Полный текст (1 078 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
..............................................................................
الحواشي
(١٣٧) .
وزهير بن معاوية: في " المسند " (٤/٣١٨) .
وخالد بن عبد الله: عند البيهقي (٢/١٣١) .
رواه هؤلاء الستة عن عاصم بلفظ:
أخذ. كما ذكرنا.
ويشهد له حديث قَبِيْصَةَ بن هُلْب عن أبيه قال:
كان رسول الله ﷺ يَؤُمُّنا، فيأخذ شماله بيمينه.
أخرجه الترمذي (٢/٣٢) ، وابن ماجه (١/٢٧٠) ، وأحمد (٥/٢٢٦) من طريق أبي
الأحوص عن سماك بن حرب عنه. وقال الترمذي:
" حديث حسن ".
قلت: ورجاله رجال مسلم، غير قَبِيصة هذا؛ فقال ابن المديني، والنسائي:
" مجهول ". زاد الأول:
" لم يرو عنه غير سماك ". وقال العجلي:
" تابعي ثقة ".стр. 212
..............................................................................
الحواشي
(١٠٧) ، والبيهقي (٢/٢٩) ، وهو رواية لأحمد.
وكذلك رواه أيضاً عن شريك. وفي رواية له عن سفيان:
على صدره فوق المِفْصَل. وسيأتي.
ويشهد له أيضاً ما أخرجه الدارقطني(١٠٦) عن مندل عن ابن أبي ليلى عن
القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود:
أن النبي ﷺ كان يأخذ شماله بيمينه في الصلاة.
وهذا إسناد فيه ضعف وجهالة.
وما أخرجه البزار، والطبراني في " الكبير " عن شَدّاد بن شُرَحْبيل قال:
ما نسيت؛ فلم أنسَ أني رأيت رسول الله ﷺ قائماً، يده اليمنى على يده اليسرى،
قابضاً عليها - يعني: في الصلاة -. قال الهيثمي:
" وفيه عباس بن يونس، ولم أجد من ترجمه ".
وما أخرجه الدارقطني أيضاً، وغيره عن طلحة عن عطاء عن ابن عباس مرفوعاً:
" إنَّا - معشرَ الأنبياء -أُمرنا ... " الحديث. وفيه:стр. 213
و " كان يضعهما على الصدر " (١) . الحواشي
(١) قوله: (على الصدر) هذا الذي ثبت عنه ﷺ ، ولم يثبت غيره؛ وفيه أحاديث(١) :
الأول: عن وائل بن حجر:
أنه رأى النبي ﷺ وضع يمينه على شماله، ثم وضعهما على صدره.
أخرجه ﴿أبو الشيخ في " تاريخ أصبهان " (ص ١٢٥) ﴾ ، والبيهقي عن مُؤمَّل بن
إسماعيل عن الثوري عن عاصم بن كليب عن أبيه عنه.
وهذا إسناد رجاله ثقات، إلا أن مؤمل بن إسماعيل متكلم فيه؛ لسوء حفظه، وفي
" التقريب ":
" صدوق سيئ الحفظ ".
ثم أخرجه البيهقي من طريق أخرى عن وائل.
_________(١) ﴿ [انظر] " أحكام الجنائز " (ص ١١٨) ﴾ .стр. 214
..............................................................................
الحواشي
(٣٥٣) ﴾ .
والحديث أورده الحافظ الزيلعي في " نصب الراية " (١/٣١٤) ، وقال:
" رواه ابن خزيمة في " صحيحه " ". اهـ.
فالله أعلم؛ هل أخرجه من طريق آخر أم رواه من أحد الطريقين المذكورين (*) ؟ وأيما
كان؛ فالحديث يتقوى بـ:
الحديث الثاني: وهو ما أخرجه أحمد قال (٥/٢٢٦) : ثنا يحيى بن سعيد عن
سفيان: ثني سماك عن قَبِيصة بن هُلْب عن أبيه قال:
رأيت النبي ﷺ ينصرف عن يمينه وعن يساره، ورأيته - قال - يضع هذه على
صدره. وصف يحيى: اليمنى على اليسرى فوق المِفصل.
وهذا إسناد حسنه الترمذي - كما تقدم -، ورجاله رجال مسلم، غير قَبِيصة هذا؛
فقال ابن المديني، والنسائي:
" مجهول ". زاد الأول:
" لم يرو عنه غير سماك ". وقال العجلي:
" تابعي ثقة ".
وذكره ابن حبان في " الثقات " مع تصحيح حديثه - كما قال الذهبي-، وفي " التقريب ":
" مقبول ". اهـ. ويشهد له:
الحديث الثالث: قال أبو داود (١/١٢١) : ثنا أبو توبة: ثنا الهيثم - يعني: ابن
حميد - عن ثور عن سليمان بن موسى عن طاوس قال:
_________
(*) ثم رآه الشيخ ﵀ فيه، وعزاه إليه (١/٥٤/٢) = [١/٢٤٣/٤٧٩] في " صفة الصلاة "
المطبوع (ص ٨٨ - المعارف) ، وهو من طريق مؤمل بن إسماعيل عن سفيان به.стр. 215
..............................................................................
الحواشي
(١) كان رسول الله ﷺ يضع اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بينهما على صدره؛
وهو في الصلاة.
وهذا إسناد مرسل جيد، رجاله كلهم موثقون، وينبغي أن يكون حجة عند الجميع؛
لأنه - وإن كان مرسلاً؛ فإنه - قد جاء موصولاً من أوجه أخرى - كما رأيت -.
ويشهد له ما رواه حماد بن سلمة: ثنا عاصم الجحدري عن أبيه عن عُقْبة بن
صُهْبان قال:
إن علياً ﵁ قال في هذه الآية: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ، قال:
وضع يده اليمنى على وسط يده اليسرى، ثم وضعهما على صدره.
أخرجه البيهقي (٢/٣٠) .
ورجاله موثقون؛ غير والد عاصم الجحدري - واسمه: العَجَّاج البصري -؛ فإني لم
أجد من ذكره، وقد قال الحافظ ابن كثير في " تفسيره ":
" لا يصح عن علي ".
ثم أخرج البيهقي نحوه عن ابن عباس.
وسنده محتمل للتحسين.
ويشهد لرواية علي: ما أخرجه أبو داود (١/١٢٠) من طريق أبي طالوت
عبد السلام عن ابن جَرِير الضَّبيِّ عن أبيه قال:
رأيت علياً ﵁ يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة.
وهذا إسناد قال البيهقي (٢/٣٠) :
" حسن ".стр. 216
..............................................................................
الحواشي
(١) ..................................... [تتمة البحث (ص ٢٢٢) ]
_________
(*) انظر تضعيف الشيخ ﵀ لهذا الأثر في " ضعيف سنن أبي داود " (رقم ١٣٠) .(١) ﴿لم يَرُقْ هذا الكلام لأحد المنتحلين لمذهب الحنفية، والمتعصبين له ولو على خلاف السُّنة؛
فإنه نقل في تعليقه على " العواصم والقواصم " لابن الوزير اليماني الشطر الأول منه، ثم عقب عليه
بقوله (٣/٨) :
" فيه ما فيه (كذا) ، قال الإمام ابن القيم في " بدائع الفوائد " (٣/٩١) : واختلف في موضع
الوضع ... . ثم ذكر ابن القيم عن الإمام أحمد أنه يضع فوق السرة أو عليها أو تحتها، كل ذلك واسع
عنده ". =стр. 217
..............................................................................
الحواشي
(١) ...........................................
_________
= هذا ما شغب به ذلك المتعصب على السنة الصحيحة؛ فجعل تخيير الإمام أحمد ﵀ في
موضع الوضع دليلاً على أن وضعهما على الصدر لم يثبت في السنة!! ولو كان محباً للسنة غيوراً عليها
- كما يغار على مذهبه أن ينسب إليه ما لم يصح -، ومنصفاً في تعقبه؛ لرد ما أنكره من قولي بنقده
للأحاديث التي اعتمدت عليها في إثبات هذه السنة، وقد أشرت إلى مخرجيها هناك، ولكنه يعلم أنه
لو فعل؛ لانفضح أمره، وانكشف تعصبه على السنة!
