Полный текст (1 078 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
" ما حَسَدَتْكُم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين (١)
[خلف الإمام] " (٢) . الحواشي
(١) .(١) لما علموا من فضلهما وبركتهما. أي: فاللائق بكم الإكثار منهما. قاله
السندي.(٢) صح هذا عن جمع من الصحابة ﵃ (*) ؛ وهم: عائشة أم
المؤمنين، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، ومعاذ بن جبل:
أما حديث عائشة: فأخرجه ابن ماجه (١/٢٨١) : ثنا إسحاق بن منصور: أخبرنا
عبد الصمد بن عبد الوارث: ثنا حماد بن سلمة: ثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه عنها
به. قال في " الزوائد ":
" هذا إسناد صحيح، ورجاله ثقات. احتج مسلم بجميع رواته ". وهو كما قال.
وقد صححه ابن خزيمة - كما في " الفتح " (١١/١٦٧) -، وصححه أيضاً المنذري في
" الترغيب " (١/١٧٨) ، وعزاه لابن خزيمة في " صحيحه ".
وبهذا الإسناد أخرجه البخاري في " الأدب المفرد "(١٤٤) .
وله طريق أخرى: أخرجه أحمد (٦/١٣٤ - ١٣٥) ، والبيهقي (٢/٥٦) عن علي
ابن عاصم وسُليمان بن كثير عن حُصَين بن عبد الرحمن عن عمر بن قيس عن محمد
_________(١) ص (٣٤٩ - ٣٥٤) .
(*) عزاه الشيخ ﵀ في " الصفة " المطبوع للسّراج أيضاً.стр. 387
..............................................................................
الحواشي
(١) ابن الأشعث قال:
دخلت على عائشة ﵂ فحدثتني؛ قالت:
بينما أنا قاعدة عند رسول الله ﷺ جاء ثلاثة نفر من اليهود، فاستأذن أحدهم ...
وذكر الحديث، وفيه عن النبي ﷺ قال:
" تدرين علامَ حسدونا؟ ". قلت: الله ورسوله أعلم. قال:
" فإنهم حسدونا على القبلة التي هُدينا إليها، وضلوا عنها، وعلى الجمعة التي
هُدينا لها، وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين ".
وهذا إسناد صحيح. رجاله عند البيهقي رجال مسلم؛ غير عمر بن قيس، وهو
ثقة، وكذلك رجال أحمد؛ غير علي بن عاصم، فهو سيئ الحفظ، ولا يضر ذلك هنا؛
فروايته متابعة. وقد نقل المناوي عن الحافظ العراقي أنه قال:
" حديث صحيح ". ووقع في رواية البيهقي: (عمرو) ؛ بزيادة: الواو. وقد قال البخاري:
" لا يصح ". يعني: أن الصواب: عمر؛ بحذف الواو - كما في رواية أحمد -.
ثم أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن ميسرة: ثنا إبراهيم بن أبي حَرَّة عن
مجاهد عن محمد بن الأشعث به نحوه باللفظ الأول، وزاد:
" واللهم! ربنا لك الحمد ".
وعبد الله بن ميسرة: ضعيف - كما في " التقريب " وغيره -.
وأما حديث ابن عباس: فأخرجه ابن ماجه عن طلحة بن عمرو عن عطاء عنه
مرفوعاً. قال في " الزوائد ":
" إسناده ضعيف؛ لاتفاقهم على طلحة بن عمرو ".стр. 388
..............................................................................
الحواشي
(١) وأما حديث أنس: فأخرجه الضياء المقدسي في " المختارة " من طريق سليمان بن
المغيرة عن ثابت عنه رفعه:
" إن اليهود يحسدونكم على السلام، والتأمين ".
وسنده صحيح إن شاء الله.
وأما حديث معاذ: فأخرجه الطبراني في " الأوسط " مطولاً بنحو حديث محمد بن
الأشعث عن عائشة؛ إلا أنه ذكر: (رد السلام، وإقامة الصفوف) .. بدل: (القبلة،
والجمعة) . قال المنذري، وتبعه الهيثمي (٢/١١٣) :
" وإسناده حسن ".
