← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 985

التصحيح والترجيح على مختصر القدوري

ابن قطلوبغا

Полный текст (471 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وبعد؛ فإن الفقير إلى رحمة ربّه الغنيّ قاسم الحنفي يقول: إنّي قد رأيتُ مَن عمل في مذهب أئمّتنا ﵃ بالتشهّي، حتّى سمعت من لفظ بعض القضاة: وهل ثَمَّ حَجْر؟ فقلتُ: نَعم، اتّباع الهوى حرام، والمرجوح في مقابلة الراجح بمنزلة العَدَم، والترجيح بغير مرجِّح في المتقابلات ممنوع. وقد قال في كتاب "أصول الأقضية" لليعمري (١) [﵀]: "من لم يقف على المشهور من الروايتين أو القولين فليس له التشهي في الحكم بما شاء منها (٢) من غير نظر في الترجيح" (٣). وقال الإمام أبو عمرو (٤) في كتاب "أدب المفتي" (٥): "أعلم أن من يكتفي

стр. 107

بأن يكون فتياه أو عمله موافقًا لقولٍ أو وجهٍ في المسألة ويعمل بما شاء من الأقوال والوجوه (١) من غير نظر في الترجيح (٢) فقد جهل وخرق الإجماع .. ". وحكى الباجي (٣) أنه وقعت [له] (٤) واقعة فأفتي فيها بما يضره، فلما سألهم قالوا: ما علمنا بأنها لك، وأفتوه بالرواية الأخرى التي توافق قصده (٥)، قال الباجي: "وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممّن يُعتدّ به في الإجماع أنه لا يجوز". قال في "أصول الأقضية": "ولا فرق بين المفتي والحاكم، إلا أن المفتي مخبر بالحكم، والحاكم ملزِم به" (٦). وقال الأصوليون أجمع: لا يصح الرجوع عن التقليد بعد العمل بالاتفاق (٧)، وهو المختار في المذهب.

стр. 108

وقال الإمام أبو الحسن الخطيب (١) في كتاب "الفتاوى" (٢): "المفتي على مذهب إذا أفتى بكون الشيء كذا (٣) على مذهب إمام، ليس له أن يقلّد غيره ويفتي بخلافه لأنَّه محض تشهِّ"، وقال أيضًا (٤): "إنه بالتزامه مذهب إمام مكلف به ما لم يظهر له غيره، والمقلِّد (٥) لا يظهر له، بخلاف المجتهد حيث ينتقل من أمارة إلى أمارة"، ووجّه بهذا مسألة الأصول التي حكي فيها الاتفاق (٦) وقال (٧): "لا يصح التقليد في شيء مركب من اجتهادين مختلفين بالإجماع"، ومثّلوا له بما إذا توضّأ ومسح بعض شعره ثم صلَّى بنجاسة الكلب (٨)، قال في كتاب "توقيف الحكّام على غوامض الأحكام" (٩):

стр. 109

"بطلت بالإجماع"، وقال فيه: "والحكم الملفق باطل بإجماع المسلمين (١)، فلو أثبت الخطَّ مالكي فحكم شافعي لم ينفذ" (٢)، وذكر مثالًا آخر وقال: "وكثير من جهلة القضاة يفعلون ذلك"، يعني الحكم الملفّق (٣). فقال بعض من لا يدري مراد العلماء: قد قالوا: إن الإمام متى كان في جانب وهما في جانب (٤) فالمفتي والقاضي بالخيار، فقلت: ليس كما تزعّم (٥)؛ قال الإمام العلامة الحسن بن منصور بن محمود الأُوْزْجَنْدي المعروف بـ" قاضي خان" (٦) في كتاب "الفتاوى" (٧) له: "رسم المفتي في

стр. 110

زماننا من أصحابنا إذا استفتي عن مسألة: إن كانت مروية عن أصحابنا في الروايات الظاهرة بلا خلاف بينهم فإنه يميل إليهم ويفتي بقولهم، ولا يخالفهم برأيه، وإن كان مجتهدًا متقنًا (١)؛ لأن الظاهر أن يكون الحق مع أصحابنا ولا يعدوهم، واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم، ولا يَنظر إلى قول مَن خالفهم ولا يقبل حجته؛ لأنهم عرفوا الأدلّة وميّزوا بين ما صحّ وثبت وبين ضده. وإنْ كانت المسألة مختلفًا (٢) فيها بين أصحابنا، فإن كان مع أبي حنيفة أحدُ صاحبيه، يأخذ بقولهما، لوفور الشرائط واستجماع أدلة الصواب فيها، وإن خالف أبا حنيفة صاحباه في ذلك؛ فإن كان اختلافهم اختلاف عصر وزمان، كالقضاء بظاهر العدالة، يأخذ بقول صاحبيه لتغير أحوال الناس (٣)،

стр. 111

وفي المزارعة والمعاملة ونحوها (١) يختار قولهما لاجتماع المتأخرين على ذلك، وفيما سوى ذلك يخيّر المفتي المجتهد (٢) ويعمل بما أفضى إليه رأيه، وقال عبد الله بن المبارك (٣): يأخذ بقول أبي حنيفة (٤). وإن كانت المسألة في غير ظاهر الرواية، إن كانت توافق أصول أصحابنا يعمل بها، وإن لم يجد لها رواية عن أصحابنا واتفق فيها المتأخرون على شيء يعمل به، وإن اختلفوا يجتهد ويفتي بما هو الصواب عنده. وإن كان المفتي مقلدًا (٥) غير مجتهد، يأخذ بقول من هو أفقه الناس عنده (٦) ويضيف الجواب إليه، فإن كان أفقه الناس عنده في مصر آخر يرجع

стр. 112

إليه بالكتاب ويتثبّت في الجواب، ولا يجازف خوفًا من الافتراء على الله تعالى لتحريم الحلال وضدّه (١) ". وذكر في "المحيط" نحوه في القاضي (٢). وقال الإمام العلامة أبو بكر مسعود بن أحمد الكاساني (٣) في كتاب "البدائع" (٤) له: "إن القاضي إن كان من أهل الاجتهاد، وأفضى رأيه إلى شيء

