Полный текст (1 078 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
الصلاةُ في النِّعال والأمْرُ بها
و" كان يقف حافياً أحياناً، ومنتعلاً أحياناً " (١) .
وأباح ذلك لأمته؛ فقال:
" إذا صلى أحدكم؛ فليلبس نعليه، أو ليخلعهما بين رجليه، ولا يُؤْذِي
بهما غيره " (٢) . الحواشي
(١) ﴿رواه أبو داود، وابن ماجه. وهو حديث متواتر - كما ذكر الطحاوي -﴾ (*) .(٢) أخرجه الحاكم (١/٢٥٩) عن عبد الله بن وهب: أخبرني عياض بن عبد الله
القرشي عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة. وقال:
" صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.
وأخرجه أبو داود (١/١٠٦) ، والحاكم أيضاً(٢٦٠) ، والبيهقي (٢/٤٣٢) من طريق
الأوزاعي: ثنا محمد بن الوليد عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة به بلفظ:
" إذا صلى أحدكم فخلع نعليه؛ فلا يؤذ بهما أحداً؛ ليجعلهما بين رجليه، أو ليصل
فيهما ".
وهذا إسناد على شرط الشيخين، وقد زاد فيه: أبا سعيد المقبري. ولعله الأصح،
ويحتمل أن يكون سعيد سمعه من أبيه، ثم رواه عن أبي هريرة مباشرة بدون واسطة
أبيه، ومثل هذا كثيراً ما يقع في الروايات. والله أعلم.
وفي الباب عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً في حديث بلفظ:
" فإذا جاء أحدكم المسجد؛ فليقلب نعليه فلينظر؛ فيهما خَبَثٌ؟ فإن وجد فيهما
خبثاً؛ فليمسحهما بالأرض، ثم ليصل فيهما ".
_________
(*) تخريج هذا الحديث واقعٌ في صفحة مفقودة من أصل الشيخ ﵀؛ لذا نقلنا تخريجه
المختصر من " صفة الصلاة " المطبوع.стр. 107
وأكد عليهم الصلاة فيهما أحياناً؛ فقال:
" خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خِفافهم " (١) . الحواشي
(١) أخرجه أبو داود (١/١٠٥) ، والحاكم (١/٢٦٠) ، ومن طريقه البيهقي
(٢/٤٣٢) عن قتيبة بن سعيد: ثنا مروان بن معاوية الفزاري عن هلال بن ميمون الرملي
عن يعلى بن شداد بن أوس عن أبيه مرفوعاً به. وقال الحاكم:
" صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. ورجاله كلهم ثقات.
وأخرجه ابن حبان أيضاً في " صحيحه "، ﴿والطبراني (٧/٣٤٨/٧١٦٤ و ٧١٦٥) ﴾ .
قال الشوكاني (٢/١٠٩) :
" ولا مطعن في إسناده ". وقال الزين العراقي في " شرح الترمذي ":
" إسناده حسن " - كما في " فيض القدير" -.
قلت: وله شاهد من حديث أنس مرفوعاً:
" خالفوا اليهود، وصلوا في خفافكم ونعالكم؛ فإنهم لا يصلون في خفافهم ولا نعالهم ".
رواه البزار(١) ، وفيه عمر بن نبهان، وهو ضعيف - كما في " المجمع " (٢/٥٤) -.
قلت: وهذا الحديث يفيد استحباب الصلاة في النعال؛ لأنه أمر بذلك، وعلَّله
بمخالفة اليهود، وأقل ما يستفاد منه الاستحباب، وإن كان ظاهره الوجوب؛ فإنه غير
مراد؛ بدليل قوله في الحديث الذي قبله:
_________(١) ﴿ (٥٣ - زوائده) ﴾ .стр. 108
وكان ربما نزعهما من قدميه وهو في الصلاة، ثم استمر في صلاته؛
كما قال أبو سعيد الخدري:
" صلى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما كان في بعض صلاته؛ خلع
نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى الناس ذلك؛ خلعوا نعالهم. فلما
قضى صلاته؛ قال:
" ما بالكم ألقيتم نعالكم؟ ".
قالوا: رأيناك ألقيت نعليك؛ فألقينا نعالنا. فقال:
" إن جبريل أتاني، فأخبرني أن فيها قذراً - أو قال: أذى - (وفي رواية:
خبثاً) ؛ فألقيتهما، فإذا جاء أحدكم إلى المسجد؛ فلينظر في نعليه: فإن
رأى فيهما قذراً - أو قال: أذى - (وفي الرواية الأخرى: خبثاً) ؛
فليمسحهما، ولْيصلِّ فيهما " (١) . الحواشي
(١) ﴿ [أخرجه] أبو داود، وابن خزيمة، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي والنووي.
وهو مخرج في " الإرواء "(٢٨٤) ، [و " صحيح سنن أبي داود "(٦٥٧) ] ﴾ (*) .
_________
(*) تخريج هذا الحديث واقعٌ في صفحة مفقودة من أصل الشيخ ﵀؛ لذا نقلنا تخريجه
المختصر من " صفة الصلاة " المطبوع.стр. 109
و " كان إذا نزعهما؛ وضعهما عن يساره " (١) . وكان يقول:
" إذا صلى أحدكم؛ فلا يضع نعليه عن يمينه، ولا عن يساره؛ فتكونَ
عن يمين غيره؛ إلا أن لا يكون عن يساره أحد، وليضعهما بين رجليه " (٢) . الحواشي
(١) أخرجه أبو داود (١/١٠٥) ، والنسائي (١٢٥ - ١٢٦) ، وابن ماجه(٤٣٧) ، و ﴿ابن
خزيمة (١/١١٠/٢) = [٢/١٠٦/١٠١٤ و ١٠١٥] ﴾ والحاكم(٢٥٩) ، ومن طريقه البيهقي
(٢/٤٣٢) ، وأحمد (٣/٤١٠ - ٤١١) عن ابن جريج: ثني محمد بن عباد بن جعفر عن
عبد الله بن سفيان عن عبد الله بن السائب قال:
رأيت النبي ﷺ يصلي يوم الفتح - زاد الحاكم: الصبح -، ووضع نعليه عن يساره.
قال الحاكم:
" أخرجته شاهداً ".
قلت: وهو تساهل منه؛ فان مثل هذه العبارة إنما تقال في حديث معلول إسناده،
وليس الأمر هنا كذلك؛ فإنه حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم.
وقد أخرج بهذا الإسناد لعبد الله بن السائب حديثاً آخر في " صحيحه "، وسيأتي
في (القراءة في الفجر) ، وقد وهم العراقي (١/١٧٠) ؛ فعزا الحديث إلى مسلم، وإنما
الذي عنده ما أشرت إليه.(٢) أخرجه ﴿ابن خزيمة [٢/١٠٦/١٠١٦] ﴾ ، وأبو داود - والسياق له - (١٠٥ -
١٠٦) ، والحاكم(٢٥٩) ، ومن طريقهما البيهقي (٢/٤٣٢) عن عثمان بن عمر: ثنا
صالح بن رستم أبو عامر عن عبد الرحمن بن قيس عن يوسف بن ماهك عن أبي هريرة
به مرفوعاً. وقال الحاكم:
" صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي.
قلت: سقط من إسناد الحاكم عبد الرحمن بن قيس، وهو أبو صالح الحنفي، وهو
ثقة من رجال مسلم وحده؛ فالحديث صحيح على شرطه فقط.стр. 110
..............................................................................
الحواشي
(٤٣٧) من طريق آخر عن أبي هريرة، وفيه عبد الله بن سعيد بن
أبي سعيد المقبري، وهو ضعيف.
وله شاهد من حديث أبي بكرة بلفظ:
" ولكن ليجعلهما بين ركبتيه ".
أخرجه الطبراني في " الكبير "، وفيه زياد الجصاص؛ ضعفه ابن معين وغيره، وذكره
ابن حبان في " الثقات " - كما في " المجمع " (٢/٥٥) -.
