← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 985

التصحيح والترجيح على مختصر القدوري

ابن قطلوبغا

Полный текст (471 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

شرط الخيار في الإجارة، وتفسخ الإجارة بالأعذار كمن استأجر دكانًا في السوق ليتجر فيه فذهب ماله، وكمن أجر دكانًا أو دارًا ثم أفلس ولزمته ديون لا يقدر على قضائها إلا من ثمن ما آجر فسخ القاضي العقد وباعها في الدين، وكمن استأجر دابة ليسافر عليها ثم بدا له عن أن لا يسافر فهو عذر، وإن بدا للمكاري أن يقعد عن السفر فليس ذلك بعذر. أبَان (١)، وعليه الفتوى" (٢). - "رجل استأجر دارًا شهرًا فسَكنها شهرين، إنْ كان معَدًّا للاستغلال (٣) يلزمه الثاني، وعليه الفتوى" (٤). - "إجارة البيت المشغول بالأمتعة تجوز، ويؤمر بالتفريغ والتسليم وعليه الفتوى، وإن لحقه بالتفريغ ضرر فاحش فله أن ينقض الإجارة"، (٥) [والله أعلم].

стр. 247

كتاب الشفعة الشفعة واجبة للخليط في نفس المبيع ثم للخليط في حق المبيع كالشرب والطريق ثم للجار، وليس للشريك في الطريق والشرب والجار شفعة مع الخليط، وإن سلم فالشفعة للشريك في الطريق والشرب، فإن سلم أخذها الجار، والشفعة تجب بعقد البيع وتستقر بالإشهاد وتملك بالأخذ إذا سلمها المشتري أو حكم بها حاكم، وإذا علم الشفيع بالبيع أشهد في مجلسه * ذلك على المطالبة ثم ينهض منه فيشهد على البائع إذا كان المبيع في يده، أو على المبتاع * أو عند العقار، فإذا فعل ذلك استقرت شفعته فلم تسقط بالتأخير عند أبي حنيفة، وقال محمد إن تركها شهرًا بعد الإشهاد بغير عذر بطلت شفعته *، وعن أبي يوسف إن تركها مجلسًا أو مجلسين بطلت الشفعة. والشفعة واجبة في العقار وإن كان كتاب الشّفعة قوله: (أشهَدَ في مجلسه)، قال في "الحقائق": "والطلب على الفَور، هكذا روي عن أبي حنيفة، وهو ظاهر المذهب وهو الصحيح"، وقال في "مختارات النوازل": "وعن محمد أنه يوقف إلى آخر المجلس، فإن قام منه أو اشتغل بشيء آخر بطلت شفعته [و] هو الصحيح". قوله: (أو على المُبْتاع)، قال في "مختارات النوازل": "ويصح الطلب من المشتري وإن لم تكن الدار في يده، هو الصحيح، لوجود الملك". قوله: (فلم تسقط بالتأخير عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: إن تركها شهرًا بعد الإشهاد من غير عذر بطلت شفعته)، قال في "الهداية" (١): "قول أبي حنيفة هو ظاهر المذهب، وعليه الفتوى" (٢). قلت: واعتمده النسفي كذلك، لكن صاحب "الهداية" خالف هذا في "مختارات النوازل"، فقال: "ولا تسقط الشفعة بعد طلب التقرير بتأخير الخصومة عند أبي حنيفة، وعن أبي يوسف: إذا ترك الخصومة في مجلس الحكم بطلت، وعن محمد إذا تركها شهرًا بعد الإشهاد بطلت شفعته وهو قول زفر، والفتوى على قوله"، قلت: ووقع نظير ذلك للحسام الشهيد فقال في

стр. 248

ممّا لا يقسم، ولا شفعة في العروض والسفن، ولا شفعة في النخل والبناء إذا بيع دون الأرض *. والمسلم والذمي في الشفعة سواء، وإذا ملك العقار بعوض هو مال وجبت " الواقعات": "لا تبطل أبدًا، وبه نأخذ". وقال في "الصغرى": والفتوى اليوم على قولهما" فيُحمل على الرجوع إلى هذا، والله أعلم. وقال قاضي خان (١): "والفتوى على أنه مقدّر بشهر"، وقال في "الذخيرة": "قال شيخ الإسلام (٢): الفتوى اليوم على هذا"، قال في "الخلاصة" (٣): "وعن محمد - وهو رواية عن أبي يوسف - يقدّر بشهر، وعليه الفتوى" (٤)، وقال في "المحيط": "وعند محمد وزفر وهو رواية عن أبي يوسف: إن ترك شهرًا من غير عذر يبطل، والفتوى على قول أبي يوسف ومحمد"، ونقله في "الاختيار" وأقرّه (٥)، وفي "الفتاوى الصغرى": "إذا ترك التملك بعد طلب الإشهاد من غير عذر فالفتوى اليوم على قول أبي يوسف ومحمد أنه مقدر بشهر"، وقال في "التتمة": "الفتوى اليوم على قول أبي يوسف ومحمد أنه مقدر بشهر"، وقال في "التحفة" (٦): "وبه نأخذ"، وقال المحبوبي: "إذا أخر شهرًا بطلت، به يفتى"، وقال صدر الشريعة (٧): "وتأخيره شهرًا يُبطل عند محمد، وبه يفتى". قوله: (ولا شفعة في البناء والنخل إذا بِيع دون العَرْصَة) (٨)، قال في "الهداية" (٩): "هذا في بعض نسخ "المختصر" (١٠)، وهو صحيح مذكور في

стр. 249

فيه الشفعة، ولا شفعة في الدار التي يتزوج الرجل عليها أو يخالع المرأة بها أو يستأجر بها دارًا أو يصالح بها من دم عمد أو يعتق عليها عبدًا أو يصالح عنها بإنكار * أو سكوت، فإن صالح عليها بإقرار وجبت الشفعة. وإذا تقدم الشفيع إلى القاضي فادعى الشراء وطلب الشفعة سأل القاضي المدعى عليه فإن اعترف بملكه الذي يشفع به وإلا كلفه بإقامة البينة، فإن عجز عن البينة استحلف المشتري بالله ما يعلم أنه مالك للذي ذكره مما يشفع به، فإن نكل أو قامت للشفيع بينة سأله القاضي هل ابتاع أم لا، فإن أنكر الابتياع قيل للشفيع أقم البينة، فإن عجز عنها استحلف المشتري بالله ما ابتاع أو بالله ما يستحق في هذه الدار عليه شفعة من الوجه الذي ذكره، وتجوز المنازعة في الشفعة وإن لم يحضر الشفيع الثمن إلى مجلس القاضي فإن قضى القاضي بالشفعة لزمه إحضار الثمن *، وللشفيع أن يرد الدار بخيار العيب والرؤية، وإن أحضر الشفيع البائع والمبيع في يده فله أن يخاصمه في الشفعة، ولا يسمع القاضي البينة حتى يحضر المشتري فيفسخ البيع بمشهد منه ويقضي بالشفعة على البائع ويجعل العهدة عليه، فإذا ترك الشفيع الإشهاد حين علم بالبيع وهو يقدر على ذلك بطلت شفعته، وكذلك إن أشهد في المجلس ولم يشهد على أحد المتبايعين ولا عند العقار، فإن صالح من شفعته على عوض أخذه بطلت الشفعة ويرد العوض، وإذا مات الشفيع بطلت شفعته، وإن مات المشتري لم تسقط، وإذا باع الشفيع " الأصل"". قوله: (أو يصالح عنها بإنكار)، هذا هو الصحيح، قال في "الهداية" (١): "وذكر في أكثر نسخ "المختصر": (أو يصالح عليها بإنكار)، والصحيح: ([أ] و يصالح عنها) ". [فروع: عن أبي يوسف في حائط بين دارَي رجلين والحائط بينهما، فبيعت إحدى الدارين فصاحب الحائط أولى بالحائط من الجار، وبقية الدار يأخذها بالجوار مع الجار بالسوية، وعنه أن الشريك في الحائط أولى بجميع الدار، قال أبو نصر الأقطع قال أبو الحسن: هذه الرواية عن أبي يوسف أصح عندنا، وقد روى هشام عن محمد مثل ذلك أيضًا] (٢). قوله: (وتجوز المنازعة في الشفعة وإن لم يُحضر الشفيع الثمن إلى مجلس القاضي، فإذا قضى القاضي بالشفعة لزمه إحضار الثمن) هذا ظاهر الرواية، وعن محمد: أنه لا يقضي حتى يحضر الشفيع الثمن وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، واعتمد ظاهرَ الرواية المصنّفون للفتوى.

стр. 250

ما يشفع به قبل أن يقضى له بالشفعة بطلت، ووكيل البائع إذا باع وهو الشفيع فلا شفعة له، وكذلك إذا ضمن الدرك عن البائع الشفيع، ووكيل المشتري إذا ابتاع فله الشفعة، ومن باع بشرط الخيار فلا شفعة للشفيع، فإن أسقط الخيار وجبت الشفعة *، وإن اشترى بشرط الخيار وجبت الشفعة ومن باع دارًا بيعًا فاسدًا فلا شفعة فيها ولكل واحد من المتعاقدين الفسخ، فإن أسقط الفسخ وجبت الشفعة، وإن اشترى ذمي دارًا بخمر أو خنزير وشفيعها ذمي أخذها بمثل الخمر وقيمة الخنزير، وإن كان شفيعها مسلمًا أخذها بقيمة الخمر والخنزير، ولا شفعة في الهبة إلا أن تكون بعوض مشروط، وإذا اختلف الشفيع والمشتري في الثمن فالقول قول المشتري، فإن أقاما البينة فالبينة بينة الشفيع عند أبي حنيفة * ومحمد، وقال أبو يوسف: البينة بينة المشتري، وإذا ادعى المشتري ثمنًا أكثر وادعى البائع أقل منه ولم يقبض الثمن أخذها الشفيع بما قال البائع وكان ذلك حطًا عن المشتري، وإن كان قد قبض الثمن أخذهما بما قال المشتري ولم يلتفت إلى قول البائع، وإذا حط البائع عن المشتري بعض الثمن سقط ذلك عن الشفيع، وإن حط جميع الثمن لم يسقط عن الشفيع، وإن زاد المشتري للبائع في الثمن لم يلزم الشفيع الزيادة، وإذا اجتمع الشفعاء فالشفعة بينهم على عدد رؤوسهم، ولا يعتبر اختلاف الأملاك، ومن اشترى دارًا بعَرْض أخذها الشفيع بقيمته، وإذا اشتراها بمكيل أو موزون أخذها بمثله، وإن باع عقارًا بعقار أخذ الشفيع كل واحد منهما بقيمة الآخر، وإذا بلغ الشفيع أنها بيعت بألف فسلم ثم علم أنها بيعت بأقل أو بحنطة أو شعير قيمتها ألف أو أكثر فتسليمه باطل وله الشفعة، وإن بان أنها بيعت بدنانير قيمتها ألف فلا شفعة له، وإذا قيل له إن المشتري فلان فسلم ثم علم أنه غيره فله الشفعة، ومن اشترى دارًا لغيره فهو الخصم في الشفعة إلا أن يسلمها إلى الموكل، وإذا باع دارًا إلا مقدار ذراع في طول الحد الذي يلي الشفيع فلا شفعة له، فإن ابتاع منها سهما بثمن ثم ابتاع بقيتها فالشفعة للجار في السهم الأول دون الثاني، وإذا ابتاعها بثمن ثم دفع إليه ثوبًا عوضًا عنه فالشفعة بالثمن دون الثوب فلا تكره الحيلة في إسقاط الشفعة عند أبي يوسف، قوله: (فإن أسقط الخيار وجبت الشفعة) ويشترط الطلب عند سقوط الخيار في الصحيح، نصّ عليه في "الهداية" (١) وغيرها. قوله: (فإن أقاما البينةَ، فالبينةُ بينةُ الشفيع عند أبي حنيفة)، ورُجِّح دليلُه في الشروح، واعتمد قولَه المحبوبي والنسفي وأبو الفضل المَوْصلي وصدر الشريعة. قوله: (ولا تكره الحيلةُ في إسقاط الشفعة عند أبي يوسف، وتكره عند

