Полный текст (2 804 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
السّادس بمعنى: التبديل ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ .
السّابع بمعنى إِدخال شئ فى شئٍ ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق﴾ .
الثامن بمعنى: الإِيقاع فى القلب والإِلهام ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه﴾ .
التَّاسع بمعنى: الاعتقاد ﴿الذين يَجْعَلُونَ مَعَ الله إلاها آخَرَ﴾ ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات﴾ .
العاشر بمعنى: التسمية ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ .
الحادى عشر بمعنى: إِيجاد شئ عن شئ وتكوينه منه ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ .
الثَّانى عشر: فى تصيير الشئ على حالةٍ دون حالة، نحو: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشاً﴾ .
الثَّالث عشر: الحكم على الشئ حقّاً كان أَو باطلاً، أَمّا الحقُّ فنحو: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المرسلين﴾ وأَمّا الباطل فنحو قوله: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيباً﴾ .
وفى الجملة يكون بمعنى: فَعَل فى أَصل المعنى. وعلى أَىّ معنًى ذكرته فلا يخلو من معنى الفعل، والجَعْلُ أَعمّ من الفعل والصنع وسائر أَخواتهما
стр. 947
والجُعْل والْجُعَالة والجَعِيلة: ما يُجعل للإِنسان على فعل شئ. وهو أَعمّ من الأَجر والثواب.
بصيرة فى الجفن
الجَفْنة خصّت بوِعاءِ الإِطعام. وجمعها جِفان، قال تعالى ﴿وَجِفَانٍ كالجواب﴾ وفى الحديث "وأَنت الجَفْنة الغَرّاء" أَى المطعام. وقيل للبئر الصّغيرة: جَفْنة تشبيهاً بها. والجَفْن خُصَّ بوعاءِ السّيف والعين، والجمع أَجفان. وسُمّى الكَرْم جَفْنا تصوّراً أَنه وِعاء للعِنب.
بصيرة فى الجفاء
وهو ما يَرمِى به الوادى أَو القِدْر من الغثاءِ إِلى جوانبه. يقال أَجفأَت القِدْر زَبَدَها: أَلقته جُفَاءً. وأَجفأَت الأَرضُ: صارت كالجُفاءِ فى ذهاب خيرها. وقيل: أَصل ذلك الواو لا الهمزة، يقال: جَفَت القدرُ وأَجْفَت، ومنه الجَفَاء وقد جفوته أَجفُوهُ جَفْوة وجَفَاءً ومن أَصله أُخذ: جفا السرْجُ عن ظهر الدابّة: نبا عنه.
بصيرة فى الجلال والجليل والجلالة
الجَلاَلة: عِظَمُ القَدْر والجلال - بغير هَاءٍ -: التَّناهى فى ذلك. وخُصّ بوصف الله تعالى فقيل: ذو الجلال والإِكرام. ولم يُستعمل فى غيره قَطُّ.
стр. 948
والجليل: العظيم القَدْرِ فى ذاته وصفاته وأَقواله وأَفعاله. ووصفُه به إِمّا لخَلْقِه الأَشياءَ العظيمة المستدلَّ بها عليه، أَو لأَنَّه - تعالى - يجلُّ عن الإِحاطة به، أَو لأَنَّه يجلُّ عن إِدارك الحواسِّ.
وموضوعه للجسم العظيم الغليظ ولمراعاة معنى العِظَم فيه قوبل بالدّقيق، وقوبل العظيم بالصّغير. فقيل: جليل ودقيق، وعظيم وصغير. وقيل للبعير: جليل، وللشَّاة: دقيق لاعتبار أَحدهما بالآخر، فقيل ما له جليل ولا دقيق، وما أَجَلَّنى وما أَدَقَّنى: ما أَعطانى بعيراً ولا شاةً، ثمّ جُعل ذلك مَثَلاً فى كل كبيرٍ وصغيرٍ. والجليل نوع من الشَّوكِ من أَعظم أَصنافه، قال:
أَلا لَيْتَ شِعْرى هل أَبيتَنَّ ليلةً ... بمكَّة حولى إِذخِرٌ وَجَلِيلُ
بصيرة فى الجلب
وهو السَّوقِ. وأجلب عليه: صاح عليه بقهر. قال تعالى ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ جَلَبَ الشيءَ يجلُبُه ويجلِبه جَلْباً وجَلَباً. وجلبت الشئ إِلى نفسى واجتلبته بمعنى. قال الشاعر:
وقد يجلِبُ الشئ البعيدَ الجوالبُ
والجَلُوبة: ما يُجلب للبيع.
جالوتُ أَعجمىّ لا سبيل له فى العربيّة.
стр. 949
بصيرة فى الجلد
وهو قِشْر البدن. والجمع جُلُود قال تعالى ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله﴾ فالجُلُود عبارة عن الأَبدان، والقلوب عن النفوس. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا﴾ فقد قيل: الجُلُود هنا كناية عن الفروج. وجَلَده: نَحْوُ بَطَنه وظَهَره، أَو ضربه بالجِلْد نحو عَصَاه إِذا ضربه بالعصا. وفى الحديث: "مَنْ مسّ جلده جلدى لم تَمَسّ النارُ جلده أَبداً" وقال بعض الأَعراب وقد عُزِّر وحُبِس:
وليس بتعزير الأَمير خَزَايةٌ ... علىَّ ولا عارٌ إِذا لم يكن حَدّا
وما السجْنُ إِلا ظلّ بيت سكينةٍ ... وما السوط إِلاَّ جِلدة صافحت جِلْدا
وقال آخر:
وجدْت الحُبّ نيراناً تَلَظَّى ... قلوبُ العاشقين لها وَقُودُ
فلوفنيت إِذا احترقت لهانت ... ولكن كلما احترقت تعود
كأَهل النَّار إِذْ نَضِجَتْ جُلُودٌ ... أُعيدت للشَّقاءِ لهم جُلُود
قال تعالى ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾ .
وجاءَ بمعنى: بيان عذاب الأَشقياء ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ والجلود﴾
стр. 950
وفى حدّ الزَّانيين ﴿فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ إِلى قوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾ وفى شهادتهما على عصيان العاصين فى المحشر ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم﴾ ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا﴾ وقيل: هو كناية عن الفَرْج، وفى اتِّخاذ الأَخبية ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ الأنعام بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ الآية، وفى خشية الخائفين وقت سماع القرآن ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ وفى الاطمئنان بالذِّكر واللُّطف والرّحمة من الله تعالى ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله﴾ .
بصيرة فى الجلس
أَصل الوضع فيه أَنَّ الجَلْس: الغليظ من الأَرض. ويسمّى النَجْد أَى المكان المرتفع جَلْسا أَيضاً. وأَصل الجلوس أَن يقصد وضع مقعدِه فى جَلْسِ من الأَرض، ثمّ جعل الجلوس لكلِّ قعود، والمجلس لِكلِّ موضع يقعد فيه الإِنسان. وقيل: الجلوس إِنَّما هو لمن كان مضطجعاً، والقعود لمن كان قائماً، باعتبار أَنَّ الجالس مَن يقصد الارتفاع أَىْ مكاناً مرتفعاً وإِنَّما هذه يتصوّر فى المضطجع، والقاعدُ بخلافه فيناسب القائم.
