كان طعامًا فأكله ثم اطلع عليه لم يرجع عليه بشيء في قول أبي حنيفة*، ومن باع عبدًا فباعه المشتري ثم رُدَّ عليه بعيب فإن قبله بقضاء القاضي فله أن يرده على بائعه وإن قبله بغير قضاء القاضي فليس له أن يرده، ومن اشترى عبدًا وشرط البراءة من كل عيب فليس
في قول أبي حنيفة)، قال في "الهداية" (١): "أما القتل فالمذكور ظاهر الرواية"، [وقال أبو نصر الأقطع: "وأما القتل فالمشهور عن أصحابنا أنه يمنع الرجوع بالأرش] (٢)، وعن أبي يوسف أنه يرجع، وقال الإسبيجابي: "وله - يعني ولأبي حنيفة، وهو الجواب الظاهر - أنه يملك الإعتاق ولا يملك القتل .. الخ"، واعتمده البرهاني والنسفي.
وأما الأكل فقال في "الهداية" (٣): "على الخلاف، عندهما يرجع، وعنده لا يرجع استحسانًا"، وعكس هذا في "الاختيار" (٤) فقال: "وقالا: يرجع استحسانًا" (٥).
وأكل بعض الطعام؛ فكذلك الجواب عنده، وعندهما أنه يرجع بنقصان العيب في الجميع، وعنهما يرد ما بقي ويرجع بنقصان ما أكل؛ لأنَّه لا يضره التبعيض، هكذا في "الهداية" و"الاختيار"، زاد في "الاختيار" (٦): "وعليه الفتوى"، وخالفهما قاضي خان وصاحب "الذخيرة" في نسبة بعض الأقوال، ووافق القاضي "الاختيار" في اختيار الفتوى فقال (٧): "وإن اشترى طعامًا فأكل بعضه ثم عَلِم بعَيْب كان عند البائع فإنه لا يرد الباقي ولا يرجع بشيء في قول أبي حنيفة، وفي قول أبي يوسف يرجع بنقصان العيب في الكل (٨) ولا يرد الباقي، وقال محمد: يرد الباقي ويرجع بنقصان العيب فيما أكل"، وكذا ذكر في "الذخيرة"، قال القاضي: "ويعطى لكلِّ بعضٍ حكمُ نفسِهِ، وعليه الفتوى"، وكذا في "الخلاصة".
стр. 212
له أن يرده بعيب وإن لم يسم العيوب ويعدها.
قلت: لم يتفق المشايخ على اختيار قولهما بل مَن نظر إلى ثبات (١) الرواية وقوّة الدليل صحّح قول الإمام، ومن نظر إلى الرفق بالناس اختار قول محمد. قال في "الذخيرة": "قال القُدُوري: إذا أكل الطعام ثم اطلع على عيب به قال أبو حنيفة: لا يرجع بنقصان العيب، وقالا: يرجع، والصحيح قول أبي حنيفة لأن الأكل واللُّبس في مِلك الغير يُسبِّب الضمان، وإنما سقط الضمان عنه بسبب الملك، والتقرير ما ذكرنا (٢)، وقال: وكان الفقيه أبو جعفر وأبو الليث يفتيان في هذه المسائل بقول محمد رفقًا بالناس، وعليه اختيار [الشيخ] الصدر الشهيد حسام الدين"، انتهى. وقد اعتمد قولَ الإمام البرهانيُّ والنسفي، والله أعلم.
قال القاضي (٣): "هذا إذا كان الطعام في وعاء واحد أو لم يكن في وعاء، فإن كان في وعائَين في جَوْلَقين (٤) أو في قَوْصَرَتَيْ تمر (٥) أو ما أشبه ذلك، فأكل ما في أحدهما أو باع، ثم علم بعيب كان عند البائع، كان له أن يرد الباقي بحصته من الثمن في قولهم؛ لأن المكيل والموزون إذا كان في وعائَين كان (٦) في حكم العيب بمنزلة شيئين مختلفين"، انتهى.
قلت: بل هذا مختلف فيه أيضًا، فحكي هذا في "الذخيرة" عن أبي جعفر الهِنْدُوَاني، وأنَّه كان يفتي به، ويزعُم أنَّه رواية عن أصحابنا وبه أخذ الشيخ الإمام خُواهَرْ زاده (٧) .. ثم قال: "ومن المشايخ من قال: لا فرق بينهما إذا
стр. 213
باب البيع الفاسد
إذا كان * أحد العوضين أو كلاهما محرَّمًا فالبيع فاسد كالبيع بالميتة أو بالدم أو بالخمر أو بالخنزير، وكذلك إذا كان غير مملوك كالحر وبيع أم الولد والمدبر والمكاتب فاسد *، ولا يجوز بيع السمك في الماء قبل أن يصطاد ولا بيع الطير في الهواء، ولا بيع
كانا في وعاء واحد أو أوعية مختلفة، ليس له أن يرد البعض بالعيب، وإطلاق محمد في "الأصل" يدل عليه، وبه كان يفتي شمس الأئمة السَّرْخَسي ﵀.
قلت: الأول أقيس وأرفق، والله أعلم.
وقال القاضي (١): "وإن باع بعضه ثم وجد به عيبًا، عند أبي حنيفة وأبي يوسف وبعض الروايات عن محمد: لا يرد ما بقي ولا يرجع بنقصان العيب، لا فيما باع ولا فيما بقي، وعن محمد في رواية: لا يرجع بنقصان ما باع، ويرد الباقي بحصته من الثمن، وبه أخذ الفقيه أبو جعفر والفقيه أبو الليث، وعليه الفتوى".
باب البيع الفاسد
قوله: (إذا كان .. الخ)، قال في "الهداية" (٢): "البيع بالميتة والدم باطل وكذا بالحُرّ … وكذا بيع الميتة والدم والحر.
والبيع بالخمر والخنزير فاسد، وبيع الخمر والخنزير بالدراهم والدنانير باطل" (٣).
قوله: (وبيع أم الولد والمدبَّر والمكاتب فاسد)، قال في "الهداية":
стр. 214
الحمل ولا النتاج *، ولا يجوز بيع اللبن في الضرع، والصوف على ظهر الغنم، وذراع من ثوب وجذع في سقف وضربة القانص وبيع المزابنة وهو بيع التمر على النخل بخرصه تمرًا، ولا يجوز البيع بإلقاء الحجر والملامسة، ولا يجوز بيع ثوب من ثوبين، ومن باع عبدًا على أن يعتقه المشتري أو يدبره أو يكاتبه، أو باع أمة على أن يستولدها فالبيع فاسد، وكذلك لو باع عبدًا على أن يستخدمه البائع شهرًا أو دارًا على أن يسكنها أو على أن يقرضه المشتري درهما أو على أن يهدي له هدية، ومن باع عينًا على أن يسلمه إلى رأس الشهر فالبيع فاسد، ومن باع جارية إلا حملها فسد البيع، ومن اشترى ثوبًا على أن يقطعه البائع ويخيطه قميصًا أو قباء، أو نعلاً على أن يحذوها * أو يشركها فالبيع فاسد، والبيع إلى النيروز والمهرجان وصوم النصارى وفطر اليهود إذا لم يعرف المتبايعان ذلك فاسد، ولا يجوز البيع إلى الحصاد والدياس والقطاف وقدوم الحاج، فإن تراضيا بإسقاط الأجل قبل أن يأخذ الناس في الحصاد والدياس وقبل قدوم الحاج جاز البيع، وإذا قبض المشتري المبيع في البيع الفاسد بأمر البائع وفي العقد عوضان كل واحد منهما مال ملك المبيع ولزمته قيمته ولكل واحد من المتعاقدين فسخه، فإن باعه المشتري نفذ بيعه، ومن جمع بين حر وعبد أو شاة ذكية وميتة بطل البيع فيهما *، وإن جمع بين عبد ومدبر وبين عبده وعبد غيره صح العقد في العبد بحصته من الثمن. ونهى رسول الله ﷺ عن النجش وعن السوم على سوم غيره وعن تلقي الجلب وبيع الحاضر للباد والبيع عند
" معناه: باطل" (١).
قوله: (ولا يجوز بيع الحَمْل ولا النِّتاج)، قال في "الينابيع": "الأول فاسد والثاني باطل".
قوله: ( .. نعلاً على أن يحذوها [البائع] (٢) .. الخ)، قال في "الهداية" (٣): "ما ذكر جوابُ القياس، وفي الاستحسان: يجوز للتعامل فيه، فصار كصبغ الثوب".
قوله: (ومن جمع بين حرِّ وعبد أو شاة ذكية وميتة، بطل البيع فيهما)، قال في "الينابيع": "هذا على وجهين: إن كان قد سمى لهما ثمنًا واحدًا فالبيع باطل بالإجماع، وإن سمّى لكلّ واحد منهما ثمنًا على حِدَة، فكذلك عند أبي حنيفة، وقالا: جاز البيع في العبد والذكية، وبطل في الحر والميتة".
قلت: وعلى قوله اعتمد المحبوبي والمَوْصلي والنسفي.
стр. 215
أذان الجمعة، وكل ذلك يكره ولا يفسد به العقد. ومن ملك مملوكين صغيرين أحدهما ذو رحم محرم من الآخر لم يفرق بينهما، وكذلك إن كان أحدهما كبيرًا فإن فرق بينهما كره له ذلك وجاز البيع، وإن كانا كبيرين فلا بأس بالتفريق بينهما.
باب الإقالة
الإقالة جائزة في البيع بمثل الثمن الأول، فإن شرط أقل منه أو أكثر فالشرط باطل ويرد مثل الثمن الأول، وهي فسخ في حق المتعاقدين بيع جديد في حق غيرهما عند أبي حنيفة *، وهلاك الثمن لا يمنع صحة الإقالة، وهلاك المبيع يمنع منها. فإن هلك بعض المبيع جازت الإقالة في باقيه.
باب المرابحة والتولية
المرابحة نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول مع زيادة ربح. والتولية نقل ما ملكه بالعقد الأول بالثمن الأول من غير زيادة. ولا تصح المرابحة والتولية حتى يكون العوض مما له مثل، ويجوز أن يضم إلى رأس المال أجرة القصار والصباغ والطراز والفتل وأجرة حمل الطعام، ويقول قام علي بكذا ولا يقول اشتريته بكذا، فإن اطلع المشتري على خيانة في المرابحة فهو بالخيار* عند أبي حنيفة إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء فسخ، وإن اطلع على خيانة في التولية أسقطها من الثمن، وقال أبو يوسف: يحط فيهما، وقال
باب الإقالة
قوله: (وهي فَسخٌ في حق المتعاقدين، بيعٌ جديدٌ في حق غيرهما عند أبي حنيفة) (١)، قال الإسبيجابي: "والصحيح قول أبي حنيفة".
قلت: واختاره البرهاني والنسفي وأبو الفضل الموصلي وصدر الشريعة.
باب المرابحة والتولية
قوله: (فإن اطلع المشتري على خيانة في المرابحة فهو بالخيار .. الخ)، فأبو يوسف معه في التَّوْليَة، ومحمد معه في المُرابَحة، فاعتمده (٢) النسفي والبرهاني وصدر الشريعة.
