كتاب الشهادات
الشهادة فرض تلزم الشهود ولا يسعهم كتمانها إذا طالبهم المدعي، والشهادة بالحدود يخير فيها الشاهد بين الستر والإظهار والستر أفضل، إلا أنه يجب أن يشهد بالمال في السرقة فيقول أخذ ولا يقول سرق، والشهادة على مراتب منها الشهادة على الزنا يعتبر فيها أربعة من الرجال ولا يقبل فيها شهادة النساء، ومنها الشهادة ببقية الحدود والقصاص يقبل فيها شهادة الرجلين ولا يقبل فيها شهادة النساء، وما سوى ذلك من الحقوق يقبل فيها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين سواء كان الحق مالًا أو غير مال مثل النكاح والطلاق والوكالة والوصية، وتقبل في الولادة والبكارة والعيوب بالنساء في موضع لا يطلع عليه الرجال شهادة امرأة واحدة، ولا بد في ذلك كله من العدالة * ولفظة الشهادة وإن لم يذكر الشاهد لفظ الشهادة وقال أعلم أو أتيقن لم تقبل شهادته. وقال أبو حنيفة يقتصر الحاكم على ظاهر عدالة المسلم إلا في الحدود والقصاص فإنه يسأل عن الشهود وإن طعن الخصم فيهم يسأل عنهم، وقال أبو يوسف ومحمد لا بد أن يسأل عنهم في السرّ والعلانية*، وما
كتاب الشهادات
قوله: (ولا بدّ في ذلك كله من العدالة)، قال الزاهدي وصاحب "الهداية" (١): "وعن أبي يوسف أن الفاسق إذا كان وجيهًا في الناس ذا مروءة تقبل شهادته، والأول أصح".
قوله: (في ذلك كله)، قال الزاهدي: "إشارة إلى جميع ما تقدم، حتى تشترط العدالة ولفظة الشهادة في شهادة النساء، في الولادة وغيرها، وهو الأصح"، وقال في "الهداية" (٢): "هو الصحيح".
قوله: (وقال أبو حنيفة يقتصر الحاكم على ظاهر عدالة المسلم إلا في الحدود والقصاص فإنه يسأل عن الشهود وإن لم يطعن الخصم، وإن طعن الخصم فيهم يسأل عنهم، وقال أبو يوسف ومحمد: لا بد أن يسأل عنهم في السرّ والعلانية)، قال الإمام أبو بكر الرازي: "هذا اختلاف عصر وزمان لا اختلاف حجّة وبرهان"، وقال في "الجواهر": "وإنما يقتصر لظاهر
стр. 422
يتحمله الشاهد على ضربين أحدهما يثبت حكمه بنفسه مثل البيع والإقرار والغصب والقتل وحكم الحاكم فإذا سمع ذلك الشاهد أو رآه وسعه أن يشهد به وإن لم يشهد عليه ويقول أشهد أنه باع ولا يقول أشهدني، ومنه ما لا يثبت حكمه بنفسه مثل الشهادة على الشهادة فإذا سمع شاهدًا يشهد بشيء لم يجز أن يشهد على شهادته إلا أن يشهده، وكذلك لو سمعه يشهد الشاهد على شهادته لم يسع السامع أن يشهد ولا يحل للشاهد إذا رأى خطه أن يشهد إلا أن يذكر الشهادة*، ولا تقبل شهادة الأعمى ولا المملوك ولا المحدود في
العدالة، لأن أبا حنيفة من التابعين، فلا يكون فشو الكذب موجودًا، فأما في عصر أبي يوسف ومحمد كان الكذب قد فشا، فلا يكتفى بظاهر العدالة، فهذا بناء على اختلاف العصر"، وكذا نقل الإسبيجابي وصاحب "الينابيع"، وقال الصدر الشهيد في "الكبرى": "والفتوى اليوم على قولهما"، وقال الإمام أبو المفاخر السَّدِيدي في "شرح المنظومة": "الفتوى على قولهما في هذا الزمان"، وقال في "الحقائق": "والفتوى على قولهما"، وقال قاضي خان في أول "فتاواه": "فإن كان اختلافهم اختلاف عصر وزمان كالقضاء بظاهر العدالة، يؤخذ بقول صاحبيه لتغير أحوال الناس"، وقد قدمناه (١)، وقال في كتاب الشهادات (٢): "الصبي إذا احتلم ثم شهد قال محمد: لا تقبل شهادته ما لم يسأل عنه، وهو بناء على أن عند أبي يوسف ومحمد لا يجوز القضاء بظاهر العدالة، وعليه الفتوى"، وقال فيه (٣): "ولا يقضي القاضي بظاهر العدالة في قول أبي يوسف ومحمد، ويسأل عن الشهود، طعن الخصم في الشهود أو لم يطعن، وقال أبو حنيفة: إن كان المدعى به حقًّا يثبت مع الشبهات، كان له أن يقضي بظاهر العدالة ما لم يطعن الخصم في الشهود، والفتوى على قولهما"، وقال في "الهداية" (٤) و"مختارات النوازل" و"الاختيار" (٥) و"شرح الزاهدي" و"الكافي": "والفتوى على قولهما"، وقال الإمام البرهاني وصدر الشريعة: "به يفتى".
قوله: (ولا يحل للشاهد إذا رأى خطّهُ أن يشهد إلا أن يذكر الشهادة)،
стр. 423
قذف وإن تاب، ولا شهادة الوالد لولده وولد ولده ولا شهادة الولد لأبويه وأجداده، ولا تقبل شهادة أحد الزوجين للآخر ولا شهادة المولى لعبده ولا لمكاتبه، ولا شهادة الشريك لشريكه فيما هو من شركتهما، وتقبل شهادة الرجل لأخيه وعمه، ولا تقبل شهادة مخنث ولا نائحة ولا مغنية ولا مدمن الشرب على اللهو ولا من يلعب بالطيور ولا: من يغني للناس ولا من يأتي بابًا من الكبائر التي يتعلق بها الحد، ولا من يدخل الحمام بغير إزار أو يأكل الربا والمقامر بالنرد والشطرنج، ولا من يفعل الأفعال المستخفة كالبول على الطريق والأكل على الطريق، ولا تقبل شهادة من يظهر سب السلف، ولا تقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، وتقبل شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وإن اختلفت مللهم، ولا تقبل شهادة الحربي على الذمي. وإن كانت الحسنات أغلب من السيئات والرجل ممن يجتنب الكبائر قبلت شهادته وإن ألَمّ بمعصية *، وتقبل شهادة الأقلف * والخصي وولد الزنا، وشهادة الخنثى جائزة، وإذا وافقت الشهادة بالدعوى قبلت وإن خالفتها لم تقبل ويعتبر اتفاق الشاهدين في اللفظ والمعنى عند أبي حنيفة*، فإن شهد أحدهما بألف والآخر بألفين لم تقبل الشهادة، وإن شهد أحدهما بألف والآخر بألف وخمس مئة والمدعي يدعي ألفا وخمس مئة قبلت شهادتهما بألف، وإن شهدا بألف وقال أحدهما قضاه منها خمس مئة قبلت شهادته بألف ولم يسمع قوله أنه قضاه إلا أن يشهد معه آخر، وينبغي للشاهد إذا
وعلى هذا مشى الأئمة الملتزمون للصحيح (١)، وإن حكي أنه قول أبي حنيفة، وقيل إنه قول الكل.
قوله: (وإن كانت الحسنات أغلب من السيئات، والرجل ممن يجتنب .. قبلت شهادته وإن ألمّ بمعصية)، وفي بعض النسخ: (وإن أتى بمعصية)، قال في "الهداية" (٢) و"شرح الزاهدي" و"مختارات النوازل": "هذا هو الصحيح في حدّ العدالة المعتبرة".
قوله: (وتقبل شهادة الأقلف)، قال في "الينابيع": "إن ترك الأقلف الاختتان من غير عذر لم تقبل شهادته، وإن تركه من عذر قبلت، قال الفقيه: وبه نأخذ".
قوله: (ويعتبر اتفاق الشاهدين في اللفظ والمعنى عند أبي حنيفة .. الخ)، قال الإسبيجابي: "الصحيح قول أبي حنيفة"، وعليه مشى الأئمة المصحّحون.
стр. 424
علم ذلك أن لا يشهد بالألف حتى يقر المدعي أنه قبض خمس مئة، وإذا شهد شاهدان أن زيدًا قتل يوم النحر بمكة وشهد آخر أنه قتل يوم النحر بالكوفة واجتمعوا عند الحاكم لم تقبل الشهادتين، فإن سبقت إحداهما وقضى بها ثم حضرت الأخرى لم تقبل، ولا يسمع القاضي الشهادة على الجرح ولا يحكم بذلك حتى تحقق، ولا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه إلا النسب والموت والنكاح والدخول وولاية القاضي * فإنه يسعه أن يشهد بهذه الأشياء إذا أخبر بها من يثق به، والشهادة على الشهادة جائزة في كل حق لا تسقط بالشبهة، ولا تقبل في الحدود والقصاص، وتجوز شهادة شاهدين على شهادة شاهدين ولا
قوله: (ولا يجوز للشاهد أن يشهد بشيء لم يعاينه إلا النسب والموت والنكاح والدخول وولاية القاضي)، قال القاضي (١): "وعن أبي حنيفة: إذا شهد واحد عدل بموت رجل وقال: أنا عاينت موته، حل له أن يشهد على موته"، والصحيح (٢) أن الموت بمنزلة النكاح وغيره، لا يكتفى فيه بشهادة الواحد، وفي "المحيط": "وطريق معرفة التسامع أن يسمع من جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف [ومحمد] (٣) إذا [أ] خبره عدلان تحل له الشهادة، والفقيه أبو بكر الإسْكاف (٤) كان يفتي بقولهما، وهو اختيار نجم الدين النسفي". وفي "الفصول": (٥) "والاستفاضة عندهما بخبر عدلين يشترط أن يكون الإخبار بلفظة الشهادة"، كذا ذكر [هـ] الخصاف وشيخ الإسلام خُواهَر زاده، وبه أخذ الصدر الكبير برهان الأئمة، قال صاحب الفصول: "شرط لفظة الشهادة في الأشياء الثلاثة على البتات هنا، وفي العدة لا على البتات، فقال: ينبغي أن يشهد عنده بلفظة الشهادة حتى يجوز له الشهادة بالتسامع"، وفي "الظهيرية" أن الاشتهار الشرعي أن يشهد عنده عدلان أو رجل وامرأتان بلفظة الشهادة من غير استشهاد ويقع في القلب أن الأمر كذلك.
فروع: إذا سمعوا صوت امرأة من وراء حجاب، إن رأوا شخصها وشهد عندهم عدلان أنها فلانة جاز لهم أن يشهدوا على إقرارها، وهو اختيار أبي
стр. 425
تقبل شهادة واحد على شهادة واحد، وصفة الإشهاد أن يقول شاهد الأصل لشاهد الفرع اشهد على شهادتي أني أشهد أن فلان بن فلان أقر عندي بكذا وأشهدني على نفسه، فإن لم يقل أشهدني على نفسه جاز، ويقول شاهد الفرع عند الأداء: أشهد أن فلانًا أشهدني
الليث .. وعليه الفتوى، ذكره القاضي (١).
وقال في "الهداية" (٢): "قصر (٣) الاستثناء في "الكتاب" على هذه الأشياء، ينفي اعتبار التسامع في الولاء والوقف، وعن أبي يوسف أنه يجوز في الولاء لأنه بمنزلة النسب .. وعن محمد أنه يجوز في الوقف لأنه يبقى على مرّ (٤) الأعصار إلا أنا نقول: الولاء يبتنى (٥) على زوال الملك، ولا بد فيه من المعاينة فكذا فيما يبتنى (٦) عليه، وأما الوقف فالصحيح أنه تقبل الشهادة بالتسامع في أصله دون شرائطه لأن أصله هو الذي يشتهر"، وكذا قال في "شرح الزاهدي"، وقال في "المحيط": "تقبل الشهادة على أصل الوقف بالشهرة وعلى شرائطه أيضًا هو المختار، وتقبل الشهادة على الشهادة في الوقف"، وفي "المجتبى" (٧): "والمختار أن تقبل على شرائط الوقف أيضًا"، قال شيخنا في "شرح" الهداية"" (٨): "وأنت إذا عرفت قولهم في الأوقاف القديمة التي انقطع ثبوتها ولم يعرف لها شرائط ومصارف أنها يسلك بها ما كانت عليه في دواوين القضاة، لم تقف عن تحسين ما في "المجتبى" لأن ذلك هو معنى الثبوت بالتسامع".