стр. 951
بصيرة فى الجلاء والتجلى
جلا القومُ عن الموضعِ ومنه جَلْواً وجَلاَءً، وأَجْلُوا: تفرّقوا. وقيل: جلا يكون من الخوف، وأَجلى من الجدْب. وأَصل الجَلْو الكشف الظَّاهر. وقد أَجليت القوم عن منازلهم فجلَوْا عنها أَى أَبرزتهم. ويقال جلاه. ومنه جلالى خبر وخبر جَلِىّ وقياس جَلِىّ، وجلوت العروس جِلْوة، والسّيفَ جِلاَءً. والسماءُ جَلْواء أَىْ مُصْحية.
والتجلِّى قد يكون بالذَّات نحو ﴿والنهار إِذَا تجلى﴾ وقد يكون بالأَمر والفعل نحو ﴿فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ .
والجالية: أَهلُ الذِّمّة؛ لأَنَّ عمر رضى الله عنه أَجلاهم من جزيرة العرب. وأَجلولَى: خرج من بلد إِلى بلد.
بصيرة فى الجم
قال تعالى ﴿حُبّاً جَمّاً﴾ أَى كثيراً والجَمّ والجميم الكثير من كل شئ. جَمّ يجِمّ ويَجُمّ جُمُوماً: كثر واجتمع، كاستجمّ. وجمّ البئرُ: تراجع ماؤها. وجَمّة السّفينة: الموضع الَّذى يجتمع فيه الماءُ الراشح من خِرُوزها. والجُمَّة - بالضمّ - مجتمعِ شَعَرِ الرأْس. وأَصل الكلمة من
стр. 952
الجَمَام أَى الراحة للإِقامة. وجِمَام المكُّوك دقيقاً وجُمام القدح ماء إِذا امتلأَ حتى عجز عن تحمُّل الزِّيادة. وجاءَ القوم جَمَّا غفيراً والجَمَّاء الغفير أَى بأَجمعهم. وشاة جمَّاء. لا قَرْنَ لها، اعتبارا بجمَّة الناصية.
بصيرة فى الجمع
وهو ضمّ الشئ بتقريب بعضه من بعض. جمعته فاجتمع.
وقد ورد الجمع فى القرآن على ثلاثين وجهاً:
الأَوّل لجمع المال والنِّعمة ﴿جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ﴾ ، وجمع النَّهْب والغارة ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ وجمع الإِلزام والحجّة ﴿جَمَعْنَاكُمْ والأولين﴾ وجمع إِظهار القُدرة ﴿أَلَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ وجمع الهَوْل والهَيْبة وجَمْع الشَّمس والقمر، وجمع القراءَة والمتابعة ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ وجمع الحِرص والآفة ﴿وَجَمَعَ فأوعى﴾ وجمع يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع﴾ وله نظائر. وجمع الجماعة والجُمعة ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة﴾ وجمع الانتظار بين الدّنيا والآخرة ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ وجمع الحرب والهزيمة ﴿سَيُهْزَمُ الجمع﴾ ،
стр. 953
وجمع الإِرادة والمشيئة ﴿جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾ وجمع المصير والرّجعة ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المصير﴾ وجمع القضاءِ والحكومة ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ وجمع السجدة والتحيَّة ﴿فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ وجمع الوسواس والغوَايَة ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ﴾ وجمع هديَّة الهداية ﴿فَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وجمع الرّجوع من الغُربة ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وجمع السَّحَرَة للمكر والحيلة ﴿فَجُمِعَ السحرة لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ وجَمْع النَّاس للنِظَارَةِ والعِبْرَة ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ﴾ وجمع التعظيم والحرمة ﴿على أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حتى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ وجمع الغلبة والنُصرة ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ ﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ﴾ وجمع العجز والجهالة ﴿قُل لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن﴾ وجمع العَرْض والسّياسة ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾ وجَمْع التأْخير والْمهْلة ﴿إِنَّكَ جَامِعُ الناس لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ وجمع التعْبير والملامة ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾ وجمع التحذير والخَشية ﴿إِنَّ الناس قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ﴾ وجمع طلب العلم والحكمة ﴿حتى
стр. 954
أَبْلُغَ مَجْمَعَ البحرين﴾ ﴿بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ وجمع أَرباب النبوّة والرّسالة ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل﴾ وجمع الاتِّفاق والعِزَّة ﴿فأجمعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ﴾ وجمع الجُرأَة والغفلة ﴿وأجمعوا أَن يَجْعَلُوهُ فِي غيابت الجب﴾ وجمع الحضور فى الحضرة ﴿يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس﴾ وجمع الفضل والرّحمة ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وجمع الهُدَى والضَّلالة ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان﴾ وجمع الظَّفر والغنيمة ﴿يَوْمَ الفرقان يَوْمَ التقى الجمعان﴾ ويقال المجموع جَمْع وجَمَاعة وجميع.
وورد الجمع فى القرآن على ثلاثين وجهاً أَيضاً: للمِنَّة علينا بما فى السّماوات والأَرض ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً﴾ وتسخير الموجودات لنا ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ وقرئ: جميعاً مِنَّةً. رجوع الكلِّ إِلىّ فى العاقبة ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾ حَشْر الكلَّ عندنا ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ القوّة كلّها لنا ﴿أَنَّ
стр. 955
القوة للَّهِ جَمِيعاً﴾ العزَّة كلّها لنا ﴿إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ نَشْر الكل من بطن الأَرض جميعاً ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً﴾ يودّ الكافر او يفتدى بكل ما فى الأَرض جميعاً ﴿وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً﴾ اليهود لا يقاتلونكم إِلاَّ وهم فى حصونٍ حصينة ﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ﴾ لا تحسبوا أَنَّ اليهود متَّفقون ظاهراً وباطناً ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شتى﴾ ادّعت كفَّارُ مكَّة أَنَّهم كلُّهم متوازرون منتقمون ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ السّماءُ والأَرض فى قَبضة قدرتنا ﴿والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة﴾ جميعُ الشفاعات مسلَّمة بحكمنا ﴿قُل لِلَّهِ الشفاعة جَمِيعاً﴾ نحطُّ العفو على الذنُّوب كلِّها ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ الخلائق كلّهم يأْتون حضوراً بحضرتنا ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ لمّا عصيتَنا يا آدم اخْرجْ من جهتنا مع سائر العاصين ﴿اهبطوا مِنْهَا جَمِيعاً﴾ ادّعى عسكر فرعون أَنَّهم كلّهم على حَذَرٍ فى أَمرهم ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ لا بأْس عليكم فى التَّفرّق والاجتماع إِذا كنتم أَصدقاء ﴿أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً﴾ توبوا يا أَهل الإِيمان ﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون﴾ نادِ يا محمّد أَنِّى رسول الله
стр. 956
إِلى كلِّ الخلائق ﴿إِنِّي رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ ولو أَردنا لهدينا الكُلّ ﴿أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً﴾ ولو أَراد الله لأَورد النَّاس مورد الإِيمان ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ تعلّق رجاءُ يعقوب بوصول أَولاده إِليه كلِّهم ﴿عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾ نحن قهرنا فرعون ومن معه ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً﴾ سيبرز الكل فى عَرَصات القيامة ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ الأَخابث وما عملوا إِلى النَّار ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً﴾ يعاقب بعضُهم بعضاً فى دخولها ﴿حتى إِذَا اداركوا فِيهَا جَمِيعاً﴾ ونحن نجمع المنافقين والكافرين فيها ﴿إِنَّ الله جَامِعُ المنافقين والكافرين فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ لأَنَّ جهنَّم موعد المسيئين يملؤها منهم ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ .
قال الشاعر:
صَوْن الفتى عِرْضَه عمّا يدنِّسه ... وصونه ماله ما ليس يجتمع
ما طاب قوم وإِن عَزُّوا وإِن كَثُروا ... حتى يطيب لهم تفريقُ ما جمَعوا
стр. 957
بصيرة فى الجمال
وهو الحُسْن الكثير. وهو على ضربين:
جمال مختصّ بالإِنسان فى ذاته أَو شخصه أَو فِعله.
والثانى: ما يصل منه إِلى غيره. وعلى هذا الوجه يُحمل ما صحّ عن النبىّ ﷺ أَنَّه قال: "إِنَّ الله جميل يحبّ الجمال" تنبيهاً أَنَّه يُفيض الخيرات الكثيرة فيحبّ من يختصّ بذلك.
جَمُل ككرم فهو جميل وجُمَالٌ وجُمّالٌ على التكثير. وجامَله: لم يُصْفِه الإِخاءَ وماسحه بالجميل. وجَمَالَكَ أَلاَّ تفعل كذا أَى لا تفعلْه والزم الأَجمل.
واعْتُبِرَ من هذه المادّة معنى الكثرة، فقيل لكلِّ جماعة غير منفصِلة: جُمْلة. ومنه قيل للحساب الَّذى لم يفصَّل، والكلام الَّذى لم يبيّن تفصيله: مُجمل. والجميل: الشَّحم يذاب فيجمع ويَجْمُل أَكله. وقالت أَعرابية لبنتها: تجمّلى وتعفَّفِى، أَى كلى الجَمِيل واشربى العُفافة أَى اللَّبن الحليب.
وقد ورد فى القرآن هذه المادّة على وجوه: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ أَى مجتمعاً كما أُنزل نجوماً متفرّقة، وبمعنى المحاسنة والمجاملة ﴿فاصفح الصفح الجميل﴾ وبمعنى الصَّبر بلا جزاء ﴿فاصبر صَبْراً جَمِيلاً﴾ وقال يعقوب ﵇ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ وبمعنى مقاطعة الكفَّار
стр. 958
على الوجه الحسن ﴿واهجرهم هَجْراً جَمِيلاً﴾ وبمعنى إِطلاق النِّساءِ على الوجه الجميل ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ وبمعنى الحُسْن والزِّينة ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ وبمعنى البعير البازل ﴿حتى يَلِجَ الجمل فِي سَمِّ الخياط﴾ وجمعه جِمَالٌ وأَجمال وجِمَالة وجمائل وجامل، وهذا من نوادر الجموع كالباقر لجماعة البقر وراعيها، ومنه قوله تعالى ﴿كَأَنَّهُ جمالت صُفْرٌ﴾ وقرئ جُمَالات وهى جمع جُمَالة بالضمِّ وقيل هى القُلُوس: قُلُوس السُّفُن.
ومن دعائه ﷺ : "اللَّهمّ جمِّلنى بالتَّقوى وزيّنى بالحِلْم وأَكرمنى بالعافية". قال الشاعر:
ليسَ الجَمَالُ بمئْزَرٍ ... فاعْلَمْ وإِن رُدِّيتَ بُردا
إِنّ الجَمَالَ معادِنٌ ... ومَنَابِتٌ أَورثن مجدا
وقال آخر:
أُقبِّل أَرضا سار فيها جِمَالها ... فكيف بدار دار فيها جَمَالها
على كلِّ حال أُمُّ عمرو جميلة ... إِذا لبست خَلْقانها أَو جديدها
وقال آخر:
جَمَال معيشة المُثرِى ... جِمَالٌ تُدْمِن الحركهْ
فإِذا أُنيخ ببابه ... أُنيخت حوله البركة
стр. 959
بصيرة فى الجنب
وأَصله الجارحة. وجمعه جُنُوب ثمّ يستعار فى النَّاحية الَّتى تليها، كعادتهم فى استعارة سائر الجوارح كذلك؛ نحو اليمين والشَّمال. وقيل: جَنْب الحائط وجانبه. والصّاحب بالجَنْب أَى القريب. وقيل كناية عن المرأَة، وقيل: عن الرّقيق فى السّفر. وقوله ﴿والجار الجنب﴾ أَى القريب وقوله ﴿فِي جَنبِ الله﴾ أَى فى أَمره وحدّه الَّذى حَدّهُ لنا وسار جَنْبيه وجَنَابَيْهِ وجَنَابَتَيْهِ أَى جانبه. وجَنَبْتُهُ: أَصبت جَنْبه نحو كَبَدَته ورأَسته. وجُنِب بمعنى اشتكى جَنْبه نحو كُبِدَ وفُئِدَ.
وبُنى الفعل من الجَنْب على وجهين: أَحدهما الذّهابُ عن ناحيته، والثانى الذّهاب إِليه. فالأَول نحو جَنَبْته واجتنته، قيل: ومنه الجار الجُنُب أَى البعيد قال:
فلا تَحْرِمَنِّى نائلا عن جَنَابة
أَى عن بعد [نسب] . [غربة] وقوله تعالى ﴿واجتنبوا الطاغوت﴾ عبارة عن تركهم إِيَّاها ﴿فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وذلك أَبلغ من قولك:
стр. 960
اتركوه. وجُنِب بنو فلان كعُنى، إِذا لم يكن فى إِبلهم لَبَن. وجُنب فلان خيراً وجُنِّب شرّاً، وإِذا أُطلق فقِيل: جُنب فلان فمعناه: أُبعد عن الخير وذلك يقال فى الدّعاءِ وفى الخَبَرِ. قال تعالى ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ من جَنَبته عن كذا أَى أَبعدته. وقيل: هو من جَنَبت الفَرَس: جعلته جَنِيباً، كأَنَّمَا سأَله أَن يقوده عن جانِب الشِّرك بأَلطاف منه وأَسباب خفيّة. والتجنيب: الرَّوْح فى الرّجلين، وذلك إِبعاد إِحدى الرّجلين عن الأُخرى خِلْقة. وقوله تعالى ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً﴾ أَى أَصابتكم الجنابة. وذلك بإِنزال الماءِ أَو بالْتقاءِ الخِتانَيْن. وقد جُنِب كعُنْى وأَجْنب كأَكرم واجتنب وتجنَّب. وسمّيت الجَنَابة بذلك لكونها سبباً لتجنب الصلاة فى حكم الشَّرع. والجَنُوب يصحّ أَن يعتبر فيها معنى المجئ من جَنْب الكعبة، وأَن يعتبر فيها معنى الذِّهاب عنه، لأَنَّ المعنيين فيها موجودان. واشتُقّ من الجَنُوب جَنَبَتِ الرّيحُ: هبّت جَنُوباً. وأَجنبنا: دخلنا فيها. وجُنبنا: أَصابتنا. وسحابة مجنوبة: هبّت عليها الجَنُوبُ.
