فرقة جاءت من قبل المرأة بمعصية فلا نفقة لها، وإن طلقها ثم ارتدت سقطت نفقتها، وإن مكنت ابن زوجها من نفسها فلا نفقة لها وإن كان بعد الطلاق فلها النفقة، وإذا حبست المرأة بدين أو كصبها رجل كرهًا فذهب بها * أو حجت مع محرم فلا نفقة لها *، فإن مرضت في منزل الزوج فلها النفقة، ويفرض على الزوج إذا كان موسرًا نفقة خادمها *
وقولُه في "الهداية" (١): "وجه الأول قوله عليه [الصلاة و] السلام لِهِند امرأة أبي سفيان: "خذي من مال زوجِكِ ما يكفيك وولدَك بالمعروف"، (٢) ".
قلت: هذا دليل ظاهر الرواية، لأنه عليه [الصلاة و] السلام عالم بيسار أبي سفيان، وقد ذكرتْ هند أن له مالًا وأنها تأخذ منه بغير علمه مع ما يدفع لها، فاعتبر حالها (٣) وأمرها أن تأخذ كفايتها بالمعروف (٤)، والله أعلم.
قوله: (أو غصبها رجل كَرْهًا فذهب بها)، "الهداية" (٥): "وعن أبي يوسف أنّ لها النفقة، والفتوى على الأول".
قوله: (أو حَجَّت مع مَحْرم، فلا نفقة لها)، وعن أبي يوسف أن لها النفقة، والمعتمد الأول، عليه مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما.
قوله: (ويفرض على الزوج نفقةُ خادِمِها إذا كان مُوسِرًا)، قال في "الهداية" (٦): "قوله إذا كان موسرًا، إشارة إلى أنه لا تجب نفقة الخادم عند إعساره، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة، وهو الأصح، خلافًا لما قاله محمد"، فإن لم يكن لها خادم لا تستحق نفقة الخادم في ظاهر الرواية موسرًا كان الزوج أو معسرًا، نص عليه قاضي خان، وقال: "والصحيح أن الزوج لا يملك إخراج خادم المرأة من بيته" (٧).
стр. 352
ولا يفرض لأكثر من خادم واحد *، وعليه أن يسكنها في دار مفردة ليس فيها أحد من أهله إلا أن تختار ذلك، وإن كان له ولد من غيرها فليس له أن يسكنه معها، وللزوج أن يمنع والديها وولدها من غيره وأهلها الدخول عليها، ولا يمنعهم من النظر إليها وكلامها أي وقت اختاروا، ومن أعسر بنفقة امرأته لم يفرق بينهما ويقال لها استديني عليه، وإذا غاب الرجل وله مال في يد رجل معترف به وبالزوجية فرض القاضي في ذلك المال النفقة لزوجة الغائب وأولاده الصغار ووالديه وأولاده الكبار الزمناء والإناث ويأخذ منها كفيلًا بها* ولا يقضي بنفقة في مال غائب إلا لهؤلاء، وإذا قضى القاضي لها بنفقة الإعسار ثم أيسر فخاصمته تمم لها نفقة الموسر، وإذا مضت مدة لم ينفق الزوج عليها وطالبته بذلك فلا شيء لها إلا أن يكون القاضي فرض لها النفقة أو صالحت الزوج على مقدارها فيقضي لها بنفقة ما مضى، وإن مات الزوج بعد ما قضي عليه بالنفقة ومضت شهور سقطت النفقة، وان أسلفها نفقة سنة ثم مات لم يسترجع منها شيء، وقال محمد يحتسب لها نفقة ما مضى وما بقي للزوج *،
قوله: (ولا يُفرَض لاكثر من خادمِ واحد)، "الهداية" (١): "وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يفرض لخادمين"، [قال] الإسبيجابي: "والصحيح قولهما"، وعليه مشى المحبوبي والنسفي.
قوله: (ويأخذ كفيلًا بها (٢))، أي بالنفقة، قال في "المحيط": "وهو الصحيح".
قوله: (فإن أسلفها نفقةَ سنةٍ ثم ماتت (٣) لم يَسْترجع منها شيئًا، وقال محمد: يُحتَسب لها بنفقة ما مضى، وما بقي للزوج)، قال في "زاد الفقهاء" و"التحفة" (٤): " [و] الصحيح قولهما"، وفي "شرح "الهداية" (٥): "الفتوى على قولهما"، واعتمده المحبوبي والنسفي وغيرهما.
فرع: قال القاضي: "إذا حُبس الزوج في سجن السُّلطان ظلمًا، اختلفوا فيه، والصحيح أنها لا تستحق النفقة" (٦).
стр. 353
وإذا تزوج العبد حرة فنفقتها دين عليه يباع فيها*، وإذا تزوج الرجل أمةً فبوأها مولاها فعليه النفقة وإن لم يبوئها فلا نفقة * لها، ونفقة الأولاد الصغار على الأب لا يشاركه فيها أحد كما لا يشاركه في نفقة الزوجة، فإن كان الصغير رضيعًا * فليس على أمه أن ترضعه ويستأجر له الأب من ترضعه عندها، فإن استأجرها وهي زوجته أو معتدّته لترضع ولدها لم يجز، وإن انتقضت عدتها فاستأجرها على إرضاعه جاز، وإذا قال الأب لا أستأجرها وجاء بغيرها فرضيت الأم بمثل أجرة الأجنبية كانت أحق به، وإن التمست زيادة لم يجبر الزوج عليها، ونفقة الصغير واجبة على أبيه وإن خالفه في دينه، كما تجب نفقة الزوجة على الزوج وإن خالفته في دينه.
قوله: (يُباع فيها)، "الهداية" (١): "معناه إذا تزوج بإذن مولاه".
قوله: (وإن لم يبوِّئها فلا نفقة)، فلو طلَّقها قال الخصّاف: "له أن يطلبَ نفقةَ العِدَّة"، قال القاضي: "وقال بعض العلماء: ليس له ذلك، وهو الصحيح؛ لأنها ما كانت تستحق النفقةَ قبل التبوئة، فلا تستحق بعد الطلاق البائن" (٢).
قوله: (فإن كان الصغير رضيعًا .. )، فإن لم يأخذ الصغير لَبَنَ غيرها، قال الحَلْواني: ظاهر الرواية لا تجبر، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إنها تجبر، وعليه الفتوى، قاله قاضي خان (٣).
стр. 354
كتاب الحضانة (*)
وإذا وقعت الفرقة بين الزوجين فالأم أحق بالولد، فإن لم تكن الأم فأم الأم أولى من أم الأب فإن لم تكن فأم الأب أولى من الأخوات فإن لم تكن جدة فالأخوات أولى من العمات والخالات، وتقدم الأخت * من الأب والأم على الأخت من الأم ثم الأخت من الأم ثم الأخت من الأب، ثم الخالات أولى من العمات ينزلن كما نزلنا الأخوات ثم العمات ينزلن كذلك، وكل من تزوجت من هؤلاء سقط حقها إلا الجدة إذا كان تزوجها الجد، فإن لم يكن للصبي امرأة من أهله واختصم فيه الرجال فأولاهم به أقربهم تعصيبًا، والأم والجدة أولى بالغلام حتى يأكل وحده ويشرب وحده ويلبس وحده ويستنجي وحده، وبالجارية حتى تحيض، ومن سوى الأم والجدة أحق بالجارية حتى تبلغ حدًا تشتهى، والأمة إذا أعتقها مولاها وأم الولد إذا أعتقت في الولد كالحرة، وليس للأمة وأم الولد والمدبر قبل العتق حق في الولد، والذمية أحق بولدها المسلم ما لم يعقل الأديان ويخاف أن يألف الكفر، وإذا أرادت المطلقة أن تخرج بولدها من المصر فليس لها ذلك إلا أن
قوله: (وتُقدَّمُ الأخت)، قال القاضي (١): "اختلفت الرواية في بنت الأخت لأبٍ مع الخالة، والصحيح أن الخالة أولى.
ولو كان الأب معسرًا والعمّة موسرة فأرادت أن تربي الولد مجانًا، والأم تطلب الأجرة ونفقة الولد، الصحيح أنه يقال لها إما أن تربيه بغير أجرة أو يُدفع (٢) للعمة" (٣).
стр. 355
تخرجه إلى وطنها وقد كان الزوج تزوجها فيها، وعلى الرجل أن ينفق على أبويه وأجداده وجداته إذا كانوا فقراء وإن خالفوه في دينه، ولا تجب النفقة مع اختلاف الدين إلا للزوجة والأبوين والأجداد والجدات والولد وولد الولد، ولا يشارك الولد في نفقة أبويه أحد*، والنفقة لكل ذي رحم محرم منه إذا كان صغيرًا فقيرًا أو كانت امرأة بالغة أو كان ذكرًا زمنًا أو أعمى فقيرًا يجب ذلك على مقدار الميراث، وتجب نفقة البنت البالفة والابن الزمن على أبويه على الأب الثلثان وعلى الأم الثلث *، ولا تجب نفقتهم مع اختلاف الدين، ولا تجب على الفقير*، وإذا كان للابن الغائب مال قضي فيه بنفقة أبويه، وإن باع أبواه متاعه
" الخالة إذا أبتْ أن تمسك الصغير وتَتَعاهَدُه، قال أبو جعفر وأبو الليث: تجبر، والصحيح أنها لا تجبر" (١).
قوله: (ولا يشارك الولدَ في نفقةِ أبَوَيْه أحدٌ)، "الهداية" (٢): "وهي على الذكور والإناث بالسّوِية في ظاهر الرواية، وهو الصحيح"، وفي "الخلاصة" (٣): "في أظهر الروايتين عن أبي حنيفة، وبه أخذ الفقيه أبو الليث، وبه يُفتى"، واحترز به عن رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه بين الذكور والإناث أثلاثًا.
قوله: (وتجب نفقة البنت البالغة والابن الزمن على أبويه، على الأب الثلثان وعلى الأم الثلث)، قال في "الهداية" (٤): "هذا الذي ذكره رواية الخصاف والحسن، وفي ظاهر الرواية: كل النفقة على الأب"، قال المحبوبي: "وبه يفتى"، ومشى عليه النسفي وصدر الشريعة.
قوله: (ولا تجب على الفقير)، قال في "مختارات النوازل": "وحَدّ اليسار هنا مقدر بالنصاب الذي تجب به صدقة الفطر، وعن (٥) محمد: بما يفضل عن نفسه ونفقةِ عياله شهرًا، والفتوى على الأول"، وهكذا في "الهداية" (٦)، وفي "الفتاوى الصغرى": "إنه الصحيح، وبه يفتى"، وعليه مشى المحبوبي وعن أبي يوسف أنه اعتبر نصاب الزكاة، وفي "الصغرى"
стр. 356
في نفقتهما جاز عند أبي حنيفة *، وإن باع العقار لم يجز، وإن كان للابن الغائب مال في يد أبويه فأنفقا منه لم يضمنا، وإذا كان له مال في يد أجنبي فأنفق عليهما بغير إذن القاضي ضمن، وإذا قضى القاضي للولد والوالدين ولذوي الأرحام بالنفقة فمضت مدة سقطت إلا أن يأذن القاضي في الاستدانة عليه، وعلى المولى أن ينفق على عبده وأمته فإن امتنع وكان لهما كسب اكتسبا وأنفقا، وإن لم يكن لهما كسب أجبر المولى* على بيعهما، والله أعلم.