стр. 426
على شهادته أنه يشهد أن فلانًا أقر عنده بكذا وقال لي اشهد على شهادتي * على ذلك، ولا تقبل شهادة شهود الفرع إلا أن يموت شهود الأصل أو يغيبوا مسيرة ثلاثة أيام فصاعدًا * أو يمرضوا مرضًا لا يستطيعون معه حضور مجلس القاضي، فإن عدل شهود الأصل شهود الفرع جاز، فإن سكتوا عن تعديلهم جاز وينظر القاضي في حالهم *، وإن أنكر شهود الأصل الشهادة لم تقبل شهادة شهود الفرع، وقال أبو حنيفة في شاهد الزور: أشهرُه في السوق ولا أعزره، وقال أبو يوسف ومحمد نوجعه ضربًا ونحبسه *.
قوله: (وقال لي اشهد على شهادتي)، قال الإسبيجابي: "هذا شرط عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: إن لم يذكر ذلك جاز، والصحيح قولهما".
فرع: قال القاضي (١): "وتجوز شهادة الرجل على شهادة أبيه، وفي شهادته على قضاء أبيه روايتان، والصحيح (٢) هو الجواز أيضًا".
قوله: (أو يغيبوا مسيرة ثلاثة أيام فصاعدًا)، قال في "الهداية" (٣) و"شرح الزاهدي": "وعن أبي يوسف أنه إن كان في مكان لو غدا لأداء الشهادة لا يستطيع أن يبيت في أهله، صح الإشهاد إحياء لحقوق الناس، قالوا والأول أحسن، والثاني أرفق، وبه أخذ الفقيه أبو الليث"، وقال الإسبيجابي: " [و] قال أبو يوسف: تقبل وإن كانوا في المصر، والصحيح ظاهر المذهب".
قوله: (وإن سكتوا عن تعديلهم جاز، ونظر القاضي في حالهم)، وهذا عند أبي يوسف، وعليه مشى الأئمة المصحّحون، وقال محمد: لا تقبل.
قوله: (وقال أبو حنيفة في شاهد الزور: أشهره في السوق ولا أعزره، وقال أبو يوسف ومحمد: يوجعه ضربًا ويحبسه)، وعلى قول أبي حنيفة مشى النسفي والبرهاني وصدر الشريعة، وقال الإسبيجابي: "إشهاره في السوق تعزير، بل هو أشد من الضرب في حق الناس".
стр. 427
باب الرجوع عن الشهادات
إذا رجع الشهود عن شهادتهم قبل الحكم بها سقطت، وإن حكم بشهادتهم ثم رجعوا لم يفسخ الحكم ووجب عليهم ضمان ما أتلفوا بشهادتهم، ولا يصح الرجوع إلا بحضرة الحاكم، وإذا شهد شاهدان بمال فحكم به ثم رجعا ضمنا المال للمشهود عليه، وإن رجع أحدهما ضمن النصف وإن شهد بالمال ثلاثة فرجع أحدهم فلا ضمان عليه، فإن رجع الآخر ضمن الراجعان نصف المال، فإن شهد رجل وامرأتان فرجعت امرأة ضمنت ربع الحق، وإن رجعتا ضمنتا نصف الحق، وإن شهد رجل وعشر نسوة ثم رجع ثمانية فلا ضمان عليهن، فإن رجعت أخرى كان عليهن ربع الحق، فإن رجع الرجل والنساء فعلى الرجل سدس الحق وعلى النسوة خمسة أسداس الحق عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد على الرجل النصف وعلى النسوة النصف *، وإن شهد شاهدان على امرأة بالنكاح بمقدار مهر مثلها ثم رجعا فلا ضمان عليهما، وكذلك إن شهدا على رجل بتزوج امرأة بمقدار مهر مثلها، وإن شهدا بأكثر من مهر المثل ثم رجعا ضمنا الزيادة، وإن شهدا ببيع مثل القيمة أو أكثر ثم رجعا لم يضمنا وإن كان بأقل من القيمة ضمنا النقصان، فإن شهدا على رجل أنه طلق امرأته قبل الدخول ثم رجعا ضمنا نصف المهر، فإن كان بعد الدخول لم يضمنا شيئا، وإذا شهدا أنه أعتق عبده ثم رجعا ضمنا قيمته، وإذا شهدا بقصاص ثم رجعا بعد القتل ضمنا الدية ولا يقتص منهما، وإذا رجع شهود الفرع ضمنوا، فإن رجع شهود الأصل وقالوا لم نشهد شهود الفرع على شهادتنا فلا ضمان عليهم*، وإن قالوا
كتاب الرجوع عن الشهادات
قوله: (فإن رجع الرجل والنساء، فعلى الرجل سدس الحق وعلى النسوة خمسة أسداس عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: على الرجل النصف، وعلى النسوة النصف)، وعلى قول الإمام مشى الإمام المحبوبي والنسفي وغيرهما.
قوله: (وإذا رجع شهود الأصل أو قالوا (١) لم نُشهد شهود الفرع على شهادتنا فلا ضمان عليهم)، قال الإسبيجابي: "وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يضمنون، وهو رواية عن أبي حنيفة، والصحيح هو
стр. 428
أشهدناهم وغلطنا ضمنوا، وإن قال شهود الفرع كذب شهود الأصل أو غلطوا في شهادتهم لم يلتفت إلى ذلك، وإذا شهد أربعة بالزنا وشاهدان بالإحصان فرجع شهود الإحصان لم يضمنوا، وإذا رجع المزكون عن التزكية ضمنوا*، وإذا شهد شاهدان باليمين وشاهدان بوجود الشرط ثم رجعوا فالضمان على شهود اليمين خاصة.
الأول"، وعليه مشى [الإمام] المحبوبي والنسفي وغيرهما.
قوله: (وإذا رجع المزكّون عن التزكية ضمنوا)، قال الإمام جمال الإسلام: "وهذا قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد: لا ضمان عليهم، والصحيح قول أبي حنيفة"، واعتمده البرهاني والنسفي وصدر الشريعة.
стр. 429
كتاب أدَب القاضي
لا تصح ولاية القاضي حتى يجتمع في الموَلّى شرائط الشهادة ويكون من أهل الاجتهاد، ولا بأس بالدخول في القضاء لمن يثق بنفسه أنه يؤدي فرضه *، ويكره الدخول فيه لمن يخاف أن يعجز عنه ولا يأمن على نفسه من الحيف فيه، ولا ينبغي أن يطلب الولاية ولا يسألها، ومن قلد القضاء يسلم إليه ديوان القاضي الذي قبله * وينظر في حال المحبوسين، فمن اعترف بحق ألزمه إياه ومن أنكر لم يقبل قول المعزول عليه إلا ببينة، فإن لم يقم البينة لم يعجل بتخليته حتى ينادي عليه ويستظهر في أمره، وينظر في الودائع وارتفاع الوقوف فيعمل على ما تقوم به البينة أو يعترف به من هو في يده، ولا يقبل قول المعزول إلا أن يعترف الذي هو في يده أن المعزول سلمها إليه فيقبل قوله فيها. ويجلس للحكم جلوسا ظاهرًا في المسجد، ولا يقبل هدية إلا من ذي رحم محرم منه أو ممن جرت عادته قبل القضاء بمهاداته، ولا يحضر دعوة إلا أن تكون عامة *، ويشهد الجنازة ويعود المريض، ولا يضيف أحد الخصمين دون خصمه، وإذا حضرا سوى بينهما في الجلوس والإقبال ولا يسارّ أحدهما ولا يشير إليه ولا يلقنه حجة، وإذا ثبت الحق عنده وطلب صاحب الحق حبس غريمه لم يعجل بحبسه وأمره بدفع ما عليه فإن امتنع حبسه في
كتاب أدب القاضي
قوله: (ولا بأس بالدخول في القضاء لمن يثق بنفسه أنه يؤدّي فرائضه)، "الهداية" (١): "الصحيح أن الدخول فيه رخصة طمعًا في إقامة العدل، والترك عزيمة، فلعله يخطئ ظنه فلا يوفق له، أو لا يعينه عليه غيره".
قوله: (يسلم إليه ديوان القاضي الذي كان قبله)، وإن كان البياض (٢) من مال الخصوم في الصحيح، نصّ عليه في "الهداية"، وفي الزاهدي: "وكذا إن كان من مال الخصوم في الصحيح، وكذا إن كان من مال القاضي في الصحيح".
قوله: (ولا يجيب دعوة إلا أن تكون عامة)، الإسبيجابي: "وتكلموا في
стр. 430
كل دين لزمه بدلًا عن مال حصل في يده كثمن المبيع أو التزمه بعقد كالمهر والكفالة، ولا يحبسه فيما سوى ذلك إذا قال إني فقير إلا أن يثبت غريمه أن له مالا، ويحبسه شهرين أو ثلاثة * ثم يسأل عنه * فإن لم يظهر له مال خفى سبيله، ولا يحول بينه وبين غرمائه، ويحبس الرجل في نفقة زوجته، ولا يحبس والد في دين ولده إلا إذا امتنع من الإنفاق عليه.
ويجوز قضاء المرأة في كل شيء إلا في الحدود والقصاص، ويقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحقوق إذا شهد عنده فإن شهدوا على خصم حكم بالشهادة ويكتب بحكمه وإن شهدوا بغير حضرة خصم لم يحكم وكتب بالشهادة ليحكم به المكتوب إليه،
الفرق بينهما، والصحيح أن صاحب الدعوة إن كان بحال لو علم أن القاضي لا يحضر لا يتخذ، فهذه دعوة خاصة"، وفي "الهداية" (١): "ويدخل في هذا الإطلاق: قريبُه، وهو قولهما، وعن محمد أنه يجيبه وإن كانت خاصة"، وعلى قولهما اعتمد المحبوبي والنسفي وغيرهما.
قوله: (ويحبسه شهرين أو ثلاثة)، وفي "الهداية" (٢) و"شرح الزاهدي" وفتاوى قاضي خان (٣): [و] الصحيح أن التقدير مفوضٌ إلى رأي القاضي"، قال الإسبيجابي: "وذكر الطحاوي شهرًا، قال شمس الأئمة: هذا أرفقُ الأقاويل، والصحيح أن هذا ليس بتقديرٍ لازم، بل ذلك مفوَّض إلى رأي القاضي".
قوله: (ثم يسأل عنه)، قال جمال الإسلام: "هذا قول أبي حنيفة أن البينة على الإفلاس لا تقبل (٤) قبل الحبس، وهو المختار"، وقال قاضي خان (٥): "المديون إذا أقام البينة على الإفلاس قبل الحبس، فيه روايتان، قال ابن الفضل: الصحيح أنها تقبل .. - قال قاضي خان -: ينبغي أن يكون ذلك مفوضًا (٦) إلى القاضي إنْ علم أنه وقح لا يقبل بينته قبل الحبس، وإن علم أنه ليّن قبل بيّنته".
стр. 431
ولا يقبل الكتاب إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين ويجب أن يقرأ الكتاب عليهم ليعرفوا ما فيه ثم يختمه ويسلمه إليهم *، فإذا وصل إلى القاضي لم يقبله إلا بمحضر من الخصم، فإن سلمه الشهود إليه نظر في ختمه فإذا شهدوا أنه كتاب فلان القاضي سلمه إلينا في مجلس حكمه وقرأه علينا وختمه، فضه القاضي وقرأه على الخصم وألزمه ما فيه *، ولا
قوله: (ويجب أن يقرأ عليهم الكتاب ليعرفوا ما فيه، ثم يختمه ويسلمه إليهم)، قال في "الهداية" (١) و [في] "شرح الزاهدي": "أما الختم بحضرتهم وكذا حفظ ما في الكتاب فشرط عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: ليس بشيء من ذلك شرط، والشرط أن يشهدهم أن هذا كتابه وخاتمه، وعنه أن الختم ليس بشرط أيضًا، فسهّل في ذلك لما ابتلي بالقضاء، وليس الخبر كالمعاينة، وهذا مختار شمس الأئمة السرخسي".