стр. 113

يجب عليه العمل به .. أما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد، فإن عرف أقاويل أصحابنا وحفظها على الإحكام والإتقان (١) عمل بقول من يعتقد قوله حقًّا على التقليد، وإن لم يحفظ أقاويلهم عمل بقول أهل الفقه في بلده من أصحابنا، وإن لم يكن في البلد إلا فقيه واحد من أصحابنا (٢) يسعه أن يأخذ بقوله". وقال أيضًا في صفة القضاء: "وأن يكون القضاء لله تعالى خالصًا؛ لأن القضاء عبادة، والعبادة إخلاص العمل بكليته لله تعالى" (٣). وقال برهان الأئمة (٤) في "شرح أدب القضاء" للخصاف (٥): "وينظر القاضي في فصلين أحدهما المتفق عليه فيقضي به؛ لأن الحق لا يعدو قول أصحابنا، والثاني: المختلف فيه، فقال عبد الله بن المبارك: يأخذ بقول أبي حنيفة؛ لأنَّه رأى الصحابة (٦) وزاحم التابعين في الفتوى، فقوله أسدّ وأقوى،

стр. 114

ما لم يكن اختلاف عصر وزمان، وقال المتأخرون يستفتي" (١). وقال في "شرح الهداية" (٢) بعدما نقل الخلاف في قضاء المجتهد بخلاف رأيه، أن الفتوى على عدم النفاذ في الوجهين، يعني النسيان والعمد (٣)، ثم قال: "والوجه في هذا الزمان أن يفتى بقولهما؛ لأن التارك لمذهبه عمدًا لا يفعله إلا لهوى باطل لا لقصد جميل، وأما الناسي فلأن المقلد ما قلده إلّا ليحكم بمذهبه لا بمذهب غيره، هذا كله في القاضي المجتهد. فأما المقلد فإنما ولاه ليحكم بمذهب أبي حنيفة مثلًا، فلا يملك المخالفة، فيكون معزولًا بالنسبة إلى ذلك الحكم" (٤). وقال في القنية (٥) عن "المحيط" وغيره: "اختلاف الروايات في قاضٍ

стр. 115

مجتهد إذا قضى على خلاف رأيه (١)، والقاضي المقلد إذا قضى على خلاف مذهبه لا ينفذ". وقال أبو العباس أحمد بن إدريس (٢): "هل يجب على الحاكم أن لا يحكم إلا بالراجح عنده، كما يجب على المفتي أن لا يفتي إلا بالراجح عنده، أو له أن يحكم بأحد القولين وإن لم يكن راجحًا عنده؟ جوابه: أن الحاكم إن كان مجتهدًا فلا يجوز له أن يحكم ويفتي إلا بالراجح عنده، وإن كان مقلدًا جاز له أن يفتي بالمشهور في مذهبه وأن يحكم به وإن لم يكن راجحًا عنده، مقلدًا في رجحان القول المحكوم به إمامه الذي يقلده، كما يقلده في الفتوى، وأما اتباع الهوى في الحكم أو الفُتْيا فحرام إجماعًا، وأما الحكم أو الفتيا بما هو مرجوح فخلاف الإجماع" (٣). [انتهى]

стр. 116

فقال من لا يدري مراد العلماء: قد فُقد المجتهد والأفقَه! قلت: ففيما فيه الروايات نعمل بقول ابن المبارك (١)، على أن المجتهدين لم يُفقدوا حتى نظروا (٢) في المختلف ورجّحوا وصحّحوا، فشهدت مصنفاتهم بترجيح دليل أبي حنيفة والأخذ بقوله، إلا في مسائل يسيرة اختاروا الفتوى فيها على قولهما أو قول أحدهما وإن كان الآخر مع الإمام، كما اختاروا قول أحدهما فيما لا نص فيه للإمام للمعاني التي أشار إليها القاضي (٣) ﵀ بل اختاروا قول زُفَر في مقابلة قول الكل لنحو ذلك (٤). وترجيحاتهم وتصحيحاتهم باقية، فعلينا اتباع الراجح والعمل به كما لو أفتونا به في حياتهم. قيل: ففي غير الروايات عن الأئمة قد يحكون أقوالًا بلا ترجيح، وقد

стр. 117

يختلفون في التصحيح، قلت: نعمل بمثل ما عملوا من اعتبار تغير العرف وأحوال الناس (١) وما هو الأرفق بالناس وما ظهر عليه التعامل وما قوي وجهه، ولا يخلو الوجود ممّن يميّز هذا حقيقة لا ظنًا بنفسه (٢)، فيرجع من لم يميّز لمن يميز، لبراءة ذمته (٣). ولمّا تمّ لي هذا النظر، أحببت أن أضع على المختصرات التي تحفظ في هذا الزمان تصحيحات معزوّة إلى قائلها أو ناقلها، كما فعله الأئمة من الشافعية لمختصراتهم، وإن كان ذلك موجودًا في الشروح والمطولات إلا أنهم أسعفوا بذلك من لم يصل إلى تلك (٤).

стр. 118

وقد قال الإمام برهان الشريعة المحبوبي في أول كتابه (١): "إنه حاوٍ لما هو أصح الأقاويل والاختيارات (٢).

стр. 119

وقال الإمام أبو البركات النسفي (١) في صدر كتابه: "وأُورد في هذا الكتاب ما هو المعوّل عليه في الباب" (٢)، فأذكر في المسائل المعروفة أنهما قد اعتمدا ذلك، وربما ذكرت من وافقهما على ذلك. وهذا ما تيسّر على مختصر القُدوري [﵀]، مع زيادات نصّ على تصحيحها القاضي الإمام فخر الدين قاضي خان في "فتاواه"، فإنه من أحق مَن يُعتمد على تصحيحه (٣). والله وليّ الإعانة، وهو حسبي ونعم الوكيل.