стр. 251

وقال محمد: تكره *، وإذا بنى المشتري أو غرس ثم قضى للشفيع بالشفعة فهو بالخيار إن شاء أخذها بالثمن وقيمة البناء والغرس مقلوعًا، وإن شاء كلف المشتري قلعه، وإذا أخذها الشفيع فبنى وغرس ثم استحقت رجع بالثمن، ولا يرجع بقيمة البناء والغرس، وإذا انهدمت الدار أو احترق بناؤها أو جف شجر البستان بغير فعل أحد فالشفيع بالخيار، إن شاء أخذ بجميع الثمن وإن شاء ترك، وإن نقض المشتري البناء قيل للشفيع إن شئت فخذ العرصة بحصتها وإن شئت فدع، وليس له أن يأخذ النّقض، ومن ابتاع أرضًا وفي نخلها ثمر أخذها الشفيع بثمرها وإن أخذه المشتري سقط عن الشفيع حصته، وإذا قضى القاضي للشفيع بالدار ولم يكن رآها فله خيار الرؤية، فإن وجد بها عيبًا فله أن يردها به وإن كان المشتري شرط البراءة منه، وإذا ابتاع بثمن مؤجل فالشفيع بالخيار إن شاء أخذها بثمن حال وإن شاء صبر حتى ينقضي الأجل ثم يأخذها، وإذا اقتسم الشركاء العقار فلا شفعة لجارهم بالقسمة، وإذا اشترى دارًا فسلم الشفيع الشفعة ثم ردها المشتري بخيار الرؤية أو بشرط أو عيب أو بقضاء قاض فلا شفعة للشفيع، وإن ردها بغير قضاء أو تقايلا فللشفيع الشفعة. محمد)، قيل الاختلاف قبل البيع، أما بعده فهو مكروه بالإجماع (١). وظاهر "الهداية" اختيارُ قول أبي يوسف (٢)، وقد صرح به [الإمام] قاضي خان فقال: "والمشايخ في حيلة الاستبراء والزكاة أخذوا بقول محمد، والشفعة أخذوا بقول أبي يوسف" (٣)، وعلى هذا يرجع قول الإسبيجابي: (وهو الأصح) إلى قوله: (وكذا في إسقاط الزكاة) (٤)، والله أعلم، ويؤيّده قوله في "مختارات النوازل": "وفي الحيلة في إسقاط الزكاة عنه أيضًا اختلاف، والصحيح فيه قول محمد".

стр. 252

كتاب الشَّركة الشركة على ضربين: شركة أملاك وشركة عقود، فشركة الأملاك العين يرثها رجلان أو يشتريانها، فلا يجوز لأحدهما أن يتصرف في نصيب الآخر إلا بأمره، وكل واحد منهما في نصيب صاحبه كالأجنبي. والضرب الثاني شركة العقود، وهي على أربعة أوجه: مفاوضة وعنان وشركة الصنائع وشركة الوجوه، فأما شركة المفاوضة فهي أن يشترك الرجلان فيتساويا في مالهما وتصرفهما ودينهما، فيجوز بين الحرّين المسلمين العاقلين البالغين، ولا يجوز بين الحرّ والمملوك، ولا بين الصبي والبالغ ولا بين المسلم والكافر *. وتنعقد على الوكالة والكفالة، فما يشتريه كل واحد منهما يكون على الشركة إلا طعام أهله وكسوتهم وما يلزم كل واحد منهما من الديون بدلاً عما يصح فيه الاشتراك فالآخر ضامن له، فإن ورث أحدهما مالاً تصح الشركة فيه وأو وُهب له ووصل إلى يده بطلت المفاوضة وصارت الشركة عنانًا، ولا تنعقد الشركة إلا بالدراهم والدنانير والفلوس النافقة *، ولا يجوز بما سوى ذلك إلا أن يتعامل الناس بها كالتبر والنقرة فتصح الشركة كتاب الشركة قوله: (ولا بين المسلم والكافر)، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يجوز، والمعتمد قولهما عند الكل، كما نطقت به المصنفات للفتوى وغيرُها، والله أعلم. قوله: (والفلوس النّافقة)، لم يذكر المصنف في هذا اختلافًا، وكذلك الحاكم في "الكافي"، فقال: "ولا تجوز الشركة إلا بالدراهم والدنانير والفلوس"، وذكر الكرخي أن الجواز على قولهما، وقال في "الينابيع": "وأما بالفلوس إن كانت نافقة فكذلك عند محمد، وقال أبو حنيفة: لا تصح الشركة بالفلوس وهو المشهور، وروى الحسن عن أبي حنيفة وأبي يوسف أن الشركة بالفلوس جائزة"، فأبو يوسف مع أبي حنيفة في بعض النسخ، وفي بعض النسخ مع محمد، وقال الإسبيجابي في "مبسوطه" (١): "الصحيح أن عقد الشركة (٢) يجوز على قول الكل؛ لأنها صارت ثمنًا باصطلاح الناس"،

стр. 253

بهما، وإذا أراد الشركة بالعروض باع كل واحد منهما نصف ماله بنصف مال الآخر ثم عقد الشركة، وأما شركة العنان فتنعقد على الوكالة دون الكفالة، ويصح التفاضل في المال، ويصح أن يتساويا في المال ويتفاضلا في الربح، ويجوز أن يعقدها كل واحد منهما ببعض ماله دون بعض، ولا تصح إلا بما بينا أن المفاوضة تصح به، ويجوز أن يشتركا ومن جهة أحدهما دنانير والآخر دراهم، وما اشتراه كل واحد منهما للشركة طولب بثمنه دون الآخر، ثم يرجع على شريكه بحصته منه، وإذا هلك مال الشركة أو أحد المالين قبل أن يشتريا شيئاً بطلت الشركة، وإن اشترى أحدهما بماله وهلك مال الآخر قبل الشراء فالمشترى بينهما على ما شرطا * ويرجع على شريكه بحصته من ثمنه، وتجوز الشركة وإن لم يخلطا المال، ولا تصح الشركة إذا شرطا لأحدهما دراهم مسماة من الربح، ولكل واحد من المفاوضين * وشريكي العنان أن يبضع المال ويدفعه مضاربة ويوكل من يتصرف فيه، ويده في المال يد أمانة. وأما شركة الصنائع كالخياطان والصباغان يشتركان على أن يتقبلا الأعمال ويكون الكسب بينهما فيجوز ذلك، وما يتقبله كل واحد منهما من العمل يلزمه ويلزم شريكه، فإن عمل أحدهما دون الآخر فالكسب بينهما نصفان. وأما شركة الوجوه فالرجلان يشتركان ولا مال لهما على أن يشتريا بوُجههما ويبيعا، فتصح الشركة على هذا وكل واحد منهما وكيل الآخر فيما يشتريه، فإن شرطا أن يكون المشترى بينهما نصفان فالربح كذلك ولا يجوز أن يتفاضلا فيه، وإن شرطا أن يكون المشترى بينهما أثلاثًا فالربح كذلك، ولا تجوز الشركة في الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد، وما صاده كل واحد منهما أو احتطبه فهو له دون صاحبه، وإذا اشتركا ولأحدهما بغل وللآخر راوية يستقي عليها الماء، والكسب بينهما لم تصح الشركة، والكسب كله للذي استقى عليه الماء وعليه أجر مثل الراوية إن كان صاحب البغل، وإن كان صاحب الراوية فعليه أجر مثل واعتمده المحبوبي والنسفي وأبو الفضل الموصلي وصدر الشريعة. قوله: (فالمشترى بينهما على ما شرطا)، والشركة شركةُ عقدٍ عند محمد، حتى إنّ أيهما باع جاز بيعه، وقال الحسن (١) بن زياد: شركةُ أملاك، والمعتمد قول محمد على ما مشى عليه في "المبسوط"، والله أعلم. [قوله: (ولكل واحد من المتفاوضين .. )، قال أبو نصر: أما دفع المال مضاربة فذكر في "الأصل" أنه يجوز، وقال الحسن عن أبي حنيفة ليس له ذلك، ورواية "الأصل" هو الصحيح] (٢).

стр. 254

البغل، وكل شركة فاسدة فالربح فيها على قدر المال، ويبطل شرط التفاضل، وإذا مات أحد الشريكين أو ارتد ولحق بدار الحرب بطلت الشركة، وليس لواحد من الشريكين أن يؤدي زكاة مال الآخر إلا بإذنه، فإن أذن كل واحد منهما لصاحبه أن يؤدي زكاته فأدى كل واحد منهما فالثاني ضامن علم بأداء الأول أو لم يعلم *. قوله: (فالثاني ضامن علم بأدائه أو لم يعلم)، عُلم من قوله: (فالثاني .. ) أن هذا فيما إذا أدّيا على التعاقب (١)، وهذا قول أبي حنيفة، وذكر في كتاب الزكاة من "المبسوط" (٢): "وعندهما لا يضمن ما ليعلم بأدائه"، وهكذا في "العون" (٣)، قال فيه: "ولو علم الوكيل بأداء الموكِّل ثم أدّى الوكيل ضَمِن بالإجماع"، وقال الوَلْوالجي (٤): "إن في بعض المواضع لا يضمن عندهما، وإن علم بأداء المالك"، ونص في زيادات العتّابي (٥) أن عندهما لا يضمن علم بأدائه أو لم يعلم، وقال: "وهو الصحيح عندهما"، وكذا ذكر في "الأسرار"، ورجَّح دليل الإمام واعتمده المحبوبي والنسفي.