قال شيخنا العلامة في "شرح الهداية" (٢): "ولا شك عندي في صحته، فإن الغرض إذا كان عدالة الشهود وهم حملة الكتاب فلا يضره كونه غير مختوم، مع شهادتهم أنه كتابه، نعم إذا كان الكتاب مع المدعي ينبغي أن يشترط الختم لاحتمال التغيير، إلا أن يشهدوا بما فيه حفظًا، فالوجه إن كان الكتاب مع الشهود أن لا تشترط معرفتهم لما فيه، ولا الختم، بل يكفي شهادتهم أنه كتابه مع عدالتهم"، (وإن كان مع المدعي (٣) ينبغي أن يشترط الختم لاحتمال التغيير، إلا أن يشهدوا بما فيه حفظًا).
قوله: (فإن شهدوا أنه كتاب فلان القاضي سلّمه إلينا في مجلس حكمه وقرأه علينا وختمه، فضَّهُ القاضي وقرأه على الخصم وألزمه بما فيه)، لم يتعرض في هذه العبارة لظهور عدالة الشهود لفتح الكتاب، أي لم يقل: فإذا شهدوا وعُدِّلوا، والصحيح أنه لا يفضّ الكتاب حتى تظهر عدالة الشهود الذين حملوه إليه، هكذا ذكر [هـ] الخصّاف ﵀ [تعالى]، وذكر في "المغني" (٤) أنه يجوز الفتح قبل ظهورها، والأول أصح لأنه ربما يحتاج إلى زيادة الشهود
стр. 432
يقبل كتاب القاضي إلى القاضي في الحدود والقصاص، وليس للقاضي أن يستحلف على القضاء إلا أن يفوض إليه، ذلك فإذا رفع إلى القاضي حكم حاكم أمضاه إلا أن يخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع، أو يكون قولًا لا دليل عليه. ولا يقضى على غائب إلا أن يحضر أو من يقوم مقامه، وإذا حكّم * رجلان رجلا فحكم بينهما ورضيا بحكمه جاز إذا كان بصفة الحاكم، ولا يجوز تحكيم الكافر والعبد والذمي والمحدود في القذف والفاسق والصبي، ولكل واحد من المحكمين أن يرجع ما لم يحكم عليهما، فإذا حكم لزمهما، وإذا رفع حكمه إلى القاضي فوافق مذهبه أمضاه وإن خالفه أبطله، ولا يجوز التحكيم في الحدود والقصاص، وإن حكما في دم خطأ فقضى الحاكم على العاقلة لم ينفذ حكمه، ويجوز أن يسمع البينة ويقضي بالنكول، وحكم الحاكم لأبويه وولده وزوجته باطل.
بأن ارتاب في هؤلاء فيقول زدني شهودًا، ولا يمكن أداء الشهادة من المزيدين إلا [في] حال قيام الختم، والله أعلم.
قوله: (وإذا حكم [الحاكم] (١) … الخ)، قال القاضي: "وتعليق التحكيم لإنسان بين اثنين والإضافة إلى وقت في المستقبل، على قول محمد يصح، وعلى قول أبي يوسف لا يصح، وعليه الفتوى".
стр. 433
كتاب القِسْمة
ينبغي للإمام أن ينصب قاسمًا يرزقه من بيت المال ليقسم بين الناس بغير أجر، فإن لم يفعل نصب قاسمًا يقسم بالأجر*، ويجب أن يكون عدلا مأمونًا عالِمًا بالقسمة، ولا يجبر القاضي الناس على قاسم واحد*، ولا يترك القسام يشتركون، وأجرة القسمة على عدد الرؤوس عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: على قدر الأنصباء*، وإذا حضر الشركاء عند القاضي وفي أيديهم دار أو ضيعة وادعوا أنهم ورثوها عن فلان لم يقسمها القاضي عند أبي حنيفة حتى يقيموا البينة على موته وعلى عدد ورثته، وقال أبو يوسف ومحمد: يقسمها باعترافهم ويذكر في كتاب القسمة أنه قسمها بقولهم*، وإن كان المال المشترك ما سوى العقار وادعوا أنه ميراث قسمه في قولهم، ولو ادعوا في العقار أنهم
كتاب القسمة
قوله: (يقسم بالأجر)، "الهداية" (١) والزاهدي: "معناه [يقسم] (٢) بأجر على المتقاسمين .. ويقدر أجر مثله".
قوله: (ولا يجبر القاضي الناس على قاسم واحد)، "الهداية" (٣) والزاهدي: "معناه على استئجاره".
قوله: (وأجرة القسمة على عدد الرؤوس عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: على قدر الأنصباء)، قال الإسبيجابي: "الصحيح قول أبي حنيفة"، وعليه مشى النسفي والمحبوبي وغيرهما.
قوله: (وإذا حضر الشركاء عند القاضي وفي أيديهم دار أو ضَيعة ادعوا أنهم ورثوها عن فلان لم يقسمها القاضي عند أبي حنيفة حتى بقيموا البينة على موته وعدد ورثته، وقال أبو يوسف ومحمد: يقسمها باعترافهم، ويذكر في كتاب القسمة أنه قسمها بقولهم)، قال الإمام جمال الإسلام: "الصحيح قول أبي حنيفة"، واعتمده المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة وغيرهم.
стр. 434
اشتروه قسمه بينهم، وإن ادعوا الملك ولم يذكروا كيف انتقل إليهم قسمه بينهم*، وإذا كان كل واحد من الشركاء ينتفع بنصيبه قسم بطلب أحدهم، وإن كان أحدهم ينتفع والآخر يستضر لقلة نصيبه فإن طلب صاحب الكثير القسمة قسم وإن طلب صاحب القليل لم يقسمه *، وإذا كان كل واحد منهما يستضر لم يقسم إلا بتراضيهم، ويقسم العروض إذا
قوله: (وإن ادعوا الملك ولم يذكروا كيف انتقل إليهم قسمه بينهم)، هذه رواية كتاب القسمة، وفي رواية "الجامع" (١): لا يقسمها حتى يقيموا البينة أنها لهم، قال في "الهداية": "هو قول الكل، وهو الأصح" (٢)، وكذا نقل الزاهدي عن (حص) (٣).
قوله: (وإن كان أحدهم ينتفع والآخر يستضر لقلة نصيبه فإن طلب صاحب الكثير قسم وإن طلب صاحب القليل لم يقسم)، وذكر الخصاف (٤) على قلب هذا، وذكر الحاكم في مختصره أن أيهما طلب القسمة يقسم القاضي، قال في "الهداية" (٥) و"شرح الزاهدي": "الأصح ما ذكر في "الكتاب""، وعليه مشى الإمام [المحبوبي و] (٦) البرهاني والنسفي وصدر الشريعة وغيرهم، وفي الصغرى وفتاوى قاضي خان: "دار مشتركة … وإن طلب صاحب القليل وأبى صحاب الكثير فكذلك، وعليه الفتوى، وهو اختيار شيخ الإسلام خواهر زاده، فهو يفرق بين هذا وبين البيت الصغير الذي لا ينتفع أحدهما بعد القسمة [به] (٧) ". (٨)
قلت: وهذا يقتضي أن يكون صاحب القليل ينتفع بنصيبه بعد القسمة، وهو أولى مما ذكر في "الكبرى" أن الفتوى على أن صاحب القليل الذي لا
стр. 435
كانت من جنس واحد ولا يقسم الجنسين بعضها في بعض، وقال أبو حنيفة لا يقسم الرقيق ولا الجواهر لتفاوته، وقال أبو يوسف ومحمد: يقسم الرقيق *، ولا يقسم حمام ولا بئر ولا رحى إلا أن يتراضى الشركاء، وإذا حضر وارثان وأقاما البينة على الوفاة وعدد الورثة والدار في أيديهم ومعهم وارث غائب يقسمها القاضي بطلب الحاضرين ونصب للغائب وكيلا بقبض نصيبه، وإن كانوا مشترين لم يقسم مع غيبة أحدهم وإن كان العقار في يد الوارث الغائب لم يقسم، وإن حضر وارث واحد لم يقسم، وإذا كانت دور مشتركة في مصر واحد قسمت كل دار على حدتها في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد إن كان الأصلح لهم قسمة بعضها في بعض قسمها* وإذا كانت دار وضيعة أو دار وحانوت قسم كل واحد منهما على حدته، وينبغي للقاسم أن يصور ما يقسمه ويعدله ويذرعه ويقوم البناء ويفرز كل نصيب عن الباقي بطريقه وشربه حتى لا يكون لنصيب بعضهم بنصيب الآخر تعلق، ثم يلقب نصيبًا بالأول والذي يليه بالثاني والثالث وعلى هذا، ثم يخرج القرعة فمن خرج اسمه أولًا فله السهم الأول ومن خرج ثانيًا فله السهم الثاني، ولا يدخل في القسمة الدراهم والدنانير إلا بتراضيهم"، فإن قسم بينهم ولأحدهم مسيل في ملك الآخر أو طريق لم يشترط في القسمة، فإن أمكن صرف الطريق والمسيل عنه فليس له أن يستطرق ويسيل في نصيب الآخر وإن لم يمكن فسخ القسمة، وإذا كان سفل لا علو له وعلو لا سفل له أو سفل له علو قوم كل واحد على حدته وقسم بالقيمة، ولا يعتبر غير ذلك *.
ينتفع به بعد القسمة يقسم بطلبه.
قوله: (وقال أبو حنيفة: لا يقسم الرقيق ولا الجواهر، وقال أبو يوسف ومحمد: يقسم الرقيق)، قال الإمام بهاء الدين في شرحه: "الصحيح قول أبي حنيفة"، واعتمده الإمام المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة وغيرهم.
قوله: (وإن كانت دور مشتركة في مصر واحد قسمت كل دار على حدتها في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان الأصلح لهم قسمة بعضها في بعض قسمها)، قال الإسبيجابي: "الصحيح قول أبي حنيفة"، وعليه مشى الإمام البرهاني والنسفي وغيرهما.
قوله: (ولا يدخل في القسمة الدراهم [والدنانير] إلا بتراضيهما)، قال في "الينابيع": يريد إذا أمكنت القسمة بدونها، أما إذا لم يمكن عُدّل أضعف الأنصباء بالدراهم والدنانير، وفي بعض النسخ: (ينبغي للقاضي أن لا يدخل في القسمة الدراهم والدنانير، فإن فعل جاز وتركه أولى).
قوله: (وإذا كان سفلًا لا علو له أو علوًا لا سُفل له وسفلا له علو، قوم كل واحد على حدته وقسم بالقيمة، ولا معتبر بغير ذلك)، هذا قول محمد،
стр. 436
وإذا اختلف المتقاسمون فشهد القاسمان قلت شهادتهما * فإن ادعى أحدهما الغلط وزعم أن مما أصابه شيء في يد صاحبه وقد أشهد على نفسه بالاستيفاء لم يصدق على ذلك إلا ببينة، وإن قال استوفيت حقي ثم قال أخذت بعضه، فالقول قول خصمه مع يمينه، وإذا قال أصابني إلى موضع كذا فلم يسلمه إلي ولم يشهد على نفسه بالاستيفاء وكذبه شريكه تحالفا وفسخت القسمة، وإذا استحق بعض نصيب أحدهما بعينه لم تفسخ القسمة عند أبي حنيفة، ويرجع بحصة ذلك من نصيب شريكه، وقال أبو يوسف تفسخ القسمة*.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يقسم بالذرع، ثم اختلفا في كيفية القسمة بالذرع، قال أبو حنيفة: ذراع من سفل بذراعين من علو، وقال أبو يوسف: ذراع بذراع، قيل أجاب كل واحد منهم (١) على عادة أهل عصره أو بلده، وقيل اختلاف معنى، قال الإسبيجابي: "والصحيح قول أبي حنيفة، لأن السفل له منفعتان السكنى والحفر، والعلو منفعة واحدة وهو السكنى".
قلت: هذا التصحيح بالنسبة إلى قول أبي يوسف كما يعطيه الدليل.