стр. 120

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتاب الطَّهارَة قال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، ففرض الطهارة غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، والمرفقان والكعبان يدخلان في الغسل والمفروض في مسح الرأس مقدار النّاصية وهو ربع الرأس، لما روى المغيرة بن شعبة أن النبي ﵇ أتى سباطة قوم فبال وتوضّأ ومسح على ناصيته وخفيه. وسنن الطهارة غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء ثلاثًا إذا استيقظ المتوضئ من نومه*، كتاب الطهارة قوله: (إذا استيقظ المتوضئ من نومه)، الأصح أنه سنة مطلقًا، نصّ عليه في "شرح الهداية" (١)، وقال في "الجواهر" (٢): " قوله إذا استيقظ، هذا الشرط [وقع] (٣) اتفاقًا؛ لأنَّه إذا لم يكن استيقظ وأراد الوضوء، السُّنّةُ غسل

стр. 121

وتسمية الله تعالى* في ابتداء الوضوء، اليدين"، وقال نجم الأئمة في الشرح (١)، قال في "المحيط" و"التحفة" (٢) وجَمع نجم الأئمة البخاري (٣): "إنه سنّة على الإطلاق". قوله: (وتسمية الله تعالى)، قال في "الهداية" (٤): " الأصح أنها

стр. 122

والسواك* والمضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين وتخليل اللحية* والأصابع وتكرار الغسل إلى الثلاث ويستحب للمتوضئ أن ينوي الطهارة ويستوعب رأسه بالمسح ويرتب الوضوء* فيبتدئ بما بدأ الله تعالى بذكره وبالميامن. والمعاني الناقضة للوضوء كل ما خرج من السبيلين، ومن غير السبيلين: الدم والقيح والصديد إذا خرج من البدن فتجاوز مستحبة (١) .. ويسمي قبل الاستنجاء وبعده، هو الصحيح"، وقال الزاهدي (٢): "والأكثر على أن التسمية وغسل اليدين (٣) سنتان قبله وبعده". قوله: (والسواك)، "الهداية" (٤): "والأصح أنه مستحب". قوله: (وتخليل اللحية)، هو قول أبي يوسف، ورجّحه في "المبسوط" (٥). قوله: (ويستحب للمتوضئ أن ينويَ الطهارة، ويستوعب رأسه بالمسح، ويرتّب الوضوء)، قال نجم الأئمة في شرحه: "وقد عد الثلاثة (٦) في "المحيط" و"التحفة" من جملة السنن وهو الأصح".

стр. 123

إلى موضع يلحقه حكم التطهير، والقيء إذا كان ملء الفم*، والنوم مضطجعًا أو متكئًا أو مستندًا إلى شيء لو أزيل عنه لسقط والغلبة على العقل بالإغماء والجنون والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود. وفرض الغسل: المضمضة والاستنشاق وغسل سائر البدن. وسنة الغسل أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه وفرجه ويزيل النجاسة إن كانت على بدنه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلّا رجليه* ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا ثم يتنحى عن ذلك المكان فيغسل رجليه، وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها في الغسل إذا بلغ الماء أصول الشعر*. والمعاني الموجبة للغسل: إنزال المني على وجه الدفق والشهوة من الرجل والمرأة والتقاء قوله: (والقيء إذا ملأ الفم)، "الينابيع" (١): "وتكلموا في تقدير ملء الفم، والصحيح إذا كان لا يقدر على إمساكه"، وقال الزاهدي: "والأصح ما لا يمكنه الإمساك إلا بكلفة". قوله: (إلا رجلَيْه)، قال الزاهدي: "الأصح أنه إن لم يكن في مستنقع الماء، يقدّم غسل رجليه". قوله: (وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها وإن لم يبلغ داخل الضفائر)، قال في "الينابيع" (٢): "وهو الصحيح"، وفي "البدائع" (٣): "وهو الأصح"، وفي "الهداية" (٤): "وليس عليها بلّ ذوائبها، وهو الصحيح"، وفي "الجامع الحسامي" (٥):

стр. 124

الختانين من غير إنزال والحيض والنفاس. وسنّ رسول الله الغسل للجمعة* والعيدين والإحرام والعرفة. وليس في المذي والودي غسل وفيها الوضوء. والطّهارة من الأحداث جائزة بماء السماء والأودية و"العيون" والآبار وماء البحار ولا تجوز الطهارة بماء اعتصر من الشجر والثمر ولا بماء غلب عليه غيره* فأخرجه عن طبع الماء كالأشربة والخل وماء الورد وماء الباقلاء والمرق وماء الزردج*، وتجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه كماء المد وماء الذي يختلط به الأشنان والصابون " وهو المختار" (١)، [وقال أبو نصر الأقطع (٢): "وهو الصحيح"] (٣). قوله: (الغسل يوم الجمعة)، قال في "الهداية" (٤): "وهذا الغسل للصلاة عند أبي يوسف، وهو الصحيح" (٥). قوله: (غلب عليه غيره)، قال القاضي (٦): "ثم عند أبي يوسف تعتبر الغلبة من حيث الأجزاء لا من حيث اللون، هو الصحيح، وعلى قول محمد (٧) تعتبر الغلبة بتغير اللون والطعم والريح"، ومثله في "الهداية". قوله: (وماء الزردج)، الصحيح أنه بمنزلة ماء الزعفران، نص عليه في "الهداية" (٨)، وهو اختيار الناطِفي (٩) والسرخسي.

стр. 125

والزعفران، وكل ماء وقعت فيه نجاسة لم يجز الوضوء به قليلًا كان أو كثيرًا لأن النبي ﷺ أمر بحفظ الماء من النجاسة فقال: "لا يبولَنَّ أحدُكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة" فقال ﵇: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده"، وأما الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة جاز الوضوء منه إذا لم ير لها [أثر] لأنها لا تستقر مع جريان الماء، والغدير العظيم* الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك طرف الآخر إذا وقعت فيه نجاسة في أحد قوله: (والغدير العظيم)، ظاهر الرواية يعتبر فيه أكبر رأي المبتلى، قال الإمام الزاهدي: "وأصح حدّه ما لا يخلص بعضه إلى بعض لظن المبتلى واجتهاده، ولا يُناظَر المجتهِدُ فيه"، وهذا الأصح عند الكَرْخي (١) وصاحب "الغاية" (٢) و"الينابيع" وجماعة. وأخذ أبو سليمان (٣) بعشر في عشر، وقال العتّابي (٤) وصاحب الهداية: "الفتوى على هذا" (٥).

