Полный текст (1 078 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
..............................................................................
الحواشي
(٥٦) -، وخالفهم الإمام الشافعي، وأصحابه، وبعض من سبقه من الصحابة،
والتابعين؛ فقالوا بالجهر بها، وأنه السنة.
وقد أطال النووي ﵀ في " المجموع " (٣/٣٣٤ - ٣٥٦) في الاستدلال لذلك
بأحاديث كثيرة ساقها! والناظر فيها بإنصاف؛ لا يخرج منها بحديث واحد صحيح
صريح يدل على ما ذهبوا إليه.
ولذلك سأسوق في هذا التعليق منها ما يرد في الجهر بها صريحاً؛ مما قد صححه بعضهم،
وأدع الكلام على سائرها المطولات كـ " نصب الراية "، و " نيل الأوطار "، أو غيرهما.
الحديث الأول: عن أنس بن مالك ﵁. وله عنه طرق:
الأولى: ما أخرجه الشافعي في " الأم " (١/٩٣) ، ومن طريقه الدارقطني(١١٧) ،
والحاكم (١/٢٣٣) ، والبيهقي (٢/٤٩) ؛ ثلاثتهم عن الشافعي قال: أخبرنا عبد المجيد بن
عبد العزيز عن ابن جُرَيج قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خُثَيم: أن أبا بكر بن
حفص بن عمر أخبره: أن أنس بن مالك أخبره قال:
صلى معاوية بالمدينة صلاة، فجهر فيها بالقراءة؛ فقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ﴾ لِ ﴿أم القرآن﴾ ، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها، حتى قضى تلك القراءة،
ولم يكبر حين يهوي، حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلَّم؛ ناداه من سمع ذلك من
المهاجرين من كل مكان: يا معاوية! أسرقت الصلاة أم نسيت؟! فلما صلَّى بعد ذلك؛
قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ للسورة التي بعد ﴿أم القرآن﴾ ، وكبَّر حين يهوي
ساجداً. قال الدارقطني:
" رجاله كلهم ثقات ". وقال الحاكم:
" صحيح على شرط مسلم " - ووافقه الذهبي -، ثم قال:стр. 282
..............................................................................
الحواشي
(١) " وقد احتج مسلم بعبد المجيد بن عبد العزيز، وسائر الرواة متفقٌ على عدالتهم، وهو
علة لحديث شعبة عن قتادة؛ فإن قتادة - على علو قدره - يدلس، ويأخذ من كل أحد ".
كذا قال! وهو يشير بذلك إلى حديث أنس السابق في إسراره بالبسملة. وهذه
العلة ليست بشيء؛ لأن قتادة صرح بسماعه من أنس، فبطل ما أعله الحاكم به.
ثم إن في كلامه مؤاخذاتٍ أخرى:
الأولى: أن مسلماً لم يحتج بعبد المجيد هذا؛ وإنما روى له مقروناً بغيره - كما في
" التهذيب " -. وقال الحافظ في " التقريب ":
" صدوق يخطئ ".
إلا أنه قد تابعه عبد الرزاق عند الدارقطني، والبيهقي.
الثانية: أن عبد الله بن عثمان هذا؛ ليس متفقاً على الاحتجاج به - كما يفيده
كلام الحاكم -، والبخاري إنما أخرج له تعليقاً، ثم هو مختلف فيه - وإن كان مسلم قد
احتج به -؛ فوثقه ابن معين، وغيره، والنسائي في رواية، وقال في أخرى:
" ليس بالقوي ".
ورُوي نحوُه عن ابن معين. وقال ابن عدي:
" أحاديثه حسان ".
قلت: والحق أنه ثقة حجة، وحديثه أقل أحواله أنه حسن يحتج به؛ إلا إذا خالف
من هو أقوى منه في الحديث، والواقع هنا كذلك؛ فقد سبق بيان أن الحديث رواه جمعٌ
عن جمعٍ عن أنس: أنه ﷺ كان يُسِرُّ بالبسملة.
فكيف يروي أنس مثل حديث معاوية هذا محتجاً به، وهو مخالف لما رواه عن
النبي ﷺ ، وعن الخلفاء الراشدين؟! ولم يُعرف عن أحد من أصحاب أنس المعروفينстр. 283
..............................................................................
الحواشي
(١١٧) عن إسماعيل بن عياش عن ابن خثيم بهذا.
فاختلفوا في الترجيح، فرجح الأولى البيهقي في " المعرفة "؛ لجلالة راويها - وهو ابن
جريج -، وقال في " السنن ":
" يحتمل أن يكون ابن خثيم سمعه منهما. والله أعلم ".
ومال الشافعي إلى ترجيح الرواية الثانية؛ لاتفاق اثنين عليها.
ولكنهما متكلم فيهما. فأما الأسلمي؛ فمكشوف الحال، وأما يحيى بن سليم؛
فقال البيهقي:
" كثير الوهم، سيئ الحفظ ". قال ابن التركماني:
" فظهر بهذا أن حديث ابن جريج إسناده أحفظ؛ لأنه أَجلُّ منهما، وأحفظ بلا شك ".
قلت: وأما الرواية الثالثة؛ فتفرد بها ابن عياش، وهو ضعيف في الحجازيين، وهذه منها.
وأما الاضطراب في المتن: فتارة يقول: صلى، فبدأ بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِстр. 284
..............................................................................
الحواشي
(١) الرَّحِيمِ﴾ لِ ﴿أم القرآن﴾ ، ولم يقرأ بها للسورة التي بعدها - كما في رواية ابن جريج
عند الشافعي -.
وتارة يقول: فلم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حين افتتح القرآن - كما في
رواية ابن عياش -.
وتارة يقول: فلم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لِ ﴿أم القرآن﴾ ، ولم يقرأها
للسورة التي بعدها - كما في رواية الدارقطني عن ابن جريج -. قال الزيلعي (١/٣٥٤) :
" ومثل هذا الاضطراب في السند والمتن، مما يوجب ضعف الحديث؛ لأنه مشعر
بعدم ضبطه ".
والوجه الثالث: أن معاوية لما قدم المدينة؛ كان أنس مقيماً بالبصرة، ولم يذكر أحد
علمناه أنه كان مع معاوية حينئذٍ؛ بل الظاهر أنه لم يكن معه.
والوجه الرابع: أن مذهب أهل المدينة - قديماً وحديثاً - ترك الجهر بها، ومنهم من لا
يرى قراءتها أصلاً؛ قال عروة بن الزبير - أحد الفقهاء السبعة -:
أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلا بـ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ .
وقال عبد الرحمن الأعرج:
أدركت الأئمة وما يستفتحون القراءة إلا بـ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ .
ولا يُحفظ عن أحد من أهل المدينة بإسناد صحيح أنه كان يجهر بها، إلا شيء
يسير، وله محمل. وهذا عملهم يتوارثه آخرهم عن أولهم، فكيف ينكرون على معاوية
ما هو شبههم؟! هذا باطل.