والمشايخ اختاروا قول محمد لما ذُكر له من أنه لا يمكن التعديل، قال في "التحفة" (٢) و"البدائع" (٣): "والعمل في هذه المسألة على قول محمد"، وقال في "الينابيع" و"الهداية" (٤) و"شرح الزاهدي" و"المحيط": "وعليه الفتوى اليوم".
قوله: (وإذا اختلف المتقاسمون فشهد القاسمان قبلت شهادتهما)، قال في "الهداية" (٥): "الذي ذكره قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا تقبل، وهو قول أبي يوسف أولًا، وبه قال الشافعي، وذكر الخصاف قول محمد مع قولهما. وقاسِما القاضي وغيرهُما سواء"، وقال جمال الإسلام: "الصحيح قول أبي حنيفة"، وعليه مشى الإمام البرهاني والنسفي وغيرهما.
قوله: (وإذا استحق بعض نصيب أحدهما بعينه لم تفسخ القسمة عند أبي حنيفة ويرجع بحصة ذلك من نصيب شريكه، وقال أبو يوسف تفسخ) القسمة)، قال في "الهداية" (٦) والزاهدي: "ذكر المصنف الاختلاف في
стр. 437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
استحقاق بعض بعينه وهكذا ذكر في "الأسرار"، والصحيح أن الاختلاف في استحقاق بعض شائع في نصيب أحدهما، فأما في استحقاق بعض معين لا تفسخ القسمة بالإجماع، ولو استحق بعض شائع في الكل تفسخ بالاتفاق، فهذه ثلاثة أوجه، ولم يذكر قول محمد، وذكره أبو سليمان مع أبي يوسف، وأبو حفص مع أبي حنيفة، وهو الأصح"، وهكذا ذكره الإسبيجابي وقال: "والصحيح قولهما"، وعليه مشى الإمام المحبوبي والنسفي وغيرهما.
فروع: [قال القاضي] (١): "حمّام بين رجلين غاب قدره أو حوضه أو شيء منه أو احتاج إلى المَرَمَّة (٢) وأراد أحدهما المرمَّة وامتنع الآخر اختلفوا فيه، قال بعضهم يؤاجرها القاضي ويَرُمَّها بالأجرة، أو يأذن لأحدهما في الإجارة والمرمّة من الأجْر، وقيل هذا قولهما. وقال بعضهم: القاضي يأذن لغير الآبي بالإنفاق عليه ثم يمنع صاحبه من الانتفاع به حتى يؤدي حصته، والفتوى على هذا القول" (٣).
- رجل له دار في سكة غير نافذة لها باب، أراد أن يفتح لها بابًا آخر أسفل من بابها، اختلفوا فيه، والصحيح أنه ليس له ذلك، وإن أراد أن يفتح بابًا آخر أعلى من بابه كان له ذلك (٤).
- علو لرجل وسفل لآخر، قال أبو حنيفة: ليس لصاحب العلو أن يبني في العلو بناء أو يَتِدَ وتدًا إلا برضا صاحب السفل، وقال صاحباه: له ذلك إذا لم يضر بالسفل، والمختار للفتوى: إنْ أضر بالسفل يمنع، وإن لم يضر لا يمنع، وعند الاشتباه والإشكال يمنع (٥).
- دار بين رجلين تهايآ على أن يؤجر هذا سنة وهذا سنة، اختلفوا فيه، قال خواهرزاده: الظاهر أنه يجوز، فإن استوت الغلتان فبها، وإن فضلت في نوبة أحدهما يشتركان في الفضل، وعليه الفتوى (٦).
стр. 438
كتاب الإكراه
الإكراه يثبت حكمه إذا حصل ممن يقدر على إيقاع ما توعد به سلطانًا كان أو لصًا، وإن أكره الرجل على بيع ماله أو على شراء سلعة أو على أن يقر لرجل بألف أو يؤاجر داره فأكره على ذلك بالقتل أو بالضرب الشديد أو بالحبس فباع أو اشترى فهو بالخيار إن شاء أمضى البيع وإن شاء فسخه ورجع بالمبيع، فإن كان قبض الثمن طوعًا فقد أجاز البيع، وإن كان قبضه مكرهًا فليس بإجازة وعليه رده إن كان الثمن قائمًا في يده، وإن هلك المبيع في يد المشتري وهو غير مكره ضمن قيمته*، وللمكرَه أن يضمن المكرِه إن شاء، ومن أكره على أن يأكل الميتة أو يشرب الخمر وأكره على ذلك بضرب أو بحبس أو قيد لم يحل له، إلا أن يكره بما يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه، فإذا خاف ذلك وسعه أن يقدم على ما أكره عليه، ولا يسعه أن يصبر على ما توعّد به، فإن صبر حتى أوقعوا به ولم يأكل فهو آثم*، فإن أكره على الكفر بالله أو سب النبي ﷺ بقيد أو حبس أو ضرب لم يكن ذلك إكراهًا حتى يكره بأمر يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه، فإذا كان ذلك وسعه أو يظهر ما أمروه به ويورّي عنه، فإذا أظهر ذلك وقلبه مطمئن بالإيمان فلا مأثم عليه، وإن صبر حتى قتل ولم يظهر الكفر كان مأجورًا، وإن أكره على إتلاف مال المسلم بأمر يخاف منه على نفسه أو على عضو من أعضائه وسعه أن يفعل ذلك ولصاحب المال أن يضمن المكره، وإن أكره بقتل على قتل غيره لم يسعه أن يقدم عليه ويصبر حتى يقتل فإن قتله كان آثمًا والقصاص على الذي أكرهه إن كان القتل عمدًا"، وإن أكرهه على طلاق امرأته أو عتق عبده ففعل وقع ما أكره عليه،
كتاب الإكراه
قوله: (وإن هلك [المبيع] في يد المشتري وهو غير مكره ضمنه)، "الهداية" (١) والزاهدي: "معناه: والبائع مكره".
قوله: (فلم يأكل فهو آثم)، وعن أبي يوسف أنه لا يأثم، والأول المذهب، وعليه مشى الأئمة.
قوله: (والقصاص على الذي أكرهه إن كان القتل عمدًا)، قال في "الهداية" (٢): "وهذا عند أبي حنيفة ومحمد، وقال زفر: يجب على المكرَه،
стр. 439
ورجع على الذي أكرهه بقيمة العبد وبنصف مهر المرأة إن كان قبل الدخول، وإن أكرهه على الزنا وجب الحد عند أبي حنيفة إلّا أن يكرهه السلطان*، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يلزمه الحد، وإن أكرهه على الردّة لم تَبِن امرأته منه.
وقال أبو يوسف: لا يجب عليهما"، وقال الإسبيجابي: "وقال أبو يوسف: عليه الدية، والصحيح قول أبي حنيفة ومحمد"، وعليه مشى الأئمة كما هو الرسم.
قوله: وإن أكرهه على الزنا وجب عليه الحد عند أبي حنيفة إلا أن يكرهه السلطان)، هذا قوله الثاني، وفي قوله الأول وهو قول زفر: يحد، قال الإسبيجابي: "الصحيح قوله الثاني، وقيدُ إكراهِ السلطان بناءً على أن الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان عنده، (وقال أبو يوسف ومحمد: لا يحد)، لأن الإكراه يتحقق من غيره، وعليه الفتوى". قال القاضي الإمام فخر الدين قاضي خان (١): "الإكراه لا يتحقق إلا من السلطان في قول أبي حنيفة، وفي قول صاحبيه يتحقق من كل متغلّب يقدر على تحقيق ما هدّد به (٢)، وعليه الفتوى". وفي "الحقائق": "والفتوى على قولهما"، وعليه مشى الإمام البرهاني والنسفي وغيرهما.
стр. 440
كتاب السِّيَر
الجهاد فرض على الكفاية إذا قام به فريق من الناس سقط عن الباقين، وإن لم يقم به أحد أثم جميع الناس بتركه، وقتال الكفار واجب وإن لم يبدأونا، ولا يجب الجهاد على صبي ولا عبد ولا امرأة ولا أعمى ولا مقعد ولا أقطع، وإن هجم العدو على بلد وجب على جميع الناس الدفع، تخرج المرأة بغير إذن زوجها والعبد بغير إذن المولى، وإذا دخل المسلمون دار الحرب فحاصروا مدينة أو حصنًا دعوهم إلى الإسلام فإن أجابوهم كفوا عن قتالهم وإن امتنعوا دعوهم إلى أداء الجزية فإن بذلوها فلهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ولا يجوز أن يقاتل من لم تبلغه دعوة الإسلام إلا بعد أن يدعوه، ويستحب أن يدعو من بلغته الدعوة ولا يجب ذلك، فإن أبوا استعانوا بالله عليهم وحاربوهم ونصبوا عليهم المجانيق وحرقوهم وأرسلوا عليهم الماء وقطعوا أشجارهم وأفسدوا زروعهم، ولا بأس برميهم وإن كان فيهم مسلم أسير أو تاجر، وإن تترسوا بصبيان المسلمين أو بالأسارى لم يكفوا عن رميهم ويقصدون بالرمي الكفار، ولا بأس بإخراج النساء والمصاحف مع المسلمين إذا كان عسكرًا عظيمًا يؤمن عليه، ويكره إخراج ذلك في سرية لا يؤمن عليها، ولا تقاتل المرأة إلا بإذن زوجها ولا العبد إلا بإذن سيده إلا أن يهجم العدو، وينبغي للمسلمين أن لا يغدروا ولا يغلوا ولا يمثلوا ولا يقتلوا امرأة ولا صبيًّا ولا شيخًا فانيًا ولا أعمى ولا مقعدًا إلا أن يكون أحد هؤلاء ممّن له رأي في الحرب أو تكون المرأة ملكة، ولا يقتلوا مجنونًا.
وإن رأى الإمام أن يصالح أهل الحرب أو فريقًا منهم وكان في ذلك مصلحة للمسلمين فلا بأس به، فإن صالحهم مدة ثم رأى أن نقض الصلح أنفع نبذ إليهم وقاتلهم، وإن بدأوا بخيانة قاتلهم ولم ينبذ إليهم إذا كان ذلك باتفاقهم*، وإذا خرج عبيدهم إلى عسكر المسلمين فهم أحرار. ولا بأس أن يعلف العسكر* في دار الحرب ويأكل ما
كتاب السِّيَر
قوله: (وإن بدأوا بالخيانة قاتلهم ولم ينبذ إليهم إذا كان ذلك باتفاقهم)، قال الزاهدي: "معناه بدأوا بخيانة (١) باتفاقهم".
قوله: (ولا بأس بأن يعلف العسكر … الخ)، قال الزاهدي: "وهذا عند
стр. 441
وجدوه من الطعام ويستعملوا الحطب ويدهنوا بالدهن ويقاتلوا بما يجدونه من السلاح كل ذلك بغير قسمة *، ولا يجوز أن يبيعوا من ذلك شيئًا ولا يتمولونه، ومن أسلم منهم أحرز بإسلامه نفسه وأولاده الصغار وكل مال هو في يده أو وديعة في يد مسلم أو ذمّي فإن ظهرنا على الدار فعقاره فيء وزوجته وحملها فيء وأولاده الكبار فيء، ولا ينبغي أن يباع السلاح من أهل الحرب ولا يجهز إليهم ولا يفادون بالأسرى عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يفادى بهم أسرى المسلمين*، ولا يجوز المنّ عليهم فإذا فتح الإمام بلدةً عنوة فهو بالخيار إن شاء قسمها بين الغانمين وإن شاء أقر أهلها عليها ووضع عليهم الخراج، وهو في الأسرى بالخيار إن شاء قتلهم وإن شاء استرقهم وإن شاء تركهم أحرارًا ذمة للمسلمين ولا يجوز أن يردهم إلى دار الحرب، وإذا أرادوا العود ومعه مواش ولم يقدر على نقلها إلى دار الإسلام ذبحوها وحرقوها ولا يعقروها ولا يتركوها، ولا تقسم غنائمهم في دار الحرب حتى يخرجوها إلى دار الإسلام، والردء والمقاتل في العسكر سواء، وإذا لحقهم مدد في دار الحرب قبل أن يخرجوا الغنيمة إلى دار الإسلام يشاركوهم فيها، ولا حق لأهل سوق العسكر في الغنيمة إلا أن يقاتلوا.