والجَنْب وما اشتقّ من هذه المادّة ورد فى القرآن على أَنحاءِ:
الأَوّل: الجَنْب بمعنى الأَمر ﴿على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله﴾ أَى فى أَمر الله.
الثانى: جُنُوب المقصّرين فى أَداءِ الزكاة ﴿فتكوى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ .
стр. 961
الثالث: جنب المشتاقين إِلى اللِّقاءِ ﴿تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع﴾ .
الرابع: جَنْب المشتغلين بذكر الحقّ تعالى ﴿يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ﴾ .
الخامس: الجَنْب بمعنى العصمة ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ .
السادس: بمعنى الجنابة ﴿وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ وبمعنى الأَجنبىِّ البعيد من النّسبة والقرابة (والجار الجُنُب) .
السابع: التجنب أَى تبعد أَبى جهل عن موعظة القرآن ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأشقى﴾ .
الثامن: بمعنى صيانة الله تعالى أَبا بكرٍ من العذاب ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتقى﴾ .
التاسع: الأَمر بالتباعد عن عبادة الأَوثان ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ .
العاشر: الأَمر بالتَّبَاعد عن الزُّور والبهتان ﴿واجْتَنِبُوا قوْلَ الزُّور﴾ .
الحادى عشر: الأَمر بالتَّبَاعد عن شرب الخمر ﴿رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه﴾ .
الثانى عشر: الأَمر بالتَّوقى عن سوءِ الظنّ فى حق المؤمنين ﴿اجتنبوا كَثِيراً مِّنَ الظن﴾ .
الثالث عشر: فى الثناءِ على المتبعِّدين من الكبائر والفواحش ﴿الذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش﴾ ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ .
стр. 962
بصيرة فى الجنح
وقد ورد فى القرآن من هذه المادّة على وجوه: بمعنى الميل ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا﴾ وبمعنى جَنَاح المَلَك ﴿أولي أَجْنِحَةٍ مثنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ وبمعنى الإِبْط ﴿واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ أَى يدك. وبمعنى التواضع ﴿واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أَى أَلِنْ جانبك. ومنه ﴿واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة﴾ استعارة، لأَنَّ الذُّلَّ ضربان: ضرب يضع الإِنسان، وضرب يرفعه. وقُصِدَ هنا ما يرفعه، فاستعير لفظ الجناح له. والمعنى: استعمل الذل الذى يرفعك عند الله من أَجل رحمتك لهم. وبمعنى أَجنحة الطُّيور ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ وسمّى جانبا الشئ جناحيه، فقيل: جناحاَ السفينة، وجناحا العسكر، وجناحَا الوادى، وجناحا الإِنسان لجانبيه.
وأَمّا الجُناح بالضمّ فورد بمعنيين: بمعنى الحَرَج ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ﴾ ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء﴾ وبمعنى الإِثم فى العُقبى ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ في آبَآئِهِنَّ﴾ ولكلٍّ نظائرُ. سمّى به لأَنَّه مائل بالإِنسان عن الحقّ.
стр. 963
والجِنْح - بالكسر -: قطعة من اللَّيل مظلمة لأَنَّها جانب منه. وفى الحديث "إِنّ الملائكة لَتَضَعُ أَجنحتَها لطالبِ العلمِ رضاً بما يصنع".
بصيرة فى الجند
وهو العسكر، سمّى به اعتباراً بالغِلَظ والاجتماع من الجَنَد بالتَّحريك وهو الأَرض الَّتى فيها الحجارة المجتمِعة؛ ثمَّ يقال لكلِّ مجتمع: جُنْد نحو "الأَرواحُ جنود مجنَّدة" وجَمْع الجُنْد أَجناد وجُنود. وقوله تعالى ﴿إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾ فالجنود الأُولى من الكفَّار، والثانية من الملائكة.
بصيرة فى الجهد بالفتح والضم
وهو الطَّاقة والمَشَقَّة. وقيل بالفتح: المشقَّة، وبالضمّ الْوُسْع. وقيل: الجهد: ما يَجْهَد الإِنسان.
قوله تعالى ﴿لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ﴾ ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أَى حَلفوا واجتهدوا فى الحلفِ أَن يأْتوا به على أَبلغ ما فى وُسْعهم. والاجتهاد: أَخْذ النَّفس ببذل الطَّاقة، وتحمّل المشقَّة فى العبادة. يقال جَهَدت رأْيى واجتهدت: أَتعبته بالفكر. والجهاد والمجاهدة: استفراغ الوُسْع فى مدافعة
стр. 964
العدُوِّ. قال ﷺ "المجاهِد مَن جاهد نفسه فى طاعة الله" وكان إِذا رجع من الغَزْو يقول: "رجعنا من الجهاد الأَصغر إِلى الجهاد الأَكبر" وقال "أَفضل الجهادِ مجاهدة النَّفس" وقال للنِّساءِ "لكنَّ أَفضل الجهاد: حجّ مبرور" وسأَله رجل عن الخروج إِلى الغَزْو فقال "أَوالدَِاك فى الأَحياءِ؟ قال: بلى. قال: ففيهما فجاهِدْ".
قال الشاعر:
يا من يجاهد غازيا أَعداءَ دين الله ... يرجو أَن يعان ويُنْصرا
هلاَّ غشِيت النفس غزواً إِنها ... أَعدى عدوّك كى تفوز وتظفرا
مهما عنَيت جهادها وعنادها ... فلقد تعاطيت الجهاد الأَكبرا
وقال آخر فى الجهد ومعنييه:
تعاليت عن قدر المدائح صاعداً ... فسيّان عفو القول عندك والجَهْد
وإِنى لأَدرى أَنَّ وصفك زائد ... على منطقى لكن على الواصف الجُهْد
وإِنّ قليل القول يكثر وَقْعُه ... إِذا عُرِفت فيه الموالاة والودّ
وورد فى القرآن على معان:
الأَول: مجاهدة الكفَّار والمنافقين بالبرهان والحجّة ﴿جَاهِدِ الكفار والمنافقين﴾ ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً﴾ .
стр. 965
الثانى: جهاد أَهل الضَّلالة بالسّيف والقتال ﴿وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين﴾ ﴿هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ .
الثالث: مجاهدة مع النفس ﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ .
الرابع: مجاهدة مع الشيطان بالمخالفة طمعاً فى الهداية ﴿والذين جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ .
الخامس: جهاد مع القلب لنيل الوصْل والقُرب ﴿وَجَاهِدُوا فِي الله حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجتباكم﴾ .
والحقّ أَن يقال: المجاهدة ثلاثة أَضرب: مجاهدة العدوّ الظَّاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النَّفْس. ويدخل الأَضرب الثلاثة فى ﴿وَجَاهِدُوا فى اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ وفى الحديث: "جاهدوا أَهواءَكم كما تجاهدون أَعداءَكم" والمجاهدة تكون باليد واللِّسان. قال ﷺ : "جاهدوا الكفَّار بأَيديكم وأَلسنتكم".