стр. 255

كتاب المضاربة المضاربة عقد على الشركة بمال من أحد الشريكين وعمل من الآخر، ولا تصح المضاربة إلا بالمال الذي بينا أن الشركة تصح به، ومن شرطها أن يكون الربح بينهما مشاعًا ولا يستحق أحدهما منه دراهم مسماة، ولا بد أن يكون المال مسلمًا إلى المضارب، ولا بد لرب المال فيه، وإذا صحت المضاربة مطلقة جاز للمضارب أن يشتري ويبيع ويسافر وبيضع ويوكّل، وليس له أن يدفع المال مضاربة إلا أن يأذن له رب المال في ذلك، وإن خصّ له رب المال التصرف في بلد بعينه أو في سلعة بعينها لم يجز له أن يتجاوز ذلك، وكذلك إن وقت للمضاربة مدة بعينها جاز وبطل العقد بمضيها، وليس للمضارب أن يشتري أبا رب المال ولا ابنه ولا من يعتق عليه فإن اشتراهم كان مشتريًا لنفسه دون المضاربة، وإن كان في المال ربح فليس له أن يشتري من يعتق عليه، وإن اشتراهم ضمن مال المضاربة، وإن لم يكن في المال ربح جاز له أن يشتريهم، فإن زادت قيمتهم عتق نصيبه منهم ولم يضمن لرب المال شيئًا، وسعى المعتق في قيمة نصيبه منه، وإذا دفع المضارب المال مضاربة ولم يأذن له رب المال في ذلك لم يضمن بالدفع ولا بتصرف المضارب الثاني حتى يربح، فإذا ربح ضمن المضارب الأول المال لرب المال *، وإن دفع إليه مضاربة بالنصف فأذن له أن يدفعها مضاربة فدفعها بالثلث جاز، فإن كان رب المال قال له على أن ما رزق الله بيننا نصفان فلرب المال نصف الربح وللمضارب الثاني ثلث الربح وللأول السدس، وإن كان قال على أن ما رزقك الله بيننا نصفين فللمضارب الثاني الثلث وما بقي بين رب المال والمضارب الأول نصفين، فإذا قال له على أن ما رزق الله فلي نصفه، فدفع المال إلى آخر مضاربة بالنصف فللثاني نصف الربح ولرب المال النصف ولا شيء للمضارب الأول، فإن شرط للمضارب الثاني ثلثي الربح فلرب المال نصف الربح وللمضارب الثاني نصف الربح ويضمن المضارب الأول للمضارب كتاب المضاربة قوله: (وإذا دفع المضارِب المال مضاربة ولم يأذن له ربُّ المال في ذلك لم يضمن بالدفع، ولا بتصرف المضارِب الثاني حتى يربح، فإذا ربح ضمن المضارب الأول المال لرب المال). قال في "الهداية" (١): "هذا رواية الحسن

стр. 256

الثاني مقدار سدس الربح في ماله. وإذا مات رب المال أو المضارب بطلت المضاربة، وإن ارتد رب المال عن الإسلام ولحق بدار الحرب بطلت المضاربة، وإذا عزل رب المال المضارب فلم يعلم بعزله حتى اشترى وباع فتصرفه جائز، وإن علم بعزله والمال عروض فله أن يبيعها ولا يمنعه العزل من ذلك، ثم لا يجوز أن يشتري بثمنها شيئًا آخر، فإن عزله ورأس المال دراهم أو دنانير قد نضّت فليس له أن يتصرف فيه، وإذا افترقا وفي المال ديون وقد ربح فيه أجبره الحاكم على اقتضاء الديون وإن لم يكن له ربح لم يلزمه الاقتضاء ويقال له وكِّل ربّ المال في الاقتضاء، وما هلك من مال المضاربة فهو من الربح/ دون رأس المال، فإن زاد الهالك على الربح فلا ضمان على المضارب فيه، وإن كانا اقتسما الربح والمضاربة بحالها ثم هلك المال أو بعضُه ترادّا الربح حتى يستوفي ربّ المال رأس المال، فإن فضل شيء كان بينهما، وإن نقص عن رأس المال لم يضمن المضارب، وإن كان اقتسما الربح وفسخا المضاربة ثم عقداها فهلك المال أو بعضه لم يترادّا الربح الأول، ويجوز للمضارب أن يبيع بالنقد والنسيئة، ولا يزوج عبدًا ولا أمة من مال المضاربة. عن أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا عمل به ضَمِنَ، رَبِح أو لم يربح، وهو ظاهر الرواية"، وقال الإسبيجابي: "ثم قال صاحب "الكتاب": (وإذا ربح - الثاني - ضمن المضارب الأول)، والمشهور من المذهب أن رب المال بالخيار، إن شاء ضمن الأول، وإن شاء ضمن الثاني، في قولهم جميعًا". قوله: (ولا يزوج عبدًا ولا أمة من مال المضاربة)، وعن أبي يوسف أنه يزوج الأمة، والمعتمد قولُهما عند الكل، كما اعتمده المحبوبي والنسفي والموصلي وغيرهم.

стр. 257

كتاب الوكالة الوكالة؛ كل عقد جاز أن يعقده الإنسان بنفسه جاز أن يوكل به غيره، ويجوز التوكيل بالخصومة * في سائر الحقوق وبإثباتها، ويجوز التوكيل بالاستيفاء إلا في الحدود والقصاص فإن الوكالة لا تصح باستيفائها مع غيبة الموكل عن المجلس، وقال أبو حنيفة: لا يجوز التوكيل بالخصومة إلا برضاء الخصم * إلا أن يكون الموكل مريضًا أو غائبًا مسيرة ثلاثة أيام ولياليها فصاعدًا، وقالا: يجوز التوكيل بغير رضى الخصم. ومن شرط الوكالة أن يكون الموكل ممن يملك التصرف وتلزمه الأحكام، والوكيل ممن يعقل العقد كتاب الوكالة قوله: (ويجوز التوكيل بالخصومة)، قال في "مختارات النوازل": "أي بالدعوى الصحيحة أو بالجواب الصحيح في سائر الحقوق وبإثباتها"، قال الإسبيجابي: "وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: لا يجوز في إثبات الحد والخصومة فيه، وقول محمد مضطربٌ، والأظهر أنه مع أبي حنيفة والصحيح قولهما". قوله: (وقال أبو حنيفة: لا يجوز التّوكيلُ بالخُصُومة إلّا برضا الخَصْم .. الخ)، قال في "مختارات النوازل": "أي غير لازم" (١)، وقال الإمام قاضي خان (٢): "التوكيل بالخصومة لا يجوز عند أبي حنيفة، سواءً كان التوكيل من قِبَل الطالب أو من قبل المطلوب، وقال محمد والشافعي وأبو يوسف - الآخر - يجوز، ويستوي فيه الوضيع والشريف والرجل والمرأة، وبه أخذ أبو القاسم الصّفّار"، قال في "الحقائق": "وأبو الليث"، وقال في فتاوى العَتّابي: "هو المختار"، واختار قولَ الإمام أبي حنيفة الإمامُ المحبوبي والنسفي وصدرُ الشريعة وأبو الفضل الموصلي، ورُجِّح دليلُه في كل مصنَّف، وقال قاضي خان (٣): "وقال شمس الأئمة السَّرخسي (٤): الصحيح عندي أن القاضي إذا

стр. 258

ويقصده، فإذا وكل الحر البالغ أو المأذون له مثلهما جاز، وإن وكّل صبيًا محجورًا يعقل البيع والشراء أو عبدًا محجورًا جاز، ولا تتعلق بهما الحقوق وتتعلق بموكلهما. والعقود التي يعقدها الوكلاء على ضربين: كل عقد يضيفه الوكيل إلى نفسه مثل البيع والإجارة فحقوق ذلك العقد تتعلق بالوكيل دون الموكل، فيسلم المبيع ويقبض الثمن ويطالب بالثمن إذا اشترى ويقبض المبيع ويخاصم في العيب، وكل عقد يضيفه إلى موكله كالنكاح والخلع والصلح عن دم العمد فإن حقوقه تتعلق بالموكل دون الوكيل، فلا يطالب وكيل الزوج بالمهر ولا يلزم وكيل المرأة تسليمها، وإذا طالب الموكل المشتري بالثمن فله أن يمنعه إياه، فإن دفعه إليه جاز ولم يكن للوكيل أن يطالبه ثانيًا، ومن وكل رجلا بشراء شيء فلا بد من تسمية جنسه وصفته أو جنسه ومبلغ ثمنه، إلا أن يوكله وكالة عامة * فيقول ابتع لي ما رأيت، وإذا اشترى الوكيل وقبض المبيع ثم اطلع على عيب فله أن يردّ بالعيب ما دام المبيع في يده، فإن سلمه إلى الموكل لم يرده إلا بإذنه، ويجوز التوكيل بعقد الصرف والسلم، فإن فارق الوكيل صاحبه قبل القبض بطل العقد، ولا تعتبر مفارقة الموكل، وإذا علم بالمدعي التّعَنُّت في إباء الوكيل يقبل التوكيل ولا يلتفت إليه، وإن علم من الموكل القصدَ إلى الإضرار بالمدعي لشغل (١) الوكيل بالحيَل والأباطيل والتلبيس لا يقبل منه التوكيل، وذكر شمس الأئمة الحَلْواني أن ذلك يفوَّض إلي رأي القاضي، وهذا قريب من الأول". وقال في "الحقائق": "وإليه مال الأُوْزْجَنْدي". قلت: واختاره صاحب "الهداية" فقال في "مختارات النوازل": "والمختار في هذه المسألة أن القاضي إذا علم التعنّت من الآبِي يقبل توكيله من غير رضاه، وإذا علم أن الموكِّل قصد إضرار خصمه لا يقبل". قوله: (إلا أن يوكّله وكالةً عامّة)، قال القاضي (٢): (٣) "وكّلْتك في جميع أموري وأقمتك مقام نفسي، لا تكون الوكالة عامة، ولو قال في جميع أموري الذي يجوز بها التوكيل، كانت الوكالة عامّة تتناول البياعات والأنكحة". - "أنت وكيلي في كل شيء جائزٌ صنعُك (٤)، عن محمد أنه وكيل في المعاوضات والإجارات والهبات والإعتاق، وعن أبي حنيفة أنه وكيل في

стр. 259

دفع الوكيل بالشراء الثمن من ماله وقبض المبيع فله أن يرجع به على الموكل، فإن هلك المبيع في يده قبل حبسه هلك من مال الموكل ولم يسقط الثمن، وله أن يحبسه حتى يستوفي الثمن، فإن حبسه فهلك كان مضمونًا ضمان الرهن عند أبي يوسف، وضمان المبيع عند محمد *، فإذا وكل رجلين فليس لأحدهما أن يتصرف فيما وكلا فيه دون الآخر إلا أن يوكلهما بالخصومة أو بطلاق زوجته بغير عوض أو بعتق عبده بغير عوض أو برد وديعة عنده أو بقضاء دين عليه، وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل به إلا أن يأذن له الموكل أو يقول له اعمل برأيك، فإن وكل بغير إذن موكله فعقد وكيله بحضرته جاز، وإن عقد بغير حضرته لم يجز، فإن أجازه الوكيل الأول جاز. وللموكل أن يعزل الوكيل عن الوكالة فإن لم يبلغه العزل فهو على وكالته وتصرفه جائز حتى يعلم. وتبطل الوكالة بموت الموكل وجنونه جنونًا مطبقًا، ولحاقه بدار الحرب مرتدًا، فإذا وكل المكاتب ثم عجز، أو المأذون فحجر عليه أو الشريكان فافترقا، فهذه الوجوه تبطل الوكالة علم الوكيل أو لم يعلم، وإذا مات الوكيل أو جُنّ جنونًا مطبقًا * بطلت وكالته، وإن لحق بدار الحرب * مرتدًا لم يجز له التصرف إلا أن يعود مسلمًا. ومن وكل بشيء ثم تصرف بنفسه فيما وكل به المعاوضات لا في الهبات والإعتاق، وعليه الفتوى" (١). - "ما صنعتَ في عبيدي فهو جائز، فأعتق الكلَّ جاز، وعن أبي حنيفة أنه لا يجوز، وعليه الفتوى" (٢). قوله: (كان مضمونًا ضمانَ الرّهن عند أبي يوسف، وضمانَ المبيع عند محمد)، وذكر في "الجامع" قول أبي حنيفة مع محمد، ورُجِّح دليلُهما في "الهداية" (٣)، واعتمده المحبوبي والنسفي والموصلي وصدر الشريعة. قوله: (جنونًا مُطْبِقًا)، حَدَّه محمد بسَنةٍ، قال في "الاختيار" (٤): "وهو الصحيح" (٥). قوله: (وإن لحق بدار الحرب)، قالوا هذا قول أبى حنيفة (٦)، واعتمده النسفي والمحبوبي.