وإذا آمن رجل حر أو امرأة حرة كافرًا أو جماعة أو أهل حصن أو مدينة صح أمانهم، ولا يجوز لأحد من المسلمين قتلهم إلا أن يكون في ذلك مفسدة فينبذ إليهم الإمام، ولا يجوز أمان ذمي أو أمان أسير ولا تاجر يدخل إليهم، ولا يجوز أمان العبد عند أبي حنيفة إلا أن يأذن له مولاه في القتال، وقال محمد: يصح أمانه*، وإذا غلب التُرك على الروم
الحاجة، وفي الإباحة بغير حاجة روايتان".
قوله: (ويقاتلوا بما يجدونه من السلاح، كل ذلك بغير قسمة)، الزاهدي: "تأويله إذا احتاج إليه، بأن لا يكون له سلاح ثم يرده إلى المغنم إذا استغنى عنه، وكذا الثياب".
قوله: (ولا يفادي بالأسرى عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد يفادي بهم أسرى المسلمين)، قال الإسبيجابي: "الصحيح قول أبي حنيفة"، واعتمده المحبوبي والنسفي وغيرهما، قال الزاهدي: "والمفاداة بالمال لا تجوز في ظاهر المذهب" (١).
قوله: (ولا يصح أمان العبد عند أبي حنيفة إلا أن يأذن له مولاه في القتال، وقال أبو يوسف ومحمد: يصح أمانه)، قال الإمام جمال الإسلام:
стр. 442
فسبوهم وأخذوا أموالهم ملكوها وإذا غلبنا على الترك حل لنا ما نجده من ذلك، وإذا غلبوا على أموالنا وأحرزوها بدراهم ملكوها، وإن ظهر عليها المسلمون فوجدوها قبل القسمة فهي لهم بغير شيء وإن وجدوها بعد القسمة أخذوها بالقيمة إن أحبوا، وإن دخل دار الحرب تاجر فاشترى من ذلك وأخرجه إلى دار الإسلام فمالكه الأول بالخيار إن شاء أخذه بالثمن الذي اشتراه التاجر وإن شاء ترك، ولا يملك علينا أهل الحرب بالغلبة مدبرينا وأمهات أولادنا ومكاتبينا وأحرارنا، ونملك عليهم جميع ذلك، وإذا أبق عبد لمسلم فدخل إليهم فأخذوه لم يملكوه عند أبي حنيفة، وإن ندّ إليهم بعير فأخذوه ملكوه*، وإن لم يكن للإمام حمولة يحمل عليها الغنائم قسمها بين الغانمين قسمة إيداع ليحملوها إلى دار الإسلام ثم يرتجعها منهم فيقسمها، ولا يجوز بيع الغنائم قبل القسمة، ومن مات من الغانمين في دار الحرب فلا حق له في القسمة ومن مات منهم بعد إخراجها إلى دار الإسلام فنصيبه لورثته، ولا بأس بأن ينفل الإمام في حال القتال فيقول من قتل قتيلًا فله سلبه، أو يقول لسرية: قد جعلت لكم الربع بعد الخمس، ولا ينفل بعد إحراز الغنيمة بدار الإسلام إلا من الخمس، وإذا لم يجعل السلب للقاتل فهو من جملة الغنيمة، والقاتل وغيره فيه سواء، والسلب ما على المقتول من ثيابه وسلاحه ومركبه فإذا خرج المسلمون من دار الحرب لم يجز أن يعلفوا من الغنيمة ولا يأكلوا منها، ومن فضل معه علف أو طعام رده إلى الغنيمة، ويقسم الإمام الغنيمة فيخرج خمسها ويقسم الأربعة الأخماس بين الغانمين للفارس سهمان وللراجل سهم، وقال أبو يوسف ومحمد: للفارس ثلاثة أسهم* وللراجل سهم، ولا يسهم إلا لفرس واحد*، والبراذين والعتاق سواء، ولا سهم لراحلة
" وذكر الطحاوي قول أبي يوسف مع أبي حنيفة، وصُحِّح قول أبي حنيفة"، وعليه مشى الإمام البرهاني والنسفي وغيرهما.
قوله: (وإذا أبق عبدٌ لمسلم فدخل إليهم فأخذوه لم يملكوه عند أبي أبي حنيفة (١) وإن ندّ بعير إليهم فأخذوه ملكوه)، قال في "زاد الفقهاء": "وقالا: لا يملكون العبد (٢) أيضًا"، والصحيح قوله واعتمده المحبوبي والنسفي وغيرهما.
قوله: (للفارس سهمان وللراجل سهم، وقال أبو يوسف ومحمد: للفارس ثلاثة أسهم)، قال الإمام بهاء الدين في شرحه: "الصحيح قول أبي حنيفة"، واختاره الإمام البرهاني والنسفي وصدر الشريعة وغيرهم.
قوله: (ولا يسهم إلا لفرس واحد)، قال الإسبيجابي: "وقال أبو يوسف:
стр. 443
ولا بغل، ومن دخل دار الحرب فارسًا فنفق فرسه استحق سهم فارس، ومن دخل راجلًا فاشترى فرسًا استحق سهم راجل، ولا سهم لمملوك ولا امرأة ولا ذمي ولا صبي ولكن يرضخ لهم على حسب ما يرى الإمام، وأما الخمس فيقسم على ثلاثة أسهم: سهم لليتامى وسهم للمساكين وسهم لابن السبيل يدخل فقراء ذوي القربى فيهم ويقدمون ولا يدفع إلى أغنيائهم شيء، وأما ما ذكر الله في الخمس لنفسه فإنما هو لافتتاح الكلام تبركًا باسمه، وسهم النبي ﷺ سقط بموته كما سقط الصفي، وسهم ذوي القربي كانوا يستحقون في زمن النبي ﷺ بالنصرة وبعده بالفقر، وإذا دخل الواحد أو الإثنان دار الحرب مغيرين بغير إذن الإمام فأخذوا شيئًا لم يخمس، فإذا دخل جماعة لها منعة فأخذوا شيئًا خمس وإن لم يأذن لهم الإمام، وإذا دخل المسلم دار الحرب تاجرًا فلا يحل له أن يتعرض لشيء من أموالهم ولا من دمائهم، فإن غدر بهم وأخذ شيئًا وخرج به ملكه ملكًا محظورًا ويؤمر أن يتصدق به، وإذا دخل الحربي إلينا مستأمنًا لم يمكن أن يقيم في دارنا سنة ويقول له الإمام إن أقمت تمام السنة وضعت عليك الجزية، فإن أقام أخذ منه الجزية وصار ذميًا ولم يترك أن يرجع إلى دار الحرب، وإن عاد إلى دار الحرب وترك وديعة عند مسلم أو ذمي أو دينًا في ذمتهم فقد صار دمه مباحًا بالعود، وما في دار الإسلام من ماله على خطر فإن أسر أو قتل سقطت ديونه وصارت الوديعة فيئًا.
وما أوجف عليه المسلمون من أموال أهل الحرب بغير قتال يصرف إلى مصالح المسلمين كما يصرف الخراج. وأرض العرب كلها أرض عُشر وهي ما بين العُذَيب إلى أقصى حجر باليمن بمَهْرة إلى حد الشام، والسواد أرض خراج وهي ما بين العذيب إلى عقبة حلوان ومن العلث إلى عبادان، وأرض السواد مملوكة لأهلها يجوز بيعهم وتصرفهم فيها. وكل أرض أسلم أهلها عليها أو فتحت عنوة فقسمت بين الغانمين فهي عشرية، وكل أرض فتحت عنوة وأقر عليها أهلها فهي أرض خراج، ومن أحيا أرضا مواتًا فهي عند أبي يوسف معتبرة بحيزها*، فإن كانت من حيز أرض الخراج فهي خراجية، وإن كانت من حيز أرض العشر فهي عشرية، والبصرة عنده عشرية بإجماع الصحابة، وقال محمد إن أحياها ببئر حفرها أو عين استخرجها أو ماء دجلة أو الفرات والأنهار العظام التي لا يملكها أحد فهي عشرية، وإن أحياها بماء الأنهار التي احتفرها الأعاجم مثل نهر الملك ونهر يزدجِرد فهي خراجية، والخراج الذي وضعه عمر ﵁ على السواد من كل
يسهم لفرسين، والصحيح قولنا" (١)، وعليه مشى الأئمة المذكورن قبله.
قوله: (ومن أحيا أرضًا مواتا فهي عند أبي يوسف (٢) معتبرة بحيزها)، واختاره المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة.
стр. 444
جريب يبلغها الماء قفيز هاشمي وهو الصاع ودرهم ومن الرطبة خمسة دراهم ومن الكرم المتصل والنخل المتصل عشرة دراهم وما سوى ذلك من الأصناف يوضع عليها بحسب الطاقة، فإن لم تطق ما يوضع عليها نقصهم الإمام، فإن غلب على أرض الخراج الماء أو انقطع عنها أو اصطلم الزرع آفة فلا خراج عليهم، وإن عطلها صاحبها فعليها الخراج، ومن أسلم أحد من أهل الخراج أخذ منه الخراج على حاله، ويجوز أن يشتري المسلم أرض الخراج من الذمي ويؤخذ منه الخراج، ولا عشر في الخارج من أرض الخراج.
والجزية على ضربين جزية توضع بالتراضي والصلح فتقدر بحسب ما يقع عليه الاتفاق، وجزية يبتدئ الإمام بوضعها إذا غلب الإمام على الكفار وأقرهم على أملاكهم فيضع على الغني الظاهر الغنى في كل سنة ثمانية وأربعون درهمًا يأخذ منه في كل شهر أربعة دراهم، وعلى متوسط الحال أربعة وعشرون درهمًا في كل شهر درهمين، وعلى الفقير المعتمل اثني عشر درهمًا في كل شهر درهم، وتوضع الجزية على أهل "الكتاب" والمجوس وعبدة الأوثان من العجم، ولا توضع على عبدة الأوثان من العرب ولا المرتدين، ولا جزية على امرأة ولا صبي ولا زمن ولا أعمى ولا فقير غير معتمل، ولا على الرهبان الذين لا يخالطون الناس، ومن أسلم وعليه جزية سقطت عنه، وإن اجتمع الحولان تداخلت الجزية*.
ولا يجوز إحداث بيعة ولا كنيسة في دار الإسلام، وإن انهدمت الكنائس والبيع القديمة أعادوها، ويؤخذ أهل الذمة بالتميز عن المسلمين في زيهم ومراكبهم وسروجهم وملابسهم وقلانسهم، ولا يعملون بالسلاح، ولا يركبون الخيل، ومن امتنع من أداء الجزية أو قتل مسلمًا أو سب النبي ﷺ أو زنى بمسلمة لم ينتقض عهده، ولا ينتقض عهده إلا أن يلحق بدار الحرب أو يغلبوا على موضع فيحاربونا.
وإذا ارتد المسلم عن الإسلام عرض الإسلام عليه فإن كانت له شبهة كشفت له، ويحبس ثلاثة أيام فإن أسلم وإلا قتل، فإن قتله قاتل قبل عرض الإسلام عليه كره له ذلك ولا شيء على القاتل، وأما المرأة إذا ارتدت فلا تقتل ولكن تحبس حتى تسلم، ويزول ملك المرتد عن أمواله بردته زوالًا مراعَى* فإن أسلم عادت إلى حالها، وإن مات أو قتل
قوله: (وإن اجتمع حولان تداخلت الجزية)، قال الإسبيجابي: "وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: لا يتداخلان، وهو قول الشافعي، والصحيح قول أبي حنيفة وأبي يوسف"، وعليه مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما.
وفي "الحقائق": وقت وجوب الجزية آخر الحول كما في الزكاة في حق المسلمين وهو الأصح لا أول الحول، (من "المبسوط").