стр. 966
بصيرة فى الجهر
قال الله تعالى ﴿سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ القول وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ .
والمادّة موضوعة لظهور الشئ بإِفراط لحاسّة البصر أَو لحاسّة السّمع. أَمّا للبصر فنحو قولك: رأَيته جِهَاراً. وأَمّا للسّمع فنحو قولك: جهر بالكلام. وكلام جَهْورِىّ وجَهِير ورجل جَهير: رفيع الصوت، والَّذى يجهر بحسنه: وجَهَر البئر، واجتهرها: أَظهر ماءَها. والجوهر فَوْعل منه، وهو ما إِذا بطل بطل محمولُه، وسمّى بذلك لظهوره للحاسّة.
بصيرة فى الجل
وقد ورد فى القرآن على خمسة عشر وجهاً:
الأَوّل: فى ذكر آدم بحمل الأَمَانَة ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ .
الثانى: خطاب لنوح ﵇ أَن يحفظ رَقْم الجهالة على نفسه بدعوة الجَهَلة ودعائهم ﴿إني أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ .
الثالث: ذكر هود ﵇ قومه لمّا امتنعوا عن إِجابة الحقّ ﴿ولاكني أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ .
стр. 967
الرّابع: استعاذة موسى بالحقّ عن ملابسة الجَهَلة ﴿أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ وقال مرّة ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ وقال يوسف: إِن لم تُبَذْرِقْنى بعصمتك أَصير من جملة الجُهَلاءِ ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الجاهلين﴾ وقال تعالى ﴿إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ﴾ وخاطب نبيّه وحبيبه. ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الجاهلين﴾ قل يا محمّد لنسائك يَجْتَنِبْنَ من التَزيىّ بزىّ الجهلاءِ ﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهلية﴾ ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الحمية حَمِيَّةَ الجاهلية﴾ ﴿ولاكن أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ ما صدر من العصاةِ من المعاصى فبسبب جهلهم ﴿عَمِلُواْ السواء بِجَهَالَةٍ﴾ ليكن جوابك لخطاب الجاهلين سلاماً طلباً للسّلامة ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾ ﴿لاَ نَبْتَغِي الجاهلين﴾ .
والجهل نقيض العلم، جهِله يَجْهَله جَهْلاً وجَهَالة. وجَهِل عليه: أَظهر الجَهْل كتجاهل. وهو جاهل. والجمع جُهُل وجُهْل وجُهّل وجُهّال وجُهَلاءُ.
стр. 968
والجهل على ثلاثة أَضرب:
الأَول: خلوّ النَّفس من العِلْم، هذا هو الأَصل. وقد جَعَل بعض المتَكَلِّمين الجهل معنًى مقتضياً للأَفعال الخارجة عن النِّظام، كما جعل العِلْم معنًى مقتضياً للأَفعال الجارية على النِّظام.
الثانى: اعتقاد الشئ على خلاف ما هو عليه.
الثالث: فعل الشئ بخلاف ما حقًَّه أَن يُفعل، سواءٌ اعتقد فيه اعتقاداً صحيحاً أَو فاسداً كمن يترك الصّلاة عمداً. وعلى ذلك قوله ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين﴾ . فجعل فعل الهُزُو جهلاً.
والجاهل يُذكر تارة على سبيل الذمّ وهو الأَكثر، وتارة لا على سبيل الذمّ نحو ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف﴾ أَى مَنْ لا يَعْرِف حالهم. وليس المراد المتَّصف بالجهل المذموم. والمَجْهل كَمَقْعد: الأَمر والأَرض والخَصْلة التى تحمل الإِنسان على الاعتقاد بالشئ بخلاف ما هو عليه. واستجهلت الرّيحُ الغُصْن: حَرّكته كأَنها حملته على تعاطى الجهل. وذلك استعارة حسنة. والمَجْهلة: ما يحملك على الجهل. والمِجْهَل والمِجْهلة - بكسر ميمهما - والْجَيْهَلُ والْجَيْهَلة: خَشَبة يُحَرّك بها الجَمْر.
стр. 969
بصيرة فى الجهم
وهو الوجه الغليظ المجتمع السّمْج. وقد جَهُم جُهُومةً وجَهَامة. وجَهَنَّم: اسم لنار الله الموقدة فارسىّ معرّب، أَصله جَهَنَّام وقيل: عربىّ سمّيت به نار الآخرة لبعد قعرها، من قولهم: بئر جَهَنَّام وجِهَنَّام وجُهَنَّام أَى بعيدة القَعْر. وإِنَّمَا لم يُجْرَ لثقل التَّعريب وثقل التَّأْنيث.
بصيرة فى الجوب
وهو قَطْع الجَوْبة وهى الغائط من الأَرض، ثمّ يستعمل فى قطع كل أَرض كقوله تعالى ﴿جَابُواْ الصخر بالواد﴾ ويقال هل عندك جائبة خبرٍ. وجواب الكلام هو ما يقطع الجُوَب فيصلُ من فم القائل إِلى سمع المستمع، لكن خُصّ بما يعود من الكلام، دون المبتدإِ من الخطاب.
والجوابُ يقال فى مقابلة السؤال. والسّؤال على ضربين: طلب مقال وجوابه المقالُ، وطلب نوال وجوابه النَّوالُ. فعلى الأَوّل قوله تعالى ﴿ياقومنآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ الله﴾ وعلى الثانى ﴿أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ أَى أُعطِيتما ما سأَلتما.
стр. 970
والاستجابة قيل: هى الإِجابة. وحقيقتها هى التحرّى للجواب والتَّهيّؤ له، لكن عبّر به عن الإِجابة لقلَّة انفكاكها منها. قال تعالى ﴿ادعوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ .
بصيرة فى الجار والجأر والجارى
أَمّا الجار فمَن يَقرب مسكنه من مسكنك. وهو من الأَسماءِ المتضايفة، فإِنَّ الجار لا يكون جاراً لغيره حتَّى يكون ذلك الغير جاراً له؛ كالأَخ والصّديق ونحو ذلك. ولمّا استُعظم حقّ الجار شرعاً وعقلاً عُبّر عن كلِّ مَنْ يعظم حقَّه أَو يَستعظم حقّ غيره بالجار، كقوله تعالى ﴿والجار ذِي القربى والجار الجنب﴾ ويقال: استجرت فأَجارنى، وعلى هذا قوله تعالى ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ .
وقد تُصوّر من الجار معنى القُرْب فقيل لما يقرب من غيره: جارُه. وجاوره وتجاوروا قال تعالى ﴿وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ وباعتبار القرب قيل: جارَ عن الطَّريق. ثم جُعِل ذلك أَصلاً فى كلِّ عدول عن كلِّ حَقّ، فبُنى منه الْجوْر، قوله تعالى ﴿وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ أَى عادل عن المُحَجَّة. وقيل: الجائر من النَّاس هو الذى يمتنع عن التزام ما يأمر به الشَّرع.
стр. 971
وأَمّا الجَأَر بالهمزة، فهو الإِفراط فى الدّعاءِ والتضرّع، تشبيهاً بجوار الوَحْشِيَّات؛ كالظّباءِ وغيرها.