стр. 216
محمد: لا يحط فيهما، ومن اشترى شيئًا مما ينقل ويحول لم يجز بيعه حتى يقبضه، ويجوز بيع العقار قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف *، وقال محمد: لا يجوز، ومن اشترى مكيلا مكايلة أو موزونًا موازنة فاكتاله أو اتزنه ثم باعه مكايلة أو موازنة لم يجز للمشتري منه أن يبيعه ولا يأكله حتى يعيد الكيل والوزن، والتصرف في الثمن قبل القبض جائز، ويجوز للمشتري أن يزيد البائع في الثمن ويجوز للبائع أن يزيد في المبيع، ويجوز أن يحط من الثمن ويتعلق الاستحقاق بجميع ذلك، ومن باع بثمن حال ثم أجله أجلاً معلومًا صار مؤجلاً، وكل دين حال إذا أجله صاحبه صار مؤجلًا إلا القرض فإن تأجيله لا يصح.
باب الربا
الربا حرم في كل مكيل أو موزون بيع بجنسه متفاضلاً، والعلة فيه الكيل مع الجنس أو الوزن مع الجنس، فإذا بيع المكيل أو الموزون بجنسه مِثلًا بمثل جاز البيع، فإن تفاضلا لم يجز البيع، ولا يجوز بيع الجيد بالرديء مما فيه الربا إلا مثلا بمثل وإن تفاضلا لم يجز، وإذا عدم الوصفان الجنس والمعنى المضموم إليه حل التفاضل والنساء، وإذا وجدا حرم التفاضل والنساء، وإذا وجد أحدهما وعدم الآخر حل التفاضل وحرم النساء، وكل شيء نص رسول الله ﷺ على تحريم التفاضل فيه كيلا فهو مكيل أبدًا وإن ترك الناس الكيل فيه مثل الحنطة والشعير والتمر والملح، وكل ما نص على تحريم التفاضل فيه وزنًا فهو موزون أبدًا وإن ترك الناس الوزن فيه مثل الذهب والفضة، وما لم ينص عليه فهو محمول على عادات الناس، وعقد الصرف ما وقع على جنس الأثمان يعتبر قبض عوضيه في المجلس فيه الربا يعتبر فيه التعيين ولا يعتبر فيه التقابض، ولا يجوز بيع الحنطة بالدقيق ولا بالسويق، ويجوز بيع اللحم بالحيوان عند أبي حنيفة وأبي يوسف *،
قوله: (ويجوز بيع العَقار قبل القبض عند أبي حنيفة وأبي يوسف)، واختاره من ذُكر قبله.
باب الرِّبا
قوله: (ويجوز بيع اللّحم بالحيوان عند أبي حنيفة وأبي يوسف .. )، قال الإسبيجابي: "والصحيح قولهما"، ومشى عليه النسفي والمحبوبي وصدر الشريعة.
فرع: قال القاضي (١): "ولا بأس ببيع شاةٍ على ظهرها صوف بصوف، إذا كان الصوف المجزوز أكثر مما على ظهر الشاة، وكذا الشاة التي في
стр. 217
وقال محمد: لا يجوز إلا على الاعتبار، ويجوز بيع الرطب بالتمر مثلاً بمثل * والعنب بالزبيب، ولا يجوز بيع الزيتون بالزيت، والسمسم بالشيرج حتى يكون الزيت والشيرج أكثر مما في الزيتون والسمسم فيكون الدهن بمثله والزيادة بالثجير، ويجوز بيع اللحمان المختلفة بعضها ببعض متفاضلًا وكذلك ألبان البقر بألبان الغنم وخل الدقل بخل العنب، ويجوز بيع الخبز بالحنطة * والدقيق متفاضلًا، ولا ربا بين المولى وعبده ولا بين المسلم والحربي في دار الحرب.
باب السَّلَم
السلم جائز في المكيلات والموزونات والمعدودات التي لا تتفاوت كالجوز والبيض وفي المذروعات، ولا يجوز السلم في الحيوان ولا في أطرافه ولا في الجلود عددًا ولا في الحطب حزَمًا ولا في الزامية جرزًا، ولا يجوز السلم حتى يكون المسلم فيه موجودًا من حين العقد إلى حين المحل، ولا يصح السلم إلا مؤجلاً، ولا يجوز إلا بأجل معلوم، ولا يجوز السلم بمكيال رجل بعينه ولا بذراع رجل بعينه ولا في طعام قرية بعينها أو ثمرة نخلة بعينها، ولا يصح السلم عند أبي حنيفة * إلا بسبع شرائط تذكر في العقد: جنس معلوم
ضَرْعها لَبَنٌ بلبن، وعن أبي يوسف في اللبن يجوز لا بطريق الاعتبار، والصحيح هو الأول".
قوله: (ويجوز بيع الرُّطَب بالتمر مِثلاً بمثل)، قال الإسبيجابي: "وقالا والشافعي: لا يجوز، والصحيح قول أبي حنيفة"، واعتمده النسفي والمحبوبي وصدر الشريعة.
قوله: (ويجوز بيع الحِنْطَة بالخبز)، قال القاضي (١): "وبيع الحنطة بالخبز والخبز بالحنطة، وبيع الدقيق بالخبز والخبز بالدقيق، قال بعض مشايخنا: لا يجوز متساويًا ولا متفاضلًا .. ، وقال بعضهم: يجوز متفاضلًا ومتساويًا وعليه الفتوى .. إذا كانا نقدين. وإن كان أحدهما نسيئة، إذا كان الخبز نقدًا جاز عند أصحابنا، وإن كان الحنطة أو الدقيق نقدًا والخبز (٢) نسيئة لا يجوز في قول أبي حنيفة .. ، وعند أبي يوسف: يجوز، والفتوى على قوله".
باب السَّلَم
قوله: (ولا يجوز السَّلم عند أبي حنيفة .. الخ)، واعتمده النسفي وبرهان
стр. 218
ونوع معلوم وصفة معلومة ومقدار معلوم وأجل معلوم ومعرفة مقدار رأس المال إذا كان مما يتعلق العقد على مقداره كالمكيل والموزون والمعدود وتسمية المكان الذي يوفيه فيه إذا كان له حمل ومؤونة، وقالا: لا يحتاج إلى تسمية رأس المال إذا كان معينًا ولا إلى مكان التسليم ويسلمه في موضع العقد، ولا يصح السلم حتى يقبض رأس المال قبل أن يفارقه، ولا يجوز التصرف في رأس المال ولا في المسلم فيه قبل قبضه، ولا تجوز الشركة ولا التولية في المسلم فيه قبل قبضه، ويجوز السلم في الثياب إذا سمى طولاً وعرضًا ورفعة، ولا يجوز السلم في الجواهر ولا في الخرز، ولا بأس بالسلم في اللبن والآجر إذا سمى ملبنًا معلومًا، وكل ما أمكن ضبط صفته ومعرفة مقداره جاز السلم فيه، وما لا تضبط صفته ولا يعرف مقداره لا يجوز السلم فيه، ويجوز بيع الكلب والفهد والسباع المعلمة، ولا يجوز بيع الخمر والخنزير، ولا يجوز بيع دود القز إلا أن يكون مع القز *، ولا النحل إلا مع الكوّارات *. وأهل الذمة في البياعات كالمسلمين إلا في الخمر
الشريعة المحبوبي وصدر الشريعة وأبو الفضل المَوْصلي.
قوله: (ولا يجوز بيعُ دودِ القَزِّ إلا مع القز)، قال في "الينابيع": "المذكور إنما هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف". وقوله (إلا أن يكون مع القَزّ)، يريد به أن يظهر فيه القز، وقال محمد: يجوز كيف ما كان، قاله في "الهداية" (١)، قال في "الخلاصة" (٢): "وفي بيع دود القز الفتوى على قول محمد أنه يجوز، وأما بيع بزر القز (٣) فجائز عندهما، وعليه الفتوى"، وكذا قال الصدر الشهيد في "واقعاته" (٤)، وتبعه النسفي، وكذلك قال في "المحيط"، وفي "الأجناس" (٥): "قال أبو يوسف: لا بأس ببيع القزّ إن كان قد خرج منه أو بعضه، كالنَّحل مع العَسَل".
قوله: (ولا النَّحل إلا مع الكَوارات)، قال الإسبيجابي: "وعن محمد أنه
стр. 219
والخنزير فإن عقدهم على الخمر كعقد المسلم على العصير وعقدهم على الخنزير كعقد المسلم على الشاة.
يجوز إذا كان مجموعًا، والصحيح جواب ظاهر الرواية لأنَّه من الهَوَام" (١)، وقال في "الينابيع": "ولا يجوز بيع النحل، وعن محمد أنه يجوز بشرط أن يكون محوزًا (٢) - أي مجموعًا -، وإن كان مع الكوارات أو مع العسل جاز بالإجماع"، وبقولهما أخذ قاضي خان والمحبوبي والنسفي (٣).
فرع: قال القاضي (٤): "اقتراض الخبز وزنًا (٥) يجوز في قول أبي يوسف، وعليه الفتوى".
стр. 220
كتاب الصَّرْف
الصرف هو البيع إذا كان كل واحد من العوضين من جنس الأثمان، فإن باع فضة بفضة أو ذهبًا بذهب لم يجزه إلا مثلاً بمثل، وإن اختلفت في الجودة والصياغة، ولا بد من قبض العوضين قبل الافتراق، وإن باع الذهب بالفضة جاز التفاضل فيه ووجب التقابض، وإن افترقا في الصرف قبل قبض العوضين أو أحدهما بطل العقد، ولا يجوز التصرف في ثمن الصرف قبل قبضه، ويجوز بيع الذهب بالفضة مجازفة، ومن باع سيفًا محلَّى بمئة درهم وحليته خمسون درهما فدفع من ثمنه خمسين جاز البيع وكان المقبوض بحصة الفضة وإن لم يبين ذلك، وكذلك إن قال خذ هذه الخمسين من ثمنهما، فإن لم يتقابضا حتى افترقا بطل العقد في الحلية والسيف إن كان لا يتخلص إلا بضرر، وإن كان يتخلص بغير ضرر جاز البيع في السيف وبطل في الحلية، ومن باع إناء فضة ثم افترقا وقد قبض بعض ثمنه بطل البيع فيما لم يقبض وصح فيما قبض وكان الإناء مشتركا بينهما فإن استحق بعض الإناء كان المشتري بالخيار إن شاء أخذ الباقي بحصته وإن شاء رده، وإن باع قطعة نقرة فاستُحق بعضها أخذ ما بقي بحصته من الثمن ولا خيار له، ومن باع درهمين ودينارًا بدينارين ودرهم جاز البيع وجعل كل واحد من الجنسين مقابلًا بالجنس الآخر، ومن باع أحد عشر درهمًا بعشرة دراهم ودينار جاز البيع وكانت العشرة بمثلها والدينار بدرهم، ويجوز بيع درهم صحيح ودرهمين غلة بدرهمين صحيحين ودرهم غلة، وإن كان الغالب على الدراهم الفضة فهي دراهم فضة، وإن كان الغالب على الدنانير الذهب فهي ذهب، ويعتبر فيهما من تحريم التفاضل ما يعتبر في الجياد، وإن كان الغالب عليهما الغش فليسا في حكم الدراهم والدنانير، فإذا بيعت بجنسها متفاضلًا جاز، وإذا اشترى بهما سلعة ثم كسدت وترك الناس المعاملة بها بطل البيع عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: عليه قيمتها يوم البيع، وقال محمد: قيمتها آخر ما يتعامل الناس بها *. ويجوز البيع بالفلوس، فإن كانت نافقة جاز البيع وإن لم يعين، وإن كانت كاسدة لم يجز البيع بها حتى يعينها،
كتاب الصرف
قوله: (وإذا اشترى بها سلعةَ ثم كَسَدَت وترك الناس المعاملة بها بطل البيع عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: عليه قيمتُها يوم البيع، وقال محمد: عليه قِيمتُها آخِر ما تعامل الناسُ بها)، قال في "الذخيرة": "الدراهم أو الفلوس إذا انقطع من أيدي الناس قبل القبض فللبائع قيمة الدراهم والفلوس يوم وقع
стр. 221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
البيع في قول أبي يوسف الآخِر، وعليه الفتوى"، وعزاه في "الخلاصة" (١) للمحيط ولم أره فيه (٢)، وفيه خلافُه كما سأذكر إن شاء الله تعالى. وقال في "الحقائق" (٣): "قال في "المحيط" و "التتمة": وبقول محمد يفتى رفقًا بالناس".