و"التتمّة": "وبه أفتى بعض مشايخ زماننا"، وفي "التحفة" (١): "وروي عن محمد أن من لا شيء في يده من المال وهو يكتسب كل يوم درهمًا ويكفي له أربعة دوانيق فإنه يرفع لنفسه ولعياله ما يتسع فيه وينفق فضله على من يجبر على نفقته، وقول محمد أرفق" (٢)، وفي "الصغرى": "ولا يفتى بهذا"، وقال شيخنا في "شرح "الهداية" (٣): "وإذا كان كسُوبًا يعتبر قول محمد، وهذا يجب أن يعَّول عليه في الفتوى"، والله أعلم.
قوله: (وإن باع أبواه متاعه في نفقتهما جاز عند أبي حنيفة) هكذا عبارة هذا الكتاب، وهكذا ذكر في "التحفة" (٤)، وقال: "هذا استحسان، وقالا: لا يجوز وهو القياس"، وفي "الهداية" (٥): "وإن باع أبوه"، قال في "شرح "الهداية" (٦): "يحتمل أن يكون في المسألة روايتان، وعلى تقدير الإنفاق فتأويله: أن الأب هو الذي يتولى البيع وينفق عليه وعليها، أمّا بيعها (٧) بنفسها فبعيد؛ لأن البيع منوط بولاية الحفظ لا بالولاد"، وعلى ما في "الهداية" يتعين ألَّ يبيعه من نفسه.
قوله: (أُجْبِرَ المولى .. ) (٨)، بخلاف سائر الحيوانات، وعن أبي يوسف أنه يجبر، والأصح الأول (٩).
стр. 357
كتاب العتاق
العتق يقع من الحر البالغ العاقل في ملكه، فإذا قال لعبده أو أمته أنت حر أو معتق أو عتيق أو محزر أو قد حرّرتك أو أعتقتك فقد عتق نوى المولى العتق أو لم ينو، وكذلك إذا قال رأسك حر أو وجهك أو رقبتك أو بدنك أو قال لأمته فرجك حر، وإن قال لا ملك لي عليك ونوى به الحرية عتق، وإن لم ينو لم يعتق، وكذلك كنايات العتق، وإن قال لا سلطان لي عليك ونوى به العتق لم يعتق، وإن قال هذا ابني وثبت على ذلك أو هذا مولاي أو يا مولاي عتق، وإن قال يا ابني أو يا أخي لم يعتق *، فإن قال لغلام له لا يولد مثله لمثله هذا ابني عتق عليه عند أبي حنيفة *، وإذا قال لأمته أنت طالق ينوي الحرية لم تعتق، وإن قال لعبده أنت مثل الحر لم يعتق، وإن قال ما أنت إلا حر عتق، وإذا ملك الرجل ذا رحم محرم منه عتق عليه، وإذا أعتق المولى بعض عبده عتق ذلك البعض وسعى في بقية قيمته لمولاه عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يعتق كله *، وإذا كان العبد بين شريكين فأعتق أحدهما نصيبه * عتق، فإن كان موسرًا فشريكه بالخيار عند أبي
كتاب العتاق
قوله: (وإن قال "يا ابني" أو "يا أخي" لم يعتق)، هذا هو ظاهر الرواية، وفي رواية شاذة عن أبي حنيفة أنه يعتق، والاعتماد على ظاهر الرواية، قاله في شرح نجم الأئمة، ومثله في "الهداية"، وقال القاضي: "الصحيح لا يعتق" (١).
قوله: (وإن قال لغلام لا يولد مثلُه لمثله: "هذا ابني" عَتَقَ عند أبي حنيفة، وتال أبو يوسف ومحمد: لا يَعتِق)، قال الإسبيجابي في شرحه: "الصحيح قول أبي حنيفة" واختاره المحبوبي وغيره.
قوله: (وإذا أعْتَقَ المولى بعضَ عبدِه عَتَق ذلك البعض وسعى في بقية قيمته لمولاه عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يَعتِق كُلُّه)، قال في "زاد الفقهاء": "الصحيح قوله" واعتمده المحبوبي والنسفي وغيرهما.
قوله: (وإذا كان العبد بين شريكين فأعتقَ أحدُهما نصيبَه … الخ)، قال
стр. 358
حنيفة إن شاء أعتق وإن شاء ضمن شريكه قيمة نصيبه وإن شاء استسعى العبد، وإن كان معسرًا فالشريك بالخيار إن شاء أعتق وإن شاء استسعى، وقال أبو يوسف ومحمد: ليس له إلا الضمان مع اليسار والسعاية مع الإعسار، وإذا اشترى الرجلان ابن أحدهما عتق نصيب الأب ولا ضمان عليه، وكذلك إذا ورثاه فالشريك بالخيار إن شاء أعتق نصيبه وإن شاء استسعى، وإذا شهد كل واحد من الشريكين على الآخر بالحرية * عتق كله، ويسعى العبد لكل واحد منهما في نصيبه موسرين كانا أو معسرين عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا كانا موسرين فلا سعاية وإن كانا معسرين سعى لهما وإن كان أحدهما موسرًا والآخر معسرًا سعى للموسر ولم يسع للمعسر، ومن أعتق عبذا لوجه الله تعالى أو للصنم أو للشيطان عَتَق، وعِتق المكره والسكران واقع، وإذا أضاف العتق إلى ملك أو شرط صح كما يصح في الطلاق، وإذا خرج عبد من دار الحرب إلينا مسلمًا عتق، وإذا أعتق جارية حاملا عتق حملها وإن أعتق الحمل خاصة عتق ولم تعتق الأم، وإذا أعتق عبده على مال فقبل العبد عتق ولزمه المال، ولو قال إن أديت إلي ألفًا فأنت حر صح وصار مأذونًا، فإن أحضر المال أجبر الحاكم المولى على قبضه وعتق العبد وولد الأمة من مولاها حر وولدها من زوجها مملوك لسيدها، وولد الحرة من العبد حر.
جمال الإسلام في شرحه: "الصحيح قول أبي حنيفة"، ومشى عليه البرهاني والنسفي وغيرهما، وفي "المحيط": "وأما تفسير اليسار هنا، فعن محمد أنه إذا كان مالكًا مقدار قيمة نصيب الساكت (١) من جميع ماله سوى ملبوسه وقوت يومه فهو موسر، وعليه عامة المشايخ وإشارة النصوص، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة: الموسر الذي له نصف القيمة سوى المنزل والخادم ومتاع البيت، وقيل اليسار المحرم للصدقة، وقول محمد أصح"، وفي "شرح "الهداية": "وقول محمد هو ظاهر الرواية".
قوله: (وإذا شهد كلُّ واحد من الشريكين على الآخر بالحُرِّية .. الخ)، قال الإمام أبو المعالي في شرحه: "الصحيح قول أبي حنيفة" واختاره المحبوبي والنسفي والمَوْصِلي وصدر الشريعة.
فرع: قال: كل عبد في الدنيا حُرّ، وله عبد؛ أو قال: كل عبيد أهل بغداد أحرار وهو من بغداد، ولم ينو عبده، قال محمد: يَعْتِق عبدُه، وقال أبو يوسف: لا يَعتق، وعليه الفتوى (٢).
стр. 359
باب التدبير
إذا قال المولى لمملوكه إذا متّ فأنت حرّ، أو أنت حرّ عن دبرٍ مني أو أنت مدبر أو قد دبرتك فقد صار مدبرًا لا يجوز بيعه ولا هبته، وللمولى أن يستخدمه أو يؤاجره وإن كانت أمة فله وطؤها، وله أن يزوجها، فإذا مات المولى عتق المدبر من ثلث ماله إن خرج من الثلث وإن لم يكن له مال غيره سعى في ثلثي قيمته، وإن كان على المولى دَين سعى في جميع قيمته لغرمائه وولد المدبرة مدبر، فإن علق التدبير بموته على صفة مثل أن يقول إن مت من مرضي هذا أو من سفري هذا أو من مرض كذا فليس بمدبر، ويجوز بيعه فإن مات المولى على الصفة التي ذكرها عتق كما يعتق المدبر.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 360
باب الاستيلاد
إذا ولدت الأمة من مولاها فقد صارت أم ولد له لا يجوز بيعها ولا تمليكها وله وطؤها واستخدامها وإجارتها وتزويجها، ولا يثبت نسب ولدها إلا أن يعترف به، فإن جاءت بعد ذلك بولد يثبت نسبه بغير إقرار، فإن نفاه انتفى بقوله، وإن زوجها فجاءت بولد فهو في حكم أمه، وإذا مات المولى عتقت من جميع المال، ولا يلزمها السعاية للغرماء إن كان على المولى دين فإذا وطى رجل أمة غيره بنكاح فولدت منه ثم ملكها صارت أم ولد له، وإذا وطئ الأب جارية ابنه* فجاءت بولد فادعاه يثبت نسبه وصارت أم ولد له وعليه قيمتها وليس عليه عقرها ولا قيمة ولدها، وإن وطئ أب الأب مع بقاء الأب لم يثبت النسب وإن كان الأب ميتًا يثبت النسب من الجد كما يثبت من الأب، وإذا كانت الجارية بين شريكين فجاءت بولد فادعاه أحدهما يثبت نسبه منه وصارت أم ولد له وعليه نصف عقرها ونصف قيمتها وليس عليه شيء من قيمة ولدها، فإن ادعياه جميعًا معًا يثبت نسبه منهما وكانت الأم أم ولد لهما، وعلى كل واحد منهما نصف العقر قصاصًا بماله على الآخر، ويرث الابن من كل واحد منها ميراث ابن كامل ويرثان منه ميراث أب واحد، وإذا وطئ المولى جارية مكاتبه فجاءت بولد فادعاه فإن صدقه المكاتب يثبت نسب الولد منه* وكان عليه عقرها وقيمة ولدها ولا تصير أم ولد له، وإن كذبه في النسب لم يثبت، والله أعلم.
كتاب الاستيلاد
قوله: (وإذا وطئ الأبُ جاريةَ ابنِه الخ)، قال الإسبيجابي: "وروي أن آخر ما استقر عليه قول أبي يوسف، أن (١) الاستيلاد لا يثبت، وهو قول الشافعي، والصحيح ما قلنا"، واعتمده الأئمة المحبوبي والنسفي وغيرهما.
قوله: (وإذا وطئ المولى جاريةَ مكاتبه فجاءت بولد فادعاه فإن صدّقه المكاتب ثبت نسب الولد منه)، هذا ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنه لا يعتبر تصديقه، نصّ عليه في "الهداية" (٢)، واعتمده الأئمة، المحبوبي والنسفي والموصلي وغيرهم.
стр. 361
كتاب المكاتب
إذا كاتب المولى عبده أو أمته على مال شرطه عليه وقبل العبد ذلك صار مكاتبًا، ويجوز أن يشترط المال حالًا ويجوز مؤجلًا ومنجمًا، ويجوز كتابة العبد الصغير إذا كان يعقل الشراء والبيع، وإذا صحت الكتابة خرج المكاتب من يد المولى ولم يخرج من ملكه، ويجوز له البيع والشراء والسفر، ولا يجوز له التزوج إلا بإذن المولى، ولا يهب ولا يتصدّق إلا الشيء اليسير ولا يتكفل، فإن ولد له ولد من أمة له دخل في كتابته وكان حكمه كحكمه وكسبه له، فإن زوج المولى أمته من عبده ثم كاتبهما فولدت منه ولذا دخل في كتابتهما وكان كسبه لها*، وإن وطئ المولى مكاتبته لزمه العقر وإن جنى عليها أو على ولدها لزمه الجناية، وإذا أتلف مالًا لها غرمه وإذا اشترى المكاتب أباه أو ابنه دخل في كتابته، وإن اشترى أم ولده مع ولدها دخل ولدها في الكتابة ولم يجز له بيعها *، فإن اشترى ذا رحم محرم منه لا ولاد له لم يدخل في كتابته عند أبي حنيفة *.