وأَمّا الجارى والجارية والجوار ففى القرآن على ستَّة أَوجه:
الأَوّل: بمعنى مَسير الشَّمس فى الفَلَك ﴿والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ .
الثانى: لسَيَلان الأَنهار فى الجَنَّةِ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ ولهذا نظائر فى التنزيل.
الثالث: بمعنى سَيَلان أَنهار الدُّنيا ﴿وَجَعَلْنَا الأنهار تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ أَى تحت أَمرهم وتصرُّفهم.
الرّابع: بمعنى جَرَيَان أَنهار مصر ﴿وهاذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتيا﴾ قاله فرعون.
الخامس: بمعنى السّفينة ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ ﴿فالجاريات يُسْراً﴾ ﴿وَلَهُ الجوار المنشئات فِي البحر﴾ .
السّادس: بمعنى الحَوْراءُ من الحُور العين. قال الشاعر:
فى الخُلْد جارية بالفُنْج ماشية ... للزَّوج ساقية فى شَطِّ أَنهار
من عنبر خُلِقت بالمسك قد عُجِنت ... باللُّطفِ قد ثقبت فى نفس أَبكار
стр. 972
بصيرة فى الجواز
قال تعالى ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ﴾ أَى تجاوَز جَوْزَهُ والْجَوْز: وَسَط الطَّريق. وجاز الشَّئ جَوَازاً كأَنَّه لزم جَوْز الطَّريق، وذلك عبارة عمّا يَسُوغ. وجَوْز السّماءِ: وَسَطها. والجوزاء قيل سمّيت بذلك لأَنَّها معترِضة فى جَوْز السّماءِ. وشاة جَوْزَاءُ: أَبيض وسطُها. وجُزْت المكان: ذهبتُ فيه. وأَجزته أَنفذته وخلفته. وقيل: استجزت فلاناً فأَجازنى إِذا استسقيته فسقاك، وذلك استعارة. والمَجَاز من الكلام: ما تجاوز موضوعَه الذى وضع له، والحقيقة ما لم يتجاوز ذلك.
بصيرة فى الجوس
وهو الدّخول فى وسط المكان. ولعلَّ السّين مبدلة من الزاى لقرب المخرج. وقال تعالى ﴿فَجَاسُواْ خِلاَلَ الديار﴾ أَى توسّطوها وتردّدوا بينها. وقيل: الجَوْس: طلب، الشَّئ بالاستقصاءِ. يقال: جاسوا وداسوا.
стр. 973
بصيرة فى المجيء والجيئة
وقد ورد فى القرآن على خمسة عشر وجهاً: الأَوّل: جَيْئة الهَيْبة من الملِك والملَك ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً﴾ . الثانى: جَيْئة السيّارة ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ . الثالث: جيئة الخَجَالة ﴿وجآءوا أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ﴾ . الرّابع: جَيْئة الصّيانة ﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى استحيآء﴾ . الخامس: جَيْئَة النَّصيحة من حزقيل لموسى ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى المدينة يسعى﴾ . السّادس: جَيْئة الدّعوة من حبِيب النَّجار لأَصحاب ياسين ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَى المدينة رَجُلٌ يسعى﴾ السّابع جَيئة الرّسالة من المصطفى ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ . الثامن: جيئة المَعْذِرة ﴿وَإِذَا جَآءَكَ الذين يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا﴾ . التاسع: جَيْئَة النَّصيحة من المنافقين ﴿إِذَا جَآءَكَ
стр. 974
المنافقون﴾ . العاشر: جيئة الغَمْز والنَّميمة ﴿إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فتبينوا﴾ . الحادى عشر: جيئة أَهل الطَّاعة والمعصية إِلى جهنَّم والجنَّة ﴿حتى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ . الثَّانى عشر: جيئة الحَسْرة والنَّدامة على قُرناءِ السّوءِ بالصّحبة ﴿حتى إِذَا جَآءَنَا قَالَ ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين﴾ . الثالث عشر: جَيْئة المكر والحِيلة من الكَفَرة لبنىّ الأُمّة ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ﴾ . الرّابع عشر: جيئة النَّصرة من ربّ المغفرة لنبىّ المَلْحَمة ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ . الخامس عشر: جيئة المناجاة والقُرْبة ﴿وَلَمَّا جَآءَ موسى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ .
والجَيْئة والمجئ بمعنى الإِتيان لكن المجئ أَعمّ؛ لأَنَّ الإِتيان مجئ بسهولة، والإِتيان قد يقال باعتبار القصد وإِن لم يكن منه الحصولُ، والمجئ يقال اعتباراً بالحصول.
وقد يقال: جاءَ فى الأَعيان والمعانى، وربّما يكون مجيئهُ بذاته وبأَمره، ولمن قصد مكاناً أَو عملاً أَو زماناً قال تعالى ﴿وَلَقَدْ جَآءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات﴾ ﴿فَإِذَا جَآءَ الخوف﴾ ﴿فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾ أَى قصدوا الكلام وتعمّدوهُ، فاستعمل فيه المجئ كما استعمل فيه القصد. وقوله تعالى ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾ فهذا بالأَمر لا بالذَّات، وهو قول ابن عباس. ويقال:
стр. 975
جاء بكذا وأَجاءَه. قال تعالى ﴿فَأَجَآءَهَا المخاض إلى جِذْعِ النخلة﴾ قيل ألجأَها، وإِنما هو معدّىً عن جاءَ. وجاءَ بكذا: استحضره نحو ﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ﴾ ويختلف معناه بحسب اختلاف المجئ به. وجاياه مجاياة لغة فى المهموز أَى قابله.
والجَوُّ والجَوَّة: الهواءُ، قال تعالى ﴿فِي جَوِّ السمآء﴾ والجمع جِوَاءٌ كجبال. والجَوُّ: اليمامة، وثلاثة عشر موضعاً غيرها.
стр. 976
الباب السابع - فى وجوه الكلمات المفتتحة بحرف الحاء
стр. 977
بصيرة فى الحاء
وهى يَرد على عشرة أَنحاء:
الأَوّل: حرف من حروف التَهَجّى يذكَّر ويؤنَّث، مخرجه وَسَطُ الحَلْق قرب مخرج العين، ويمدّ ويقصر، والنسبة حائىّ وحاوىّ وحَيَوىّ وتقول منه حَيّيت حاء حَسَنة وحَسَناً والجمع أَحْواء وأَحْيَاءُ وحاءَات.
الثانى: فى حساب الجُمّل اسم لعدد الثمانية.
الثالث: الحاءُ الكافية الَّتى يكتَفى بها عن سائر حروف الكلمة كقول الله تعالى (حم) فقيل: الحاءُ حكمهُ، وقيل حكمته، وقيل مِن حُمّ الأَمْرُ أَى قُضِىَ ما هو كائن.
الرّابع: الحاءُ المكرّرة مثل سحّر وصحّحَ.
الخامس: الحاءُ المدغمة مثل صحّ وأَلحّ.
السّادس: حاءُ العَجْز والضَّرورة، كقول الهنود الهَمْدُ لله.
السّابع: الحاء الصّوت من قبيل الزَّجر. مبنىّ على الكسر كقولك: حاءِ وعاءِ فى زَجْر الغنم ودعائه.