* * *стр. 389
قراءتُهُ ﷺ بعدَ ﴿الفَاتِحَة﴾
ثم كان ﷺ يقرأ بعد ﴿الفَاتِحَة﴾ سورة غيرها. وكان يطيلها أحياناً،
ويقصرها أحياناً لعارض سفر، أو سعال، أو مرض، أو بكاء صبي تصلي
أمُّه معه ﷺ ؛ كما قال أنس بن مالك ﵁:
" جوَّز ﷺ (١) ذات يوم في الفجر (وفي حديث آخر: صلى الصبح،
فقرأ بأقصر سورتين في القرآن) ، فقيل: يا رسول الله! لم جوَّزت؟ قال:
" سمعت بكاء صبي (٢) ، فظننت أن أمه معنا تصلي؛ فأردت أن أفرغ له
أمه " " (٣) . الحواشي
(١) ﴿أي: خفف﴾ .(٢) ﴿وفي هذا الحديث وأمثاله: جوازُ إدخال الصبيان المساجد، وأما الحديث
المتداول على الألسنة:
" جنبوا مساجدَكم صبيانكم ... " الحديث.
فضعيف، لا يحتج به اتفاقاً. وممن ضعفه ابن الجوزي، والمنذري، والهيثمي،
والحافظ ابن حجر العسقلاني، والبوصيري، وقال عبد الحق الإشبيلي:
" لا أصل له "﴾ .(٣) أخرجه الإمام أحمد (٣/٢٥٧) قال: ثنا عفان: ثنا حماد بن زيد قال: أنا علي
ابن زيد وحميد عنه. قال عفان: فوجدته عندي في غير موضع عن علي بن زيد وحميد
وثابت عن أنس بن مالك.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، إلا علي بن زيد، وروايته متابعة.
ورواه الطبراني في " الأوسط " بنحوه، وفيه:стр. 390
..............................................................................
الحواشي
(١٩٦) ، والبيهقي
(٢/٣٩٣) ، وأحمد أيضاً (٣/١٥٣، ١٥٦) من طريق جعفر بن سليمان عنه بلفظ:
كان رسول الله ﷺ يسمع بكاء الصبي مع أمه وهو في الصلاة؛ فيقرأ بالسورة
الخفيفة، أو بالسورة القصيرة.
وأخرجه من حديث حميد الترمذي (٢/٢١٤) عن مروان بن معاوية الفَزَاري عنه
مرفوعاً بلفظ:
" والله! إني لأسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة؛ فأُخَفّف مخافة أن تفتن أمه ".
وقال:
" حسن صحيح ".
قلت: مروان بن معاوية: ثقة، لكنه مدلس، وقد عنعنه، وقد خولف في لفظه؛
فأخرجه أحمد (٣/١٨٢ و ١٨٨ و ٢٠٥) من طرق عن حميد بلفظ:
بينما رسول الله ﷺ يصلي إذ سمع بكاء صبي؛ فتجوز في صلاته، فظننا أنه إنما
خفف من أجل الصبي؛ أن أمه كانت في الصلاة.
وإسناده صحيح على شرطهما. وهو ثلاثي.
وله في البخاري (٢/١٦٠) ، و " المسند " (٣/٢٣٣ و ٢٤٠) طريق رابع: عن سليمان
ابن بلال عن شريك: أنه سمع أنس بن مالك يقول:стр. 391
وكان يقول:
" إني لأدخل في الصلاة، وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاء الصبي،
فأتجوّز في صلاتي؛ مما أعلم من شدة وَجْدِ أمه من بكائه " (١) . الحواشي
(١) هو من حديث أنس أيضاً.
أخرجه البخاري (٢/١٦١) ، ومسلم (٢/٤٤) ، وابن ماجه (١/٣١٢) ، والبيهقي
(٢/٣٩٣) ، وأحمد (٣/١٠٩) من طرق عن سعيد بن أبي عَروبة قال: ثنا قتادة: أن
أنس بن مالك حدثه به.
وله شواهد:
منها: عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه
مرفوعاً مثله، إلا أنه قال:
" كراهية أن أشق على أمه ".
أخرجه البخاري (٢/١٦٠) ، وأبو داود (١/١٢٦) ، والنسائي (١/١٣٢) ، وابن ماجه
أيضاً، وأحمد (٥/٣٠٥) من طرق عنه.стр. 392
..............................................................................
الحواشي
(١) ومنها: عن أبي هريرة مختصراً بلفظ:
" مخافة أن تفتن أمه ".
رواه البزار. ورجاله ثقات - كما في " المجمع " (٢/٧٤) -.
قال النووي في " شرح مسلم ":
" (الوجد) يطلق على الحزن، وعلى الحب أيضاً، وكلاهما سائغ هنا، والحزن أظهر؛
أي: من حزنها واشتغال قلبها به، وفيه دليل على الرفق بالمأمومين وسائر الأتباع،
ومراعاة مصلحتهم، وأن لا يدخل عليهم ما يشق عليهم؛ وإن كان يسيراً من غير
ضرورة، وفيه جواز صلاة النساء مع الرجال في المسجد، وأن الصبي يجوز إدخاله
المسجد، وإن كان الأولى تنزيه المسجد عمن لا يُؤْمَنُ منه حدث ". اهـ.
وقال الخطابي (١/٢٠١) :
" فيه دليل على أن الإمام - وهو راكع - إذا أحس برجل يريد الصلاة معه؛ كان له أن
ينتظره راكعاً؛ ليدرك فضيلة الركعة مع الجماعة؛ لأنه إذا كان له أن يحذف من طول
الصلاة لحاجة الإنسان في بعض أمور الدنيا؛ كان له أن يزيد فيها لعبادة الله، بل هو
أحق بذلك وأولى، وقد كرهه بعض العلماء، وشدد فيه بعضهم، وقال: أخاف أن يكون
شركاً. وهو قول محمد بن الحسن ". اهـ.
قلت: هذا القول ذكره علماؤنا من قول أبي حنيفة، وأَوَّلوه بأنه أراد الشرك في
العمل؛ لأن أول الركوع كان لله تعالى، وآخرَه للجائي. قالوا: ولا يكفر؛ لأنه ما أراد
التذلل والعبادة له، وقالوا بكراهة إطالة الركوع لإدراك الجائي؛ إن عرفه، وإلا؛ فلا بأس
به؛ أي: إن تركه أفضل. لكن قال ابن عابدين في " حاشيته " (١/٤٦٢) :
" أقول: قصد الإعانة على إدراك الركعة مطلوب؛ فقد شرعت إطالة الركعة الأولىстр. 393
وكان يبتدئ من أول السورة، ويكملها في أغلب أحواله (١) . ويقول: الحواشي
(١) ﴿يدل لذلك أحاديث كثيرة ستأتي فيما بعد﴾ . قال الزين بن المُنَيِّر:
" ذهب مالك إلى أن يقرأ المصلي في كل ركعة بسورة؛ كما قال ابن عمر: لكل
سورة حظها من الركوع والسجود. قال: ولا تقسم السورة في ركعتين، ولا يقتصر على
بعضها، ويترك الباقي. قال: فإن فعل ذلك؛ لم تفسد صلاته، بل هو خلاف الأولى ".
ذكره في " الفتح " (٢/٢٠٤) ، وقال:
" وهو مذهب الشافعي. ثم قال ابن المُنَيِّر: والذي يظهر أن التكرير أخف من قَسْمِ
السورة في ركعتين. اهـ. وسبب الكراهة فيما يظهر أن السورة مرتبط بعضها ببعض؛
فأي موضع قطع فيه، لم يكن كانتهائه إلى آخر السورة، فإنه إن قطع في وقف غير تام؛
كانت الكراهة ظاهرة، وإن قطع في وقف تام؛ فلا يخفى أنه خلاف الأولى. وقد تقدم
في (الطهارة) قصة الأنصاري الذي رماه العدو بسهم، فلم يقطع صلاته، وقال:стр. 394
" أعطوا كل سورة حَظَّها من الركوع والسجود (وفي لفظ: لكل سورة
ركعة) " (١) . الحواشي
(١) أخرجه الطحاوي (١/٢٠٤) من طريق سفيان عن عاصم عن أبي العالية قال:
أخبرني من سمع النبي ﷺ يقول: ... فذكره.