* * *стр. 111
الصلاةُ على المنبر (*)
و" صلى ﷺ مرةً - على المنبر (وفي رواية: أنه ذو ثلاث درجات) (١) ،
فـ[قام عليه، فكبر، وكبر الناس وراءه وهو على المنبر] ، [ثم ركع وهو
عليه] ، ثم رفع، فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد، [فصنع
فيها كما صنع في الركعة الأولى] ، حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل
على الناس، فقال:
" يا أيها الناس! إني صنعت هذا؛ لتأتموا بي، ولِتَعلَّموا صلاتي " (٢) . الحواشي
(١) هذا هو السنة في المنبر؛ أن يكون ذا ثلاث درجات، لا أكثر، والزيادة عليها
بدعة أمَوِيَّة؛ كثيراً ما تعرِّض الصف للقطع، والفرارُ من ذلك بجعله في الزاوية الغربية
من المسجد أو المحراب: بدعةٌ أخرى! وكذلك جعله مرتفعاً في الجدار الجنوبي كالشرفة،
يصعد إليها بدرج لَصِيق الجدار! وخير الهدي هدي محمد ﵌.
راجع " الفتح " (٢/٣٣١) .(٢) رواه البخاري، ومسلم - والرواية الأخرى له -، وابن سعد (١/٢٥٣) ، وهو
مخرج في " الإرواء "(٥٤٥) .
* * *стр. 112
السُّتْرَةُ ووجُوبها
و" كان ﷺ يقف قريباً من السترة؛ فكان بينه وبين الجدار ثلاثة أذرع (١) ،
وبين موضع سجوده والجدار ممرُّ شاة " (٢) . الحواشي
(١) أخرجه النسائي (١/١٢٢) ، وأحمد (٢/١٣٨ و ٦/١٣) عن مالك عن نافع عن
عبد الله بن عمر:
أن رسول الله ﷺ دخل الكعبة ... الحديث. وفيه:
فسألت بلالاً حين خرج: ماذا صنع رسول الله ﷺ ؟ قال:
جعل عموداً عن يساره، وعمودين عن يمينه، وثلاثة أعمدة وراءه، وكان البيت
يومئذٍ على ستة أعمدة، ثم صلى، وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع. والسياق لأحمد.
وفي رواية له من طريق هشام بن سعد عن نافع مختصراً بلفظ:
كان بينه وبن الجدار ثلاثة أذرع.
ورواه البخاري (٢/٤٥٩) من طريق موسى بن عقبة عن نافع نحوه.(٢) رواه سهل بن سعد الساعدي ﵁ قال:
كان بين مصلى رسول الله ﷺ وبين الجدار ممر الشاة.
أخرجه البخاري (٢/٤٥٥) ، ومسلم (٢/٥٩) ، والبيهقي (٢/٢٧٢) عن عبد العزيز
ابن أبي حازم عن أبيه عنه.
وأخرجه أبو داود (١/١١١) من هذا الوجه بلفظ:
وكان بين مقام النبي ﷺ وبين القبلة ممر عنز.
وبهذه الرواية فسر الحافظ في " الفتح " الرواية الأولى؛ فقال:
" قوله: (مصلى رسول الله ﷺ : مقامه في صلاته، وكذا هو في رواية أبي داود ".стр. 113
وكان ﴿يقول:
" لا تُصلِّ إلا إلى سترة، ولا تدع أحداً يمر بين يديك، فإن أبى؛
فلتقاتله؛ فإن معه القرين " (١) . و﴾ يقول:
" إذا صلى أحدكم إلى سترة؛ فَلْيَدْنُ منها؛ لا يقطع (٢) الشيطان عليه
صلاته " (٣) . الحواشي
(١) ﴿رواه ابن خزيمة في " صحيحه " (١/٩٣/١) = [٢/٩ - ١٠/٨٠٠] بسند جيد﴾ .(٢) أي: لا يُفَوِّت عليه حضورها بالوسوسة والتمكن منها. قال الشيخ علي القاري
(١/٤٩١) :
" واستفيد منه أن السترة تمنع استيلاء الشيطان على المصلي، وتَمَكُّنِهِ من قلبه
بالوسوسة، إمَّا كُلاً أو بعضاً؛ بحسب صدق المصلي وإقباله في صلاته على الله تعالى، وأن
عدمها يُمَكِّنُ الشيطانَ من إزلاله عما هو بصدده من الخشوع والخضوع وتدبره القراءة والذكر.
قلت: فانظر إلى متابعة السنة وما يترتب عليها من الفوائد الجمة ". انتهى.(٣) أخرجه أبو داود (١/١١١) ، والنسائي (١/١٢٢) ، والطحاوي (١/٣٦٥) ،
والحاكم (١/٢٥١) ، والبيهقي (٢/٢٧٢) من طريق سفيان بن عيينة عن صفوان بن سليم
عن نافع بن جبير عن سهيل بن أبي حَثْمَة مرفوعاً به.стр. 114
و " كان أحياناً يتحرى الصلاة عند الأُسْطُوَانَةِ التي في مسجده " (١) . الحواشي
(١) أخرجه البخاري (٢/٤٥٧) ، ومسلم (٢/٥٩) ، والبيهقي (٢/٢٧٠) ، وأحمد
(٤/٤٨) عن المكي بن إبراهيم قال: ثنا يزيد بن أبي عبيد قال:
كنت آتي مع سلمة بن الأكوع، فيصلي عند الأسطوانة التي عند الصحن،
فقلت: يا أبا مسلم! أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة؟! قال:
فإني رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها.
والسياق للبخاري، وترجم له: (باب الصلاة إلى الأسطوانة) .
وهو من ثلاثيات البخاري، وكذا أحمد. قال الحافظ:
" والأسطوانة المذكورة حقق لنا بعض مشايخنا أنها متوسطة في الروضة المكرمة،
وأنها تعرف بأسطوانة المهاجرين ". قال:
" ثم وجدت ذلك في " تاريخ المدينة " لابن النجار ... ، وذكره قبله محمد بن
الحسن في (أخبار المدينة) ".
﴿قلت: والسترة لا بد منها للإمام والمنفرد؛ ولو في المسجد الكبير. قال ابن هانئ
في " مسائله عن الإمام أحمد " (١/٦٦) :
" رآني أبو عبد الله (يعني: الإمام أحمد) يوماً وأنا أصلي، وليس بين يدي سترة
- وكنت معه في المسجد الجامع -؛ فقال لي: استتر بشيء. فاستترت برجل ".стр. 115
و " كان إذا صلى [في فضاء ليس فيه شيء يستتر به] ؛ غرز بين يديه
حَرْبَةً، فصلى إليها والناس وراءه " (١) . الحواشي
(١) أخرجه البخاري (٢/٤٥٤) ، ومسلم (٢/٥٥) ، وأبو داود (١/١٠٩) ، والبيهقي
(٢/٢٦٩) ، وأحمد (٢/١٤٢) عن عبد الله بن عمر:
أن رسول الله ﷺ كان إذا خرج يوم العيد؛ أمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي
إليها والناس وراءه. وكان يفعل ذلك في السفر. فمن ثَمَّ اتخذها الأمراء.
وروى ابن ماجه (١/٣٠١) منه نَصْبَهَا في السفر.
ثم أخرجه (١/٣٩٢) بتمامه، ورواه النسائي (١/٢٣٢) ، وأحمد (٢/١٤٥ و ١٥١) بلفظ:
كان يخرج معه يوم الفطر بعنَزة، فيركُزُها بين يديه، فيصلي إليها.
وسنده صحيح على شرطهما. زاد ابن ماجه من طرق أخرى:
وذلك أن المصلَّى كان فضاء، وليس فيه شيءٌ يستتر به.
وسنده صحيح أيضاً على شرطهما.
وكذلك أخرجه ابن خزيمة والإسماعيلي - كما في " الفتح " -.