قلت: قال في "المحيط" (٤) في باب بيع الفلوس: "ثم عند أبي يوسف تعتبر القيمة يوم القبض (٥) وعند محمد يوم الكَسَاد، ثم اختلف عن أبي حنيفة، عند بعضهم يرد مثلها عددًا، وعند بعضهم: يرد مثل الفلوس وزنًا، والأصح أن عليه قيمتها يوم الانقطاع من الذهب والفضة"، ولفظ "التتمّة" هو لفظ "الفتاوى الصغرى" للحسام الشهيد، وهو: "إذا استقرض الفلوس ثم كسدت، فعند أبي حنيفة عليه الذي كسدت ولا يضمن قيمتها ولا مثلها من الذي أحدثوه، وعند أبي يوسف: عليه قيمته من الذهب أو الفضة يوم القبض، وقال محمد: في آخر يوم كانت رائجة فكسدت، وكذا هذا الخلاف في الغصب إذا كسدت قبل الهلاك، والعَدْلى هكذا من غير تفاوت، لكن والدي (٦) كان يفتي بقول محمد رفقًا بالناس، فنفتي كذلك"، وفي "الكبرى" - وهي مُرَتب "الواقعات" الحُسامية (٧) -:
стр. 222
وإذا باع بالفلوس النافقة ثم كسدت بطل البيع عند أبي حنيفة *، ومن اشترى شيئًا بنصف درهم فلوس جاز البيع وعليه ما يباع بنصف درهم من الفلوس، ومن أعطى الصيرفيّ درهمًا فقال أعطني بنصفه فلوسًا وبنصفه نصفًا إلا حبة * فسد البيع، وإن قال
" اشترى بدراهم نقدِ البلد فلم يقبضها حتى تغيرت، فلو انقطعت فعليه ذهب أو فضة قيمتها آخر يوم انقطع، هو المختار"، [و] في (١) فتاوى قاضي خان في باب الصرف (٢): "لو استقرض من الفلوس الرائجة أو العدلي فكسدت، قال أبو حنيفة عليه مثلُها كاسدةً ولا يُغرم قيمتَها، وقال أبو يوسف: عليه قيمتُها يوم القبض، وقال محمد: عليه قيمتها في آخر يوم كانت رائجة، وعليه الفتوى"، وفي فصلِ قبضِ الثمن (٣): "اشترى شيئًا بالفلوس الرائجة فكسدت قبل القبض - إلى أن قال -: وإن انقطعت تلك الدراهم اليوم (٤)، كان عليه قيمة تلك الدرهم قبل الانقطاع عند محمد، وعليه الفتوى"، وفي "الخلاصة" (٥): "وفي باب النون (٦) في المنقطع، عليه قيمته في آخر يوم انقطع من الذهب والفضة، قال ﵀ (٧): هو المختار"، وقال في "الذخيرة" في موضع آخر: "وحكي عن جماعة كثير أنهم كانوا يفتون بقول محمد رفقًا بالناس، وهكذا كان يفتي الصدر الشهيد برهان الأئمة".
قوله: (وإذا باع بالفلوس النافقة ثم كسَدتْ قبل القبض بطل البيع عند أبي حنيفة)، قال في "الهداية" (٨): "خلافًا لهما، وهو نظير الخلاف الذي بيّناه"، وقد بيّناه.
[قوله: (ومن أعطى الصيرفي فقال: أعطني نصف درهم فلوسًا ونصفًا إلا حبّة)، قال أبو نصر الأقطع: "هذا هو الصحيح، وقد يوجد في بعض النسخ:
стр. 223
أعطني به درهمًا وزنه نصف درهم إلا حبة وبالباقي فلوسًا جاز البيع وكانت الفلوس والنصف إلا حبة بدرهم، والله أعلم.
أعطني بنصف درهم فلوسًا، وبنصف نصفًا إلا حبّة، وهو غلط"] (١).
стр. 224
كتاب الرهن
الرهن ينعقد بالإيجاب والقبول ويتم بالقبض *، فإذا قبض المرتهن الرهن محوزًا مجموعًا مفرغًا مميزًا تم العقد فيه، وما لم يقبضه فالراهن بالخيار إن شاء سلمه وإن شاء رجع عن الرهن فإذا سلمه إليه فقبضه دخل في ضمانه، ولا يصح الرهن إلا بدَين مضمون وهو مضمون بالأقل من قيمته ومن الدين، فإذا هلك في يد المرتهن وقيمة الرهن والدين سواء صار المرتهن مستوفيًا لدينه حكمًا، وإن كانت قيمة الرهن أكثر فالفضل أمانة، وإن كانت أقل سقط من الدين بقدرها ورجع المرتهن بالفضل، ولا يجوز رهن المشاع ولا رهن ثمرة على رؤوس النخل دون النخل ولا زرع في الأرض دون الأرض، ولا يجوز رهن الأرض والنخل دونهما، ولا يصح الرهن بالأمانات كالودائع والمضاربات ومال الشركة، ويصح الرهن برأس مال السلم وثمن الصرف والمسلم فيه، فإن هلك في مجلس العقد تم الصرف والسلم وصار المرتهن مستوفيًا لحقه، وإذا اتفقا على وضع الرهن على يدَي عدل جاز وليس للمرتهن ولا للراهن أخذه من يده، فإن هلك في يده هلك في ضمان المرتهن، ويجوز رهن الدراهم والدنانير والمكيل والموزون، فإن رهنت بجنسها هلكت بمثلها من الدين وإن اختلفا في الجودة، ومن كان له دين على غيره فأخذ منه مثل دينه فأنفقه ثم علم أنه كان زيوفًا فلا شيء له عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يرد مثل الزيوف ويرجع بالجياد *، ومن رهن عبدين بألف فقضى حصة أحدهما لم يكن له
كتاب الرهن
قوله: (ويتمّ بالقبض)، قال في "الهداية" (١): "ثم يكتفى فيه بالتخلية في ظاهر الرواية .. وعن أبي يوسف أنه لا يثبت (٢) في المنقول إلا بالنقل .. والأول أصح".
قوله: (ومن كان له دَيْن على غيره فأخذ منه مثل دَينه فأنفقه ثم علم أنه كان زيوفًا لم يرجع عليه بشيء عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يرد مثل الزُّيوف ويرجع بالجياد)، قال الإسبيجابي: "وذكر في "الجامع الصغير"
стр. 225
أن يقبضه حتى يؤدي باقي الدين، وإذا وكل الراهن المرتهن أو العدل أو غيرهما ببيع الرهن عّند حلول الدين فالوكالة جائزة، فإن شرطت في عقد الرهن فليس للراهن عزله عنها وإن عزله لم ينعزل، وإن مات الراهن لم ينعزل، وللمرتهن أن يطالب الراهن بدينه ويحبسه به، وإن كان الرهن في يده، وليس عليه أن يمكنه من بيعه حتى يقضيه الدين من ثمنه فإذا قضاه الدين قيل له سلم الرهن إليه، وإذا باع الراهن الرهن بغير إذن المرتهن فالبيع موقوف، فإن أجازه المرتهن جاز، وإن قضاه الراهن دينه جاز البيع، وإن أعتق الراهن عبد الرهن نفذ عتقه فإن كان الدين حالا طولب بأداء الدين وإن كان الدين مؤجلا أُخذ منه قيمة العبد فجعلت رهنًا مكانه حتى يحل الدين، وإن كان معسرًا استسعى العبد في قيمته فقضى منه الدين ويرجع العبد على مولاه بما أداه، وكذلك إن استهلك الراهن الرهن، وإن استهلكه أجنبي فالمرتهن هو الخصم في تضمينه، ويأخذ القيمة فيكون رهنًا في يده، وجناية الراهن على الرهن مضمونة، وجناية المرتهن عليه يسقط من الدين بقدرها وجناية الرهن على الراهن والمرتهن وعلى مالهما هدَر، وأجرة البيت الذي يحفظ فيه الرهن على المرتهن، وأجرة الراعي على الراهن، ونفقة الرهن على الراهن ونماؤه للراهن يكون رهنًا مع "الأصل" فإن هلك هلك بغير شيء، وإن هلك "الأصل" وبقي النماء افتكه الراهن بحصته، ويقسم الدين على قيمة الرهن يوم القبض وقيمة النماء يوم الفكاك فما أصاب "الأصل" سقط من الدين وما أصاب النماء افتكه الراهن به. وتجوز الزيادة في الرهن ولا تجوز في الدين عند أبي حنيفة ومحمد *، ولا يصير الرهن رهنًا بهما. وإذا رهن عينًا واحدة عند رجلين بدين لكل واحد منهما عليه جاز وجميعها رهن عند كل واحد منهما والمضمون على كل واحد منهما حصة دينه منها، فإن قضى لأحدهما دينه كانت كلها رهنًا في يد الآخر حتى يستوفي دينه، ومن باع عبدًا على أن يرهنه المشتري بالثمن شيئًا بعينه فامتنع المشتري من تسليم الرهن لم يجبر عليه، وكان البائع بالخيار إن شاء رضي بترك الرهن وإن شاء فسخ البيع إلا أن يدفع المشتري الثمن حالا أو يدفع قيمة الرهن
قول محمد [﵀] مع أبي حنيفة وهو الصحيح" (١)، واعتمده النسفي، لكن قال فخر الإسلام (٢): "قولهما قياس وقول أبي يوسف استحسان"، وقال في "العون": "ما قاله أبو يوسف حسن وأدفعُ للضرر (٣) فاخترناه للفتوى"، وقال في "المبسوط": "وهو قول محمد الآخر".
قوله: ( .. و لا تجوز في الدَّين عند أبي حنيفة ومحمد)، واعتمده النسفي وبرهان الأئمة المحبوبي، كما هو الرسم.