والوجه الخامس: أن معاوية لو رجع إلى الجهر بالبسملة - كما نقلوه -؛ لكان هذا
أيضاً معروفاً من أَمْره عند أهل الشام الذين صحبوه، ولم يُنقل هذا أحد عن معاوية؛ بلстр. 285
..............................................................................
الحواشي
(١١٦) ، والحاكم (١/٢٣٣ - ٢٣٤) ، وقال:
" رواته عن آخرهم ثقات ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا، لكن لا يلزم منه أنه
صحيح ثابت؛ لأن الصحة لا تثبت حتى ينتفي الشذوذ والعلة، ويثبت حفظ الراوي
وضبطه، وكل هذا غير متحقق هنا؛ فإن ابن أبي السَّرِيِّ هذا متكلَّم فيه من جهة
حفظه، وفي " التقريب ":
" صدوق، له أوهام كثيرة ". اهـ.стр. 286
..............................................................................
الحواشي
(١١٦) من طريق عمر بن محمد بن علي بن الحسين عن حاتم
ابن إسماعيل عن شريك بن عبد الله عن إسماعيل المكي عن قتادة عن أنس به.
وإسماعيل هذا: ضعيف. والله أعلم.
وبهذا اللفظ أخرجه الدارقطني من طريق إبراهيم بن محمد القاضي التيمي: ثنا
معتمر بن سليمان عن أبيه عن أنس قال:
كان رسول الله ﷺ يجهر بالقراءة بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ .стр. 287
..............................................................................
الحواشي
(١١٤) . وقال في " الدراية "(٧٣) :
" وأصله مرسل بإسناد رجاله ثقات.
أخرجه إسحاق عن يحيى بن آدم عن شريك عن سالم الأفطس عن سعيد بن
جبير قال:
كان رسول الله ﷺ يجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؛ يمد بها صوته، وكان
المشركون يهزؤون منه؛ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ .
وقد أخرجه الدارقطني، والطبراني في " الأوسط " من طريق يحيى بن طلحة
اليربوعي عن عباد بن العوام عن شريك موصولاً بلفظ:стр. 288
..............................................................................
الحواشي
(١) كان إذا قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؛ هَزَأَ منه المشركون، ويقولون: محمد
يذكر إله اليمامة.
فهذا هو أصل الحديث، وتبين أنه إنما وقع فيه اختصار.
وقد أخرجه البخاري من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال:
نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ ورسول الله ﷺ مختفٍ
بمكة، كان إذا صلى بأصحابه؛ رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشركون؛ سبّوا
القرآن ... الحديث. فهذا أصل الحديث ". اهـ.
وله طرق أخرى، ذكرها الزيلعي (١/٣٤٥ - ٣٤٧) ، وضعفها، وبين عللها.
ومما يدل على ضعف الحديث عن ابن عباس؛ أنه ثبت عنه أنه قال:
الجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فعل الأعراب.
أخرجه الطحاوي (١/١٢٠) عن عاصم وعبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة عنه.
وأخرجه أحمد - كما في " نصب الراية " (١/٣٤٧) - عن سفيان عن عبد الملك وحده.
وهذا إسناد صحيح. قال:
" ويقوي هذه الرواية: ما رواه الأثرم بإسناد ثابت عن عكرمة - تلميذ ابن عباس - أنه
قال: أنا أعرابي إنْ جهرت بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . وكأنه أخذه عن شيخه
ابن عباس ".
الحديث الثالث: عن علي وعمار:
أن النبي ﷺ كان يجهر في المكتوبات بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ... الحديث.
أخرجه الحاكم (١/٢٩٩) من طريق سعيد بن عثمان الخَرَّاز: ثنا عبد الرحمن بنстр. 289
..............................................................................
الحواشي
(٧١) :
" وإسناده ضعيف ". وعن الحاكم رواه البيهقي في " المعرفة " - بسنده ومتنه - وقال:
" إسناده ضعيف ".
قلت: فهذه الأحاديث الثلاثة؛ هي أصح ما ورد في الجهر بالبسملة وأصرحها، وقد
ظهر لك أنها ضعيفة كلها، إلا حديث أنس في بعض طرقه، لكن ليس فيه أنه كان
يجهر بها في الصلاة؛ ولذلك قال ابن القيم في " الزاد " (١/٧٣) :
" وكان ﷺ يجهر بـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تارة، ويخفيها أكثر مما يجهر
بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائماً في كل يوم وليلة؛ خمس مرات أبداً، حضراً
وسفراً، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده في
الأعصار الفاضلة؛ هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إلى التشبُّث فيه بألفاظ مجملة،
وأحاديث واهية؛ فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح ".
قلت: وآخر كلامه يناقض أوله؛ لأنه إذا كان يرى - وهو الحق - أنه لا يصح حديث
صريح في الجهر بها؛ فكيف يجزم بأنه ﷺ كان يجهر بها تارة؟!
وقد كان شيخه ابن تيمية أدق منه في التعبير في هذا الموضع؛ حيث قال في
" الفتاوى " (١/٧٩) في صدد هذا البحث:
" ولكن يمكن أنه كان يجهر بها أحياناً، أو أنه كان يجهر بها قديماً ثم ترك ذلك؛стр. 290
..............................................................................
الحواشي
(١) - قال -: فهذا محتمل ".
فلم يجزم بذلك؛ بل ذكره احتمالاً، وهو أمر واسع، فالحق ما ذهب إليه الجمهور
من أن السنة الإسرار بها.
ومع هذا؛ فالصواب أن ما لا يجهر به، قد يشرع الجهر به لمصلحة راجحة؛ فيشرع
للإمام أحياناً لمثل تعليم المأمومين، ويسوغ للمصلين أن يجهروا بالكلمات اليسيرة أحياناً؛
كما في حديث ابن عمرو، وأنس بن مالك المتقدمين في (الاستفتاح) رقم (٧ و ٨) ؛
فإنه ﷺ لم ينكر على الرجلين جهرهما بما استفتحا به. وكذلك جهر به عمر؛ تعليماً
للناس - كما مضى هناك -. قال شيخ الإسلام (١/٨٧) :
" ويسوغ أيضاً أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب، واجتماع الكلمة؛ خوفاً من
التنفير عما يصلح، كما ترك النبي ﷺ بناء البيت على قواعد إبراهيم؛ لكون قومه كانوا
حديثي عهد بالجاهلية، وخشي تنفيرهم بذلك، ورأى أن مصلحة الاجتماع والائتلاف
مقدمة على مصلحة البناء على قواعد إبراهيم، وقال ابن مسعود - لما أكمل الصلاة خلف
عثمان، وأنكر عليه التربيع، فقيل له في ذلك؟ فقال -: الخلاف شر. ولهذا نَصَّ
الأئمةُ؛ كأحمد وغيره في البسملة، وفي وصل الوتر، وغير ذلك مما فيه العدول عن
الأفضل إلى الجائز المفضول؛ مراعاة ائتلافِ المأمومين، أو لتعريفهم السنة، وأمثال ذلك.
والله أعلم ".