وفي الباب عن أنس: عند ابن ماجه بإسناد صحيح.стр. 116
وأحياناً " كان يَعْرِضُ (١) راحلته، فيصلي إليها " (٢) . ﴿وهذا خلاف
الصلاة في أعطان الإبل (٣) ؛ فإنه " نهى عنها " (٤) ﴾ . الحواشي
(١) قوله: (يَعْرِضُ) ؛ هو بفتح الياء وكسر الراء، وروي بضم الياء وتشديد الراء،
ومعناه: يجعلها معترضة بينه وبين القبلة.
ففيه دليل على جواز الصلاة إلى الحيوان، وجواز الصلاة بقرب البعير، بخلاف
الصلاة في أعطان الإبل، فإنها مكروهة؛ للأحاديث الصحيحة في النهي عن ذلك. كذا
في " شرح مسلم " للنووي.(٢) أخرجه البخاري(٤٥٩) ، والبيهقي (٢/٢٦٩) ، وأحمد (٢/١٢٩) عن نافع عن
ابن عمر أيضاً عن النبي ﷺ :
أنه كان يعرضُ راحلته فيصلي إليها.
قلت: أَفَرَأَيْت إذا هَبَّت الركاب؟ قال:
كان يأخذ هذا الرَّحْل فيعَدِّلُه، فيصلي إلى آخِرتِه - أو قال: مُؤَخَّرِهِ -.
وكان ابن عمر ﵄ يفعله. واللفظ للبخاري.
ورواه مسلم (٢/٥٥) دون قوله: قلت ... إلخ. وهو رواية لأحمد (٢/٣ و ١٤١) .
ورواه أبو داود (١/١١٠) ، والترمذي (٢/١٨٣) ، والدارمي (١/٣٢٨) بلفظ:
كان يصلي إلى بعيره. وهو رواية لمسلم، وكذا أحمد (٢/٢٦) ، ﴿وابن خزيمة
(١/٩٢/٢) = [٢/١٠/٨٠٢] ﴾ .(٣) ﴿أي: مبَارِكها﴾ .(٤) ﴿رواه البخاري، وأحمد﴾ .стр. 117
وأحياناً " كان يأخذ الرَّحْلَ، فيعدله، فيصلي إلى آخرته " (*) ، وكان يقول:
" إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مُؤْخِرَة (١) الرحل؛ فليصلِّ، ولا يبالي
مَن مَرَّ وراء ذلك " (٢) . الحواشي
(١) " بضم الميم وكسر الخاء وهمزة ساكنة. ويقال: بفتح الخاء مع فتح الهمزة
وتشديد الخاء، ومع إسكان الهمزة وتخفيف الخاء. ويقال: آخرة الرحل؛ بهمزة ممدودة
وكسر الخاء. فهذه أربع لغات؛ وهي: العود الذي في آخر الرحل.
وفي هذا الحديث الندب إلى السترة بين يدي المصلي، وبيان أن أقل السترة مؤخرة
الرحل، وهي قدر عظم الذراع، وهو نحو ثلثي ذراع ...
واستدل القاضي عياض رحمه الله تعالى بهذا الحديث على أن الخط بين يدي
المصلي لا يكفي؛ قال:
وإن كان قد جاء به حديث، وأخذ به أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى؛ فهو
ضعيف ". ذكره النووي في " شرح مسلم ". ثم قال:
" وحديث الخط رواه أبو داود، وفيه ضعف واضطراب ".
قلت: وهو كما قال النووي ﵀، وقد بينا ضعفه مفصلاً فيما انتقدناه على كتاب
" التاج " رقم(٩٩) . فليراجع هناك. وذكرنا شيئاً من ذلك في " التعليقات الجياد " (١/٨٣) .(٢) أخرجه مسلم (٢/٥٤) ، وأبو داود (١/١٠٩) ، والترمذي (٢/١٥٦ - ١٥٨)
وصححه، وابن ماجه (١/٣٠١) ، والبيهقي (٢/٢٦٩) ، وأحمد (١/١٦١ - ١٦٢) من
حديث طلحة بن عبيد الله ﵁ مرفوعاً به.
وله شاهد من حديث عائشة:
أن رسول ﷺ سئل في غزوة تبوك عن سترة المصلي؟ فقال:стр. 118
و " صلى - مرة - إلى شجرة " (١) .
و" كان أحياناً يصلي إلى السرير، وعائشة ﵂ مضطجعة
عليه [تحت قطيفتها] (*) " (٢) . الحواشي
(١) أخرجه الإمام أحمد (١/١٣٨) قال: ثنا محمد بن جعفر: ثنا شعبة عن أبي
إسحاق قال: سمعت حارثة بن مُضرِّب يحدث عن علي ﵁ قال:
لقد رأيتُنا ليلة بدر وما منا إنسان إلا نائم إلا رسول الله ﷺ ؛ فإنه كان يصلي إلى
شجرة، ويدعو حتى أصبح.
وهذا إسناد صحيح. رجاله رجال الشيخين. إلا حارثة بن مضرِّب - بتشديد الراء
المكسورة قبلها معجمة -، وهو ثقة - كما في " التقريب " -، وقال في " الفتح " (٢/٤٦٠) :
" رواه النسائي بإسناد حسن ".
قلت: ولعله في " الكبرى " للنسائي.
ثم أخرجه أحمد (١/١٢٥) قال: ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة به بلفظ:
تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح.
ولا مخالفة بين الروايتين؛ فإن من صلى إلى شجرة؛ فقد صلى تحتها.
(*) زيادة من " صفة الصلاة " المطبوع.(٢) أخرجه البخاري (١/٤٦٠ و ٤٦٥ و ٤٦٦ - ٤٦٧) ، ومسلم (٢/٦٠) ، والطحاوي
(١/٢٦٧) ، ﴿وأبو يعلى (٣/١١٠٧ - مصورة المكتب الإسلامي) = [٤/٩٤/٤٤٧٤ -
الكتب العلمية] ﴾ ، والبيهقي (٢/٢٧٦) ، وأحمد (٦/٤٢ و ٢٣٠ و ٢٦٦) من طريق
الأسود ومسروق عن عائشة:стр. 119
..............................................................................
الحواشي
(١) ذُكِرَ عندها ما يقطع الصلاة: الكلب والحمار والمرأة، فقالت عائشة:
قد شبهتمونا بالحمير والكلاب، والله! لقد رأيت رسول الله ﷺ يصلي، وإني على
السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس فأوذيَ رسول
الله ﷺ ؛ فَأَنْسَلُّ من عند رجليه. وفي رواية:
فَأَنْسَلُّ من قبل رِجْلَيِ السرير حتى أَنْسَلَّ من لحافي. زاد أحمد والبيهقي:
كراهية أن أستقبله بوجهي.
وهي عند البخاري، دون قوله: بوجهي. وهو رواية لأحمد.
وله عنده (٦/٢٠٠) طريق ثالث عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء عن عروة بن
الزبير أخبره: أن عائشة أخبرته قالت:
كان النبي ﷺ يصلي، وأنا معترضة على السرير بينه وبين القبلة.
قلت: أبينهما جُدُرُ المسجدِ؟ قالت:
لا؛ في البيت إلى جُدُرِه.
وسنده صحيح على شرط الستة. قال النووي في " شرح مسلم ":
" استدلت به عائشة ﵂ والعلماء بعدها على أن المرأة لا تقطع صلاة
الرجل، وفيه جواز صلاته إليها، وكره العلماء أو جماعة منهم الصلاة إليها لغير
النبي ﷺ ؛ لخوف الفتنة بها، وتذكّرها، واشتغال القلب بها بالنظر إليها.
وأما النبي ﷺ ؛ فمنزّه عن هذا كله في صلاته، مع أنه كان في الليل، والبيوت
يومئذٍ ليس فيها مصابيح ". اهـ.
قلت: وقضية المصابيح هي من حديث لعائشة. سيأتي في فصل خاص قبل (الركوع) .