стр. 226
رهنًا مكانه، وللمرتهن أن يحفظ الرهن بنفسه وزوجته وولده وخادمه الذي في عياله، وإن حفظه بغير من في عياله أو أودعه ضمن، وإذا تعدى المرتهن في الرهن ضمنه ضمان الغصب بجميع قيمته وإذا أعار المرتهن الرهن للراهن فقبضه خرج من ضمان المرتهن، فإن هلك في يد الراهن هلك بغير شيء، وللمرتهن أن يسترجعه إلى يده فإذا أخذه عاد الضمان، وإذا مات الراهن باع وصيه الرهن وقضى به الدين، فإن لم يكن له وصيّ نصب القاضي وصيًا وأمره ببيعه وقضى دينه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 227
كتاب الحجر
الأسباب الموجبة للحجر ثلاثة: الصغر والرِّق والجنون، ولا يجوز تصرف الصغير إلا بإذن وليه، ولا تصرف العبد إلا بإذن سيده، ولا يجوز تصرف المجنون المغلوب بحال، ومن باع من هؤلاء شيئًا أو اشتراه وهو يعقل البيع ويقصده فالولي بالخيار إن شاء أجازه إذا كان فيه مصلحة وإن شاء فسخه، وهذه المعاني الثلاثة توجب الحجر في الأقوال دون الأفعال، والصبي والمجنون لا يصح عقودهما ولا إقرارهما ولا يقع طلاقهما ولا عتاقهما، وإن أتلفا شيئًا لزمهما ضمانه، وأما العبد فأقواله نافذة في حق نفسه غير نافذة في حق مولاه، فإن أقر بمال لزمه بعد الحرية ولم يلزمه في الحال، وإن أقر بحد أو قصاص لزمه في الحال وينفذ طلاقه، وقال أبو حنيفة: لا يحجر على السفيه * إذا كان عاقلًا بالغًا حرًّا، وتصرفه في ماله جائز وإن كان مبذرًا مفسدًا يتلف ماله فيما لا غرض له فيه ولا مصلحة، إلا أنه قال إذا بلغ الغلام غير رشيد لم يسلَّم إليه ماله حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة، فإن تصرف فيه قبل ذلك نفذ تصرفه، فإذا بلغ خمسًا وعشرين سنة سلم إليه ماله وإن لم يؤنس منه الرشد، وقال أبو يوسف ومحمد: يحجر على السفيه ويمنع من التصرف في ماله، فإن باع لم ينفذ بيعه، وإن كان فيه مصلحة أجازه الحاكم، وإن أعتق عبدًا نفذ عتقه وكان على العبد أن يسعى في قيمته، وإن تزوج امرأة جاز نكاحه، وإن سمى لها مهرًا جاز منه مقدار مهر مثلها وبطل الفضل، وقالا فيمن بلغ خمسًا وعشرين سنة وهو غير رشيد: لا يدفع إليه ماله أبدًا حتى يؤنس رشده، ولا يجوز تصرفه فيه، وتخرج الزكاة من مال السفيه وينفق على أولاده وزوجته ومن تجب عليه نفقته من ذوي أرحامه، فإن أراد حجة الإسلام لم يمنع منها، ولا يسلم القاضي النفقة إليه ويسلمها إلى ثقة من الحاج ينفقها عليه في طريق الحج، فإن مرض فأوصى بوصايا في القرَب وأنواع الخير جاز ذلك في ثلثه. وبلوغ الغلام بالاحتلام والإنزال والإحبال إذا وطئ، فإذا لم يوجد
كتاب الحجر
قوله: (قال أبو حنيفة: لا يُحجر على السَّفيه .. الخ)، واعتمد قوله المحبوبي وصدر الشريعة والنسفي وغيرهم، وقال القاضي في كتاب الحيطان (١): "وعندهما يجوز الحجر على الحُرّ، والفتوى على قولهما".
قلت: وهذا تصريح وهو أقوى من الالتزام، والله أعلم. [قلت: وفي
стр. 228
ذلك فحتى يتم له ثمانية عشر سنة عند أبي حنيفة، وبلوغ الجارية بالحيض والاحتلام والحبَل، فإذا لم يوجد ذلك فحتى يتم لها سبع عشرة سنة، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تم للغلام والجارية خمس عشرة سنة فقد بلغا *،
كتاب الحيطان أن هذا اختيار أبي بكر الخُوارزمي في تلك المسألة للمصلحة، والله أعلم] (١).
واعلم أن نظري يميل إلى الأخذ بقول أبي يوسف في حق النّساء، ومن أمعن النظر عرف حسنه (٢).
قوله: (وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تم للغلام والجارية خمس عشرة سنة فقد بلغا)، قال الإمام برهان الأئمة البرهاني: "وبه يفتى"، وقال النسفي (٣):
стр. 229
وإذا راهق الغلام * أو الجارية وأشكل أمرهما في البلوغ فقالا قد بلغنا فالقول قولهما وأحكامهما أحكام البالغين. وقال أبو حنيفة: لا أحجر في الدَّين، إذا وجبت الديون على رجل وطلب غرماؤه حبسه والحجر عليه لم أحجر عليه وإن كان له مال لم يتصرف نيه الحاكم ولكن يحبسه أبدًا حتى يبيعه في دينه *، فإن كان له دراهم ودينه دراهم قضاها القاضي بغير أمره وإن كان دينه دراهم وله دنانير باعها القاضي في دينه. وقال أبو يوسف ومحمد: إذا طلب غرماء المفلس الحجر عليه حجر القاضي عليه ومنعه من البيع والتصرف والإقرار حتى لا يضر بالغرماء، وباع ماله إن امتنع المفلس من بيعه وقسمه بين غرمائه
" ويفتى بالبلوغ فيهما بخمس عشرة سنة"، وقال صدر الشريعة (١): "فإن لم يوجد الاحتلام والحيض والحبَل فحتّى (٢) يتمَّ لهما خمس عشرة سنة، به يفتى"، وقال أبو العباس أحمد بن علي البَعْلَبَكّي في شرحه (٣): "وقولهما رواية عن أبي حنيفة، وعليه الفتوى"، وقال أبو الفضل الموصلي في شرحه (٤): "وأدنى مدة يصدق الغلام فيها على البلوغ اثنا عشر سنة، والجارية تسع سنين، وقيل غير ذلك وهذا هو المختار".
[(وإذا راهق الغلام .. ) قال أبو نصر: "الصحيح هذا".] (٥).
قوله: (وقال أبو حنيفة: لا أحجر في الدَّين، إذا وجبت الديون على رجل وطلب غرماؤه حبسَه والحَجْر عليه لم أحجُر عليه، وإن كان له مال لم يتصرف فيه الحاكم ولكن يحبسه أبدًا حتى يبيعَه في دَيْنه)، ورجحوا أدلة الإمام في جميع مصنفات الاستدلال، وقد علمتَ ما صرح به قاضي خان (٦)، وقال الطحاوي في "مشكل الآثار" (٧): "غير أن مذهبنا في الحَجْر استعماله والحكم به، وحفظ المال على مَن يملكه إذا كان مخوفًا عليه منه"، ووقع في "الاختيار" (٨): "ولا يبيع - يعني القاضي - العُروض ولا العَقار لأنَّه حَجر عليه، وهذا تجارة لا عن تراض، وقالا: يبيع، وعليه الفتوى".
стр. 230
بالحصص، فإن أقر في حال الحجر لزمه ذلك بعد قضاء الديون بإقراره، وينفق على المفلس من ماله وعلى زوجته وعلى وُلده الصغار وذوي أرحامه، وإن لم يعرف للمفلس مال وطلب غرماؤه حبسه وهو يقول لا مال لي حبسه الحاكم في كل دين لزمه * بدلًا عن
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا طلب غرماء المفلس الحجر عليه حجر القاضي عليه، ويبيع ماله إن امتنع المديون من بيعه.
وقال القاضي (١): "ولا يبيع مال المديون في قول أبي حنيفة، وفي قول صاحبيه يبيع منقوله ولا يبيع عقاره عندهما .. وفي رواية يبيع كما يبيع المنقول وهو الصحيح".
ولا يخفى عدم وقوع هذا الكلام موقعه، وعدم صحته؛ لأن بيع القاضي عروض المفلس وعقاره جبرًا فرع الحجر عليه، ولا يصح أن يكون الفتوى على الفرع دون أصله، وأيضًا لا يصح أن يكون الفتوى على ما اعترف هو بكونه مرجوحًا (٢)، والله أعلم.
قوله: (حَبسه الحاكم في كل دَين لزمه .. الخ)، وهذا هو المختار عند المتأخرين، خلاف ما يقوله الخصّاف (٣) من أن القول قول المدّعى عليه في
стр. 231
مال حصل في يده كثمن المبيع وبدل القرض، وفي كل دين التزَمه بعقد كالمهر والكفالة، ولم يحبسه فيما سوى ذلك كعوض المغصوب وأرش الجناية إلا أن تقوم البينة أن له مالًا، وإذا حبسه القاضي شهرين أو ثلاثة سأل عن حاله * فإن لم ينكشف له مال خلى سبيله، وكذلك إذا أقام البينة أنه لا مال له، ولا يحول بينه وبين غرمائه بعد خروجه من الحبس أن يلازمونه ولا يمنعونه من التصرف والسفر ويأخذون فضل كسبه ويقسم بينهم بالحصص، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا فلسه الحاكم حال بين غرمائه وبينه إلى أن يقيموا البينة أنه قد حصل له مال. ولا يحجر على الفاسق إذا كان مصلحا لماله والفسق "الأصل" ي والطارئ سواء، ومن أفلس وعنده متاع لرجل بعينه ابتاعه منه فصاحب المتاع أسوة الغرماء فيه.
جميع ذلك، وخلاف ما يروى أن القول للمديون إلا فيما بدله مال (١)، وبخلاف ما يقال أنه يحكمُ الزِيُّ إلا في الفقهاء والعَلَويّة والعبّاسيّة، نص عليه الشراح لكتاب "أدب القضاء".
[وقال أبو نصر الأقطع: "وهذا الذي ذكره هو الصحيح"] (٢)، والله أعلم.
قوله: (وإذا حبسه القاضي شهرين أو ثلاثة، سأل عن حاله)، هذه رواية محمد عن أبي حنيفة في كتاب الحوالة والكفالة (٣)، وروى الحسن: ما بين أربعة أشهر إلى ستة أشهر، واختار الطحاوي التقدير بشهر، قال في "الهداية" و "المحيط" و "الجواهر" و "الاختيار" وغيرها: " والصحيح أن التقدير مفوض إلى رأي القاضي، لاختلاف أحوال الأشخاص فيه" (٤).