* * *стр. 291
القراءةُ آيةً آيةً
ثم يقرأ ﴿الفَاتِحَة﴾ ، ويُقطعها آية آية (١) : ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ،
[ثم يقف، ثم يقول:] ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ، [ثم يقف، ثم يقول:]
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، [ثم يقف، ثم يقول:] ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، وهكذا الحواشي
(١) روى ذلك أم سلمة ﵂(١) : أنها سئلت عن قراءة رسول الله ﷺ ؟
فقالت:
كان يقطع قراءته آية آية: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
الرَّحَمْنِ الرَّحِيمِ. مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ... ".
أخرجه الإمام أحمد؛ فقال (٦/٣٠٢) : ثنا يحيى بن سعيد الأموي قال: ثنا ابن
جريج عن عبد الله بن أبي مليكة عنها.
وكذلك أخرجه أبو داود (٢/١٦٩) - وعنه البيهقي (٢/٤٤) -، والترمذي (٢/١٥٢ -
طبع بولاق) وفي " الشمائل " (٢/١٣٩) ، والدارقطني(١١٨) ، والحاكم (٢/٢٣١ و ٢٣٢) ،
﴿وأبو عمرو الداني في " المكتفى " (٥/٢) = [ص ١١٦] ﴾ من طرق عن يحيى به.
﴿والسهمي (٦٤ - ٦٥) ﴾ [من طريق عمر بن هارون عن ابن جريج به] .
وقال الدارقطني:
" إسناده صحيح، وكلهم ثقات ". وقال الحاكم:
" صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي. وكذا صححه ابن خزيمة؛ فأخرجه
في " صحيحه " - كما في " تفسير ابن كثير " (١/١٧) -، وصححه النووي في " المجموع "
(٣/٣٣٣) ، وهو كما قالوا؛ لولا عنعنة ابن جريج، لكنه قد توبع كما يأتي. ﴿وقال أبو
عمرو الداني:
_________(١) ﴿وهو مخرج في " الإرواء "(٣٤٣) ﴾ .стр. 292
..............................................................................
الحواشي
(٥٧٥) ﴾ ، والبخاري في " أفعال العباد "(٧٥) ، وأبو داود (١/٢٣١) ،
والنسائي (١/١٥٨ و ٢٤٢) ، والطحاوي (١/١١٨) ، وابن نصر(٥٢) ، والحاكم
(١/٣١٠) ، وأحمد (٦/٢٩٤) من طرق عنه به. وقال الحاكم:стр. 293
..............................................................................
الحواشي
(١) " صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي.
وكذلك أخرجه الترمذي (٢/١٥٢) ، وقال:
" حسن صحيح ". كذا قال! ونحن نرى أنه غير صحيح؛ لأن يعلى بن مملك - على
وزن جعفر - مجهول. قال الذهبي:
" ما روى عنه سوى ابن أبي مليكة ". وفي " التقريب ":
" مقبول ".
ونخالفه أيضاً في قوله: إن حديث الليث هذا أصح من حديث ابن جريج. ونرى
أن حديث ابن جريج عن ابن أبي مليكة عنها - بدون ذكر: يعلى - أصح؛ لأنه قد رواه
كذلك عن ابن أبي مليكة نافع بن عمر الجُمَحي، وهو ثقة ثبت - كما قال الإمام أحمد -.
أخرجه في " المسند " (٦/٢٨٨) ؛ قال: ثنا وكيع عن نافع بن عمر، وأبو عامر: ثنا
نافع عن ابن أبي مليكة عن بعض أزواج النبي ﷺ قال أبو عامر: قال نافع: أراها
حفصة -:
أنها سُئلت عن قراءة رسول الله ﷺ ؟ فقالت:
إنكم لا تستطيعونها. قال: فقيل لها: أخبرينا بها، قال:
فقرأت قراءة تَرسَّلَتْ فيها. قال أبو عامر: قال نافع: فحكى لنا ابن أبي مليكة:
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ، ثم قطع، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، ثم قطع، ﴿مَالِكِ يَوْمِ
الدِّينِ﴾ .
وهذا سند صحيح. وهو متابع قوي لرواية ابن جريج، ولا يضر أنه لم يسمع زوج
النبي ﷺ ، وظنه أنها حفصة - كما لا يخفى -.
(تنبيه) : قال الحافظ في " التلخيص " (٣/٣١٦) :стр. 294
إلى آخر السورة. وكذلك كانت قراءته كلها (١) ؛ يقف على رؤوس الآي،
ولا يَصِلُها بما بعدها. الحواشي
(١) بدليل قول راوية الحديث:
كان يقطع قراءته آية آية. وهذا مطلق غير مقيد بـ: ﴿الفَاتِحَة﴾ ، وإنما تلتها على
سبيل المثال؛ لا على طريق التحديد. قال في " الزاد " (١/١٢٥) :стр. 295
وكان تارة يقرؤها: ﴿مَلِكِ (١) يَوْمِ الدِّينِ﴾ . الحواشي
(١) بالقصر، وهي قراءة بعض القراء، وقرأ آخرون: ﴿مَالِكِ﴾ . قال الحافظ ابن
كثير (١/٢٤) :
" وكلاهما صحيح متواتر في السبع، ويقال: ﴿مَلِْكِ﴾ بكسر اللام وبإسكانها.
ويقال: ﴿مليك﴾ أيضاً. وأشبع نافع كسرة الكاف؛ فقرأ: ﴿مَلِكِي يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، وقد
رجح كلاً من القراءتين مرجحون من حيث المعنى - وكلاهما صحيحة حسنة -، ورجح
الزمخشري: ﴿مَلِكِ﴾ ؛ لأنها قراءة أهل الحرمين، ولقوله: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ . قال:
" وقد روى أبو بكر بن أبي داود في ذلك شيئاً غريباً؛ حيث قال: ثنا أبو عبد الرحمن
الأزدي: ثنا عبد الوهاب عن عدي بن الفضل عن أبي المُطَرِّف عن ابن شهاب أنه بلغه:
أن رسول الله ﷺ ، وأبا بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، وابنه يزيد كانوا يقرؤون:
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . قال ابن شهاب:
وأول من أحدث: ﴿مَلِكِ﴾ مروان.
قلت: مروان عنده علم بصحة ما قرؤوه؛ لم يطلع عليه ابن شهاب. والله أعلم.
وقد روي من طرق متعددة أوردها ابن مردويه:
أن رسول الله ﷺ كان يقرؤها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . اهـ.
قلت: وحديث الزهري هذا، رواه أبو داود أيضاً - كما سيأتي - بإسناد أصح منстр. 296
وتارة (*) : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (١) الحواشي
(١) أخرجه أبو داود (٢/١٦٩) قال: ثنا أحمد بن حنبل: ثنا عبد الرزاق: أخبرنا
معمر عن الزهري - قال معمر: وربما ذكر ابن المسيب - قال:
كان النبي ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان يقرؤون: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . وأول من
قرأها: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ : مروان.стр. 297
..............................................................................
الحواشي
(١) وهذا سند صحيح؛ لكنه مرسل. ثم قال أبو داود:
" هذا أصح من حديث الزهري عن أنس، والزهري عن سالم عن أبيه به ".