كيف لا، وهو قد قوى أحدها؛ لكن في مكان بعيد عن المكان الأول الذي غمز فيه من ثبوتها
كما سبق؛ تعمية وتضليلاً للقراء؟! فقد ذكر (٣/١٠) - من رواية الترمذي، وأحمد - حديثَ قبيصة
ابن هُلب عن أبيه قال:
كان رسول الله ﷺ يأخذ شماله بيمينه. وقال عقبه:
" وقال الترمذي: حديث حسن. وهو كما قال. وزاد أحمد في رواية:
يضع هذه على صدره ". [وقد سبق هنا (ص ٢١٦) ] .
وهناك أحاديث أخرى؛ منها حديثان ذكرهما هو:
أحدهما: من مرسل طاوس قال:
كان رسول الله ﷺ يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بهما على صدره وهو في
الصلاة.
وأعله بسليمان بن موسى الدمشقي؛ فقال (٣/٩) :
" فيه لين، وخلط قبل موته بقليل، ثم هو مرسل ".
وأقول: المرسل عند الحنفية حجة، وكذلك عند غيرهم إذا جاء موصولاً، أو من طرق أخرى،
كما هو الشأن هنا.
وقوله: " فيه لين ... " هو عبارة الحافظ في " التقريب "؛ لكنه حذف منها ما يدل على فضل
سليمان هذا، وأنه خير مما ذكر! ونصها فيه:
" صدوق فقيه، في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل ".
قلت: فمثله حسن الحديث في أسوأ الاحتمالات، وصحيح في الشواهد والمتابعات، وقد قال
فيه ابن عدي - بعد أن ذكر أقوال الأئمة فيه، وساق له أحاديث من مفاريده -: =стр. 218
..............................................................................
الحواشي
(١) ...........................................
_________
= " وهو فقيه راوٍ، حدّث عنه الثقات، وهو أحد علماء الشام، وقد روى أحاديث ينفرد بها لا يرويها
غيره، وهو عندي ثبت صدوق ".
والحديث الآخر: خرّجه المذكور (٣/٨) من رواية الطبري (٣٠/٣٢٥) ، والحاكم (٢/٥٣٧) ،
والبيهقي (٢/٢٩ و ٣٠ - ٣١) من طريق حماد بن سلمة عن عاصم الجَحْدَري عن عُقبة بن ظِبيان عن
علي ﵁: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ . قال:
هو وضع يمينك على شمالك في الصلاة. وقال عقبه:
" وعاصم الجَحْدَري - هو ابن العَجَّاج أبو المُجَشِّر المقرئ - لم يوثقه غير ابن حبان، وكذا عقبة بن
ظبيان. وقال ابن التركماني (٢/٣٠) : في سنده ومتنه اضطراب ".
وأقول: هذا الحديث - وإن تكلم المومى إليه في إسناده، ويأتي بيان ما فيه؛ فإنه - يصلح
شاهداً لأحاديث الصدر لو أن الرجل ساق الحديث بالرواية الأتم، ولا يبعد أن الحامل له على
ذلك هو الانتصار لزعمه المتقدم: " فيه ما فيه "! ويظهر ذلك لكل قارئ إذا لاحظ معي ما يأتي
من أمور:
الأول: أن الرواية التي ساقها هي للحاكم، آثرها بالذكر لاختصارها، وأعرض عن لفظ رواية
الطبري والبيهقي؛ لأنها أتم، وفيها الشاهد بلفظ:
" على صدره "!
أخرجاها من أربعة طرق عن حماد بن سلمة به.
أحدها عند البخاري أيضاً في " التاريخ الكبير " (٣/٢/٤٣٧) ؛ وهي: عن موسى بن إسماعيل
عن حماد.
ومن طريق موسى فقط أخرجه الحاكم دون الزيادة!
فهي غريبة.
فهل يجوز إيثارها بالذكر دون رواية الجماعة من جهة، وفيها زيادة على الرواية الغريبة من جهة
أخرى لولا الهوى والعصبية المذهبية!
الثاني: أنه زعم أن عاصماً الجحدري لم يوثقه غير ابن حبان!
قلت: وهذا القول منه باطل، وما أظنه خفي عليه قول ابن أبي حاتم في ترجمة عاصم هذا
(٣/٣٤٩) : =стр. 219
..............................................................................
الحواشي
(١) ...........................................
_________
= " روى عنه حماد بن سلمة، ويزيد بن زياد بن أبي الجعد. ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن
يحيى بن معين أنه قال: عاصم الجحدري ثقة ".
قلت: وقد روى عنه آخران؛ أحدهما ثقة؛ كما حققته في كتابي " تيسير انتفاع الخلان بـ (ثقات
ابن حبان) ". يسر الله لي إتمامه.
الثالث: أقر المشارُ إليه ابنَ التركماني على قوله: " في متنه اضطراب ".
قلت: وهو مردود؛ لأن شرط الحديث المضطرب أن تكون وجوه الاضطراب فيه متساوية القوة
بحيث لا يمكن ترجيح وجه منها على وجه، وليس الأمر كذلك هنا؛ لاتفاق الجماعة على رواية
الزيادة - كما تقدم -؛ فرواية الحاكم التي ليس فيها الزيادة مرجوحة - كما هو ظاهر -.
وأما الاضطراب في السند؛ فهو مُسَلَّم، فلا حاجة لإطالة الكلام ببيانه، ولكن ذلك مما لا يمنع
من الاستشهاد به - كما فعلنا -؛ لأنه ليس شديد الضعف - كما هو ظاهر -. والله
أعلم.
وثمة حديث رابع: من حديث وائل بن حُجر، [وقد سبق (ص ٢١٠) ] . أعله المومى إليه
بالشذوذ (٣/٧) ، ولكنه تعامى عن كونه بمعنى الحديث الذي قبله عن وائل أيضاً مرفوعاً بلفظ:
ثم وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى والرسغ والساعد. [وقد سبق (ص ٢٠٩) ] .
وقد اعترف بصحة إسناده (٣/٧) ، فلو أنه حاول يوماً ما أن يحقق هذا النص الصحيح في نفسه
عملياً - وذلك بوضع اليمنى على الكف اليسرى والرسغ والساعد، دون أي تكلف -؛ لوجد نفسه قد
وضعهما على الصدر! ولعرف أنه يخالفه هو ومن على شاكلته من الحنفية حين يضعون أيديهم تحت
السرة، وقريباً من العورة! [انظر (ص ٢١٨) ] .
وبمعنى حديث وائل هذا حديثُ سهل بن سعد قال:
كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.
رواه البخاري وغيره. [وقد سبق (ص ٢١٠) ] .
ولكن الرجل المشار إليه لا يهمه التفقه في الحديث؛ لأنه يخشى منه على مذهبه؛ لذلك يراه
الناسُ لا يهتم باتباع السنة في الصلاة، فضلاً عن غيرها، وإنما همُّه التخريج فقط. هدانا الله تعالى
وإياه﴾ . [انتهى من " صفة الصلاة " المطبوع (ص ١٢ - ١٧/ المعارف) بتصرف يسير] .стр. 220
..............................................................................
الحواشي
(١٠٧) ، وعنه البيهقي (٢/٣١) ، وأحمد
(١/١١٠) وفي " مسائل ابنه عبد الله " من طرق عنه.
ثم أخرجه الدارقطني، وعنه البيهقي من طريق حفص بن غِيَاث عن عبد الرحمن
ابن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي.
ثم أخرجه أبو داود، والدارقطني من طريق عبد الواحد بن زياد عن عبد الرحمن بن
إسحاق عن سَيَّار أبي الحكم عن أبي وائل قال: قال أبو هريرة: ... فذكره.
وهذا اضطراب شديد؛ مرة يقول: ثني زياد بن زيد السُّوائي عن أبي جُحَيفة عن
علي. ومرة: عن النعمان بن سعد عن علي. وأخرى: عن سَيَّار أبي الحكم عن أبي
وائل عن أبي هريرة.
وهذا اضطراب موهن للحديث؛ لو كان من اضطرب فيه ثقةً؛ فكيف به وهو
ضعيف اتفاقاً! وهو عبد الرحمن بن إسحاق هذا؛ قال أبو داود:
" سمعت أحمد بن حنبل يُضَعِّف عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي ". وقال البيهقي:
" في إسناده ضعف ". ثم قال:
" عبد الرحمن هذا: جرحه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاريстр. 221
..............................................................................