قوله: (ويزول ملك المرتد عن أمواله بردته زوالًا مراعًى .. الخ)، قال
стр. 445
على ردته انتقل ما اكتسبه في حال إسلامه إلى ورثته من المسلمين وكان ما اكتسبه في حال ردته فيئًا*، وإن لحق بدار الحرب مرتدًا وحكم الحاكم بلحاقه عتق مدبروه وأمهات أولاده وحلت الديون التي عليه ونقل ما اكتسبه في حال الإسلام إلى ورثته من المسلمين، وتقضى الديون التي لزمته في حال الإسلام مما اكتسبه في حال الإسلام، وما لزمه من الديون في حال ردته مما اكتسبه في حال ردته، وما باعه أو اشتراه أو تصرف فيه من أمواله في حال ردته موقوف، فإن أسلم صحت عقوده وإن مات أو قتل أو لحق بدار الحرب بطلت، فإذا عاد المرتد إلى دار الإسلام مسلمًا فما وجد في يد ورثته من ماله بعينه أخذه، والمرتدة إذا تصرفت في مالها في حال ردتها جاز تصرفها، ونصارى بني تغلب يؤخذ من أموالهم ضعف ما يؤخذ من المسلمين من الزكاة، ويؤخذ من نسائهم ولا يؤخذ من صبيانهم، وما جباه الإمام من الخراج من أموال بني تغلب وما أهداه أهل الحرب إلى الإمام والجزيةُ تصرف في مصالح المسلمين فيسد منه الثغور ويبنى القناطر والجسور، ويعطى قضاة المسلمين وعمالهم وعلماؤهم منه ما يكفيهم ويدفع منه أرزاق المقاتلة وذراريهم.
الإمام جمال الإسلام: "وهذا قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يزول ملكه، إلا أن أبا يوسف جعل تصرفه بمنزلة تصرف من عليه القصاص، ومحمد جعله بمنزلة المريض، والصحيح قول أبي حنيفة"، وعليه مشى الإمام البرهاني والنسفي وغيرهما (١).
قوله: (وكان ما اكتسبه في حال ردّته فَيئًا)، الزاهدي: "وهذا عند أبي حنيفة، وقالا: كلاهما لورثته" (٢)، واختار قولَ الإمامِ البرهانيُّ والنسفي وصدر الشريعة وغيرُهم.
стр. 446
كتاب البُغَاة
وإذا تغلب قوم من المسلمين على بلد وخرجوا عن طاعة الإمام دعاهم إلى العود إلى الجماعة، وكشف عن شبهتهم، ولا يبدؤهم بقتال حتى يبدأوه فإن بدأوا قاتلهم حتى يفرق جمعهم، فإن كانت لهم فئة أجهز على جريحهم واتبع موليهم وإن لم يكن لهم فئة لم يجهز على جريحهم ولم يتبع موليهم ولم تسب لهم ذرية ولا يغنم لهم مال، ولا بأس أن يقاتلوا بسلاحهم إن احتاج المسلمون إليه، ويحبس الإمام أموالهم ولا يردها عليهم ولا يقسمها حتى يتوبوا فيردها عليهم، وما جباه أهل البغي من البلاد التي غلبوا عليها من الخراج والعشر لم يأخذه الإمام ثانيًا، وإن كانوا صرفوه في حقه أجزأ من أخذ منه، وإن لم يكونوا صرفوه في حقه أفتي أهله فيما بينهم وبين الله تعالى أن يعيدوا ذلك.
....
стр. 447
كتاب الحَظر والإباحة
لا يحل للرجل لبس الحرير ويحل للنساء، ولا بأس بتوسده* عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد يكره توسده، ولا بأس بلبس الديباج في الحرب عندهما، ويكره عند أبي حنيفة*، ولا بأس بلبس المُلحم إذا كان سداه إبريسمًا ولحمته قطنًا أو خزًا، ولا يجوز للرجال التحلي بالذهب ولا بالفضة إلا الخاتم والمنطقة وحلية السيف من الفضة، ويجوز للنساء التحلي بالذهب والفضة، ويكره أن يلبس الصبي الذهب والحرير، ولا يجوز الأكل والشرب والادهان والتطيب في آنية الذهب والفضة للرجال والنساء، ولا بأس باستعمال آنية الزجاج والبلور والعقيق، ويجوز الشرب في الإناء المفضض عند أبي حنيفة
كتاب الحظر والإباحة
قال في "التجنيس": "المكروه إلى الحرام أقرب، هو المختار" (١) ..
قوله: (ولا بأس بتوسده)، "الهداية" (٢): "والنوم عليه عند أبي حنيفة، وقالا: يكره، وفي "الجامع الصغير" ذكر قول محمد وحده ولم يذكر قول أبي يوسف (٣)، وإنما ذكره القدوري وغيره من المشايخ، وكذا الخلاف في ستر الحرير وتعليقه (٤) على الأبواب"، واختار قول الإمام الإمامُ البرهاني والنسفي وصدر الشريعة وغيرهم.
قوله: (ولا بأس بلبس الديباج في الحرب عندهما، وبكره عند أبي حنيفة)، واعتمد قوله المحبوبي والنسفي وغيرهما.
قوله: (ويجوز الشرب في الإناء المفضّض عند أبي حنيفة، والركوب على
стр. 448
والركوب على السرج والجلوس على السرير المفضض*، ويكره التعشير في المصحف والنقط، ولا بأس بتحلية المصحف ونقش المسجد وزخرفته بالذهب، ويكره استخدام الخصيان، ولا بأس بإخصاء البهائم وإنزاء الحمير على الخيل، ويجوز أن يقبل في الهدية والإذن قول العبد والصبي، ويقبل في المعاملات قول الفاسق، ولا يقبل في أخبار الديانات إلا قول العدل.
ولا يجوز أن ينظر الرجل إلى امرأة أجنبية إلا إلى وجهها وكفيها فإن كان لا يأمن الشهوة لم ينظر في وجهها إلا لحاجة، ويجوز للقاضي إذا أراد أن يحكم عليها وللشاهد إذا أراد الشهادة عليها النظر إلى وجهها وإن خاف أن يشتهي، ويجوز للطبيب أن ينظر إلى موضع المرض منها، وينظر الرجل من الرجل إلى جميع بدنه إلا ما بين سرته إلى ركبتيه، ويجوز للمرأة أن تنظر من الرجل إلى ما ينظر الرجل إليه منه، وتنظر المرأة من المرأة إلى ما يجوز للرجل أن ينظر إليه من الرجل، وينظر الرجل من امرأته وأمته التي تحل له إلى فرجها، وينظر الرجل من ذوات محارمه إلى الوجه والرأس والصدر والساقين والعضدين، ولا ينظر إلى ظهرها وبطنها، ولا بأس أن يمس ما جاز له أن ينظر إليه منها، وينظر
السرج المفضض والجلوس على السرير المفضض)، إذا كان يتّقي مواضع الفضة (١)، قال في "الهداية" (٢) معناه يتقي موضع الفم، وقيل هذا وموضع اليد في الأخذ، وفي السرير والسرج موضع الجلوس، وقال أبو يوسف: يكره ذلك، وقول محمد يروى مع أبي حنيفة ويروى مع أبي يوسف، وعلى هذا الاختلاف الإناء المضبّب بالذهب والفضة، والكرسي المضبب بهما، وكذا إذا جعل ذلك في السيف والمشْحَذ (٣)، وحلقة المرآة، أو جعل المصحف مذهبًا أو مفضضًا، وكذا الاختلاف في اللجام والركاب والثَّفَر (٤) إذا كان مفضضًا، وكذا الثوب فيه كتابة بذهب أو فضة على هذا، وهذا الاختلاف فيما يخلص، فأما التمويه (٥) الذي لا يخلص فلا بأس به بالإجماع"، واختار قول الإمام
стр. 449
الرجل من مملوكة غيره إلى ما يجوز أن ينظر إلى ذوات محارمه، ولا بأس أن يمس ذلك إذا أراد الشراء وإن خاف أن يشتهي، والخصي في النظر إلى الأجنبية كالفحل، ولا يجوز للمملوك أن ينظر إلى سيدته إلا ما يجوز للأجنبي النظر إليه منها، ويعزل عن أمته بغير إذنها ولا يعزل عن زوجته إلا بإذنها.
ويكره الاحتكار في أقوات الآدميين والبهائم إذا كان في بلد يضر الاحتكار بأهله*، ومن احتكر غلة ضيعته أو ما جلبه من بلد آخر فلبس بمحتكر*، ولا ينبغي للسلطان أن يسعّر على الناس، ويكره بيع السلاح في أيام الفتنة، ولا بأس ببيع العصير ممن يعلم منه أنه يتخذه خمرًا.
الأئمة المصحّحون، المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة وغيرهم.
قوله: (ويكره الاحتكار في أقوات الآدميين والبهائم، إذا كان ذلك في بلد يضر الاحتكار بأهله)، "الهداية" (١): "تخصيص الاحتكار بالأقوات كالحنطة والشعير والتِّبْن والقَتِّ (٢) في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: كل ما أضّر بالعامّة حبسُه فهو احتكار، وإن كان ذهبًا أو فضة أو ثوبًا، وعن محمد أنه قال: الاحتكار (٣) في الثياب"، واختار قول الإمامِ الإمامُ البرهاني والنسفي وغيرهما.
قوله: (ومن احتكر غلة ضيعته، أو ما جلبه من بلد آخر فليس بمحتكر)، قال في "الهداية" (٤) " … أما الثاني فالمذكور قول أبي حنيفة .. وقال أبو يوسف: يكره .. وقال محمد: كل ما يجلب منه إلى المصر في الغالب فهو بمنزلة فناء المصر، يحرم الاحتكار فيه"، وعلى قول أبي حنيفة مشى الأئمة المصحّحون، كما ذكره المصنف.
стр. 450
كتاب الوصايَا
الوصية غير واجبة وهي مستحبة *، ولا تجوز الوصية لوارث إلا أن يجيزها الورثة، ولا تجوز الوصية فيما زاد على الثلث ولا للقاتل*، ويجوز أن يوصي المسلم للكافر والكافر للمسلم وقبول الوصية بعد الموت فإن قبلها الموصى له في حال الحياة أو ردها فذلك باطل، ويستحب أن يوصي الإنسان بدون الثلث، وإذا أوصى إلى رجل فقبل الوصي في وجه الموصي وردها في غير وجهه فليس برد وإن ردها في وجهه فهو رد، والموصى به يُملك بالقبول إلا في مسألة واحدة وهو أن يموت الموصي ثم يموت الموصى له قبل القبول فيدخل الموصى به في ملك ورثته، ومن أوصى إلى عبد أو كافر أو فاسق أخرجهم القاضي من الوصية ونصب غيرهم*، ومن أوصى إلى عبد نفسه وفي الورثة كبار لم تصح الوصية*، ومن أوصى إلى من يعجز عن القيام بالوصية ضم إليه القاضي غيره، ومن
كتَابُ الوَصَايا
قوله: (وهي مستحبة)، "الينابيع": "قيل إنها واجبة على العموم، وقيل واجبة للوالدين والأقربين، والصحيح مندوبة وليست بواجبة".
قوله: (ولا للقاتل)، قال في "الهداية" (١): "ولو أجازها الورثة جاز عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: "لا تجوز"، وعلى قولهما مشى الأئمة كما هو الرسم.
قوله: (ومن أوصى إلى عبد أو كافر أو فاسق أخرجهُ القاضي من الوصية ونصب غيرهم) (٢)، قال الإسبيجابي: "إطلاق هذا اللفظ يقتضي جواز الوصية، وذكر الشيخ أبو الحسن أنها باطلة، فيحتمل أن معنى ذلك أن للقاضي أن يبطلها، ويحتمل أنها باطلةٌ حقيقةً، والأول أصح".
قوله: (ومن أوصى إلى عبد نفسه، وفي الورثة كبار، لم تصح الوصية)، فلو كان الكل صغارًا جاز عند أبي حنيفة، ولا يجوز عندهما، وقيل قول محمد مضطرب (٣)، وعلى قول الإمام اعتمد الأئمة الأعلام.