стр. 126

جانبيه جاز الوضوء من جانب الآخر* لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إليه، وموت ما ليس له نفس سائلة في الماء لا ينجسه كالبق والذّباب والبراغيث والزنابير والعقارب، وموت ما يعيش في الماء* لا يفسده كالسمك والضفدع والسرطان. والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث، والمستعمل كل ماء أزيل به حدث أو استعمل في البدن على قلت: لا يقوى له دليل؛ وقد قال الحاكم في "المختصر" (١): "قال أبو عصمة (٢): كان محمد بن الحسن يوقت في ذلك بعشر في عشر ثم رجع إلى قول أبي حنيفة وقال: لا أوقت فيه شيئًا"، فظاهر الرواية أولى، والله أعلم. قال في "الهداية" (٣): "والمعتبر في العمق أن يكون بحال لا ينحسر بالاغتراف، وهو الصحيح". وقوله في الكتاب: (جاز الوضوء من الجانب الآخر)، إشارة إلى أنه يتنجس موضع الوقوع، وعن أبي يوسف: لا يتنجس إلا بظهور النجاسة فيه كالماء الجاري، وقال الزاهدي: "واختلف الروايات والمشايخ في الوضوء من جانب الوقوع، والفتوى على الجواز من جميع الجوانب" (٤). قوله: (وموت ما يعيش في الماء)، قال في "الهداية" (٥): "وفي غير الماء، قيل غير السمك يفسده لانعدام المعدِن، وقيل لا يفسده لعدم الدم، وهو الأصح". قوله: (والماء المستعمل، [كلّ ما أزيل به حدث أو استعمل في بدن على

стр. 127

وجه القربة*، وكل إهاب دبغ فقد طهر وجازت الصلاة فيه والوضوء منه إلا جلد الخنزير والآدمي. وشعر الميتة وعظمها وعصبها وحافرها وقرنها طاهر. وإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت وكان نزح ما فيها من الماء طهارة لها، فإن ماتت فيها فأرة أو عصفور أو صعوة أو سودانية أو صام أبرص نزح منها ما بين عشرين دلوًا إلى ثلاثين دلوًا بحسب كبر الدلو وصغرها، وإن ماتت فيها حمامة أو دجاجة أو سنّور نزح منها وجه القربة)، قال أبو نصر الأقطع: "وهذا الذي ذكره هو الصحيحِ من مذهب أبي حنيفة ومحمد"] (١). قال في "الهداية": "ومتى يصير مستعملًا؟ الصحيح أنه كما زايل العضو (٢) .. قال: وقال محمد - وهو رواية عن أبي حنيفة -: هو طاهر". قلت: وعليه الفتوى، قال القُدُوري في "التقريب" (٣): "روى محمد عن الإمام أن الماء المستعمل طاهر، وهو قوله وهو الصحيح"، وقال الصدر حسام الدين في "الكبرى" (٤): "وعليه الفتوى"، وقال فخر الإسلام في شرح "الجامع" (٥): " إنه ظاهر الرواية وهو المختار" (٦). فرع (٧): الجنب إذا أخذ الماء بفيه لا يريد المضمضة، قال القاضي (٨):

стр. 128

ما بين أربعين دلوًا إلى ستين دلوًا، وإن ماتت فيها كلب أو شاة أو آدمي أو دابة نزح جميع ما فيها من الماء، وإن انتفخ الحيوان فيها أو تفسخ نزح جميع ما فيها من الماء، صغر الحيوان أو كبر سواء، وعدد الدلاء يعتبر بالدلو الوسط المستعمل للآبار في البلدان وإن نزح منها بدلو عظيم وقدّر ما يسع من الدلو الوسط واحتسب به جاز وإن كانت البئر معينًا لا تنزح ووجب نزح جميع ما فيها أخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء. وقد روي عن محمد بن الحسن ﵀ أنه قال ينزح منها مئتا دلو إلى ثلاث مئة*، وقال بعضهم يحفر بجنبها بئر في طولها وعمقها فإذا ملأت الحفيرة حكم بطهارة الأولى، وإذا وجد في البئر فأرة أو دجاجة أو غيرهما ولا يدرون متى وقعت ولم تنفسخ ولم تنتفخ أعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضئوا منها وغسلوا كل شيء أصابه ماؤها، وإن كانت قد انتفخت أو تفسخت أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها في قول أبي حنيفة ﵀، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله ليس عليهم إعادة شيء حتى يتحقق متى وقعت*. وسؤر الآدمي وما " لا يصير مستعملًا في قول محمد (١) .. وقال أبو يوسف: لا يبقى طهورًا وهو الصحيح، إمّا لأنَّه صار مستعملًا بسقوط الفرض، أو لأنَّه خالطه البزاق". [قوله: (وعن محمد أنه قال: ينزح منها مئتا دلو إلى ثلاث مئة)، قال في "خلاصة الدلائل" (٢): والصحيح قول الإمام] (٣). قوله: (وإذا وجدوا في البئر فأرة أو غيرها، ولا يدرون متى وقعت، ولم تنتفخ ولم تتفسخ، أعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضئوا منها، وغسلوا كل شيء أصابه ماؤها، وإن كانت قد انتفخت أو تفسّخت أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: ليس عليهم إعادة شيء حتى يتحقّقوا متى وقعت)، قال في فتاوى العَتّابي (٤): قولهما هو المختار، قلت: لم يوافق على ذلك، فقد اعتمد قول الإمام الإمامُ البرهاني والنسفي

стр. 129

يؤكل لحمه طاهر*، وسؤر الكلب والخنزير وسباع البهائم نجس، وسؤر الهرّة والدجاجة المخلاة وسباع الطير وما يسكن في البيوت مثل الحية والفأرة مكروه، وسؤر الحمار والبغل مشكوك فيهما* فإن لم يوجد غيرهما توضأ بهما وتيمّم وصلى وأيهما بدأ جاز. والمَوْصِلي (١) وصدرُ الشريعة (٢)، ورُجِّح دليله في جميع المصنفات، وصرح في "البدائع" أن قولهما قياس، وقوله هو الاستحسان (٣)، وهو الأحوط في العبادات. قوله: (سؤر الآدمي وما يؤكل لحمه طاهر)، "الهداية" (٤): "وسؤر الفرس طاهر عندهما لأن لحمه مأكول، وكذا عنده في الصحيح؛ لأن الكراهة لإظهار شرفه"، قال القاضي (٥): "عنه روايتان أظهرهما أنه طاهر وطهور، وهو قولهما". ثم السؤر الطاهر بمنزلة الماء المطلق، وإن استعمل المكروه مع القدرة على الماء المطلق صحت طهارته ويكره. قوله: (وسؤر البغل والحمار مشكوك فيهما)، قال القاضي: "والصحيح أن الشك في طهوريته" (٦)، [والله أعلم].