كتاب المكاتب
قوله: (فإن زوج المولى عبدَه من أمته، ثم كاتبهما وولدت منه ولدًا دخل في كتابتها (١) وكان كسبه ليها)، قال نجم الأئمة في شرحه: "قد وقع في كثير من النسخ: (دخل في كتابتهما)، وتأويله أن كتابتهما واحدة فكان: كتابتهما، وكتابتُها بالإفراد أولى، وما وقع في بعض النسخ: (فكان كسبه لهما)، سَهْوٌ".
قوله: (وإذا اشترى أم ولده دخل ولدها في الكتابة ولم يجز له بيعها)، قال الزاهدي: "معناه اشتراها مع ولدها، وإن لم يكن معها ولد فكذلك الجواب عندهما خلافًا لأبي حنيفة"، وقالى الإسبيجابي: "الصحيح قولى أبي حنيفة" وعليه مشى الإمام المحبوبي.
قوله (٢): (وإذا اشترى ذا رَحِم محرم منه لا وِلادَ له لم يدخل في كتابته عند أبي حنيفة)، وقالا: يدخل، وجعل الإسبيجابي قوله استحسانًا، واختاره
стр. 362
وإذا عجز المكاتب عن نجم* نظر الحاكم في حاله فإن كان له دين يقبضه أو مال يقدم عليه لم يعجل بتعجيزه وانتظر عليه اليومين أو الثلاثة، وإن لم يكن له وجه فطلب المولى تعجيزه عجزه وفسخ الكتابة، وقال أبو يوسف: لا يعجزه حتى يتوالى عليه نجمان، فإذا عجز المكاتب عاد إلى أحكام الزق وكان ما في يده من الأكساب لمولاه، وإن مات المكاتب وله مال لم تنفسخ الكتابة وقضيت كتابته من أكسابه وحكم بعتقه في آخر جزء من أجزاء حياته، وإن لم يترك وفاء وترك ولدًا مولودًا في الكتابة سعى في كتابة أبيه على نجومه فإذا أدى حكمنا بعتق أبيه قبل موته وعتق الولد*، وإن ترك ولدًا مشترى قيل له إما أن تؤدي الكتابة حالة وإلا رُدِدت في الرق، وإن كاتب المسلم عبده على خمر أو خنزير أو على قيمة نفسه فالكتابة فاسدة، فإن أدى الخمر عتق، ولزمه أن يسعى في قيمته ولا ينقص من المسمى ويزاد عليه *،
المحبوبي والنسفي وغيرهما.
قوله: (وإذا عجز المكاتب عن نَجْمٍ .. الخ)، قال الإمام جمال الإسلام في شرحه: "الصحيح قول أبي حنيفة ومحمد، واعتمده الإمام البرهاني والنسفي والموصلي وغيرهم.
قوله: (وإذا أدَّى حكمنا بعتق أبيه قبل موته وعِتقِ الولدِ)، قال نجم الأئمة في شرحه: "وقوله في المتن: وعتق الولد -بكسر القاف- لأنه يستند عتق الولد بالتبعية لأبيه إلى آخر أجزاء الحياة".
قوله: (وإن كاتب المُسلِمُ عبدَه على خمر أو خنزير أو على قيمة نفسه فالكتابة فاسدة، فإن أدى الخمر عتق -هذا هو ظاهر الرواية- ولزمه أن يسعى في قيمته، ولا ينقص من المسمى ويزاد عليه)، قال الزاهدي في شرحه: "فإن قلت: قوله في مسألة "الكتاب": ولا ينقص من المسمى ويزاد عليه، لا يتصور في الكتابة بالقيمة وكذا بالخمر والخنزير؛ لأنه لا يجب المسمى فلا يتصور النقصان والزيادة عليه، قلت: قد تأملت في الجواب عنه زمانًا وفتشت الشروح وباحثت الأصحاب فلم يغنِ ذلك منه شيئًا، حتى ظفرت بما ظفر به الإمام الملهَم ركن الأئمة الصباغي في شرحه فقال: وهذا إذا سمى مالًا وفسدت الكتابة بوجه من الوجوه لا ينقص من المسمى ويزاد عليه، والحاصل أن هذه صورة مستأنفة غير متصلة بالأول، وهذا كمن كاتب عبده على ألف ورطل من خمر، فإذا أدى ذلك عَتق سواء قال إذا أدّيت إليَّ فأنت حر أو لم يقل، وتجب عليه الزيادة إن كانت قيمته أكثر، وإن كانت
стр. 363
وإن كاتبه على حيوان غير موصوف* فالكتابة جائزة، وإن كاتب عبديه كتابة واحدة بألف درهم إن أديا عتقا وإن عجزا ردا في الرق *، فإن كاتبهما على أن كل واحد منهما ضامن
قيمته أقل من الألف لا يسترد الفضل (١) عندنا، قلت (٢): فدعوت له وحمدت اللّه على ذلك، وكان يتخالج في قلبي ذلك لكني ما اجترأت (٣) كتبه ما لم أجده منصوصًا عليه" انتهى.
وقال في "الينابيع" في قوله (فإن أدى الخمر عتق): "فإذا عتق بأداء الخمر والخنزير سعى فى الأكثر من قيمة نفسه ومن قيمة ما كوتب عليه، وقد يوجد في بعض النسخ: (لا ينقص من المسمى ولا يزاد عليه)، وكذا ذكره في شرح عبد الرب (٤) معللًا بالتراضي منهما، وهو غلط، والصحيح ما ذكرنا، لأنه موافق لغيره من الكتب" انتهى.
قلت: فعلى هذا لا تكون صورة مستأنفة بل متصلة بالأول إلا أنها خاصة بالخمر والخنزير، وهي على حذف مضاف تقديره: ولا ينقص من قيمة المسمى ويزاد عليه، أي على قيمة المسمى، إلَّا أنه ذكّر الضمير رعاية لِلَفظِ المسمى، والله أعلم.
قوله: (وإذا كاتبه على حيوان غير موصوف)، [قال] (٥) نجم الأئمة: "معناه على حيوان معلوم الجنس، غير موصوف النوع والكيفيّة، كالعبد والفرس والبعير، حتى لو لم يبيِّن جنسَه بأن كاتبه على دابّة أو عَشْر من الأنعام لا يجوز".
قوله: (وإذا كاتب عبدَيْه كتابة واحدةً بألفِ درهم، إن أدّيا عَتَقا وإن عجزا رُدَّا في الرِّق)، قال الزاهدي: "وفي بعض النسخ: بألف درهم جاز، فإن أدّيا عتقا وإن عجزا ردا، وفي (شق) (٦): كاتب عبديه كتابة واحدة بألف درهم
стр. 364
عن الآخر جازت الكتابة وأيهما أدى عتقا، ويرجع على شريكه بنصف ما أدى، وإذا أعتق المولى مكاتبه عتق بعتقه وسقط عنه مال الكتابة، وإذا مات مولى المكاتب لم تنفسخ الكتابة وقيل له أدّ المال إلى ورثة المولى على نجومه، وإن أعتقه أحد الورثة لم ينفذ العتق وإن أعتقوه جميعًا عتق ويسقط عنه مال الكتابة، وإذا كاتب المولى أم ولده جاز وإن مات المولى سقط عنها مال الكتابة، وإذا ولدت مكاتبته منه فهي بالخيار إن شاءت أمضت على الكتابة وإن شاءت عجزت نفسها وصارت أم ولد له، وإذا كاتب مدبرته جاز، وإن مات المولى ولا مال له غيره كانت بالخيار بين أن تسعى في ثلثي قيمتها أو جميع مال الكتابة *، وإن دبر مكاتبته صح التدبير ولها الخيار إن شاءت مضت على الكتابة وإن شاءت عجزت نفسها وصارت مدبرة، وإن مضت على كتابتها فمات المولى ولا مال له فهي بالخيار إن شاءت سعت في ثلثي مال الكتابة أو ثلثي قيمتها عند أبي حنيفة *، فإن أعتق المكاتب عبده على مال لم يجز، وإن وهب على عوض لم يصح، وإذا كاتب عبده جاز،
جاز، معناه إن أديا عتقا وإن عجزا ردا، قلت: وفيه إشارة إلى أن هذا البيان زيادةٌ على لفظ "المختصر"، انتهى.
قلت: يؤيده ما في "زاد الفقهاء": "معنى قوله: (كتابة واحدة)، أن يقول إن أديا عتقا وإن عجزا ردا في الرق".
قوله: (فهي بالخيار، إن شاءت سعت في ثلثَي قيمتها أو جميع مال الكتابة)، "الهداية" (١): "وهذا عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: تسعى في الأقل منهما، وقال محمد: تسعى في الأقل من ثلثي قيمتها وثلثي بدل الكتابة، فالخلاف في الخيار والمقدار، فأبو يوسف مع أبي حنيفة في المقدار، ومع محمد في نفي الخيار، أما الخيار ففرع تجزُّئِ الإعتاق"، قال الإسبيجابي: "والصحيح قول أبي حنيفة"، واعتمده المحبوبي والنسفي وغيرهما.
قوله: (فهي بالخيار، إن شاءت سعت في ثلثي مال الكتابة أو ثلثي قيمتها عند أبي حنيفة)، "الهداية" (٢): "وقالا: تسعى في الأقل منهما، فالخلاف فى هذا الفصل في الخيار، بناء على ما ذكرنا".
قلت: الذي ذكره هو تجزُّؤُ الإعتاق (٣)، وقد تقدَّم أنّ الفتوى فيه على
стр. 365
فإن أدى الثاني قبل أن يعتق الأول فولاؤه للمولى، وإن أدى بعد عتق المكاتب الأول فولاؤه له، والله أعلم.
قول الإمام كما نقلته عن الأئمة الأعلام، وعلى هذا مشى الإمام المحبوبي والنسفي والمَوْصِلي وصدر الشريعة.
стр. 366
كتاب الولاء
وإذا أعتق الرجل مملوكه فولاؤه له وكذلك المرأة تعتق، إن شرط أنه سائبة فالشرط باطل والولاء لمن أعتق، وإذا أدى المكاتب عتق وولاؤه للمولى، وإن عتق بعد موت المولى فولاؤه لورثة المولى وإن مات المولى عتق مدبروه وأمهات أولاده وولاؤهم له، ومن ملك ذا رحم محرم منه عتق عليه وولاؤه له، وإذا تزوج عبد رجل أمة الآخر فأعتق مولى الأمةِ الأمة وهي حامل من العبد عتقت وعتق حملها وولاء الحمل لمولى الأم لا ينتقل عنه أبدًا، فإن ولدت بعد عتقها باكثر من ستة أشهر فولاؤه لمولى الأم، فإن أعتق العبد جر ولاء ابنه وانتقل عن مولى الأم إلى مولى الأب، ومن تزوج من العجم بمعتقة من العرب فولدت له أولادًا فولاء ولدها لمواليها عند أبي حنيفة*، وولاء العتاقة تعصيب، فإن كان للمعتق عصبة من النسب فهو أولى منه، فإن لم يكن له عصبة من النسب فميراثه للمعتق *، فإن مات المولى ثم مات المعتق فميراثه لبني المولى دون بناته، وليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو كاتبن أو كاتب من كاتبن، وإذا ترك المولى
كتاب الوَلاء
قوله: (ومن تزوَّج من العجم بمُعْتَقَةِ من العرب فولَدَت له أولادًا، فوَلاءُ ولدها لمواليها عند أبي حنيفة)، "الهداية" (١): "وهو قول محمد أيضًا، وقال أبو يوسف: حكمه حكم أبيه"، [و] قال نجم الأئمة: "الخلاف في مطلق المعتقة، والوضع في معتقة العرب وقعَ (٢) اتفاقًا"، وقال جمال الإسلام في شرحه: " [و] الصحيح قولهما"، وعليه مشى الأئمة المحبوبي والنسفي وغيرهما، قال في "الينابيع": "وذكر في شرح عبد الربّ أن الولاء لمواليها عندهما إذا لم يكن للزوج نسب ولا عليه ولاء عتاقة، مثل رجل من أهل الحرب هاجر إلى دار الإسلام مسلمًا فتزوج بعربية أو بمعتَقَة من جهة العرب، هكذا لفظ كتابه"، انتهى.
قوله: (فإن لم يكن له عَصَبة فميراثه للمعتق)، قال نجم الأئمة: "قلت: معناه إذا لم يكن له صاحب فرض، وإن كان فالفاضل من فرضه"، وفي
стр. 367
ابنًا وأولاد ابن آخر فميراث المعتق للابن دون بني الابن والولاء للكبر، وإذا أسلم رجل على يد رجل ووالاه* على أن يرثه ويعقل عنه أو أسلم على يد غيره ووالاه فالولاء صحيح وعقله على مولاه، فإن مات ولا وارث له فميراثه للمولى، وإن كان له وارث معروف فهو أولى منه، وللمولى أن ينتقل عنه بولائه إلى غيره ما لم يعقل عنه وإذا عقل عنه لم يكن له أن يتحول بولائه، وليس لمولى العتاقة أن يوالي أحدًا.
" الهداية" (١): "تأويله إذا لم يكن هناك صاحب فرض ذو حال، أما إن كان فله الباقي بعد فرضه لأنه عصبة"، وفي "زاد الفقهاء": "ثم عندنا المولى الأسفل لا يرث من الأعلى وهو المنعم، وقال بن زياد (٢): يرث، والصحيح قولنا، لأن المعتق أنعم عليه بالعتق، وهذا لا يوجد في المعتَق، والله أعلم".
قوله: (وإذا أسلم رجل على يد رجل ووَالَاه إلخ)، قال في شرح الشيخ أبي نصر: "قالوا وإنما تصح الموالاة بشرائط، أحدها: أن يكون الموالي من غير العرب؛ لأن تناصرَ (٣) العرب بالقبائل أقوى، والثاني: أن لا يكون عتيقًا لأن ولاء العتق أقوى، والثالث: أن لا يكون عقل عنه غيره لتأكد ذلك، والرابع: أن يشترط العقل والإرث".
стр. 368
كتاب الجنايات
القتل على خمسة أوجه: عمد وشبه عمد وخطأ وما أجري مجرى الخطأ والقتل بسبب، فالعمد ما تعمد ضربه بالسلاح أو ما أجري مجرى السلاح في تفريق الأجزاء كالمحدّد من الخشب والحجر والنار، وموجب ذلك المأثم والقود إلا أن يعفو الأولياء ولا كفارة فيه، وشبه العمد * عند أبي حنيفة أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا ما أجري مجرى السلاح، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا ضربه بحجر عظيم أو خشبة عظيمة فهو عمد، وشبه العمد أن يتعمد ضربه بما لا يقتل غالبًا وموجب ذلك على القولين المأثم والكفارة ولا قود فيه، وفيه دية مغلظة على العاقلة والخطأ على وجهين خطأ في القصد وهو أن يرمي شخصًا يظنه صيدًا فإذا هو آدمي، وخطأ في الفعل وهو أن يرمي غرضًا فيصيب آدميًا وموجب ذلك الكفارة، والدية على العاقلة ولا مأثم فيه، وما أجري مجرى الخطأ مثل النائم ينقلب على رجل فيقتله فحكمه حكم الخطأ، وأما القتل بسبب كحافر البئر وواضع الحجر في غير ملكه وموجبه إذا تلف فيه آدمي الدية على العاقلة ولا كفارة فيه، والقصاص واجب بقتل كل محقون الدم على التأبيد إذا قتل عمدًا ويقتل الحر بالحر والعبد بالعبد والحر بالعبد والمسلم بالذمي، ولا يقتل المسلم بالمستأمن، ويقتل الرجل بالمرأة والكبير بالصغير والصحيح بالأعمى والزمن، ولا يقتل الرجل بابنه ولا بعبده ولا مدبره ولا مكاتبه ولا بعبد ولده، ومن ورث على أبيه قصاصًا سقط *، ولا يستوفي
كتاب الجنايات
قوله: (وشبه العمد الخ)، قال الإمام بهاء الدين- المنسوب إلى إسبيجاب - في شرحه: "الصحيح قول أبي حنيفة"، وفي "الكبرى": "الفتوى في شبه العمد على ما قاله أبو حنيفة"، واختاره المحبوبي والنسفي وغيرهما.
قوله: (ومن ورث قصاصًا على أبيه سقط)، قال في "الينابيع": "صورته: رجل قتل أم ولده، أعني به امرأته، وولده وارثها أو قتل أخ (١) ولده من الأم وهو وارثه، وعلى هذا كل من قتله الأب وولده وارثه"، انتهى.
قال في "الجواهر": "القصاص في هذه الصور ثابت للوارث ابتداء بدليل أنه يصح عفوه، والمورث يملك القصاص بعد الموت وهو ليس بأهل للتمليك
стр. 369
القصاص إلا بالسيف، وإذا قتل المكاتب عمدًا وليس له وارث إلا المولى فله القصاص *، وإن ترك وفاء ووارثه غير المولى فلا قصاص لهم وإن اجتمعوا مع المولى، وإذا قتل عبد الرهن لم يجب القصاص حتى يجتمع الراهن والمرتهن، ومن جرح رجلًا عمدًا فلم يزل صاحب فراش حتى مات فعليه القصاص، ومن قطع يد غيره عمدًا من المفصل قطعت يده، وكذلك الرَّجل ومارن الأنف والأذن، ومن ضرب عين رجل فقلعها
في ذلك الوقت، فيثبت للوارث ابتداء".
قلت: عزى الزاهدي هذا للأصم (١)، فقال: وأنكره الأصم، قال في "الجواهر": "قلنا عند البعض يثبت بطريق الإرث"، قال الزاهدي: "لأن المستحق للقصاص أولًا هو المقتول بدليل أنه لو قال عفوت عن الجناية، أو قال عن الجرح، أو القطع وما يحدث منه سقط القصاص، ولو لم يثبت له أولًا لما سقط بعفوه".
قال في "الجواهر": "أو نقول نعين صورة يتحقق فيها الإرث، بأن قتل رجل ابن امرأته، يكون ولاية الاستيفاء للمرأة، ثم ماتت المرأة ولها ولد من الرجل القاتل يرث الابن القصاص الواجب على أبيه"، انتهى.
قلت: ليس في هذه العبارة (٢) ما يقتضي اختصاص الابن بالميراث فإن ورثها هو وأبوه، فقد ورث الأب جزءًا من دمه فيسقط القصاص لذلك، فلو قال: وورثها الابن دون الأب كان أصح.
قال الإمام نجم الأئمة: "ومن صورة هذه المسألة ما إذا قتل أخ أمِّ ابنه، أو اختها أو أباها أو خالها أو عمها أو واحدًا من أقاربها، وهي وليّة ذلك المقتول، فيثبت لها القصاص عليه، ثم ماتت ورثها ابنه، فقد ورث قصاصًا على أبيه، فيسقط".
قلت: هذا نحو الأول في عدم التصريح بانفراد الابن، والله أعلم.
قوله: (وإذا قتل المكاتب عمدًا (٣) وليس [له] وارث إلا المولى فله القصاص)، قال الإسبيجابي: "يعني إذا لم يترك وفاء، أما إذا ترك وفاء ووارثه
стр. 370
فلا قصاص، فإن كانت قائمة وذهب ضَوْؤُها فعليه القصاص، وتحمى له المرآة ويجعل على وجهه قطن رطب ويقابل عينه بالمرآة حتى يذهب ضوؤها، وفي السِّن القصاص، وفي كل شجة يمكن فيها المماثلة القصاص، ولا قصاص في عظم إلا في السن. وليس فيما دون النفس شبه العمد إنما هو عمد أو خطأ، ولا قصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس، ولا بين الحر والعبد وبين العبدين، ويجب القصاص في الأطراف بين المسلم والكافر، ومن قطع يد رجل من نصف الساعد أو جرحه جائفة فبرئ منها فلا قصاص عليه، وإذا كانت يد المقطوع صحيحة ويد القاطع شلاء أو ناقصة الأصابع فالمقطوع بالخيار إن شاء قطع المعيبة ولا شيء له غيرها وإن شاء أخذ الأرش كاملًا، ومن شج رجلًا فاستوعبت الشخة ما بين قرني الشاج فالمشجوج بالخيار إن شاء اقتص بمقدار شجته يبتدئ من أي الجانبين شاء وإن شاء أخذ الأرش، ولا قصاص في اللسان ولا في الذكر إذا قطع إلا أن يقطع الحشفة"، وإذا اصطلح القاتل وأولياء المقتول على مال سقط القصاص ووجب المال قليلًا كان أو كثيرًا، فإن عفا أحد الشركاء من الدم أو صالح من نصيبه على عوض سقط حق الباقين من القصاص وكان لهم نصيبهم من الدية *.
المولى لا غير فقد ذكر في "الجامع الصغير" (١) أن للمولى القصاص عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وعند محمد: لا قصاص له، وهو قول زفر ورواية عن أبي يوسف، والصحيح قول أبي حنيفة".
قوله: (ولا قصاص في اللسان ولا في الذكر إذا قطع، إلا أن تقطع الحشفة)، قال الإمام جمال الإسلام في شرحه: "وعن أبي يوسف أن قطع اللسان والذكر من أصله يوجب القصاص، والصحيح ظاهر الرواية".
قوله: (فإن عفا أحد الشركاء في الدم أو صالح من نصيبه على عوض)، وجب حالًا إلا أن يؤجله و (سقط حق الباقين من القصاص، وكان لهم نصيبهم من الدية)، في مال القاتل في ثلاث سنين لا على العاقلة، ووقع في "المختار" (٢) و"مجمع البحرين" (٣): "فتجب بقيتها على العاقلة"، وهذا ليس من مذهب علمائنا ولا أعلمه قولًا لأحد، قال الإمام محمد بن الحسن في كتاب "الآثار"، باب من قتل فعفا بعض الأولياء: "محمد قال أخبرنا أبو حنيفة
стр. 371
وإذا قتل جماعة واحدًا عمذا اقتص من جميعهم *، وإذا قتل واحد جماعة فحضر أولياء المقتولين قتل بجماعتهم ولا شيء لهم غير ذلك، فإن حضر واحد قتل به وسقط حق الباقين، ومن وجب عليه القصاص فمات سقط القصاص، وإذا قطع رجلان يد رجل واحد فلا قصاص على واحد منهما وعليهما نصف الدية فإن قطع واحد يميني رجلين فحضرا فلهما أن يقطعا يده ويأخذا منه نصف الدية، يقتسمانه نصفين، وإذا حضر واحد منهما فقطع يده فللآخر عليه نصف الدية، وإذا أقر العبد بقتل العمد لزمه القود، ومن رمى رجلا عمدًا فنفذ السهم منه إلى آخر فماتا فعليه القصاص للأول والدية للثاني على عاقلته.
عن حماد (١) عن إبراهيم (٢) أن عمر بن الخطاب [﵁] أتي برجل قد قتل عمدًا فأمر بقتله، فعفا بعض الأولياء فأمر بقتله، فقال عبد الله بن مسعود: كانت النفس لهم جميعًا فلما عفا هذا أحيى النفس فلا يستطيع أن يأخذ حقه -يعني الذي لم يعف- حتى يأخذ حق غيره، قال: فما ترى؟ قال: أرى أن تجعل الدية عليه في ماله وترفع عنه حصة الذي عفا، قال عمر: وأنا أرى ذلك قال محمد: وأنا أرى ذلك، وهو قول أبي حنيفة" (٣).
قوله: (وإذا قتل جماعة واحدًا عمدًا اقتصّ من جميعهم) قال في "الجواهر": "صورة المسألة: بان جرح كل واحد جرحًا مهلكًا (٤) لأن زهوق الروح يتحقق بالمباشرة".
وإنما ذكرتُ بعض الصُّور في هذا الباب وما ليس من التصحيح لما شاهدت من وقوع الغلط في ذلك، [والله أعلم].
стр. 372
كتاب الديات
وإذا قتل رجل رجلًا شبه عمد فعلى عاقلته دية مغلظة وعليه كفارة، ودية شبه العمد عند أبي حنيفة وأبي يوسف مئة من الإبل* أرباعًا، خمسة وعشرون بنت مخاض وخمسة وعشرون بنت لبون وخمسة وعشرون حقة وخمسة وعشرون جذعة، ولا يثبت التغليظ إلا في الإبل خاصة، فإن قضي بالدية من غير الإبل لم يتغلظ، وقتل الخطأ تجب به الدية على العاقلة والكفارة على القاتل، والدية في الخطأ مئة من الإبل أخماسًا عشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن مخاض وعشرون حقة وعشرون جذعة، ومن العين ألف دينار ومن الورِق عشرة آلاف درهم، ولا تثبت الدية الا من هذه الأنواع الثلاثة عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد من البقر مئتا بقرة ومن الغنم ألفا شاة ومن الحلل مئتا حلة كل حلة ثوبان *، ودية المسلم والذمي سواء، وفي النفس الدية وفي المارن الدية وفي اللسان الدية وفي الذكر الدية وفي العقل إذا ضرب رأسه فذهب عقله الدية، وفي اللحية الدية اذا حلقت فلم تنبت *، وفي شعر الرأس الدية وفي العينين الدية وفي اليدين
كتاب الديات
قوله: (ودية شبه العمد عند أبي حنيفة وأبي يوسف مئة من الإبل أرباعًا)، قال الإسبيجابي: "وهذا قول عبد اللّه بن مسعود، وعن عمر وزيد: ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون ما بين ثنية إلى بازل (١) عام كلها خلفة في بطونها أولادها، وهو قول محمد والشافعي، والصحيح قول عبد الله"، واعتمده المحبوبي والنسفي وغيرهما.
قوله: (ولا تثبت الدِّية إلا من هذه الأنواع الثلاثة عند أبي حنيفة، وقالا: من البقر مِئتا بقرة، ومن الفنم ألفا شاة، ومن الحُلل مئتا حُلّة، كل حلة ثوبان)، قال الإمام جمال الإسلام في شرحه: "الصحيح قول أبي حنيفة"، واختاره الإمام البرهاني والنسفي وغيرهما.
قوله: (وفي اللِّحية إذا حُلِقت فلم تَنْبُت الدية)، قال الإسبيجابي: "قال الفقيه أبو جعفر الهندُوَاني: هذا إذا كانت اللحية كاملة يتجمل بها، فإن
стр. 373
الدية وفي الرجلين الدية وفي الأذنين الدية وفي الشفتين الدية وفي الأنثيين الدية وفي ثديى المرأة الدية، وفي كل واحد من هذه الأشياء نصف الدية، وفي أشفار العينين الدية وفي إحداهما ربع الدية، وفي كل أصبع من الأصابع- الرجلين أو اليدين- عشر الدية، والأصابع كلها سواء وكل أصبع فيها ثلاثة مفاصل ففي إحداها ثلث دية الأصبع وما فيه مفصلان ففي أحدهما نصف دية الأصبع، وفي كل سن خمس من الإبل* والأسنان والأضراس كلها سواء، ومن ضرب عضوًا فأذهب منفعته ففيه دية كاملة كما لو قطعه كاليد إذا شلت والعين إذا ذهب ضوؤها والشجاج عشرة: الحارصة والدامعة والدامية والباضعة والمتلاحمة والسمحاق والموضحة والهاشمة والمنقلة والآمة، ففي الموضحة القصاص إذا
كانت طاقات متفرقة لا يتجمل بها فلا شيء فيها، وإن كانت غير متفرقة إلا أنه لا يقع بها جمال كامل، ففيها حكومة عدل"، وقال في، الهداية" (١): "وفي الشارب حكومة عدل، هو الأصح".
قوله: (وفي كل سنٍّ خمسٌ من الإبل)، قال صدر الشريعة في "شرح الوقاية": "لما كان عدد الأسنان اثنين وثلاثين، ينبغي أن يجب في كل أربع ثمن الدية، فما الحكمة في وجوب نصف العشر؟ قال: يخطر ببالي أن عدد الأسنان وإن كان اثنين وثلاثين فالأربعة الأخيرة -وهي أسنان الحلم- قد لا تنبت لبعض الناس، وقد ينبت لبعضٍ بعضها ولبعض كلها، فالعدد المتوسط ثلاثون، ثم للأسنان منفعتان: الزينة والمضغ، وإذا سقط سن تزول منفعتها بالكلية ونصف منفعة السن التي تقابلها وهو منفعة المضغ، وإن كان الأخرى باقية وهي الزينة، وإذا كان العدد المتوسط ثلاثين فمنفعة السن الواحدة ثلث العشر، ونصف المنفعة سدس العشر، ومجموعها نصف العشر، والله أعلم بالحقيقة"، انتهى.
فأخذ بعض أهل العصر من هذا، أنَّ في الأسنان كلها دية واحدة كسائر الأعضاء المتعددة وهو غلط، قال في "شرح الطحاوي": "وفي كل سن نصف عشر الدية: خمس مئة، ومن ضرب رجلا حتى سقط الأسنان كلها وهي اثنان وثلاثون سنًّا منها عشرون ضرسًا وأربعة أنياب وأربعة ثنايا وأربعة ضواحك، كانت عليه دية وثلاثة أخماس الدية، وهي من الدراهم ستة عشر ألف درهم، في السنة الأولى ثلثا الدية: ثلث من الدية الكاملة وثلث من ثلاثة أخماس الدية، وفي السنة الثانية: ثلث الدية وما بقي من ثلاثة أخماس الدية،
стр. 374
كان عمدًا، ولا قصاص في بقية الشجاج*، وما دون الموضحة ففيه حكومة عدل *، وفي الموضحة إذا كانت خطأ نصف عشر الدية وفي الهاشمة عشر الدية وفي المنقلة عشر ونصف عشر الدية وفي الآمة ثلث الدية وفي الجائفة ثلث الدية، فإن نفذت فهي جائفتان ففيهما ثلثا الدية، وفي أصابع اليد نصف الدية فإن قطعها مع الكف ففيه نصف الدية
وفي السنة الثالثة: ثلث الدية وهو ما بقي من الدية الكاملة"، انتهى وذكره في "الأصل" و"المحيط" و"المبسوط" وقال: "في السنة الأولى: ستة آلاف وست مئة وستة وستون وثلثان، وفي السنة الثانية: ستة آلاف، وفي السنة الثالثة: ثلاثة آلاف أو ثلاث مئة وثلاثة وثلاثون وثلث] (١) ".
وقال في "الاختيار" (٢): "وأسنان الكَوْسَج (٣) قالوا ثمانية وعشرون، فتجب دية وخُمُسا دية، وهذا غير جارِ على قياس الأعضاء إلا أن المرجع النص"، والله أعلم.
قوله: (ولا قصاص في بقية الشجاج)، قال الإسبيجابي وصاحب "الهداية" (٤): "هذه رواية الحسن عن أبي حنيفة، وقال محمد في "الأصل" -وهو ظاهر الرواية-: يجب القصاص فيما قبل الموضحة فيسبر، ويقطع بقدره".
قولى: (ففيه حكومة عدْل)، قال قاضي خان (٥): "ينظر إلى المجنى عليه أنه لو كان مملوكًا كم ينقص من قيمته بهذه الجناية، إن كانت تنقص عشر قيمته ففي الحر تجب عشر ديته، وهكذا في النصف والثلث، والفتوى على هذا"، وقال الصدر الشهيد في "الكبرى": "وهكذا ذكره ابن سماعة عن محمد وبه يفتى، وقال الكرخي: ينظر إلى أدنى جناية لها أرش مقدر، وهي الموضحة، فإن كان هذا نصف وإلَّا يجب (٦) نصف أجر الموضحة"، وعلى
стр. 375
قطعها مع نصف الساعد ففي الكف نصف الدية وفي الزيادة حكومة عدل* وفي الأصبع الزائدة حكومة عدل، وفي عين الصبي وذكره ولسانه إذا لم يعلم صحته حكومة عدل، ومن شج رجلًا فذهب عقله أو شعر رأسه دخل أرش الموضحة في الدية، وإن ذهب سمعه أو بصره أو كلامه فعليه أرش الموضحة مع الدية، ومن قطع إصبع رجل فشلت الأخرى إلى جانبيها ففيهما الأرش ولا قصاص فيه عند أبي حنيفة *، ومن قلع سن رجل فنبتت مكانها أخرى سقط الأرش، ومن شج رجلًا فالتحمت ولم يبق لها أثر ونبت الشعر سقط الأرش عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف عليه أرش الألم*،
هذا الاعتبار قال في "الخلاصة": "هذا إنما يستقيم إذا كانت الجناية في الرأس والوجه، فإن كانت في ذلك يفتى بهذا، وفي غيره يفتى بالأول، وإن تعسر عليه يفتى بالأول مطلقًا فإنه أيسر".
قوله: (وإن قطعها مع نصْف الساعد، ففي الكفّ والأصابع نصف الدية، وفي الزيادة حكومة عدل)، قال جمال الإسلام: "وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف لا يجب فيها إلا أرش اليد، وروى ابن سماعة عن أبي يوسف أنه إذا قطعها من المنكب لا يجب إلا أرش اليد، والصحيح قولهما"، واعتمده المحبوبي والنسفي (١).