الثامن: الحاءُ الأَصلىّ فى الكلمة نحو حاءُ حمد ومدح ورحم.
التَّاسع: الحاءُ المبدلة نحو مَدَحَ ومَدَهَ وأَنَه أُنُوها وأَنَح إِذا زَحَرَ عند السّؤال.
стр. 978
العاشر: الحاءُ اللغوىّ قالَ [الخليل] الحاءُ عندهم المرأَة البذيئة اللِّسان السّليطة قال:
جدودى بنو العنقاءِ وابن محرّق ... وأَنت ابن حاء بَظْرها مثل مُنخُل
بصيرة فى الحب والمحبة
ولا يُحدّ المحبّة بحدّ أَوضح منها، والحدود لا تزيدها إِلاَّ خفاءً وجفاءً فحدّها وجودها. ولا توصف المحبّة بوصف أَظهر من المحبّة، وإِنَّما يتكلَّم النَّاس فى أَسبابها وموجباتها وعلاماتها وشواهدها وثمراتها وأَحكامها، فحدودهم ورسومهم دارت على هذه الستّة.
وهذه المادّة تدور فى اللُّغة على خمسة أَشياءَ: أَحدها الصّفاء والبياض ومنه قيل حَبَب الأَسنان لبياضها ونضارتها. الثانى: العُلُوّ والظُّهور ومنه حَبَب الماءِ وحَبَابه وهو ما يعلوه من النفاخات عند المطر، وحَبب الكأْس منه. الثالث: اللُّزوم والثبات ومنه حَبَّ البعير وأَحبّ إِذا برك فلم يقُم. الرَّابع: اللُّباب والخلوص. ومنه حَبّة القلب لِلبّه وداخله. ومنه الحَبّة لواحدة الحبوب إِذ هى أَصل الشئ ومادَّته وقوامه. الخامس: الحفظ والإِمساك
стр. 979
ومنه حُبّ الماءِ للوعاءِ الَّذى يُحفظ فيه ويمسكه، وفيه معنى الثُّبوت أَيضاً.
ولا ريب أَنَّ هذه الخمسة من لوازم المحبّة، فإِنَّها صفاءُ المودّة وهَيَجان إِرادة القلب وعلوّها وظهورها منه لتعلُّقها بالمحبوب المراد وثبوت إرادة القلب للمحبوب ولزومها لزوم لا تفارق، ولإِعطاءِ المحبّ محبوبه لبّه وأَشرف ما عنده وهو قلبه، ولاجتماع عَزَماته وإِراداته وهُمومه على محبوبه. فاجتمعت فيها المعانى الخمسةُ. ووضعوا لمعناها حرفين مناسبين للشَّئ غاية المناسبة: الحاء الَّتى من أَقصى الحَلق والباء للشفة الَّتى هى نهايته، فللحاءِ الابتداء وللباء الانتهاء، وهذا شَأْن المحبّة وتعلُّقها بالمحبوب، فإِنَّ ابتداءَها منه وانتهاءَها إِليه.
ويقال فى فعله: حبَبت فلاناً بمعنى أَصبت حَبَّة قلبه، نحو شَغَفته وكَبَدته وفأَدته، وأَحببت فلاناً جعلت قلبى مُعَرَّضاً لأَن يُحِبّه. لكن وضع فى التعارف محبوب موضعَ مُحَبّ واستعمل حبَبت أَيضاً فى معنى أَحببت، ولم يقولوا مُحَبّ إِلاَّ قليلاً قال:
ولقد نزلتِ فلا تظنى غيره ... منى بمنزلة المُحَبّ المكرم
وأَعطَوْا الحُبّ حركة الضمّ الَّتى هى أَشدّ الحركات وأَقواها، مطابَقة لشِدّة حركة مسمَّاه وقوّتها، وأَعطَوُا الحِبّ وهو المحبوب حركة الكسر لخفَّتها عن الضمَّة، وذلك لخفَّة ذكر المحبوب على قلوبهم وأَلسنتهم مع إِعطائه
стр. 980
حكم نظائره كنِهْد وذِبْح للمنهود والمذبوح وحِمْل للمحمول، فتأَمّل هذا اللُّطف والمطابقة والمناسبة العجيبة بين اللَّفظ والمعنى يُطلعْك على قَدْر هذه اللغة الشريفة وإِنَّ لها لشأْنا ليس كسائر اللغات.
وقد ذكر الله تعالى ذلك فى مواضع كثيرة من التنزيل الحميدىّ منها ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ ﴿والذين آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ﴾ ﴿وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله﴾ ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله﴾ ﴿والله يُحِبُّ المحسنين﴾ ﴿والله يُحِبُّ الصابرين﴾ ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين﴾ ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ الذين يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتقين﴾ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾ ﴿إني أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير﴾ ﴿ولاكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإيمان﴾ وقال تعالى ﴿والله لاَ يُحِبُّ الفساد﴾ ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ وقال تعالى ﴿إِنِ
стр. 981
استحبوا الكفر عَلَى الإيمان﴾ أَى آثروه عليه. وحقيقة الاستحباب أَن يتحرّى الإِنسانُ فى الشئ أَن يحبّه. واقتضى تعديتُه بعَلى معنى الإِيثار، وفى الحديث الصّحيح "إِذا أَحبّ الله عبداً دعا جَبْرئيلَ فقال: إِنى أُحِبُّ فلاناً فأَحِبَّه فيحبّه جبرئيل، ثم ينادى فى السّماءِ فيقول: إِنَّ الله يحبّ فلاناً فأَحِبُّوه فيحبّه أَهْلُ السّماءِ، ثمّ يوضَع له القَبولُ فى الأَرض" وفى البُغْض ذُكِر مثل ذلك. وفى الصّحيح أَيضاً: "ثلاث مَن كُنَّ فيه وَجَد بهنّ حلاوة الإِيمان: أَن يكون الله ورسولُه أَحبَّ إِليه مِمَّا سواهما، وأَن يحبّ المرءُ لا يحبّه إِلاَّ لله"، وفى صحيح البخارىّ: "يقول الله تعالى: مَن عادى لى وليّاً فقد آذَنْتُهُ بالحرب، وما تقرب إِلىّ عبدى بشىءٍ أَحبَّ إشلىَّ من أَداءِ ما افترضته عليه، ولا يزال عبدى يتقرب إِلىّ بالنَّوافل حتَّى أُحبّه. فَإِذَا أَحببته كنت سمعَه الَّّذى يسمع به، وبصرَه الَّذى يبصر به، ويدَه الَّتى يبطِش بها ورجلَه التى يمشى بها. وإِن سأَلنى أَعطيته ولئن استعاذنى لأُعيذنَّه". وفى الصّحيحين من حديث أَمير السّريَّة الذى كان يقرأُ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ لأَصحابه فى كلِّ صلاة وقال: لأَنَّها صفة الرّحمن وأَنا أُحبّ أَن أَقرأَ بها فقال النبىّ ﷺ : "أَخبروه أَنَّ الله يحبّه" وعن التِّرمذى عن
стр. 982
أَبى الدَرداءِ يرفعه: "كان مِن دعاءِ داود ﵇: اللهمّ إِنِّى أَسأَلك حبّك وحبّ من يحبّك، والعملَ الَّذى يبلِّغنى حبَّك. اللَّهم اجعل حُبّك أَحبّ إِلىّ من نفسى وأَهلى، ومن الماء البارد". وفيه أَيضاً من حديث عبد الله بن يزيد الخَطْمِىِّ أَنَّ النبىّ ﷺ كان يقول فى دعائه: "اللهمّ ارزقنى حبّك وحبّ من يحبّك وحبّ مَن ينفعنى حبُّه عندك. اللهمّ ما رزقتنى ممّا أُحبّ فاجعله قوّة لى فيما تحبّ، وما زَوَيت عنِّى ممّا أُحبّ فاجعله فراغاً لى فيما يحبّ".
والقرآن والسنَّة مملوءَان بذكر مَن يحبّ اللهُ سبحانه من عباده، وذكر ما يحبّه من أَعمالهم وأَقوالهم وأَخلاقهم. فلا يلتفت إِلى مَن أَوَّل محبّته تعالى لعباده بإِحسانه إِليهم وإِعطائهم الثواب، ومحبّةَ العباد له تعالى بمحبّته طاعته والازدياد من الأَعمال لينالوا به الثواب، فإِن هذا التأْويل يؤدّى إِلى إِنكار المحبّة، ومتى بطلت مسأَلة المحبّة بطلت جميع مقامات الإِيمان والإِحسان، وتعطَّلت منازلُ السَّيْر، فإِنَّها رُوح كلِّ مَقَام ومنزلةٍ وعمل، فإِذا خلا منها فهو ميّت، ونسبتها إِلى الأَعمال كنسبة الإِخلاص إِليها، بل هى حقيقة الإِخلاص، بل هى نفس الإِسلام، فإِنَّه الاستسلام بالذُّل والحُبّ والطَّاعة لله. فمن لا محبَّة له لا إِسلام له البتَّة.
ومراتب المحبّة عشرة: الأَوّل العلاقة والإِرادة والصبابة، والغرام
стр. 983
وهو الحبّ اللاَّزم للقلب ملازمةَ الغريم لغريمه، ثمّ الوُدّ وهو صفو المحبّة وخالصها ولُبّها، ثمّ الشغَف، شُغِفَ بكذا فهو مشغوف أَى وَصَل الحُبّ شَغَاف قلبه وهو جِلدة رقيقة على القلب، ثمّ العشق وهو الحبّ المفرط الَّذى يُخاف على صاحبه منه، وبه فسّر ﴿وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ثمّ التَتَيُّم وهو المحبّة والتذلُّل، تَيَّمه الحُبّ أَى عَبَّده وذَلَّله وتَيْم الله عَبْد الله، ثمَّ التعبّد وهو فوق التتيُّم فإِنَّ العبد الذى مَلَك المحبوبُ رِقَّه فلم يبق له شئ من نفسه البتَّة، بل كلُّه لمحبوبه ظاهراً وباطناً. ولمَّا كَمّل سيّد ولد آدم هذه المرتبة وصفه الله بها فى أَشرف مقاماته بقوله ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ وفى مقام الدّعوة ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ الله يَدْعُوهُ﴾ وفى مقام التحدّى ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا﴾ وبذلك استحقّ التقدّم على الخلائق فى الدّنيا والآخرة. العاشر: مرتبة الخُلَّة الَّتى استحقّ التقدّم على الخلائق فى الدّنيا والآخرة. العاشر: مرتبة الخُلَّة الَّتى انفرد بها الخيلان إِبراهيم ومحمّد عليهما الصّلاة والسّلام؛ كما صحّ عنه "إِنَّ اللهَ اتَّخذنى خليلاً كما اتَّخَذَ إِبراهيم خليلاً" وقال "لو كنت متَّخِذاً من أَهل الأَرض خليلاً لاتَّخذتُ أَبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الرّحمن" والخلَّة هى المحبّة الَّتى تخلَّلْت روح [المحب] وقلبه حتى لم يبق فيه موضع لغير محبوبه.
والأَسبابُ الجالبة للمحبة عشرة: الأَول: قراءَة القرآن بالتَّدبّر والتفهُّم لمعانيه وتفطُّن مراد الله منه. الثانى: التَّقَرّب إِلى الله تعالى بالنَّوافل بعد
стр. 984
الفرائض؛ فإِنَّها توصِّل إِلى درجة المحبوبيَّة بعد المحبّة. الثالث: دوام ذكره على كلِّ حال باللٍّسان والقلب والعلم والحال فنصيبه من المحبّة على قدر نصيبه من هذا الذكر. الرابع: ايثار مَحَابِّه على محابّك عند غلبات الهوى. الخامس: مطالعة القلب لأَسمائه وصفاته ومشاهدتها وتقلُّبه فى رياض هذه المعرفة ومباديها فمن عرَف الله بأَسمائه وصفاته وأَفعاله أَحبّه لا محالة. السادس مشاهدة بِرّه وإِحسانه ونِعمه الظَّاهرة والباطنة. السابع: وهو من أَعجبها - انكسار القلب بكلِّيَّته بيْن يديه. الثامن: الخَلْوة به وقت النُّزول الإِلهىّ لمناجاته وتلاوة كلامه، والوقوف بالقالب والقلب بين يديه، ثم خَتْم ذلك بالاستغفار والتَّوبة. التَّاسع: مجالسة المحبّين والصّادقين والتقاطُ أُطايب ثمرات كلامهم وأَلاَّ يتكلم إِلاَّ إِذا ترجّحت مصلحةُ الكلام وعَلِم أَنَّ فيه مزيداً لحالِهِ. العاشر: مباعدة كلِّ سبب يحول بين القلب وبين الله .
فمن هذه الأَسباب وصل المحبّون إِلى منازل المحبّة، ودخلوا على الحبيب وفى ذلك أَقول:
تِلاوةُ فهمٍ معْ لزوم نوافل ... وذكرٌ دواماً وانكسارٌ بقلبه
وإِيثار ما يُرْضِى شهودَ عطائه ... ووقت نزول الحقّ يخلو بربّه
مطالعة الأَسما مجالسة القُدَى ... مجانبة الأَهوا جوالب حُبه
стр. 985
بصيرة فى الحبر
وهو الأَثر المستحسن. وبالكسر والفتح: الرّجل العالم؛ لما يبقى من أثر علومه فى قلوب النَّاس، ومن آثار أَفعاله الحسنة المقتدى بها، وجمعه أَحبار. قال تعالى ﴿والربانيون والأحبار﴾ وقال ﴿إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأحبار﴾ وإِلى المعنى المذكور أَشار المرتضى رضى الله عنه بقوله: العلماءُ باقون ما بقى الدَّهر، أَعيانهم مفقودة، وآثارهم فى القلوب موجودة، وقول النبىّ ﷺ "يخرجُ من النَّار رجل قد ذهب حِبْره وسِبْره" أَى جماله وبهاؤه. ومنه شاعر محبِّر وشعر محبّر وثوب حَبِير: محسّن. والحَبْرة: السّرور والبهجة لظهور أَثره على صاحبه، قال تعالى: ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ أَى يفرحون حتَّى يظهر عليهم حَبَار نعيمهم.
следующие страницы →