وأما الاستدلال بحديثها هذا على أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل مطلقاً؛ ففيه نظر؛стр. 120
وكان ﷺ لا يدعَ شيئاً يمر بينه وبين السترة؛ فقد " كان مرة يصلي؛ إذ
جاءت شاة تسعى بين يديه، فَسَاعَاهَا (١) حتى ألزق بطنه بالحائط، [ومرت
من ورائه] " (٢) . الحواشي
(١) أي: سابقها. وهي مفاعلة من السعي.(٢) أخرجه الطبراني في " الكبير " ﴿٣/١٤٠/٣﴾ عن عمرو بن حَكَّام، والحاكم في
" المستدرك " (١/٢٥٤) عن موسى بن إسماعيل، وابن خزيمة (١/٩٥/١) =
[٢/٢٠/٨٢٧] عن الهيثم بن جميل؛ ثلاثتهم عن جرير بن حازم عن يعلى بن حكيم
والزبير بن الخِرِّيتِ عن عكرمة عن ابن عباس:
أن النبي ﷺ كان يصلي ... فذكره. واللفظ للطبراني. وقال الحاكم:
" صحيح على شرط البخاري ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.
وله طريق أخرى؛ أخرجه البيهقي (٢/٢٦٨) عن يحيى بن أبي بكير: ثنا شعبة
عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن صهيب البصري عن ابن عباس به نحوه.стр. 121
و " صلى صلاة مكتوبة، فضم يده، فلما صلى؛ قالوا: يا رسول الله!
أَحَدَثَ في الصلاة شيء؟ قال:
" لا؛ إلا أن الشيطان أراد أن يمر بين يدي، فَخَنَقْتُه، حتى وجدت بَرْدَ
لسانه على يدي.
وايم الله! لولا ما سبقني إليه أخي سليمان؛ لارْتُبِطَ إلى سارية من
سواري المسجد، حتى يَطِيْفَ به وِلْدَانُ أهل المدينة (١) ، [فمن استطاع أن لا الحواشي
(١) قال النووي في " شرح مسلم ":
" فيه دليل على أن الجن موجودون، وأنهم قد يراهم بعض الآدميين. وأما قول الله
تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيْلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ ؛ فمحمول على الغالب، فلو كانتстр. 122
يحول بينه وبين القبلة أحد؛ فليفعل] " " (١) . الحواشي
(١) أخرجه الدارقطني(١٤٠) ، وأحمد (٥/١٠٤ - ١٠٥) ، والطبراني في " الكبير"
من طرق عن سِمَاك بن حرب سمع جابر بن سمرة يقول:
صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة مكتوبة ... الحديث. واللفظ للدارقطني.
وإسناده صحيح على شرط مسلم. والزيادة المذكورة لأحمد بسند حسن عن أبي
سعيد الخدري.
وفي الباب عن جمع من الصحابة سيأتي الإشارة إلى أحاديثهم في المكان المزبور آنفاً.стр. 123
وكان ﷺ يقول:
" إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز
بين يديه؛ فليدفع في نحره، [وليدرأ ما استطاع] ﴿ (وفي رواية: فليمنعه،
مرتين) ﴾ ، فإن أبى؛ فليقاتله (١) ؛ فإنما هو شيطان " (٢) . الحواشي
(١) قال السيوطي في " تنوير الحوالك ":
" هو عندنا على حقيقته، وهو أمر ندب، وقال ابن العربي: المراد بالمقاتلة: المدافعة.
وعند الإسماعيلي:
" فإن أبى؛ فليجعل يده في صدره، وليدفعه ". (فإنما هو شيطان) ؛ أي: فعله فعل
الشيطان، أو المراد شيطان من الإنس، وفي رواية الإسماعيلي:
" فإن معه الشيطان " ".
قلت: ويشهد لهذه الرواية رواية ابن عمر المذكورة آنفاً، وهي تؤيد قول من قال:
المعنى: فإنما الحامل له على ذلك الشيطان. والله أعلم.(٢) أخرجه البخاري (١/٤٦١ - ٤٦٣ و ٦/٢٥٩) ، ومسلم (٢/٥٧ - ٥٨) ، وأبو داود
(١/١١١) ، والنسائي (١/١٢٣) ، والدارمي (١/٣٢٨) عن مالك - وهو في " الموطأ " (١/١٧٠) -،
والطحاوي (١/٢٦٦) ، ﴿وابن خزيمة (١/٩٤/١) = [٢/١٥ و ١٦/٨١٧ و ٨١٨] ﴾ ،
والبيهقي (٢/٢٦٧) ، وأحمد (٣/٣٤ و ٤٣ و ٤٩ و ٥٧ و ٦٣ و ٩٣) من طريق أبي صالح
السمان وعبد الرحمن ابن أبي سعيد الخدري؛ كلاهما عن أبي سعيد مرفوعاً به. واللفظ
لمسلم من رواية أبي صالح، والزيادة لابن أبي سعيد، ﴿والرواية الأخرى لابن خزيمة﴾ .
وله طريق ثالثة عند أبي داود، وأحمد (٣/٨٢ - ٨٣) عن أبي أحمد الزبيري: ثنا
مَسَرَّة بن معبد: ثني أبو عبيد صاحب (*) سليمان قال:
_________
(*) كذا الأصل؛ تبعاً لـ " المسند "، والصواب: (حاجب) .стр. 124
..............................................................................
الحواشي
(١) رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائماً يصلي معتماً بعمامة سوداء، مُرْخٍ طرفها من
خلف، مصفِّراً اللحية، فذهبت أمرُّ بين يديه، فردني. ثم قال: ثني أبو سعيد
الخدري:
أن رسول الله ﷺ قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه، فقرأ، فالتبست عليه القراءة،
فلما فرغ من صلاته؛ قال:
" لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه؛ حتى وجدت برد لعابه بين
أصبعي هاتين - الإبهام والتي تليها -، ولولا دعوة أخي سليمان؛ لأصبح مربوطاً بسارية
من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين
القبلة أحد؛ فليفعل ".
وهذا إسناد حسن. رجاله رجال مسلم، غير مَسرَّة بن معبد؛ قال في " التقريب ":
" صدوق له أوهام ".
والحديث أخرجه ابن ماجه (١/٣٠٤) ، وكذا أبو داود، والبيهقي من طريق ابن
عجلان عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه مرفوعاً بلفظ:
" إذا صلى أحدكم؛ فليصلِّ إلى سترة، وليدن منها، ولا يدع أحداً يمر بين يديه، فإن
جاء أحد يمر؛ فليقاتله، فإنه شيطان ".
وابن عجلان: فيه مقال.
وله شاهد من حديث ابن عمر بلفظ:
" إذا كان أحدكم يصلي؛ فلا يدع أحداً يمر بين يديه، فإن أبى؛ فليقاتله، فإن معه
القرين ".стр. 125
وكان ﷺ يقول:
" لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي (١) ماذا عليه؛ لكان أن يقف أربعين (٢) الحواشي
(١) أي: أمامه بالقرب منه. واختلف في ضبط ذلك؛ فقيل: إذا مر بينه وبين
مقدار سجوده. وقيل: بينه وبينه قدر ثلاثة أذرع. وقيل: بينه وبينه قدر رمية بحجر.
ووقع عند السراج من طريق الضحاك بن عثمان عن أبي النضر:
" بين يدي المصلي والمصلى "؛ أي: السترة. كذا في " تنوير الحوالك "، و " الفتح "
(٢/٤٦٣ و ٤٦٥) .(٢) هكذا الرواية بالإبهام. وقال الراوي أبو النضر:
لا أدري قال: أربعين يوماً، أو شهراً، أو سنة.
وهذا يدل على أن في أصل الحديث تعيين المعدود، ولكن الراوي هو الذي شك.
ووقع في " مسند البزار " من طريق سفيان بن عيينة عن أبي النضر:
" أربعين خريفاً ". قال المنذري - وتبعه الهيثمي (٢/٦١) -:
" ورجاله رجال " الصحيح " ".
قلت: لكنه معلول. فقد أخرجه ابن ماجه، وكذا أحمد، وابن أبي شيبة،
وسعيد بن منصور وغيرهم من الحفاظ عن ابن عيينة عن أبي النضر على الشك أيضاً.
وزاد فيه:
أو ساعة. قال الحافظ:стр. 126
خيراً له من أن يمر بين يديه (١) " (٢) . الحواشي
(١) قال النووي في " شرح مسلم ":
" معناه: لو يعلم ما عليه من الإثم؛ لاختار الوقوف أربعين على ارتكاب ذلك الإثم.
ومعنى الحديث: النهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك ". وقال في " المجموع "
(٣/٢٤٩) :
" إذا صلى إلى سترة؛ حَرُمَ على غيره المرور بينه وبين السترة، ولا يحرم وراء
السترة. وقال الغزالي: يكره، ولا يحرم. والصحيح؛ بل الصواب أنه حرام. وبه قطع
البغوي والمحققون، واحتجوا بهذا الحديث ". وقال الحافظ - بعد أن ذكر كلامه في
" مسلم " -:
" ومقتضى ذلك أن يعد في الكبائر ".(٢) أخرجه البخاري (٢/٤٦٣ - ٤٦٤) ، ومسلم (٢/٥٨) ، ومالك (١/١٧٠) ، وعنه
الإمام محمد(١٤٨) ، وكذا أبو داود (١/١١١) ، والنسائي (١/١٢٣) ، والترمذي
(٢/١٥٨) ، والدارمي (١/٣٢٩) ، والطحاوي في " مشكل الآثار " (١/١٨) ، والبيهقي
(٢/٢٦٨) ، وأحمد (٤/١٦٩) ؛ كلهم عن مالك.
وابن ماجه (١/٣٠٢) ، ومسلم أيضاً، والطحاوي عن سفيان الثوري؛ كلاهما عن
أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن بُسر بن سعيد:стр. 127
..............................................................................
الحواشي
(١) أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جُهَيْم يسأله: ماذا سمع من رسول الله ﷺ في المار
بين يدي المصلي؟ فقال أبو جُهيم: قال رسول الله ﷺ ... فذكره. وقال الترمذي:
" حديث حسن صحيح، وللعمل عليه عند أهل العلم؛ كرهوا المرور بين يدي
المصلي، ولم يروا أن ذلك يقطع صلاة الرجل ".
وللحديث شاهد من رواية أبي هريرة مرفوعاً بلفظ:
" لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه معترضاً (زاد في رواية: وهو يناجي
ربه) ؛ كان لأن يقوم مئة عام خير له من الخطوة التي خطاها ".
أخرجه ابن ماجه، والطحاوي، وأحمد (٢/٣٧١) من طريق عبيد الله بن
عبد الرحمن بن موهب عن عمه عنه.
وهذا إسناد ضعيف؛ عبيد الله هذا: مختلف فيه؛ فوثقه ابن معين في رواية،
وضعفه في أخرى. وفي " التقريب ":
" ليس بالقوي ".
وعمه - اسمه: عبيد الله بن عبد الله بن موهب؛ فهو -: مجهول عند الشافعي،
وأحمد وغيرهما. وفي " التقريب ":
" مقبول ".
وأما ابن حبان؛ فوثقه على قاعدته! وقد أخرج الحديث هو وشيخه ابن خزيمة في
" صحيحيهما "؛ كما في " الترغيب " (١/١٩٤) ، وصَحَّحَ إسناد ابن ماجه. وقد علمت
ما فيه.стр. 128
ما يَقْطَعُ الصَّلاةَ
وكان يقول:
" يقطع صلاةَ الرجل إذا لم يكن بين يديه كآخرة الرحل: المرأةُ
[الحائض] (١) ، والحمار، والكلب الأسود ". قال أبو ذر:
قلت: يا رسول الله! ما بالُ الأسود من الأحمر؟ فقال:
" الكلب الأسود شيطان " (٢) . الحواشي
(١) قال السندي رحمه الله تعالى:
" يحتمل أن المراد: ما بلغت سن المحيض؛ أي: البالغة، وعلى هذا فالصغيرة لا
تقطع. والله تعالى أعلم ". اهـ.(١) أخرجه مسلم (٢/٥٩) ، وأبو داود (١/١١٢) ، والنسائي (١/١٢٢) ، والترمذي
(٢/١٦١) ، والدارمي (١/٣٢٩) ، وابن ماجه (١/٣٠٣) ، والطحاوي (١/٢٦٥) ، ﴿وابن
خزيمة (١/٩٥/٢) = [٢/٢٠ - ٢١/٨٣٠] ﴾ ، والطبراني في " الصغير " (ص ٣٨ و ١٠٣
و٢٣٩) ، وأبو نعيم في " الحلية " (٦/١٣٢) ، والطيالسي (ص ٧١) ، وأحمد (٥/١٤٩
و١٥١ و ١٥٥ و ١٦٠ و ١٦١) ، والبيهقي أيضاً (٢/٢٧٤) من طرق عن حُميد بن هلال عن
عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال:
قال رسول الله ﷺ ... فذكره. واللفظ لشعبة عن حميد، وزاد:
قلت: ما بال الكلب الأسود؟ قال: ابنَ أخي! سألت رسول الله ﷺ كما سألتني؟ فقال:
" الكلب الأسود شيطان " (*) .
_________
(*) وانظر تحقيقاً حديثياً وفقهياً رائعاً ماتعاً حول هذا الحديث في " السلسلة الصحيحة "(٣٣٢٣) .стр. 129
..............................................................................
الحواشي
(١) وأما الزيادة؛ فهي عند أحمد (٥/١٦٤) من طريق أخرى عن علي بن زيد بن
جُدعان عن عبد الله بن الصامت بلفظ:
أحسبه قال:
" والمرأة الحائض ".
وابن جدعان: فيه ضعف.
لكن له شاهد من حديث ابن عباس مرفوعاً:
" يقطع الصلاة الكلب الأسود، والمرأة الحائض ".
أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والطحاوي، والبيهقي، وأحمد (١/٣٤٧)
من طريق شعبة: ثنا قتادة قال: سمعت جابر بن زيد يحدث عن ابن عباس ... رفعه.
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين، وصححه النووي (٣/٢٥٠) .
وقد رواه غير شعبة عن قتادة موقوفاً على ابن عباس، ولا يضر ذلك؛ فإن شعبة ثقة
ثبت حافظ.
وله طريق آخر عند أبي داود، والطحاوي، والبيهقي من وجوه عن معاذ بن هشام: ثنا
أبي عن يحيى عن عكرمة عن ابن عباس - قال: أحسبه أسند ذلك إلى النبي ﷺ قال:
" يقطع الصلاة الكلب، والحمار، والمرأة الحائض، واليهودي، والنصراني،
والمجوسي، والخنزير بحجر ". قال:
" ويكفيك إذا كانوا منك على قدر رمية بحجر؛ لم يقطعوا صلاتك ".
وإسناده صحيح على شرط البخاري. لكنه مشكوك في رفعه إلى النبي ﷺ كما
ترى.стр. 130
..............................................................................
الحواشي
(١) ثم ظهر لي فيه علة؛ وهي عنعنة يحيى - وهو: ابن [أبي] كثير -؛ فإنه مدلس.
وفي الباب أحاديث أخرى:
فمنها: عن أبي هريرة مرفوعاً:
" يقطع الصلاة المرأة، والحمار، والكلب ".
أخرجه مسلم، وابن ماجه، والبيهقي، وأحمد (٢/٢٩٩ و ٤٢٥) من طريقين عنه.
وزاد مسلم:
" ويقي ذلك مثلُ مُؤْخِرَة الرحل ".
ومنها: عن عبد الله بن مُغَفَّل مرفوعاً مثله دون الزيادة.
رواه ابن ماجه، والطحاوي، وأحمد (٥/٥٧) من طرق عن سعيد بن أبي عَرُوبة عن
قتادة عن الحسن عنه.
وهذا إسناد رجاله رجال الشيخين.
وعن أنس مثله.
أخرجه الخطيب في " تاريخه " (٧/٤٩) ، وكذا البزار. قال الهيثمي (٢/٦٠) :
" ورجاله رجال " الصحيح " ".
