Полный текст (1 078 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
وكان ﷺ يقول:
" ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإنجيل مثل ﴿أم القرآن﴾ ؛
وهي السبع المثاني [والقرآن العظيم الذي أوتيته] (١) " (٢) . الحواشي
(١) قال الباجي:
" يريد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي وَالقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ . وسميت
السبع؛ لأنها سبع آيات. والمثاني؛ لأنها تثنى في كل ركعة ﴿أي: تعاد﴾ . وإنما قيل
لها: (القرآن العظيم) على معنى التخصيص لها بهذا الاسم، وإن كان كل شيء من
القرآن قرآناً عظيماً؛ كما يقال في الكعبة: (بيت الله) ، وإن كانت البيوت كلها لله،
ولكن على سبيل التخصيص والتعظيم له ". اهـ.
والحديث نص صريح في بيان المراد من الآية، وهو ﴿الفَاتِحَة﴾ ؛ فلا يلتفت بعد
ذلك إلى ما يخالفه من الأقوال مهما كان شأن قائله.(٢) أخرجه النسائي (١/١٤٦) ، والترمذي (٢/١٩١ - طبع بولاق) ، وأحمد
(٥/١١٤) من طريق عبد الحميد بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن
أبيه عن أبي هريرة عن أبي بن كعب به مرفوعاً.
ثم أخرجه أحمد، وكذا الحاكم (١/٥٥٧ و ٢/٢٥٧ - ٢٥٨ و ٣٥٤) بهذا الإسناد
مطولاً بلفظ: قال: قال رسول الله ﷺ :
" ألا أعلمك سورة ما أنزل الله في التوراة، ولا في الزبور، ولا في الإنجيل، ولا في
القرآن مثلها؟ ". قلت: بلى. قال:
" فإني أرجو أن لا أخرج من ذلك الباب حتى تعلمها ". ثم قام رسول الله ﷺ ،
فقمت معه، فأخذ بيدي، فجعل يحدثني حتى بلغ قرب الباب، قال: فذكَّرته؛ فقلت:
يا رسول الله! السورة التي قلت لي؟ قال:стр. 317
..............................................................................
الحواشي
(١) " فكيف تقرأ إذا قمت تصلي؟ " فقرأتُ بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ . قال:
" هي هي، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم؛ الذي أوتيت بعد ". وقال الحاكم:
" صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. لكن اختلف فيه على
العلاء بن عبد الرحمن؛ فرواه عنه عبد الحميد بن جعفر هكذا.
ورواه عبد العزيز بن محمد: عند الترمذي.
ومحمد بن جعفر بن أبي كثير المدني: عند البيهقي (٢/٣٧٥ - ٣٧٦) .
وعبد الرحمن بن إبراهيم: عند أحمد (٢/٤١٢ - ٤١٣) .
والنسائي من طريق روح بن القاسم.
وابن خزيمة من طريق حفص بن ميسرة - على ما في " الفتح " (٨/١٢٨) -؛ رووه
خمستهم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة:
أن النبي ﷺ خرج على أبي بن كعب ... فذكره نحوه.
وكذا رواه إسماعيل بن جعفر: عند أحمد (٢/٣٥٧) ، والطحاوي في " المشكل "
(٢/٧٨) .
وكذا جهضم بن عبد الله: عنده.
ورجح الترمذي هذه الرواية؛ فقال:
" وهذا أصح من حديث عبد الحميد بن جعفر، هكذا روى غير واحد عن العلاء بن
عبد الرحمن ".
ورواه شعبة عن العلاء عن أبيه عن أبي بن كعب به مختصراً.
أخرجه الحاكم (١/٥٥٨) .стр. 318
..............................................................................
الحواشي
(١٤) ، وأبو داود (١/٢٣٠) ،
والترمذي أيضاً، والطحاوي، والبيهقي، وأحمد (٢/٤٤٨) عن ابن أبي ذئب: ثنا سعيد
المقبري عن أبي هريرة مختصراً مرفوعاً بلفظ:стр. 319
وأمر ﷺ (المسيء صلاته) أن يقرأ بها في صلاته، وقال لمن لم يستطع
حفظها:
" قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول
ولا قوة إلا بالله ". وقال لـ (المسيء صلاته) : " فإن كان معك قرآن؛ فاقرأ
به، وإلا؛ فاحمد الله، وكبِّره، وهلله " (١) . الحواشي
(١٧٨) ، وأحمد (٣/٤٥٠
و٤/٢١١) من طرق عن شعبة قال: ثني خُبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عنه.(١) جاء ذلك في بعض طرق حديث رفاعة بن رافع - وقد سبق تخريجه في أول
الكتاب [ص ٥٦]-؛ فروى أبو داود (١/١٣٧) ، وعنه البيهقي (٢/٣٧٤) ، وأحمد
(٤/٣٤٠) من طريق محمد بن عمرو عن علي بن يحيى بن خَلاد الزُّرَقي عن رِفَاعة قال:стр. 320
..............................................................................
الحواشي
(١١) : ثنا يحيى
ابن بُكَير قال: ثنا عبد الله بن سُوَيد عن عيّاش عن بُكَير - وفي الأصل: بكر، وهو
تحريف - ابن عبد الله عن علي بن يحيى عن أبي السائب [عن] رجل من أصحاب
النبي ﷺ [قال] :
صلى رجل والنبي ﷺ ينظر إليه، فلما قضى صلاته؛ قال:
" ارجع فصلِّ؛ فإنك لم تصل ". (ثلاثاً) . فقام الرجل، فلما قضى صلاته؛ قال
النبي ﷺ :
" ارجع فصل ". (ثلاثاً) .
قال: فحلف له: كيف؟! اجتهدتُ! - كذا -. فقال له:
" ابدأ؛ فكبِّر، وتحمد الله، وتقرأ بـ: ﴿أم القرآن﴾ ، ثم تركع ... " الحديث.
وإسناده صحيح. رجاله رجال " الصحيح "؛ غير عبد الله بن سويد، وهو ثقة.
وجاء تعيين ﴿الفَاتِحَة﴾ في رواية أبي هريرة أيضاً في حديث (المسيء صلاته) عند
البيهقي (٢/٣٧٣) ، لكن في سنده عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف من جهة
حفظه، وغيره لا يذكر ذلك، وقد مضى لفظه في الموضع المشار إليه سابقاً.стр. 321
..............................................................................
الحواشي
(١) ، والترمذي، والبيهقي (٢/٣٨٠) من طريق إسماعيل
ابن جعفر: أخبرني يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزُّرَقي عن أبيه عن جده
عن رفاعة به بلفظ:
" إذا قمت إلى الصلاة؛ فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد، وأقم، فإن كان معك
قرآن؛ فاقرأ، وإلا؛ فاحمد الله، وكبره، وهلله، ثم اركع ... " الحديث.
وكذلك أخرجه الطحاوي (١/١٣٧) ، والطيالسي(١٩٦) . وقال الترمذي:
" حديث حسن ".
قلت: ورجاله رجال البخاري؛ غير يحيى بن علي هذا، وقد ذكره ابن حبان في
" الثقات "؛ إلا أن ابن القطان قال:
" لا يعرف إلا بهذا الخبر، وما علمت فيه ضعفاً ". قال الذهبي:
" قلت: لكن فيه جهالة ".
قلت: وأشار إلى ذلك الحافظ في " التقريب " بقوله:
" مقبول ".
قلت: لكنه قد توبع على رواية هذا الحديث في الجملة - كما بينا فيما سبق -،
وتابعه على هذه اللفظة شريك بن أبي نمر عن علي بن يحيى عن عمه رفاعة بن رافع.
أخرجه الطحاوي هكذا منقطعاً؛ لم يذكر في إسناده يحيى بن خلاد، والوهم من
شريك هذا؛ فإنه - وإن كان من رجال الشيخين؛ فإنه - كان يخطئ، وبقية رجال
الإسناد ثقات رجال البخاري.
_________(١) ﴿" صحيح أبي داود "(٨٠٧) ﴾ .стр. 322
..............................................................................
الحواشي
(١١٨) ، والبيهقي (٢/٣٨١) ، والطيالسي(١٠٩) ، وأحمد (٤/٣٥٣ و ٣٥٦ و ٣٨٢) ،
وابن حبان، ﴿وابن خزيمة (١/٨٠/٢) ، والطبراني﴾ من طرق عنه. وقال الحاكم:
" صحيح على شرط البخاري ". ووافقه الذهبي.
قلت: السكسكي هذا من رجال البخاري، لكنه ضعيف من جهة حفظه عند
الجمهور، حتى اعتُرض على البخاري من أجله. قال الحاكم:
" قلت للدارقطني: لِمَ ترك مسلم حديث السكسكي؟ فقال: تكلم فيه يحيى بن
سعيد. قلت: بحجة؟ قال: هو ضعيف ". وكذا قال أحمد:
" ضعيف ". وضعفه أيضاً النسائي، والعِقيلي، وقال ابن عدي:стр. 323
..............................................................................
الحواشي
(٣٠٣) ، و " صحيح أبي داود "(٧٨٥) ﴾ . قال السندي ﵀:
" قوله: (يجزئني) : من الإجزاء؛ أي: يكفيني منه أيُّ قراءة مقام القرآن ما دام ما
أحفظه. وإلا؛ فالسعي في حفظه لازم. وهذا يدل على أن العاجز عن القرآن يأتي
بالتسبيحات، ولا يقرأ ترجمة القرآن - بعبارة أخرى: غير نظم القرآن - ".
وقال الخطابي في " المعالم " (١/٢٠٧) :
" الأصل أن الصلاة لا تجزئ إلا بقراءة ﴿فاتحة الكتاب﴾ ؛ لقوله ﷺ :
" لا صلاة إلا بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ . ومعقول أن وجوب قراءتها إنما هو على من
أحسنها، دون من لا يحسنها؛ فإذا كان المصلي لا يحسنها، وكان يحسن شيئاً منстр. 324
..............................................................................
الحواشي
(١) القرآن غيرها؛ كان عليه أن يقرأ منه قدر سبع آيات؛ لأن أولى الذكر بعد ﴿فاتحة الكتاب﴾
ما كان مِثلاً لها من القرآن، فإن كان رجل ليس في وسعه أن يتعلم شيئاً من القرآن؛
لعجز في طبعه، أو سوء حفظه، أو عجمة لسان، أو آفة تعرض له؛ كان أولى الذكر بعد
القرآن ما علمه النبي ﷺ من التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير ". اهـ.
* * *стр. 325
نَسْخُ القراءة ِوراءَ الإمام في الجهرية
وكان ﷺ قد أجاز للمؤتمين أن يقرؤوا بها وراء الإمام في الصلاة
الجهرية؛ حيث كان في صلاة الفجر، فقرأ، فثقلت عليه القراءة، فلما
فرغ؛ قال:
" لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ ". قلنا: نعم؛ هذّاً (١) يا رسول الله! قال:
" لا تفعلوا؛ إلا [أن يقرأ أحدكم] بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ ؛ فإنه لا صلاة
لمن لم يقرأ بها " (٢) . الحواشي
(١) بتشديد الذّال وتنوينها. قال الخطابي (١/٢٠٥) :
" والهذّ: سرد القراءة، ومداركتها في سرعة واستعجال ".(٢) هذا حديث صحيح.
أخرجه البخاري في " جزء القراءة " (٧ و ٢٢) ، وأبو داود (١/١٣١) ، والترمذي
(٢/١١٦ - ١١٧) ، والطحاوي (١/١٢٧) ، والدارقطني(١٢٠) ، والحاكم (١/٢٣٨) ،
والطبراني في " الصغير "(١٣٤) ، والبيهقي (٢/١٦٤) ، وأحمد (٥/٣١٣ و ٣١٦ و ٣٢٢) ،
وابن حزم في " المحلى " (٣/٢٣٦) من طرق عن محمد بن إسحاق عن مكحول عن
محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت قال:
كنا خلف رسول الله ﷺ في صلاة الفجر؛ فقرأ ... الحديث.
وهذا إسناد جيد لا مطعن فيه - كما قال الخطابي في " المعالم " (١/٢٠٥) -؛ فقد
صرح ابن إسحاق بالتحديث في رواية لأحمد، والدارقطني وقال:
" هذا إسناد حسن ". وأعله البيهقي. وقال الترمذي:
" حديث حسن ". والحاكم:стр. 326
..............................................................................
الحواشي
(١) .
وقال الحافظ في " نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار " - بعد أن ساقه بإسناده
المتصل إلى أحمد، والبخاري عن ابن إسحاق به -:
" هذا حديث حسن ". وكذا قال النووي في " المجموع " (٣/٣٦٣) ، وقال في " تهذيب
الأسماء " (٢/١٨٠) :
" حديث صحيح ". كما في " إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام "(١٨٩) . قال:
" وأخرجه ابن خزيمة في " صحيحه "، ولم يتفرد به محمد بن إسحاق، بل تابعه
عليه زيد بن واقد؛ أحد الثقات من أهل الشام ".
قلت: لكن خالفه في الإسناد؛ فقال: عن مكحول عن نافع بن محمود بن الربيع:
أنه سمع عبادة بن الصامت. ولم يقل: عن محمود بن الربيع - كما في رواية ابن
إسحاق -. قال البيهقي:
" فكأنه سمعه منهما جميعاً ".
أخرجه الدارقطني(١٢١) ، وعنه البيهقي (٢/١٦٥) من طريق محمد بن المبارك
الصوري: ثنا صدقة بن خالد: ثنا زيد بن واقد عن حرام بن حكيم ومكحول عن نافع
ابن محمود بن الربيع - كذا قال -: أنه سمع عبادة بن الصامت به نحوه.
وكذا رواه البخاري في " جزئه "(٧) وفي " أفعال العباد "(٩٢) ، والبيهقي من طريق
هشام بن عمار: نا صدقة بن خالد به.
_________(١) قال الحافظ في " التلخيص " (٣/٣١١) :
" رواه أحمد، والبخاري في " جزء القراءة " - وصححه أبو داود -، والترمذي، والدارقطني، وابن
حبان ... " إلخ.стр. 327
..............................................................................
الحواشي
(٧) ،
والبيهقي (٢/١٦٦) ، وأحمد (٤/٢٣٦ و ٥/٦٠ و ٨١ و ٤١٠) من طريقين عن خالد الحَذَّاء
عن أبي قِلابة عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول
الله ﷺ :
" لعلكم تقرؤون، والإمام يقرأ؟ ". قالوا: إنا لنفعل. قال:
" فلا تفعلوا؛ إلا أن يقرأ أحدكم بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ ".
وهذا إسناد صحيح عندي؛ فإن رجاله كلهم ثقات رجال مسلم. وقال البيهقي:
" إسناد جيد ". والحافظ (٣/٣١٢) :стр. 328
..............................................................................
الحواشي
(٢٢) ، والطحاوي
(١/١٢٨) ، والدارقطني(١٢٩) ، وأبو يعلى في " مسنده "، ومن طريقه رواه ابن حبان في
" صحيحه "، والطبراني في " الأوسط "، والبيهقي؛ كلهم عن عبيد الله بن عمرو الرَّقِّي
عن أيوب به. وقال البيهقي:
" تفرد بروايته عن أنس عبيدُ الله بنُ عمرو، وهو ثقة؛ إلا أن هذا إنما يعرف عن أبي
قلابة عن محمد بن أبي عائشة ".
ومن الشواهد: ما أخرجه أحمد (٥/٣٠٨) : ثنا يزيد بن هارون: أنا سليمان - يعني:
التيمي - قال: حُدِّثْتُ عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال:
" تقرؤون خلفي؟ ". قالوا: نعم. قال:
" فلا تفعلوا؛ إلا بـ: ﴿أم الكتاب﴾ ".
ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي أيضاً (٢/١٦٦) .
ورجاله رجال الستة، غير الذي حدث التيمي؛ فهو مجهول؛ ولذا قال البيهقي:
" وهو مرسل ".
وعن عبد الله بن عمر نحوه.
أخرجه البزار، والطبراني في " الكبير ". قال الهيثمي (٢/١١٠) :стр. 329
..............................................................................
الحواشي
(٢٠٦) :
" وقد اختلف العلماء في هذه المسألة؛ فروي عن جماعة من الصحابة أنهم أوجبوا
القراءة خلف الإمام. وروي عن آخرين أنهم كانوا لا يقرؤون. وافترق الفقهاء فيها على
ثلاثة أقاويل: فكان مكحول والأوزاعي والشافعي وأبو ثور يقولون: لا بد من أن يقرأ
خلف الإمام فيما يجهر به، وفيما لا يجهر. وقال الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد بن
حنبل وإسحاق: يقرأ فيما أسر الإمام فيه، ولا يقرأ فيما جهر به(١) . وقال سفيان الثوري
وأصحاب الرأي: لا يقرأ أحد خلف الإمام؛ جَهَرَ الإمام أو أَسَرَّ. واحتجوا بحديث رواه
عبد الله بن شداد مرسلاً عن النبي ﷺ :
" من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة " ". انتهى.
_________(١) ﴿ (فائدة) : وقد ذهب إلى مشروعية القراءة خلف الإمام في السرية دون الجهرية الإمامُ
الشافعي في القديم، ومحمدٌ تلميذ أبي حنيفة في رواية عنه اختارها الشيخ علي القاري وبعض
مشايخ المذهب، وهو قول الإمام الزهري، ومالك، وابن المبارك، وأحمد بن حنبل، وجماعة من
المحدثين وغيرهم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية﴾ .стр. 330
..............................................................................
الحواشي
(١) قلت: وهذا الحديث المرسل صحيح - كما سيأتي -؛ ولكنه لا يدل على المنع من
القراءة كما صنع علماؤنا! وإنما يدل على أن قراءة الإمام تغني عن قراءة المؤتم، بحيث إنه
لو لم يقرأ؛ جازت صلاته. وأما حكم قراءته هو؛ فإنما يؤخذ من أحاديث أخرى.
وأعدل هذه المذاهب الثلاثة، وأقربها إلى الصواب: أوسطها، وهو قول الإمام
الشافعي ﵀ في القديم - كما في " المهذب " و " شرحه " (٣/٣١٣ - ٣١٤) وغيرهما -.
وليس مع القائلين بالوجوب دليل؛ إلا هذا الحديث، وإلا حديث عبادة بن الصامت:
" لا صلاة لمن لم يقرأ بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ ". وقد مضى.
وفي الاستدلال على ذلك بهذا الحديث الذي نحن بصدده نظر بيِّن؛ وذلك لأنه
قد تقرر في كتب الأصول: أن الاستثناء من حكم يدل على نقيضه فحسب، ولا دلالة
له على زيادة حكم. فقوله ﷺ : " لا تفعلوا "؛ نهي عن القراءة خلف الإمام في الجهرية،
واستثناؤه قراءة ﴿الفَاتِحَة﴾ يدل على عدم النهي عن قراءة ﴿الفَاتِحَة﴾ ، يعني: عدم
كراهتها وحرمتِها. ولا دلالة فيه بوجه من الوجوه على ركنية ﴿الفَاتِحَة﴾ أو وجوبها، فإن
ثبت بدليل آخر؛ فذاك، وإلا؛ فلا دلالة فيه على ما راموا منه من إثبات الوجوب أو
الركنية. قال بعض المتأخرين من المحققين الحنفيين:
" ونظيره: قوله تعالى: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ ؛ فنهى الله عز
وجل عن تصريح المواعدة في العِدَّة، واستثنى منه التعريض والكناية. فالتعريض
والكناية بالاستثناء لم يبق حراماً؛ لا أنه صار فرضاً أو واجباً، ولا يبعد أن يكون قريباً
من الكراهة.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ ؛
فهل هذا الإغماض والمسامحة واجب عند أحد؟! إنما هو إغضاء على القذى وسحب
الذيل على الأذى.стр. 331
..............................................................................
الحواشي
(١) فثبت من هذا الاستثناء: أن الاستثناء بعد النهي لا يفيد الوجوب والركنية، وإنما
يفيد الإباحة؛ لا سيما إذا وردت هذه الإباحة على سببٍ حادثٍ؛ لا ابتداءً؛ فلا يبقى
ريبة في أنها إباحة مرجوحة غير مستحسنة ولا مرضية، ويدل على ذلك:
ما رواه ابن أبي شيبة مرسلاً: أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه:
" هل تقرؤون خلف إمامكم؟ ". قال بعض: نعم. وقال بعض: لا. فقال:
" إن كنتم لا بدَّ فاعلين؛ فليقرأ أحدكم بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ في نفسه ".
فمن قال: لا؛ لم يأمره بالإعادة. ثم قال: " إن كنتم فاعلين " - ووزانه وزان قول الله
: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ -، ثم قال:
" فليقرأ أحدكم "؛ فلفظُ: " أحدكم "، لغير الاستغراق.
وأما قوله ﷺ :
" فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن "؛ فهو بيان وصف في ﴿الفَاتِحَة﴾ ، وأنها من
وصفها كذا، لا حكم به الآن ها هنا، والوصف لا يستلزم الحكم ما لم يحكم، ولم
يحكم إلا بالإباحة.
نعم؛ يكون حكماً سابقاً، وهو إذن لغير المقتدي، ثم سبق هنا ثانياً لغير المقتدي
على أنه بيان وصف في ﴿الفَاتِحَة﴾ ، فجعلوه حكماً الآن، وليس كما ينبغي! وهو كقولنا
لابن سَبْعٍ: صلِّ؛ فإنه لا دين لمن لا صلاة له. فالصلاة ليست بواجبة على ابن سبع
بالإجماع؛ ولكن علله بقوله: فإنه لا دين لمن لا صلاة له. يعني: لما كان شأن الصلاة هكذا
- بأنه لا دين لمن لا صلاة له -؛ صح أن يقال لابن سبع: صل. من غير وجوب ولا افتراض.
فكذا قوله ﷺ : " لا تفعلوا إلا بـ: ﴿أم القرآن﴾ ؛ حكم بالإباحة، ثم علل
لاستثناء ﴿الفَاتِحَة﴾ بقوله:стр. 332
..............................................................................
الحواشي
(١) " فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها "، يعني: لما كان شأن ﴿الفَاتِحَة﴾ هكذا - وهو أنه لا
صلاة إلا بها -؛ صح استثناؤها من النهي، ولعل ضمير الشأن في قوله: " فإنه لا
صلاة ... ". إلخ. أليق بهذا " اهـ. كلام هذا المحقق.
وهو غاية في التحقيق، لا يدع مجالاً لأحد بعد هذا البيان أن يحتج به على الوجوب.
ولذلك؛ فقد تنبه لهذا المعنى الصحيح المحقِّقُ السندي، فقال:
" ظاهر هذه الرواية إباحة القراءة بـ: ﴿الفَاتِحَة﴾ ، ولو جهر الإمام. فلعل من يمنع عنها
يقول: إن النهي مقدم على الإباحة عند التعارض. ولا يخفى أن المعارضة حال السر
مفقودة؛ فالمنع حينئذٍ غير ظاهر؛ ولهذا مال محمد وبعض المشايخ وغيرهم إلى قراءة
﴿الفَاتِحَة﴾ حال السر، ورجحه علي القاري في " شرح موطأ محمد "، ورأى أنه
الأحوط ". اهـ.
وإذ ثبت أن الحديث لا يدل على الوجوب - بل على الإباحة؛ بل الإباحة المرجوحة -؛
دل هو بعد ذلك على أن حديث عبادة - وهو حجتهم الثانية والأخيرة على الوجوب - لا يشمل
المقتدي؛ بل هو خاص بغيره - الإمام والمنفرد -؛ لأنه قد استثنى المؤتم من إيجاب ﴿الفَاتِحَة﴾
عليه؛ مع الرخصة له بقراءتها، وإنما يبقى النظر في هذه الرخصة؛ هل ظلت باقية أم ارتفعت؟
والظاهر لنا أنها ارتفعت؛ بدليل الحديث الذي بعد هذا في الكتاب، ونحن وإن كنا
نعترف أنه لا نص لدينا يدل على أنه متأخر الورود عن هذا الحديث الذي نحن بصدد
التعليق عليه؛ فإن النظر الصحيح، والرأي الرجيح يقتضي ذلك؛ لأنه ليس من المعقول
أن يكون ﵊ نهى الصحابة عن القراءة وراءه في ابتداء الأمر، ثم
يخالفونه؛ فيقرؤون وراءه ﴿الفَاتِحَة﴾ وغيرها! هذا بعيد جداً أن يصدر من الصحابة،
وهم يتلون قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .стр. 333
..............................................................................
الحواشي
(١) فثبت بذلك أن النهي كان بعد الرخصة، ولعل هذا هو وجه قول علمائنا بنسخ هذا
الحديث - وإن كنت لم أقف على شيء من كلامهم في توجيه نسخه -، ويكون عليه
الصلاة والسلام قد تدرج في النهي، ولم يفاجئهم بذلك؛ فنهاهم أولاً عن القراءة وراءه
إلا بـ: ﴿الفَاتِحَة﴾ ، ثم نهاهم عن القراءة كلها، وذلك بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ
القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ . قال الشافعي في القديم:
" فهذا عندنا على القراءة التي تسمع خاصة ". ويؤيد ذلك سبب نزول الآية؛ كما
قال مجاهد:
كان رسول الله يقرأ في الصلاة، فسمع قراءة فتى من الأنصار؛ فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ
القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ .
أخرجه البيهقي (٢/١٥٥) وغيره.
وقد قيل في سبب نزولها غير ذلك من الأقوال، ولكن ما ذكرنا أرجحُها؛ كما بينه
أبو الحسنات اللكنوي في " إمام الكلام " (ص ٧٧ - ١٠١) . وقد بسط القول في هذا
الكتاب على هذا الحديث تخريجاً، وتحقيقاً لفقهه، مع إنصاف؛ بما لا تجده في كتاب.
فراجعه (١٨٧ - ٢١١) .
وقد استفدنا منه بعض ما ذكرنا في هذا البحث. ومثله في التحقيق من الناحية
الفقهية العلامة الشيخ محمد أنور الكشميري في كتابه " فيض الباري على صحيح
البخاري " (٢/٢٧١ - ٢٨٠) ، ولولا أن يطول البحث؛ لنقلت كلامه؛ فإنه غاية في
التحقيق، وفيه شيء جديد لا تراه في الكتب المعروفة، لكن فيما ذكرناه عن ذلك
المحقق كفاية، وكلامه كان خلاصة كلام الكشميري هذا، وأظنه هو الكشميري نفسه،
لكني وجدت كلامه معلقاً عندي في بعض التعليقات منسوباً إليه غير مسمى، ولا
أذكر الآن مصدره، وغالب ظني أنه في كتابه هذا المذكور. والله أعلم.стр. 334
ثم نهاهم ﷺ عن القراءة كلها في الجهرية، وذلك حينما " انصرف من
صلاةٍ جهرَ فيها بالقراءة (وفي رواية: أنها صلاة الصبح) ، فقال:
" هل قرأ معي منكم أحد آنفاً؟! ".
فقال رجل: نعم؛ أنا يا رسول الله! فقال:
" إني أقول: ما لي أُنازَع (١) ؟! ".
[قال أبو هريرة:] فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله ﷺ فيما جهر
فيه رسول الله ﷺ بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله ﷺ ، [وقرؤوا
في أنفسهم سرّاً فيما لا يجهر فيه الإمام] (*) " (٢) . الحواشي
(١) قال الخطابي:
" معناه: أُدَاخَلُ في القراءة وأُغَالَبُ عليها. وقد تكون المنازعة بمعنى المشاركة
والمناوبة؛ ومنه منازعة الناس في النِّدام ".
قلت: والأنسب في هذا المقام: المعنى الآخر، وهو المشاركة؛ بدليل انتهائهم عن
القراءة. ولو كانوا فهموا أنه المعنى الأول؛ لانتهوا عن المداخلة فقط.
(*) الزيادتان من " صفة الصلاة " المطبوع (ص ٩٩) .(٢) هو من حديث ابن شهاب الزهري عن ابن أُكيْمة عن أبي هريرة رضي الله
عنه.
أن رسول الله ﷺ انصرف ... الحديث.
أخرجه عنه مالك (١/١٠٨) ، ومن طريقه محمد في " موطئه " (٩٠ - ٩١) ،
والبخاري في " جزئه "(٢٢) ، وأبو داود (١/١٣١) ، والنسائي (١/١٤٦) ، والترمذيстр. 335
..............................................................................
الحواشي
(١) (٢/١١٨) ، والطحاوي (١/١٢٧) ، والبيهقي (٢/١٥٧) ؛ كلهم عن مالك به.
وكذا هو في " المسند " (٢/٣٠١) .
ثم أخرجه هو (٢/٢٨٤) ، وأبو داود، وابن ماجه (١/٢٧٩) ، والبيهقي من طريق
معمر عن الزهري قال: سمعت ابن أكيمة به.
وفي رواية لأبي داود: قال معمر عن الزهري: قال أبو هريرة: فانتهى الناس ... إلخ.
ثم أخرجه ﴿الحميدي [رقم ٩٥٣] ﴾ ، وأبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، وأحمد
(٢/٢٤٠) من طريق سفيان بن عيينة: ثنا الزهري - حفظته من فِيْهِ - قال: سمعت ابن
أكيمة يحدث سعيدَ بن المسيب قال: سمعت أبا هريرة به دون قوله: فانتهى الناس. قال
سفيان: وتكلم الزهري بكلمة لم أسمعها. فقال معمر: إنه قال: فانتهى الناس.
ثم أخرجه أحمد (٢/٢٨٥) عن ابن جريج، و (٢/٤٨٧) عن عبد الرحمن بن
إسحاق؛ كلاهما عن الزهري به دون هذه الكلمة.
ثم أخرجه الطحاوي، والبيهقي، من طريق الأوزاعي: ثني الزهري عن سعيد بن
المسيب: أنه سمع أبا هريرة يقول: ... فذكره بلفظ: قال الزهري: فاتعظ المسلمون
بذلك؛ فلم يكونوا يقرؤون. هكذا قال الأوزاعي: عن سعيد. قال البيهقي:
" حفظ الأوزاعي كون هذا الكلام من قول الزهري؛ فَفَصَلَهُ عن الحديث، إلا أنه لم
يحفظ إسناده. والصواب ما رواه ابن عيينة عن الزهري قال: سمعت ابن أكيمة يحدث
سعيد بن المسيب. وكذلك قاله يونُس بن يزيدَ الأَيْلي ". اهـ.
وروي على وجه آخر عند أحمد (٥/٣٤٥) ، والمحاملي في " الأمالي " (٦/١٣٩/١) ،
والبيهقي من طريق يعقوب - هو: ابن إبراهيم الزهري -: ثنا ابن أخي ابن شهاب عن
عمه قال: أخبرني عبد الرحمن بن هرمز عن عبد الله ابن بُحَينة - وكان من أصحابстр. 336
..............................................................................
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ : أن رسول الله ﷺ قال:
" هل قرأ أحد منكم معي آنفاً؟ ". قالوا: نعم. قال:
" إني أقول: ما لي أنازع القرآن؟! ". فانتهى الناس عن القراءة معه حين قال ذلك.
وهذا إسناد رجاله رجال الستة، لكن ابن أخي ابن شهاب - واسمه: محمد بن
عبد الله بن مسلم الزهري -: متكلم فيه؛ لضعف في حفظه. وفي " التقريب ":
" صدوق له أوهام ".
ولذلك قال يعقوب بن سفيان:
" هذا خطأ لا شك فيه ولا ارتياب. ورواه مالك، ومعمر، وابن عيينة، والليث بن
سعد، ويونس بن يزيد، والزبيدي؛ كلهم عن الزهري عن ابن أكيمة عن أبي هريرة ".
وكذا قال البزار - بعد أن رواه من هذا الوجه -:
" إنه أخطأ فيه ابن أخي ابن شهاب ".
ثم أشار إلى أن الصواب رواية الجماعة عن الزهري عن ابن أبي أُكَيْمة - كما في
" المجمع " (٢/١١٠) -.
واعلم أنه قد اختُلف في الحديث في أمرين:
الأول: قوله: فانتهى الناس ... إلخ. هل هو من قول أبي هريرة؛ كما هو ظاهرُ
رواية مالك ومعمر، ونص هذا في رواية؛ أنه قول أبي هريرة قبله؛ فهو متصل، أم من
قول الزهري؛ كما في رواية غير معمر، وصرح بذلك الأوزاعي؛ فهو حينئذٍ مرسل. أم
من قول معمر؛ كما في رواية لأبي داود؟
ثم قال أبو داود:
" سمعت محمد بن يحيى بن فارس قال: قوله: (فانتهى الناس ... ) من كلام
الزهري ".стр. 337
..............................................................................
الحواشي
(١٢٠) بقوله:
" إن هذا لا يقدح؛ لأن هذا الكلام - سواء كان من كلام أبي هريرة، أو من كلام
الزهري، أو غيرهما - يدل قطعاً على أن الصحابة تركوا القراءة خلف رسول الله فيما يجهر
فيه، وهذا كاف للاستشهاد به ".
قلت: وهذا الجواب لا يكفي؛ لأننا إذا سلمنا أن هذا الكلام من قول الزهري؛ فهو
حينئذٍ يكون مرسلاً منقطعاً؛ فلا يجوز أن يحتج به عند جمهور المحدثين؛ خلافاً لمذهب
الحنفية وغيرهم.
وأحسن من ذلك قول الكشميري في " الفيض " (٢/٢٧٤) :
" لو سلمنا ما قالوا؛ فالزهري تابعي، ولا يذكر إلا من حال الصحابة، ثم إنَّ مَن
جعله من قول الزهري؛ غرضه أن الزهري قاله نقلاً عن أبي هريرة، وأخفى به صوته،
فثبّتهم معمر فيه؛ فكان إسناد القول إلى معمر أو الزهري لهذا، فزعموا أنه من تلقاء
أنفسهم. وهذا هو الحق: أن هذا الكلام من كلام أبي هريرة؛ كما هو من كلام الزهري
ومعمر، فكل من نسبه إلى أحد منهم؛ فهو صادق غير واهم. بذلك يصلح الحديث
حجة في الانتهاء من القراءة وراء الإمام في الجهرية. والله أعلم ".
ويبقى النظر في الأمر الثاني؛ وهو: أنهم اختلفوا في صحة الحديث؛ فقال
الترمذي - بعد أن ساقه -:
" هذا حديث حسن. وابن أكيمة اسمه: عمارة. ويقال: عمرو ".
وصححه أبو حاتم الرازي - كما قال ابن كثير (٢/٢٨٠) -، وابن حبان، حيث أخرجهстр. 338
..............................................................................
الحواشي
(١) - كما قال ابن التركماني؛ رداً على قول البيهقي:
" في صحة هذا الحديث نظر؛ وذلك لأن راويه ابن أكيمة الليثي، وهو: رجل
مجهول لم يحدث عنه غير الزهري. قال الحميدي: هذا حديث [رواه رجل] (*)
مجهول " -. قال ابن التركماني:
" أخرج حديثه ابن حبان في " صحيحه "، وحسنه الترمذي، وأخرجه أيضاً أبو
داود، ولم يتعرض له بشيء، وذلك دليل على حسنه عنده - كما عُرف -.
وفي " الكمال ": روى عن ابن أكيمة مالك، ومحمد بن عمرو. وقال ابن سعد:
توفي سنة إحدى ومئة، وهو ابن تسع وسبعين. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه؟
فقال: صحيح الحديث مقبول. وقال ابن حبان: اسمه: عمرو، هو وأخوه عمر: ثقتان.
وقال ابن معين: روى عنه محمد بن عمرو وغيره، وحسبك برواية ابن شهاب عنه.
وفي " التمهيد ": كان يحدث في مجلس سعيد بن المسيب، وهو يصغي إلى حديثه
وتحديثه، وذلك دليل على جلالته عندهم وثقته. انتهى كلامه. وهذا كله ينفي عنه
الجهالة ". انتهى كلام ابن التركماني.
وممن وثقه أيضاً يحيى بن سعيد - كما في " التهذيب " -. وقال ابن عبد البر في
(باب من لم تشتهر عنه الرواية، واحتملت روايته لرواية الثقات عنه) :
" ولم يُغْمَز ابن أكيمة الليثي ". ولذلك قال الحافظ في " التقريب ":
" ثقة ".
فتبين بهذا أن الحديث صحيح الإسناد، وأن قول من قال في راويه: (مجهول) ؛ مردود
_________(١) (١٢٦/٤٥٤ - الموارد) .
(*) ما بين المعقوفتين استدركناه من " سنن البيهقي "، وقد ساق الشيخ ﵀ قول البيهقي
باختصار.стр. 339
..............................................................................
الحواشي
(٧٣) من طريق أبي العالية قال:
كان نبي الله ﷺ إذا قرأ؛ قرأ أصحابه أجمعون خلفه، حتى أنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ
القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ؛ فسكت القوم، وقرأ رسول الله ﷺ .
وكذا أخرجه عبد بن حميد، وأبو الشيخ، والبيهقي في " القراءة " - كما في " إمام
الكلام "(٧٨) -.
وله شاهد مرسل آخر مضى قريباً.
ثم رواه الحازمي موصولاً من حديث ابن عباس.
وفيه ابن لهيعة.
إذا علمت ذلك؛ فقد احتج بالحديث من ذهب إلى منع القراءة وراء الإمام في
الجهرية، وهم جمهور العلماء؛ كالأئمة الثلاثة، وغيرهم - كما سبق -، وهو اختيار أكثر
أصحاب الحديث؛ كما قال الترمذي، لكن ذكر هو والبيهقي وغيرهما أن الحديث لا
يدل على ذلك؛ لأن أبا هريرة الذي روى هذا الحديث قد صح عنه أنه سئل في قراءة
﴿الفَاتِحَة﴾ وراء الإمام؟ فقال:
اقرأ بها في نفسك.
أخرجه مسلم (٢/٩ - ١٠) ، وغيره. فلو كان الحديث ثابتاً، أو كان دالاً على المنع؛
لما أفتى بخلاف ذلك.
قلت: لو كانت هذه الحجة صحيحة؛ للزم منها رد كثير من السنن الصحيحة،
ولكان أول من يخالفها هم الذين أوردوها في هذا المكان، كما لا يخفى على البصير.стр. 340
..............................................................................
الحواشي
(١٢٥) - بأن يحمل قول أبي هريرة:
اقرأ بها في نفسك. على السرية، فحينئذٍ لا تعارض بين رأيه ومرويه، ولا إلزام به:
فليس بشيء؛ لأنه ثبت في " جزء البخاري "(٨) ، و " سنن البيهقي " (٢/١٦٦) أن
السائل سأله عن الصلاة الجهرية بلفظ: قال عبد الرحمن أبو العلاء: قلت: يا أبا هريرة!
كيف أصنع إذا كنت مع الإمام، وقد جهر بالقراءة؟ فأجابه بما تقدم.
وأما حمله على سكتات الإمام؛ فشيء لا يخطر على بال أبي هريرة، إذ ليس فيстр. 341
..............................................................................
الحواشي
(١) السنة سكتات تتسع لقراءة ﴿الفَاتِحَة﴾ . ويأتي بيان ذلك قريباً إن شاء الله.
وبالجملة؛ فإن هذا الحديث قد أظهر اضطراب العلماء أحياناً في قواعدهم وفي
فروعهم؛ تأييداً لمذاهبهم؛ فالحنفية أخذوا بالحديث، وليس على قواعدهم؛ فكان عليهم
إما: أن يردوه - كما ردوا حديث الولوغ وغيره -، أو: أن يُعَدِّلوا هذه القاعدة لما هو الحق.
وقد أشار إلى ذلك أبو الحسنات - وهي من حسناته -.
والشافعية عكسوا ذلك؛ فلم يأخذوا به، وأجابوا عنه بما هو مخالف لقاعدتهم،
فكان عليهم إما: أن يَدَعوها ليصحَّ جوابهم، أو: يظلوا متمسكين بها، ويأخذوا
بالحديث، وهو الصواب. و: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ .
هذا، وأيد الجمهور مذهبهم هذا بالآية السابقة الذكر، وسبب نزولها - وقد ذكرناه
آنفاً -، وقال ابن تيمية في " الفتاوى " (٢/١٤٢ - ١٤٣) :
" إنه استفاض عن السلف أنها نزلت في القراءة في الصلاة، وذكر الإمام أحمد
الإجماع على أنها نزلت في ذلك، وذكر الإجماع على أنه لا تجب القراءة على المأموم
حال الجهر.
ثم نقول: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ .
لفظ عام، فإما أن يختص في القراءة في الصلاة، أو في القراءة في غير الصلاة، أو
يعمهما.
والثاني باطل قطعاً؛ لأنه لم يقل أحد من المسلمين، أنه يجبُ الاستماع خارج
الصلاة، ولا يجب في الصلاة. ولأن استماع المستمع إلى قراءة الإمام الذي يأتم به،
ويجب عليه متابعته؛ أولى من استماعه إلى قراءة من يقرأ خارج الصلاة، [وذلك]
داخل في الآية: إِما على سبيل الخصوص، وإما على سبيل العموم. وعلى التقديرين؛стр. 342
..............................................................................
الحواشي
(١) فالآية دالة على أمر المأموم بالإنصات لقراءة الإمام، والمنازع يسلم بذلك إلا في
﴿الفَاتِحَة﴾ ، والآية أمرت بالإنصات إذا قرئ القرآن، و ﴿الفَاتِحَة﴾ : أم القرآن، وهي التي
لا بد من قراءتها في كل صلاة، وهي أفضل سور القرآن، وهي التي لم ينزل في التوراة،
ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في الفرقان مثلها؛ فيمتنع أن يكون المراد بالآية
الاستماع إلى غيرها دونها، مع إطلاق لفظ الآية وعمومها، مع أن قراءتها أكثر وأشهر.
والعادل عن استماعها إلى قراءتها، إنما يعدل لكون قراءتها أفضل من الاستماع،
وهذا غلط مخالف للنص والإجماع؛ فإن الكتاب والسنة أمرت المؤتم بالاستماع دون
القراءة، والأمة متفقة على أن استماعه لما زاد على ﴿الفَاتِحَة﴾ أفضل من قراءة ما زاد
عليها. فلو كانت القراءة لما يقرؤه الإمام أفضل من الاستماع لقراءته؛ لكان قراءة المأموم
أفضل من قراءته لما زاد على ﴿الفَاتِحَة﴾ .
وهذا لم يقله أحد، وإنما نازع من نازع في ﴿الفَاتِحَة﴾ ؛ لظنه أنها واجبة على المأموم،
أو مستحبة.
وجوابه؛ أن المصلحة الحاصلة له بالقراءة يحصل بالاستماع ما هو أفضل منها؛
بدليل استماعه لما زاد على ﴿الفَاتِحَة﴾ ، فلولا أنه يحصل له بالاستماع ما هو أفضل من
القراءة؛ لكان الأولى أن يفعل أفضل الأمرين وهو: القراءة. فلما دلَّ الكتاب والسنة،
والإجماع على أن الاستماع أفضل من القراءة؛ [دل] على أن المستمع يحصل له أفضل
مما يحصل للقارئ، وهذا المعنى موجود في ﴿الفَاتِحَة﴾ وغيرها، وحينئذٍ فلا يجوز أن يؤمر
بالأدنى، ويُنهى عن الأعلى، وثبت أنه في هذه الحال قراءة الإمام له قراءة؛ كما قال
ذلك جماهير السلف والخلف من الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وفي ذلك الحديث
المعروف عن النبي ﷺ أنه قال:
" من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة ".стр. 343
..............................................................................
الحواشي
(١) وهذا الحديث روي مرسلاً ومسنداً، ولكن أكثر الأئمة الثقات رووه مرسلاً عن
عبد الله بن شداد عن النبي ﷺ ، وأسنده بعضهم، ورواه ابن ماجه مسنداً، وهذا المرسل
قد عضده ظاهر القرآن والسنة، وقال به جماهير أهل العلم من الصحابة والتابعين،
ومرسِله من أكابر التابعين، ومثل هذا المرسل يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم.
وقد نص الشافعي على جواز الاحتجاج بمثل هذا المرسل.
فتبين أن الاستماع إلى قراءة الإمام أمر دل عليه القرآن دلالة قاطعة، ولأن هذا من
الأمور الظاهرة التي تحتاج إليها الأمة؛ فكان بيانها في القرآن بما يحصل به المقصود،
وجاءت السنة بموافقة القرآن ".
ثم ذكر هذا الحديث الذي نتكلم عليه، وقواه، ورد على البيهقي تضعيفه إياه بنحو
ما ذكرنا آنفاً، ثم ساق أيضاً الحديث الآتي بعده - وسنعلق كلامه عليه هناك (*) -، ثم قال:
" وأيضاً: فلو كانت القراءة في الجهر واجبة على المأموم؛ للزم أحد أمرين: إما أن يقرأ
مع الإمام، وإما أن يجب على الإمام أن يسكت له حتى يقرأ. ولم نعلم نزاعاً بين
العلماء أنه لا يجب على الإمام أن يسكت ليقرأ المأموم ﴿الفَاتِحَة﴾ ولا غيرها، وقراءته
معه منهي عنها بالكتاب والسنة، فثبت أنه لا تجب عليه القراءة معه في حال الجهر؛ بل
نقول: لو كان قراءة المأموم في حال الجهر مستحبة؛ لاستحب للإمام أن يسكت ليقرأ
المأموم، ولا يستحب للإمام السكوت ليقرأ المأموم عند جماهير العلماء، وهذا مذهب
مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وغيرهم، وحجتهم في ذلك أن النبي ﷺ لم يكن
يسكت ليقرأ المأمومون، ولا نقل أحد هذا عنه؛ بل ثبت عنه في " الصحيح " سكوته بعد
تكبيرة الافتتاح.
_________
(*) (ص ٣٥٤) .стр. 344
..............................................................................
стр. 345
..............................................................................
الحواشي
(١) " الحسن مختلف في سماعه من سمرة، وقد سمع منه حديثاً واحداً، وهو حديث
العقيقة ".
قلت: والحسن - على جلالته ومنزلته في العلم -: مشهور بالتدليس والإرسال؛
ولذلك فالقواعد الحديثية تقتضي أن لا يحتج بشيء من حديثه عن سمرة وغيره، إلا بما
صرح فيه بالتحديث، وقد تأملت جميع طرق هذا الحديث - فيما لدي من كتب السنة
المطهرة -؛ فلم أجده إلا معنعناً؛ غير مصرح بسماعه له من سمرة، وقد جهدت أن أجد
له شاهداً - ولو بإسناد فيه ضعف -؛ فلم أجد. ولذلك فهو غير حجة عندي، وإن حسنه -
الترمذي وغيره! ولذلك جرَّدت الكتاب منه، على أن الحديث قد اضطرب فيه في محل
السكتة الثانية - كما أشار شيخ الإسلام إلى ذلك -، وإليك توضيح ذلك باختصار:
اعلم أن الحديث رواه عن الحسن أربعة من الثقات؛ وهم: يونُس بن عُبيد، وقتادة،
وأشعث الحُمْراني، وحُميد الطويل، وقد اتفقوا جميعاً على أن محلها بعد القراءة؛ قبل
الركوع، إلا أن يونس وقتادة اختلف عليهما في ذلك؛ فقيل عنهما: إنها قبل الركوع.
وقيل: إنها بعد ﴿الفَاتِحَة﴾ ؛ قبل السورة. ولا شك أن رواية أشعث وحميد التي لم
يختلف عليهما فيها أصح وأولى؛ لا سيما وقد وافقهما الآخران في رواية على ذلك.
ومن شاء التفصيل؛ فعليه مراجعة رسالة " الصلاة " لابن القيم، و " تعليقاتنا الجياد "
على كتابه " زاد المعاد ".
ثم قال شيخ الإسلام:
" ومعلوم أن النبي ﷺ لو كان يسكت سكتةً تتسع لقراءة ﴿الفَاتِحَة﴾ ؛ لكان هذا مما
تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فلما لم ينقل هذا أحد؛ عُلم أنه لم يكن، وأيضاً فلو
كان الصحابة كلهم يقرؤون ﴿الفَاتِحَة﴾ خلفه؛ إما في السكتة الأولى، وإما في الثانية؛
لكان هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله؛ فكيف ولم ينقل أحد عن أحد منстр. 346
..............................................................................
الحواشي
(١٠٤) :
" وفيه نظر؛ وهو أن الأمر باستماع القرآن والسكوت ليس أمراً تعبدياً غير معلل - كما
هو ظاهر -، بل هو حكم معلل بإجماع القائسين والمعللين؛ كوجوب السكوت عند
الخطبة، والقراءة خارج الصلاة، ونحو ذلك، ولا تظهر له علة - ولو بعد التأمل -؛ إلا
كون القرآن منزلاً للتدبر والتأمل، وهو لا يحصل بدون الاستماع والإنصات. ومن المعلوم
_________
(*) هو ضعيف كما في " السلسلة الضعيفة "(١٧٦٠) .стр. 347
وجعل الإنصات لقراءة الإمام من تمام الائتمام به؛ فقال:
" إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر؛ فكبروا، وإذا قرأ؛ فأنصتوا " (١) .
كما جعل الاستماع له مُغْنِيَاً عن القراءة وراءه؛ فقال: الحواشي
(١) أخرجه ﴿ابن أبي شيبة (١/٩٧/١) = [١/٣٣١/٣٧٩٩] ﴾ ، وأبو داود
(١/٩٩) ، والنسائي (١/١٤٦) ، وابن ماجه (١/٢٧٩) ، والطحاوي (١/١٢٨) ،
والدارقطني(١٢٤) ، وأحمد (٢/٤٢٠) من طريق أبي خالد سليمان بن حَيَّان عن محمدстр. 348
..............................................................................
الحواشي
(١٢٥) ،
وهو ثقة - كما ذكر النسائي -.
ومنهم: أبو سعد الصاغاني محمد بن مُيسَّر - بتحتانية ومهملة؛ وزن محمد -.
أخرجه الدارقطني، وأحمد (٢/٣٧٦) ؛ وقال الأول:
" ضعيف ".
وإسماعيل بن أَبَان الغَنَوي: عنده، وعند البيهقي (٢/١٥٦) ، وضعفه الدارقطني أيضاً.
قلت: ومتابعة هذين - على ضعفهما - يعطي الحديث قوة - كما لا يخفى -؛ ولا
سيما وقد تابعا ثقتين: سليمانَ بنَ حيان، ومحمدَ بنَ سعد. فانتفت العلة الأولى.
وأما العلة الأخرى: فالحق يقال؛ إنها أقوى من الأولى. فروى البيهقي (٢/١٥٧)
عن ابن أبي حاتم قال:стр. 349
..............................................................................
الحواشي
(١) " سمعت أبي - وذكر هذا الحديث، فقال أبي -: ليست هذه الكلمة محفوظة؛ هي
من تخاليط ابن عجلان. قال: وقد رواه خارجة بن مصعب أيضاً - يعني: عن زيد بن
أسلم -. وخارجة أيضاً: ليس بالقوي ". قال البيهقي:
" وقد رواه يحيى بن العلاء الرازي - كما روياه -؛ ويحيى بن العلاء: متروك ". اهـ.
وفي " التقريب ":
" رمي بالوضع ". وعن خارجة:
" متروك، وكان يدلس عن الكذابين ".
فمتابعة هذين لا تعطي الحديث قوة؛ فيبقى متفرداً به ابنُ عجلان، وهو وإن كان
ثقة؛ ففيه كلام من جهة حفظه - كما أشار أبو حاتم إلى ذلك -، وفي " التقريب ":
" صدوق. اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة ". اهـ.
وهو حسن الحديث ما لم يخالف، وقد خولف هنا؛ فقد رواه الأعمش عن أبي
صالح به؛ بدون قوله:
" وإذا قرأ؛ فأنصتوا ".
أخرجه ابن ماجه (١/٣٠٥) ، وأحمد (٢/٤٤٠) .
وسنده صحيح على شرطهما.
وكذلك رواه مصعب بن محمد عن أبي صالح بدون هذه الزيادة، وقد مضى لفظه
في (التكبير) .
وكذلك رُوي الحديث من طرق عن أبي هريرة: عند البخاري (٢/١٦٦ - ١٧٢) ،
ومسلم (٢/١٩ - ٢٠) ، وابن ماجه أيضاً (١/٣٧٤) ، والدارمي (١/٣٠٠) ، وأحمد
(٢/٢٣٠ و ٢١٤ و ٤١١ و ٤٣٨) بدونها.стр. 350
..............................................................................
الحواشي
(١١٣) -، وغيرهم من الأئمة. فراجع (التعليق) على
" نصب الراية " (٢/١٥) .
ونحن نقطع بأنه صحيح لغيره؛ فإن له شاهداً من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعاً بلفظ:
" إذا قمتم إلى الصلاة؛ فليؤمكم أحدكم، وإذا قرأ الإمام؛ فأنصتوا ".
أخرجه أحمد (٤/٤١٥) والسياق له، ومسلم (٢/١٥) ، ﴿وأبو عوانة [٢/١٣٣] ﴾ ،
وابن ماجه (١/٢٧٩) ، والدارقطني(١٢٥) ، والبيهقي (٢/١٥٥) من طريق جَرير عن
سليمان التيمي عن قتادة عن أبي غَلاب عن حِِطَّان بن عبد الله الرَّقَاشي عنه.
وهذا سند صحيح. ﴿وهو مخرج في " الإرواء " (٣٣٢ و ٣٩٤) ﴾ .
وقد أخرجه ﴿أبو عوانة [٢/١٣٣] ﴾ ، وأبو داود (١/١٥٤) من طريق المعتمر بن
سليمان قال: سمعت أبي: ثنا قتادة به. ثم أعله بقوله:
" وقوله: " فأنصتوا " ليس بمحفوظ؛ لم يجئ به إلا سليمان التيمي في هذا الحديث ".
كذا قال! وليس بصواب؛ فقد تابعه عليه سفيان الثوري (*) ، فقد قال الدارقطني -
بعد أن ساق الحديث -:
" وكذلك رواه سفيان الثوري عن سليمان التيمي، ورواه هشام الدستوائي وسعيد
وشعبة وهمام وأبو عوانة وأبان وعدي بن أبي عمارة؛ كلهم عن قتادة، فلم يقل أحد
منهم: " وإذا قرأ؛ فأنصتوا ". وهم أصحاب قتادة الحفاظ عنه ".
قلت: وقد أخرجه مسلم وغيره عن بعض هؤلاء عن قتادة به مطولاً - كما سيأتي
_________
(*) كذا الأصل، وفي العبارة نظر، كأنه انتقال بصر. والله أعلم.стр. 351
..............................................................................
الحواشي
(١) في (التأمين) -، ولم يذكر أحد منهم هذه الزيادة.
لكن لا يخفى أنها زيادة من ثقتين حجتين؛ فيجب الأخذ بها، لا سيما وأنها لا
تخالف المزيد، بل توافق معناه؛ فإن الإنصات إلى قراءة القارئ من تمام الائتمام به، فإن
من قرأ على قوم لا يستمعون لقراءته؛ لم يكونوا مؤتمين به - كما قال شيخ الإسلام
(٢/١٤٤) -. على أنه لم ينفردا بها، بل تابعهما جمع آخر؛ منهم: عمر بن عامر،
وسعيد بن أبي عَرُوبة.
أخرجه الدارقطني، وعنه البيهقي (٢/١٥٦) من طريق سالم بن نوح عنهما. ثم قال:
" سالم بن نوح: ليس بالقوي ".
قلت: وهو من رجال مسلم، وفي " التقريب ":
" صدوق له أوهام ".
وكذا قال في شيخه عمر بن عامر، وهو من رجال مسلم أيضاً.
وأما سعيد بن أبي عروبة: فمن رجال الشيخين، وهو من أثبت الناس في قتادة.
وبالجملة: فهذه الزيادة صحيحة من حديث أبي موسى، وقد صححها مسلم؛ ففي
" صحيحه " بعد أن ساق الحديث:
" قال أبو إسحاق - يعني: صاحب مسلم وراوي كتابه -: قال أبو بكر ابن أخت أبي
النضر في هذا الحديث - أي: طَعَنَ فيه -. فقال مسلم: تريد أحفظ من سليمان؟! فقال
له أبو بكر: فحديث أبي هريرة؟ فقال: هو صحيح - يعني: " وإذا قرأ؛ فأنصتوا " -. فقال:
هو عندي صحيح. فقال: لم تضعه ها هنا - يعني: في كتابه -؟ قال: ليس كل شيء
عندي صحيح وضعته ها هنا، إنما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه ". قال أبو الحسنات:стр. 352
..............................................................................
الحواشي
(١) " وبالجملة: فالحكم بصحة هذا الحديث هو الأرجح بالنظر الدقيق؛ فيكفي
للاستدلال به، ومن حكم بضعفها؛ ليس له دليل معتد به يقبله أرباب التحقيق ".
وهذا الحديث كالآية المذكورة سابقاً في الدلالة على وجوب الاستماع لقراءة القرآن
من الإمام، ولكنه أعم منها - كما لا يخفى -، وهو - كهي - يشمل بعمومه ﴿الفَاتِحَة﴾
وغيرها، وقد خصه الشافعية وغيرهم ممن سبق ذكرهم بما عدا ﴿الفَاتِحَة﴾ . وقالوا بوجوب
قراءتها، وقد ذكرنا فيما سبق أن الحديث الذي احتجوا به على الوجوب لا يدل على
ذلك؛ بل على الإباحةِ، والإباحةِ المرجوحة - كما سلف بيانه عن الكشميري -.
وحينئذٍ فإذا كان لا بد من المصير إلى التخصيص؛ فإنما يخصص بجواز قراءة
﴿الفَاتِحَة﴾ جوازاً مرجوحاً؛ لا بوجوبها، وحينئذٍ فالتباين بين هذا الجواز وبين النهي
المستفاد من الآية والحديث يسيرٌ؛ لأن النتيجة ترك القراءة والاستماع للإمام، وهذا هو
المطلوب.
هذا يقال؛ إن أردنا أن نذهب مذهب الجمع، ولكننا قد بينا أن حديث الجواز
منسوخ بحديث أبي هريرة وبسبب نزول الآية، وبين أيضاً شيخ الإسلام أن الاعتبار يدل
على بقاء الآية على عمومها؛ فيقال عن الحديث - الذي نحن في صدد الكلام عنه - ما
قيل فيها.
وإليك الآن بقية كلام شيخ الإسلام المتعلق بالحديث؛ قال:
" وهذا يبين حكمة سقوط القراءة عن المأموم، وأن متابعته لإمامه مقدمة على غيرها
حتى في الأفعال، فإذا أدركه ساجداً؛ سجد معه، وإذا أدركه في وتر من صلاته؛ تشهد
عقب الوتر، وهذا لو فعله منفرداً؛ لم يجز، وإنما فعله لأجل الائتمام؛ فدل على أن
الائتمام يجب به ما لا يجب على المنفرد، [ويسقط به ما يجب على المنفرد] ". وقال في
موضع آخر (٢/٤١٢) :стр. 353
" من كان له إمام؛ فقراءة الإمام له قراءة " (١) ، هذا في الجهرية. الحواشي
(١) هو من حديث جابر بن عبد الله ﵁. رواه أبو حنيفة الإمام قال: ثنا
أبو الحسن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد بن الهاد عنه مرفوعاً به.
أخرجه الإمام محمد في " الموطأ " (٩٤ - ٩٦) وفي " الآثار "(١٦) ، والطحاوي
(١/١٢٨) ، والدارقطني (١٢٢ و ١٢٣) ، والبيهقي (٢/١٥٩) ؛ كلهم عن أبي حنيفة به.
ورواه عبد الله بن المبارك عنه، وعن غيره مرسلاً؛ بدون ذكر: جابر.стр. 354
..............................................................................
الحواشي
(١٥٦٧) و(١٨٣٢) وصحح إسناده.стр. 355
..............................................................................
الحواشي
(١٢٦) من طريقين عن
الحسن بن صالح عن جابر الجعفي به.
وجابر: ضعيف. وقد تابعه ليث بن أبي سليم، وهو خير منه؛ فإنه ضعيف لسوء حفظه.
أخرجه الطحاوي، والدارقطني، والبيهقي (٢/١٦٠) من طريق يحيى بن أبي بُكَير
وإسحاق بن منصور السَّلُولي قالا: ثنا الحسن بن صالح بن حَيّ عن جابر وليث بن أبي
سُلَيم عن أبي الزبير به. قال الدارقطني:
" جابر وليث: ضعيفان ".
قلت: وقد ورد بإسقاطهما من بين الحسن بن صالح وأبي الزبير؛ قال ابن
التركماني:
" قلت: في " مصنف ابن أبي شيبة ": ثنا مالك بن إسماعيل عن حسن بن صالح
عن أبي الزبير عن جابر به مرفوعاً.
وهذا سند صحيح. وكذا رواه أبو نعيم عن الحسن بن صالح عن أبي الزبير، ولم
يذكر الجعفي. كذا في " أطراف المزي ".
وتوفي أبو الزبير سنة ثمان وعشرين ومئة. ذكره الترمذي وعمرو بن علي. والحسن
ابن صالح ولد سنة مئة، وتوفي سنة سبع وستين ومئة، وسماعه من أبي الزبير ممكن.
ومذهب الجمهور: إن أمكن لقاؤه لشخص، وروى عنه؛ فروايته محمولة على الاتصال،следующие страницы →