الحواشي
(١) وغيرهم ". ثم قال:
" وهو متروك ". وكذا قال الحافظ في " التلخيص " (٣/٥٢٦) . وقال الذهبي:
" ضعفوه ". وفي موضع آخر:
" ضعيف ". وقال النووي في " المجموع " (٣/٣١٣) ، وفي " شرح مسلم " وفي " الخلاصة ":
" اتفقوا على تضعيف هذا الحديث؛ لأنه من رواية عبد الرحمن بن إسحاق
الواسطي، وهو ضعيف باتفاق أئمة الجرح والتعديل ". وقال الزيلعي (١/٣١٤) :
" قال البيهقي في " المعرفة ": لا يثبت إسناده؛ تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق
الواسطي، وهو متروك ". وقال الحافظ في " الفتح " (٢/١٧٨) :
" هو حديث ضعيف ". وقد أعرض عنه؛ فلم يورده في كتابه " بلوغ المرام "، وإنما أورد
في الباب حديث وائل في الوضع على الصدر.
وأما مذاهب العلماء في محل الوضع؛ فذهبت الشافعية - قال النووي: " وبه قال
الجمهور " - إلى أن الوضع يكون تحت صدره؛ فوق سرته. قال النووي:
" واحتج أصحابنا بحديث وائل ". قال الشوكاني (٢/١٥٨) :
" والحديث لا يدل على ما ذهبوا إليه؛ لأنهم قالوا: إن الوضع يكون تحت الصدر.
والحديث مصرِّح بأن الوضع على الصدر، وكذلك حديث طاوس المتقدم، ولا شيء في
الباب أصح من حديث وائل المذكور، وهو المناسب لما أسلفنا من تفسير علي وابن عباس
لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ بأن (النحر) : وضع اليمنى على الشمال في محل
النحر والصدر ". اهـ.
وذهب أبو حنيفة، وسفيان الثوري وغيرهما إلى أن الوضع تحت السرة، واحتجوا
بحديث علي المتقدم، وقد علمتَ أنه حديث ضعيف اتفاقاً؛ فلا يجوز الاحتجاج به،стр. 222
..............................................................................
الحواشي
(١) لا سيما وقد ثبت عن راويه - أعني: علياً - من فعله خلافُه - كما سبق -؛ وهو الوضع
فوق السرة لا تحتها!
وقواعد الحنفية تقضي بترك الحديث الذي عمل راويه بخلافه - كما هو مقرر عندهم
في أصول الفقه -؛ فينبغي عليهم أن يتركوا حديث علي - لا سيما وهو ضعيف -، وأن
يأخذوا بفعله، وهو أصح من مَرْوِيِّهِ، ومؤيد بأحاديث أخرى في الباب - كما رأيت -.
وقد أنصف المحقق السندي ﵀؛ حيث قال في " حاشية ابن ماجه " - بعد أن
ساق بعض الأحاديث التي أسلفنا ومنها حديث طاوس المرسل -:
" وهذا الحديث - وإن كان مرسلاً؛ لكن المرسل - حجة عند الكل.
وبالجملة؛ فكما صح أن الوضع هو السنة دون الإرسال؛ ثبت أن محله الصدر؛ لا
غير. وأما حديث:
إن من السنة وضع الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة.
فقد اتفقوا على ضعفه. كذا ذكره ابن الهمام نقلاً عن النووي، وسكت عليه ". اهـ.
وأما ما جاء في كتاب " بدائع الفوائد " لابن القيم (٣/٩١) :
" قال - يعني: الإمام أحمد - في رواية المزني: ويكره أن يجعلهما على الصدر.
وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه:
نهى عن التكفير. وهو وضع اليد على الصدر ". اهـ.
فإنه استدلال عجيب! فإن الحديث - إن صح - ليس فيه النهي عن التكفير في
الصلاة، وليس كل ما كان منهياً عنه خارج الصلاة يكون منهياً عنه فيها؛ بل قد يكون
العكس؛ فقد أمرنا - مثلاً - بالقيام فيها لله تعالى، ونهينا عنه خارجها لغيره سبحانه
وتعالى، فلا يبعد أن يكون الحديث كناية عن النهي عن الخضوع لغير الله تعالى، كماстр. 223
..............................................................................
الحواشي
(١) يُخضَع له تعالى بوضع اليدين على الصدر في الصلاة، فيكون ﵊ نهى
عن هذا الوضع لغير الله تعالى؛ لما فيه من الخضوع وتعظيم غير الله تعالى.
وبهذا يتحقق أن هذا الحديث لا تعلق له بالصلاة مطلقاً؛ على أن تفسير (التكفير) بما
ذكره الإمام أحمد مما لم نجده فيما عندنا من كتب اللغة؛ بل قال الإمام ابن الأثير في " النهاية ":
" التكفير: هو أن ينحنيَ الإنسان ويطأطئ رأسه قريباً من الركوع، كما يفعل من
يريد تعظيم صاحبه ". وفي القاموس:
" التكفير: أن يخضع الإنسان لغيره - وقال قبل أسطر: - والكَفْرُ - بالفتح -: تعظيم
الفارسيِّ مَلِكَه ". زاد الشارح:
" وهو إيماء بالرأس من غير سجود ".
وهذه النصوص من هؤلاء الأئمة تؤيد ما ذهبنا إليه من أن الحديث لا علاقة له
بالصلاة، وأن المراد به النهي عن الخضوع لغير الله تعالى.
هذا يقال فيما إن صح الحديث، وما أراه يصح؛ فإنا لم نجد له أصلاً في شيء من
الكتب التي بين أيدينا. ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ .
هذا، وإني أستغرب من ابن القيم كيف مرَّ على كلام الإمام أحمد بدون أن يعرج
عليه بأدنى تعليق! وهو من هو في اطلاعه على علم اللغة، والشرع الشريف؛ لا سيما
وأن كلام الإمام مخالف لما اعتمده ابن القيم نفسه في كتاب " الصلاة "؛ حيث ذكر في
سياق صلاته ﷺ : أنه كان يضع يديه على صدره! فالله تعالى أعلم بأسرار القلوب وخفاياها.
ثم وجدت في " مسائل الإمام أحمد " (ص ٦٢) رواية ابنه عبد الله عنه قال:
" رأيت أبي إذا صلى؛ وضع يديه إحداهما على الأخرى فوق السرة ".
﴿وقد عمل بهذه السنة الإمام إسحاقُ بن راهويه؛ فقال المروزي في " المسائل " (ص ٢٢٢) :стр. 224
[النهي عن الاختصار]
و" كان ﷺ ينهى عن الاختصار في الصلاة " (١) ، ﴿وهو الصَّلْبُ الذي
كان ينهى عنه﴾ . الحواشي
(١) هو من حديث أبي هريرة - ﴿وهو مخرج في " الإرواء "(٣٧٤) ﴾ - قال:
نهى رسول الله ﷺ عن الاختصار في الصلاة.
أخرجه البخاري (٣/٦٨) ، ومسلم (٢/٧٢) ، وأبو داود (١/١٥٠) ، والنسائي
(١/١٤٢) ، وعنه ابن حزم في " المحلى " (٢/١٨) ، والترمذي (٢/٢٢٢) ، والدارمي
(١/٣٣٢) ، والطبراني في " الصغير "(١٧٣) ، والحاكم في " المستدرك " (١/٢٦٤) ،
والبيهقي (٢/٢٨٧) ، وأحمد (٢/٢٣٢ و ٢٩٠ و ٢٩٥ و ٣٣١ و ٣٩٩) من طرق عن محمد
ابن سيرين عنه به. واللفظ لأبي داود، والحاكم، وأحمد في رواية.
ولفظ الآخرين إلا الطبراني:
نهى أن يصلي الرجل مختصراً.
وقال الطبراني: أحدنا.. بدل: الرجل. وهو رواية لأحمد أيضاً. وزاد أحمد،
والبيهقي في رواية:
قلنا لهشام: ما الاختصار؟ قال: يضع يده على خاصرته.стр. 225
..............................................................................
الحواشي
(١) وبهذا فسره أبو داود في " سننه "، وكذا الترمذي. قال الحافظ:
" وهو المشهور من تفسيره ". اهـ.
ثم إن الحديث أخرجه البيهقي من طريق ابن خزيمة: أنبأ علي بن عبد الرحمن بن
المغيرة المِصري: ثنا أبو صالح الحَرَّاني: ثنا عيسى بن يونس عن هشام عن ابن سيرين به
مرفوعاً بلفظ:
" الاختصار راحة أهل النار".