стр. 130

باب التيمّم ومن لم يجد الماء وهو مسافر أو كان خارج المصر بينه وبين المصر نحو الميل* أو أكثر، أو كان يجد الماء إلا أنه مريض يخاف إن استعمل الماء اشتد مرضه، أو خاف الجنب إن اغتسل بالماء يقتله البرد أو يمرضه فإنه يتيمّم بالصعيد. والتيمم ضربتان يمسح بأحدهما وجهه وبالأخرى يديه إلى المرفقين، والتيمم في الجنابة والحدث سواء، ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله بكل ما كان من جنس الأرض كالتراب والرمل والحجر والجصّ والنورة والكحل والزرنيخ، وقال أبو يوسف ﵀ لا يجوز إلا بالتراب والرمل خاصة. والنيّة فرض في التيمّم ومستحبة في الوضوء، وينقض التيمم كل شيء ينقض الوضوء، وينقضه أيضًا رؤية الماء إذا قدر على استعماله، ولا يجوز التيمم إلا بصعيد طاهر، ويستحب لمن لم يجد الماء في أول الوقت وهو يرجو أن يجده في آخر الوقت أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت، فإن وجد الماء توضأ وإلا تيمم وصلى، ويصلي بِتيمّمِه ما شاء من الفرائض والنوافل، ويجوز التيمم للصحيح في المصر إذا حضرت جنازة والولي غيره فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته الصلاة فإنه يتيمّم، وكذلك من حضر العيد فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته الصلاة العيد تيمّم وصلّى، وإن خاف من شهد الجمعة إن اشتغل بالطهارة أن تفوته الصلاة لم يتيمّم ولكنه يتوضأ فإن أدرك الجمعة صلاها وإلا صلى الظهر أربعًا، وكذلك إذا ضاق الوقت فخشي إن توضأ فات الوقت لم يتيمّم ولكنّه يتوضأ ويصلي فائتة. والمسافر إذا نسي الماء في رحله فتيمم وصلى ثم ذكر الماء لم يعد صلاته عند أبي حنيفة ومحمد، ويعيد عند أبي يوسف. وليس على المتيمم إذا لم يغلب على ظنّه أن بقربه ماء أن يطلبه فإن غلب على ظنه أن هناك ماء باب التيمم قوله: (نحو الميل)، هذا هو المختار في المقدار (١) نص عليه في "الهداية" و"الاختيار" (٢).

стр. 131

لم يجز له أن يتيمّم حتى يطلبه وإن كان مع رفيقه ماء طلبه منه قبل أن يتيمّم فإن منعه منه تيمم وصلى. باب المسح على الخُفَّيْن المسح على الخفين جائز بالسنّة من كل حدث موجب للوضوء إذا لبس الخفين على طهارة كاملة ثم أحدث، فإن كان مقيمًا مسح يومًا وليلة، وإن كان مسافرًا مسحِ ثلاثة أيام ولياليها وابتداؤها عقب الحدث. والمسح على الخفين على ظاهرهما خطوطًا بالأصابع يبتدئ من رؤوس الأصابع إلى الساق، وفرض ذلك مقدار ثلاث أصابع من أصابع اليد. ولا يجوز المسح على خف فيه خرق كبير يبين منه مقدار ثلاثة اْصابع من أصابع الرِّجل* فإن كان أقل من ذلك جاز، ولا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل. وينقض المسح على الخفين ما ينقض الوضوء، وينقضه أيضًا نزع الخف ومضي المدة، فإذا مضت المدة نزع خفيه وغسل رجليه وصلى وليس عليه إعادة بقية الوضوء، فإن ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر قبل تمام يوم وليلة مسح تمام ثلاثة أيام ولياليها، ومن ابتدأ المسح وهو مسافر ثم أقام فإن كان مسح يومًا وليلة أو أكثر لزمه نزع خفيه وغسل رجليه، وإن مسح أقل من يوم وليلة تمّم مسح يوم وليلة. ومن لبس الجرموق فوق الخف مسح عليه، ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة إلا أن يكونا مجلدين أو منعّلين، وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين* لا يشفان الماء. ولا يجوز المسح على العمامة والقلنسوة والبرقع والقفازين، ويجوز المسح على الجبائر وإن شدّها على غير وضوء، فإن سقطت عن غير برء لم يبطل المسح، وإن سقطت عن برء بطل المسح. باب المسح على الخُفَّيْن قوله: (من أصابع الرِّجل)، أي الصغار هو الصحيح، نص عليه في "الهداية" و"شرح الزاهدي". قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد يجوز إذا كانا ثخينين)، "الهداية" (١): "وعنه أنه رجع إلى قولهما (٢)، وعليه الفتوى.

стр. 132

باب الحيض أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها فما نقص من ذلك فليس بحيض وهو استحاضة، وأكثر الحيض عشرة أيام ولياليها فما زاد على ذلك فهو استحاضة، وما تراه المرأة من الحمرة والصفرة والكدرة في أيام الحيض فهو حيض حتى ترى البياض خالصًا، والحيض يسقط عن الحائض الصلاة ويحرم عليها الصوم، وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ولا تدخل المسجد ولا تطوف بالبيت ولا يأتيها زوجها، ولا يجوز لحائض ولا جنب قراءة القرآن*، ولا يجوز لمحدث أن يمسّ المصحف إلا أن يأخذه بغلافه*. وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام لم يجز وطؤها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة كاملة، وإن انقطع دمها لعشرة أيام جاز وطؤها قبل الغسل، والطهر إذا تخلل بين الدّمين في مدة باب الحَيض قوله: (ولا يجوز لحائض ولا جنب قراءة القرآن)، قال في "الجواهر" [وشرح الأقطع] (١): والصحيح أن الآية وما دونها في المنع سواء إذا قُصد (٢) بها قراءة القرآن، وهذا احتراز عن قول الطحاوي (٣) بإباحة ما دون الآية. قوله: (إلا أن يأخذه بغلافه)، "الهداية" (٤): "وهو ما يكون متجافيًا عنه .. هو الصحيح"، احتراز عن قول من قال: إنه المشرَّز (٥)، وقال في "الكافي" (٦): "إنه الأصح"، لكن قال في "المبسوط": "الأصح أنه يمنع من مسّ الجلد إذا كان ملصقًا به". قلت: وهذا أولى (٧)، والله أعلم. قوله: (والطهر إذا تخلل بين الدمين في مدة الحيض فهو كالدم