قلت: أخرجه من الوجه الأول الترمذي (٢/١٥٣ - طبع بولاق) من طريق أيوب بن
سُوَيد الرملي عن يونس بن يزيد عن الزهري عن أنس به. قال الترمذي:
" هذا حديث غريب؛ لا نعرفه من حديث الزهري عن أنس، إلا من حديث أيوب
هذا، وقد روى بعض أصحاب الزهري هذا الحديث:
أن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر كانوا يقرؤون: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ .
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب:
أن النبي ﷺ ، وأبا بكر، وعمر كانوا يقرؤون: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ . اهـ.
وبالجملة؛ فالصواب أن الحديث مرسل، وأيوب بن سويد هذا - الذي رواه موصولاً -:
ضعيف الحفظ. ولكن الحديث يتقوى بالطرق التي أشار إليها الحافظ ابن كثير - فيما
مضى قريباً -، وبكونه أخذ به القراء السبع.
* * *стр. 298
رُكنيةُ ﴿الفَاتِحَة﴾ وفضائلُها
وكان ﷺ يُعَظّم من شأن هذه السورة؛ فكان يقول:
" لا صلاة لمن لم يقرأ [فيها] بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ [فصاعداً] " (١) . وفي لفظ:
" لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ (٢) . وتارة
يقول:
الحواشي
(٩٢) ، ومسلم (٢/٨ - ٩) ، ﴿وأبو عوانة [٢/١٢٤ و ١٢٥] ﴾ ،
والشافعي (١/٩٣) ، وأبو داود (١/١٣٠ - ١٣١) ، والنسائي (١/١٤٥) ، والترمذي
(٢/٢٥) ، والدارمي (٢/١٨٣) ، وابن ماجه (١/٢٧٦) ، والدارقطني(١٢٢) ، والطبراني
في " الصغير "(٤٢) ، وكذا البيهقي (٢/٣٨ و ١٦٤ و ٣٧٤ - ٣٧٥) ، وأحمد (٥/٣١٤
و٣٢١ - ٣٢٢) من طرق عن الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت رضي
الله عنه مرفوعاً به. ﴿وهو مخرج في " الإرواء "(٣٠٢) ﴾ .
والزيادة الأولى: هي رواية للبيهقي، وكذا رواه الإسماعيلي، وأبو نعيم في
" المستخرج " - كما في " الفتح " (٢/١٩١) -.
والزيادة الثانية: هي عند مسلم، ﴿وأبي عوانة (٢/١٢٤) ﴾ ، والنسائي، وأحمد
من طريق معمر عن الزهري.
وكذلك رواه ابن حبان، وقال:
" تفرد بها معمر " - كما في " التلخيص " (٣/٣٠٩) -.
قلت: وسبقه إلى ذلك البخاري في " الجزء " المذكور؛ فقال:
" وعامة الثقات لم يتابع معمراً في قوله: " فصاعداً " ". ثم قال:стр. 299
..............................................................................
الحواشي
(٣) ، وأبو داود (١/١٣٠) ، والبيهقي (٢/٦٠) ،
وأحمد (٣/٣ و ٤٥ و ٩٧) من طريق قتادة عن أبي نضرة عنه.
وهذا إسناد صحيح؛ كما قال الحافظ في " التلخيص " (٣/٣١٤) ، وقال في " الفتح "
(٢/١٩٣) :
" سنده قوي ". وقال النووي في " المجموع " (٣/٣٢٩) :
" صحيح على شرط البخاري ومسلم ".
قلت: بل على شرط مسلم وحده؛ فإن أبا نضرة - واسمه: المنذر بن مالك - إنما
أخرج له البخاري تعليقاً.
ورواه أبو حنيفة في " المسند "(١٣) ، وعنه أبو يوسف في " الآثار " رقم(٦) من طريق
آخر عن أبي نضرة، وكذا ابن ماجه(٢٧٧) .
ومنها: عن أبي هريرة قال:
أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي:стр. 300
..............................................................................
الحواشي
(١٣) عن عطاء بن
أبي رباح عنه به.
هذا، وأما اللفظ الآخر المذكور في الأصل؛ فهو رواية للدارقطني من طريق زياد بن
أيوب - أحد الأثبات - عن سفيان. وقال:
" إسناد صحيح ".
وتابعه على ذلك العباس بن الوليد النَّرْسِي؛ أحد شيوخ البخاري.
أخرجه الإسماعيلي - كما في " الفتح " (٢/١٩٢) -، وصححه ابن القطان - كما في
" التلخيص " (٣/٣٠٩) -.
وله شاهد من حديث أبي هريرة، ويأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى [ص ٣١٠] .стр. 301
" من صلى صلاة لم يقرأ فيها بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ ؛ فهي خِداج، هي
خِداج، هي خِداج (١) ؛................................................ الحواشي
(١) أي: ناقصة، وقد أكد ذلك بقوله ﷺ :
" غير تمام ". قال ابن عبد البر:
" والخداج: النقصان والفساد. من ذلك قولهم: أخدجت الناقة وخدجت: إذا
ولدت قبل تمام وقتها، وقبل تمام الخلق، وذلك نتاج فاسد ".
فالحديث دليل على فساد صلاة من لم يقرأ ﴿الفَاتِحَة﴾ ؛ وإنْ قرأ فيها بغيرها من
القرآن. ويدل على ذلك أيضاً الحديث الذي قبله؛ فإنه نفى الصلاة بترك ﴿الفَاتِحَة﴾ ،
والظاهر أن المراد: نفي كلها لا كمالها؛ لما سيأتي. ثم قال ابن عبد البر:
" وقد زعم من لم يوجب - أي: يفرض - قراءة ﴿فاتحة الكتاب﴾ في الصلاة أن
قوله: " خداج ". يدل على جواز الصلاة؛ لأنه النقصان، والصلاة الناقصة جائزة.
وهذا تحكم فاسد، والنظر يوجب أن لا تجوز الصلاة؛ لأنها صلاة لم تتم، ومن خرج
من صلاته قبل أن يتمها؛ فعليه إعادتها ". اهـ من " الاستذكار "؛ نقلاً من " التعليق
الممجد "(٩٣) .
وقد ذهب إلى فرضية ﴿الفَاتِحَة﴾ ، وأنه لا يجزئ غيرها: مالك، والشافعي،
وأحمد، وجمهور العلماء؛ من الصحابة والتابعين ومن بعدهم - كما في " المجموع "
(٣/٣٢٧) -، واحتجوا بهذا الحديث، وبالحديث الذي قبله، وقالوا:
إن المراد به: نفي ذات الصلاة أو صحتها، لا: كمالها، وأيدوا ذلك باللفظ الآخر:
" لا تجزئ ". فنفى إجزاءها؛ وهو المراد.
وخالف في ذلك أبو حنيفة، ومحمد فقالا بوجوب قراءة ﴿الفَاتِحَة﴾ ؛ لا فرضيتها -
بناءً على اصطلاحهم في التفريق بين الواجب والفرض -، وقالوا بصحة الصلاة بتركها،стр. 302
..............................................................................
