِعراض، نحو لوى شِدْقَه، ونأَى بجانبه. والاثنان: ضعف الواحد. والمؤنَّث ثنتان. وأَصله ثِنْىٌ لجمعهم إِيّاه على أَثناءٍ. وهو لا يَثْنِى ولا يَثْلِث، أَى كبير لا يقدر أَن ينهض لا فى مرّةٍ ولا فى مرّتين ولا فى الثالثة. والمثانى: القرآن أَو ما ثنِّى منه مرّة بعد مرة أَو فاتحة الكتاب
стр. 908
أَو البقرة إِلى براءَة أَو كلّ سورة دون الطُّوَل ودون المئتين وفوق المفصّل، أَو سورة الحجّ والقَصَص والنَّمل والعنكبوت والنُّور والأَنفال ومريم والرّوم ويس والفرقان والحِجْر والرّعد وسبأ والملائكة وإِبراهيم وص ومحمّد ولقمان والغُرَف والزُّخرف والمؤمن والسّجدة والأَحقاف والجاثية والدّخان والأَحزاب. قال الله تعالى: ﴿نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ﴾ سمّيت مثانى لأَنَّها تُثْنَى وتكرر على مرور الأَوقات، فلا تنقطع ولا تندرس اندراس سائر الأَشياءِ الَّتى تضمحلّ على ممرّ الأَيّام. المثانى من الوادى: معاطفه، ومن الدّابة: ركبتاها ومِرْفقاها. ولا ثِنَى فى الصّدقة كإِلى، أَى لا تؤخذ مرّتين فى عام، أَولا تؤخذ ناقتان مكان واحدة أَولا رجوع فيها. وثِنْىٌ من اللَّيل: ساعة. والثَّنِيّة: العَقَبة أَو طريقها أَو الجبل أَو الطَّريقة فيه، والشُّهداء الَّذين استثناهم الله عن الصّعْقة، ومن الأَسنان: الأَربع الَّتى فى مقدّم الفم ثنتانِ من فوقٍ وثنتان من أَسفل، والنَّاقة الطَّاعنة فى السَّادسة والبعير ثَنِىّ، والفرس الدّاخلة فى الرّابعة، والشَّاة والبقرة والدّاخلتان فى الثالثة، والنَّخلة المستثناة من المساومة.
стр. 909
والثَّنَاءُ: ما يذكر من محاسن الناس. وقيل: عامّ فى المَدح والذمّ. وقد أَثنى عليه وثنَّى والثِّناءُ الفِناءُ.
بصيرة فى الثقف
ثَقُف يثْقُف كَكَرُمَ يكْرُم، وكَفَرِحَ يَفْرَحُ ثَقْفاً وثَقَفاً وثَقَافةً: صار حاذقاً خفيفاً فَطِناً، فهو ثِقْف وثَقِف، وثَقُفٌ وثَقِيف، وَثِقِّيف كحِبر وحَذِر وحَذُر وعَزِيز وسِكيّر. وثقِفه كسمعه: صادفه، أَو أَخذه، أَو ظفِر به، أَو أَدركه ببصره لحِذْق في النظر. ورمح مثقَّف: مقوَّم. وما يثقف به ثِقَاف. هذا هو الأَصل، ثم تجوّز به فاسْتُعْمِلَ فى الإِدراك وإِنْ لم يكن معه ثقافة؛ كقوله تعالى ﴿واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم﴾ .
بصيرة فى الثبات
وهو ضِدّ الزَّوال. وقد ثَبَت يثبُت فهو ثابت. ورجل ثَبْت وثَبِيت فى الحرب. والإِثبات والتَّثبيت تارة يقال بالفعل، فيقال لما يخرج من العدم إِلى الوجود؛ نحو أَثبت الله كذا، وتارة لما يثبت بالحكم فيقال: أَثبت الحاكم عليه كذا أَو ثَبَّته. وتارة لما يكون بالقول سواءٌ كان صدقاً أَو كذباً. فيقال: أَثبت التَّوحيد وصدّق النّبوّة، وفلان أَثبتَ مع الله إِلهاً آخر.
стр. 910
وقوله: ﴿لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ أَى يثبّطوك ويحيروك وقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ بالقول الثابت﴾ أَى يقوّيهم بالحجج القويّة. وقوله تعالى: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ أَى أَشدّ لتحصيل علمهم. وقيل: أَثبت لأَعمالهم واجتناءِ ثمرة أَفعالهم. ويقال ثبّتُّه أَى قوّيته، قال ﴿فَثَبِّتُواْ الذين آمَنُواْ﴾ .
بصيرة فى الثبى
قال تعالى: ﴿فانفروا ثُبَاتٍ﴾ أَى جماعات. والثُّبة والأُثْبِيَّة: الجماعة أَو العُصْبة من الفرسانِ، ووسط الحوض. والجمع ثُبات وثُبُون. والتثبية: الجمع.
بصيرة فى الثرب
ثَرَبه يَثْرِبه ثَرْباً، وثرَّبُه تثريبا وأَثربه: لامَه وعيّره بذنبه. قال: ﴿لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ وثَرَب المريض يَثْرِبه ثَرْباً: نزع عنه ثوبه. والمُثْرِب: كمُحْسِن القليل العطاء. والمُثرّب مشدّدة: المخلَّط المفسد. والثَّرْب: شحمٌ رقيق يُغَشّى الكَرِش والأَمعاء.
стр. 911
وقوله تعالى: ﴿ياأهل يَثْرِبَ﴾ أَى أَهل المدينة يصحّ أَن يكون أَصله من هذه المادّة والياء تكون فيه زائدة.