стр. 133

الحيض فهو كالدم الجاري*، وأقل الطهر خمسة عشر يومًا ولا غاية لأكثره. ودم الاستحاضة وهو ما تراه المرأة أقل من ثلاثة أيام أو أكثر من عشرة أيام، وحكمه الجاري)، قال في "الهداية" (١): "هذا إحدى الروايات عن أبي حنيفة .. وروى أبو يوسف عنه - وقيل هو آخر أقواله -: أن الطهر إذا كان أقل من خمسة عشر يومًا لا يفصل، وهو كالدم الجاري لأنَّه طهر فاسد فيكون بمنزلة الدم فالأخذ بهذا القول أيسر". وقال الإسبيجابي (٢): "وهو اختيار أستاذنا للفتوى. قلت: ومقتضاه جواز افتتاح الحيض واختتامه بالطهر بشرط (٣) احتواش الدم بالطرفين. فلو رأت المبتدأة يومًا دمًا وأربعة عشر طهرًا ويومًا دمًا كانت العشرة الأولى حيضًا يحكم ببلوغها به. ولو رأت المعتادة قبل عادتها يومًا دمًا وعشرة طهرًا ويومًا دمًا، فالعشرة التي لم تر فيها الدم حيض إن كانت العشرة عادتها". قلت: هذا صحيح في نفسه إلا أن عبارة المصنف تأباه؛ لأنَّه قال (في مدة الحيض) فلا يصح إلَّا أن يكون احترازًا عن رواية محمد أن الثلاثة الفاضلة فاصلة (٤).

стр. 134

حكم الرعاف الدائم لا يمنع الصلاة ولا الصوم ولا الوطء، وإذا زاد الدم على العشرة وللمرأة عادة معروفة ردت إلى أيام عادتها وما زاد على ذلك فهو استحاضة، وإن ابتدأت مع البلوغ مستحاضة فحيضها عشرة أيام من كل شهر والباقي استحاضة. والمستحاضة ومن به سلس البول والرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ يتوضأون لوقت كل صلاة فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض والنوافل، فإذا خرج الوقت* بطل وضوؤهم وكان عليهم استئناف الوضوء لصلاة أخرى. والنفاس هو الدم الخارج عقيب الولادة، والدّم الذي تراه الحامل وما تراه المرأة في حال ولادتها قبل خروج أكثر الولد* استحاضة، وأقل النفاس لا حد له وأكثره أربعون يومًا وما زاد على ذلك فهو استحاضة، وإذا تجاوز الدم الأربعين وقد كانت هذه المرأة ولدت قبل ذلك ولها عادة معروفة في النفاس ردت إلى أيام عادتها، وإن لم يكن لها عادة فابتداء نفاسها أربعون يومًا، ومن ولدت ولدين في بطن واحد فنفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافًا لمحمد*. قوله: (فإذا خرج الوقت)، المراد وقت المفروضة حتى لو توضأ المعذور لصلاة العيد له أن يصلى الظهر به عند أبي حنيفة ومحمد، وهو الصحيح، نصّ عليه في "الهداية" (١). قوله: (قبل خروجِ الولد)، قال في "الجواهر": "المراد قبل خروج أكثر (٢) الولد، وهذه رواية خَلَف (٣) عن أبي يوسف، وهو قول أبي حنيفة (٤). قوله: (ومن ولدت ولدين في بطن واحد فنفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: من الثاني)، قال

стр. 135

باب الأنجاس تطهير النجاسة واجب من بدن المصلي وثوبه والمكان الذي يصلي عليه، وتجوز إزالة النجاسة بالماء وبكل مائع طاهر يمكن إزالتها به كالخل وماء الورد والماء المستعمل، فإذا أصاب الخفّ نجاسة لها جرم فجفت فدلكه بالأرض جاز، والمني نجس يجب غسله رطبًا، ولو جف على الثوب أجزأ فيه الفرك، والنجاسة إذا أصابت المرآة أو السيف اكتفي بمسحهما، وإذا أصابت الأرض نجاسة فجفت بالشمس* وذهب أثرها جازت الصلاة على مكانها ولا يجوز التيمم منها، ومن أصابه من النجاسة المغلظة كالدم والغائط والبول والخمر مقدار الدرهم* فما دونه جازت الصلاة معه وإن زاد لم يجز، وإن أصابته نجاسة مخففة كبول ما يؤكل لحمه جازت الصلاة معه ما لم يبلغ ربع الثوب*، الإسبيجابي: "الصحيح هو القول الأول"، واعتمده الأئمة المصحّحون، [والله أعلم]. باب الأنجاس قوله: (فجفّت بالشمس)، قال في "الجواهر": "قَيْدُ الشمس وقع شرطًا اتفاقًا بحسب العادة، والشرط الجفاف وذهاب الأثر"، وقال الزاهدي: "الصحيح أنه لا فرق في الجواب بين أن تقع عليه الشمس أو لا تقع، وبين أن يكون فيه حشيش أو لا". قوله: (مقدار الدرهم)، قال في "الهداية" (١): "هو قدر عرض الكف في الصحيح"، وقال أبو جعفر الهِنْدُواني (٢): "قدر عرض الكفّ في الرقيق، ووزن الدرهم المثقال في الكثيف". قال في "الينابيع": "وهذا القول أصح"، وفي الزاهدي: "قيل هو الأصح، واختاره جماعة، وهو أولى لما فيه من إعمال الروايتين (٣) مع مناسبة التوزيع، والله أعلم". قوله: (ما لم يبلغ ربع الثوب)، قال في "المحيط" وشرح نجم الأئمة:

стр. 136

وتطهير النجاسة * التي تجب غسلها على وجهين: فما كان له منها عين مرئية فطهارتها زوال عينها إلا أن يبقى من أثرها ما يشق إزالته وما ليس له عين مرئية فطهارتها أن يغسل حتى يغلب على ظنّ الغاسل أنه قد طهر. والاستنجاء سنة يجزئ فيه الحجر وما قام مقامه يمسحه حتى ينقيه وليس فيه عدد مسنون وغسله بالماء أفضل، فإن تجاوزت النجاسة مخرجها لم يجز فيه إلا المائع*، ولا " وهو الأصح"، وقال في "الفوائد" (١): "وهو رواية عن أبي حنيفة، وهو الصحيح"، أقال أبو نصر الأقطع: "أصحّ ما روي فيه: ربع أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة كالميزر (٢) "] (٣)، قال في "المحيط": "قيل هو ربع جميع الثوب، وقيل ربع طرف إصابته كربع الذيل والكُمّ، وهو الأصح"، وقال في "الجامع البرهاني" (٤): "وعليه الفتوى"، وقال الزاهدي: "وهو الأصح". قوله: (وتطهير النجاسة. . إلخ)، قال القاضي: في ظرف الخمر، وقال بعض المشايخ على قول أبي يوسف، إن لم يجفف في كل مرة لكن ملأه بالماء مرة بعد أخرى، فما دام الماء يخرج منه متغير اللون لا يطهر، وإذا خرج الماء صافيًا غير متغير اللون يحكم بطهارته، وعليه الفتوى، ولو بقي الخمر خلًا يطهر الظرف كله، وبه أخذ الفقيه أبو الليث (٥)، واختاره الشهيد (٦)، وعليه الفتوى؛ لأن بخار الخل يرتفع إلى أعلى الظرف فيطهر كله. قوله: (فإن تجاوزت النجاسة مخرجها لم يجز فيه إلا المائع)، قال

стр. 137

يستنجي بعظم ولا بروث ولا بطعام ولا بيمينه. الإسبيجابي: "هذا إذا كان وراء موضع الاستنجاء من النجاسة أكثر من قدر الدرهم، أما إذا كان أقل لكن مع موضع الاستنجاء يكون أكثر من قدر الدرهم، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يكفيه الاستنجاء بالأحجار، وقال محمد: لا بدّ من غسله (١)، والصحيح قولهما".

стр. 138

كتاب الصَّلاة أوّل وقت الفجر إذا طلع الفجر الثاني وهو البياض المعترض في الأفق وآخر وقتها ما لم تطلع الشمس، وأوّل وقت الظهر إذا زالت الشمس وآخر وقتها عند أبي حنيفة إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال *، وقال أبو يوسف ومحمد إذا صار ظل كل شيء كتاب الصَّلاة قوله: (إذا صار ظل كل شيء مثلَيه سوى فَيْء الزوال)، قال في "الينابيع": "وهذه رواية محمد، وهو الصحيح عن أبي حنيفة" (١)، واختاره برهان الشريعة المحبوبي وعوّل عليه النسفي، ووافقه صدر الشريعة ورجح في ليله، وفي "الغياثية" (٢): "وأول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثلَيه، وهو المختار". قلت: وفيه حديث صحيح؛ وهو ما رواه البخاري في "صحيحه" (٣) من حديث أبي ذر قال: "كنا مع النبي ﷺ في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن فقال له: أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال له: أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال له: أبرد، حتى ساوى الظلُّ التُّلولَ، فقال النبي ﷺ : إن شدّة الحرّ من فَيْح جهنم" الحديث، فقد بقي الظهرُ بعد صيرورة ظل كل شيء

стр. 139

مثله، وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر على القولين وآخر وقتها ما لم تغرب الشمس، وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس وآخر وقتها ما لم يغب الشفق وهو البياض الذي في الأفق بعد الحمرة عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: الشفق هو الحمرة*، مثله (١)، وروى الترمذي (٢) عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن للصلاة أولًا وآخرًا. . . وإن آخر وقت الظهر حين يدخل وقت العصر. ."، وفسَّره أبو هريرة في رواية مالك (٣) عنه أنه قال: "وصلِّ الظهر إذا كان ظلُّك مثلَك، وصلّ العصر إذا كان ظلك مثليك. ."، وهذا كله بعد حديث إمامة جبريل، فوجب اعتباره (٤)، والله أعلم. قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: هو الحُمْرة)، قال الإمام أبو المفاخر

стр. 140

وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر، وأول وقت الوتر بعد العشاء، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر. ويستحب الإسفار بالفجر، والإبراد بالظهر في الصيف وتقديمها في الشتاء، السَّدِيديّ في "شرح المنظومة" (١): "وقد جاء عن أبي حنيفة في جمع التفاريق (٢) وغيره أنه رجع إلى قولهما وقال: إنه الحمرة، لما ثبت عنده من حمل عامة الصحابة ﵃ الشفق على الحمرة، وعليه الفتوى"، وتبعه المحبوبي وصدر الشريعة. قلت: ما ذكر من الرجوع فشاذ لم يثبت، لما نقله الكافّة عن الكافة من لَدُن الأئمة الثلاثة وإلى الآن من حكاية القولين، ودعوى حمل عامة الصحابة خلاف المنقول. قال في "الاختيار" (٣): "الشفق: البياض. . وهو مذهب أبي بكر الصدّيق ومعاذ بن جبل وعائشة ﵃"، قلت: ورواه عبد الرزاق عن أبي هريرة وعن عمر بن عبد العزيز (٤)، ولم يروِ البيهقي (الشفق الحمرة) إلا عن

стр. 141

....... ابن عمر (١)، وأما اختياره للفتوى فبناء على ظنٍّ ضعيف وذلك أنه قال (٢): "الشفق الحمرة، وعليه الفتوى؛ لأن في جعله اسمًا للبياض لكونه أشفق، إثبات اللغة بالقياس وأنَّه لا يجوز (٣) "، فظن أن هذا هو حجّة الإمام، وليس كذلك، إنما حجته الحديث الصحيح مع تفسير الصحابة مع موافقة أصول النظر - على ما سنذكر إن شاء الله تعالى - فكان اختيارًا مخالفًا لما هو الأصح رواية ودراية. أما الأول فلأن رواية: "الشفق البياض"، رواية "الأصل" (٤)، وهي ظاهر المذهب عنه، ورواية: "إنه الحمرة"، رواية أسد بن عمرو (٥)،