стр. 260

بطلت الوكالة. والوكيل بالبيع والشراء لا يجوز أن يعقد عند أبي حنيفة مع أبيه وجده * وولده وولد ولده وزوجته وعبده ومكاتبه، وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز بيعه لهم بمثل القيمة إلا في عبده ومكاتبه. والوكيل بالبيع يجوز بيعه بالقليل والكثير عند أبي حنيفة *، وقالا: لا يجوز بيعه بنقصان لا يتغابن الناس في مثله، والوكيل بالشراء يجوز عقده بمثل القيمة وزيادة يتغابن الناس في مثلها ولا يجوز بما لا يتغابن في مثله، والذي لا يتغابن فيه ما لا يدخل تحت تقويم المقومين، وإذا ضمن الوكيل بالبيع الثمن عن المبتاع فضمانه باطل، وإذا وكله ببيع عبده فباع نصفه جاز عند أبي حنيفة *، وإن وكله بشراء عبد فاشترى نصفه فالشراء موقوف، فإن اشترى باقيه لزم الموكل، وإذا وكله بشراء عشرة أرطال لحم بدرهم فاشترى عشرين رطلا بدرهم من لحم يباع مثله عشرة بدرهم لزم الموكل منه عشرة بنصف درهم عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه العشرون *، وإذا وكله بشراء قوله: (والوكيل بالبيع والشراء لا يجوز أن يَعْقِد عند أبي حنيفة مع أبيه وجَدِّه .. الخ)، وقد رجّحوا دليلَه، واعتمده المحبوبي والنسفي والمَوْصلي وصدر الشريعة. قوله: (والوكيل بالبيع يجوز بيعه بالقليل والكثير عند أبي حنيفة)، وروى الحسن عنه مثل قولهما، ورُجِّح دليلُ الإمام، وهو المعوَّل عليه عند النسفي، وهو أصح الأقاويل والاختيار عند المحبوبي ووافقه الموصلي وصدر الشريعة. قال القاضي (١): "واختلفت الروايات في الأجَل (٢)، والصحيح: يجوز على كل حال .. وعن أبي يوسف: إن كان التوكيل بالبيع للحاجة إلى النفقة وقضاء الدين ليس له أن يبيع بالنسيئة، وعليه الفتوى". قوله: (وإذا وكَّلَه ببيع عبده فباع نصفَه جاز عند أبي حنيفة)، وقالا: لا يجوز، واختار قولَه الإمامُ البرهانيّ والنسفي وصدرُ الشريعة. قوله: (وإذا وكَّله بشراء عشرة أرطالِ لحم بدرهم، فاشترى عشرين بدرهم، من لحم يُباع مثلُه عشرة بدرهم، لزم الموكِّل منه عَشَرَةٌ بنصفِ درهم عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يلزمه العِشرون)، قال في "الهداية" (٣): "وذكر في بعض النسخ قول محمد مع قول أبي حنيفة، ومحمدٌ لم يذكر الخلاف في "الأصل""، وقد مشى على قول الإمامِ النسفيُّ والبرهاني وغيرُهما.

стр. 261

شيء بعينه فليس له أن يشتريه لنفسه فإن وكله بشراء عبد بغير عينه فاشترى عبدًا فهو للوكيل إلا أن يقول نويت الشراء للموكل أو يشتريه بمال الموكل، والوكيل بالخصومة وكيل بالقبض عند أبي حنيفة *، قوله: (والوكيل بالخصومة وكيل بالقَبْضِ عند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد)، وقال زفر: لا يكون وكيلاً بالقبض، قال في "الهداية" (١): "والفتوى اليوم على قول زفر لظهور الخيانة في الوكلاء، وقد يؤتمن على الخُصُومة من لا يؤتمن على المال، ونظيره الوكيل بالتقاضي يملك القبض على أصل الرواية؛ لأنَّه في معناه وضعًا، إلا أن العرف بخلافه وهو قاض على الوضع، والفتوى على أن لا يملك"، وقال الإسبيجابي: "وقال زفر: لا يكون وكيلاً بالقبض، وعليه الفتوى اليوم؛ لأنَّه قد يؤتمن على الخصومة ولا يؤمن على القبض"، وقال في "الينابيع": "واختيار المتأخرين في هذا واختيار مشايخ بَلْخ: أنه لا يملك القبض إلا بالنص عليه، وهو قول زفر، قال الفقيه: وبهذا نأخذ، ولأن الموكل لو كان موثوقًا به في حق القبض لَنَصَّ على القبض"، وقال الإمام الزَّوْزَني: "والفتوى اليوم على قول زفر لفساد وكلاء القضاة"، وقال في "الذخيرة": "وكثير من المشايخ أفْتَوا بقول زفر لفساد أحوال الناس وظهور الخيانات فيما بينهم، خصوصًا الوكلاء على أبواب القضاة"، وقال في "البدائع" (٢): "إن المتأخرين من أصحابنا قالوا إنه لا يملك في عرف ديارنا، لأن الناس في زماننا لا يرضون بقبض المتقاضي (٣) كالوكلاء على أبواب القضاة، لتهمة الخيانة في أموال الناس". وقال في "الصُّغرى": "التوكيل بالتقاضي يعتمد العرف، إنْ كان في بلدة كان العرف بين التجار أن المتقاضي هو الذي يقبض الدَّين كان التوكيل بالتقاضي توكيلاً بالقبض وإلا فلا"، وهذا لفظه في التّتمّة، وقال في "الواقعات": "للوكيلِ بالخصومة أن يقبض الدّين في قول علمائنا، وكذا لِوكيل تقاضٍ (٤)، وقال زُفَر: ليس لهما ذلك، وبه أخذ متأخروا مشايخنا". وقال قاضي خان (٥): "قالوا بأن الوكيل بالتقاضي يملك القبض، وقال

стр. 262

والوكيل بقبض الدين وكبل بالخصومة فيه عند أبي حنيفة، وإذا أقر الوكيل بالخصومة على موكله عند القاضي جاز إقراره عليه. الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل: الاعتماد في ذلك على العُرف، إن كان التوكيل في بلدة كان عُرف التجار فيها أن المتقاضي يقبض الدّين، كان التوكيل بالتقاضي توكيلاً بالقبض وإلا فلا .. قال قاضي خان: ينبغي أن يُنظر إلى المتقاضي؛ إن كان المتقاضي أمينًا يؤتمن عليه في ذلك المكان (١) كان التوكيل بالتقاضي توكيلاً بالقبض. وكذا لو بعث متقاضيًا من بلد إلى بلد كان له أن يقبض، وإن كان التوكيل (٢) بالتقاضي من أعوان القاضي أو من أعوان السلطان أو من تلميذه الذي لا يؤتمن عليه لا يكون وكيلاً بالقبض، وينظر إلى المال أيضًا، إن كان المال خطيرًا لا يؤتمن في مثله على الوكيل بالتقاضي لا يكون للوكيل أن يقبض". قوله: (والوكيل بقبض الدَّين وكيل بالخُصُومة فيه عند أبي حنيفة)، وقالا - وهو رواية عن أبي حنيفة -: ليس بوكيل بالخصومة، وعلى قول الإمام مشى الإمامُ المحبوبي في أصحِّ الأقاويل والاختيارات، والنسفيُّ والمَوْصِلي وصدرُ الشريعة. وقيد بقبض الدَّين لأنّ الوكيل بقبض العَيْن لا يكون وكيلاً بالخصومة فيها بالإجماع، قاله في "الاختيار" (٣) وغيره. فرع؛ قاضي خان (٤): "رجل قدّم رجلاً إلى القاضي فقال: "إن لفلان بن فلان على هذا ألفَ درهم، وقد وكَّلَني بالخصومة فيها وفي كل حقٍّ له وبقبضه، وأقام البيّنة على ذلك جملةً، قال أبو حنيفة: لا أقبل البيّنة على المال حتى يقيم البينة على الوكالة، وإن أقام البينة على الوكالة والدَّين جملة يقضى بالوكالة ويعيد البينة على الدَّين، وقال محمد: إذا أقام البينة على الكل يقضى بالكل، ولا يحتاج إلى إعادة البينة على الدين .. (٥) والفتوى على قوله لحاجة الناس". قوله: (وإذا أقرّ الوكيلُ بالخُصُومة على موكِّله عند القاضي جاز إقراره،

стр. 263

ولا يجوز إقراره عليه عند غير القاضي عند أبي حنيفة ومحمد * إلا أنه يخرج من الخصومة، وقال أبو يوسف: يجوز إقراره عليه عند غير القاضي، ومن ادعى أنه وكيل الغائب في قبض دينه فصدقه الغريم أمر بتسليم الدين إليه، فإن حضر الغائب فصدقه وإلا دفع إليه الغريم الدين ثانيًا ورجع به على الوكيل إن كان المال باقيًا في يده، وإن قال إني وكيل بقبض الوديعة فصدقه المودع لم يؤمر بالتسليم إليه. ولا يجوز إقراره عليه عند غير القاضي عند أبي حنيفة ومحمد .. الخ)، قال الإسبيجابي: "والصحيح قول أبي حنيفة ومحمد"، [والله أعلم]. [فرع: قال أبو نصر الأقطع: "الموكِّل إذا ارتدّ ولحق بدار الحرب ثم عاد مسلمًا، فإنّ الوكالة لا تعود في قولهم المشهور"] (١).

стр. 264

كتاب الكفالة الكفالة ضربان: كفالة بالنفس وكفالة بالمال، فالكفالة بالنفس جائزة والمضمون بها إحضار المكفول به، وينعقد إذا قال تكفلت بنفس فلان أو برقبته أو بروحه أو بجسده أو برأسه أو بنصفه أو بثلثه، وكذلك إن قال ضمنته أو هو عليّ أو إليّ أو أنا به زعيم أو قبيل. فإن شرط في الكفالة تسليم المكفول به في وقت بعينه لزمه إحضاره إذا طالبه به في ذلك الوقت فإن أحضره وإلا حبسه الحاكم، وإذا أحضره وسلمه في مكان يقدر المكفول له على محاكمته برئ الكفيل من الكفالة، وإذا تكفل على أن يسلمه في مجلس القاضي فسلمه في السوق، برئ فإن سلمه في برّيّة لم يبرأ، وإذا مات المكفول عنه برئ الكفيل بالنفس من الكفالة، فإن تكفل بنفسه على أنه إن لم يواف به في وقت كذا فهو ضامن لما عليه وهو ألف، فإن لم يحضره في الوقت لزمه ضمان المال ولم يبرأ من الكفالة بالنفس، ولا تجوز الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص * عند أبي حنيفة، قال أبو يوسف ومحمد: تجوز، وأما الكفالة بالمال فجائزة معلوما كان المال المكفول به أو مجهولاً إذا كان دينا صحيحًا مثل أن يقول تكفلت عنه بألف درهم أو بما لك عليه أو بما يدركك في هذا البيع، فالمكفول له بالخيار إن شاء طالب الذي عليه "الأصل" وإن شاء طالب كفيله، كتاب الكفالة قوله (١): (كالحدود (٢) والقصاص)، قال في "الهداية" (٣): "عند أبي حنيفة، معناه لا يجبر عليها (٤) عنده، وقالا: يجبر في حدّ القذف".