الحواشي
(١) وأجابوا عن الحديث بأن المراد به: نفي الكمال؛ أي: لا صلاة كاملة.
وأجاب الجمهور بأنه خلاف الحقيقة، وخلاف الظاهر والسابق إلى الفهم، وأجابوا
أيضاً عن الحديث الثاني بما ذكرناه عن ابن عبد البر - وسمعت الجواب عنه -، وقالوا:
إن فرض القراءة التي لا تصح الصلاة إلا بها: ثلاث آيات قصيرات. وفي رواية عن
أبي حنيفة: آية واحدة؛ ولو نحو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ . واحتجوا على ذلك بقوله:
﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ .
وفي هذا الاستدلال نظر من وجوه:
الأول: أن الآية وردت في قيام الليل؛ لا في تقدير القراءة - كما هو المتبادر من
سياق الآية -؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَي اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ
وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا
تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ ... ﴾ الآية.
ويدل لذلك أيضاً سبب نزولها؛ وهو ما أخرجه مسلم (٢/ ١٦٨ - ١٦٩) ، وابن نصر
(٢ - ٣) وغيرهما في حديث عن سعد بن هشام بن عامر - عن عائشة - قال:
قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن قيام رسول الله ﷺ ؟ فقالت:
ألست تقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ﴾ ؟ قلت: بلى. قالت:
فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة؛ فقام نبي الله ﷺ .
وأصحابه حولاً، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل الله في آخر
هذه السورة التخفيف؛ فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة ... الحديث.
فعلى هذا؛ فمعنى الآية: فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل؛ عبر عن الصلاة
بالقراءة، كما عبر عنها بسائر أركانها. قاله الآلوسي الحنفي في " روح المعاني ".стр. 303
..............................................................................
الحواشي
(٦) :
" وقد احتج بعض أصحاب الرأي في إيجاب القراءة في الصلوات المكتوبات (بهذه
الآية) ؛ فأسقطوا فرض قراءة ﴿الفَاتِحَة﴾ متأولين لهذه الآية، فقالوا: إنما عليه أن يقرأ مما
تيسر من القرآن، ولا عليه أن لا يقرأ بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ . ثم ناقضوا؛ فقالوا: لا بد أن
يقرأ بثلاث آيات فصاعداً، أو بآية طويلة نحو: آية الدين، أو آية الكرسي، فإن قرأ بآية
قصيرة نحو: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ ، و ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ ؛ لم يجز، وليست هذه الآية من القراءة في
الصلوات المكتوبات في شيء؛ إنما أنزلت الآية - على ما أعلمتك - بقيام الليل، وإنما
أخذت القراءة في الصلوات المكتوبات عن النبي ﷺ ؛ كما أخذ عدد الركوع، والسجود،
وسائر ما في الصلاة عن النبي ﵇، ويقال لهم:
خبرونا عمن لم يتيسر عليه قراءة شيء من القرآن في الصلاة، ولم يخف؛ هل
توجبون عليه أن يتكلف مقدار ما حددتم؛ من قراءة ثلاث آيات، أو آية طويلة؛ وإن ثقل
ذلك عليه، ولم يتيسر؟! فإن قالوا: نعم. قيل: من أين أوجبتم عليه قراءة ما لم يتيسر
عليه، وإنما أمره الله بقراءة ما تيسر في زعمكم؟! ويلزمكم أن تجيزوا للمصلي إذا افتتح
الصلاة أن يقول: (ألف) ويركع، ويقول: لم يتيسر علي أكثر من ذلك. فإذا أجازوا
ذلك؛ خالفوا السنة، وخرجوا من قول أهل العلم ". اهـ[بتصرف] .
قلت: وهذا الإلزام الأخير لهم أن يجيبوا عنه بقولهم: إن قول المصلي: (ألف) .
ليس بقراءة عرفاً؛ فلا تشمله الآية، فلا يلزمنا ما ذكرتَ.стр. 304
..............................................................................
الحواشي
(١) وأما الإلزام الذي قبله؛ فهو إلزام قوي، لا جواب لهم عليه.
الوجه الثاني: سلمنا - جدلاً - أن الآية واردة في تقدير القراءة - كما زعموا -؛
فمن أين لهم تقدير ذلك بآية، أو ثلاث آيات؟ فلو عارضهم معارض، فقدرها بآيتين، أو
بأربع، أو بست؛ فبماذا يجيبونه؟ وما الفرق بينه وبينهم؟! والنظر الصحيح يقتضي - بناء
على هذا التسليم - أن المفروض ما تيسر من القراءة؛ بدون تحديد، وذلك يختلف
باختلاف المصلين، فمن كان ميسوراً عليه أن يقرأ بسورة ﴿البَقَرَة﴾ - مثلاً -؛ فيفترض
عليه أن يقرأ بها. وهذا مما لا يقولون به.
الوجه الثالث: أن يقال: هَبُوا أن ما فهمتموه من الآية صحيح؛ فغاية ما تفيد
فرضيةَ القراءة، لا ركنيتها؛ فمن أين لكم القول بركنيتها، المستلزم لبطلان الصلاة
بتركها؟!
فإن قالوا: هو قوله ﷺ :
" لا صلاة إلا بقراءة ". - أخرجه مسلم (٢/١٠) وغيره من حديث أبي هريرة -.
قلنا: هذا مطلق، قيده أبو هريرة في أحاديثه الأخرى - وقد مضت -؛ فلا حجة لكم فيه.
ولعله من أجل هذا ذهب بعض علمائنا الحنفية إلى أنها ليست بركن؛ ومنهم الغزنوي
صاحب " الحاوي القدسي " - كما في " البحر الرائق " (١/٣٠٨، ٣٠٩) - ثم نقول - وهو -:
الوجه الرابع: قد تبين مما سلف أنهم قيدوا الآية بآرائهم، ولم يدعوها مطلقة،
وإلا؛ لزمهم ما ذكرنا. فحينئذٍ يقال:
إذا كان ولا بد من تقييدها؛ فتقييدها بالنص الصحيح الثابت عنه ﷺ خير من
تقييدها بالرأي المحض. وقولهم: إن ذلك لا يجوز؛ لأنه خبر آحادي، ولا يجوز الزيادة به
على القرآن. لا يفيدهم شيئاً؛ لأننا نقول:стр. 305
..............................................................................
الحواشي
(٤) :
" وتواتر الخبر عن رسول الله ﷺ : " لا صلاة إلا بقراءة ﴿أم القرآن﴾ " ".
وحينئذٍ يجوز الزيادة بهذا الخبر على القرآن؛ على قواعد الحنفية أنفسهم.
وقد ذكَّرتني بعض هذه القواعد إيراداً آخر يرِد عليهم، وهو:
_________
(*) كتب الشيخ ﵀ بخطه هنا: " يراجع " إعلام الموقعين " ".стр. 306
..............................................................................
الحواشي
(١) الوجه السادس: جاء في أصول الحنفية أن الفرض: ما ثبت بدليل قطعي الثبوت،
قطعي الدلالة. فإذا لم يوجد أحد الشرطين؛ لم يثبت الفرض، بل يثبت به الواجب
عندهم. والذي يهمنا في هذا المقام انتفاء الشرط الثاني.
ومن الأمثلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ . فقد أمر تعالى
بالنحر، فهو بظاهره يفيد فرضية النحر، ولكنَّ العلماء المفسرين اختلفوا في هذا النحر؛
فذهب بعضهم إلى أنه نحر مطلق؛ شكراً لله على ما أعطاه من الخير الكثير، وذهب
آخرون إلى أنه النحر في عيد الأضحى؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ﴾ ؛ أي: صلاة
العيد. وبهذا قال الحنفية؛ فأوجبوا النحر في عيد الأضحى، ولم يقولوا بفرضيته؛ لهذا
الاختلاف الذي جعل مفهوم الآية ظني الدلالة، لا قطعيَّها.
وبناء عليه نقول: إن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ . هو ظني الدلالة؛
لما سبق - مع أن الصحيح خلاف ما فهم الحنفية -، فلا يستقيم حينئذٍ الاحتجاج بها
على فرضية القراءة؛ بل تدل على وجوبها، فقد سلمت الآية من التعارض مع الحديث،
ووجب الأخذ به على ظاهره، وهم لم يأخذوا به؛ خشية التعارض، وهو الذي دفعهم
إلى تأويله بأن المراد به: نفي الكمال - كما سبق -. وقد قال أبو الحسن السندي الحنفي
في " حاشيته على ابن ماجه ":
" وأما الكمال؛ فقد حقّق الكمالُ (*) ضعفَه؛ لأنه مخالف، لا يصار إليه إلا بدليل،
والوجود في كلام الشارع يحمل على الوجود الشرعي؛ دون الحسي. فمؤدى الحديث
نفي الوجود الشرعي للصلاة، التي لم يقرأ فيها بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ ؛ فتعين نفي
الصحة. وما قاله أصحابنا أنه من حديث الآحاد - وهو ظني، لا يفيد العلم؛ وإنما يوجب
الفعل -؛ فلا يلزم منه الافتراض.
_________
(*) هو الكمال ابن الهُمام، فتنبّه.стр. 307
..............................................................................
الحواشي
(١) .
هذا، وقد ألزم الحنفية مخالفيهم من الجمهور القولَ بفرضية زيادة شيء من القرآن
على ﴿الفَاتِحَة﴾ ؛ بدليل الزيادة المتقدمة: " فصاعداً ". فقالوا:
إذا كان الحديث أفاد ركنية ﴿الفَاتِحَة﴾ ؛ فكذلك هذه الزيادة وما في معناها تفيد
ركنية الزيادة عليها.
وأُجِيبَ بأن هذه الزيادة وردت لدفع توهم قَصْر الحكم على ﴿الفَاتِحَة﴾ . قال
البخاري في " جزء القراءة "(٢) :
_________(١) والعجب من علمائنا الحنفية ما استجازوا تقييد إطلاق الآية الكريمة بقوله ﵊:
" لا صلاة إلا بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ ".
مع أنه متفق على صحته، بينما خصصوا عمومها بقوله ﵊:
" من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة ".
مع كونه حديثاً مختلفا في صحته - كما سيأتي -.
فإن قيل: إنما استجازوا هذا؛ لأن عمومها ظني؛ بسبب أنه خُصَّ منه البعض، وهو: (المدرك في
الركوع) إجماعاً.
فالجواب: أن هذا الإجماع غير صحيح؛ فقد خالف فيه جمع من الشافعية- كما هو مذكور في المطولات -.
ثم على التسليم به؛ فالإطلاق المفهوم من الآية هو ظني أيضاً؛ غير متفق عليه - كما سبق -؛
فيجوز حينئذٍ تقييده بالظني من السنة؛ فتأمل.стр. 308
الحواشي
(١) هو من حديث أبي هريرة، وقد ورد عنه من طرق:
الأول: عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب: أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن
زُهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... به.
أخرجه مالك (١/١٠٦) عنه، ومن طريقه أخرجه مسلم (٢/٩ - ١٠) ، وأبو عَوَانة
(٢/١٢٦) ، والبخاري في " جزء القراءة "(٨) وفي " أفعال العباد "(٧٤) ، وأبو داودстр. 309
..............................................................................
الحواشي
(٩٣) ، والبيهقي (٢/٣٩) ، وأحمد (٢/٤٦٠) ؛ كلهم عن مالك به.
ثم أخرجه البخاري في " جزئه " (٨ و ٩) ، والترمذي (٢/١٥٧ - طبع بولاق) ، وابن
ماجه (١/٢٧٦) ، والطيالسي(٣٣٤) ، وأحمد (٢/٢٥٠ و ٢٨٥ و ٤٨٧) من طرق أخرى
عن العلاء به.
وللعلاء شيخ آخر فيه، وهو:
الطريق الثاني: أخرجه مسلم، والبخاري (٣ و ٨ و ٩ و ٢٢) ، والشافعي(٩٣) ،
والطحاوي، ﴿وأبو عوانة [٢/١٢٧] ﴾ ، والبيهقي، وأحمد (٢/٤٥٧ و ٤٧٨) من طرق عنه
عن أبيه عن أبي هريرة به.
هذا، وأخرجه ابن خزيمة في " صحيحه "، وعنه ابن حبان في " صحيحه " عن وهب
ابن جرير: ثنا شعبة عن العلاء به بلفظ:
" لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ ".
وإسناده صحيح - كما قال النووي (٣/٣٢٩) -؛ لكن قال ابن حبان:
" لم يقل في خبر العلاء هذا: " لا يجزئ ". إلا شعبة، ولا عنه إلا وهب بن جرير ".
قلت: هو عند البخاري، والطحاوي، وأحمد من طرق عن شعبة بلفظ الجماعة؛ بل
رواه الطحاوي عن وهب وسعيد بن عامر قالا: ثنا شعبة به مثله. اهـ.
فلم يسق لفظه، وإنما أحال على حديث مالك.
فهذا اللفظ شاذ.
ثم أخرجه مسلم، ﴿وأبو عوانة [٢/١٢٧] ﴾ ، والترمذي، والبيهقي من طريق أبي
أُويس: أخبرني العلاء قال: سمعت من أبي، ومن أبي السائب - وكانا جليسَيْ أبيстр. 310
..............................................................................
الحواشي
(٩) ، وأحمد (٢/٢٩٠) عن محمد بن عمرو عن
عبد الملك بن المغيرة بن نوفل عنه.
وهذا إسناد جيد.
الطريق الرابع: بلفظ غريب عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عُمَير عن عطاء عنه
مرفوعاً:
" من صلى صلاة مكتوبة وراء الإمام؛ فليقرأ بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ في سكتاته،
ومن انتهى إلى ﴿أم القرآن﴾ ؛ فقد أجزأه ".
أخرجه الحاكم (١/٢٣٨) ، والدارقطني(١٢٠) ، وضعفه بقوله:
" محمد بن عبد الله بن عبيد: ضعيف ".
ثم إن للحديث شواهد من حديث عبد الله بن عمرو، وعائشة، وجابر.
١- أما حديث ابن عمرو: فأخرجه البخاري(٣) ، وابن ماجه (١/٢٧٨) ، وأحمد
(٢/٢٠٤ و ٢١٥) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
وسنده حسن.
وأخرجه الدارقطني(١٢١) من طريق محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن
عمرو بن شعيب به بلفظ:
" من صلى صلاة مكتوبة أو تطوعاً؛ فليقرأ فيها بـ: ﴿أم الكتاب﴾ ، وسورة معها،
فإن انتهى إلى ﴿أم الكتاب﴾ ؛ فقد أُجزئ، ومن صلى صلاة مع إمام يجهر؛ فليقرأ بِ:
﴿فاتحة الكتاب﴾ في بعض سكتاته؛ فإن لم يفعل؛ فصلاته خداج؛ غير تمام ". قال
الدارقطني أيضاً:стр. 311
..............................................................................
الحواشي
(١٢٤) عن يحيى بن سلام: ثنا مالك
ابن أنس: ثنا وَهْب بن كيسان عنه بلفظ:
" كل صلاة لا يقرأ فيها بـ: ﴿أم الكتاب﴾ ؛ فهي خداج، إلا أن يكون وراء إمام ". وقال:
" يحيى بن سلام: ضعيف. والصواب: موقوف ".
قلت: كذلك رواه في " الموطأ " (١/١٠٥) موقوفاً، ومن طريقه رواه البيهقي
(١/١٦٠) ، ثم قال:
" هذا هو الصحيح عن جابر من قوله؛ غير مرفوع، وقد رفعه يحيى بن سلام وغيره
من الضعفاء عن مالك، وذاك مما لا يحل روايته على طريق الاحتجاج به ". وتعقبه ابن
التركماني بقوله:
" قلت: ذكر البيهقي في " الخلافيات ": أنه رُوي عن إسماعيل بن موسى السُّدِّي
أيضاً عن مالك مرفوعاً.
وإسماعيل: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي: احتمله الناس
ورووا عنه، وإنما أنكروا عليه الغلو والتشيع ". اهـ.стр. 312
ويقول: " قال الله ﵎: قسمت الصلاة (١) بيني وبين عبدي
نصفين: فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل ". وقال رسول
الله ﷺ :
" اقرؤوا: يقول العبد: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ؛ يقول الله تعالى:
حمدني عبدي. ويقول العبد: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ؛ يقول الله تعالى:
أثنى عليَّ عبدي. ويقول العبد: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدَّينِ﴾ ؛ يقول الله تعالى: الحواشي
(١) أي: ﴿الفَاتِحَة﴾ ، وهو من إطلاق الكل، وإرادة الجزء؛ ﴿تعظيماً﴾ ، قال في
" شرح مسلم ":
" قال العلماء: المراد بالصلاة هنا: ﴿الفَاتِحَة﴾ ، سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها
- كقوله ﷺ : " الحج عرفة " -؛ ففيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة؛ قال العلماء:
والمراد قسمتها من جهة المعنى؛ لأن نصفها الأول: تحميد لله تعالى، وتمجيد، وثناء عليه
وتفويض إليه، والنصف الثاني: سؤال، وتضرع، وافتقار.
واحتج القائلون بأن البسملة ليست من ﴿الفَاتِحَة﴾ بهذا الحديث، وهو من أوضح ما
احتجوا به؛ قالوا: لأنها سبع آيات بالإجماع: فثلاثٌ - في أولها -: ثناء؛ أولها:
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ، وثلاثٌ: دعاءٌ؛ أولها: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ﴾ ، والسابعة:
متوسطة؛ وهي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . قالوا: ولأنه قال:
" قسمت الصلاة بيني، وبين عبدي نصفين: فهذا قال العبد: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
العَالَمِينَ﴾ ... ". فلم يذكر البسملة، ولو كانت منها؛ لذكرها ". اهـ.
ثم ذكر النووي جواب الشافعية عن الحديث بما لا يُقْنع، وقد ذكرها الشوكاني
(٢/١٧٤) ، ثم قال:
" ولا يخفى أن هذه الأجوبة؛ منها ما هو غير نافع، ومنها ما هو ضعيف ".стр. 313
..............................................................................
الحواشي
(١) وقد ذكر الزيلعي في " نصب الراية " أقوال العلماء في البسملة؛ فقال (١/٣٢٧) :
" والمذاهب في كونها من القرآن ثلاثة: طرفان، ووسط:
فالطرف الأول: قول من يقول: إنها ليست من القرآن إلا في سورة ﴿النَّمْلِ﴾ ؛
كما قال مالك، وطائفة من الحنفية، وقاله بعض أصحاب أحمد؛ مدعياً أنه مذهبه،
ناقلاً لذلك عنه.
والطرف الثاني: قول من يقول: إنها آية من كل سورة، أو بعض آية؛ كما هو
المشهور عن الشافعي، ومن وافقه.
والقول الوسط؛ أنها من القرآن حيث كتبت، وأنها مع ذلك ليست من السور؛ بل كتبت
آية في كل سورة، وكذلك تتلى آية مفردة في أول كل سورة؛ كما تلاها النبي ﷺ حين
أنزلت عليه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الكَوْثَرَ﴾ . رواه مسلم من حديث المختار بن فُلفُل عن أنس:
أنه ﵊ أغفا إغفاءة، ثم استيقظ، فقال:
" نزلت عليَّ سورة آنفاً ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ
الكَوْثَرَ ... ﴾ إلى آخرها.
وهذا قول ابن المبارك، وداود، وأتباعه، وهو المنصوص عن أحمد بن حنبل، وبه
قال جماعة من الحنفية، وذكر أبو بكر الرازي أنه مقتضى مذهب أبي حنيفة.
وهذا قول المحققين من أهل العلم؛ فإن في هذا القول الجمعَ بين الأدلة، وكتابتها
سطراً مفصولاً عن السورة يؤيد ذلك، وعن ابن عباس:
كان النبي ﷺ لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ
الرَّحِيمِ﴾ . وفي رواية: لا يعرف انقضاء السورة.
رواه أبو داود والحاكم، وقال:стр. 314
..............................................................................
стр. 315
مَجَّدَني (١) عبدي. يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ؛ [قال] : فهذه
بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ
المُسْتَقِيمَ. صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ؛
[قال] : فهؤلاء (٢) لعبدي، ولعبدي ما سأل " (٣) . الحواشي
(١) أي: عظمني.(٢) فيه دليل على أن: ﴿اهْدِنَا﴾ ، وما بعده، إلى آخر السورة: ثلاث آيات، لا
آيتان. وفي المسألة خلاف مبني على أن البسملة من ﴿الفَاتِحَة﴾ أم لا؛ فمذهب
الشافعية وغيرهم أنها آية من ﴿الفَاتِحَة﴾ - كما سبق -، و: ﴿اهْدِنَا﴾ ، وما بعده:
آيتان. ومذهب مالك وغيره - ممن يقول أنها ليست من ﴿الفَاتِحَة﴾ - يقول: ﴿اهْدِنَا﴾ وما
بعده: ثلاث آيات؛ بدليل هذه الرواية. واحتج الأولون برواية مسلم:
" هذا لعبدي ". وقد عرفت الحق في ذلك مما ذكرنا قريباً.(٣) هو من تمام حديث أبي هريرة الذي قبله(١) [ص ٣١٠] ، وقد تقدم تخريجه،
وبيان طرقه، وهذه التتمة إنما جاعت من الطريقين الأولين عند الشيخين وغيرهما،
والسياق للإمام مالك، والزيادتان من مسلم وغيره.
_________(١) ﴿وله شاهد من حديث جابر: عند السهمي في " تاريخ جرجان "(١٤٤) ﴾ .стр. 316
وكان ﷺ يقول:
" ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإنجيل مثل ﴿أم القرآن﴾ ؛
وهي السبع المثاني [والقرآن العظيم الذي أوتيته] (١) " (٢) . الحواشي
(١) قال الباجي:
" يريد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي وَالقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ . وسميت
السبع؛ لأنها سبع آيات. والمثاني؛ لأنها تثنى في كل ركعة ﴿أي: تعاد﴾ . وإنما قيل
لها: (القرآن العظيم) على معنى التخصيص لها بهذا الاسم، وإن كان كل شيء من
القرآن قرآناً عظيماً؛ كما يقال في الكعبة: (بيت الله) ، وإن كانت البيوت كلها لله،
ولكن على سبيل التخصيص والتعظيم له ". اهـ.
والحديث نص صريح في بيان المراد من الآية، وهو ﴿الفَاتِحَة﴾ ؛ فلا يلتفت بعد
ذلك إلى ما يخالفه من الأقوال مهما كان شأن قائله.(٢) أخرجه النسائي (١/١٤٦) ، والترمذي (٢/١٩١ - طبع بولاق) ، وأحمد
(٥/١١٤) من طريق عبد الحميد بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن
أبيه عن أبي هريرة عن أبي بن كعب به مرفوعاً.
ثم أخرجه أحمد، وكذا الحاكم (١/٥٥٧ و ٢/٢٥٧ - ٢٥٨ و ٣٥٤) بهذا الإسناد
مطولاً بلفظ: قال: قال رسول الله ﷺ :
" ألا أعلمك سورة ما أنزل الله في التوراة، ولا في الزبور، ولا في الإنجيل، ولا في
القرآن مثلها؟ ". قلت: بلى. قال:
" فإني أرجو أن لا أخرج من ذلك الباب حتى تعلمها ". ثم قام رسول الله ﷺ ،
فقمت معه، فأخذ بيدي، فجعل يحدثني حتى بلغ قرب الباب، قال: فذكَّرته؛ فقلت:
يا رسول الله! السورة التي قلت لي؟ قال:стр. 317
..............................................................................
الحواشي
(١) " فكيف تقرأ إذا قمت تصلي؟ " فقرأتُ بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ . قال:
" هي هي، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم؛ الذي أوتيت بعد ". وقال الحاكم:
" صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. لكن اختلف فيه على
العلاء بن عبد الرحمن؛ فرواه عنه عبد الحميد بن جعفر هكذا.
ورواه عبد العزيز بن محمد: عند الترمذي.
ومحمد بن جعفر بن أبي كثير المدني: عند البيهقي (٢/٣٧٥ - ٣٧٦) .
وعبد الرحمن بن إبراهيم: عند أحمد (٢/٤١٢ - ٤١٣) .
والنسائي من طريق روح بن القاسم.
وابن خزيمة من طريق حفص بن ميسرة - على ما في " الفتح " (٨/١٢٨) -؛ رووه
خمستهم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة:
أن النبي ﷺ خرج على أبي بن كعب ... فذكره نحوه.
وكذا رواه إسماعيل بن جعفر: عند أحمد (٢/٣٥٧) ، والطحاوي في " المشكل "
(٢/٧٨) .
وكذا جهضم بن عبد الله: عنده.
ورجح الترمذي هذه الرواية؛ فقال:
" وهذا أصح من حديث عبد الحميد بن جعفر، هكذا روى غير واحد عن العلاء بن
عبد الرحمن ".
ورواه شعبة عن العلاء عن أبيه عن أبي بن كعب به مختصراً.
أخرجه الحاكم (١/٥٥٨) .стр. 318
..............................................................................
الحواشي
(١٤) ، وأبو داود (١/٢٣٠) ،
والترمذي أيضاً، والطحاوي، والبيهقي، وأحمد (٢/٤٤٨) عن ابن أبي ذئب: ثنا سعيد
المقبري عن أبي هريرة مختصراً مرفوعاً بلفظ:стр. 319
وأمر ﷺ (المسيء صلاته) أن يقرأ بها في صلاته، وقال لمن لم يستطع
حفظها:
" قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول
ولا قوة إلا بالله ". وقال لـ (المسيء صلاته) : " فإن كان معك قرآن؛ فاقرأ
به، وإلا؛ فاحمد الله، وكبِّره، وهلله " (١) . الحواشي
(١٧٨) ، وأحمد (٣/٤٥٠
و٤/٢١١) من طرق عن شعبة قال: ثني خُبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عنه.(١) جاء ذلك في بعض طرق حديث رفاعة بن رافع - وقد سبق تخريجه في أول
الكتاب [ص ٥٦]-؛ فروى أبو داود (١/١٣٧) ، وعنه البيهقي (٢/٣٧٤) ، وأحمد
(٤/٣٤٠) من طريق محمد بن عمرو عن علي بن يحيى بن خَلاد الزُّرَقي عن رِفَاعة قال:стр. 320
..............................................................................
الحواشي
(١١) : ثنا يحيى
ابن بُكَير قال: ثنا عبد الله بن سُوَيد عن عيّاش عن بُكَير - وفي الأصل: بكر، وهو
تحريف - ابن عبد الله عن علي بن يحيى عن أبي السائب [عن] رجل من أصحاب
النبي ﷺ [قال] :
صلى رجل والنبي ﷺ ينظر إليه، فلما قضى صلاته؛ قال:
" ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصل ". (ثلاثاً) . فقام الرجل، فلما قضى صلاته؛ قال
النبي ﷺ :
" ارجع فصل ". (ثلاثاً) .
قال: فحلف له: كيف؟! اجتهدتُ! - كذا -. فقال له:
" ابدأ؛ فكبِّر، وتحمد الله، وتقرأ بـ: ﴿أم القرآن﴾ ، ثم تركع ... " الحديث.
وإسناده صحيح. رجاله رجال " الصحيح "؛ غير عبد الله بن سويد، وهو ثقة.
وجاء تعيين ﴿الفَاتِحَة﴾ في رواية أبي هريرة أيضاً في حديث (المسيء صلاته) عند
البيهقي (٢/٣٧٣) ، لكن في سنده عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف من جهة
حفظه، وغيره لا يذكر ذلك، وقد مضى لفظه في الموضع المشار إليه سابقاً.следующие страницы →