стр. 142

وتأخير العصر ما لم تتغير الشمس*، وتعجيل المغرب وتأخير العشاء إلى ما قبل وهي خلاف ظاهر الرواية عنه (١). وأما الثاني - وهو ما وعدناه (٢) -؛ فروى الترمذي (٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ". . . وإنّ أول وقت العشاء (٤) حين يغيب الأُفُق. ." وغيبوبته بسقوط البياض الذي يعقب الحمرة، وإلّا كان باديًا. وأما أقوال الصحابة الموافقة لهذا الحديث فما قدّمناه (٥)، وأما موافقة أصول النظر؛ فإنه وإن روي عن ابن عمر وغيره "الشفق: الحمرة"، فقد روي ما قدمناه عن غيرهم، وإذا تعارضت الآثار لا يخرج الوقت بالشّكّ كما قاله في "الهداية" وغيرها، فثبت أن قول الإمام هو الأصح، كما اختاره النسفي ﵀. قوله: (ما لم تتغيّر الشمس)، الهداية (٦): "والمعتبر تغير القرص، وهو أن يصير بحال لا تَحارُ فيه الأعين (٧)، هو الصحيح" (٨)، وفي "الغياثية": وهو

стр. 143

ثلث الليل، ويستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل فإن لم يثق بالانتباه أوتر قبل النوم. باب الأذان الأذان ستة للصلوات الخمس والجمعة دون ما سواها، وصفة الأذان أن يقول: الله أكبر الله أكبر. . إلى آخره، ولا ترجيع فيه، ويزيد في أذان الفجر بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين، والإقامة مثل الأذان إلا أنه يزيد فيها بعد الفلاح قد قامت الصلاة مرتين، ويترسل في الأذان ويحدر في الإقامة، ويستقبل بهما القبلة فإذا بلغ إلى الصلاة والفلاح حول وجهه يمينًا وشمالًا. ويؤذن للفائتة ويقيم، فإن فاتته صلوات أذن للأولى وأقام، وكان مخيرًا في الثانية إن شاء أذن وأقام وإن شاء اقتصر على الإقامة، وينبغي أن يؤذن ويقيم على طهر فإن أذن على غير وضوء جاز، ويكره أن يؤذن وهو جنب أو يقيم على غير وضوء، ولا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها. باب شروط الصلاة التي تتقدمها يجب على المصلي أن يقدم الطهارة من الأحداث والأنجاس على ما قدمناه ويستر عورته، والعورة من الرجل ما تحت السرة إلى الركبة، والركبة من العورة *، وبدن المرأة الحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها *، وما كان عورة من الرجل فهو عورة من الأمة وبطنها وظهرها عورة وما سوى ذلك من بدنها ليس بعورة، ومن لم يجد ما يزيل به النجاسة صلى الأصح وبه نأخذ، والتأخير إليه مكروه، [والله أعلم]. باب شروط الصلاة [قوله: (والركبة عورة)، والأصح أنها من الفخذ] (١). قوله: (إلا وجهها وكفيها)، قال في "الهداية" (٢): "وهذا تنصيص على أن القدم عورة، ويروى أنها ليست بعورة، وهو الأصح"، قال في "الجواهر": "أي ليست بعورة في حقّ الصلاة، وعورة في حق النظر"، وقال في "الاختيار" (٣): "الصحيح (٤) أنها ليست بعورة في الصلاة وعورة خارج

стр. 144

معها ولا يعيد الصلاة، ومن لم يجد ثوبًا صلى عريانًا قاعدًا يومئ بالركوع والسجود وإن صلى قائمًا أجزأه والأول أفضل، وينوي للصلاة التي يدخل فيها بنية لا يفصل بينها وبين التحريمة بعمل *، ويستقبل القبلة إلا أن يكون خائفًا فيصلي إلى أي جهة قدر، فإن الصلاة". قلت: تنصيص "الكتاب" أولى بالصواب (١)، لقول محمد في كتاب "الاستحسان" (٢): "وما سوى ذلك عورة"، وقال قاضي خان (٣): "وفي قدميها روايتان، والصحيح أن انكشاف ربع القدم يمنع الصلاة"، [وكذا قال في "نصاب الفقهاء" (٤)، (٥)، ولأن ظهر القدم محلّ الزِّينة المنهي عن إبدائها، قال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ (٦)، ولما روى أبو داود (٧) عن أم سلمة أنها سألت النبي ﷺ : "أتصلي المرأة في درع وخمار؟ قال: نعم؛ إذا كان سابعًا (٨) يغطي ظهور قدمَيْها" (٩). قوله: (لا يفصل بينها وبين التحريمة بعمل)، قلت: ولا تتأخر عنها في

стр. 145

اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته من يسأله عنها اجتهد وصلى، فإن علم أنه أخطأ القبلة بعدما صلى فلا إعادة عليه، وإن علم ذلك وهو في الصلاة استدار إلى القبلة وبنى عليها. باب صفة الصّلاة فرائض الصلاة ستة: التحريمة والقيام والقراءة والركوع والسجود والقعود في آخر الصلاة مقدار التشهد، ما زاد على ذلك فهو سنة. فإذا دخل الرجل في صلاته كبر ورفع يديه مع التكبير* حتى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه، فإن قال بدلًا من التكبيرة: الله أجلّ أو أعظم، أو الرحمن أكبر، أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد *. ويعتمد بيده اليمنى على اليسرى ويضعهما تحت سرته ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى الصحيح، قال الإسبيجابي: "لا يصح تأخير النية عن وقت الشروع في ظاهر الرواية" (١). باب صفة الصلاة قوله: (ورفع يديه مع التكبير)، قال في "الهداية" (٢): "والأصح أنه يرفع أولًا ثم يكبر"، وقال الزاهدي: " [وهو الصحيح] (٣) وعليه عامة المشايخ" (٤). قوله: (أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد)، قال الإسْبيجابي: "والصحيح قولهما"، وقال الزاهدي: "وهو الصحيح"، واعتمده الرهاني والنسفي (٥).
следующие страницы →