بصيرة فى الثمن
وهو اسم لما يأْخذه البائع فى مقابلة المَبِيع، عيناً كان أَو سِلْعَة، وكُلّ ما يحصل عوضاً عن شىءٍ فهو ثمنه. والجمع أَثمان وأَثْمُن. وأَثمنه سلعتَه وأَثمن له [أَعطاه ثمنها] وأَثمنت له: أَكثرت له الثمن. وشئٌ ثمين: كثير الثَّمن. والثُّمُنُ والثُّمْن والثَّمِين، جزءٌ من ثمانية، أَوْ يطَّرد ذلك فى هذه الكسور. الجمع أَثمان. وثَمَنَهُمْ كَنَصَرهُم: أَخذ ثُمُن مالِهم، وكضربهم كان ثامنهم. وثمانٍ كيمانٍ: عدد معروف وليس بنسب. والثمانية والثمانون معروفان. والمثمَّن: ما جعل له ثمانية أَركان. وأَثمنوا صاروا ثمانيةً.
стр. 912
الباب السادس - فى وجوه الكلمات المفتتحة بالجيم
بصيرة فى الجيم
ويرد فى القرآن والعرف على عشرة أَوجه:
الأَوّل: اسم لحرف شَجْرىّ مخرجه مفتتح الفم قريباً من مخرج الياءِ، يذكَّر ويؤنَّث. وقد جيّمت جيماً حسنة. وجمعه أَجْيام وجيمات.
الثَّانى: اسم للثلاثة من الأَعداد فى حساب الجُمَّل.
الثالث: الجيم الكافية. وهى الَّتى يكتفى بها عن تمام الكلمة فيه فى مثل الجمال والجلال والجنان وغيرها. قال الشاعر:
стр. 913
أَلا تتَّقين الله فى جيم عاشق ... له كبد حَرَّى عليك تَقَطَّع
ويروى فى جَنْب عاشق.
الرّابع: الجيم المكرّرة فى نحو بجَّل وأَجَّج.
الخامس: الجيم المدغمة فى مثل حَجَّ، وحِجّة، و ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً﴾ .
السّادس: جيم العجز والضَّرورة كجعْل الهندىّ الجيم زاياً.
السّابع: الجيم كناية عن شعور الأَصداغ.
قال الشاعر:
له جيم صدغ فوق عاج مصقل ... كلَيْل على شمس النِّهار يموج
الثامن: الجيم الأَصلى نحو جرم ورجم ومرج.
التَّاسع: الجيم المبدلة من الياءِ المشدّدة نحو أجّل، فى إِيَّل، وعَلجّ فى علىّ، أَو من ياءِ النسب نحو دارجّ فى دارىّ.
قال الشاعر:
يا رب إِن كنت قبلت حِجَّجْ
أَى حجّتى.
العاشر: الجيم اللّغوى قال الخليل الجيم عندهم الجمل المغتلِم قال:
كأَنِّى جيم فى الوغى ذو شكيمة ... ترى البُزْل منه راقعات ضوامرا
وقال أَبو عمرو الشَّيْبَانى: الجيم فى لغة العرب الدّيباج؛ وله كتاب فى اللُّغة سمّاه بالجيم كأَنَّه شبّهه بالدّيباج لحُسْنه. وله حكاية حسنة مشهورة.
стр. 914
بصيرة فى الجنة
وهى وما يُشتقّ من مادتها، ترد على اثنى عشر وجها.
الأَوّل: بمعنى التوحيد ﴿والله يدعوا إِلَى الجنة والمغفرة﴾ قال المفسّرون: أَى إِلى الإِيمان.
الثانى: بمعنى بستان كان باليمن ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة﴾ .
الثالث: بمعنى أَخوين من بنى إِسرائيل ﴿واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ الآية.
الرَّابع: بمعنى البساتين المحفوفة بالأَشجار والمياه الجاريات ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً﴾ .
الخامس: بمعنى رياض الرَّوح والرّضوان. وبساتين الأَحباب والإِخوان ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السماوات والأرض﴾ وهى أَربع جنان. ثنتان للخواصِّ ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ وثنتان لعامّة المؤمنين ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ وإِحدى هذه الأَربع جنَّة النَّعيم ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النعيم﴾
стр. 915
﴿أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ والأُخرى جنَّة الْمَأْوَى ﴿عِندَهَا جَنَّةُ المأوى﴾ .
والثالثة: جنَّة عَدْن ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ ﴿جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ .
الرّابعة: جنَّة الفِرْدَوْسِ ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفردوس نُزُلاً﴾ ومن جملة الجنان دار السلام، ودار الخلد، وعِلِّيُّون تكملة السبع.
السّادس: الجِنَّة - بكسر الجيم - بمعنى الجنّ ﴿مِنَ الجنة والناس﴾ ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس﴾ .
السابع: الجِنَّة بمعنى الجنون ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ﴾ .
الثامن: الجَنَّ بمعنى السَّتر عن الحاسّة. يقال: جَنَّه اللَّيل وأَجَنَّه، وجَنّ عليه فَجُنَّ: ستره وأَجَنَّه: جعل له ما يَجنه وجَنَّ عليه كذا، ستره. والجَنَانُ: القلبُ لكونه مستوراً عن الحاسّة، والمِجنّ والجُنَّة: التُّرْسُ الَّذى يَجُنّ صاحبه.
التَّاسع: الجنين بمعنى الطَّفل فى بطن أُمّه ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ﴾ والجَنِين أَيضاً: القبر فعيل بمعنى فاعل. والأَول بمعنى مفعول.
العاشر: الجِنّ. ويقال على وجهين.
следующие страницы →