وهذا إسناد ظاهره الصحة - كما قال الحافظ العراقي؛ فيما نقله الشوكاني (٢/٢٨٣) -.
قلت: ورجاله كلهم ثقات رجال البخاري، غير علي بن عبد الرحمن - وهو: ابن
محمد بن المغيرة؛ لقبه: عَلان. بالفتح ثم التشديد -، وهو ثقة - كما في " التقريب " -.
وأبو صالح الحَرَّاني: اسمه عبد الغفار بن داود بن مِهْران؛ لكن قال الذهبي في
" اختصار سنن البيهقي ":
" قلت: هذا منكر؛ قد رواه جماعة حفاظ عن هشام - كما تقدم - ". يعني: بلفظ
النهي دون هذه الزيادة.
وعزاه بهذا اللفظ المنذري في " الترغيب " (١/١٩٣) لابن خزيمة، وابن حبان في
" صحيحيهما ".
وعزاه الهيثمي في " المجمع " (٢/٨٥) للطبراني في " الأوسط "، وقال:
" وفيه عبد الله بن الأزور؛ ضعفه الأزدي، وذكر له هذا الحديث، وضعفه به ".
قلت: رواه ابن الأزور عن هشام بن حسان به؛ كما في " الميزان "، وقال:
إنه " خبر منكر ".стр. 226
..............................................................................
الحواشي
(١) هذا، وللحديث شاهد من رواية ابن عمر.
أخرجه أبو داود (١/١٤٣) ، والنسائي (١/١٤١) ، والبيهقي (٢/٢٨٨) ، وأحمد
(٢/١٠٦) من طريق سعيد بن زياد عن زياد بن صُبيح الحنفي قال:
صليت إلى جنب ابن عمر، فوضعت يديَّ على خاصرتي؛ فضرب يديَّ، فلما
صلى؛ قال:
هذا الصلب في الصلاة، وكان رسول الله ﷺ ينهى عنه.
وهذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات. وصححه العراقي (١/١٣٩) ، وسكت عنه
الحافظ، ثم قال:
" وهو يؤيد المشهور من تفسير الاختصار ".
وقد اختُلف في حكمة النهي عنه على أقوال كثيرة، ولو صحت الزيادة المتقدمة
برواية البيهقي، والطبراني؛ لأغنت عن كل هذه الأقوال، ولكنها زيادة منكرة - كما سبق -.
وقد أخرجها ابن أبي شيبة عن مجاهد من قوله.
ولعله الصواب.. فوهم من رواه مرفوعاً. قال الحافظ:
" وأعلى ماورد في ذلك قول عائشة: فيما أخرجه البخاري (٣/٣٨٧) عنها:
كانت تكره أن يجعل المصلي يده في خاصرته، وتقول:
إن اليهود تفعله.
ورواه أبو نعيم من طريق شيخ البخاري فيه بلفظ:
إنها كرهت الاختصار في الصلاة، وقالت:
إنما يفعل ذلك اليهود. قال الصنعاني في " السبل " (١/٢٠٧) :стр. 227
..............................................................................
الحواشي
(١) " وقد نُهينا عن التشبه بهم في جميع أحوالهم؛ فهذا وجه حكمة النهي، لا ما قيل
من أنه فعل الشيطان، أو أن إبليس أُهبط من الجنة كذلك، أو أنه فِعلُ المتكبرين؛ لأن
هذه علل تخمينية، وما ورد منصوصاً - أي: عن الصحابي - هو العمدة؛ لأنه أعرف
بسبب الحديث، ويحتمل أنه مرفوع، وما ورد في " الصحيح " مقدم على غيره؛ لورود هذه
الأشياء أثراً ". اهـ. قال الشوكاني:
" والحديث يدل على تحريم الاختصار. وقد ذهب إلى ذلك أهل الظاهر. وذهب
الأوزاعي، والشافعي، وأهل الكوفة وآخرون إلى أنه مكروه. والظاهر ما قاله أهل الظاهر؛
لعدم قيام قرينة تصرف النهي عن التحريم، الذي هو معناه الحقيقي؛ كما هو الحق ". اهـ.
وبالغ ابن حزم (٤/١٨) كعادته في المنهيات؛ فقال:
" من صلى متعمداً، واضعاً يده على خاصرته؛ فصلاته باطلة ".
* * *стр. 228
النَّظَرُ إلى مَوْضع السُّجُودِ، والخُشُوعُ
و" كان ﷺ إذا صلى؛ طأطأ رأسه، ورمى ببصره نحو الأرض " (١) . الحواشي
(١) أخرجه الحاكم (٢/٣٩٣) ، ومن طريقه البيهقي (٢/٢٨٣) ، والحازمي في
" الاعتبار " (ص ٦٠) من طريق أبي شعيب الحراني: ثني أبي: ثنا إسماعيل ابن عُلَيّة
عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁:
أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى؛ رفع بصره إلى السماء، فنزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي
صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ؛ فطأطأ رأسه. وقال الحاكم:
" صحيح على شرط الشيخين؛ لولا خلاف فيه على محمد، فقد قيل عنه
مرسلاً ".
قلت: هو على شرط مسلم فقط؛ فإن والد أبي شعيب - وهو: عبد الله بن الحسن بن
أحمد بن أبي شعيب - لم يخرج له سوى مسلم، وهو من شيوخه. وابنه عبد الله: ثقة،
له ترجمة في " تاريخ بغداد " (٩/٤٣٥ - ٤٣٧) ، وفي " لسان الميزان ".
وأما المرسل الذي أشار إليه الحاكم؛ فأخرجه البيهقي من طريق سعيد بن منصور:
ثنا إسماعيل بن إبراهيم - وهو: ابن عُلَيّة - عن أيوب عن محمد قال:
ثبت أن رسول الله ﷺ كان إذا صلى ... فذكره بنحوه؛ وزاد:
فكان محمد بن سيرين يحب أن لا يجاوز بصره مصلاه. وقال:
" هذا هو المحفوظ؛ مرسل ".
ثم أخرجه من طريق يونس بن بكير، والحازمي من طريق أبي شهاب - وهو
الأصغر، واسمه: عبد ربه بن نافع -؛ كلاهما عن عبد الله بن عون عن محمد قال: ...
فذكره بنحوه.стр. 229
و " لما دخل الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها " (١) . الحواشي
(٣٥٤) ﴾ .
ثم أخرجه البيهقي موصولاً من طريق أبي علي حامد بن الرَّفَّاء الهروي: ثنا محمد
ابن يونس: ثنا سعيد أبو زيد الأنصاري عن ابن عون عن ابن سيرين عن أبي هريرة
موصولاً. ثم قال:
" والصحيح هو المرسل ". فتعقبه ابن التركماني بقوله:
" قلت: ابن أوس ثقة، وقد زاد الرفع، كيف وقد شهد له روايةُ ابن عُلَيّة لهذا
الحديث موصولاً عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة؟! ".
قلت: والاعتماد على هذه الرواية؛ فإن إسنادها صحيح - كما سبق -.
وأما رواية ابن أوس؛ ففيها محمد بن يونس، وهو أبو العباس الكُدَيمي، وهو أحد
المتروكين - كما قال الذهبي -، والراوي عنه أبو علي حامد بن الرَّفَّاء: وثقه الخطيب في
" تاريخه " (٨/١٧٢) . والظاهر أن ابن سيرين كان يرسل الحديث مرة، ويوصله أخرى.
والعمدة على من وصله. والله أعلم.(١) أخرجه البيهقي (٢/٢٨٣) ، ﴿وابن عساكر (٧/٣٠٢/٢) = [٢٨/٢٩٤] ﴾ عن
صَدَقة بن عبد الله عن سليمان بن داود الخولاني قال: سمعت أبا قِلابة الجَرْمي يقول:стр. 230
..............................................................................
الحواشي
(١) ثني عشرة من أصحاب رسول الله ﷺ عن صلاة رسول الله ﷺ ؛ في قيامه
وركوعه وسجوده بنحو من صلاة أمير المؤمنين - يعني: عمر بن عبد العزيز -. قال
سليمان:
رمقت عمر في صلاته فكان بصره إلى موضع سجوده ... وذكر باقي الحديث. قال
البيهقي:
" وليس بالقوي ".