стр. 265

ويجوز تعليق الكفالة بالشروط مثل أن يقول ما بايعت فلانًا فعلي وما لك عليه فعليّ أو ما ذأب لك عليه فعلي أو ما غصبك فعلي، وإذا قال تكفلت بما لك عليه فقامت البينة بألف عليه ضمنه الكفيل فإن لم تقم بينة فالقول قول الكفيل مع يمينه في مقدار ما يعترف به، وإن اعترف المكفول عنه بأكثر من ذلك لم يصدق على كفيله، وتجوز الكفالة بأمر المكفول * عنه وبغير أمره، فإن كفل بأمره رجع بما يؤدي عليه، وإن كفل بغير أمره لم يرجع بما يؤديه، وليس للكفيل أن يطالب المكفول عنه بالمال قبل أن يؤدي عنه، فإن لوزم بالمال كان له أن يلازم المكفول عنه حتى يخلصه، فإذا أبرأ الطالب المكفول عنه أو استوفى منه برئ الكفيل، وإذا أبرأ الكفيل لم يبرأ المكفول عنه، ولا يجوز تعليق البراءة من الكفالة بشرط. وكل حق لا يمكن استيفاؤه من الكفيل لا تصح الكفالة به كالحدود والقصاص، وإذا تكفل عن المشتري بالثمن جاز وإن تكفل عن البائع بالمبيع لم يجز، ومن استأجر دابة فكفل رجل بالحمل ليحمل فإن كانت بعينها لم تصح الكفالة بالحمل، وإن كانت بغير عينها جازت الكفالة، ولا تصح الكفالة إلا بقبول المكفول له في مجلس العقد * إلا في مسألة واحدة وهو أن يقول المريض لوارثه تكفل عني بما عليّ من الدين فتكفل عنه مع غيبة الغرماء جاز، وإذا كان الدين على اثنين وكل واحد منهما كفيل ضامن عن الآخر فما أدى أحدهما لم يرجع به على شريكه حتى يزيد ما يؤديه على النصف فيرجع بالزيادة، وإذا تكفل اثنان عن رجل بألف وكل واحد منهما كفيل عن صاحبه فما قلت: فسَّرَه بهذا لأن الإمامَ الإسبيجابي قال: "المشهور في قول علمائنا أن الكفالة بالنّفْس في الحدود والقصاص جائزة اختيارًا في المطلوب، أما القاضي لا يجبر على إعطاء الكفيل، وقال أبو يوسف ومحمد: يؤخذ منه الكفيل ابتداءً، واختار قولَ الإمامِ النسفيُّ والمحبوبي وغيرهما. قوله: (وتجوز الكفالة بأمر المكفول (١) .. الخ)، قال القاضي (٢): "كل ما هو مطالب به حسًّا جازت الكفالة به، فإن أمر غيره بذلك إن قال على أن ترجع عليّ بذلك كان له أن يرجع عليه، وإن لم يقل على أن ترجع بذلك علي اختلفوا فيه، والصحيح أنه يرجع". قوله: (ولا تصحّ الكفالة إلّا بِقَبُول المكفول له في مجلس العقد)، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف يجوز إذا بَلَغه فأجاز، والمختار قولُهما عند المحبوبي والنسفي وغيرهما.

стр. 266

أداه أحدهما يرجع بنصفه على شريكه قليلا كان أو كثيرًا، ولا تجوز الكفالة بمال "الكتابة" حر تكفل به أو عبد، وإذا مات الرجل وعليه ديون ولم يترك شيئًا فتكفل رجل عنه للغرماء لم تصح الكفالة عند أبي حنيفة *. قوله: (وإذا مات الرجل وعليه دين ولم يترك شيئًا فكفل رجل عنه للغرماء لم تصحّ الكفالةُ عند أبي حنيفة، وقالا: تصح)، قال الإسبيجابي: "والصحيح قول أبي حنيفة"، واعتمده المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة وأبو الفضل المَوْصلي وغيرهم.

стр. 267

كتاب الحوالة الحوالة جائزة بالديون، وتصح برضى المحيل والمحتال والمحال عليه. وإذا تمت الحوالة برئ المحيل من الدين ولم يرجع المحتال على المحيل إلا أن يَتْوى حقه، والتّوى عند أبي حنيفة أحد الأمرين *: إما أن يجحد الحوالة ويحلف عليه ولا بينة عليه أو يموت مفلسًا، وقال أبو يوسف ومحمد فيه وجهًا ثالثًا وهو أن يحكم الحاكم بإفلاسه في حال حياته، وإذا طالب المحتال عليه بمثل مال الحوالة عليه فقال المحيل أحلت بدين لي عليك لم يقبل قوله وكان عليه مثل الدين، وإن طالب المحيل المحتال بما أحاله به فقال إنما أحلتك لتقبضه لي وقال المحتال بل أحلتني بدين كان لي عليك فالقول قول المحيل. وتكره السفاتج وهي قرض استفاد به المقرض أمن خطر الطريق. كتاب الحوالة قوله: (والتَّوَى (١) عند أبي حنيفة بأحد أمرين .. الخ)، ومشى على قوله النسفيّ ورَجَّح دليله.

стр. 268

كتاب الصلح الصلح على ثلاثة أضرب: صلح مع إقرار، وصلح مع سكوت وهو أن لا يقر المدعى عليه ولا ينكر، وصلح مع إنكار، وكل ذلك جائز، فإن وقع الصلح عن إقرار اعتبر فيه ما يعتبر في البياعات إن وقع عن مال بمال، وإن وقع عن مال بمنافع فيعتبر بالإجارات والصلح على السكوت والإنكار في حق المدعى عليه لافتداء اليمين وقطع الخصومة وفي حق المدعي بمعنى المعاوضة، وإذا صالح عن دار لم تجب فيها شفعة *، وإذا صالح على دار وجبت فيها الشفعة، وإذا كان الصلح عن إقرار فاستحق بعض المصالح عنه رجع المدعى عليه بحصة ذلك من العوض وإن وقع الصلح عن سكوت أو إنكار فاستحق المتنازع فيه رجع المدعي بالخصومة ورد العوض، فإذا استُحِقّ بعض ذلك رد حصته ورجع بالخصومة فيه، وإن ادعى حقًا في دار لم يبينه فصولح من ذلك ثم استحق بعض الدار لم يرد شيئًا من العوض لأن دعواه يجوز أن يكون فيما بقي، والصلح جائز من دعوى الأموال والمنافع وجناية العمد والخطأ ولا تجوز من دعوى حد، وإذا ادعى رجل على امرأة نكاحًا وهي تجحد فصالحته على مال بذلته حتى يترك الدعوى جاز وكان في معنى الخلع، وإن ادعت امرأة نكاحًا على رجل فصالحها على مال بذله لها لم يجز *، وإن ادعى على رجل أنه عبده فصالحه على مال أعطاه جاز وكان في حق المدعي في معنى العتق على مال، وكل شيء وقع عليه الصلح وهو مستحق بعقد المداينة لم يحمل على المعاوضة وإنما يحمل على أنه استوفى بعض حقه وأسقط باقيه كمن له على رجل ألف درهم جياد فصالحه على خمس مئة زيوف جاز وصار كأنه أبرأه من بعض حقه، ولو صالحه على ألف مؤجلة جاز فكأنه أجل نفس الحق ابتداءً، ولو صالحه على دنانير إلى شهر لم يجز، ولو كان له ألف مؤجلة فصالحه على خمس مئة حالة لم يجز، ولو كتاب الصلح قوله: (وإذا صالَحَ عن دارٍ لم تجب فيها الشُّفعة)، قال الإسبيجابي: "يريد به إذا صالح مع الإنكار أو السُّكوت"، ومثله في "الهداية" (١). قوله: (وإن ادّعَتْ امرأةٌ نكاحًا على رجل فصالحها على مال بذَلَه [لها] لم يَجُزْ)، هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها: (جاز)، ووجهه أن يجعل زيادة في مهرها.

стр. 269

كان له ألف سود فصالحه على خمس مئة بيض لم يجز، ومن وكل رجلا بالصلح عنه فصالح لم يلزم الوكيل ما صالح عليه إلا أن يضمنه والمال لازم للموكل، فإن صالح عنه رجل بغير أمره فهو على أربعة أوجه: إن صالح بمال وضمنه تم الصلح ولزمه تسليمها وكذلك لو قال صالحتك على ألفي هذه تم الصلح ولزمه تسليمها، وكذلك لو قال صالحتك على ألف وسلمها، وإن قال صالحتك على ألف ولم يسلمها فالعقد موقوف فإن أجازه المدعى عليه جاز ولزمه الألف وإن لم يجزه بطل. وإذا كان الدين بين شريكين فصالح أحدهما من نصيبه على ثوب فشريكه بالخيار إن شاء اتبع الذي عليه الدين بنصفه وإن شاء أخذ نصف الثوب إلا أن يضمن له شريكه ربع الدين، ولو استوفي نصف نصيبه من الدين كان لشريكه أن يشاركه فيما قبض ثم يرجعان على الغريم بالباقي، ولو اشترى أحدهما بنصيبه من الدين سلعة كان لشريكه أن يضمن ربع الدين، وإذا كان السلم بين شريكين فصالح أحدهما من نصيبه على رأس المال لم يجز عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يجوز الصلح*، وإذا كانت التركة بين ورثة فأخرجوا أحدهم منها بمال أعطوه إياه والتركة عقار أو عروض جاز قليلاً كان أو كثيرًا ما أعطوه، فإن كانت التركة فضة فأعطوه ذهبًا أو كان ذهبًا فأعطوه فضة فهو كذلك، فإن كانت التركة ذهبًا وفضة وغير ذلك قوله: (وإذا كان السَّلَم بين شريكين فصالح أحدُهما من نصيبه على رأس المال لم يجز عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يجوز الصُّلح)، وهكذا ذكر الحاكم قول محمد مع أبي حنيفة، وهكذا في "الهداية"، وفي الإسبيجابي: "وقالا: لا يجوز الصلح"، وقول أبي حنيفة هو أصحّ الأقاويل عند المحبوبي وهو المختار للفتوى، على ما هو رسم المفتي عند القاضي وصاحب "المحيط" (١)، وهو المعوَّل عليه عند النَّسفي. فرع: قال القاضي (٢): "ادّعى صاحبُ المال على المودَع الاستهلاكَ، والمودَع يدعي الرّدّ أو الهلاك، ثم صالحه على شيء، جاز الصُّلْح في قول محمد وأبي يوسف الآخر (٣) واختلفوا في قول أبي حنيفة، والصحيح أنه لا يجوز في قوله، وهو قول أبي يوسف الأول، وعليه الفتوى".

стр. 270

فصالحوه على فضة أو ذهب فلا بد أن يكون ما أعطوه أكثر من نصيبه من ذلك الجنس حتى يكون نصيبه بمثله والزيادة بحقه من بقية الميراث، ولا بد من قبض حصته في المجلس، وإذا كان في التركة دين على الناس فأدخلوه في الصلح على أن يخرجوا المصالح عنه ويكون الدين لهم فالصلح باطل، فإن شرطوا أن يبرأ الغرماء منه ولا يرجعوا عليهم بنصيب المصالح فالصلح جائز.