стр. 232
كتاب الإقرار
إذا أقر الحرّ البالغ العاقل بحق لزمه إقراره مجهولًا كان ما أقر به أو معلومًا، يقال له بين المجهول، فإن قال لفلان عليّ شيء لزمه أن يبين ما له قيمة فالقول قوله مع يمينه، وإن ادعى المقَر له أكثر منه، وإن قال له علي مال فالمرجع إلى بيانه، ويقبل قوله في القليل والكثير، فإن قال: مال عظيم، لم يصدق في أقل من مئتي درهم *، وإن قال دراهم
كتاب الإقرار
قوله: (وإن قال: "له عليَّ مالٌ عظيم"، لم يصدق في أقلَّ من مئتي درهم)، قال في "البدائع" (١): "هذا هو المشهور"، وقال في "التحفة" (٢): "لا خلاف فيه عند بعضهم"، وقال في "الاختيار" (٣): " [و] هو الأصح"، واعتمده النّسفي والمحبوبي تبعًا للقُدُوري، وقال الإسبيجابي: "هذا المذكور قياس مذهبهما، ولم يذكر قول أبي حنيفة هنا، وقيل: مذهبه هنا كمذهبهما"، وهكذا قال في "المحيط"، ولفظُه: "ولو قال: له عليّ مالٌ كثير أو عظيم، فعليه مِئتا (٤) درهم عندهما، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقيل يلزمه عشرة عنده"، وقال القُدوري في "التقريب": "في "الأصل" لو أقر بمالٍ عظيم لزمه مئتان عند يعقوب ومحمد، ويجوز أن يكون قول الإمام أنه يلزمه عشرة لأنها مستعظمة (٥) حيث يُقطع بها السارق وتصلُح مهرًا، ومن أصحابنا من ألزمه ما يستعظِم المقرُّ مثله".
قلت: وهذا صححه (٦) الإسبيجابي فقال: "والأصح على قوله [عليّ] (٧) يبنى على حال المقرِّ في الفقر والغنى، فإنّ القليل عند الفقير عظيم، وأضعاف
стр. 233
كثيرة لم يصدق في أقل من عشرة *، وإن قال دراهم فهي ثلاثة إلا أن يبين أكثر منها، وإن قال كذا كذا درهم لم يصدق في أقل من أحد عشر درهمًا، وإن قال له علي كذا وكذا درهما لم يصدق في أقل من إحدى وعشرين درهمًا، وإذا قال له علي أو قِبَلي فقد أقر بدَين، وإن قال عندي فهو إقرار بأمانة في يده، وإذا قال له رجل: لي عليك ألف درهم فقال اتزنها أو انتقدها أو أجلني بها أو قد قضيتكها فهو إقرار، ومن أقر بدين مؤجل فصدقه المقَرّ له في الدين وكذبه في التأجيل لزمه الدين حالًا واستحلف المقر له على الأجل، ومن أقر واستثنى متصلًا بإقراره صح الاستثناء ولزمه الباقي سواء استثنى الأقل أو الأكثر *، فإن استثنى الجميع لزمه الإقرار وبطل الاستثناء، وإن قال له علي مئة درهم إلا دينارًا أو إلا قفيز حنطة لزمه مئة درهم إلا قيمة الدينار أو القفيز *، وإن قال له علي مئة ودرهم فالمئة
ذلك عند الغنيّ قليل، وكما أن المئتين مال عظيم في حكم الزكاة، فالعشرة مال عظيم في حقّ قطع السرقة وتقدير المهر بها، فيقع التعارض فوجب الرجوع إلى حال الرجل فيما يبيّنهُ" انتهى. وهذا مطلقٌ كما ترى، ووقع في "التحفة" و "البدائع" في اعتبار الغنى والفقر خلافُ هذا فقال: "وقيل يعتبر حال المقر، إن كان غنيًا يقع على ما يستعظم عند الأغنياء، وإن كان فقيرًا يقع على النصاب" (١).
قلت: ما صحّحه الإسبيجابي أنظرُ عندي، وكثيرٌ من الناس لا يعرف مقدار النصاب ليستعظمه! والله أعلم.
قوله: (فإن قال: "دراهم كثيرة"، لم يُصدَّق في أقلّ من عشرة)، قال في "الهداية" (٢): "هذا عند أبي حنيفة، وعندهما لم يصدق في أقل من مئتين" واعتمد قولَ الإمامِ النسفيُّ والمحبوبي وصدر الشريعة.
قوله: (سواءٌ استثنى الأقلّ أو الأكثر)، قال في "الينابيع": "المذكور إنما هو قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: إن استثنى الأكثر بطل استثناؤه ولزمه جميع ما أقرّ به"، وقال في "المحيط": "هو رواية عن أبي يوسف" فلذلك كان المعتمد على ما في "الكتاب" عند الكل، والله أعلم.
قوله: (وإن قال: "له علي مِئةُ درهم إلا دينارًا" أو: "إلّا قفيزَ حنطة" لزمه مئة درهم إلا قيمةَ الدينار والقفيز)، قال الإسبيجابي: "وهذا استحسان، أخذ
стр. 234
كلها دراهم، وإن قال مئة وثوب لزمه ثوب واحد والمرجع في تفسير المئة إليه، ومن أقر بحق وقال إن شاء الله متصلًا بإقراره لم يلزمه الإقرار، ومن أقر بحق وشرط الخيار لزمه الإقرار وبطل الخيار، ومن أقر بدار واستثنى بناءها لنفسه فللمقر له الدار والبناء، وإن قال بناء هذه الدار لي والعرصة لفلان فهو كما قال، ومن أقر بتمر في قوصرة لزمه التمر والقوصرة، ومن أقر بدابة في اصطبل لزمته الدابة خاصة، وإن قال غصبته ثوبًا في منديل لزماه جميعًا، وإن قال له علي ثوب في ثوب لزماه جميعًا، وإن قال له علي ثوب في عشرة أثواب لم يلزمه عند أبي يوسف إلا ثوب واحد، وقال محمد: يلزمه أحد عشر ثوبًا *، ومن أقر بغصب ثوب وجاء بثوب معيب فالقول قوله فيه مع يمينه، وكذلك لو أقر بدراهم وقال هي زيوف *، وإن قال له علي خمسة في خمسة يريد الضرب والحساب لزمته خمسة واحدة، وإن قال أردت خمسة مع خمسة لزمته عشرة، وإذا قال له علي من درهم إلى عشرة لزمته تسعة عند أبي حنيفة، فيلزمه الابتداء وما بعده وتسقط الغاية *، وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه العشرة كلها، فإذا قال له علي ألف درهم من ثمن عبد اشتريته منه، فإن ذكر عبدًا بعينه * قيل للمقر له إن شئت فسلم العبد وخذ الألف وإلا فلا شيء لك،
به أبو حنيفة وأبو يوسف، والقياس أن لا يصحّ هذا الاستثناء وهو قول محمد وزفر، والصحيح جواب الاستحسان"، واعتمده المحبوبيّ والنسفي.
قوله: (وإن قال: "له عليّ ثوبٌ في عشرة أثواب" لم يلزمه عند أبي حنيفة وأبي يوسف إلا ثوب واحد، وقال محمد: يلزمه أحدَ عشَرَ ثوبًا)، والمعوّل عليه قولُهما عند النسفيِّ والمحبوبي وغيرهما.
[قوله: (١) (ومن أقرّ بغصب ثوب وجاء بثوب مَعِيب فالقول قوله، وكذلك لو أقرَ بدراهم وقال هي زيوف)، قال أبو نصر الأقطع: "يعني أقرّ ببعضها، وسواء وصل كلامَه أو قطع، وروي عن أبي يوسف إذا قطع لا يصدّق، والصحيح هو الأول"].
قوله: (وإذا قال: "له عليَّ مِن درهم إلى عَشَرة" لزمه تسعةٌ عند أبي حنيفة، فيلزمه الابتداء وما بعده وتسقط الغاية)، وهذا أصح الأقاويل عند المحبوبي والنسفي.
قوله: (فإن ذكر عبدًا بِعَينه .. الخ)، قال القاضي (٢): "ولو قال العبد
стр. 235
وإن قال من ثمن عبد ولم يعينه لزمه الألف في قول أبي حنيفة *، ولو قال له علي ألف من ثمن خمر أو خنزير لزمته الألف ولم يقبل تفسيره *، ولو قال له علي ألف درهم من ثمن متاع وهي زيوف وقال المقر له بل جياد لزمه الجياد في قول أبي حنيفة، ومن أقر لغيره بخاتم فله الحلقة والفَص، ولو أقر له بسيف فله النصل والجفن والحمائل، وإن أقر بحجلة فله العيدان والكسوة، فإذا قال لحمل فلانة علي ألف، فإن قال أوصى به فلان أو مات أبوه فورثه فالإقرار صحيح، فإن أبهم الإقرار لا يصح عند أبي يوسف *، ولو أقر بحمل جارية
الذي في يدي عبدي (١) لم أبِعْكَهُ وإنما بعتك غيرَه، لا تجب الألف على المقرّ، وذكر هذه المسألة في موضع آخر أن على قول أبي حنيفة يحلف كل واحد منهما على دعوى صاحبه، وهو قول صاحبيه، وهو الصحيح، وإذا حلفا لزم المال على المقر".
قوله: (وإن قال: "من ثمن عبدٍ" ولم يُعَيِّنه، لزمه الألف في قول أبي حنيفة)، وقال أبو يوسف ومحمد إن وصل صُدِّق ولم يلزمه شيء، وإن فَصَل لم يصدَّق إذا أنكر المقرّ له أن يكون ذلك من ثمن بيع (٢)، واعتمد قوله البرهاني والنسفي وصدر الشريعة وأبو الفضل الموصلي.
قوله: (ولو قال: "له علي ألف درهم من ثمن خمرٍ أو خنزير" لزمه الألف ولم يُقبل تفسيره)، [هذا] عند أبي حنيفة وَصَل أم فَصَل، وقالا: إذا وصل لا يلزمه شيء.
(ولو قال: "له عليَّ ألف من ثمن متاع وهي زيوف" فقال المُقَرّ له: جياد، لزمه الجياد في قول أبي حنيفة)، وقالا: إن قال موصولًا يصدَّق، وإن قال مفصولًا لا يصدق، واعتمد قوله المذكورون قبله.
قوله: (وإذا قال: "لِحَمْل فلانةِ عليّ ألف"، فإن قال أوصى له بها فلان أو مات أبوه فورِثه فالإقرار صحيح، وإن أبهم الإقرار لم يصحَّ عند أبي حنيفة) وفي نسخة: (عند أبي يوسف) مكان أبي حنيفة، وفي "الهداية" و "الأسرار" (٣) وشرح الإسبيجابي (٤) و "الاختيار" و "تقريب الخلاف" و "نظم الخلافيات" (٥)
стр. 236
أو بحمل شاة لرجل صح الإقرار ولزمه، وإذا أقر الرجل في مرض موته بدين وعليه ديون في صحته وديون لزمته في مرضه بأسباب معلومة فدين الصحة والديون المعروف بالأسباب مقدمة، فإذا قضيت وفضل شيء صرف فيما أقر به في حال المرض، وإن لم يكن عليه ديون في صحته جاز إقراره وكان المقر له أولى من/ الورثة، وإقرار المريض لورثته باطل إلا أن يصدقه بقية الورثة، ومن أقر لرجل أجنبي في مرضه ثم قال هو ابني، ثبت نسبه وبطل إقراره له، ولو أقر لأجنبية ثم تزوّجها لم يبطل إقراره لها، ومن طلق زوجته في مرضه ثلاثًا ثم أقرّ لها بدين ومات في العدة فلها الأقل من الدين ومن ميراثها منه، ومن أقر بغلام يولد مثله لمثله وليس له نسب معروف أنه ابنه وصدقه الغلام ثبت نسبه، وإن كان مريضًا، ويشارك الورثة في الميراث، ويجوز إقرار الرجل بالوالدين والولد والزوجة والمولى، ويقبل إقرار المرأة بالوالدين والزوج والمولى ولا يقبل بالولد إلا أن يصدقها الزوج أو شهدت بولادتها قابلة. ومن أقر بنسب من غير الوالدين والولد مثل الأخ والعم لم يقبل إقراره في النسب، فإن كان له وارث معروف قريب أو بعيد فهو أولى بالميراث من
ذُكر الخلاف - فيم إذا أَبْهم - بين أبي يوسف ومحمد، وذكر في "النافع" (١) الخلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف فيما إذا أَبهم، وذكر في "الينابيع" قول أبي حنيفة مع أبي يوسف، فقال: "قال أبو حنيفة وأبو يوسف في هذه المسألة إن بيّن المقِرّ جهة صالحة كالإرث والوصية رجح (٢) إقراره ولزمه وإلا فلا، وقال محمد صحَّ إقراره سواء بَيّن جهة صالحة أو أبْهم، ويُحمل على أنه أوصى به رجل أو مات موَرّثه وتركه ميراثًا، والإبهام أن يقول: لحمل فلانة عليّ ألف درهم ولم يزد عليه"، انتهى.