стр. 451
أوصى إلى اثنين لم يجز لأحدهما أن يتصرف عند أبي حنيفة ومحمد دون صاحبه إلا في شراء كفن الميت وتجهيزه وطعام الصغار وكسوتهم وردّ وديعة بعينها أو قضاء الدين وتنفيذ وصية بعينها أو عتق عبد بعينه والخصومة في حقوق الميت*، وقال أبو يوسف يجوز لكل واحد منهما ما صنع، ومن أوصى لرجل بثلث ماله وللآخر بثلث ماله ولم تجز الورثة فالثلث بينهما نصفان، فإن أوصى لأحدهما بالثلث وللآخر بالسدس فالثلث بينهما أثلاثًا، وإن أوصى لأحدهما بجميع ماله وللآخر بثلث ماله فلم تجز الورثة فالثلث بينهما على أربعة عند أبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: الثلث بينهما نصفان، وكان أبو حنيفة لا يضرب للموصى له بما زاد على الثلث إلا في المحاباة والسعاية والدراهم المرسلة*، ومن أوصى وعليه دين يحيط بماله لم تجز الوصية إلا أن يبرئ الغرماء من الدين، ومن أوصى بنصيب ابنه لم يجز، وإن أوصى بمثل نصيب ابنه جاز، فإن كان له ابنان فللموصى له الثلث، ومن أعتق عبدًا في مرضه أو باع وحابى أو وهب فذلك كله وصية تعتبر من الثلث ويضرب به مع أصحاب الوصايا، فإن حابى ثم أعتق فالمحاباة أولى عند أبي حنيفة، وإن أعتق ثم حابى فهما سواء، وقال أبو يوسف ومحمد العتق أولى في المسألتين*، ومن أوصى بسهم من
قوله: (ومن أوصى إلى اثنين لم يجز لأحدهما أن يتصرف عند أبي حنيفة ومحمد دون صاحبه إلا في شراء كفن الميت وتجهيزه وطعام الصغار وكسوتهم وردّ وديعة بعينها وقضاء الدين وننفيذ وصية بعينها وعتق عبد بعينه والخصومة في حقوق الميت)، قال الإسبيجابي: "وقال أبو يوسف يجوز لكل واحد منهما ما صنع، والصحيح قولهما"، واعتمده الأئمة المصحّحون كما هو الرسم.
قوله: (وإن أوصى لأحدهما بجميع ماله وللآخر بثلث ماله فلم تجز الورثة فالثلث بينهما على أربعة أسهم عند أبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: الثلث بينهما نصفان، لا يضرب عند أبي حنيفة (١) للموصى له بما زاد على الثلث إلا في المحاباة والسعاية والدراهم المرسلة)، قال الإمام جمال الإسلام: "والصحيح قول أبي حنيفة" واعتمده الإمام البرهاني والنسفي وغيرهما.
قوله: (فإن حابى ثم أعتق فالمحاباة أولى عند أبي حنيفة، وإن أعتق ثم حابى فهما سواء، وقال أبو يوسف ومحمد العتق أولى في المسألتين)، واختار قول الإمام: الإمامُ البرهاني والنسفي وصدر الشريعة وغيرهم.
قوله: (ومن أوصى بسهم من ماله فله أخسّ سهام الورثة إلا أن ينقص من
стр. 452
ماله فله أخس سهام الورثة إلا أن ينقص من السدس فيتم له السدس*، ومن أوصى بجزء من ماله قيل للورثة أعطوه ما شئتم.
ومن أوصى بوصايا من حقوق الله تعالى قدمت الفرائض منهما، قدمها الموصي أو أخرها مثل الحج والزكاة والكفارات، وما ليس بواجب قدم منه ما قدمه الموصي، ومن أوصى بحجة الإسلام أحجوا عنه رجلًا من بلده يحج راكبًا، فإن لم تبلغ الوصية النفقة أحجوا عنه من حيث تبلغ، ومن خرج من بلده حاجًا فمات في الطريق فأوصى أن يحج عنه حج عنه من بلده عند أبي حنيفة*، ولا تصح وصية الصبي والمكاتب وإن ترك وفاء. ويجوز للموصي الرجوع عن الوصية فإذا صرح بالرجوع أو قال أو فعل ما يدل على الرجوع كان رجوعًا، ومن جحد الوصية لم يكن رجوعًا*، ومن أوصى لجيرانه فهم الملاصقون عند أبي حنيفة*، ومن أوصى لأصهاره فالوصية لكل ذي رحم محرم من امرأته، ومن أوصى لأختانه فالختن زوج كل ذات رحم محرم منه، ومن أوصى لأقربائه
السدس فله السدس)، قال الإسبيجابي: "وقال أبو يوسف ومحمد: له أقل سهام الورثة إلا أن يكون أكثر من الثلث فله الثلث، والصحيح قول أبي حنيفة" وعليه مشى الأئمة المصحّحون.
قوله: (ومن خرج من بلده حاجًا فمات في الطريق وأوصى أن يحج عنه، حج عنه من بلده عند أبي حنيفة)، قال الإمام جمال الإسلام: "وقالا: يُحّج من حيث بلغ، وعلى هذا إذا مالت الحاج عن غيره في الطريق حج عن الميت من بلده عنده، والصحيح قوله"، واختاره المحبوبي والنسفي وصدر الشريعة وغيرهم.
قوله: (ومن جحد الوصية لم يكن رجوعًا)، قال في "الهداية": "كذا ذكره محمد، وقال أبو يوسف: يكون رجوعًا، ورَجَّح وجه قول محمد (١)، واعتمده الإمام المحبوبي والنسفي وغيرهما.
قوله: (ومن أوصى لجيرانه فهم الملاصقون عند أبي حنيفة)، قال الإسبيجابي: "وقال محمد بن الحسن: أستحسنُ أن يكون كل من صلى بجماعته، وهو قول أبي يوسف، وقال الشافعي: الجوار إلى أربعين دارًا، والصحيح قول أبي حنيفة"، وعليه مشى الإمام البرهاني والنسفي وصدر الشريعة وغيرهم.
قوله: (ومن أوصى لأقربائه فالوصية للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم
стр. 453
فالوصية للأقرب فالأقرب من كل ذي رحم محرم منه لا يدخل فيهم الوالدان والولد ويكون للإثنين فصاعدًا، وإذا أوصى بذلك وله عمّان وخالان فالوصية لعميه عند أبي حنيفة، وإن كان له عم وخالان فللعم النصف وللخالين النصف، وقال أبو يوسف ومحمد: الوصية لكل من ينسب إلى أقصى أب له في الإسلام*، ومن أوصى لرجل بثلث دراهمه أو ثلث غنمه فهلك ثلثا ذلك وبقي ثلثه وهو يخرج من ثلث ما بقي من ماله فله جميع ما بقي، وإن أوصى بثلث ثيابه فهلك ثلثاها وبقي ثلثها وبخرج من ثلث ما بقي من ماله لم يستحق إلا ثلث ما بقي من الثياب*، ومن أوصى لرجل بألف درهم وله مالٌ عين ودين فإن خرج الألف من ثلث العين دفعت إلى الموصى له وإن لم تخرج دفع إليه ثلث العين، وكلما خرج شيء من الدين أخذ ثلثه حتى يستوفي الألف، وتجوز الوصية للحمل وبالحمل إذا وضع لأقل من ستة أشهر من يوم الوصية، وإن أوصى بجارية إلا حملها صحت الوصية والاستثناء، ومن أوصى لرجل بجارية فولدت ولذا بعد موت الموصي قبل أن يقبل الموصى له ثم قبل وهما يخرجان من الثلث فهما للموصى له وإن لم يخرجا من الثلث ضرب بالثلث وأخذ ما يخصه منهما جميعًا في قول أبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة يأخذ ذلك من الأم فإن فضل شيء أخذه من الولد*، وتجوز الوصية بخدمة عبده وسكنى داره سنين
محرم، لا يدخل فيهم الوالدان والولد وتكون للاثنين فصاعدًا، وإذا أوصى بذلك وله عمان وخالان فالوصية لعميه عند أبي حنيفة، فإن كان له عم وخال فللعم النصف وللخال النصف، وقال أبو يوسف ومحمد: الوصية لكل من ينسب إلى أقصى أب له في الإسلام)، قال في "زاد الفقهاء" والزاهدي: "الصحيح قول أبي حنيفة" وعليه اعتمد المحبوبي والنسفي وغيرهما.
قوله: (وإن أوصى له بثلث ثيابه فهلك ثلثاها وبقي ثلثها وهو يخرج من ثلث ما بقي من ماله لم يستحق إلا ثلث ما بقي من الثياب)، "الهداية" (١): "قالوا هذا إذا كانت الثياب من أجناس مختلفة، ولو كانت من جنس واحد فهو بمنزلة الدراهم".
قوله: (ومن أوصى لرجل بجارية فولدت بعد موت الموصي ولدًا قبل أن يقبل الموصى له، ثم قبل وهما يخرجان من الثلث، فهما للموصى له، وإن لم يخرجا من الثلث، ضرب بالثلث وأخذ ما يخصّه منهما جميعًا عند أبي يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يأخذ ذلك من الأم فإن فضل شيء أخذه من الولد)، واختاره البرهاني والنسفي وغيرهما.
стр. 454
معلومة ويجوز ذلك أبدًا فإن خرجت رقبة العبد من الثلث سلم إليه ليخدمه وإن كان لا مال له غيره خدم الورثة يومين والموصى له يومًا فإن مات الموصى له عاد إلى الورثة، وإذا مات الموصى له في حال حياة الموصي بطلت الوصية، فإذا أوصى لولد فلان فالوصية بينهم للذكر والأنثى فيها سواء، وإن أوصى لورثة فلان فالوصية بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ومن أوصى لزيد وعمرو بثلث ماله فإذا عمرو ميت فالثلث كله لزيد*، وإن قال ثلث مالي بين عمرو وزيد وزيدٌ ميت كان لعمرو نصف الثلث، ومن أوصى بثلث ماله ولا مال له ثم اكتسب مالًا استحق الموصى له ثلث ما يملكه عند الموت.
قوله: (ومن أوصى لزيد وعمرو بثلث ماله فإذا عمرو ميت، فالثلث كله لزيد)، وعن أبي يوسف: إذا لم يعلم بموته فله نصف الثلث، وعلى الظاهر مشى المحبوبي والنسفي وغيرهما.
стр. 455
كتاب الفرائض
المجمع على توريثهم من الذكور عشرة: الابن وابن الابن وإن سفل، والأب والجد أبُ الأب وإن علا، والأخ وابن الأخ وإن نزل، والعم وابن العم والزوج ومولى النعمة، ومن الإناث سبعة: البنت وبنت الابن والأم والجدة والأخت والزوجة ومولاة النعمة، ولا يرث أربعة بحال: المملوك والقاتل عمدًا أو خطأً من المقتول والمرتد وأهل الملتين، والفروض المذكورة في كتاب الله تعالى ستة: النصف والربع والثمن والثلثان والثلث والسدس، فالنصف فرض خمسة: البنت وبنت الابن إذا لم يكن للميت بنت الصلب، والأخت من الأب والأم والأخت لأب إذا لم تكن أخت لأب وأم، والزوج إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن، والربع فرض الزوج مع الولد وولد الابن، وللزوجات الربع إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن، والثمن للزوجات مع الولد وولد الابن، والثلثان لكل اثنين فصاعدًا ممن فرضه النصف إلا الزوج، والثلث للأم إذا لم يكن للميت ولد ولا ولد ابن ولا اثنان من الإخوة والأخوات فصاعدًا، ويفرض لها في المسألتين ثلث ما بقي وهما زوج وأبوان أو امرأة وأبوان بعد فرض الزوج أو الزوجة، وهو لكل اثنين فصاعدًا من ولد الأم ذكورهم وإناثهم فيه سواء، والسدس فرض سبعة: لكل واحد من الأبوين مع الولد أو ولد الابن، وهو للأم مع الإخوة وهو للجدات والجد مع الولد ولبنات الابن مع البنت، وللأخوات للأب مع الأخت للأب والأم، والواحد من ولد الأم.
وتسقط الجدات بالأم والجد والإخوة والأخوات بالأب، ويسقط ولد الأم بأربعة بالولد وولد الابن والأب والجد، وإذا استكملت البنات الثلثين سقط بنات الابن إلا أن يكون بإزائهن أو أسفل منهن ابن ابني فيعصبهن، وإذا استكملت الأخوات للأب والأم الثلثين سقط الأخوات للأب إلا أن يكون معهن أخ فيعصبهن.