قوله: (ومن قطع أصبع رجل فشَلّتْ أخرى إلى جنْبها، ففيها الأرش، ولا قصاص فيه عند أبي حنيفة)، قالى الإسبيجابي: "وعندهما يجب القصاص وهو قولى زفر والشافعي، والصحيح قولى أبي حنيفة"، وعليه مشى الإمام البرهاني والنسفي وغيرهما، قالى في "زاد الفقهاء": "هذا في الأصبع الأولى، أما الأصبع الثانية فلا قصاص فيها عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وروى ابن سماعة عن محمد أن فيها القصاص، والصحيح قولهما".
قوله: (ومن شجَّ رجلًا فالتَحَمَت الشجّة ولم يبق لها أثر، ونبت الشعر سقط الأرْش (٢) عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: عليه أرْشُ الألم)، "الهداية" (٣): "وهو حكومة عدل"، وفي "شرح الطحاوي ": "حكومة عدل الألم، أي أجرة العلاج"، وقالى الزاهدي في غير موضع: "إنه أراد بأرش الألم أجرة الطبيب وثمن الأدوية"، وفي بعضها: "هي أن يقوّم عبدًا
стр. 376
وقال محمد أجرة الطبيب، ومن جرح رجلًا جراحة لم يقتص منه حتى يبرأ، ومن قطع يد رجل خطأ ثم قتله قبل البرء فعليه الدية وسقط أرش اليد، وكل عمد سقط فيه القصاص بشبهة فالدية في مال القاتل وكل أرش وجب بالصلح فهو في مال القاتل أيضًا، وإذا قتل الأب ابنه عمدًا فالدية في ماله في ثلاث سنين، وكل جناية اعترف بها الجاني فهي في ماله ولا يصدق على عاقلته وعمد الصبي والمجنون خطأ وفيه الدية على العاقلة، ومن حفر بئرًا في طريق المسلمين أو وضع حجرًا فتلف بذلك إنسان فديته على عاقلته وإن تلف فيه بهيمة فضمانه في ماله، وإن أشرع في الطريق روشنًا أو ميزابًا فسقط على إنسان فعطب فالدية على عاقلته، ولا كفارة على حافر البئر وواضع الحجر، ومن حفر بئرًا في ملكه فعطب بها إنسان لم يضمن، والراكب ضامن لما أوطأت الدابة وما أصابت بيدها أو كدمت ولا يضمن ما نفحت برجلها أو ذنبها، فإذا راثت أو بالت في الطريق فعطب به إنسان لم يضمن، والسائق ضامن لما أصابت بيدها ورجلها*، والقائد ضامن لما أصابت بيدها دون رجلها، وإذا قاد قطارًا فهو ضامن لما أوطأت فإن كان معه سائق فالضمان علهما، وإذا جنى العبد جناية خطأ قيل لمولاه إما أن تدفعه بها أو تفديه فإن دفعه ملكه ولي الجناية وإن فداه فداه بارشها فإن عاد فجنى كان حكم الجناية الثانية حكم الجناية الأولى، فإن جنى جنايتين قيل للمولى إما أن تدفعه إلى ولي الجنايتين يقتسمانه على قدر حقيهما وإما أن
صحيحًا، ويقوم به الألم، ويرجع فيما بينه وبين النقصان من الدية".
(وقال محمد: أجرة الطبيب عليه)، قال في "الهداية" (١): "وثمن الدواء"، وعلى قول الإمام اعتمد الأئمة المحبوبي والنسفي وغيرهما، لكن قال في "العيون": "لا يجب عليه شيء قياسًا، وبه أخذ أبو حنيفة، وقالا: يستحسن أن يجب عليه حكومة عدل مثل أجرة الطبيب، وهكذا كل جراحة برَأت زجرًا للسفيه وجبرًا للضرر".
قوله: (والسائق ضامنٌ لما أصابت بيدها أو رجلها)، قال الزاهدي وصاحب "الهداية" فيها (٢) وفي "مجموع النوازل": "هكذا ذكره القدوري في "مختصره"، وبه أخذ بعض المشايخ، وأكثر المشايخ على أن السائق لا يضمن النفحة (٣) لأنه لا يمكنه منعها (٤) عنها، وإن كان بمرأى منه، وهو الأصح".
стр. 377
تفديه بأرش كل واحدة منهما، وإن أعتقه المولى وهو لا يعلم بالجناية ضمن الأقل من قيمته ومن أرشها فإن باعه أو أعتقه بعد العلم بالجناية وجب عليه الأرش، وإذا جنى المدبر أو أم الولد جناية ضمن المولى الأقل من قيمتهما ومن أرشهما، فإن جنى أخرى وقد دفع المولى قيمة الأولى بقضاء فلا شيء عليه، ويتبع ولي الجناية الثانية ولي الجناية الأولى فيشاركه فيما أخذه الأول، وإن كان المولى دفع القيمة بغير قضاء قاض فالولي بالخيار إن شاء اتبع المولى وإن شاء اتبع عليه ولي الجناية الأولى، وإذا مال الحائط إلى طريق المسلمين فطولب صاحبه بنقضه وأشهد عليه فلم ينقض في مدة يقدر على نقضه فيها حتى سقط ضمن ما يتلف به من نفس أو مال، ويستوي أن يطالبه بنقضه مسلم أو ذمي، وإن مال إلى دار رجل فالمطالبة إلى مالك الدار خاصة، وإذا اصطدم الفارسان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر، وإذا قتل رجل عبدًا خطأ فعلبه قيمته لا يزاد على عشرة آلاف درهم، فإن كانت قيمنه عشرة آلاف أو أكثر قضي عليه بعشرة آلاف إلا عشرة* دراهم، وفي الأمة إذا زادت قبمتها على الدية خمسة آلات إلا عشرة*، وفي يد العبد نصف قيمته لا يزاد على خمسة آلاف إلا خمسة *،
قوله: (وإذا قتل رجل عبدًا خطأ فعليه قيمته لا يزاد على عشرة آلاف عند أبي حنيفة ومحمد، فإن كانت عشرة آلاف أو أكثر قضي عليه بعشرة آلاف إلا عشرة) عند أبي حنيفة ومحمد وزفر، وقال أبو يوسف: تجب قيمته بالغة ما بلغت، وعلى قول أبي حنيفة اعتمد الأئمة منهم: البرهاني والنسفي الموصلي وغيرهم.
قوله: (وفي الأمة إذا زادت قيمتها على الدية خمسة آلاف إلا خمسة (١))، قال الزاهدي: "ما وقع في بعض النسخ من "المختصر": (وفي الأمة خمسة آلاف إلا خمسة)، الظاهر والمنصوص في عامة الأصول والشروح التي ظفرت بها: (إلا عشرة)، وفي (سط): وفي رواية إلا خمسة، (ط) وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجب خمسة آلاف إلا خمسة، والصحيح ما ذكرنا، يعني إلا عشرة"، وقال في "الينابيع": "والرواية المشهورة هي الأولى، يعني إلا العشرة، وهي الصحيحة في النسخ".
[قوله (٢): (وفي يد العبد نصف قيمته لا يزاد على خمسة آلاف إلا خمسة دراهم)، قال في "الجواهر": ينبغي أن لا ينتقص، لأن الأطراف يسلك بها
стр. 378
وكل ما يقدر من دية الحر فهو مقدر من قيمة العبد *، وإذا ضرب بطن امرأة فألقت جنينًا ميتًا فعليه غرة نصف عشر الدية، فإن ألقته حيًا ثم مات فعليه دية كاملة، وإن ألقته ميتًا ثم ماتت الأم فعليه دية وغرة وإن ماتت ثم ألقته ميتًا فعليه دية الأم ولا شيء في الجنين، وما يجب في الجنين موروث عنه، وفي جنين الأمة إذا كان ذكرًا نصف عشر قيمته لو كان حيًا وعشر قيمته لو كان أنثى، ولا كفارة في الجنين.
والكفارة في شبه العمد والخطا عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، ولا يجزئ فيها الإطعام.
مسلك الأموال، قلنا: في "المبسوط": أنه يجب القيمة بالغا ما بلغت في المححيح من الجواب، إلا في رواية عن محمد أنه يجب بقطع يده خمسة آلاف إلا خمسة، فيكون المذكور في "الكتاب " رواية محمد، والصحيح يجب بالغة ما بلغت، حتى إذا كانت قيمة اليد تساوي عشرة آلاف تجب، وإن كان عشرة آلاف دية الحر، انتهى].
قوله: (وكل ما يقدّر من دية الحُرّ فهو مقدّرٌ من قيمة العبد)، قال الإسبيجابي: "وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف الأول، وقال أبو يوسف في الآخر وهو قول محمد وزفر: عليه النقصان، والصحيح قول أبي حنيفة"، وعلى قوله اعتمد المحبوبي والنسفي وغيرهما
стр. 379
مسائل القسامة
وإذا وجد القتيل في محلة لا يعلم من قتله، استحلف خمسون رجلًا منهم يتخيرهم الولي، بالله ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا *، فإذا حلفوا قضي على أهل المحلة بالدية، ولا يستحلف الولي ولا يقضى له بالجناية، وإن لم يكمل أهل المحلة كررت الأيمان عليهم حتى يتم خمسين، ولا يدخل في القسامة صبي ولا مجنون ولا امرأة ولا عبد، وإن وجد ميت ولا أثر به فلا قسامة ولا دية، وكذلك إن كان الدم يسيل من أنفه أو من دبّره أو من فمه، فإن كان يخرج من عينه أو من أذنه فهو قتيل، وإذا وجد القتيل على دابة يسوقها رجل فالدية على عاقلته دون أهل المحلة، فإن وجد في دار إنسان فالقسامة عليه والدية على عاقلته، ولا يدخل السكان في القسامة مع الملاك عند أبي حنيفة *، وهي على أهل الخطة دون المشترين ولو بقي منهم واحد، وإن وجد القتيل في سفينة فالقسامة على من فيها من الركاب والملاحين، وإن وجد في مسجد محلة فالقسامة على أهلها، وإن وجد في "الجامع" أو الشارع الأعظم فلا قسامة فيه والدية على بيت المال، وإن وجد في برية ليس بقربها عمارة فهو هدر، وإن وجد بين قريتين كان على أقربهما، وإن وجد في وسط
كتاب القسامة
قوله: (ما قتلناه ولا نعلم له قاتلًا)، وقال في "المبسوط": "لا يحلف بالله ما قتلناه، لجواز أنه باشر القتل بنفسه، بل يقول: ما قتلت".
قوله: (ولا يدخل السُّكان في القسامة مع الملَّاك عند أبي حنيفة)، قال الإسبيجابي: "وعند أبي يوسف عليهم جميعًا"، (وهي على أهل الخطة دون المشترين، ولو بقي منهم واحد)، وهذا قول أبي حنيفة، وعلى قوله مشى الأئمة منهم البرهابي والنسفي، وفي "الهداية" (١) وغيرها: "وقيل أبو حنيفة بنى ذلك على ما شاهد بالكوفة".
ولو وُجد قتيل في سجن لا يُعرف مَن قتله، فالدية على بيت المال عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: على أهل السجن القسامة والدية، قال الإسبيجابي: "والصحيح قولهما".
стр. 380
الفرات يمر به الماء فهو هدَر، فإن كان محتسبًا بالشاطئ فهو على أقرب القرى من ذلك الموضع، وإن ادعى الولي على واحد من أهل المحلة بعينه لم تسقط القسامة عنهم وإن ادعى على واحد من غيرهم سقطت عنهم * القسامة، وإذا قال المستحلف: قتله فلان استحلف بالله ما قتلت ولا عرفت له قاتلًا غير فلان، وإذا شهد اثنان من أهل المحلة على رجل من غيرهم أنه قتله لم تقبل شهادتهما*.
قوله: (وإذا ادعى الوليُّ على واحد من أهل المحِلّة بعينه لم تسقط القسامة عنهم، وإن ادعى على واحد من غيرهم سقط عنهم)، قال الإمام جمال الإسلام: "وعن أبي حنيفة ومحمد أن القسامة تسقط في الوجه الأول أيضًا، والصحيح هو الأول".
قوله: (وإذا شهد اثنان من أهل المحلة على رجل من غيرهم أنه قتله لم تقبل شهادتهما)، قال الإمام بهاء الدين في شرحه: "وهذا قول أبي حنيفة، وقال صاحباه: تقبل، والصحيح قوله"، وعليه اعتمد المحبوبي النسفي وغيرهما.
стр. 381
كتاب المعاقِل
الدية في شبه العمد والخطأ وكل دية وجبت بنفس القتل وجبت على العاقلة، والعاقلة أهل الديوان إن كان القاتل من أهل الديوان يؤخذ من عطاياهم في ثلاث سنين، فإن خرج العطايا في أكثر من ثلاث صنين أو أقل أخذ منها *، ومن لم يكن من أهل الديوان فعاقلته قبيلته يقسط عليهم في ثلاث سنين لا يزاد الواحد على أربعة دراهم، في كل سنة درهم وثلث درهم وينقص منها *، فإن لم يتسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل من غيرهم، ويدخل القاتل مع العاقلة فيكون فيما يؤدي كأحدهم، وعاقلة المعتق قبيلة مولاه ومولى الموالاة يعقل عنه مولاه وقبيلته ولا يتحمل العاقلة أقل من نصف عشر الدية، ويتحمل نصف عشر الدية فصاعدًا، وما نقص من ذلك فهو في مال الجاني، ولا تعقل العاقلة جناية العمد، ولا تعقل الجناية التي اعترف بها الجاني إلا أن يصدقوه، ولا تعقل ما لزم بالصلح، وإذا جنى الحر على العبد جناية خطأ كانت على عاقلته.
كتاب المعاقل
قوله: (فإن خرجت العطايا في أكثر من ثلاث سنين أو أقلَّ أخذ منها)، قال الزاهدي وصاحب "الهداية" (١): "تأويله إذا كانت العطايا للسنين المستقبلة بع القضاء، حتى لو اجتمعت في السنين الماضية قبل القضاء ثم خرجت بعد القضاء لا يؤخذ منها".
قوله: (لا يزاد الواحد على أربعة دراهم في كل سنة وينقص منها (٢))، قال الزاهدي وصاحب "الهداية" (٣): "كذا ذكره القدوري، وهذا إشارة إلى أنه يزاد على أربعة من جميع الدية وقد نصق محمد ﵀ على أنه لا يزاد كل واحد من جميع الدية في ثلاث سنين على ثلاثة أو أربعة، فلا يؤخذ من كل واحد في كل سنة إلا درهم أو درهم وثلث درهم، وهو الأصح".
стр. 382
كتاب الحدود
الزنا يثبت بالبينة والإقرار؛ فالبينة أن يشهد أربعة من الشهود على رجل أو امرأة بالزنا فيسالهم الإمام عن الزنا ما هو وكيف هو وأين زنى ومتى زنى وبمن زنى، فإذا بينوا ذلك وقالوا رأيناه وطئها في فرجها كالميل في المكحلة، وسأل القاضي عنهم فعدلوا في السر والعلانية حكم بشهادتهم، والإقرار أن يقر العاقل البالغ على نفسه بالزنا أربع مرات في أربع مجالس من مجالس المقرّ كلما أقرّ رد القاضي * إقراره، فإذا تم إقراره أربع مرات ساله عن الزنا ما هو وكيف هو وأين زنى وبمن زنى، فإذا بين ذلك لزمه الحد، فإن كان الزاني محصنًا رجمه بالحجارة حتى يموت، يخرجه إلى أرض فضاء يبتدئ الشهود برجمه ثم الإمام ثم الناس، فإن امتنع الشهود من الابتداء سقط الحد *، وإن كان مقرًا ابتدأ الإمام ثم الناس، ويغسل ويكفن ويصلى عليه، فإن لم يكن محصنًا وكان حرًا فحده مئة جلدة، يأمر الإمام بضربه بسوط لا ثمرة له ضربًا متوسطًا تنزع عنه ثيابه ويفرق الضرب على أعضائه إلا رأسه ووجهه وفرجه، وإن كان عبذا جلده خمسين جلدة كذلك، فإن رجع المقرّ عن إقراره قبل إقامة الحد عليه أو في وسطه قبل رجوعه ويخلى سبيله، وششحب للإمام أن يلقن المقرّ الرجوع ويقول له لعلك لمست أو قبلت، والرجل والمرأة في ذلك سواء، غير أن المرأة لا ينزع عنها من ثيابها إلا الفرو والحشو، وإن حفر لها في الرجم جاز، ولا يقيم المولى الحد على عبده إلا بإذن الإمام، واذا رجع أحد الشهود بعد الحكم قبل الرجم ضربوا الحد وسقط الرجم وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد:
كتاب الحُدُود
قوله: (في أربع مجالس من مجالس المُقِرّ، كلما أقرّ ردَّه القاضي)، قال في "الينابيع،: "وقال بعضهم: يعتبر مجالس (١) القاضي، والأول أصح".
قوله: (فإن امتنع الشهود من الابتداء سقط الحد)، قال الإسبيجابي: "وقال أبو يوسف: لا يسقط ولكن يرمي الإمام ثم الناس، والصحيح قولهما"، وعليه اعتمد المصنف والأئمة بعده (٢).
قوله: (وإذا رجع أحد الشهود بعد الحكم قبل الرجم ضربوا الحد وسقط الرجم عن المشهود عليه، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد:
стр. 383
يحد الراجع خاصة*، وإن رجع بعد الرجم حد الراجع وحده وضمن ربع الدية، وإن نقص عدد الشهود عن أربعة حدوا، وشرط الإحصان أن يكون حرًا بالغًا عاقلًا مسلمًا * قد تزوج امرأة نكاحًا صحيحًا ودخل بها وهما على صفة الإحصان *، ولا يجمع في المحصن بين الجلد والرجم، ولا يجمع في البكر بين الجلد والنفي إلا أن يرى الإمام ذلك مصلحة فيغربه على قدر ما يرى، وإذا زنى المريض وحدَّه الرجم رجم، وإن كان حده الجلد لم يجلد حتى يبرأ، وإذا زنت الحامل لم تحد حتى تضع حملها، وإن كان حدها الجلد فحتى تتعالى من نفاسها، وإذا كان حدها الرجم رجمت، واذا شهد الشهود بحد متقادم * لم يقطعهم عن إقامته بعدهم عن الإمام لم تقبل شهادتهم إلا في حد القذف خاصة، ومن وطئ أجنبية فيما دون الفرج عزر، ولا حد على من وطئ جارية ولده وولد ولده، وإن قال علمت أنها علي حرام، وإذا وطئ جارية أبيه أو أمه أو زوجته أو وطئ العبد جارية مولاه
يحد الراجع خاصة)، وعلى قولهما اعتمد الأئمة كما هو الرسم.
قوله: (وإحصان الرَّجم أن يكون حرًّا بالفًا عاقلًا مسلمًا)، وفي "الهداية" (١): "والشافعي يخالفنا في اشتراط الإسلام، وكذا قال أبو يوسف في رواية"، وقال في "شرح الطحاوي": "وذكر الطحاوي والكرخي عن أبي يوسف أن النصارى يحصن بعضهم بعضًا -وفي "الزاهدي": واليهود-، وروى الكرخي عنه التفرقة بين أهل الذمة وبين المجوس"، والمعتمد ما قال المصنف، وعليه الأئمة بعده.
قوله: (وهما بصفة الإحصان)، وعن أبي يوسف أنه يصير محصنًا بالكتابيّة، قال في "شرح الطحاوي": "وهذا ظاهر الرواية عنه، وعنه أنها لا تحصنه"، والمعتمد قولهما، وعليه مشى الأئمة.
قوله: (وإذا شهد الشهود بحد متقادم)، لم يقذر أبو حنيفة في المشهور عنه مدة/ وفؤضه إلى رأي القاضي في كل زمان وأشار في "الجامع" (٢)، وكتاب الطحاوي، ورواية الحسن، إلى أنه مقذر بستة أشهر، وعن محمد أنه قدره بشهرٍ، وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف. قال الزاهدي في شرحه وصاحب "الجواهر" فيه، والنسفي في "الكافي لما، والزَّوزني في "ملتقى البحار"
стр. 384
وقال علمت أنها عليّ حرام حد، وإذا قال ظننت أنها تحل لي لم يحد، ومن وطئ جارية أخيه أو عمه وقال ظننت أنها حلال حدّ، ومن زفت إليه غير امرأته وقلنَ النساء إنها زوجتك فوطئها فلا حد عليه وعليه المهر، ومن وجد امرأة على فراشه فوطئها فعليه الحد، ومن تزوج امرأة لا يحل له نكاحها فوطئها لم يجب عليه الحد *، ومن أتى امرأة في
وصاحب "الهداية" فيها (١) وفي "مجموع (٢) النوازل": "هو الأصح"، وقال قاضي خان (٣): "والشهر وما فوقه متقادم مانع قبول الشهادة، وعليه الاعتماد".
قوله: (ومن تزوج امرأة لا يحل له نكاحها فوطئها لم يجب عليه الحد)، قال الإسبيجابي: "وهذا قول أبي حنيفة وزفر، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا تزوج نكاحًا مجمعًا (٤) على تحريمه، محرَمُه كانت المرأة أو غير محرمِه، والواطئ يعلم أنها حرام فليس ذلك بشبهة، وعليه الحد إذا وطئ وإن كان لا يعلم فلا حد عليه، والصحيح قول أبي حنيفة وزفر"، وعليه مشى النسفي المحبوبي وغيرهما.
وقال في "الواقعات": "تزوج محارمه ودخل بها حد عند أبي يوسف ومحمد، قال أبو الليث: وبه نأخذ، فنحن أيضًا نأخذ به"، وقال في "الفتاوى السراجية" (٥): "وعليه الفتوى"، وفي "الخلاصة": "والفتوى على قولهما".
قلت: المرجح في جميع شروح هذا الكتاب وجميع شروح "المنظومة" (٦) و"الهداية" وأصولها وجميع شروحها و"الإيضاح" و"البدائع" و"الاختيار" وطرائق الخلاف (٧) دليلُ أبي حنيفة، فكان تصحيح قوله واختيار الفتوى عليه أولى، والله أعلم.
قوله: (ومن أتى امرأته في الموضع المكروه)، قال في "الجواهر": "وهو
стр. 385
الموضع المكروه * أو عمل عمَل قوم لوط فلا حد عليه عند أبي حنيفة ويعزّر، وقال أبو يوسف ومحمد: هو كالزنا، ومن وطئ بهيمة فلا حد عليه، ومن زنى في دار الحرب أو في دار البغي ثم خرج إلينا لم يُقم عليه الحد.
باب حدّ الشّرب
ومن شرب الخمر فأُخذ وريحها موجود فشهد الشهود بذلك عليه أو أقرّ فعليه الحد، وان أقرّ بعد ذهاب رائحتها لم يحد *، ومن سكر من النبيذ حد *، ولا حد على من وجد منه رائحة الخمر أو تقيأها، ولا يحد السكران حتى يعلم أنه سكر من النبيذ وشربه طوعًا، ولا يحد حتى يزول عنه السكر، وحد الخمر والسكر في الحر ثمانون سوطًا يفرق على
" الإتيان في دبر المرأة"، (أوْ عمِل عمَل قوم لوط)، قال في "الجواهر": "وهو إتيان الرجل الصبيّ أو الرجل"، (فلا حد عليه عند أبي حنيفة ويعزّر)، وزاد في "الجامع" (١): "ويودع في السجن"، (وقال أبو يوسف ومحمد: هو كالزنا)، قال جمال الإسلام في شرحه: "الصحيح قول أبي حنيفة"، وعليه مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما.
باب حدّ الشرب
قوله: (وإن أقرّ بعد ذهاب ريحها لم يحد)، قال الإسبيجابي: "وقال محمد: يحد، والصحيح قولهما"، واعتمده المحبوبي والنسفي وغيرهما.
قوله: (ومن سَكِرَ من النبيذ حُدّ)، قال الزاهدي وصاحب "الهداية" فيها (٢) وفي "مجموع النوازل": "هو الذي لا يعقل منطقًا قليلًا ولا كثيرًا، ولا يعقل الرجل من المرأة عند أبي حنيفة، وقالا: هو الذي يهذي ويخلط كلامه؛ لأنه هو السكران في العرف، وإليه مال أكثر المشايخ"، وقال قاضي خان: "والفتوى على قولهما" (٣)، وقال في "الظهيرية": "وأكثر مشايخنا على قولهما".
فإن قلتَ: لم مال أكثر المشايخ إلى قولهما، والخلاف خلاف حجة وبرهان لا خلاف عصر وزمان؟
стр. 386
بدنه كما ذكرنا في الزنا، فإن كان عبدًا فحده أربعون، ومن أقر بشرب الخمر والسكر ثم رجع لم يحد، ويثبت الشرب بشهادة شاهدين وبإقراره مرّة * واحدة، ولا يقبل فيه شهادة النساء مع الرجال، والله أعلم بالصواب.
باب حدّ القذْف
إذا قذف رجل رجلًا محصنًا أو امرأة محصنة بصريح الزنا وطالب المقذوف بالحد حده الحاكم ثمانين سوطًا إن كان حرًا، يفرق على أعضائه ولا يجرد من ثيابه غير أنه ينزع منه الفرو والحشو، وإن كان عبدًا جلد أربعون، والإحصان أن يكون المقذوف حرًا عاقلًا بالغًا مسلمًا عفيفًا عن فعل الزنا، ومن نفى نسب غيره فقال لستَ لأبيك أو يا ابن الزانية وأمه ميتة محصنة وطالب الابن بحدها حد القاذف، ولا يطالب بحد القذف للميت إلا من يقع القدح في نسبه بقذفه *، وإذا كان المقذوف محصنًا جاز لابنه الكافر والعبد أن يطالب بالحد، وليس للعبد أن يطالب مولاه بقذف أمه الحرة، وإن أقر بالقذف ثم رجع لم يقبل رجوعه، ومن قال للعربي يا نبطي لم يحد، ومن قال لرجل يا ابن ماء السماء في غير بقذف، وإذا نسبه إلى عمه أو خاله أو زوج أمه فليس بقاذف ومن وطئ وطئًا حرامًا في غير
قلت: لتضعيفهم (١) ما استدل به لأبي حنيفة، على ما صرح به شيخنا في "شرح "الهداية"".
قوله: (أو بإقراره مرة)، قال الإسبيجابي: "هو قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف وزفر: بإقراره مرتين في مجلسين، والصحيح قولنا (٢)، واعتمده المحبوبي والنسفي وغيرهما، [والله أعلم].
باب حدّ القذف
قوله: (إلّا مَنْ يَقَعُ القدْح في نَسَبه بقذْفِه)، قال في "الينابيع": "والذي يقع القدح في نسبه الأبُ والجدّ وإن علا، والولد وولد الولد وإن سفل، ولا حق للأخ والعم والمولى، وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يدخل فيه أولاد البنات وإنما يدخل فيه كل من يرث بالعصوبة، يعني به الذكور من جهة الأب"، قال قاضي خان (٣): "قول أبي حنيفة وأبي يوسف هو ظاهر الرواية".
стр. 387
ملكه لم يحد قاذفه والملاعنة بولد لا يحد قاذفها"، ومن قذف عبدًا أو أمة أو كافرًا بالزنا أو قذف مسلمًا بغير الزنا فقال يا فاسق أو يا كافر أو يا خبيث عُزّر، وإن قال يا حمار ويا خنزير لم يعزر*. والتعزير أكثره تسعة وثلاثون سوطًا وأقله ثلاث جلدات، وقال أبو يوسف يبلغ بالتعزير خمسة وسبعين سوطًا*، وإن رأى الإمام أن يضم إلى الضرب في التعزير الحبس فعل، وأشد الضرب التعزير ثم حد الزنا ثم حد الشرب ثم حد القذف،
قوله: (والملاعنة بولد لا يُحَدّ قاذفها)، قال الإسبيجابي: "وعن أبي يوسف أنه يحدّ (١)، والصحيح قولهما"، وعليه مشى الأئمة المحبوبي والنسفي وغيرهما.
قوله: (وإن قال يا حمار أو يا خنزير لم يعزّر)، هذا ظاهر الرواية وقال أبو جعفر: يُعَزّر، وقيل: إن كان المسبوب من الأشراف كالفقهاء والعلَويّة يعزّر، قال في "الهداية": "وهذا حسن" (٢).
قوله: (والتعزير أكثرهُ تسعة وثلاثون سوطًا، وأقله ثلاث جَلْدات، وقال أبو يوسف: يبلغ بالتعزير خمسةَ وسبعين سوطًا). وفي "مختصر الكرخي": "قال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر: لا يبلغ بالتعزير أربعين سوطًا، قال أبو يوسف عن أبي حنيفة: في حُرّ ولا عبد ولا أمة، وروى بشر (٣) عن أبي يوسف في مسألة تاريخُها: ربيع الأول سنة ثمان وسبعين ومئة، قال أبو حنيفة: لا أبلغ بالتعزير في الحُرّ ولا العبد ولا المرأة أربعين سوطًا"، قال في "التقريب": "وعن يعقوب: إن أكثره خمسة وتسعون سوطًا، كذا روي عن علي، فاعتبر أعلا الحدود ونقص عنه خمسة، وروي عنه أنه على ما يراه الإمام، وقال الطحاوي عنه: إنه على ما يراه الإمام إلا أنه لا يبلغ به الحد، وروى بشر عنه أنه أقل من ثمانين، وروى ابن سماعة عنه: أنه على قدر ما يراه الإمام في ذلك النوع".
قلت: وكله مقيد بما دون الحد كما صرح به الكرخي فقال: وقال أبو يوسف في التعزير على قَدْر عِظَم الجُرم وصغره، وعلى قدر ما يرى الحاكم
стр. 388
ومن حده الإمام أو عزره فمات فدمه هدر، وإذا حد المسلم في القذف سقطت شهادته
من احتمال المضروب فيما بينه وبين أقل من ثمانين، وقال علي بن الجعد (١)، قال أبو يوسف ذلك على قدْر ما يرى الإمام، يُعزر بقدر الجرم ولا يبلغ به ثمانين سوطًا، قال القدوري قال الحسن ما بين ثلاثة إلى خمسة وسبعين، قال في "الظهيرية": "لا خلاف بين العلماء أنه لا يبلغ التعزيرُ الحد"، انتهى.
واعتمد قولهما الإمام المحبوبي والنسفي والموصلي وصدر الشريعة، وهو الرسم، كما نص عليه في "فتاوى قاضي خان" و"المحيط".
قال الإمام محمد بن الحسن في كتاب "الآثار" (٢): أخبرنا أبو حنيفة قال حدثنا الهيثم بن أبي الهيثم عن عامر الشعبي قال: لا يبلغ بالتعزير أربعين جلدة، قال محمد: وهذا قول أبي حنيفة وقولنا.
محمد (٣) أخبرنا مسعر بن كدام قال أخبرني الوليد بن عثمان عن الضحَّاك بن مزاحم قال: قال رسول الله ﷺ : "من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين"، قال محمد: "فأدنى الحدود أربعون فلا يبلغ بالتعزير أربعين جلدة".
وروى ابن أبي شيبة عن علي ﵁ أنه "أُتيَ بالنجاشي سكران من الخمر في رمضان فتركه حتى صحا ثم ضربه ثمانين، ثم أمر به إلى السجن، ثم أخرجه من الغد فضربه (٤) عشرين، فقال ثمانين للخمر، وعشرين لجرأتك على الله في رمضان" (٥)، فهذا علي ﵁ لم يوالِ بين الضربين ولم
стр. 389
وإن تاب، وإن حد الكافر في القذف ثم أسلم قبلت شهادته.
يزد في هذا الجرم على عشرين، فما شاهدناه من بعض قضاة العصر من الضرب مئتين ثم الأمر بالجلد في التطواف في الأسواق خطأ من كل الوجوه، أعاذنا الله [تعالى] من اتباع الهوى.
стр. 390
كتاب السّرقة وقطاع الطريق
إذا سرق البالغ العاقل عشرة دراهم أو ما قيمته عشرة دراهم مضروبة أو غير مضروبة من حرز لا شبهة فيه وجب عليه القطع *، والعبد والحر في ذلك سواء، ويجب القطع بإقراره مرة واحدة * أو بشهادة شاهدين، وإذا اشترك جماعة في سرقة فأصاب كل واحد
كتاب السّرقة وقطّاع الطريق
قوله: (إذا سرق البالغ العاقل عشرة دراهم أو ما قيمته عشرة دراهم مضروبة أو غير مضروبة من حِرْزِ لا شبهةَ فيه، وجب عليه القطع)، هكذا في النسخ، قال في "زاد الفقهاء": "ثم قول صاحب "الكتاب": (مضروبة أو غير مضروبة)، فهو قول أبي حنيفة"، وفي "الينابيع": "وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يقطع في عشرة دراهم تِبْرًا وهو المراد في "الكتاب""، وفي "الهداية" (١) قال: إذا سرق العاقل البالغ عشرة دراهم أو ما يبلغ قيمته عشرة [دراهم] (٢) مضروبة من حرْز لا شبهة فيه وجب القطع. ثم قال: واسم الدراهم ينطلق على المضروبة عرفًا، فهذا يبيّن لك اشتراط المضروب كما قال في "الكتاب"، وهو ظاهر الرواية، وهو الأصح"، وقال في الشرح كما ذكر القدوري.
قلت: عبارة القدوري ما ذكرناه، فإما أنه وقعت له نسخة كما ذَكر، أو أراد كتاب محمد فإنه فيه كذلك، وفي "الجواهر": "فعلى ظاهر الرواية: المضروبة شرط والجياد شرط".
[قوله: (من حرز)، قال في "الجواهر": "فلو سرق من بيت مقفل فيه قبر، قيل يقطع، والصحيح أنه لا يقطع] (٣).
قوله: (ويجب القطع بإقرارِهِ مرةً واحدة)، "الهداية" (٤): وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: لا يقطع إلا بالإقرار مرتين، وروي عنه