قلت: وعلته صَدَقَةُ هذا، وهو أبو معاوية السمين؛ قال في " التقريب ":
" ضعيف ".
قلت: ويشهد للحديث ويقويه حديث عائشة ﵂ قالت:
دخل رسول الله ﷺ الكعبة ما خلف بصره موضع سجوده حتى خرج منها.
أخرجه الحاكم (١/٤٧٩) ، وعنه البيهقي (٥/١٥٨) . ثم قال:
" صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.
ثم أخرجه البيهقي (٢/٢٨٤) من طريق الربيع بن بدر - عُليلة - عن عُنْطُوانة عن
الحسن عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ :
" يا أنس! اجعل بصرك حيث تسجد ". قال البيهقي:
" والربيع بن بدر: ضعيف ". ومن طريقه أخرجه العقيلي، وقال:
" هو متروك. وعنطوانة: مجهول بالنقل، حديثه غير محفوظ ". لكن قال الشيخ
علي القاري في " المرقاة " (٢/٣٧) :стр. 231
﴿وقال ﷺ :
" لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يَشغل المصلي " (١) ﴾ . الحواشي
(١) .
﴿ (تنبيه) : في هذين الحديثين أن السنة: أن يرمي ببصره إلى موضع سجوده من
الأرض، فما يفعله بعض المصلين من تغميض العينين في الصلاة؛ فهو تورع بارد! وخير
الهدي هدي محمد ﷺ ﴾ .(١) ﴿رواه أبو داود وأحمد بسند صحيح. وهو مخرج في " صحيح أبي داود "(١٧٧١) .
والمراد بـ " البيت " هنا الكعبة؛ كما يدل عليه سبب ورود الحديث﴾ .стр. 232
و " كان ينهى عن رفع البصر إلى السماء "، ويؤكد في النهي حتى قال:
" لينتهِيَنَّ أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة؛ أو لا ترجع
إليهم (وفي رواية: أو لتخطفن أبصارهم) " (١) . الحواشي
(١) أخرجه مسلم (٢/٢٩) ، وأبو داود (١/١٤٤) ، وابن ماجه (١/٣٣٣) ، والبيهقي
(٢/٢٨٣) ، وأحمد (٥/٩٠ و ٩٣ و ١٠١ و ١٠٨) ، والطبراني في " الكبير " (*) من طرق عن
الأعمش عن المسيب عن تميم بن طَرَفَةَ عن جابر بن سمرة مرفوعاً به.
وفي رواية لأبي داود من طريق جرير عن الأعمش به بلفظ:
دخل رسول الله ﷺ المسجد، فرأى فيه ناساً يصلون رافعي أبصارهم إلى السماء؛
فقال: ... فذكره.
وهذا إسناد صحيح.
وقد أخرجه الدارمي (١/٢٩٨) عن علي بن مُسْهِر: أنا الأعمش به نحوه.
وأما الرواية الأخرى؛ فهي من حديث أنس قال: قال النبي ﷺ :
" ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم؟! ". فاشتد قوله في ذلك
حتى قال:
" لَيَنْتَهُنَّ عن ذلك، أو لتُخطفن أبصارهم ".
أخرجه البخاري (٢/١٨٠) ، وأبو داود، والنسائي أيضاً (١/١٧٧) ، وكذا ابن
ماجه، والدارمي، والبيهقي، والطيالسي(٢٧٠) ، وأحمد (٣/١٠٩ و ١١٢ و ١١٥ و ١١٦
و١٤٠ و ٢٥٨) من حديث قتادة عنه.
وفي الباب عن ابن عمر بلفظ:
" لا ترفعوا أبصاركم إلى السماء أن تُلْتَمَعَ ". يعني: في الصلاة.
_________
(*) وعزاه الشيخ ﵀ في " الصفة " المطبوع للسراج أيضاً.стр. 233
وفي حديث آخر (*) :
الحواشي
(١) أخرجه ابن ماجه، والطبراني في " الكبير "، وعنه المقدسي في " المختارة ".
وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد صححه ابن حزم في " المحلى " (٤/١٦) ،
والبوصيري في " الزوائد "، وأخرجه ابن حبان في " صحيحه " - كما في " الترغيب "
(١/١٨٨) -.
وعن رجل من أصحاب النبي ﷺ .
أخرجه النسائي، وأحمد (٣/٤٤١) بنحو حديث ابن عمر.
وإسناده صحيح أيضاً على شرطهما.
وعن أبي هريرة: عند أحمد (٢/٣٣٣ و ٣٦٧) .
قال ابن بطال:
" أجمعوا على كراهة رفع البصر في الصلاة، واختلفوا فيه خارج الصلاة في الدعاء،
فكرهه شُريح وطائفة، وأجازه الأكثرون؛ لأن السماء قبلة الدعاء (*) ، كما أن الكعبة قبلة
الصلاة. قال عِيَاض: رفع البصر إلى السماء في الصلاة فيه نوع إعراض عن القبلة،
وخروج عن هيئة الصلاة ". كذا في " الفتح ".
وأما رفع اليدين في الدعاء نحو السماء؛ فمشروع، وفيه أحاديث كثيرة متواترة في
" الصحيحين " وغيرهما، وقد ساق جملة منها النووي في " المجموع " (٣/٥٠٧ - ٥١١) .
من شاء؛ فليراجعها. وراجع أيضاً " رفع اليدين " للبخاري (٢٢ - ٢٣) .
(*) من هنا إلى آخر هذا المبحث غير موجود في أصل الشيخ ﵀،
واستدركناه بحواشيه من " صفة صلاة النبي ﷺ " - المطبوعة -.
_________
(*) هذا من الاعتقادات الفاسدة للأشاعرة وغيرهم. انظر الرد عليهم في " شرح العقيدة
الطحاوية " (ص ٢٦٥/ط ٤ - المكتب الإسلامي) .стр. 234
" فإذا صليتم؛ فلا تلتفتوا؛ فإن الله يَنْصُبُ وجهه لوجه عبده في
صلاته؛ ما لم يلتفت " (١) . وقال أيضاً عن التلفُّت:
" اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد " (٢) .
وقال ﷺ :
" لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته؛ ما لم يلتفت، فإذا صرف
وجهه؛ انصرف عنه " (٣) .
و" نهى عن ثلاث: عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب،
والتفات كالتفات الثعلب " (٤) .
وكان ﷺ يقول:
" صل صلاة مُوَدِّعٍ كأنك تراه، فإن كنت لا تراه؛ فإنه يراك " (٥) .
ويقول:
" ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها، وخشوعها،
وركوعها؛ إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب؛ ما لم يُؤْتِ كبيرةً، وذلك
الدهرَ كلَّه " (٦) . الحواشي
(١) [أخرجه] الترمذي، والحاكم؛ وصححاه. " صحيح الترغيب "(٥٥٢) .(٢) [أخرجه] البخاري، وأبو داود.(٣) رواه أبو داود وغيره، وصححه ابن خزيمة وابن حبان. " صحيح الترغيب "(٥٥٤) .(٤) [رواه] أحمد، وأبو يعلى. " صحيح الترغيب "(٥٥٥) .(٥) [رواه] المُخَلِّص في " أحاديث منتقاة "، والطبراني، والروياني، والضياء في " المختارة "،
وابن ماجه، وأحمد، وابن عساكر، وصححه الهيتمي الفقيه في " أسنى المطالب ".(٦) [رواه] مسلم.стр. 235
وقد " صلى ﷺ في خَمِيصة (١) لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة،
فلما انصرف؛ قال:
" اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم، وائتوني بأَنْبِجانِيَّة (٢) أبي
جهم؛ فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي (وفي رواية: فإني نظرت إلى عَلَمِها
في الصلاة، فكاد يفتِنُني) " (*) .
وكان لعائشةَ ثوبٌ فيه تصاوير ممدود إلى سهوة (٣) ، فكان النبي ﷺ
يصلي إليه، فقال:
" أخِّريه عني؛ [فإنه لا تزال تصاويره تعرِض لي في صلاتي] " (٤) .
وكان يقول:
" لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان " (٥) . الحواشي
(١) ثوب خَزّ أو صوف مُعَلّم.(٢) كساء غليظ لا عَلَمَ له.
(*) متفق عليه. سبق تخريجه (ص ١٧٠) .(٣) بيت صغير منحدر في الأرض قليلاً شبيه بالمخدع والخزانة. " نهاية ".(٤) [أخرجه] البخاري، ومسلم، وأبو عوانة.
وإنما لم يأمر النبي ﷺ بنزع التصاوير وهتكها، واكتفى بتنحيتها؛ لأنها - والله أعلم -
لم تكن من ذوات الأرواح؛ بدليل هتكه ﷺ غيرها من التصاوير؛ كما هو في عدة
روايات في " الصحيحين ". ومن شاء التوسع في هذا؛ فليراجع " فتح الباري " (١٠/٣٢١) ،
و" غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام " (١٣١ - ١٤٥) .(٥) [أخرجه] البخاري، ومسلم.
* * *стр. 236
أدعية الاستفتاح
ثم كان ﷺ يستفتح القراءة بأدعية كثيرة متنوعة، ﴿يحمد الله تعالى
فيها، ويمجده ويثني عليه، وقد أمر بذلك (المسيء صلاته) ، فقال له:
" لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يُكَبِّر، ويَحْمَد الله جل وعزّ، ويثني
عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن ... " (١) ﴾ ، وكان يقرأ تارة بهذا، وتارة بهذا؛
فكان يقول:
١- " اللهم! ................................................................. الحواشي
(١) ﴿ [رواه] أبو داود، والحاكم، وصححه، ووافقه الذهبي. [وسبق (ص ١٨٩) ] ﴾ .
١- رواه أبو هريرة ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ إذا كبَّر في الصلاة؛ سكتَ هُنَيَّة قبل أن يقرأ. فقلت: يا رسول
الله! بأبي أنت وأمي؛ أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة؛ ما تقول؟ قال:
" أقول: ... " فذكره.
أخرجه البخاري (٢/١٨٢) ، ومسلم (٢/٩٨) ، ومن طريقه ابن حزم (٤/٩٦) ، وأبو
داود (١/١٢٥) ، والنسائي (١/٢١، ١٤٢) ، وابن ماجه (١/٢٦٩) ، ﴿وابن أبي شيبة
(١٢/١١٠/٢) = [٦/٢٧/٢٩١٩٩] ﴾ ، وأحمد (٢/٢٣١) عنه.
وقوله: " سكت هنية "؛ بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء؛ أي: قليلاً من الزمان.
وهو تصغير (هَنَة) . ويقال: (هُنَيهة) . قال السندي:
" أراد بالسكوت: أن لا يقرأ القرآن جهراً، ولا يُسمع الناس، وإلا؛ فالسكوت
الحقيقي ينافي القول؛ فلا يصح السؤال بقوله: ما تقول؟ أي: في سكوتك ".
وقد ذهب إلى مشروعية الاستفتاح بهذا الدعاء ابن حزم في " المحلى "، والشافعيстр. 237
..............................................................................
الحواشي
(١) وأصحابه، وقالوا:
" إنه أفضل الأدعية بعد حديث علي الآتي بعده " - كما في " المجموع " (٣/٣٢١) -.
وذهب إليه جمع من علمائنا المحققين؛ قال أبو الحسنات اللكنوي في " إمام الكلام
فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام " (ص ١٧١) :
" صرح جمع من أصحابنا بعدم شرعية الأذكار الواردة في الركوع والسجود والقومة،
غير التسبيح، والتحميد، والتسميع، وفي الجلسة بين السجدتين، وفيما بعد التكبير،
غير الثناء والتوجيه، وحملوا الأحاديث الواردة فيها على النوافل، ولم يُجَوِّزوها في
الفرائض. ومنهم من حملها على بعض الأحيان. وهما قولان من غير برهان!
والذي يقتضيه النظر الخفي - وبه صرح جمع من محققي أصحابنا؛ منهم: ابن أمير
حاج مؤلف " حَلبْةُ المُجَلِّي شرح منية المصلي " - استحباب أداء الأذكار الواردة في
الأحاديث في مواضعها في النوافل والفرائض كلها ". اهـ.
وفيه - وفي الأحاديث الآتية - دليل على استحباب الاستفتاح، وقد قال به جمهور
العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. قال النووي:
" ولا يُعرف من خالف فيه، إلا مالكاً ﵀؛ فقال: لا يأتي بدعاء الاستفتاح،
ولا بشيء بين القراءة والتكبير أصلاً؛ بل يقول: الله أكبر، ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ إلى
آخر ﴿الفَاتِحَة﴾ . ولا جواب له عن واحد من هذه الأحاديث الصحيحة ". اهـ. ملخصاً.
وقول مالك هذا يلزم منه إبطال ثلاث سنن:
الأولى: دعاء الاستفتاح.
الثانية: الاستعاذة.
الثالثة: البسملة.стр. 238
باعد بيني وبين خطاياي (١) ؛ كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم!
نَقِّنِي (٢) من خطاياي؛ كما يُنَقَّى الثوب الأبيض من الدنسِ. اللهم!
اغسلني من خطاياي بالماء والثَّلْج والبَرَدِ (٣) "، وكان يقوله في الفرض.
وهو أصح أدعية الاستفتاح سنداً (٤) . الحواشي
(١) أي: بين أفعالٍ لو فعلتها تصير خطايا. فالمطلوب الحفظ، وتوفيق الترك. أو:
بين ما فعلتها من الخطايا. والمطلوب المغفرة.
وأمثال هذا السؤال منه ﷺ من باب إظهار العبودية وتعظيم الربوبية، وإلا؛ فهو
- مع عصمته - مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.(٢) بالتشديد؛ أي: طهرني منها بأتم وجه وأوكده.(٣) بفتح الراء: حَبُّ الغمام؛ أي: بأنواع المطهرات. والمراد مغفرة الذنوب، وسترها
بأنواع الرحمة والألطاف.
قيل: والخطايا لكونها مؤدية إلى نار جهنم نزلت منزلتها؛ فاستُعمل في محوها من
المبردات ما يستعمل في إطفاء النار. ذكره السندي.(٤) ذكر ذلك الحافظ في " الفتح " (٢/١٨٣) ، وسبقه إليه شيخ الإسلام ابن تيمية
﵀ في رسالة " تنوع العبادات "(٨٥) ، وقال(٨٧) :
" ومع هذا؛ فعامة العلماء من الصحابة ومن بعدهم يستحبون الاستفتاح بغيره، كما
يستحب جمهورهم الاستفتاح بقوله: " سبحانك اللهم! ... "، وسبب ذلك هو: أنстр. 239
..............................................................................
الحواشي
(١) فضل بعض الذكر على بعض هو لأجل ما اختُص به الفاضل، لا لأجل إسناده.
والذكر ثلاثة أنواع؛ أفضله ما كان ثناء على الله، ثم ما كان إنشاءً من العبد، أو
اعترافاً بما يجب لله عليه، ثم ما كان دعاءً من العبد.
فالأول: مثل النصف الأول من " الفَاتِحَة "، ومثل: " سبحانك اللهم! ... "،
ومثل التسبيح في الركوع والسجود.
والثاني: مثل قوله: " وجّهت وجهي ... "، ومثل قوله في الركوع والسجود: " اللهم!
لك ركعت، ولك سجدت ... ".
والثالث: مثل قوله: " اللهم! باعد بيني وبين خطاياي ... "، ومثل دعائه في
الركوع والسجود.
ولهذا أوجب طائفة من أصحاب أحمد ما كان ثناءً، كما أوجبوا الاستفتاح.
وحُكي في ذلك عن أحمد روايتان، واختار ابن بَطَّة وغيره وجوب ذلك.
والمقصود: أن النوع المفضول - مثل استفتاح أبي هريرة، ومثل: " وَجَّهْتُ ... " أو:
" سبحانك ... " عند من يفضل الآخر - فِعْلُهُ أحياناً أفضلُ من المداومة على نوع وهَجْرِ
نوع؛ وذلك أن أفضل الهدى هدى محمد ﷺ كما ثبت في " الصحيح " -.
ولم يكن يداوم على استفتاح واحد قطعاً؛ فإن حديث أبي هريرة يدل على أنه كان
يستفتح بهذا ". اهـ.
قلت: ولعل مستند من قال بوجوب الثناء على الله تعالى - كالاستفتاح - ما في
حديث (المسيء صلاته) من حديث رِفاعة بن رافع بلفظ:
" لا تتم صلاةٌ لأحد من الناس حتى يتوضأ؛ فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر،
ويحمد الله ، ويثني عليه، ويقرأ بما تيسر من القرآن ... " الحديث.стр. 240
٢- " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً [مسلماً] ،
الحواشي
(١١١) والسياق له، وكذا الترمذي (٢/٢٥٠ - ٢٥١) ، والبيهقي
(٢/٣٢) ، والطيالسي(٢٢) ، وأحمد (١/٩٤ و ١٠٢) ، والخرائطي في " مكارم الأخلاق "
(ص ٦) من طريق الماجشون بن أبي سلمة عن عبد الرحمن الأعرج عن عبيد الله بن أبي
رافع عنه. وقال الترمذي:стр. 241
..............................................................................
الحواشي
(١١٢) ، والبيهقي من طريق
حجاج بن محمد عن ابن جريج: أخبرني موسى بن عُقبة عن عبد الله بن الفضل عن
عبد الرحمن الأعرج به بلفظ:
كان إذا ابتدأ الصلاة المكتوبة؛ قال: ... فذكر الحديث بتمامه.
وأخرجه الشافعي في " الأم " (١/٩١) قال: أخبرنا مسلم بن خالد وعبد المجيد
وغيرهما عن ابن جريج به، دون أذكار الركوع وما بعده.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وقال الشافعي في هذه الرواية:
" وقال أكثرهم: " وأنا أول المسلمين ". قال ابن أبي رافع: وشككت أن يكون أحدهم
قال: " وأنا من المسلمين " ".
وأخرجه أبو داود، والترمذي من طريق عبد الرحمن بن أبي الزِّنَاد عن موسى بن
عقبة به بلفظ:
كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة ... الحديث، وفيه:
ويقول حين يفتتح الصلاة بعد التكبير:
" وجهت وجهي ... " الحديث. وقال الترمذي:
" حسن صحيح ".стр. 242
..............................................................................
الحواشي
(٩) .
ثم إن الحديث أخرجه الشافعي من حديث أبي هريرة قال:
كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة، ثم كبَّر؛ قال: ... فذكر التوجُّه فقط.
وإسناده هكذا: أخبرنا إبراهيم بن محمد: ثني صفوان بن سُلَيم عن عطاء بن يسار عنه.
ورجاله رجال الستة، غير إبراهيم هذا؛ فهو ضعيف.
وله شاهد من حديث أبي رافع مولى النبي ﷺ قال:
دُفع إليَّ كتاب فيه استفتاح رسول الله ﷺ :
كان إذا كبر؛ قال: ... فذكره نحو حديث أبي هريرة.стр. 243
..............................................................................
الحواشي
(١) أخرجه الطبراني في " الكبير " من طريق محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن
شيبة بن نِصاح مولى أم سلمة عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن
أبيه عنه.
وهذا إسناد رجاله ثقات. إلا أن ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه.
ومحمد بن سلمة هو: ابن عبد الله الباهلي، مولاهم.
هذا، والزيادة الأولى: تفرد بروايتها من الطريق الأولى الإمام أحمد بسند صحيح،
والدارقطني، والبيهقي من الطريق الأخرى، ورواها أيضاً ابن حبان - كما في
" التلخيص " (٣/٣٠٢) -.
والزيادة الثانية: هي عندهم أيضاً، وكذا ﴿أبو عوانة﴾ ، والشافعي، وهي في
حديثه عن أبي هريرة، ورواهما النسائي من حديث محمد بن مسلمة - كما يأتي -،
وروى الترمذي منها قوله: " سبحانك " فقط.
والزيادة الثالثة: عند الأربعة المذكورين ﴿وأبي عوانة﴾ ، وهما في حديث أبي هريرة أيضاً.
والزيادة الأخيرة: هي من حديثه أيضاً، ومن حديث علي: عند الشافعي،
والترمذي، ومن حديث أبي رافع: عند الطبراني.
قوله: " وجهت وجهي "؛ قال في " المجموع ":
" معناه: أقبلت بوجهي. وقيل: قصدت بعبادتي، وتوحيدي إليه. ويجوز في:
" وجهي ": إسكان الياء وفتحها، وأكثر القراء على الإسكان.
وقوله: " فطر السماوات ": أي: ابتدأ خلقها على غير مثال سابق. وجمع
السماوات دون الأرض - وإن كانت سبعاً كالسماوات -؛ لأنه أراد جنس الأرضين.
وقوله: " حنيفاً ": قال الأزهري وآخرون: أي: مستقيماً. وقال الزَّجَّاج والأكثرون:стр. 244
وما أنا من المشركين. إن صلاتي، ونُسُكي، ومحيايَ (١) ، ومماتي لله رب
العالمين، لا شريك له؛ وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين (٢) . اللهم! أنت الحواشي
(١) أي: حياتي ومماتي. والجمهور على فتح الياء الآخرة في: " محياي " وقُرِئ
بإسكانها.(٢) هكذا قال مسلم في رواية، ﴿وأبو عوانة﴾ ، وأبو داود، والترمذي في نسخة،
والدارمي، والدارقطني، والطيالسي، وعنه البيهقي، وأحمد في رواية. وهي رواية
الشافعي - كما سبق -، وكذلك رواه من حديث أبي هريرة.
وفي رواية لمسلم، ﴿وأبي عوانة﴾ ، والبيهقي، وأحمد، والترمذي في نسخة، وهي
رواية النسائي:
" وأنا من المسلمين ". وهي رواية الطبراني عن أبي رافع. قال السندي ﵀:
" كأنه كان يقول أحياناً كذلك؛ لإرشاد الأمة إلى ذلك، ولاقتدائهم به فيه، وإلا؛
فاللائق به ﷺ : " وأنا أول المسلمين "؛ كما جاء في كثير من الروايات ".
قلت: وأنا أرى أن أصل الحديث: " وأنا أول المسلمين ". ولكن بعض الرواة استشكل
ذلك بالنسبة إلى غيره ﷺ ، فأمر بتغييرها بقوله: " وأنا من المسلمين ".стр. 245
..............................................................................
الحواشي
(١) فروى أبو داود (١/١٢٢) وغيره - كما يأتي - عن شعيب بن أبي حمزة قال: قال لي
ابن المنكدر وابن أبي فروة وغيرهما من فقهاء أهل المدينة:
فإذا قلت أنت ذاك؛ فقل: " وأنا من المسلمين ". يعني: قوله: " وأنا أول المسلمين ".
ويظهر أن بعض الرواة كان مقتنعاً بضرورة هذا التغيير؛ فكان يجعل: " وأنا من
المسلمين " في صلب الحديث!
وهو تساهل في الرواية غير مستحسن - كما لا يخفى -، وذلك - على ما ذهبنا إليه -
قول عبيد الله بن أبي رافع المتقدم:
وشككت أن يكون أحدهم قال: " وأنا من المسلمين ".
وابن أبي رافع مدار الحديث عليه، وهو قد جزم بأن أصل الحديث: " وأنا أول
المسلمين ". وشك في رواية: " وأنا من المسلمين ". فكل من رواه عنه بهذا اللفظ الأخير؛
فإنما هو واهم أو متأول - كما ذكرنا -؛ ولذلك قال الشافعي ﵀ بعد أن ساق الحديث -:
" وبهذا كله أقول وآمر، وأحب أن يؤتى به كما يُروى عن رسول الله ﷺ ؛ لا يغادر
منه شيئاً، ويجعل مكان: " أول المسلمين ": " وأنا من المسلمين ". قال الشوكاني
(٢/١٦٢) :
" وهو وهم؛ منشؤه توهم أن معنى: " وأنا أول المسلمين ": أني أول شخص اتصف
بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه. وليس كذلك؛ بل معناه: بيان المسارعة في
الامتثال لما أمر به، ونظيره: ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَ?نِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ العَابِدِينَ﴾ . وقال
موسى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ المُؤِْمِنينَ﴾ .
وقال العلماء: ولا فرق بين الرجل والمرأة فيما ورد من الأذكار والأدعية؛ لحمله على
التغليب، أو إرادة الأشخاص ".стр. 246
الملك لا إله إلا أنت، [سبحانك وبحمدك] ، أنت ربي، وأنا عبدك (١) ،
ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي؛ فاغفر لي ذنبي جميعاً؛ إنه لا يغفر
الذنوب إلا أنت. واهدني لأحسن الأخلاق؛ لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
واصرف عني سيئها؛ لا يصرف عني سيئها إلا أنت. لبيك (٢)
وسعديك (٣) ، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك (٤) ، [والمهدي من
هديت] ، أنا بك وإليك، [لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك] ، تباركت
وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك ". الحواشي
(١) قال الأزهري:
أي: إني لا أعبد غيرك. والمختار أن معناه: أنا معترف بأنك مالكي، ومدبري،
وحكمك نافذ فيَّ. كذا قال النووي.(٢) أي: أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة، مِن (أَلَبَّ بالمقام) : أقام فيه، وهو
مصدر مثنى من لبَّ أو ألبَّ بعد حذف الزوائد، مضاف إلى المخاطب، وحذف النون
بالإضافة، وأريد بالتثنية التكرير من غير نهاية؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ ؛
أي: كَرَّةً بعد كَرَّة، ومرة بعد مرة. اهـ. من " المرقاة " (١/٥١٢) .(٣) أي: مساعدة لأمرك بعد مساعدة، ومتابعة بعد متابعة لدينك الذي ارتضيته
بعد متابعته. قاله الأزهري.(٤) انظر " شرح مسلم "، و " القضاء والقدر " (٢٦٩ - ٢٧١) (*) .
_________
(*) هذه ملاحظة كتبها الشيخ ﵀ لنفسه؛ للاطلاع والدراسة ونقل المادة المطلوبة. والذي
في " صفة الصلاة " المطبوع:
" أي: لا ينسب الشر إلى الله تعالى؛ لأنه ليس في فعله تعالى شر؛ بل أفعاله كلها
خير؛ لأنها دائرة بين العدل والفضل والحكمة، وهو كله خير لا شر فيه، والشر إنما صار شراً لانقطاع =стр. 247
وكان يقول ذلك في الفرض والنفل (١) . الحواشي
(١) خلافاً لمن قال: إنه وارد في صلاة الليل! كأبي داود الطيالسي في " مسنده "(٢٣) . وقال ابن القيم في " الزاد " (١/٧٢) :
" والمحفوظ أن هذا الاستفتاح إنما كان يقوله في قيام الليل ".
قلت: قد علمت مما سبق في تخريج الحديث أنه ورد بلفظين:
الأول: " كان إذا قام إلى الصلاة ... ".
مطلقاً غير مقيد.
والآخر: " ... الصلاة المكتوبة ... ".
فإما أن يقال: إن هذا مقيد للأول؛ لا سيما وأن المراد بالصلاة عند الإطلاق
المفروضة؛ كما قال الصنعاني وغيره (١/٢٧٨) .
وإما أن يقال: إن اللفظ الأول أعم - كما قال النووي في " المجموع " (٣/٣١٥) -؛
فيشمل بعمومه الفريضة والتطوع.
فالقول بحَصْرِه بصلاة التطوع في الليل لا دليل عليه! كيف، وقد ذكرنا - فيما سبق -
_________
= نسبته وإضافته إليه تعالى. قال ابن القيم ﵀:
" هو سبحانه خالق الخير والشر، فالشر في بعض مخلوقاته لا في خلقه وفعله، ولهذا تنزه
سبحانه عن الظلم الذي حقيقته وضع الشيء في غير محله، فلا يضع الأشياء إلا في مواضعها
اللائقة بها، وذلك خير كله، والشر وضع الشيء في غير محله، فإذا وضع في محله لم يكن شراً،
فعلم أن الشر ليس إليه ... (قال:) فإن قلت: فلم خلقه وهو شر؟ قلت: خلقه له، وفعله خير لا شر،
فإن الخلق والفعل قائم به سبحانه، والشر يستحيل قيامه واتصافه به، وما كان في المخلوق من شر
فلعدم إضافته ونسبته إليه والفعل والخلق يضاف إليه فكان خيراً ".
وتمام هذا البحث الخطير وتحقيقه في كتابه " شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والتعليل "؛
فراجعه (ص ١٧٨ - ٢٠٦) ".стр. 248
٣- مثله دون قوله: " أنت ربي، وأنا عبدك ... " إلخ، ويزيد:
" اللهم! أنت الملك، لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك ".
الحواشي
(١) أنه لم يرد في طريق من طرق الحديث التصريح بأنه كان يقول ذلك في صلاة التطوع؛
اللهم! إلا في حديث محمد بن مسلمة الآتي بعد هذا.
وقد ذهب إلى الاستفتاح بهذا النوع الشافعي وأصحابه، وذكروا أنه أفضل الأنواع
عندهم، ويليه حديث أبي هريرة المذكور سابقاً. وذكروا أيضاً أنه يأتي بتمامه لا يغادر
منه شيئاً. وقد ذكرنا نص الشافعي في ذلك. ومع هذا، فلا تكاد تجد أحداً من أتباعه
يفعل ذلك؛ بل ولا يحفظه؛ بل ترى كثيراً منهم يتركون الاستفتاح مطلقاً! وهذا من
تساهلهم بالسنن وإعراضهم عن هديه ﷺ .
وأما علماؤنا؛ فمنهم من ذهب إلى مشروعية الاستفتاح بهذا النوع أحياناً - كما
سبق -؛ خلافاً لما هو المشهور عنهم: أنه لا يوجه! كما في " شرح الوقاية ". وقد تعقبه أبو
الحسنات بقوله:
" وقد ثبت ذلك عن رسول الله في " صحيح البخاري "، و " سنن ابن ماجه " ... " إلخ.
وقوله: " صحيح البخاري ".. سبق قلم منه، والصحيح أنه في " صحيح مسلم ".
واختار بعض المتأخرين قراءة هذا الدعاء قبل التحريمة؛ ليكون أبلغ في إحضار
القلب، وجمع العزيمة؛ كما ذكره في " النهاية "، و " البناية " وغيرهما. قال أبو الحسنات:
" لكن هذا مما لا أصل له في السنة، وإنما الثابت في الأحاديث التوجُّه في الصلاة،
لا قبلها " - كما ذكره علي القاري في " شرح الحصن الحصين " -.
٣- أخرجه النسائي فقال (١/١٤٣) : أخبرنا يحيى بن عثمان الحِمْصي قال: ثنا
ابن حِمْيَر قال: ثنا شعيب بن أبي حمزة عن محمد بن المنكدر - وذكر آخر قبله - عن
عبد الرحمن بن هُرْمُز الأعرج عن محمد بن مسلمة:стр. 249
٤- مثله - أيضاً - إلى قوله: " وأنا أول المسلمين "، ويزيد:
" اللهم! اهدني لأحسن الأخلاق وأحسن الأعمال؛ لا يهدي
لأحسنها إلا أنت، وقني سيئ الأخلاق والأعمال؛ لا يقي سيئها إلا
أنت ".
الحواشي
(١١٢) من طريق شُرَيح بن يزيد
الحضرمي: أخبرني شعيب بن أبي حمزة قال: أخبرني محمد بن المنكدر عنه.
وهذا سند صحيح. رجاله رجال الستة؛ غير شُرَيح هذا، وقد وثقه ابن حبان،
وروى عنه جمع من الثقات، وزاد الدارقطني:
" قال شعيب: قال لي محمد بن المنكدر وغيره من فقهاء أهل المدينة: إن قلت أنت
هذا القول؛ فقل: وأنا من المسلمين ".
وهذه الزيادة رواها أبو داود أيضاً - كما تقدم -، وإسناده إسناد النسائي.
وتوبع شريح بن يزيد في هذا الحديث - كما سيأتي بعده بحديث -.стр. 250
٥- " سبحانك اللهم! ..........................................................
الحواشي
(١١٢) ، والبيهقي (٢/٣٤ - ٣٥) ، وأحمد
(٣/٥٠) من طرق عن جعفر بن سليمان الضُّبَعِىّ عن علي بن علي الرفاعي عن أبي
المتوكل الناجي عنه قال:
كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل؛ كبر، ثم يقول:
" سبحانك ... " إلخ. ثم يقول:
" لا إله إلا الله - ثلاثاً - ". ثم يقول:
" الله أكبر كبيراً - ثلاثاً -، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم؛ من همزه،
ونفخه، ونفثه ". ثم يقرأ.
واللفظ لأبي داود، والطحاوي.
وإسناده حسن. رجاله رجال مسلم؛ غير علي بن علي الرفاعي، وهو كما قال في
" التقريب ":следующие страницы →