وأقرب العصبات إلى الميت البنون ثم بنوهم ثم الأب ثم الجد ثم بنو الأب وهم الإخوة ثم بنو الجد وهم الأعمام ثم بنو أب الجد، وإذا استوى بنو أب في درجة فأولاهم من كان لأب وأم، والابن وابن الابن والإخوة يقاسمون أخواتهم للذكر مثل حظ الأنثيين، ومن عداهم من العصبات ينفرد بالميراث ذكورهم دون أخواتهم، وإذا لم يكن عصبة من النسب والعصبة المولى المعتق ثم أقرب عصبة المولى.
وتحجب الأم من الثلث إلى السدس بأخوين والفاضل عن فرض البنات لبني الابن وأخواتهم للذكر مثل حظ الأنثيين، والفاضل من فرض الأختين من الأب والأم للإخوة
....................
стр. 456
والأخوات من الأب للذكر مثل حظ الأنثيين، وإذا ترك بنتا وبنات ابن وبني ابن فللبنت النصف والباقي لبني الابن وأخواتهم للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك الفاضل من فرض الأخت للأب والأم لبني الأب وبنات الأب للذكر مثل حظ الأنثيين، ومن ترك ابني عم أحدهما أخ لأم فللأخ من الأم السدس والباقي بينهما، المشتركة أن تترك المرأة زوجًا وأما أو جدة وإخوة لأم وأخًا لأب وأم فللزوج النصف وللأم السدس ولولد الأم الثلث ولا شيء للإخوة للأب والأم.
والفاضل عن فرض ذوي السهام إذا لم يكن عصبة مردود عليهم بقدر سهامهم إلا على الزوجين. ولا يرث القاتل من المقتول، والكفر كله ملة واحدة يتوارث به أهله، ولا يرث المسلم من الكافر ولا الكافر من المسلم، ومال المرتد لورثته من المسلمين وما اكتسبه في حال ردته فيء، وإذا غرق جماعة أو سقط عليهم حائط فلم يعلم من مات منهم أولا فمال كل واحد منهم للأحياء من ورثته، وإذا اجتمع في المجوسي قرابتان لو تفرقتا في شخصين ورث أحدهما من الآخر ورث بهما، ولا يرث المجوسي بالأنكحة الفاسدة التي يستحلونها في دينهم، وعصبة ولد الزنا وولد الملاعنة مولى أمهما*. ومن مات وترك حملا وولدًا وقف ماله حتى تضع امرأته حملها في قول أبي حنيفة*،
كتاب الفرائض
قوله: (وعصبة ولد الزنا وولد الملاعنة مولى أمهما)، قال الزاهدي: "قلت: معناه - والله أعلم - أن الأم ليست بعصبة له ولا عصبة الأم، كما ذهب إليه ابن مسعود، وإنما عصبته مولى الأم إذا كان لها مولى".
قلت: قال في "الجواهر": "قوله لموالي أمهما، إن كانت الملاعنةُ حرةَ الأصل يكون الميراث لمواليهما (١) وهو إخوتها وسائر عصبة أمهما، وإن كانت مُعتَقَة يكون الميراث لمعقتها ونحو ابن المعتق وأخوه وأبوه" فقوله لمواليها يتناول المعتق وغير المعتق، وهو عصبة أمهما.
قوله: (ومن مات وترك حملًا وولدًا وقف ماله حتى تضع امرأته في قول أبي حنيفة)، فإن طلب الورثة حقوقهم دفع إليهم المتيقّن، ويوقف ميراث أربع بنين في رواية ابن المبارك عن أبي حنيفة، وقال محمد ميراث ابنين، وقال أبو يوسف: ميراث واحد، قال الزاهدي والإسبيجابي وصاحب "الحقائق" وصاحب "المحيط" وقاضي خان: "وعليه الفتوى"، وقال الخاصي:
стр. 457
والجد أولى بالميراث من الأخوة عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد يقاسمهم إلا أن تنقصه المقاسمة من الثلث*، وإذا اجتمع الجدات فالسدس لأقربهن، ويحجب الجد أمه* ولا ترث أم أبِ الأم بسهم وكل جدة تحجب أمها.
وإذا لم يكن للميت عصبة ولا ذو سهم ورثه ذووا أرحامه وهم عشرة: ولد البنت وولد الأخت وابنة الأخ وابنة العم والخال والخالة وأب الأم والعم للأم والعمة وولد الأخ من الأم، ومن أدلى بهم وأولاهم من كان من ولد الميت ثم ولد الأبوين أو أحدهما وهم بنات الإخوة وولد الأخوات ثم ولد أبوي أبويه أو أحدهما وهم الأخوال والخالات والعمات*، وإذا استوى وارثان في درجة فأولاهم من أدلى بوارث وأقربهم أولى من
هو مختار الصدر الشهيد، وبه أفتى فخر الدين، وهو المختار".
قوله: (والجد أولى بالميراث من الإخوة عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: يقاسمهم إلا أن تنقصه المقاسمة من الثلث)، قال الإسبيجابي: "الصحيح قول أبي حنيفة"، وقال في "الحقائق" عن "فرائض (١) السراجي": "وبه يفتى"، وقال في "المحيط": "قال أبو بكر وأكثر الصحابة: الجدّ بمنزلة الأب، وبه أخذ أبو حنيفة، والفتوى على قول أبي بكر الصديق [﵁].
قوله: (إلا أن تنقصه المقاسمة من الثلث)، هذا مخصوص بما إذا لم يكن معهم صاحب فرض على ما عرف.
قوله: (ويحجب الجد أمه)، أي: أم نفسه، وفي بعض النسخ: (ولا يحجب الجد أمه)، وتأويله: أم الأب.
قوله: (وأولاهم من كان من ولد الميت ثم ولد الأبوين أو أحدهما وهم بنات الأخوة وولد الأخوات ثم ولد أبوي أبويه أو أحدهم وهم الأخوال والخالات والعمات)، قال الزاهدي: "قلت: وقد ذكر في كثير من نسخ "المختصر"، ومن الشروح، أن أولاهم ولد البنت ثم ولد الأبوين أو أحدهما"، وذكر في زاد الفقهاء: "أولاهم ولد البنت ثم الجد الفاسد ثم ولد الأبوين أو أحدهما وهو الصحيح، لأن الجد الفاسد مقدم على ولد الأبوين بالإجماع بين أصحابنا"، وقد نص عليه بعده.
стр. 458
أبعدهم، وأب الأم أولى من ولد الأخ والأخت*، والمعتق أولى بالفاضل عن سهم ذوي السهام إذا لم يكن عصبة سواه، ومولى الموالاة يرث، وإذا ترك المعتق أب مولاه وابن مولاه فماله للابن، وقال أبو يوسف للأب السدس والباقي للابن*، وإذا ترك جد مولاه وأخ مولاه فالمال للجد في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد هو بينهما*، ولا يباع الولاء ولا يوهب.
قوله: (وأب الأم أولى من بنت الأخ)، قال الإسبيجابي والزاهدي: " [و] هذا مذهب أبي حنيفة، وقالا: ولد الأخ والأخت أولى"، ورجحا دليل أبي حنيفة، واختاره النسفي وغيره.
قال الإسبيجابي والزاهدي: "واختلفت الروايات عن أبي حنيفة في أبِ أمٍّ وبنت بنت، فروى محمد عنه: أن أب الأم أولى، وروى أبو يوسف والحَسن عنه: أن بنت البنت أولى، وهو المشهور".
قلت: قال في "التتمة": "قال شيخ الإسلام: رواية محمد عن أبي حنيفة هي الرواية المشهورة، وقال بعض مشايخنا: رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة ظاهر مذهب أبي حنيفة، وكان أبو عبد الله الفرائضي يقول: ما روى محمد عن أبي حنيفة قولهُ الأول، وما روى أبو يوسف قوله الآخر".
قال شمس الأئمة السرخسي في "المبسوط": "وفي ظاهر الروايات ذُكر أن أولاد البنات يقدمون على الجد - أب الأم - هو قول صاحبيه"، قال الإمام أبو المفاخر الزَّوزني في "شرح المنظومة": "الأصح من قول أبي حنيفة أن أولاد البنات أولى من الجد الفاسد، ثم هو أولى من أولاد الأخوات".
قوله: (وإذا ترك المعتق أب مولاه وابن مولاه فماله للابن، وقال أبو يوسف للأب السدس والباقي للابن)، قال الإسبيجابي: " [و] الصحيح قولنا".
قوله: (وإن ترك جد مولاه وأخ مولاه، فالمال للجد في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: هو بينهما)، قال الإسبيجابي والزاهدي: "هذا بناء على اختلافهم في الميراث وقد مرّ".
قلت: وقد مر (١) أن الفتوى على قول الإمام [أبي حنيفة ﵁ وأرضاه، وأسكنه في دار السلام آمين] (٢).
стр. 459
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والحمد للّه على التمام (١)، وصلى الله على سيدنا محمد خير الأنام، وعلى آله وصحبه الكرام.
حَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوكيل (٢)
стр. 460
حساب الفرائض
إذا كان في المسألة نصف ونصف، أو نصف وما بقي، فأصلها من اثنين، وإذا كانت فيها ثلث وما بقي أو ثلثان فأصلها من ثلاثة، وإذا كانت ربع وما بقي أو ربع ونصف فأطها من أربعة، وإذا كانت ثمنًا وما بقي أو ثمنا ونصفًا وما بقي فأصلها من ثمانية، وإذا كانت نصفًا وثلثًا أو سدسًا فأصلها من ستة وتعول إلى سبعة وثمانية وتسعة وعشرة، وإذا كان مع الربع ثلث أو سدس فأصلها من اثني عشر وتعول إلى ثلاثة عشر وخمسة عشر وسبعة عشر، فإذا كان مع الثمن ثلثان أو سدس فأصلها من أربعة وعشرين وتعول إلى سبعة وعشرين، وإذا انقسمت المسألة على الورثة فقد صحت، فإن لم تنقسم سهام فريق عليهم فاضرب عددهم في أصل المسألة وعولها إن كانت عائلة فما خرج صحت منه المسألة، كامرأة وأخوين، للمرأة الربع سهمٌ وللأخوين ما بقي ثلاثة أسهم لا تنقسم عليهما فاضرب اثنين في أصل المسألة فتكون ثمانية ومنها يصح، فإن وافق سهامهم عددهم فاضرب وفق عددهم في أصل المسألة كامرأة وستة إخوة، للمرأة الربع سهم وللإخوة ثلاثة، فاضرب ثلث عددهم في أصل المسألة تكون ثمانية ومنها تصح، وإن لم ينقسم سهام فريقين أو أكثر فاضرب أحد الفريقين في الآخر ثم ما اجتمع في الفريق الثالث ثم ما اجتمع في أصل المسألة، فإن تساوى الأعداد أجزأ أحدهم عن الآخر كامرأتين وأخوين فاضرب اثنين في أصل المسألة فإن كان أحد العددين جزءًا من الآخر أغنى الأكثر عن الأقل كأربع نسوة وأخوين إذا ضربت الأربعة أجزأك عن الآخرين فإن وافق أحد العددين الآخر ضربت وفق أحدهما في جميع الآخر، ثم ما اجتمع في أصل المسألة كأربع نسوة وأخت وستة أعمام فالستة توافق الأربعة بالأنصاف، فاضرب نصف أحدهما في جميع الآخر ثم في أصل المسألة تكون ثمانية وأربعين ومنها تصح المسألة، وإذا صحت المسألة فاضرب سهام كل وارث في التركة ثم اقسم ما اجتمع على ما صحت منه الفريضة يخرج حق ذلك الوارث، وإذا لم تقسم التركة حتى مات أحد الورثة فإن كان ما يصيبه من الميت الأول ينقسم على عدد ورثته فقد صحت المسألتان مما صحت الأولى، وإن لم ينقسم صححت الفريضة الميت الثاني بالطريقة التي ذكرناها، ثم ضربت إحدى المسألتين في الأخرى إن لم يكن بين سهام الميت الثاني وما صحت منه الفريضة موافقة فإن كان بينهما موافقة فاضرب وفق المسألة الثانية في الأولى فما اجتمع صحت منه المسألتان،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .