Полный текст (1 078 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
..............................................................................
الحواشي
(١) " قال بعض الحنابلة: قَصْدُ الرجل الصلاةَ عند القبر متبركاً بها عَيْنُ المحاداة لله
ولرسوله، وإبداع دين لم يأذن به الله؛ للنهي عنها، ثم إجماعاً؛ فإن أعظم المحرمات
وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، أو بناؤها عليها. والقول بالكراهة
محمول على غير ذلك؛ إذ لا يُظَنُّ بالعلماء تجويزُ فعلٍ تواتر عن النبي ﷺ لَعْنُ فاعِلِهِ،
ويجب المبادرة لهدمها، وهدم القباب التي على القبور، إذ هي أضر من مسجد الضرار؛
لأنها أُسست على معصية رسول الله ﷺ ؛ لأنه نهى عن ذلك، وأمر ﷺ بهدم القبور
المشرفة، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره ". انتهى ما في
" الزواجر ".
فأفاد كلام المناوي والحنبلي أن قصد الصلاة إلى القبر وعنده محرم، وأنه تشريع لم
يأذن به الله، ومع ذلك ترى كثيراً من الناس - حتى بعض المشايخ - يقصدون مقامات
الأولياء والصالحين للصلاة عندها، والتبرك بها، وإذا قيل لهم في ذلك؛ قالوا: إنما
الأعمال بالنيات، ونياتنا طيبة، وعقائدنا سليمة! ولئن صدقوا في ذلك؛ فما هو
بمنجيهم من المؤاخذة عند الشارع الحكيم؛ لأنه إنما بنى الأحكام على الظواهر، والله
يتولى السرائر.
ولقد أنكر رسول الله ﷺ على من خاطبه بقوله: ما شاء الله وشئت يا رسول الله!
فقال ﵊:
" جعلتني لله نداً؟! قل: ما شاء الله وحده ".
ولقد كان رسول الله ﷺ يعلم أن ذلك الرجل ما قصد أن يجعله شريكاً مع الله، وهو
﵁ ما آمن به ﷺ إلا فراراً من الشرك؛ فكيف يجعله شريكاً لله؟!
كان ﷺ يعلم ذلك منه، وإنما أنكر عليه ما سمعه من لسانه حتى يُقَوِّمَهُ مرة؛ فلا يتكلم
مرة أخرى بما يوهم الشرك والضلال.стр. 142
..............................................................................
الحواشي
(٢) هو حديث صحيح. أخرجه مسلم (٣/٦٢) ، وأبو داود (١/٧١) ، والنسائي
(١/١٢٤) ، والترمذي (١/١٩٥ - طبع بولاق) ، ﴿وابن خزيمة (١/٩٥/٢) = [٢/٨/٧٩٤] ﴾ ،
والطحاوي (١/٢٩٦) ، والبيهقي(٤٣٥) ، وأحمد (٤/١٣٥) من حديث أبي مَرْثَد
الغَنَوي مرفوعاً به. ولفظ النسائي، والطحاوي:
" لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها ". وهو رواية لمسلم، وأحمد.
وله شاهد من حديث ابن عباس:
أخرجه المقدسي من طريق الطبراني بسنده عن عبد الله بن كيسان عن عكرمة عنه
بلفظ:
" لا تصلوا إلى قبر، ولا تصلوا على قبر ". قال المقدسي:
" وعبد الله بن كيسان: قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال أبو حاتم الرازي:
ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي. إلا أنَّا لما رأينا ابن خزيمة والبستي أخرجا له؛
أخرجناه ".
﴿وانظر كتابى: " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد "، و " أحكام الجنائز
وبدعها "﴾ .
* * *стр. 143
[اللباسُ في الصلاة]
وكان ﷺ يدخل في الصلاة بما تيسر عليه من الثياب، فلم يكن يتخذ
لها ثوباً خاصاً؛ إلا صلاة الجمعة - كما سيأتي -؛ فكان تارة " يصلي في
حُلّة حمراء " (١) (وهي (٢) ثوبان: إزار، ورداء) ، وكان يأمر بهما؛ فيقول: الحواشي
(١) كما قال أبو جحيفة:
خرج رسول الله ﷺ في حلة حمراء مشمراً، فصلى إلى العنَزَةِ بالناس ركعتين،
ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العَنَزةِ.
أخرجه البخاري (١/٣٨٦ و ١٠/٢١٠) ، ومسلم (٢/٥٦) ، وأبو داود (١/٨٦) ،
والنسائي (١/١٢٥) وترجم له: (الصلاة في الثياب الحُمْر) ، والترمذي (١/٣٧٥)
وصححه، وأحمد (٤/٣٠٨) عن عون بن أبي جُحيفة عن أبيه به.
وفي الحديث دلالة على جواز لبس الثياب الحمراء، وهو مذهب الشافعية وغيرهم،
وهو الصواب إن شاء الله تعالى، ولا يصح شيء من الأحاديث في النهي عن لباس
الأحمر، وتأويل الحلة الحمراء بأنها ذات خطوط حمر - كما فعل ابن القيم في " الزاد "
(١/٤٨ و ١٧٢) وفي غيره - خلاف الظاهر - كما بينه الشوكاني -.
على أنه قد ثبت أن النبي ﷺ رأى على الحسن والحسين قميصين أحمرين؛ فلم
ينكر ذلك، وليس هذا موضع تفصيل ذلك، وإنما أردنا الإشارة إليه، فمن شاء التوسع
فيه؛ فليراجع " نيل الأوطار " (٢/٨٠ - ٨٣) ، وكذا " التعليقات الجياد ".(٢) تفسير (الحلة) بذلك هو الأشهر - كما قال الحافظ في " الفتح " (١٠/٢١٣) -.
وقيل:
هي: ثوبان؛ أحدهما فوق الآخر. والرداء: هو الثوب أو البُرْدُ الذي يضعه الإنسان
على عاتقيه، وبين كتفيه فوق ثيابه.стр. 144
" إذا صلى أحدكم؛ فليأتزر وليرتَدِ " (١) .
حتى " نهى أن يصلي الرجل في سراويل وليس عليه رداء " (٢) .
وإنما أراد به القادر على الرداء (٣) ؛ كما قال ﵊:
" إذا صلى أحدكم؛ فليلبس ثوبيه؛ فإن الله أحق من يُزَّيَّنُ له، فإن لم
يكن له ثوبان؛ فليتزر إذا صلى، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال (٤) الحواشي
(١) أخرجه الطحاوي (١/٢٢١) ، والبيهقي (٢/٢٣٥) من طريق عبيد الله بن معاذ
قال: ثنا أبي قال: ثنا شعبة عن توبة العنبري سمع نافعاً عن ابن عمر مرفوعاً به.
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين.(٢) أخرجه أبو داود (١/١٠٣) ، والطحاوي (١/٢٢٤) ، والحاكم (١/٢٥٠) ، وعنه
البيهقي (٢/٢٣٦) عن أبي المُنيب عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال:
نهى أن يصلي في لحاف لا يتوشح به، ونهى أن يصلي الرجل ... إلخ.
وهذا سند حسن. وأما قول الحاكم وكذا الذهبي: إنه " صحيح على شرط
الشيخين "! فمن أوهامهما؛ فإن أبا المُنِيْب - واسمه: عبيد الله بن عبد الله العَتَكي - ليس
من رجالهما، وهو صدوق يخطئ - كما في " التقريب " -.(٣) قال الطحاوي:
" وهذا عندنا على الوجود معه لغيره، فإن كان لا يجد غيره؛ فلا بأس بالصلاة فيه،
كما لا بأس في الثوب الصغير؛ مُتّزراً به ".
قلت: ويدل لذلك الأحاديث الآتية بعدُ.(٤) قال الخطابي في " المعالم " (١/١٧٨) :стр. 145
الحواشي
(١) أخرجه البيهقي (٢/٢٣٥ - ٢٣٦) عن أنس بن عياض عن موسى بن عقبة
عن نافع عن عبد الله - ولا يرى نافع إلا أنه عن رسول الله ﷺ قال: ... فذكره.
وهذا سند صحيح على شرط الستة؛ لولا التردد في رفعه.
لكن أخرجه الطحاوي(٢٢١) من طريق حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن
نافع عن ابن عمر قال:
قال رسول الله ﷺ : ... فذكره بدون تردد في رفعه.
وهذا صحيح أيضاً على شرط الشيخين.
وقد تابعه أيوب عن نافع به.
أخرجه أبو داود (١/١٠٣) : ثنا سليمان بن حرب: ثنا حماد بن زيد عنه.
وسنده صحيح أيضاً على شرطهما. وصححه النووي (٣/١٧٣) .
وأخرجه البيهقي(٢٣٦) من طريق يوسف بن يعقوب القاضي: ثنا سليمان بن
حرب به؛ إلا أنه تردد في رفعه.
ثم أخرجه كذلك من طريق أبي الربيع: ثنا حماد بن زيد به؛ إلا أنه قال:
وأكثر ظني أنه قال: قال رسول الله ﷺ . ثم قال:
" ورواه الليث بن سعد عن نافع؛ هكذا بالشك ".
ثم أخرجه من طريق سعيد - وهو: ابن أبي عَرُوبة - عن أيوب به مرفوعاً بدون
شك بلفظ:стр. 146
..............................................................................
الحواشي
(١) " إذا صلى أحدكم في ثوب؛ فليشدَّه على حَقْوِهِ، ولا تشتملوا اشتمال اليهود ".
وسنده صحيح.
وأخرجه الطحاوي - والسياق له -، وأحمد (٢/١٤٨) عن ابن جريج: قال: أخبرني
نافع:
أن ابن عمر ﵄ كساه وهو غلام، فدخل المسجد، فوجده يصلي
متوشحاً، فقال: أليس لك ثوبان؟ قال: بلى. قال: أرأيت لو استعنت بك وراء الدار؛
أكنت لابسهما؟ قال: نعم. قال: فالله أحق أن تَزَّيَّنَ له أم الناس؟ قال نافع: بل الله.
فأخبره عن رسول الله ﷺ أو عن عمر ﵁ قال نافع: قد استيقنت أنه عن
أحدهما، وما أُراه إلا عن رسول الله ﷺ قال:
" لا يشتمل أحدكم في الصلاة اشتمال اليهود - زاد أحمد: ليتوشح -، من كان له
ثوبان؛ فليتّزر، وَلْيَرْتَدِ، ومن لم يكن له ثوبان؛ فليتزر، ثم ليصلِّ ".
ثم أخرجه أحمد (١/١٦) عن ابن إسحاق: ثنا نافع به نحوه موقوفاً، وفيه قال
نافع:
ولو قلت لك: إنه أسند ذلك إلى رسول الله ﷺ ؛ لرجوت أن لا أكون كذبت.
وهذا سند جيد.
وبالجملة؛ فالحديث صحيح مرفوعاً وموقوفاً، ولا منافاة بينهما. والتردد الذي وقع
في بعض الروايات قد زال بقول بعضهم:
" وأكثر ظني أنه رفعه ". وبجزم البعض الآخر برفعه - كما سبق -. وقد جزم برفعه
عن نافع توبة العنبري - كما سبق قريباً -.стр. 147
وتارة " في جُبَّةٍ شاميةٍ ضيقةِ الكُمَّين " (١) ، حتى إنه " لما أراد الوضوء؛
ذهب يخرج يده من كُمِّها ليتوضأ؛ فضاقتْ عليه، فأخرج يده من
أسفلها " (٢) . وكان تحت الجبة قميص أو إزار. الحواشي
(١) قال ابن القيم في " الزاد " (١/٤٩) :
" وأما هذه الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج؛ فلم يلبسها هو، ولا أحد
من أصحابه ألبتة، وهي مخالفة لسنته، وفي جوازها نظر؛ فإنها من جنس الخُيَلاء ".
قال الشوكاني (٢/٩٠) :
" وقد صار أشهر الناس بمخالفة هذه السنة في زماننا هذا العلماء؛ فيُرى أحدهم وقد
جعل لقميصه كمين، يَصْلُحُ كل واحد منهما أن يكون جبة أو قميصاً لصغير من أولاده
أو يتيم، وليس في ذلك شيء من الفوائد الدنيوية إلا العبث، وتثقيل المؤنة على
النفس، ومنع الانتفاع باليد في كثير من المنافع، وتعريضه لسرعة التمزق، وتشويه
الهيئة، ولا الدينية إلا مخالفة السنة، والإسبال، والخيلاء ". اهـ.(٢) أخرجه البخاري (١/٣٧٧) ، ومسلم (١/١٥٨) ، ومالك (١/٥٧) ، وأبو داود
(١/٢٤) ، والنسائي (١/٣١ و ٥/٢٦ و ٣٢) ، والبيهقي (٢/٤١٢) ، وأحمد (٤/٢٤٧
و٢٥٠ و ٢٥١) من طرق عن المغيرة بن شعبة قال:
خرج رسول الله ﷺ ليقضي حاجته، فلما رجع؛ تلقيته بالإداوة، فصببت عليه،
فغسل يديه، ثم غسل وجهه، ثم ذهب ليغسل ذراعيه؛ فضاقت الجبة؛ فأخرجهما من
تحت الجبة، فغسلهما، ومسح رأسه، ومسح على خفيه، ثم صلى بنا.
واللفظ لمسلم. وفي رواية له:
وعليه جبة شامية ضيقة الكمين. زاد في أخرى:
من صوف. وهي عند أبي داود، وزادстр. 148
..............................................................................
الحواشي
(١) من جِبَاب الروم. وزاد مسلم في رواية (١/١٥٩) :
فأخرج يده من تحت الجبة، وألقى الجبة على منكبيه.
قال الشيخ علي القاري في " المرقاة " (١/٣٦١) :
" فيه دليل على أنه كان تحته إزار أو قميص، وإلا؛ لظهرت العورة ". قال البيهقي:
" والجبة الشامية في عصر النبي ﷺ من نسج المشركين، وقد توضأ وهي عليه،
وصلى ". ثم روى عن الحسن قال:
" لا بأس بالصلاة في رداء اليهود والنصارى ".
وفي الحديث فوائد كثيرة ذكرها الحافظ في " الفتح " (١/٢٤٦) منها:
" جواز الانتفاع بثياب الكفار حتى يتحقق نجاستها؛ لأنه ﷺ لبس الجبة الرومية،
ولم يستفصل ". انتهى.
فإن قيل: قد تقرر في الشرع النهي عن لبسة الكفار؛ كما قال عبد الله بن عمرو:
رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين، فقال:
" إن هذه من ثياب الكفار؛ فلا تلبسها ".
أخرجه مسلم (٦/١٤٤) وغيره؛ فكيف لبس ﷺ لباس الروم وهم من الكفار، وقد
نهى عن لباسهم؟!
والجواب: إن الألبسة نوعان:
نوع منها مشترك بين جميع الأمم والأديان، ليس شعاراً لبعضهم دون بعض. فهذا
مباح للمسلم لبسها مهما كان شكلها ومصدرها، لا ضير على المسلم في ذلك، وقد جاء
في " الدر المختار ":стр. 149
..............................................................................
الحواشي
(١) " إن التشبه بأهل الكتاب لا يكره في كل شيء. وذكروا على ذلك عن هشام قال:
رأيت على أبي يوسف نعلين مخصوفين بمسامير، فقلت: أترى بهذا بأساً؟ قال: لا.
قلت: سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك؛ لأن فيه تشبهاً بالرهبان. فقال:
كان رسول الله ﷺ يلبس النعال التي لها شعر، وإنها من لباس الرهبان ". اهـ.
ومن هذا النوع كانت جبة النبي ﷺ الرومية فيما يظهر لنا.
وأما النوع الآخر؛ فهو ما كان شعاراً لبعض الأمم الكافرة؛ يتميزون به عن غيرهم
من الأمم. فلا يجوز حينئذٍ لمسلم أن يقلدهم، وأن يتشبه بهم في ذلك؛ لما في ذلك من
تضعيف شوكة المسلمين؛ بتقليل عددهم في الظاهر، وتقوية أعدائهم عليهم بذلك، وقد
تقرر في علم النفس - كما كنت قرأت في بعض الكتب والمجلات العصرية -: أن للظاهر
تأثيراً في الباطن. وذلك مشهود في بعض المظاهر، وقد أشار إلى ذلك رسول الله ﷺ
بقوله حينما كان يسوي الصفوف:
" لا تختلفوا؛ فتختلفَ قلوبكم ".
رواه أبو داود (١/١٠٧) ، والنسائي (١/١٣٠) ، وابن خزيمة في " صحيحه ".
وسنده صحيح عن البراء به. وعن النعمان بن بشير مرفوعاً:
" عباد الله! لَتُسَوُّنَّ صفوفكم؛ أو ليخالفن الله بين وجوهكم ".
أخرجه الشيخان، وأصحاب " السنن " وغيرهم.
فجعل ﷺ اختلاف الظواهر سبباً لاختلاف البواطن والقلوب، وعلى هذا النوع من
اللباس يُنَزَّل حديث ابن عمرو المذكور سابقاً، ومثله قوله ﷺ :
" من تشبه بقوم؛ فهو منهم ".
أخرجه أبو داود (٢/١٧٢ - ١٧٣) ، وأحمد (٢/٥٠) من طريق عبد الرحمن بن ثابتстр. 150
وكان أحياناً " يصلي في بُرْدٍ له حضرميٍّ متَوَشِّحَه، ليس عليه غيره " (١) .
و" في ثوب واحد؛ مخالفاً بين طرفيه، يجعلهما على منكبيه (٢) " (٣) . الحواشي
(١) أحمد (١/٢٦٥) ، والطحاوي.(٢) قال الباجي:
" يريد أنه أخذ طرف ثوبه تحت يده اليمنى، ووضعه على كتفه اليسرى، وأخذ
الطرف الآخر تحت يده اليسرى، فوضعه على كتفه اليمنى. وهذا نوع من الاشتمال
يسمى: التوشيح. ويسمى: الاضطباع. وهو مباح في الصلاة وغيرها؛ لأنه يمكنه إخراج
يده للسجود وغيره دون كشف عورته ". كذا في " تنوير الحوالك ".(٣) قد جاء ذلك من طرق كثيرة عن جمع من الصحابة؛ حتى صار بذلكстр. 151
..............................................................................
الحواشي
(١١٦) ، والنسائي (١/٤٦) ،
والطحاوي (١/٢٢٢) ، وأحمد (٦/٣٤٣) ؛ كلهم عن مالك عن أبي النضر مولى عمر ابن
عبيد الله: أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ به. واللفظ لمسلم.стр. 152
..............................................................................
الحواشي
(٢٢٥) من طرق
أخرى عن أبي مرة به.
٣- عن جابر بن عبد الله قال:
رأيت رسول الله يصلي في ثوب واحد متوشحاً به.
أخرجه البخاري (١/٣٧٢) ، ومسلم (١/٦٢) ، والطحاوي (١/٢٢٣) ، والبيهقي
(٢/٢٣٧) ، والطيالسي(٢٣٨) ، وأحمد (٣/٢٩٤ و ٣١٢ و ٣٢٦ و ٣٤٣ و ٣٥١ و ٣٥٢
و٣٥٦ و ٣٥٧ و ٣٨٦ و٣٨٧ و ٣٩١) من طرق عنه به. واللفظ لمسلم. وقال الطيالسي،
والبيهقي، وأحمد:
مخالفاً بين طرفيه على عاتقه.
وفي رواية للطحاوي (١/٢٢٢) من طريق القعقاع بن حكيم قال:
دخلنا على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب واحد، وقميصه ورداؤه في
المشجب، فلما انصرف؛ قال:
أما والله! ما صنعت هذا إلا من أجلكم، إن النبي ﷺ سئل عن الصلاة في ثوب
واحد؟ فقال:
" نعم؛ ومتى يكون لأحدكم ثوبان؟! ".
وسنده صحيح.
٤- عن أبي سعيد الخدري مثله.
أخرجه مسلم، وابن ماجه، والبيهقي، وأحمد (٣/١٠ و ٥٩) من طريق أبي سفيان
عن جابر عنه.
وله في " المسند " (٣/٣٧٩) طريق آخر.стр. 153
..............................................................................
الحواشي
(١) ٥- عن عبد الرحمن بن كيسان عن أبيه قال:
رأيت النبي ﷺ يصلي الظهر والعصر في ثوب واحد مُتَلَيِّبَاً به.
أخرجه ابن ماجه، وأحمد (٣/٤١٧) .
وسنده محتمل للتحسين، وجزم بحسنه البوصيري في " الزوائد ".
وفي الباب عن جمع غير هؤلاء من الصحابة، وقد أخرج أحاديثهم الهيثمي في
" المجمع " (٢/٤٨ - ٥١) ، فمن شاء؛ فليراجعها هناك.
وفي الباب عن أنس، ويأتي حديثه قريباً، وهو المذكور بعد هذا.
واعلم أن الالتحاف والتوشح بمعنى واحد، وهو: المخالف بين طرفيه على عاتقيه.
وهو الاشتمال على منكبيه - كما ذكره البخاري عن الزهري -. وذكر نحوه النووي في
" شرح مسلم ".
وأما المُتَلَبِّبُ بالثوب: فهو أن يجمعه عند صدره، يقال: (تَلَبّبَ بثوبه) : إذا جمعه
عليه. قال النووي:
" وفي هذه الأحاديث جواز الصلاة في الثوب الواحد، ولا خلاف في ذلك؛ إلا ما
حكي عن ابن مسعود ﵁ فيه. ولا أعلم صحته ".
قلت: كأنه يشير إلى ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال:
لا تُصَلِّيَنَّ في ثوب واحد؛ وإن كان أوسع ما بين السماء والأرض.
سكت عليه في " الفتح ". ولعل قول ابن مسعود هذا محمول على ما إذا كان عنده
ثوب آخر؛ بدليل حديثه الآخر:
وهو ما أخرجه عبد الله بن أحمد في " زوائده " (٥/١٤١) من طريقين عن أبي مسعودстр. 154
..............................................................................
الحواشي
(١) الجريري عن أبي نضرة بن بقية قال: قال أُبي بن كعب:
الصلاة في الثوب الواحد سنة؛ كنا نفعله مع رسول الله ﷺ ، ولا يعاب علينا.
فقال ابن مسعود:
إنما كان ذاك؛ إذ كان في الثياب قلة، فأما إذ وسع الله؛ فالصلاة في الثوبين أزكى.
ورجاله ثقات رجال مسلم؛ لكن قال في " مجمع الزوائد " (٢/٤٩) :
" وأبو نضرة: لم يسمع من أُبيٍّ، ولا من ابن مسعود ".
قلت: قد وصله البيهقي (٢/٢٣٨) من طريق يزيد بن هارون: أبنا داود عن أبي
نضرة عن أبي سعيد قال:
اختلف أبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في ثوب واحد ... الحديث بنحوه.
وهذا سند صحيح. قال البيهقي:
" وهذا يدل على أن الذي أمر به ابن مسعود في الصلاة في ثوبين استحباب لا
إيجاب ". اهـ.
ويدل لما قاله ابن مسعود ﵁ من أن الاقتصار على الثوب الواحد إنما
كان وفي الثياب قلة - حديث جابر المتقدم عند الطحاوي، ومثله حديث أبي هريرة
الآتي: "أَوَلكلكم ثوبان؟ ". وما سنذكره من قول عمر في ذلك.
وكون الصلاة في الثوبين أزكى وأفضل - كما قال ابن مسعود -؛ مجمع عليه - كما
حكاه النووي في " شرح مسلم " -، ويدل لذلك الأمر بالارتداء والاتزار - كما في الحديث
السابق -.стр. 155
و " آخر صلاة صلاها في ثوب قِطْرِيٍّ (١) متوشحاً به " (٢) . وقال: الحواشي
(١) هو ضرب من البرود؛ فيه حمرة، ولها أعلام فيها بعض الخشونة. وقيل: هي
حُلل جِيَاد، وتحمل من قبل البحرين. وقال الأزهري: في أعراض البحرين قرية يقال
لها: قَطَر، وأحسب الثياب القِطْرِيَّةَ نسبت إليها، فكسروا القاف للنسبة، وخففوا. كذا
في " النهاية ". وقال العسقلاني:
" ثياب من غلِيظ القطن ونحوه ". نقله القاري في " شرح الشمائل ".(٢) هو من حديث أنس:
أن رسول الله ﷺ صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد بُرْدٍ مخالفاً بين طرفيه،
فكانت آخر صلاة صلاها.
أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عن حميد عن ثابت عنه.
وأخرجه الترمذي وغيره. وقد تقدم في صلاته ﷺ قاعداً [ص ٨٣ - ٨٤] .
ورواه الترمذي في " الشمائل " (١/١٣٦ - ١٣٨) ، وأحمد (٣/٢٦٢) من طريقين عن
حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد عن الحسن عن أنس بن مالك:
أن النبي ﷺ خرج وهو متكئ على أسامة بن زيد، عليه ثوب قِطْري قد توشح به،
فصلَّى بهم.
وهذا إسناد على شرط مسلم.
ثم أخرجه أحمد (٣/٢٥٧ و ٢٨١) قال: ثنا عفان: ثنا حماد بن سلمة قال: ثنا
حميد عن الحسن وعن أنس - فيما يحسب حماد -:
أن رسول الله خرج يتوكأ على أسامة بن زيد، وهو متوشح بثوب قطن قد خالف بين
طرفيه، فصلى بالناس.стр. 156
" إذا صلى أحدُكم في ثوبٍ واحدٍ؛ فَلْيُخَالِفْ بين طَرفيه [على عاتِقَيْهِ] " (١) .
وفي لفظ:
" لا يصلِّي أحدُكم في الثوبِ الواحد ليس على عاتِقَيْه منه شيءٌ " (٢) . الحواشي
(٢٨٥) ، لكنه شك؛ هل هو عن أنس أو الحسن؟(١) أخرجه البخاري (١/٣٧٥) ، وأبو داود (١/١٠٢) ، والبيهقي (٢/٢٣٨) ،
وأحمد (٢/٢٥٥ و ٤٢٧) من طرق عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن أبي هريرة
مرفوعاً به. واللفظ لأحمد، والزيادة عند الجميع ما عدا البخاري، وهي في " مستخرج "
الإسماعيلي، وأبي نعيم - كما في " فتح الباري " -.
وله طريق آخر: رواه الطحاوي (١/٢٢٣) عن عبد الله بن عياش عن ابن هرمز عنه مرفوعاً.
وأما اللفظ الآخر؛ فأخرجه البخاري (١/٣٧٤ - ٣٧٥) ، ومسلم (٢/٦١) ، وأبو
داود، والنسائي أيضاً (١/١٢٥) ، والدارمي (١/٣١٨) ، والطحاوي، والبيهقي من طريق
أبي الزناد عن الأعرج عنه مرفوعاً به. ولفظ الدارمي والبيهقي:
" لا يصلين "؛ بزيادة نون التأكيد.
وكذلك أخرجه الشافعي في " الأم " (١/٧٧) من طريق مالك عن أبي الزناد، ومن طريقه
أيضاً الدارقطني في " غرائب مالك " عن عبد الوهاب بن عطاء عنه - كما في " الفتح " -.(٢) قال الخطابي:
" يريد أنه لا يتزر به في وسطه ويشد طرفيه على حَقويْه؛ ولكن يتزر به، ويرفع
طرفيه؛ فيخالف بينهما، ويشده على عاتقه؛ فيكون بمنزلة الإزار والرداء ". قال الشيخстр. 157
..............................................................................
الحواشي
(١) علي القاري (١/٤٧٩) :
" والحكمة في ذلك أن لا يخلو العاتق من شيء؛ لأنه أقرب إلى الأدب، وأنسب
إلى الحياء من الرب، وأكمل في أخذ الزينة عند المطلب. والله أعلم ".
وظاهر النهي في هذه الرواية يفيد التحريم؛ كما أن ظاهر الرواية الأولى يفيد
الوجوب. وقد ذهب إلى ذلك جماعة من السلف، ومنهم الإمام أحمد ﵁،
والمشهور عنه: أنه لو صلى مكشوف العاتق مع القدرة على السترة؛ لم تصح صلاته.
فجعله شرطاً. وهو مذهب ابن حزم في " المحلى " (٤/٧٠) .
وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد: أنه تصح صلاته، ولكن يأثم بتركه.
وذهب الجمهور - مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وغيرهم - إلى أن النهي للتنزيه،
والأمر للاستحباب؛ فلو صلى في ثوب واحد ساتراً لعورته، ليس على عاتقه منه شيء؛
صحت صلاته مع الكراهة، سواء قدر على شيء يجعله على عاتقه أم لا. قال النووي
في " شرح مسلم ":
" وحجة الجمهور قوله ﷺ :
" فإن كان واسعاً؛ فالتحِفْ به، وإن كان ضيقاً؛ فاتَّزِرْ به " ".
قلت: لست أدري ما وجه الاحتجاج بهذا الحديث على عدم الوجوب؛ بينما هو
واضح الدلالة لمذهب أحمد وغيره، وهو التفريق بين الثوب الواسع - فيجب الالتحاف به -،
وبين الضيِّق - فلا يجب -، فكما أنه أمر بالائتزار به إن كان ضيقاً - وذلك واجب -؛
فكذلك أمر بالالتحاف به إذا كان واسعاً؛ فهو واجب.
فهذا المذهب - وهو وجوب المخالفة بين طرفي الثوب - هو الأقوى من حيث الدليل
والبرهان، وإليه مال البخاري - كما يدل تصرفه في " صحيحه " -؛ كما قال الحافظ، قال:стр. 158
وقيد ذلك بالثوب الواسع؛ فقال:
" إذا صلَّيتَ وعليك ثوبٌ واحد، فإن كان واسعاً؛ فالتحف به، وإن
كان ضيقاً؛ فاتزر به " (١) . الحواشي
(١) هو من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁، وقد جاء عنه من طرق:
الطريق الأول: عن فُلَيح بن سليمان عن سعيد بن الحارث قال:
دخلنا على جابر بن عبد الله وهو يصلي في ثوب واحد ملتحفاً به، ورداؤه قريب، لو
تناوله؛ بلغه، فلما سلّم؛ سألناه عن ذلك؟ فقال:
إنما أفعل هذا ليراني الحمقى أمثالكم؛ فَيُفْشوا على جابر رخصةً رخصها رسول
الله ﷺ . ثم قال جابر:
خرجت مع رسول الله في بعض أسفاره، فجئته ليلة وهو يصلي في ثوب واحد،
وعليَّ ثوب واحد، فاشتملت به، ثم قمت إلى جنبه. قال:
" جابرُ! ما هذا الاشتمال؟ إذا صليت ... " فذكر الحديث.
أخرجه البخاري (١/٣٧٥ - ٣٧٦) ، والبيهقي (٢/٢٣٨) ، وأحمد (٣/٣٢٨)
والسياق له.стр. 159
..............................................................................
الحواشي
(١) وفي رواية الآخَرَين التصريح بأنه ﵊ قال له ذلك بعد الانصراف
من الصلاة.
الطريق الثاني: عن حاتم بن إسماعيل عن يعقوب بن مجاهد أبي حَزْرَة عن عبادة
ابن الوليد بن عبادة بن الصامت قال:
أتينا جابر بن عبد الله في مسجده وهو يصلي ... فذكره بنحوه. ولفظ المرفوع:
" إذا كان واسعاً؛ فخالف بين طرفيه، وإذا كان ضيقاً؛ فاشدده على حَقوك ".
أخرجه مسلم في حديث جابر الطويل (٨/٢٣١ - ٢٣٤) ، وأبو داود (١/١٠٣) ،
والبيهقي (٢/٢٣٩) ، وكذا الحاكم (١/٢٥٤) وقال:
" صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه ". ووافقه الذهبي! فوهم في الاستدراك
على مسلم.
الطريق الثالث: عن شُرحبيل بن سعد أنه دخل على جابر وهو يصلي ... الحديث
نحوه. وشرحبيل: صدوق اختلط بآخره - كما في " التقريب " -، وبقية رجاله عند أحمد
رجال الشيخين. وله:
طريق رابع: بلفظ مختصر عن ابن جريج قال: قال أبو الزبير: قال جابر: قال
رسول الله ﷺ :
" من صلى في ثوب واحد؛ فلينعطف به ".
ورجاله على شرط مسلم؛ لكن ابن جريج وشيخه أبو الزبير مدلسان، ولم يصرحا بالسماع.
والحديث نص واضح في التفريق بين الثوب الواسع والضيق؛ فيجب الالتحاف
بالأول - لظاهر الأمر -، دون الثاني؛ فيجوز الائتزار به بدون كراهة. وهو مذهب أحمد
وغيره من السلف، وهو الحق إن شاء الله تعالى - كما سبق بيانه فيما تقدم قريباً -.стр. 160
و " قال له رجل: أيصلي أحدنا في ثوب واحد؟ فقال:
" أَوَ كلكم يجد ثوبين؟! " " (١) . الحواشي
(١) هو من حديث أبي هريرة ﵁، وقد جاء عنه من ثلاثة طرق:
الطريق الأول: أخرجه مالك (١/١٢٨) ، وعنه محمد في " موطئه "(١١٣) ،
والبخاري (١/٣٧٤) ، ومسلم (٢/٦١) ، وأبو داود (١/١٠٢) ، والنسائي (١/١٢٤) ،
والطحاوي (١/٢٢١) ، والبيهقي (٢/٢٣٧) ؛ كلهم عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد
ابن المسيب عنه.
ورواه ابن ماجه (١/٣٣٤) ، وأحمد (٢/٢٧٨) من حديث سفيان بن عيينة عن
الزهري به.
الطريق الثاني: أخرجه البخاري (١/٣٧٨) ، ومسلم، والدارمي (١/٣١٨) ،
والطحاوي، والدارقطني(١٠٥) ، والبيهقي (٢/٢٣٦) ، والطيالسي(٣٢٦) ، وأحمد
(٢/٢٣٠ و ٤٩٥ و ٤٩٨ و ٤٩٩) ، والطبراني في " الصغير " (ص ٢٨ و ٢٣١) من طرق
كثيرة عن محمد بن سيرين عنه به.
الطريق الثالث: أخرجه مسلم، والطحاوي، وأحمد (٢/٢٦٥ و ٢٨٥ و ٣٤٥) من
طرق عن الزهري عن أبي سلمة عنه به.
وتابعه محمد بن عمرو عن أبي سلمة.
أخرجه الطحاوي، وأحمد (٢/٥٠١) .
وله شاهد من حديث طلق بن علي قال:
خرجنا إلى نبي الله ﷺ وفداً حتى قدمنا عليه، فبايعناه، وصلينا معه. فجاء
رجل، فقال: يا نبي الله! ما ترى في الصلاة في الثوب الواحد؟ فأطلق نبي الله ﷺ
إزاره، وطارق به رداءه، واشتمل بهما، وقام يصلي بنا، فلما قضى الصلاة؛ قال:стр. 161
..............................................................................
الحواشي
(١) " أوكلكم يجد ثوبين؟! ".
أخرجه أبو داود، والطحاوي (١/٢٢٢) ، والبيهقي (٢/٢٤٠) ، وأحمد (٤/٢٢) من طريق
ملازم بن عمرو الحنفي: ثنا عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق عن أبيه به. واللفظ للبيهقي.
وهذا إسناد صحيح.
وتابعه محمد بن جابر بن يسار بن طارق الحنفي عن عبد الله مختصراً.
أخرجه أحمد (٤/٢٣) .
ثم أخرجه هو، والطحاوي من طريق أخرى عن أبان بن يزيد قال: ثنا يحيى بن أبي
كثير عن عيسى - وفي الطحاوي: عثمان! وهو تحريف - ابن خثيم عن قيس بن طلق:
أن أباه شهد رسول الله ﷺ ، وسأله رجل عن الصلاة في الثوب الواحد، فلم يقل
له شيئاً، فلما أقيمت الصلاة؛ طارق رسول الله ﷺ بين ثوبيه، فصلى فيهما.
وإسناده حسن. رجاله كلهم ثقات مشهورون، غير عيسى بن خثيم - وهو: الحنفي
اليمامي -: وثقه ابن حبان؛ وقد روى عنه جماعة غير يحيى بن أبي كثير.
وقد تابعه أيوب بن عتبة عن قيس.
أخرج الطيالسي ذلك، وزاد البخاري والدارقطني والبيهقي في حديث محمد بن سيرين:
ثم قام رجل إلى عمر، فسأله عن الصلاة في الثوب الواحد. وقال الدارقطني:
" فلما كان عمرُ؛ قام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين! أيصلي الرجل في الثوب
الواحد؟ فقال:
إذا وسع الله عليكم؛ فأوسعوا. جمع رجل عليه ثيابه، صلى رجل في إزار ورداء،
في إزار وقميص، في إزار وقَباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في سراويل
- قال: وأحسبه قال: - في تُبّان وقباء، في تبّان وقميص، في تبّان ورداء ". اهـ.стр. 162
..............................................................................
الحواشي
(١) قوله: (طارَقَ بينهما) ؛ أي: طابق بينهما، فجعلهما كأنهما ثوب واحد، فصلى
بهما. يريد ﷺ أن يبين للسائل جواز الصلاة في الثوب الواحد مع وجود الآخر، فكيف
إذا لم يوجد غيره؟!
وقوله: (التبان) - بضم المثناة، وتشديد الموحدة -: وهو على هيئة السراويل؛ إلا أنه
ليس له رجلان. قال ابن الملك:
" تضمّن هذا الحديث فائدتين:
إحداهما: ورود الفعل الماضي بمعنى الأمر؛ وهو قوله: " صلى ". والمعنى: لِيُصَلّ.
ومثله قولهم: " اتقى اللهَ عبدٌ ". والمعنى: لِيَتَّقِ.
ثانياً: حذف حرف العطف؛ فإن الأصل: صلى رجل في إزار ورداء، وإزار
وقميص. ومثله قوله ﷺ :
" تصدق امرؤ من ديناره، من درهمه، من صاع بره " ". اهـ. " الفتح ".
وقال النووي:
" ومعنى الحديث: أن الثوبين لا يقدر عليهما كل واحد، فلو وجبا؛ لعجز من لا
يقدر عليهما عن الصلاة، وفي ذلك حرج، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ .
وأما صلاة النبي ﷺ والصحابة ﵃ في ثوب واحد؛ ففي وقت كان
لعدم ثوب آخر، وفي وقت - كان مع وجوده - لبيان الجواز؛ كما قال جابر:
ليراني الجهال.
وإلا؛ فالثوبان أفضل؛ لما سبق ". انتهى. وقال أبو زرعة في " طرح التثريب " (٢/٢٣٩) :
" واستُدل به على أن الصلاة في ثوبين أفضل لمن قدر على ذلك؛ لأنه عليه الصلاةстр. 163
..............................................................................
الحواشي
(١) والسلام أشار إلى أن المعنى في ذلك ضِيْقُ الحال، وعجز بعض الناس عن ثوبين؛ فدلَّ
على أن الأكمل ثوبان؛ ولهذا قال عمر ﵁:
إذا وسع الله عليكم؛ فأوسعوا. ولا خلاف في ذلك - كما صرح به القاضي عياض وغيره - ".
(فائدة) : قال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على " الترمذي " (٢/ ١٦٨ - ١٦٩)
- بعد ذكر هذا الحديث، وحديث جابر المتقدم -:
" وقد فرَّع الفقهاء هنا فروعاً كثيرة، وتجد العلماء ينكرون على من يصلي في بعض
ثيابه ويدع بعضها، وخصوصاً من يصلي مكشوف الرأس؛ يزعمون الكراهة! ولا دليل
لهم على هذا. ومن البديهي أن من يصلي في ثوب واحد - يشتمل به أو يتزر -؛ لا
يكون على رأسه عمامة، ولم يرد أي حديث - فيما نعلم - يدل على كراهة الصلاة
مكشوف الرأس ".
قلت: ذكر الشعراني في " كشف الغمة " (١/٧٠) :
وكان ﷺ يأمر بستر الرأس في الصلاة بالعمامة أو القلنسوة، وينهى عن كشف
الرأس في الصلاة، ويقول:
" إذا أتيتم المساجد؛ فأتوها معصّبين ". والعصابة هي: العمامة ". اهـ.
وهذه أخبار غريبة لم نجد لها أصلاً في شيء من الكتب التي عندنا! وكتاب
الشعراني هذا مليء بمثل هذه الأخبار الغريبة، وبالأحاديث الضعيفة الواهية؛ فقد جمع
فيه ما صح وما لم يصح عنه ﷺ من الأقوال والأفعال في سيرته ﷺ !
لكن ما ذهب إليه الشيخ أحمد شاكر من نفي كراهة كشف الرأس في الصلاة،
واستدلاله بجواز الصلاة في الثوب الواحد؛ غير سديد؛ وذلك لأنا قد بَيَّنَّا - فيما سبق -
أن الصلاة في الثوبين أفضل لمن وجد ذلك، فمن لم يفعل وصلى في ثوب واحد؛ فقد
ارتكب الكراهة، فحديث أبي هريرة يفيد جوازاً مرجوحاً بالشرط المذكور، فكذلك منстр. 164
..............................................................................
الحواشي
(١) صلى مكشوف الرأس وعنده ما يستره؛ فهو مكروه، ومن لا؛ فلا.
هذا يقال فيما إذا كانت الأخبار الواردة في الصلاة في الثوب الواحد تشمل حتى
صلاة مكشوف الرأس كما يريد الشيخ المذكور أن يفهم ذلك منها. ونحن نخالفه في
ذلك، ونزعم أن تلك الأحاديث لا تتعرض لكشف الرأس مطلقاً؛ بل لستر ما دونه من
البدن؛ وذلك لأن المعهود من سيرته ﷺ أنه كان يتعمم، أو يَتَقَلْنَسُ، وكذلك كان
أصحابه، فلو أنه ﷺ حينما صلى في الثوب الواحد صلى مكشوف الرأس؛ لذكر ذلك
من روى صلاته تلك، لا سيما وهم جمع غفير - كما سبق -، فعدم روايتهم لذلك دليل
على أنه صلى صلاته المعتادة؛ إلا فيما ذكروه من اقتصاره ﷺ في الثوب الواحد لبدنه.
ومثل هذا الأمر لا يقال فيه: إن الأصل العدم، فمن ادعى الثبوت؛ فعليه الإثبات!
لأننا بيَّنا أن المعتاد منه ﷺ ستر الرأس؛ فالأصل هنا ثابت، فمن ادعى خلافه؛ فعليه
الدليل ولو كان نافياً، وليس مَن نفى لا يطالب بالدليل دائماً - كما هو مقرر في موضعه -،
فثبت بذلك أن هديه ﷺ الصلاةُ مستورَ الرأس (*) . وقد قال ﷺ :
" صلوا كما رأيتموني أصلي ".
فأقل ما يستفاد من مجموع الفعل والأمر الاستحباب، وعكسه الكراهة، ويؤيد
ذلك أنه ﷺ قد أمر بالصلاة في النعلين مخالفةً لليهود - كما سبق في محله -،
فالقياس، وعموم النصوص الناهية عن التشبه بالكفار - لا سيما في عبادتهم -، كل
ذلك يقتضي كراهة الصلاة حاسر الرأس؛ لأن ذلك من التشبّه بالنصارى حينما يقومون في
عبادتهم حاسرين - كما هو مشهور عنهم -، فهل المخالفة في الأرجل أقوى، أم في الرؤوس؟!
هذا ما ظهر لي في هذا المقام. والله تعالى هو الموفق.
_________
(*) وانظر " تمام المنة " (ص ١٦٤) ؛ ففيه مزيد بيان.стр. 165
وقال له آخر (١) :
" إني أصيد (٢) ؛ أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: الحواشي
(١) هو سلمة بن الأكوع.
أخرجه عنه أبو داود (١/١٠٢) ، والطحاوي (١/٢٢٢) ، والحاكم (١/٢٥٠) ،
والبيهقي (٢/٢٤٠) من طريق عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدِيّ: ثنا موسى بن إبراهيم عنه.
وقد تابعه عَطَّاف بن خالد المخزومي عن موسى.
أخرجه النسائي (١/١٢٤) ، وأحمد (٤/٤٩) ، وصرح موسى بسماعه من سلمة في
رواية عنده.
وكذا أخرجه البخاري في " تاريخه "، وكذلك صرح في رواية الحاكم.
وأخرجه ابن خزيمة، وابن حبان في " صَحيحَيهِما " - كما في " الفتح " و " التهذيب " -.
وأخرجه الشافعي في " الأم " (١/٧٨) من الطريقين فقال: أخبرنا العطاف بن خالد
وعبد العزيز بن محمد الدراوردي عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن
أبي ربيعة به.
وهذا سند حسن - كما قال في " المجموع " (٣/٤ و ١١٠) -؛ موسى هذا: قال ابن
المديني:
" وسط ". وذكره ابن حبان في " الثقات ". وقال الحاكم:
" صحيح ". ووافقه الذهبي.(٢) إنما ذكر الصيد لأن الصائد يحتاج أن يكون خفيفاً؛ ليس عليه ما يشغله عن
الإسراع في طلب الصيد. قاله ابن الأثير في شرحه لـ " المسند " [يعني: " مسند
الشافعي "]- كما في " النيل " (٢/٦١) -. =стр. 166
" نعم، وزُرَّهُ (١) ولو بشوكة " ". الحواشي
(١) بتقديم المعجمة على المهملة المشددة؛ من باب (نَصَرَ) والمراد: ربِّطْ جيبه؛ لئلا
تظهر عورتك، ثم صلِّ فيه. " سِنْدِي ".
قلت: وأما ما أخرجه الحاكم (١/٢٥٠) ، وعنه البيهقي (٢/٢٤٠) من طريق الوليد
ابن مسلم: ثنا زهير بن محمد التميمي: ثنا زيد بن أسلم قال:
رأيت ابن عمر يصلي محلول إزارِه، فسألته عن ذلك؟ فقال:
رأيت رسول الله ﷺ يفعله. قال الحاكم:
" صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا؛ لكن قال البيهقي:
" تفرد به زهير بن محمد، وبلغني عن أبي عيسى الترمذي أنه قال: سألت محمداً
- يعني: البخاري - عن حديث زهير هذا؟ فقال:
أنا أتقي هذا الشيخ؛ كأن حديثه موضوع، وليس هذا عندي زهير بن محمد، وكان
أحمد بن حنبل يضعف هذا الشيخ، ويقول: هذا شيخ ينبغي أن يكونوا قلبوا اسمه.
وأشار البخاري إلى بعض هذا في " التاريخ "، وروى ذلك عن ابن عمر من أوجه دون
السند ". اهـ.стр. 167
..............................................................................
الحواشي
(١) والحديث رواه ابن خزيمة في " صحيحه " عن الوليد بن مسلم عن زيد.
كذا ذكره في " الترغيب " (١/٤٢) ، وأورده في " المجمع " (١/١٧٥) ، فقال:
"رواه البزار، وأبو يعلى. وفي إسنادهما عمرو بن مالك، ذكره ابن حبان في
" الثقات "؛ قال:
يغرب ويخطئ ". اهـ.
قلت: وهو الراسبي، وهو ضعيف - كما في " التقريب " -، وهو من شيوخ الترمذي؛
فهو متأخر الطبقة عن الوليد بن مسلم، وقد روى عنه؛ فلعل هذا الحديث من روايته
عنه، فإن كان كذلك؛ فقد تابعه صفوان بن صالح في رواية الحاكم، وهو ثقة؛ كما في
" التقريب "، قال:
" وكان يدلس تدليس التسوية ".
قلت: وقد صرح بسماعه من الوليد، وكذلك صرح سائر الرواة بسماع بعضهم من
بعض - كما رأيت -؛ فلا علة للحديث؛ إلا إن صح ما قاله البخاري وأحمد في زهير بن
محمد.
والقصد: أن هذا الحديث محمول على أن القميص كان ضيق الجيب بحيث لا
ترى منه العورة، أو أنه لم يكن وحده؛ بل كان تحته ثوب آخر. والله أعلم.
واختلف العلماء في الذي يصلي في قميص واسع الجيب بحيث تُرى عورتُه
منه؛ فذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الصلاة باطلة لا تجزئه، وهو نصه في " الأم "
(١/٧٨) .
وعند أبي حنيفة ومالك: تصح صلاته؛ كما لو رآها غيره من أسفل ذيله - كما في
" المجموع " للنووي (٣/١٧٤ - ١٧٥) -.стр. 168
وكان يصلي في مِرْطٍ بعضُه على زوجه وهي حائض (١) .
وكان يصلي في الثوب الذي يصيب فيه أهله إذا لم يَرَ فيه أذىً (٢) .
وكان يصلي المغرب في فَرُّوج من حرير - وهو القَباء -، فلما قضى
صلاته؛ نزعه نزعاً شديداً كالكاره له، ثم ألقاه، ثم قال:
" لا ينبغي هذا للمتقين " (٣) .
وقد " صلى في خَمِيْصَةٍ (٤) لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما
انصرف؛ قال:
" اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جَهْمٍ، وائتوني بأنْبِجَانِيَّة (٥) أبي
جهم؛ فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي (وفي رواية: فإني نظرتُ إلى عَلَمِها
في الصلاة، فكاد يفتنني) " " (٦) . الحواشي
(١) [أخرجه] مسلم (٢/٦١) ، وأبو داود (١/٦١) ، وابن ماجه (١/٢٣٤) ،
والدارمي (١/١٨٨) ، والبيهقي (٢/٢٣٩) .(٢) [أخرجه] أبو داود (١/٦١) .(٣) [أخرجه] البخاري (١/٣٨٥ و ١٠/٢٢٢) ، [ومسلم] ، والنسائي (١/١٢٥) ،
وأحمد (٤/١٤٣ و ١٤٩ و ١٥٠) .(٤) ﴿ثوب خزّ أو صوف معلّم﴾ .(٥) كساء غليظ لا عَلَم له.(٦) ﴿ [أخرجه] البخاري، ومسلم، ومالك. وهو مخرج في " الإرواء "(٣٧٦) ﴾ .стр. 169
[المرأة تصلي بخمار]
وقال ﷺ :
" لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمِار " (١) . الحواشي
(١) أخرجه أبو داود (١/١٠٤) ، والترمذي (٢/٢١٥) ، وابن ماجه (١/٢٢٤) ،
والحاكم (١/٢٥١) ، والبيهقي (٢/٢٣٣) ، وابن حزم في " المحلى " (٣/٢١٩) ، وأحمد
(٦/١٥٠ و ٢١٨ و ٢٥٩) ؛ كلهم عن حماد بن سلمة، إلا ابن حزم؛ فعن حماد بن زيد؛ كلاهما
عن قتادة عن ابن سيرين عن صفية بنت الحارث عن عائشة مرفوعاً به. وقال الترمذي:
" حديث حسن ". والحاكم:
" صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.
ورواه أيضاً ابن خزيمة، وابن حبان في " صحيحيهما "، وإسحاق بن راهويه؛ كما في
" نصب الراية " (١/٢٩٥) ، وعزاه الطيالسي أيضاً في " مسنده "؛ ولم أره فيه. والله أعلم.
وأعل بعضهم الحديث بأنه روي من طرق عن ابن سيرين عن عائشة - كما رواه
أحمد (٦/٩٦ و ٢٣٨) ؛ فهو منقطع -، وعن الحسن: أن رسول الله ﷺ قال: ...
فذكره.
أخرجه الحاكم والبيهقي.
فهو مرسل. وليس هذا بعلة قادحة؛ فإن من وصل ثقة، وقد جاء بزيادة؛ فوجب
قبولها.
وللحديث شاهد من حديث أبي قتادة بلفظ:
" لا يقبل الله من امرأة صلاة حتى تواريَ زينتها، ولا من جارية بلغت المحيض حتى
تختمرَ ".стр. 170
..............................................................................
الحواشي
(١٩٠) وفي " الأوسط " أيضاً.
وفيه من لا يعرف.
قوله: " حائض "؛ قال الترمذي:
" يعني: المرأة البالغ، يعني: إذا حاضت "، قال:
" والعمل عليه عند أهل العلم: أن المرأة إذا أدركت، فصلَّت وشيء من شعرها
مكشوف؛ لا تجوز صلاتها. وهو قول الشافعي؛ قال:
لا تجوز صلاة المرأة وشيء من جسدها مكشوف. قال الشافعي:
وقد قيل: إن كان ظهر قدميها مكشوفاً؛ فصلاتها جائزة ".
قلت: وقال في " الأم " (١/٧٧) :
" وكل المرأة عورة؛ إلا كفيها ووجهها ". اهـ.
وقد يحتج لذلك بما روي عن أم سلمة:
أنها سألت النبي ﷺ : أتصلي المرأة في درع وخمار، وليس عليها إزار؟ قال:
" إذا كان الدرع سابغاً؛ يغطي ظهور قدميها ".
ولكنه حديث ضعيف مرفوعاً.
أخرجه أبو داود (١/١٠٤) ، والحاكم (١/٢٥٠) ، وعنه البيهقي (٢/٢٣٣) من طريق
عثمان بن عمر: ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن محمد بن زيد بن قُنفُذ عن أمه
عنها. وقال الحاكم:
" صحيح على شرط البخاري ". ووافقه الذهبي. قال أبو داود:
" روى هذا الحديث مالك بن أنس، وبكر بن مضر، وحفص بن غياث، وإسماعيلстр. 171
..............................................................................
الحواشي
(١) ابن جعفر، وابن أبي ذئب، وابن إسحاق عن محمد بن زيد عن أمه عن أم سلمة. لم
يذكر أحد منهم النبي ﷺ ؛ قصروا به على أم سلمة ﵂ ".
قلت: فقد تفرد برفعه عبد الرحمن بن عبد الله هذا، وهو صدوق يخطئ - كما في
" التقريب " -. وقال في " التلخيص " (٤/٨٩) :
" وأعله عبد الحق بأن مالكاً وغيره رووه موقوفاً. وهو الصواب ".
* * *стр. 172
النِّيَّةُ (*) (١)
وكان ﷺ يقول:
" إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى " (٢) . الحواشي
(١) قال النووي في " روضة الطالبين " (١/٢٢٤) :
" والنية: هي القصد. فيُحضِر المصلي في ذهنه ذات الصلاة، وما يجب التعرض له
من صفاتها؛ كالظُّهرية والفرضية وغيرها، ثم يقصد هذه العلوم قصداً مقارناً لأول
التكبير ".(٢) [رواه] البخاري، ومسلم وغيرهما. وهو مخرج في " الإرواء "(٢٢) .
* * *стр. 173
التكبير
ثم كان ﷺ يستفتح (١) الصلاة بقوله:..................... الحواشي
(١) فيه إشارة إلى أنه ﷺ لم يكن يتكلم بشيء قبل التكبير، مثل التلفظ بالنية،
كقولهم: نويت أن أصليَ لله تعالى كذا ركعات مستقبل القبلة ... إلى آخر ما هو
معروف بين أكثر الناس! وكل ذلك بدعة؛ لا أصل لها في السنة باتفاق العلماء(١) ، ولم
يُنقل ذلك عن أحد من الصحابة، ولا استحسنه أحد من التابعين، ولا الأئمة الأربعة
المجتهدون، وإنما عن بعض أصحاب الشافعي قوله في الحج:
" ولا يلزمه إذا أحرم ونوى بقلبه أن يذكره بلسانه، وليس كالصلاة التي لا تصح إلا
بالنطق ". قال الرافعي في " شرح الوجيز " (٢/٢٦٣) :
" قال الجمهور - يعني: من الشافعية -: لم يُرِد الشافعي ﵁ اعتبار التلفظ
بالنية، وإنما المراد التكبير؛ فإن الصلاة به تنعقد، وفي الحج يصير محرماً من غير لفظ ". اهـ.
ونحوه في " المجموع " (٣/٢٧٦ - ٢٧٧) .
وقد أشار إلى ذلك في " المهذب " بقوله:
" ومن أصحابنا من قال: ينوي بالقلب، ويتلفظ باللسان. وليس بشيء؛ لأن النية
هي القصد بالقلب ". اهـ. وقال العلامة الشيخ موفق الدين ابن قدامة المقدسي في
كتابه " ذم الموسوسين " (ص ٧) :
" اعلم رحمك الله أن النية هي القصد والعزم على فعل الشيء، ومحلها القلب، لا
_________(١) ﴿وإنما اختلفوا في أنها حسنة أو سيئة. ونحن نقول: إن كل بدعة في العبادة ضلالة؛
لعموم قوله ﷺ :
" وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار "﴾ .стр. 174
" الله أكبر" (١) ،............................................................... الحواشي
(١) فيه أحاديث:
الأول: حديث عائشة: وفيه طول؛ فنسوقه بتمامه؛ كي نحيل عليه حينما
يقتضي الأمر ذلك. قالت:стр. 175
..............................................................................
الحواشي
(٢١٧) ، وأحمد (٦/٣١
و١٩٤) من طريق بُدَيل بن ميسرة العُقَيلي عن أبي الجوزاء عنها.
ورواه الدارمي (١/٢٨١) ، وابن ماجه (١/٢٧١) ، وأحمد في رواية (٦/٢٨١) إلى
قولها: بـ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ . زاد الأول:
ويختمها بالتسليم.
والحديث مع كونه في " صحيح مسلم "؛ فقد أُعِلَّ بالانقطاع؛ قال في " التلخيص "
(٣/٢٦٦) :
" قال ابن عبد البر: هو مرسل؛ لم يسمع أبو الجوزاء منها ". اهـ.
قلت: ونص كلام ابن عبد البر في رسالة " الإنصاف فيما بين العلماء من
الاختلاف " (ص ٩) :
" رجال إسناد هذا الحديث ثقات كلهم؛ إلا أنهم يقولون - يعني: علماء الحديث -:
إن أبا الجوزاء لا يُعرف له سماع من عائشة، وحديثه عنها إرسال ". اهـ.
وقد أشار إلى ذلك البخاري في ترجمة أبي الجوزاء؛ فقال:стр. 176
..............................................................................
الحواشي
(١) " في إسناده نظر ". قال الحافظ في " التهذيب ":
" يريد أنه لم يسمع من مثل ابن مسعود وعائشة وغيرهما، لا أنه ضعيف عنده.
وقال جعفر الفريابي في " كتاب الصلاة ": ثنا مزاحم بن سعيد: ثنا ابن المبارك: ثنا
إبراهيم بن طهمان: ثنا بديل العقيلي عن أبي الجوزاء قال:
أرسلت رسولاً إلى عائشة يسألها ... فذكر الحديث ". اهـ.
قلت: فرجع الحديث إلى أنه عن مجهول، وهو الواسطة بين أبي الجوزاء - واسمه:
أوس بن عبد الله - وعائشة. والظاهر أن مسلماً ﵀ لم يقف على هذا الطريق المبين
لعلة الحديث؛ فرواه من الطريق الأولى بناء على مذهبه في إمكان اللقاء. والله أعلم.
ولموضع الشاهد من الحديث طريق آخر:
أخرجه البيهقي (٢/١٥) عن يوسف بن يعقوب: ثنا أبو الربيع: ثنا حماد: ثنا
بديل عن عبد الله بن شقيق عن عائشة:
أن رسول الله ﷺ كان يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ .
وأبو الربيع هذا: لم أعرف اسمه.
ويوسف بن يعقوب - هو: القاضي؛ كما نسبه البيهقي في رواية أخرى (٢/٣٢) ،
وهو -: صدوق - كما في " اللسان " -.
الحديث الثاني: عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سمعت أبا حميد الساعدي
يقول:
كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة؛ استقبل القبلة ورفع يديه، وقال:
" الله أكبر ".стр. 177
..............................................................................
الحواشي
(١) أخرجه ابن ماجه (١/٢٦٨) : ثنا علي بن محمد الطَّنافِسي: ثنا أبو أسامة: ثني
عبد الحميد بن جعفر: ثنا محمد بن عمرو بن عطاء به.
وهذا إسناد صحيح متصل.
وأخرجه ابن خزيمة، وابن حبان في " صحيحيهما " - كما في " التلخيص "،
و" الفتح " (٢/٢٦٦) -.
الحديث الثالث: عن واسع بن حَبّان: أنه سأل عبد الله بن عمر عن صلاة رسول
الله ﷺ فقال:
" الله أكبر " كلما وضع، " الله أكبر " كلما رفع ... الحديث. ويأتي بتمامه في
(السلام) .
أخرجه النسائي (١/١٩٤) ، وأحمد (٢/١٥٢) ، والبيهقي (٢/١٧٨) من طريق ابن
جريج: أنبأنا عمرو بن يحيى عن محمد بن يحيى بن حبان عنه.
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين. وسكت عليه الحافظ.
الحديث الرابع: عن علي ﵁:
أن النبي ﷺ كان إذا قام إلى الصلاة؛ قال:
" الله أكبر، وجهت وجهي للذي فطر السماوات ... " إلخ.
أخرجه البزار في " مسنده " قال: ثنا محمد بن عبد الملك القرشي: ثنا يوسف بن
أبي سلمة الماجِشُون: ثنا أبي عن الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي به.
وصحح البزار إسناده، وكذا ابن القطان؛ فقال:
" وهذا - يعني: تعيين لفظ: (الله أكبر) - عزيز الوجود، غريب في الحديث لا يكادстр. 178
..............................................................................
الحواشي
(١١١) ، والبيهقي (٢/٣٢) عن الطيالسي(٢٢) ، وأحمد (١/٩٤ و ١٠٢) من طرق عن عبد العزيز بن أبي سلمة: ثني عمي
الماجشون به بلفظ:
كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة؛ كبَّر، ثم قال:
" وجهت وجهي ... " إلخ. ويأتي قريباً بتمامه.
ورواه البيهقي من طريق محمد بن أبي بكر: ثنا يوسف الماجشون: ثني أبي به،
دون ذكر التكبير.
وأخرجه أبو داود (١/١١٩) ، والدارقطني(١٠٧) ، والبيهقي، والطحاوي (١/١٣١ -
١٣٢) ، وابن ماجه (١/٢٨٤) ، وأحمد (١/٩٣) من طريق أخرى عن الأعرج بلفظ:
كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة؛ كبّر، يرفع يديه حذو منكبيه ... الحديث. قال
في " التلخيص " (٣/٣٧١) :
" وصححه أحمد فيما حكاه الخلال ".
وله شاهد عن محمد بن المنكدر عن عبد الرحمن بن هُرْمُز عن محمد بن مسلمة:
أن رسول الله ﷺ كان إذا قام يصلي تطوعاً؛ قال:
" الله أكبر، وجهت وجهي ... ".
أخرجه النسائي (١/١٤٣) . وإسناده قوي.стр. 179
وأمر بذلك (المسيء صلاته) (١) - كما تقدم -[ص ٥٥] ، وقال له:
" إنه لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء
مواضعه، ثم يقول: الله أكبر " (٢) . وكان يقول: الحواشي
(١) وقد تقدم لفظه وتخريجه، وذكر طرقه في (استقبال الكعبة) [٥٥ - ٥٧] ، وهو
من حديث أبي هريرة بلفظ:
" إذا قمت إلى الصلاة؛ فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبِّر ... " الحديث.(٢) هو أيضاً من حديث (المسيء صلاته) ؛ من حديث رفاعة بن رافع.
أخرجه بهذا اللفظ الطبراني في " الكبير " قال: ثنا علي بن عبد العزيز: ثنا حجاج:
ثنا حماد: ثني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن علي بن يحيى بن خلاد عن أبيه
عن عمه رفاعة:
أن رجلاً دخل المسجد، فصلى، فَأَخَفَّ صلاتَه، ثم انصرف، فسلَّم على النبي ﷺ
فقال له:
" وعليك السلام، ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ ". حتى فعل ذلك ثلاث مرات،
فقال الرجل: والذي بعثك بالحق! ما أُحسِن غير هذا؛ فعلمني. فقال النبي ﷺ : ...
فذكره.
وهذا سند صحيح، ورجاله رجال " الصحيح " - كما قال الهيثمي (٢/١٠٤) -؛ إلا
شيخ الطبراني علي بن عبد العزيز، وهو البغوي، وهو ثقة؛ ولكنه عِيبَ عليه أخذُ الأجرة
على التحديث.стр. 180
" مِفتاح الصلاة الطُّهور (١) ، وتحريمها (٢) التكبير،......................... الحواشي
(١) بضم الطاء؛ على المختار: وهو التطهر. قال النووي في " المجموع ":
" وإنما سَمّى الوضوء مفتاحاً؛ لأن الحدث مانع من الصلاة كالغلق على الباب، يمنع
من دخوله إلا بمفتاح ".(٢) أي: وتحريم ما حرَّم الله فيها من الأفعال. وكذا (تحليلها) ؛ أي: تحليل ما أحل
خارجها من الأفعال، فالإضافة لأدنى ملابسة، وليست إضافة إلى القبول لفساد
المعنى.
والمراد بالتحريم والتحليل: المحرِّم والمحلِّل؛ على إطلاق المصدر بمعنى الفاعل مجازاً،
ثم اعتبار التكبير والتحليل (*) محرِّماً ومحلِّلاً مجاز، وإلا؛ فالمحرِّم والمحلِّل هو الله تعالى.
ويمكن أن يكون التحريم بمعنى الإحرام؛ أي: الدخول في حرمتها. ولا بد من تقدير
مضاف؛ أي: آلة الدخول في حرمتها التكبير. وكذا التحليل بمعنى الخروج عن حرمتها،
والمعنى: أن آلة الخروج عن حرمتها التسليم.
والحديث كما يدل على أن باب الصلاة مسدود ليس للعبد فتحه إلا بطهور،
كذلك يدل على أن الدخول في حرمتها لا يكون إلا بالتكبير، والخروج لا يكون إلا
بالتسليم. وهو مذهب الجمهور. كذا قال السندي ﵀. وقال الشوكاني (٢/١٤٥) :
_________
(*) كذا الأصل، والمراد: التسليم.следующие страницы →