وعن الحكم بن عمرو الغفاري.
رواه الطبراني في " الكبير ". ورجاله ثقات، غير عمر بن رُدَيح؛ ضعفه أبو حاتم،
ووثقه ابن معين وابن حبان.
قلت: فهو إسناد حسن.
وعن عائشة بلفظ:стр. 131
..............................................................................
الحواشي
(١) " لا يقطع صلاةَ المسلم شيءٌ؛ إلا الحمار، والكافر، والكلب، والمرأة ". فقالت
عائشة: يا رسول الله! لقد قُرِنَّا بدوابِّ سوء!
أخرجه أحمد (٦/٨٤ - ٨٥) : ثنا أبو المغيرة قال: ثنا صفوان قال: ثنا راشد بن
سعد عنها به.
وهذا رجاله رجال مسلم؛ غير راشد هذا، وهو ثقة كثير الإرسال - كما في
" التقريب " -. فإن كان سمعه من عائشة؛ فالإسناد صحيح، وإلا؛ فمنقطع ضعيف.
وفي هذه الأحاديث دلالة على أن الكلب، والمرأة، والحمار يقطع الصلاة. والمراد
بالقطع: البطلان. قال الشوكاني (٣/٩) :
" وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة؛ منهم: أبو هريرة، وأنس، وابن عباس
في رواية عنه، وحكي أيضاً عن أبي ذر، وابن عمر. وجاء عن ابن عمر أنه قال به في
الكلب. وقال به الحكم بن عمرو الغفاري في الحمار. وممن قال من التابعين بقطع الثلاثة
المذكورة: الحسن البصري، وأبو الأحوص صاحب ابن مسعود.
ومن الأئمة: أحمد بن حنبل - فيما حكاه عنه ابن حزم الظاهري في " المحلى "
(٤/١١) -، وحكى الترمذي عنه أنه يخصص بالكلب الأسود، وُيتوقف في الحمار والمرأة ".
قلت: في المسألة عن الإمام أحمد روايتان؛ اتفقتا كلتاهما على أن الكلب الأسود
يقطع الصلاة، واختلفتا في المرأة والحمار؛ فجزم في رواية بعدم القطع بهما، وتردد في
الأخرى.
أما الأولى: فهي رواية ابنه عبد الله في " مسائله " قال:
" سألت أبي: ما يقطع الصلاة؟ قال: الكلب الأسود. قال: أنس يروي أنه يقطع
الصلاة الكلب، والمرأة، والحمار؟ قال: أما المرأة؛ فأذهب إلى حديث عائشة:стр. 132
..............................................................................
стр. 133
..............................................................................
الحواشي
(١٤١) ، والبيهقي (٢/٢٧٨) ، وأحمد (١/٢١١ - ٢١٢) من
طريق محمد بن عمر بن علي عن عباس بن عبيد الله بن عباس عنه به. واللفظ
للنسائي. وزاد أبو داود وأحمد في رواية:
ليس بين يديه سترة.
وعلة الحديث الانقطاع والجهالة؛ فقال ابن حزم في " المحلى " (٤/١٣) :
" وهذا باطل؛ لأن العباس بن عبيد الله لم يدرك عمه الفضل ". قال الحافظ في
" التهذيب ":
" وهو كما قال ابن حزم. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله. بئس العباس هذا ".
وفي " التقريب ":
" مقبول ". اهـ.
ومما تقدم تعلم أن قول النووي (٣/٢٥١) والحافظ أبي زرعة ابن الحافظ العراقي في
" شرح التقريب " (٢/٣٨٩) :стр. 134
..............................................................................
الحواشي
(١) " إسناده حسن "؛ غير حسن. مع أنه ذكر كلام ابن حزم، ونقل عن الخطابي أنه
قال:
" في إسناده مقال ". ولم يتعقبهما بشيء. وقد قال السندي:
" ولا دلالة في الحديث على المرور بين المصلي والسترة، ولا على أن الكلبة كانت
سوداء، وكذا في دلالة الأحاديث اللاحقة على أن المرور لا يقطع بحثٌ؛ فهذه
الأحاديث لا تعارض حديث القطع أصلاً ".
قلت: وأول كلامه - بناءً على رواية النسائي - صحيح، وأما على زيادة أبي داود:
ليس بين يديه سترة. فغير صحيح؛ فالجواب القاطع: إن الحديث ضعيف لا يحتج
به. وكفى.
وأشار بقوله:
" الأحاديث اللاحقة ". إلى ما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس:
أنه مر بين يدي رسول الله ﷺ هو وغلام من بني هاشم على حمار بين يدي رسول
الله ﷺ وهو يصلي، فنزلوا ودخلوا معه، فصلوا، ولم ينصرف.
وإسناده صحيح. ولكن لا دلالة فيه - كما قال السندي -؛ لأنه ليس فيه على أن
المرور كان بين النبي ﷺ وبين السترة.
وأما حديث عائشة الذي مرت الإشارة إليه في كلام أحمد؛ فقد أجاب هو نفسه
عنه، وتقدم منا الجواب عنه مفصلاً عما قريب. ومن أراد زيادة تفصيل؛ فليراجع " فتح
الباري " (١/٤٦٧ - ٤٦٨) ، و " شرح التقريب " (٢/٣٩٣ و ٣٩٦) .
ومما احتج به من قال: إن المرأة لا تقطع الصلاة؛ حديثُ أم سلمة قالت:стр. 135
..............................................................................
الحواشي
(١٤١) ، والبيهقي (٢/٢٧٨) من طريق أبي
أسامة: ثنا مجالد عن أبي الوَدَّاك عنه.стр. 136
..............................................................................
الحواشي
(١) ؛ فإن مجالداً هذا - هو: ابن سعيد -: ضعفه الجمهور، وقد
اختلط أخيراً، وهذا من رواية أبي أسامة عنه، وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط - كما
قال أبو زرعة في " شرح التقريب " (٢/٣٨٩) -. وقال الحافظ في " التقريب ":
" ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره ". وقال في شيخه أبي الوَدَّاك - واسمه: جبر
ابن نوف -:
" صدوق يهم ".
قلت: وقد رواه عبد الواحد بن زياد عن مجالد به موقوفاً على أبي سعيد. ولعله
الصواب.
كذلك أخرجه أبو داود، والبيهقي أيضاً.
والحديث ضعفه النووي في " شرح مسلم "، والحافظ في " الفتح " (١/٤٦٦) ، وقال:
" ويرد من حديث ابن عمر وأنس وأبي أمامة عند الدارقطني، ومن حديث جابر
عند الطبراني في " الأوسط "، وفي إسناد كل منها ضعف ".
قلت: وروي عن أبي هريرة أيضاً عند الدارقطني، وفيه إسماعيل بن عياش عن
إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة.
وإسماعيل ضعيف. وشيخه متروك - كما في " التقريب " -.
وبالجملة؛ فالأحاديث المعارضة لأحاديث القطع بالأشياء الثلاثة بعضها صحيح؛
كحديث عائشة، وحديث ابن عباس في بعض ألفاظه، وهي عند التأمل فيها بإنصاف
غير معارضة لتلك.
_________(١) ﴿كما حققته في " تمام المنة " (ص ٣٠٦) وغيره﴾ .стр. 137
..............................................................................
الحواشي
(١) والبعض الآخر صحيح المعارضة، ولكنها غير صحيحة الإسناد؛ فحينئذٍ لا يجوز
المعارضة بها. وقال ابن القيم في " الزاد " (١/١١١) :
" ومعارض هذه الأحاديث قسمان: صحيح غير صريح، وصريح غير صحيح؛ فلا
تُترك لمعارض هذا شأنه، وكان رسول الله ﷺ يصلي وعائشة ﵂ نائمة في
قِبلته، وكأن ذلك ليس كالمار؛ فإن الرجل مُحَرَّمٌ عليه المرور بين يدي المصلي، ولا يكره
له أن يكون لابثاً بين يديه، وهكذا المرأة؛ يقطع مرورها الصلاة دون لُبْثِها. والله أعلم ".
وأما دعوى بعضهم نسخ تلك الأحاديث؛ فشيء لا برهان عليه، وقد أنكرها كثير
من العلماء، حتى من الذين لم يذهبوا إلى ظاهرها؛ كالنووي، وابن حجر وغيرهما. قال
في " المجموع " (٣/٢٥١) :
" وأما ما يدعيه أصحابنا وغيرهم من النسخ؛ فليس بمقبول؛ إذ لا دليل عليه، ولا
يلزم من كون حديث ابن عباس في حجة الوداع - وهي آخر الأمر - أن يكون ناسخاً؛ إذ
يمكن كون أحاديث القطع بعده، وقد علم وتقرر في الأصول أن مثل هذا لا يكون
ناسخاً، مع أنه لو احتمل النسخ؛ لكان الجمع بين الأحاديث مقدماً عليه، إذ ليس فيه
رد شيء منها، وهذه أيضاً قاعدة معروفة ".
قلت: والجمع فرع التعارض، وقد أثبتنا أنه لا تعارض؛ فيبقى العمل بالأحاديث
على ظاهرها، على أن ما جمعوا به غير معقول؛ وذلك أنهم قالوا: إن المراد بالقطعِ القطعُ
عن الخشوع والذكر؛ للشغل بها، والالتفات إليها، لا أنها تفسد الصلاة.
قلت: إنه غير معقول؛ لأنه يؤدي إلى إبطال منطوق الحديث؛ لأنه حصر القطع
بالثلاثة المذكورة فيه، وملاحظة المعنى الذي ذكروه يؤدي إلى أن الحصر غير مراد؛ وذلك
لأنه لا فرق في الإشغال عن الخشوع بين الرجل المارِّ والمرأة، بل ما الفرق بين المرأة
الحائض وغير الحائض على هذا الجمع؟ وكذا لا فرق بين مرور الحمار، والفرس، أوстр. 138
الصلاةُ تجاه القبر
وكان ينهى عن الصلاة تجاه القبر؛ فيقول:
" لا تجلسوا (١) ....................................... الحواشي
(١) فيه دلالة على تحريم القعود على القبور؛ لأنه الأصل في النهي، وهو مذهب
الجمهور فيما حكاه الصنعاني في " سبل السلام " (٢/١٥٧) ، والشوكاني في " النيل "
(٤/٧٥) ، والصواب أن مذهبهم الكراهة - كما نقله النووي في " المجموع " (٥/٣١٢)
عنهم، وابن الجوزي فيما ذكره الحافظ في " الفتح " (٣/١٧٤) -، والحق: إنه حرام؛ لما
ذكرنا من أن أصل النهي التحريم، ولم يرد شيء يخرجه منه إلى الكراهة، بل جاء ما
يؤكده؛ وهو:
ما رواه أبو هريرة عنه ﷺ أنه قال:
" لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه، فتخلص إلى جلده؛ خير له من أن
يجلس على قبر ".
أخرجه مسلم (٣/٦٢) ، وأبو داود (٢/٧١) ، والنسائي (١/٢٨٧) ، وابن ماجه
(١/١/٤٧٤) ، وأحمد (٢/٣١١ و ٣٨٩ و ٤٤٤) .стр. 139
على القبور، ولا تُصَلُّوا إليها (١) " (٢) . الحواشي
(٢٤٦) :
" وأكرهُ وطْء القبر والجلوس والاتكاء عليه، إلا أن لا يجد الرجلُ السبيلَ إلى قبر
ميِّتِه إلا بأن يطأه؛ فذلك ضرورة، فأرجو حينئذٍ أن يسعه إن شاء الله ".
قلت: إن كان القصد من الوصول إلى قبر الميت لأجل الزيارة فقط؛ فليس ذلك
بضرورة يُستحل بها ما تقدم من الوعيد الشديد؛ لأن الزيارة تتحقق من بعيد، وليس من
شرطها الوصول إلى القبر نفسه؛ ولذلك قال أبو حنيفة ﵀:
" لا يوطأ القبر إلا لضرورة، ويزار من بعيد، ولا يَقْعُد، وإن فعل؛ يكره ".
كذا في " رد المحتار " (١/٨٤٦) نقلاً عن " خزانة الفتاوى ".
وظاهر قوله: " يكره ": أنه كراهة تحريم؛ لأنها المراد عند الإطلاق، وهو الموافق لما سبق
من الأحاديث. والله أعلم. وللبحث تتمة؛ يراجع في " التعليقات الجياد ".(١) أي: مستقبلين إليها. لما فيه من التعظيم البالغ؛ لأنه من مرتبة المعبود، فجمع
بين النهي عن الاستخفاف بالتعظيم، والتعظيم البليغ. كذا في " الفيض " للمناوي. ثم
قال في موضع آخر:стр. 140
..............................................................................
الحواشي
(١) " فإن ذلك مكروه. فإن قصد إنسان التبرك بالصلاة في تلك البقعة؛ فقد ابتدع في
الدين ما لم يأذن به الله، والمراد كراهة التنزيه ". قال النووي:
" كذا قال أصحابنا. ولو قيل بتحريمه - لظاهره - لم يبعد، ويؤخذ من الحديث النهي
عن الصلاة في المقبرة؛ فهي مكروهة كراهة تحريم ". اهـ. وفي " الأم " (١/٢٤٦) :
" وأكره أن يُبنى على القبر مسجد، وأن يُسَوَّى، أو يصلى عليه وهو غير مسوى، أو
يصلى إليه ". قال:
" وإن صلى إليه؛ أجزأه، وقد أساء، أخبرنا مالك: أن رسول الله ﷺ قال:
" قاتل الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ". قال:
" وأكره هذا للسُّنة والآثار، وأنه كره - والله تعالى أعلم - أن يعظم أحد من المسلمين
- يعني: يتخذ - قبره مسجداً، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعد ".
انتهى.
والحديث الذي ذكره عن مالك مُعضَلاً حديث صحيح جداً؛ جاء في
" الصحيحين " وغيرهما عن جمع من الصحابة؛ منهم: عائشة، وابن عباس، وأبو
هريرة، وزيد بن ثابت، وأبو عبيدة بن الجراح، وأسامة بن زيد.
وفي الباب عن: عائشة أيضاً، وجندب بن عبد الله البجلي، وابن مسعود، وأبي
سعيد الخدري، وعطاء بن يسار مرسلاً.
وقد خرجتُ أحاديثهم، وسقت ألفاظهم في " التعليقات الجياد "، وبينت فيه ما
يستفاد منها من المسائل المهمة التي غفل عنها أكثر المسلمين؛ فوقعوا في الغلو في
الأولياء والصالحين، وتعظيمهم تعظيماً خارجاً عن حدود الشرع والدين، وقد قال ابن
حجر الهيتمي الفقيه في " الزواجر عن اقتراف الكبائر " (ص ١٢١) :стр. 141
..............................................................................
الحواشي
(١) " قال بعض الحنابلة: قَصْدُ الرجل الصلاةَ عند القبر متبركاً بها عَيْنُ المحاداة لله
ولرسوله، وإبداع دين لم يأذن به الله؛ للنهي عنها، ثم إجماعاً؛ فإن أعظم المحرمات
وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، أو بناؤها عليها. والقول بالكراهة
محمول على غير ذلك؛ إذ لا يُظَنُّ بالعلماء تجويزُ فعلٍ تواتر عن النبي ﷺ لَعْنُ فاعِلِهِ،
ويجب المبادرة لهدمها، وهدم القباب التي على القبور، إذ هي أضر من مسجد الضرار؛
لأنها أُسست على معصية رسول الله ﷺ ؛ لأنه نهى عن ذلك، وأمر ﷺ بهدم القبور
المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره ". انتهى ما في
" الزواجر ".
فأفاد كلام المناوي والحنبلي أن قصد الصلاة إلى القبر وعنده محرم، وأنه تشريع لم
يأذن به الله، ومع ذلك ترى كثيراً من الناس - حتى بعض المشايخ - يقصدون مقامات
الأولياء والصالحين للصلاة عندها، والتبرك بها، وإذا قيل لهم في ذلك؛ قالوا: إنما
الأعمال بالنيات، ونياتنا طيبة، وعقائدنا سليمة! ولئن صدقوا في ذلك؛ فما هو
بمنجيهم من المؤاخذة عند الشارع الحكيم؛ لأنه إنما بنى الأحكام على الظواهر، والله
يتولى السرائر.
ولقد أنكر رسول الله ﷺ على من خاطبه بقوله: ما شاء الله وشئت يا رسول الله!
فقال ﵊:
" جعلتني لله نداً؟! قل: ما شاء الله وحده ".
ولقد كان رسول الله ﷺ يعلم أن ذلك الرجل ما قصد أن يجعله شريكاً مع الله، وهو
﵁ ما آمن به ﷺ إلا فراراً من الشرك؛ فكيف يجعله شريكاً لله؟!
كان ﷺ يعلم ذلك منه، وإنما أنكر عليه ما سمعه من لسانه حتى يُقَوِّمَهُ مرة؛ فلا يتكلم
مرة أخرى بما يوهم الشرك والضلال.стр. 142
..............................................................................
الحواشي
(٢) هو حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣/٦٢) ، وأبو داود (١/٧١) ، والنسائي
(١/١٢٤) ، والترمذي (١/١٩٥ - طبع بولاق) ، ﴿وابن خزيمة (١/٩٥/٢) = [٢/٨/٧٩٤] ﴾ ،
والطحاوي (١/٢٩٦) ، والبيهقي(٤٣٥) ، وأحمد (٤/١٣٥) من حديث أبي مَرْثَد
الغَنَوي مرفوعاً به. ولفظ النسائي، والطحاوي:
" لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها ". وهو رواية لمسلم، وأحمد.
وله شاهد من حديث ابن عباس:
أخرجه المقدسي من طريق الطبراني بسنده عن عبد الله بن كيسان عن عكرمة عنه
بلفظ:
" لا تصلوا إلى قبر، ولا تصلوا على قبر ". قال المقدسي:
" وعبد الله بن كيسان: قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم الرازي:
ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي. إلا أنَّا لما رأينا ابن خزيمة والبستي أخرجا له؛
أخرجناه ".
﴿وانظر كتابى: " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد "، و " أحكام الجنائز
وبدعها "﴾ .
* * *стр. 143
[اللباسُ في الصلاة]
وكان ﷺ يدخل في الصلاة بما تيسر عليه من الثياب، فلم يكن يتخذ
لها ثوباً خاصاً؛ إلا صلاة الجمعة - كما سيأتي -؛ فكان تارة " يصلي في
حُلّة حمراء " (١) (وهي (٢) ثوبان: إزار، ورداء) ، وكان يأمر بهما؛ فيقول: الحواشي
(١) كما قال أبو جحيفة:
خرج رسول الله ﷺ في حلة حمراء مشمراً، فصلى إلى العنَزَةِ بالناس ركعتين،
ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العَنَزةِ.
أخرجه البخاري (١/٣٨٦ و ١٠/٢١٠) ، ومسلم (٢/٥٦) ، وأبو داود (١/٨٦) ،
والنسائي (١/١٢٥) وترجم له: (الصلاة في الثياب الحُمْر) ، والترمذي (١/٣٧٥)
وصححه، وأحمد (٤/٣٠٨) عن عون بن أبي جُحيفة عن أبيه به.
وفي الحديث دلالة على جواز لبس الثياب الحمراء، وهو مذهب الشافعية وغيرهم،
وهو الصواب إن شاء الله تعالى، ولا يصح شيء من الأحاديث في النهي عن لباس
الأحمر، وتأويل الحلة الحمراء بأنها ذات خطوط حمر - كما فعل ابن القيم في " الزاد "
(١/٤٨ و ١٧٢) وفي غيره - خلاف الظاهر - كما بينه الشوكاني -.
على أنه قد ثبت أن النبي ﷺ رأى على الحسن والحسين قميصين أحمرين؛ فلم
ينكر ذلك، وليس هذا موضع تفصيل ذلك، وإنما أردنا الإشارة إليه، فمن شاء التوسع
فيه؛ فليراجع " نيل الأوطار " (٢/٨٠ - ٨٣) ، وكذا " التعليقات الجياد ".(٢) تفسير (الحلة) بذلك هو الأشهر - كما قال الحافظ في " الفتح " (١٠/٢١٣) -.
وقيل:
هي: ثوبان؛ أحدهما فوق الآخر. والرداء: هو الثوب أو البُرْدُ الذي يضعه الإنسان
على عاتقيه، وبين كتفيه فوق ثيابه.стр. 144
" إذا صلى أحدكم؛ فليأتزر وليرتَدِ " (١) .
حتى " نهى أن يصلي الرجل في سراويل وليس عليه رداء " (٢) .
وإنما أراد به القادر على الرداء (٣) ؛ كما قال ﵊:
" إذا صلى أحدكم؛ فليلبس ثوبيه؛ فإن الله أحق من يُزَّيَّنُ له، فإن لم
يكن له ثوبان؛ فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال (٤) الحواشي
(١) أخرجه الطحاوي (١/٢٢١) ، والبيهقي (٢/٢٣٥) من طريق عبيد الله بن معاذ
قال: ثنا أبي قال: ثنا شعبة عن توبة العنبري سمع نافعاً عن ابن عمر مرفوعاً به.
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين.(٢) أخرجه أبو داود (١/١٠٣) ، والطحاوي (١/٢٢٤) ، والحاكم (١/٢٥٠) ، وعنه
البيهقي (٢/٢٣٦) عن أبي المُنيب عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال:
نهى أن يصلي في لحاف لا يتوشح به، ونهى أن يصلي الرجل ... إلخ.
وهذا سند حسن. وأما قول الحاكم وكذا الذهبي: إنه " صحيح على شرط
الشيخين "! فمن أوهامهما؛ فإن أبا المُنِيْب - واسمه: عبيد الله بن عبد الله العَتَكي - ليس
من رجالهما، وهو صدوق يخطئ - كما في " التقريب " -.(٣) قال الطحاوي:
" وهذا عندنا على الوجود معه لغيره، فإن كان لا يجد غيره؛ فلا بأس بالصلاة فيه،
كما لا بأس في الثوب الصغير؛ مُتّزراً به ".
قلت: ويدل لذلك الأحاديث الآتية بعدُ.(٤) قال الخطابي في " المعالم " (١/١٧٨) :стр. 145
الحواشي
(١) أخرجه البيهقي (٢/٢٣٥ - ٢٣٦) عن أنس بن عياض عن موسى بن عقبة
عن نافع عن عبد الله - ولا يرى نافع إلا أنه عن رسول الله ﷺ قال: ... فذكره.
وهذا سند صحيح على شرط الستة؛ لولا التردد في رفعه.
لكن أخرجه الطحاوي(٢٢١) من طريق حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن
نافع عن ابن عمر قال:
قال رسول الله ﷺ : ... فذكره بدون تردد في رفعه.
وهذا صحيح أيضاً على شرط الشيخين.
وقد تابعه أيوب عن نافع به.
أخرجه أبو داود (١/١٠٣) : ثنا سليمان بن حرب: ثنا حماد بن زيد عنه.
وسنده صحيح أيضاً على شرطهما. وصححه النووي (٣/١٧٣) .
وأخرجه البيهقي(٢٣٦) من طريق يوسف بن يعقوب القاضي: ثنا سليمان بن
حرب به؛ إلا أنه تردد في رفعه.
ثم أخرجه كذلك من طريق أبي الربيع: ثنا حماد بن زيد به؛ إلا أنه قال:
وأكثر ظني أنه قال: قال رسول الله ﷺ . ثم قال:
" ورواه الليث بن سعد عن نافع؛ هكذا بالشك ".
ثم أخرجه من طريق سعيد - وهو: ابن أبي عَرُوبة - عن أيوب به مرفوعاً بدون
شك بلفظ:следующие страницы →