واعتمد قول أبي يوسف الإمامُ البرهاني والنسفي وأبو الفضل الموصلي
стр. 237
المقر له، وإن لم يكن له وارث استحق المقر له ميراثه، ومن مات أبوه فأقر بأخ لم يثبت نسب أخيه ويشاركه في الميراث.
وغيرهم، وعلّل الكلُّ لمحمد بالحمل على سببٍ صحيح وإن لم يذكره، فيحفظ هذا فإنه يقع الآن إقراراتٌ مطلقة عن السبب لا يُتصور أن يكون لها سببٌ صحيح شرعًا، والله أعلم.
стр. 238
كتاب الإجارة
الإجارة عقد على المنافع بعوض، ولا تصح حتى تكون المنافع معلومة والأجرة معلومة، وما جاز أن يكون ثمنًا في البيع جاز أن يكون أجرة، والمنافع تصير تارة معلومة بالمدة كاستئجار الدور للسكنى والأرضين للزراعة، فيصح العقد على مدة معلومة أيّ مدة كانت، وتارة تصير معلومة بالعمل والتسمية كمن استأجر رجلاً على صبغ ثوب أو خياطة ثوب، أو استأجر دابة ليحمل عليها مقدارًا معلومًا أو يركبها مسافة سماها، وتارة تصير معلومة بالتعيين والإشارة كمن استأجر رجلاً لينقل له هذا الطعام إلى موضع معلوم، ويجوز استئجار الدور والحوانيت للسكنى فإن لم يبين ما يعمل فيها وله أن يعمل كل شيء إلا الحدادة والقصارة والطحانة، ويجوز استئجار الأراضي للزراعة، ولا يصح العقد حتى يسمي ما يزرع فيها أو يقول على أن يزرع فيها ما شاء، ويجوز أن يستأجر الساحة ليبني فيها أو ليغرس فيها نخلاً أو شجرة فإذا انقضت مدة الإجارة لزمه أن يقلع البناء أو الغرس ويسلمها فارغة إلا أن يختار صاحب الأرض أن يغرم له قيمة ذلك مقلوعًا فيملكه أو يرضى بتركه على حاله فيكون البناء لهذا والأرض لهذا، ويجوز استئجار الدواب للركوب والحمل، فإن أطلق الركوب جاز أن يُركبها من شاء، وكذلك إن استأجر ثوبًا للبس وأطلق فإن قال على أن يركبها فلان أو يلبسه فلان فأركبها غيره أو ألبسه غيره كان ضامنًا إن عطبت، وكذلك كل ما يختلف باختلاف المستعملين، وأما العقار وما لا يختلف باختلاف المستعملين فإذا شرط سكنى واحد بعينه فله أن يسكن غيره، وإن سمى نوعًا وقدرًا يحمله على الدابة مثل أن يقول خمسة أقفزة حنطة فله أن يحمل ما هو مثل الحنطة في الضرر أو أقل كالشعير والسمسم، وليس له أن يحمل ما هو أضر من الحنطة كالملح والحديد، ومن استأجرها ليحمل عليها قطنًا سماه فليس له أن يحمل مثل وزنه حديدًا، ولو استأجرها ليركبها فأردف معه رجلا فعطبت ضمن نصف قيمتها * ولا معتبر بالثقل، وإن استأجرها ليحمل عليها مقدارًا من الحنطة فحمل أكثر منه فعطبت ضمن ما زاد الثقل، فإن كبح
كتاب الإجارة
قوله: (وإن استأجرها ليركبَها فأردف معه رجلاً فعَطِبَت، ضَمِنَ نصفَ قيمتِها)، هذا إذا كانت تطيق حمل اثنين، فإن عَلِم أنها لا تطيق يضمن جميعَ قيمتها.
قوله: (وإن كَبَح الدابّة بلجامها أو ضربها فعطِبتْ ضَمِن عند أبي
стр. 239
الدابة بلجامها أو ضربها فعطبت ضمن عند أبي حنيفة *.
والأجراء على ضربين: أجير مشترك وأجير خاص؛ فالمشترك من لا يستحق الأجرة حتى يعمل كالصباغ والقصّار، والمتاع أمانة في يده، إن هلك لم يضمن شيئًا عند أبي حنيفة، ويضمنه عند أبي يوسف ومحمد *، وما تلف بعمله كتخريق الثوب من دقه وزلق الحمّال وانقطاع الحبل الذي يشد به المكاري الحمل وغرق السفينة من مدها مضمون إلا أنه لا يضمن به بني آدم، فمن غرق في السفينة أو سقط من الدابة لم يضمنه، وإذا فصد الفصاد أو بزغ البزاغ ولم يتجاوز الموضع المعتاد فلا ضمان عليه فيما عطبت من ذلك. والأجير الخاص: الذي يستحق الأجرة بتسليم نفسه في المدة وإن لم يعمل، كمن استأجر شهراً للخدمة أو لرعي الغنم، ولا ضمان على الأجير الخاص فيما تلف في يده ولا فيما تلف من عمله، والإجارة يفسدها الشروط الفاسدة كما يفسد البيع، ومن استأجر عبدًا للخدمة فليس له أن يسافر به إلا أن يشترط ذلك، ومن استأجر جملاً ليحمل عليه محملاً وراكبين إلى مكة جاز وله المحمل المعتاد، وإن شاهد الجمّال المحمل فهو أجود، وإن
حنيفة) إلا أن يأذن له صاحبُها في ذلك، وقالا: إن لم يتعدّ في ضربها وكبحها لا يضمن، واعتمد قولَ الإمام الإمامُ المحبوبي والنسفي، لكن صرح الإسبيجابي والزَّوْزَني أن قوله قياسٌ وقولهما استحسان.
قوله: (لم يضمن شيئًا عند أبي حنيفة، ويضمَنُه عند أبي يوسف ومحمد)، قال قاضي خان (١): "و الفتوى على قول أبي حنيفة"، وقال في موضع آخر (٢): "و المختار في الأجير المشترك قولُ أبي حنيفة، وقيل هو قول محمد أيضًا"، وقال في "الصغرى": "أخذ أبو الليث بقول أبي حنيفة في الأجير المشترك إذا هلك عنده شيء لا بصنعه، وبه أفتي"، وقال (٣) في "التتمة"، وقال في "الحقائق": "و الفتوى في الأجير المشترك على قول أبي حنيفة سواء شرط الضمان عليه أو لم يشرط (٤)، من فتاوى قاضي خان و"المحيط" و"التتمة""، قلت: ومن "الذخيرة" أيضًا ولفظه: "و كان الفقيه أبو جعفر يسوّي بين شرط الضمان وعدم الشرط، وكان يقول بعدم الضمان لأن شرط الضمان في الأمانة مخالف لقضية الشرع فيكون باطلاً، قال الفقيه أبو الليث: وبه نأخذ، ونحن نفتي
стр. 240
استأجر بعيرًا ليحمل عليه مقدارًا من الزاد فأكل منه في الطريق جاز أن يرد عوض ما أكل، والأجرة لا تجب بنفس العقد وتستحق بأحد معان ثلاث: إما بشرط التعجيل، أو بالتعجيل من غير شرط، أو باستيفاء المعقود عليه، ومن استأجر دارًا فللمؤجر أن يطالبه بأجرة كل يوم إلا أن يبين وقت الاستحقاق في العقد، ومن استأجر بعيرًا إلى مكة فللجمال أن يطالبه بأجرة كل مرحلة، وليس للقصار والخياط أن يطالب بالأجرة حتى يفرغ من العمل إلا أن
به أيضًا"، وقال في "الظهيرية" (١): "اختار المتأخرون الصلح على نصف القيمة". قال في "العون" (٢): وربما لا يقبلان الصلح فاخترت قول أبي حنيفة. وكان الإمام الحَلْواني (٣) يكتب في الفتوى: لا يضمن عند أكثر أصحابنا، يعني به أبا حنيفة، في "الجامع المحبوبي"، وفي "الفتاوى الكبرى": "والفتوى على أنه لا يضمن الأجير المشترك إلا ما تلف بصنعه، وفيها: .. وإنما قال (٤) إن له أن يضمِّن القصّار؛ لأنَّه أخذ بقول أبي يوسف ومحمد في الأجير المشترك، أما في قول أبي حنيفة فلا ضمان على القصّار، وبه نأخذ، وعليه الفتوى"، وقد اعتمده المحبوبي والنسفي رحمهما الله تعالى.
تتميم (٥): قال القاضي: "و هذه جملة مسائل أفتَوْا (٦) فيها على قول أبي يوسف ومحمد (٧):
- منها: إذا دفع إلى نسّاج ثوبًا بعضه منسوج وبعضه غير منسوج فسُرق (٨)
стр. 241
يشترط التعجيل، ومن استأجر خبازًا ليخبز له في بيته قفيز دقيق بدرهم لم يستحق الأجرة حتى يخرج الخبز من التنّور، ومن استأجر طباخًا ليطبخ له الطعام للوليمة فالغرف عليه، ومن استأجر رجلاً ليضرب له لبنًا استحق الأجرة إذا أقامه عند أبي حنيفة *، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يستحقها حتى يشرجه. وإذا قال إن خطت هذا الثوب فارسيًّا * فبدرهم، وإن خطته روميًّا فبدرهمين جاز، وأيّ العملين عمل استحق أجرته، وإن قال إن خطته اليوم فبدرهم وإن خطته غدًا فبنصف درهم فإن خاطه غدًا فله أجر مثله عند أبي حنيفة ولا يتجاوز به نصف درهم، وإن خاطه اليوم فله درهم، وعندهما: كلا الشرطين صحيح، وإن قال إن سكنت هذه الدكان عطارًا فبدرهم في الشهر، وإن سكنته حدادًا فبدرهمين جاز، وأي الأمرين فعل استحق المسمى فيه، وقال أبو يوسف ومحمد: الإجارة
عنده يضمن كلّ الثوب.
- ومنها: دفع إلى خياط كِرْباسًا فخاطه قميصًا يعني (١) قطعه، فَسُرقَ قالوا: يضمن.
- ومنها: دفع صَرْمًا إلى خفاف لِيَخْرِز له خفًّا، فَفَضَل شيء من الصَّرْم فسُرق، قالوا: يضمن".
قوله: (ومن استأجر رجلاً ليضرب له لَبِنًا سماه، استحق الأجرة إذا أقامه عند أبي حنيفة)، [قال في "الينابيع": "يريد بالإقامة النّصْب عند الجفاف، والتَّشْريج أن يركب بعضه على بعض (٢) بعد الجفاف"] (٣)، قال الإسبيجابي: "يريد به إذا كان المِلْبَن معلومًا؛ لأن العمل يتفاوت بتفاوت المِلبن"، وقال في "الينابيع": "وهذا الذي ذكره إذا كان في أرض المؤاجر، وإن كان في أرض الأجير لا يستحق الأجر حتى يُسلمه منصوبًا عند أبي حنيفة، ومشرّجًا عندهما، وقد اعتمد قول الإمام الإمامُ المحبوبي والنسفي. وقال في "العون" (٤): "الفتوى على قولهما".
قلت: كأنه لاتحاد العرف فيراعى إن اتحد، والله أعلم.
قوله: (وإن قال: "إن خطتَّ هذا الثوب فارسيًا .. " الخ)، اعتمد قول الإمام في الخلافيات المذكورة الإمام المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة وأبو الفضل الموصلي.
стр. 242
فاسدة، ومن استأجر دارًا كل شهر بدرهم فالعقد صحيح في شهر واحد، فاسد في بقية الأشهر إلا أن يسمي جملة شهور معلومة، فإن سكن ساعة من الشهر الثاني صح العقد فيه ولم يكن له أن يخرجه إلى أن ينقضي *، وكذلك كل شهر يسكن في أوله ساعة. وإذا استأجر دارًا سنة بعشرة دراهم جاز وإن لم يسم قسط كل شهر من الأجر، ويجوز أخذ أجرة الحمام والحجام، ولا يجوز أخذ أجرة عسب التيس، ولا يجوز الاستئجار على الحج والأذان *
قوله: (فإن سكن ساعةً من الشهر الثاني صحّ العقد فيه، ولم يكن للمؤاجر أن يخرجه إلى أن ينقضي الشهر)، قال في "الجواهر" و"التبيين" (١): "هذا قول البعض، أما ظاهر الرواية: لكل واحد منهما الخيار في الليلة الأولى من الشهر ويومها وبه يفتى"، وقال القاضي (٢): "إليه أشار في ظاهر الرواية، وعليه الفتوى".
قوله: (ولا يجوز الاستئجار على الأذان .. الخ) هذا جواب المتقدمين وأجازه المتأخرون، فقال في "الهداية" (٣): "وبعض مشايخنا استحسنوا الاستئجار على تعليم القرآن، وعليه الفتوى"، واعتمده النسفي، وقال في "المحيط": "ولا يجوز الاستئجار على الطاعات كتعليم القرآن والفقه والإمامة والحجّ عنه، وبعض أصحابنا المتأخرين جوزوا ذلك لكسَل الناس ولحاجتهم"، وقال في "الذخيرة": "ومشايخ بَلْخ جوّزوا الاستئجار لتعليم القرآن إذا ضرب لذلك مدةً، وأفتوا بوجوب المسمى عند عدم الاستئجار أصلاً، وعند الاستئجار بدون ذكر المدة أفتَوا بوجوب أجر المثل، وكذا يفتى بجواز الاستئجار على تعليم الفقه في زماننا". وفي "الروضة" (٤): "كان الشيخ أبو محمد الجَنْراجَري (٥) يقول: في زماننا يجوز للإمام والمؤذن والمعلّم أخذ الأجر". وفي "الفتاوى الكبرى": "تعليم القرآن والفرائض
стр. 243
والغناء والنوح، ولا تجوز إجارة المشاع عند أبي حنيفة إلا من الشريك، وقال أبو يوسف ومحمد: إجارة المشاع جائزة *، ويجوز إجارة الظئر بأجرة معلومة ويجوز بطعامها وكسوتها، وليس للمستأجر أن يمنع زوجها من وطئها، فإن حبلت كان لهم أن يفسخوا الإجارة إذا خافوا على الصبي من لبنها وعليها أن تصلح طعام الصبي، وإن أرضعته في المدة بلبن شاة فلا أجرة لها، وكل صانع لعمله أثر في العين فله أن يحبسه كالقصار والصباغ حتى يستوفي الأجرة، ومن ليس لعمله أثر فليس له أن يحبس العين كالحمال والملاح، وإذا اشترط على الصانع أن يعمل بنفسه فليس له أن يستعمل غيره، فإن أطلق له العمل فله أن يستأجر من يعمله، وإذا اختلف الخياط وصاحب الثوب فقال صاحب الثوب أمرتك أن تعمل قباء وقال الخياط قميصًا، أو قال صاحب الثوب للصباغ أمرتك أن تصبغه أحمر فصبغته أصفر، فالقول قول صاحب الثوب مع يمينه فإن حلف فالخياط
وحساب الوصايا وغيرها بأجر جائز، كذا عن نُصَيْر بن يحيى (١) "، قال أبو الليث: "وبه نأخذ"، وقال صدر الشريعة (٢): "ولم يصح للعبادات كالأذان والإمامة وتعليم القرآن (٣)، ويُفتى اليوم بصحتها"، والله أعلم (٤).
قوله: (ولا تجوز إجارَة المُشاع عند أبي حنيفة إلا من الشريك، وقال أبو يوسف ومحمد: إجارة المُشاع جائزة)، قال الكرخي في "جامعه" (٥): "نص أبو حنيفة أنه إذا أخر بعض ملكه، أو أجر أحدُ الشريكين نصيبه من أجنبي فهو فاسد سواء فيما يقسم وما لا يقسم". قلت: [و] صحّح في "الحقائق" أنه فاسد، وحكى عن بعض أنه باطل، وهو في نظم الخلاف (٦). وقال القاضي (٧): "إجارة المُشاع فيما يقسم وما لا يقسم فاسد في قول أبي حنيفة،
стр. 244
ضامن، فإذا قال صاحب الثوب عملته لي بغير أجر وقال الصانع بل بأجر، فالقول قول صاحب الثوب مع يمينه عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: إن كان حريفًا له فله الأجرة، وإن لم يكن حريفًا فلا أجرة له، وقال محمد: إن كان الصانع منتدبًا لهذه الصنعة بالأجرة
وعليه الفتوى، وإن آجر من شريكه جاز في أظهر الروايتين، ولو من ثالث لا يجوز (١) في الأظهر"، قال في "الفتاوى الصغرى": "وفي المزارعة (٢) والمعاملة والوقف الفتوى على قول أبي يوسف ومحمد لمكان الضرورة والبلوى، وفي إجارة المُشاع على قول أبي حنيفة ﵀"، وقال في "تتمة الفتاوى" (٣): "وفي المزارعة والمعاملة والوقف الفتوى على قول أبي يوسف ومحمد، لمكان الضرورة والبلوى، وفي إجارة المشاع على قول أبي حنيفة"، وقال في "الحقائق": "والفتوى على قول أبي حنيفة"، واعتمده النسفي وبرهان الأئمة المحبوبي وصدر الشريعة.
قال في شرح الكنز للزيلعي (٤): "قال في "المغني": الفتوى [في إجارة المشاع] (٥) على قولهما".
قلت: شاذ مجهول القائل، فلا يعارض ما ذكرنا (٦).
قوله: (وإذا قال صاحب الثوب للصانع: عملته لي بغير أجر، وقال الصانع: بأجر، فالقول قول صاحب الثوب عند أبي حنيفة مع يمينه، وقال أبو يوسف: إن كان له حَرِيفًا فله الأجرة فإن لم يكن له حريفًا فلا أجرة له، وقال محمد: إن كان الصانع منتدبًا (٧) لهذه الصنعة بالأجرة فالقول قوله أنه عمله
стр. 245
فالقول قوله أنه عملها بأجرة *، والواجب في الإجارة الفاسدة أجر المثل * لا يتجاوز به المسمى، وإذا قبض المستأجر الدار فعليه الأجرة وإن لم يسكنها، فإن غصبها غاصب * من يده سقطت الأجرة، وإن وجد بها عيبًا يضر بالسكنى فله الفسخ، وإذا خربت الدار أو انقطع شرب الضيعة أو انقطع الماء عن الرحاء انفسخت الإجارة، وإذا مات أحد المتعاقدين وقد عقد الإجارة لنفسه انفسخت، وإن كان عقدها لغيره لم تنفسخ، ويصح
بأجرة)، ورجّح دليل الإمام في "الهداية"، وأجاب عن دليلهما، واعتمد قول الإمام الإمامُ المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة (١).
قوله: (والواجب في الإجارة الفاسدة أجرُ المثل)، قال القاضي (٢): "مُتولّي الوقف والوصيُّ إذا أجر بأقل من أجر المثل بما لا يُتغابن الناس فيه، يجب أجر المثل بالغًا ما بلغ، وعليه الفتوى".
قوله: (فإن غصبها غاصب .. الخ)، فلو أجرها الغاصب ثم أجاز المالك، فإن كان قبل الاستيفاء صحت، والأجرُ للمالك، وإن بعده لا يصح والأجر للغاصب، وإن [كان] (٣) بعد مضي بعض المدة، قال أبو يوسف: الأجر للمالك، وقال محمد: ما مضى للغاصب وما بقي للمالك، وعليه الفتوى.
فروع: قال القاضي (٤): "قال شمس الأئمة: إضافة فسخ الإجارة إلى الغدِ وغيره من الأوقات يصحّ، وتعليق الفسخ بمجيء الشهر وغير ذلك لا يصح، والفتوى على قوله"، [والله أعلم].
- "رجل قال لغيره أجرتك داري هذه غدًا بدرهم ثم آجرها اليوم من غيره إلى ثلاثة أيام فجاء الغد فأراد المستأجر الأول أن يفسخ الإجارة الثانية، فيه روايتان؛ في رواية: له أن يفسخ وبه أخذ نُصَير، وفي رواية ليس له أن يفسخ وبه أخذ أبو جعفر وأبو الليث وشمس الأئمة الحَلْواني، وهو قول عيسى بن
стр. 246
شرط الخيار في الإجارة، وتفسخ الإجارة بالأعذار كمن استأجر دكانًا في السوق ليتجر فيه فذهب ماله، وكمن أجر دكانًا أو دارًا ثم أفلس ولزمته ديون لا يقدر على قضائها إلا من ثمن ما آجر فسخ القاضي العقد وباعها في الدين، وكمن استأجر دابة ليسافر عليها ثم بدا له عن أن لا يسافر فهو عذر، وإن بدا للمكاري أن يقعد عن السفر فليس ذلك بعذر.
أبَان (١)، وعليه الفتوى" (٢).
- "رجل استأجر دارًا شهرًا فسَكنها شهرين، إنْ كان معَدًّا للاستغلال (٣) يلزمه الثاني، وعليه الفتوى" (٤).
- "إجارة البيت المشغول بالأمتعة تجوز، ويؤمر بالتفريغ والتسليم وعليه الفتوى، وإن لحقه بالتفريغ ضرر فاحش فله أن ينقض الإجارة"، (٥) [والله أعلم].
стр. 247
كتاب الشفعة
الشفعة واجبة للخليط في نفس المبيع ثم للخليط في حق المبيع كالشرب والطريق ثم للجار، وليس للشريك في الطريق والشرب والجار شفعة مع الخليط، وإن سلم فالشفعة للشريك في الطريق والشرب، فإن سلم أخذها الجار، والشفعة تجب بعقد البيع وتستقر بالإشهاد وتملك بالأخذ إذا سلمها المشتري أو حكم بها حاكم، وإذا علم الشفيع بالبيع أشهد في مجلسه * ذلك على المطالبة ثم ينهض منه فيشهد على البائع إذا كان المبيع في يده، أو على المبتاع * أو عند العقار، فإذا فعل ذلك استقرت شفعته فلم تسقط بالتأخير عند أبي حنيفة، وقال محمد إن تركها شهرًا بعد الإشهاد بغير عذر بطلت شفعته *، وعن أبي يوسف إن تركها مجلسًا أو مجلسين بطلت الشفعة. والشفعة واجبة في العقار وإن كان
كتاب الشّفعة
قوله: (أشهَدَ في مجلسه)، قال في "الحقائق": "والطلب على الفَور، هكذا روي عن أبي حنيفة، وهو ظاهر المذهب وهو الصحيح"، وقال في "مختارات النوازل": "وعن محمد أنه يوقف إلى آخر المجلس، فإن قام منه أو اشتغل بشيء آخر بطلت شفعته [و] هو الصحيح".
قوله: (أو على المُبْتاع)، قال في "مختارات النوازل": "ويصح الطلب من المشتري وإن لم تكن الدار في يده، هو الصحيح، لوجود الملك".
قوله: (فلم تسقط بالتأخير عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: إن تركها شهرًا بعد الإشهاد من غير عذر بطلت شفعته)، قال في "الهداية" (١): "قول أبي حنيفة هو ظاهر المذهب، وعليه الفتوى" (٢).
قلت: واعتمده النسفي كذلك، لكن صاحب "الهداية" خالف هذا في "مختارات النوازل"، فقال: "ولا تسقط الشفعة بعد طلب التقرير بتأخير الخصومة عند أبي حنيفة، وعن أبي يوسف: إذا ترك الخصومة في مجلس الحكم بطلت، وعن محمد إذا تركها شهرًا بعد الإشهاد بطلت شفعته وهو قول زفر، والفتوى على قوله"، قلت: ووقع نظير ذلك للحسام الشهيد فقال في
стр. 248
ممّا لا يقسم، ولا شفعة في العروض والسفن، ولا شفعة في النخل والبناء إذا بيع دون الأرض *. والمسلم والذمي في الشفعة سواء، وإذا ملك العقار بعوض هو مال وجبت
" الواقعات": "لا تبطل أبدًا، وبه نأخذ". وقال في "الصغرى": والفتوى اليوم على قولهما" فيُحمل على الرجوع إلى هذا، والله أعلم.
وقال قاضي خان (١): "والفتوى على أنه مقدّر بشهر"، وقال في "الذخيرة": "قال شيخ الإسلام (٢): الفتوى اليوم على هذا"، قال في "الخلاصة" (٣): "وعن محمد - وهو رواية عن أبي يوسف - يقدّر بشهر، وعليه الفتوى" (٤)، وقال في "المحيط": "وعند محمد وزفر وهو رواية عن أبي يوسف: إن ترك شهرًا من غير عذر يبطل، والفتوى على قول أبي يوسف ومحمد"، ونقله في "الاختيار" وأقرّه (٥)، وفي "الفتاوى الصغرى": "إذا ترك التملك بعد طلب الإشهاد من غير عذر فالفتوى اليوم على قول أبي يوسف ومحمد أنه مقدر بشهر"، وقال في "التتمة": "الفتوى اليوم على قول أبي يوسف ومحمد أنه مقدر بشهر"، وقال في "التحفة" (٦): "وبه نأخذ"، وقال المحبوبي: "إذا أخر شهرًا بطلت، به يفتى"، وقال صدر الشريعة (٧): "وتأخيره شهرًا يُبطل عند محمد، وبه يفتى".
قوله: (ولا شفعة في البناء والنخل إذا بِيع دون العَرْصَة) (٨)، قال في "الهداية" (٩): "هذا في بعض نسخ "المختصر" (١٠)، وهو صحيح مذكور في
стр. 249
فيه الشفعة، ولا شفعة في الدار التي يتزوج الرجل عليها أو يخالع المرأة بها أو يستأجر بها دارًا أو يصالح بها من دم عمد أو يعتق عليها عبدًا أو يصالح عنها بإنكار * أو سكوت، فإن صالح عليها بإقرار وجبت الشفعة. وإذا تقدم الشفيع إلى القاضي فادعى الشراء وطلب الشفعة سأل القاضي المدعى عليه فإن اعترف بملكه الذي يشفع به وإلا كلفه بإقامة البينة، فإن عجز عن البينة استحلف المشتري بالله ما يعلم أنه مالك للذي ذكره مما يشفع به، فإن نكل أو قامت للشفيع بينة سأله القاضي هل ابتاع أم لا، فإن أنكر الابتياع قيل للشفيع أقم البينة، فإن عجز عنها استحلف المشتري بالله ما ابتاع أو بالله ما يستحق في هذه الدار عليه شفعة من الوجه الذي ذكره، وتجوز المنازعة في الشفعة وإن لم يحضر الشفيع الثمن إلى مجلس القاضي فإن قضى القاضي بالشفعة لزمه إحضار الثمن *، وللشفيع أن يرد الدار بخيار العيب والرؤية، وإن أحضر الشفيع البائع والمبيع في يده فله أن يخاصمه في الشفعة، ولا يسمع القاضي البينة حتى يحضر المشتري فيفسخ البيع بمشهد منه ويقضي بالشفعة على البائع ويجعل العهدة عليه، فإذا ترك الشفيع الإشهاد حين علم بالبيع وهو يقدر على ذلك بطلت شفعته، وكذلك إن أشهد في المجلس ولم يشهد على أحد المتبايعين ولا عند العقار، فإن صالح من شفعته على عوض أخذه بطلت الشفعة ويرد العوض، وإذا مات الشفيع بطلت شفعته، وإن مات المشتري لم تسقط، وإذا باع الشفيع
" الأصل"".
قوله: (أو يصالح عنها بإنكار)، هذا هو الصحيح، قال في "الهداية" (١): "وذكر في أكثر نسخ "المختصر": (أو يصالح عليها بإنكار)، والصحيح: ([أ] و يصالح عنها) ".
[فروع: عن أبي يوسف في حائط بين دارَي رجلين والحائط بينهما، فبيعت إحدى الدارين فصاحب الحائط أولى بالحائط من الجار، وبقية الدار يأخذها بالجوار مع الجار بالسوية، وعنه أن الشريك في الحائط أولى بجميع الدار، قال أبو نصر الأقطع قال أبو الحسن: هذه الرواية عن أبي يوسف أصح عندنا، وقد روى هشام عن محمد مثل ذلك أيضًا] (٢).
قوله: (وتجوز المنازعة في الشفعة وإن لم يُحضر الشفيع الثمن إلى مجلس القاضي، فإذا قضى القاضي بالشفعة لزمه إحضار الثمن) هذا ظاهر الرواية، وعن محمد: أنه لا يقضي حتى يحضر الشفيع الثمن وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، واعتمد ظاهرَ الرواية المصنّفون للفتوى.
стр. 250
ما يشفع به قبل أن يقضى له بالشفعة بطلت، ووكيل البائع إذا باع وهو الشفيع فلا شفعة له، وكذلك إذا ضمن الدرك عن البائع الشفيع، ووكيل المشتري إذا ابتاع فله الشفعة، ومن باع بشرط الخيار فلا شفعة للشفيع، فإن أسقط الخيار وجبت الشفعة *، وإن اشترى بشرط الخيار وجبت الشفعة ومن باع دارًا بيعًا فاسدًا فلا شفعة فيها ولكل واحد من المتعاقدين الفسخ، فإن أسقط الفسخ وجبت الشفعة، وإن اشترى ذمي دارًا بخمر أو خنزير وشفيعها ذمي أخذها بمثل الخمر وقيمة الخنزير، وإن كان شفيعها مسلمًا أخذها بقيمة الخمر والخنزير، ولا شفعة في الهبة إلا أن تكون بعوض مشروط، وإذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن فالقول قول المشتري، فإن أقاما البينة فالبينة بينة الشفيع عند أبي حنيفة * ومحمد، وقال أبو يوسف: البينة بينة المشتري، وإذا ادعى المشتري ثمنًا أكثر وادعى البائع أقل منه ولم يقبض الثمن أخذها الشفيع بما قال البائع وكان ذلك حطًا عن المشتري، وإن كان قد قبض الثمن أخذهما بما قال المشتري ولم يلتفت إلى قول البائع، وإذا حط البائع عن المشتري بعض الثمن سقط ذلك عن الشفيع، وإن حط جميع الثمن لم يسقط عن الشفيع، وإن زاد المشتري للبائع في الثمن لم يلزم الشفيع الزيادة، وإذا اجتمع الشفعاء فالشفعة بينهم على عدد رؤوسهم، ولا يعتبر اختلاف الأملاك، ومن اشترى دارًا بعَرْض أخذها الشفيع بقيمته، وإذا اشتراها بمكيل أو موزون أخذها بمثله، وإن باع عقارًا بعقار أخذ الشفيع كل واحد منهما بقيمة الآخر، وإذا بلغ الشفيع أنها بيعت بألف فسلم ثم علم أنها بيعت بأقل أو بحنطة أو شعير قيمتها ألف أو أكثر فتسليمه باطل وله الشفعة، وإن بان أنها بيعت بدنانير قيمتها ألف فلا شفعة له، وإذا قيل له إن المشتري فلان فسلم ثم علم أنه غيره فله الشفعة، ومن اشترى دارًا لغيره فهو الخصم في الشفعة إلا أن يسلمها إلى الموكل، وإذا باع دارًا إلا مقدار ذراع في طول الحد الذي يلي الشفيع فلا شفعة له، فإن ابتاع منها سهما بثمن ثم ابتاع بقيتها فالشفعة للجار في السهم الأول دون الثاني، وإذا ابتاعها بثمن ثم دفع إليه ثوبًا عوضًا عنه فالشفعة بالثمن دون الثوب فلا تكره الحيلة في إسقاط الشفعة عند أبي يوسف،
قوله: (فإن أسقط الخيار وجبت الشفعة) ويشترط الطلب عند سقوط الخيار في الصحيح، نصّ عليه في "الهداية" (١) وغيرها.
قوله: (فإن أقاما البينةَ، فالبينةُ بينةُ الشفيع عند أبي حنيفة)، ورُجِّح دليلُه في الشروح، واعتمد قولَه المحبوبي والنسفي وأبو الفضل المَوْصلي وصدر الشريعة.
قوله: (ولا تكره الحيلةُ في إسقاط الشفعة عند أبي يوسف، وتكره عند