стр. 271

كتاب الهبة الهبة تصح بالإيجاب والقبول وتتم بالقبض، فإن قبض الموهوب له في المجلس بغير أمر الواهب جاز، وإن قبض بعد الافتراق لم يصح إلا أن يأذن له الواهب في القبض، وتنعقد الهبة بقوله وهبت ونحلت وأعطيتك وأطعمتك هذا الطعام وجعلت هذا الثوب لك وأعمرتك هذا الشيء وحملتك على هذه الدابة إذا نوى بالحملان الهبة، ولا تجوز الهبة فيما ينقسم إلا محوزة مقبوضة مقسومة، وهبة المشاع فيما لا يقسم جائزة، ومن وهب شقصًا مشاعًا فالهبة فاسدة فإن قسمه وسلمه جاز، ولو وهب دقيقًا في حنطة أو دهنًا في سمسم فالهبة فاسدة فإن طحن وسلم لم يجز، وإذا كانت العين في يد الموهوب له ملكها بالهبة وإن لم يجدد فيها قبضًا *، وإذا وهب الأب لابنه الصغير هبة ملكها الابن بالعقد وإن وهب له أجنبي هبة تمت بقبض الأب، وإذا وُهب لليتيم هبة قبضها وليه جاز، فإن كان في حجر أمه فقبْضها له جائز، وكذلك إن كان في حجر أجنبي يربيه فقبضه له جائز، وإن قبض الصبي الهبة بنفسه جاز، وإذا وهب اثنان من واحد دارًا جاز، وإذا وهب واحد من اثنين لم تصح عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد تصح *. وإذا وهب هبة لأجنبي فله الرجوع فيها إلا أن يعوضه عنها أو يزيد زيادة متصلة أو يموت أحد المتعاقدين أو تخرج الهبة من ملك الموهوب له، وإن وهب هبة لذي رحم محرم منه فلا رجوع فيها، وكذلك ما وهبه أحد الزوجين للآخر، وإذا قال الموهوب له للواهب خذ هذا عوضًا عن هبتك أو بدلاً عنها أو في مقابلتها فقبَضه الواهب سقط الرجوع، وإن عوضه أجنبي عن كتاب الهبة قوله: (وإذا كانت العين الموهوبة في يدِ الموهوب له مَلَكَها بالهبة، وإن لم يجدِّد فيها قبضًا)، قال في "الينابيع": "يريد به إذا كانت العين في يده وديعة أو عارية أو مغصوبة أو مقبوضة بالعقد الفاسد، أما لو كانت في يده رهنًا يحتاج إلى تجديد القبض"، قال الإسبيجابي: "بأن يرجع إلى موضع فيه العين ويمضي وقت يتمكن من قبضها". قوله: (وإن وهب من اثنين واحد لم يصح عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يصح)، وقد اتفقوا على ترجيح دليل الإمام، واختار قولَه أبو الفضل المَوْصلي وبرهانُ الأئمة المحبوبي وأبو البركات النسفي.

стр. 272

الموهوب له متبرعًا فقبض العوض سقط الرجوع، وإذا استُحق نصف الهبة رجع بنصف العوض، وإذا استحق نصف العوض لم يرجع بنصف الهبة إلا أن يرد ما بقي من العوض ثم يرجع، ولا يصح الرجوع في الهبة إلا بتراضيهما أو بحكم الحاكم، وإذا تلفت العين الموهوبة واستحقها مستحق فضمن الموهوب له لم يرجع على الواهب بشيء، وإذا وهب بشرط العوض اعتبر التقابض في العوضين وإذا تقابضا صح العقد وصار في حكم البيع وترد بالعيب وخيار الرؤية وتجب فيه الشفعة. والعمرى جائز للمعمر في حال حياته ولورثته من بعده، والرقبى باطلة عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف جائزة *. ومن وهب جارية إلا حملها صحت الهبة وبطل الاستثناء، والصدقة كالهبة لا تصح إلا بالقبض ولا تجوز في مشاع يحتمل القسمة، وإذا تصدق على فقيرين بشيء جاز، ولا يصح الرجوع في الصدقة بعد القبض، ومن نذر أن يتصدق بماله لزمه أن يتصدق بجنس ما تجب فيه الزكاة، ومن نذر أن يتصدق بملكه لزمه أن يتصدق بالجميع ويقال له أمسك ما تنفقه على نفسك وعيالك إلى أن تكتسب، فإذا اكتسبتَ مالاً تصدقت بمثل ما أمسكت. قوله: (والرُّقْبى (١) باطلة عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف: جائزة)، قال الإسبيجابي: "وهو قول الشافعي، وصفته أن يقول: هذه الدار لك رقبى، والصحيح قولنا (٢) ".

стр. 273

كتاب الوقف لا يزول ملك الواقف عن الوقف عند أبي حنيفة إلا أن يحكم به حاكم أو يعلقه بموته * فيقول إذا مت فقد وقفت داري على كذا، وقال أبو يوسف: يزول الملك بمجرد القول *، وقال محمد: لا يزول الملك حتى يجعل للوقف وليًا ويسلمه إليه، * وإذا صح كتاب الوقف قوله: (لا يزول ملك الواقف عن الوقف عند أبي حنيفة إلا أن يحكم به الحاكم أو علقه بموته)، قال في "الجواهر": "مراده أي لا يلزم، فيصح الرجوع ويجوز بيعه بعد الوقف، لا أن مراده لا حكم له أصلاً". قوله: (إلا أن يحكم به حاكم)، قال في "التحفة" (١): "بناء على دعوى صحيحة وشهادة قائمة على ذلك وإنكار الواقف .. وهذا إذا كان من رأي القاضي أن الوقف صحيح لازم لا يجوز نقضه بحال، وهو من أهل الاجتهاد". قوله: (وقال أبو يوسف: يزول بمجرّد القول)، قال في "الجواهر": "أي يصح في المشاع وغير المشاع، سلّم إلى المتولي أولم يسلم، ذكر جهة لا تنقطع أو تنقطع". قوله: (وقال محمد: لا يزول حتى يجعل للوقف وليًّا فيسلمه إليه)، قال في "التحفة" (٢) و"الاختيار" (٣): "ثم عند محمد؛ لصحة الوقف أربعة شرائط: التسليم إلى المتولي، وأن يكون مفرزاً، وأن لا يشترط لنفسه شيئاً من منافع الوقف، وأن يكون مؤبداً بأن يجعل آخرَه للفقراء". قلت: الثالث ليس فيه رواية ظاهرة عنه، وسيأتي إن شاء الله تعالى. وقال في "الفتاوى الصغرى" في كتاب الإجارات، وفي آخر كتاب الوقف: "إن الفتوى في جواز الوقف على قول أبي يوسف ومحمد"، وقال في

стр. 274

الوقف على اختلافهم يخرج من ملك الواقف ولم يدخل في ملك الموقوف عليه. ووقف المشاع جائز عند أبي يوسف، وقال محمد لا يجوز *. ولا يتم الوقف عند أبي حنيفة " الحقائق": "قال في "التتمة" و"العون": [إن] (١) الفتوى على قولهما"، وقال في "مختارات النوازل": "والفتوى اليوم على إمضائه"، وقال في "الخلاصة" (٢): "وأكثر أصحابنا أخذوا بقولهما"، وقال في "منية المفتي" (٣): "الفتوى في الوقف على قول أبي يوسف ومحمد، ثم إن مشايخ بَلْخ اختاروا قول أبي يوسف، ومشايخ بخارى اختاروا قول محمد"، قال في "المحيط": "ومشايخنا أخذوا بقول أبي يوسف ترغيبًا للناس، ومشايخ بخارى أخذوا بقول محمد"، وقال صاحب "الهداية" في "التجنيس" (٤): "ومشايخ بلخ أخذوا بقول أبي يوسف، ومشايخ بخارى أخذوا بقول محمد، وبه يفتى، ثم قال: وقول محمد هو المختار للفتوى"، وقال في "الخلاصة" (٥): "ثم إن أبا يوسف في قوله الأول ضيّق غاية التضييق كما هو قول أبي حنيفة، وفي قوله الآخر وسّع غاية التوسعة، ومحمد توسط بينهما، ولهذا أخذ عامة المشايخ بقوله" انتهى. وسيأتي مفصلاً (٦)، والله أعلم. قوله: (ووقف المشاع جائز عند أبي يوسف، وقال محمد: لا يجوز)، قال في "الهداية" (٧): "هذا فيما يحتمل القسمة، فأما فيما لا يحتمل القسمة فيجوز مع الشيوع عند محمد"، انتهى. وأكثر المشايخ أخذوا بقول محمد، قال في "الحقائق": "وكذا لا يصح وقف المشاع عنده، وعليه الفتوى". وقال في "التجنيس" - بعلامة النون -: "به نفتي"، وقال في "التجنيس"

стр. 275

ومحمد حتى يجعل آخره لجهة لا تنقطع أبدًا، وقال أبو يوسف: إذا سمى فيه جهة تنقطع جاز وصار بعدها للفقراء وإن لم يسمهم *. ويصح وفق العقار، ولا يجوز وقف ما ينقل و"الواقعات": "رجل وقف مشاعًا لم يجز في قول محمد، وبه يفتى، فإن رُفع إلى قاضٍ فقضى بجوازه جاز في حقّ الكل، لاْنه مختلف فيه فيصير متفقًا عليه باتصال القضاء به". وقال في "التجنيس" و"الفتاوى الكبرى": "وقَفَتْ دارًا في مرضها على ثلاث بنات لها وآخره للفقراء، ولا مال لها غيرها ولا وارث لها غيرهنّ، فثلث الدار وقف عند أبي يوسف وأما عند محمد فلا يجوز، وبه يفتى، وكذا في التسليم إلى المتولي"، قال في "التجنيس": "إلّا أن التسليم إلى المتولي عند أبي يوسف ليس بشرط وعند محمد شرط، وبه يفتى". وقال في أرض جعلها وقفًا وزرعها: "يتأتى على قول من لا يشترط التسليم، أما على قول من يشترط التسليم، وهو المختار للفتوى: لا يتأتى". [و] قال قاضي خان في وقف الحُجرة: "تصير وقفًا إذا سلمها إلى المتولي، وعليه الفتوى" (١). قوله: (ولا يتم الوقف عند أبي حنيفة ومحمد حتى يجعل آخره لجهة لا تنقطع أبدًا، وقال أبو يوسف: إذا سمّى فيه جهة تنقطع جاز وصار بعدها للفقراء وإن لم يسمهم)، قوله: (وصار بعدها للفقراء)، هذا أحد الروايتين عنه، وعنه أنه يعود إلى الورثة، ذكره في "المبسوط" وفي "أجناس" الناطفي، وقال فيه: "فحصل عنه روايتان"، صحَّحَ في "الهداية" رواية القدوري (٢)، وذكرها في "مختارات النوازل"، ثم قال: "وقيل ذكرُ التأبيد شرط عند محمد، والصحيح أنه قول الكل". قلت: لكن قد يستغنى عن ذكره بالعرف في الألفاظ. قال في "التجنيس": "قال: أراضي هذه موقوفة، أو قال: جعلت أرضي هذه وقفًا، فإن هذه تكون وقفًا، على الفقراء في قول أبي يوسف خاصة، وكان مشايخ بلخ يفتون بقول أبي يوسف، ونحن أيضًا نفتي بقوله لمكان العرف، إلا أن التسليم إلى المتولي شرط عند محمد، وبه يفتى"، وهكذا ذكر في "الفتاوى الكبرى".

стр. 276

ويحول *. وقال أبو يوسف: إذا وقف ضيعة ببقرها وأكرتها وهم عبيده جاز،* وقال محمد: يجوز حبس الكراع والسلاح *. وإذا صح الوقف لم يجوز بيعه ولا تمليكه إلا أن قوله: (ولا يجوز وقف ما ينقل ويحول)، قال في "الهداية" (١): "هذا على الإرسال - أي الإطلاق - قول أبي حنيفة". قلت: الفتوى في الوقف على قولهما، وفيه ما سيأتي. واختلفوا فيما فيه تعامل ظاهر (٢)، قال أبو يوسف: لا يجوز، وقال محمد: يجوز، قال في "الهداية": "وأكثر فقهاء الأمصار على قول محمد" (٣)، وفي "الخلاصة"، (٤): "وإليه ذهب عامة المشايخ، منهم السرخسي". قوله: (وقال أبو يوسف: إذا وقف ضيعة ببقرها وشربها وأكرتها، وهم عبيده جاز)، قال في "الهداية" (٥): "ومحمد ﵀ معه فيه". قوله: (وقال محمد: يجوز حبس الكُراع والسلاح)، قال في "الهداية" (٦): "معناه وقْفُه في سبيل الله، وأبو يوسف معه فيه على ما قالوا، وهذا استحسان .. ووجهه (٧) الآثار المشهورة فيه (٨) .. والكُراع: الخيل". وقال في "الجواهر": "تخصيص أبي يوسف في الضيعة، وتخصيص محمد في الكراع باعتبار أن الرواية نصًّا جاءت عن أبي يوسف في الضيعة ببقرها، وفي الكراع جاءت عن محمد نصًا، لا أن (٩) ذكر أبي يوسف لأجل

стр. 277

يكون مشاعًا عند أبي يوسف فيطلب الشريك القسمة فتصح مقاسمته، والواجب أن يبتدئ من ارتفاع الوقف بعمارته شرط ذلك الواقف أو لم يشرطه، فإن وقف دارًا على سكنى ولده فالعمارة على من له السكنى، فإن امتنع من ذلك أو كان فقيرًا أجره الحاكم وعمرها بأجرتها، فإذا عمرت ردها إلى من له السكنى. وما انهدم من بناء الوقف وآلته صرفه الحاكم في عمارة الوقف إن احتاج إليه، وإن استغنى عنه أمسكه الحاكم حتى يحتاج إلى عمارته فيصرفه فيها، ولا يجوز أن يقسمه بين مستحقي الوقف. وإذا جعل الواقف غلة الوقف لنفسه أو جعل الولاية إليه جاز عند أبي يوسف،* خلاف محمد، وذكر محمد لأجل خلاف أبي يوسف" انتهى. قلت: وقد علمت أن الفتوى في الوقف على قولهما، والله أعلم. قوله: (وإذا جعل الواقف غلة الوقف لنفسه أو جعل الولاية إليه جاز عند أبي يوسف)، أما الفصل الأول (١)؛ فقال في "الهداية" (٢): "ولا يجوز على قياس قول محمد .. وقيل: الخلاف بينهما بناء على الاختلاف في اشتراط القبض - أي قبض المتولي - وقيل: هي مسألة مبتدأة"، قال في الشرح (٣): "وهو أوجه"، وقال قاضي خان (٤): "قال الفقيه أبو جعفر: وليس في هذا عن محمد رواية ظاهرة"، وقال في "الذخيرة": "وليس عن محمد رواية ظاهرة في هذه الصورة [و] اختلف المشايخ على قوله، بعضهم قال لا يجوز عنده لأن الإخراج من يده والتسليم إلى المتولي شرط، وبعضهم قالوا: على قول محمد يجوز، وكان الفقيه أبو بكر الإسْكاف (٥) يجيز أن يشترط الواقف لنفسه الأكل فيقول على أني آكل منه، ولا يجيز الوقف على نفسه، وكان يقول الوقف على نفسه خرج مخرج الفساد فيبطل، وشرط الأكل لنفسه خرج بعد خروج الوقف على وجه الصحة فصح"، وقال الطَّحَاوي في كتاب "اختلاف الفقهاء" (٦): "إنما

стр. 278

. . . . . . . . . . . . يصح الوقف في منافع الأشياء التي يملكُها الواقف، فيجعلها لغيره، فلا يجوز شرطها لنفسه لأنَّه لا يجوز أن يملّك نفسه ما هو مالكُه، وأما عُمَر [﵁] فإنما شرط ذلك لمن يليه من غيره (١) ". وقال قاضي خان (٢): "ومشايخ بلخ أخذوا بقول أبي يوسف، وقالوا يجوز الوقف والشرط جميعًا، وذكر الصدر الشهيد (٣) أن الفتوى على قول أبي يوسف ترغيبًا للناس في الوقف"، وقال في "الفتاوى الصغرى": "نصّ شيخ الإسلام في وقفه الفتوى على أنه يجوز"، وقال في "التتمة": "ومشايخ بلخ أخذوا بقول أبي يوسف، وعليه الفتوى ترغيبًا للناس في الوقف"، واعتمده النسفي وأبو الفضل الموصلي. وأما الفصل الثاني (٤)؛ فاعتمده النسفي، وقال الطحاوي (٥): "ولمّا لم يذكر النبي ﷺ لعمر إخراجها عن يده (٦) دلّ على جوازه غير مقبوض، قلت: وقال الخصّاف: [حدّ] ثنا الواقدي (٧) قال: قال لي أبو يوسف: ما عندك في وقف عمر بن الخطاب [﵁]؟ فقلت: حدثنا أبو بكر بن عبد الله، عن عاصم بن عبد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: شهدت كتاب عمر حين وقف وقفه أنه في يده، فإذا توفي فهو إلى حفصة بنت عمر، فلم يزل عمر يلي وقفه إلى أن توفي، ولقد رأيته هو بنفسه

стр. 279

. . . . . . . . . . . . . . . يقسم تمرة (١) تمغ في السنة التي توفي فيها ثم صار إلى حفصة، فقال أبو يوسف: هذا الذي أخذنا به"، وقال في "الهداية": "إنه ظاهر المذهب" واستدل له دون مقابلِه (٢)، وخالف ذلك في "التجنيس" فقال: - "رجل وقف وقفًا ولم يذكر الولاية لأحد فالولاية للواقف وهو أولى بالقيام عليه، هكذا ذكر هنا، وهذا يتأتى على قول أبي يوسف؛ لأن التسليم عنده للمتولي ليس بشرط، أمّا لا يتأتى على قول محمد، وبقول محمد يفتى. - رجل وقف ضيعة له وأخرجها من يده إلى القيّم ثم أراد أن يأخذ [ها] منه قهرًا، [فهذا] (٣) على وجهين: إما أنْ شَرَطَ لنفسه في الوقف أنّ إليه العزل والإخراج من يد القيم، أو لم يشرِط، ففي الوجه الأول له ذلك لأن شرط الواقف يراعى. وفي الوجه الثاني على قول محمد ليس له ذلك، وفي قول أبي يوسف له ذلك بناء على أن الوقف لا يصح إلا بالتسليم إلى المتولي عند محمد ولا يكون المتولي وكيل الواقف، وعند أبي يوسف يصح فيكون المتولي وكيل الواقف فله أن يعزله عن الوكالة، ومشايخ بلخ يفتون بقول أبي يوسف، وهذا أخذ به الفقيه أبو الليث (٤)، ومشايخ بخارى يفتون بقول محمد، وبه نُفتي. ن (٥). الواقف إذا شرط في الوقف الولاية لنفسه ولأولاده في عزل القُوّام والاستبدال بهم جاز، نص عليه في "السِّيَر الكبير"، فلو لم يشترط قال محمد لا ولاية له، والولاية للقيم، ولو مات لا ولاية لوصيه، وعند أبي يوسف يصح بدون التسليم فإذا سلم كان وكيلاً ينعزل بموته إلا إذا جعله قيمًا في حياته وبعد وفاته، فحينئذ يصير قيّمًا، والفتوى على قول محمد. - رجل قال: جعلت حجرتي لدهن سراج المسجد ولم يزد على هذا صارت الحجرة وقفًا على المسجد كما قال، حتى لو أراد أن يرجع لا يملك،

стр. 280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . يريد به بعد التسليم إلى المتولي على ما اخترناه للفتوى، وليس للمتولي أن يصرف إلى غير الدهن. - رجل قال: أرضي هذه صدقة موقوفة فإن هذه (١) تكون وقفًا إلا أن التسليم إلى المتولي عند أبي يوسف ليس بشرط وعند محمد شرط، وبه يفتي"، انتهى (٢). وقال قاضي خان (٣): "رجل وقف أرضًا على جهة ولم يشترط الولاية لنفسه ولا لغيره ذكر هلال (٤) والناطفي أن الولاية تكون للواقف، وذكر محمد في "السير الكبير" أنه إذا وقف ضيعة وأخرجها إلى القيم لا تكون له الولاية بعد ذلك إلا أن يشترط الولاية لنفسه، وكذا لو مات الواقف وله وصي فالولاية تكون للقيم دون الوصي، ومن المشايخ من قال: الواقف أحق بالولاية وله أن يأخذها من المتولي ما لم يقضِ القاضي، يعني ما لم يقض القاضي بلزوم الوقف، وهذه المسألة بناء على أن عند محمد التسليم إلى المتولي شرط لصحة الوقف، فلا يبقى له ولاية بعد التسليم إلا أن يشترط الولاية لنفسه، أما على قول أبي يوسف التسليم إلى المتولي ليس بشرط فكانت الولاية للواقف وإن لم يشترط الولاية لنفسه، ومشايخ بَلْخ أخذوا بقول أبي يوسف، ومشايخنا بقول محمد" انتهى. فأفاد أن عند محمد يجوز أن يشترط الولاية لنفسه. وأورد على هذا في "شرح"الهداية"" (٥): "أن مقتضى اشتراط محمد التسليم إلى القيم أن لا يثبت للواقف ولاية وإن شرطها لنفسه لأنَّه ينافي هذا الشرط، [و] أجيب بوجهين:

стр. 281

وإذا بنى مسجدًا لم يزل ملكه عنه حتى يفرزه عن ملكه بطريقه ويأذن للناس في الصلاة فيه، فإذا صلى فيه واحد زال عند أبي حنيفة ملكه، وقال أبو يوسف: يزول أحدهما: أن تأويل ذلك أن يكون شَرَطَ الولاية لنفسه ثم سلمها إلى المتولي فإن الولاية تكون له .. والآخر: أن معنى قول محمد "إن شرط الولاية لنفسه فهي له" أنه إذا شرط الولاية لنفسه يسقط شرْط التسليم عند محمد أيضًا لأن شروط الواقف تراعى، ومن ضرورته سقوط التسليم، قال السِّغْناقي في "النهاية" (١): "كذا وجدت في موضع بخط ثقة" انتهى. قلت: فعلى هذا مسألة "الكتاب" لا خلاف فيها وإنما الخلاف فيما إذا لم يشترط، وعلى الجواب الأول إنه لا يستغني عن التسليم مع الشرط. [وقد بيّن شمس الأئمة في "شرح السير الكبير" معنى شرط الولاية بما يسقط معه الإشكال فيستغنى عن الجواب بوجهه فقال: ولو دفعه إلى قيّم وشرط أنه إن مات القيم قبله فله أن يقيم فيه من أحبّه، جاز الشرط والحبس لأنَّه أخرجه من يديه بهذا الشرط فيراعى كشرط آخر، ولم يمنع هذا الشرط إخراجه من يديه فتم الحبس، ولا يبطل بعوده إلى يده كيد غيره، وكذا لو شرط قيّمًا بعد قيم فذلك إليه، وليس للقيم الأول أن يجعله لغير من شرطه له الحابس، كما اعتبر شرطه في القيم الأول فيتعيّن في غيره، وهكذا وقوف السلف ﵏، ولأن مثل هذا الشرط في ولاية السلطنة والإمارة] (٢). وقد تقدم اختيار المتأخرين لقول محمد، والله أعلم. قوله: (وإذا بنى مسجدًا لم يزُل ملكه عنه حتى يفرزه عن ملكه بطريقه، ويأذن للناس في الصلاة فيه، فإذا صلى فيه واحد زال ملكه عند أبي حنيفة،

стр. 282

ملكه عنه بقوله جعلته مسجدًا، * ومن بنى سقاية للمسلمين أو خانًا ليسكنه بنو وقال أبو يوسف يزول ملكه عنه بقوله جعلته مسجدًا)، قال في "الهداية" (١): "أما الإفراز فلأنه لا يخلص لله تعالى إلّا به، وأما الصلاة فيه فلأنه لا بد من التسليم عند أبي حنيفة ومحمد"، وقال قاضي خان (٢): "قال محمد - وهو قياس قول أبي حنيفة -: لا يزول ملكه قبل التسليم وبه أخذ شمس الأئمة السرخسي". قلت: فاستفدنا موافقة شمس الأئمة لمن تقدم في اشتراط التسليم. قال في "الهداية" (٣): "ثم تكفي صلاة الواحد فيه، في رواية عن أبي حنيفة، وكذا عن محمد .. وعن محمد أنه يشترط الصلاة بالجماعة"، وقال قاضي خان (٤): "وعن أبي حنيفة فيه روايتان، في رواية الحسن عنه يشترط أداء الصلاة بالجماعة بإذنه، اثنان فصاعدًا، كما قال محمد، وفي رواية (٥) أخرى عن أبي حنيفة: إذا صلى [فيه] واحد بإذنه يصير مسجدًا، إلا أن بعضهم قالوا: إذا صلى فيه واحد بأذان وإقامة، وفي ظاهر الرواية لم يذكر هذه الزيادة .. والصحيح رواية الحسن؛ لأن قبض كل شيء وتسليمه يكون بحسب ما يليق به، وذلك في المسجد بأداء الصلاة بالجماعة، أما الواحد يصلي في كل مكان. وعلى قول أبي يوسف: التسليم ليس بشرط لا في المسجد ولا في غيره من الأوقاف، فإذا قال: جعلت هذا مسجدًا وأذن للناس بالصلاة فيه يتم ذلك. ثم على الرواية التي لا يشترط أداء الصلاة بالجماعة عند أبي حنيفة إذا بنى مسجدًا وصلى هو فيه وحده هل يصير مسجدًا؟ اختلفوا فيه قال بعضهم: يصير مسجدًا لأن محمدًا ذكر في "الكتاب" أن على قول أبي حنيفة لا يصير مسجدًا حتى يُصلَّى فيه، وقوله ([حتى] يُصلّى فيه) فعل ما لم يسمَّ فاعله، فيدخل فيه الباني وغيره، وقال بعضهم صلاته لا تكفي، وهو الصحيح؛ لأن

стр. 283

السبيل أو رباطًا، أو جعل أرضه مقبرة لم يزل ملكه عن ذلك عند أبي حنيفة حتى يحكم به الحاكم *، وقال أبو يوسف: يزول ملكه بالقول *، وقال محمد: إذا استقى الناس من السقاية وسكنوا الخان والرباط ودفنوا في المقبرة زال الملك *. الصلاة إنما تشترط لأجل القبض للعامّة وقبضه لا يكفي، فكذلك صلاته. ولو بنى مسجدًا وسلم إلى المتولي، هل يصير مسجدًا قبل أداء الصلاة؟ لا رواية فيه عن أصحابنا، واختلف المشايخ فيه، قال بعضهم يصير مسجدًا ويتم كما تتم سائر الأوقاف بالتسليم إلى المتولي، وقال بعضهم: لا يصير مسجدًا بالتسليم إلى المتولي، وهو اختيار شمس الأئمة؛ لأن قبض كل شيء يكون بما يليق به، كقبض الخان بنزول واحد من المارة فيه بإذنه"، انتهى. واستفدنا منه أن ما عن محمد روايةٌ عن أبي حنيفة وهو الصحيح، وأن عند أبي يوسف الإذن بالصلاة مع قوله جعلته مسجدًا، وهو زيادة على ما في "الكتاب" (١). قوله: (ومن بنى سقاية للمسلمين أو خانًا يسكنه بنو السبيل أو رباطًا، أو جعل أرضَه مقبرة لم يزُل مِلكه عن ذلك عند أبي حنيفة حتى يحْكم به حاكم)، كما في الوقف على الفقراء، بخلاف المسجد فإنه لا يحتاج إلى الحكم. قوله: (وقال أبو يوسف: يزول مِلكه بالقول) كما هو أصله. قوله: (وقال محمد إذا استقى الناس من السقاية وسكنوا الخان والرباط ودفنوا في المقْبُرة زال الملك)؛ لأن التسليم عنده شرط وتسليم هذه بما ذكر، ويكتفى بالواحد في التسليم الموجب لزوال الملك، وقد علمتَ أن المتأخرين اختاروا قول محمد في اشتراط التسليم (٢)، والله أعلم.

стр. 284

كتاب الغصب ومن غصب شيئًا مما له مثل فهلك في يده فعليه ضمان مثله وإن كان مما لا مثل له فعليه قيمته يوم الغصب، وعلى الغاصب رد العين المغصوبة على مالكها، فإن ادعى أنها هلكت حبسه الحاكم حتى يعلم أنها لو كانت باقية لأظهرها ثم قضى عليه ببدلها، والغصب فيما ينقل ويحول، فإذا غصب عقارًا فهلك في يده لم يضمنه عند أبي حنيفة وأبي يوسف، * وقال محمد يضمنه، وما نقصه منه بفعله وسكناه ضمنه في قولهم، وإذا هلك المغصوب في يد الغاصب بفعله أو بغير فعله فعليه ضمانه، وإن نقص في يده فعليه ضمان النقصان، ومن ذبح شاة غيره فمالكها بالخيار إن شاء ضمنه فيمتها وسلمها إليه وإن شاء أخذها وضمنه نقصانها، ومن خرق ثوب غيره خرقًا يسيرًا ضمن نقصانه، وإن خرقه خرقًا كثيرًا يبطل عامة منفعته فللمالك أن يضمنه جميع قيمته، * وإذا تغيرت العين كتاب الغصب قوله: (وإذا غصب عقارًا فهلك في يده لم يضمنه عند أبي حنيفة وأبي يوسف .. الخ)، قال الإسبيجابي: "وقال محمد: يضمن، وبه قال (١) الشافعي، والصحيح قولنا"، واعتمده النسفي والمحبوبي وصدر الشريعة والموصلي. قوله: (وإن خرقه خرقًا كبيرًا بحيث يبطل عامة منافعه فلمالكه أن يضمِّنه جميع قيمته)، قال في "الهداية" (٢): "والصحيح أن الفاحش ما يفوت به بعض العين وجنس المنفعة ويبقى بعض العين وبعض المنفعة، واليسير ما لا يفوت به شيء من المنفعة وإنما يدخل فيه النقصان؛ لأن محمدًا جعل في "الأصل" قطع الثوب نقصانًا فاحشًا، والفائت (٣) به بعض المنافع"، وكذا قال في "الاختيار" ولفظه: "واختلفوا في العيب الفاحش، قيل هو أن يوجب نقصان ربع القيمة فما زاد، وقيل ينقص به نصف القيمة، والصحيح ما يفوت به بعض المنافع، واليسير ما لا يفوت به شيء من المنفعة بل يدخله نقصان عيب" (٤).

стр. 285

المغصوبة بفعل الغاصب حتى زال اسمها وعُظم منافعها زال ملك المغصوب منه عنها وملكها الغاصب وضمنها ولم يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها، وهذا كمن غصب شاة فذبحها وشواها أو طبخها، أو حنطة فطحنها أو حديدًا فاتخذه سيفًا أو صفرًا فجعله آنية، وإن غصب فضة أو ذهبًا فضربها دنانير أو دراهم أو آنية لم يزل ملك مالكها عنها عند أبي حنيفة، * ومن غصب ساجة * فبنى عليها زال ملك مالكها ولزم الغاصب قيمتها، ومن غصب أرضًا فغرس فيها أو بنى قيل له اقلع الغرس والبناء وردها، وإن كانت الأرض تنقص بقلع ذلك فللمالك أن يضمن له قيمة البناء والغرس مقلوعين، ومن غصب ثوبًا فصبغه أحمر أو سويقًا فلتّه بسمن فصاحبه بالخيار إن شاء ضمنه قيمة ثوب أبيض ومثل السويق وسلمهما للغاصب، وإن شاء أخذهما وغرم ما زاد الصبغ والسمن فيهما، ومن غصب عينًا فغيبها فضمنه المالك قيمتها ملكها والقول في القيمة قول الغصب مع يمينه إلا أن يقيم المالك بينة بأكثر من ذلك فإن ظهرت العين وقيمتها أكثر مما ضمن وقد ضمنها بقول المالك أو ببينة أقامها أو بنكول الغاصب عن اليمين فلا خيار للمالك، وإن كان ضمنه بقول الغاصب مع يمينه فالمالك بالخيار إن شاء أمضى الضمان وإن شاء أخذ العين ورد العوض. وولد المغصوبة ونماؤها وثمرة البستان المغصوب أمانة في يد الغاصب إن هلك فلا ضمان عليه إلا أن يتعدى فيها أو يطلبها مالكها فمنعه إياها، وما نقصت الجارية بالولادة في ضمان الغاصب فإن كان في قيمة الولد وفاء به جبر النقصان بالولد ويسقط ضمانه عن الغاصب، ولا يضمن الغاصب منافع ما غصبه إلا أن ينقص باستعماله فيغرم النقصان. وإذا استهلك المسلم خمر الذمي أو خنزيره ضمن قيمتهما، وإذا استهلكهما المسلم لم يضمن. قوله: (ومن غصب فضة أو ذهبًا فضربها (١) دراهم أو دنانير لم يزُل ملكُ مالكها عنها عند أبي حنيفة)، قال في "الهداية" (٢): "فيأخذها ولا شيء للغاصب، وقالا: يملكها الغاصب وعليه مثلها"، وأخَّر دليل الإمام وضمّنه جواب دليلهما، واختاره المحبوبي والنسفي وأبو الفضل الموصلي وصدر الشريعة. [قوله: (ومن غصب ساجة .. الخ)، قال أبو نصر الأقطع: "قال الشيخ أبو الحسن الكرخي: المسألة موضوعة على أنه بنى حول الساجة، أنه غير ظالم فلا يجوز نقضه، أما إذا بنى على نفس الساجة متعد فيه فيجوز نقضه، وظاهر المذهب أن حق المالك سقط في الوجهين، وهو الصحيح"] (٣).
следующие страницы →