ثم أخرجه من طريق زهير بن معاوية قال: أنا عاصم الأحول عن أبي العالية قال:
قال رسول الله ﷺ : ... فذكره. قال: فذكرت ذلك لابن سيرين؛ فقال: أسَمَّى لك من
حَدَّثه؟ قلت: لا. قال: أفلا تسأله؟ فسألته: فقلت: من حدثك؟ فقال: إني لأعلم من
حدثني، وفي أي مكان حدثني، وقد كنت أصلي بين عشرين حتى بلغني هذا الحديث.
وأخرجه الإمام أحمد (٥/٦٥) عن يحيى بن سعيد الأموي، وابن نصر في " قيام
الليل "(٦١) عن عبد الواحد بن زياد؛ كلاهما عن عاصم به بلفظ:
" لكل سورة حظها ... " إلخ. وزاد أحمد:
قال: ثم لقيته بعد، فقلت له: إن ابن عمر كان يقرأ في الركعة بالسور، فَتَعْرِفُ مَنْ
حدَّثك هذا الحديث؟
قال: إني لأعرفه، وأعرف منذ كم حدثنيه؛ حدثني منذ خمسين سنة.
ثم أخرجه أحمد (٥/٥٩) : ثنا أبو معاوية وعبدة قالا: ثنا عاصم به بلفظ:
" أعطوا كل سورة ... ". والباقي مثله (*) .
_________
(*) وعزاه الشيخ ﵀ في " الصفة " المطبوع لِ " عبد الغني المقدسي في " السنن " (٩/٢)
بسند صحيح ".стр. 395
..............................................................................
الحواشي
(١) وهذا حديث صحيح. رجاله كلهم ثقات رجال الستة، وطرقه كلها إلى عاصم
صحيحة، ولا يقدح جهالة الصحابي؛ لأن الصحابة كلهم عدول - كما ذكرنا ذلك مراراً -.
وقد رواه ابن أبي شيبة ﴿ (١/١٠٠/١) = [١/٣٢٤/٣٧١٠] ﴾ باللفظ الثالث،
وسكت عليه عبد الحق مصححاً له. قال ابن القطان:
" وهو كما ذكره، وزَعْمُ ضعفه باطل ".
هذا، ولم أجد من شرح الحديث وأبان عن المراد منه؛ إلا المناوي في " فيض
القدير "، ولم يصب حيث قال:
" أي: فلا يكره قراءة القرآن في الركوع والسجود ". وقال في مكان آخر:
" ويحتمل أن المراد: إذا قرأتم سورة؛ فصلوا عقبها صلاة قبل الشروع في الأخرى.
ويحتمل أن المراد: أوفوا القراءة حقها من الخشوع والخضوع اللذين هما بمنزلة الركوع
والسجود في الصلاة، وإذا مررتم بآية سجدة؛ فاسجدوا ". اهـ.
وهذان الاحتمالان بعيدان جداً عن لفظ الحديث؛ لا سيما اللفظ الثاني، والمعنى
الثاني لم يذهب إلى العمل به أحد من العلماء فيما علمت.
والمعنى الأول هو أقرب ما يكون إلى ظاهر الحديث؛ لكن الرواة لم يفهموا منه ذلك
- كما سبق في تخريجه -؛ فإن أبا العالية - أحد رواته - كان يجمع بين عشرين سورة في
ركعة قبل أن يبلغه الحديث، فلما بلغه؛ ترك ذلك. وكذلك لما بَلَّغه ابن سيرين؛
استغرب ذلك، وعارضه بأن ابن عمر كان يجمع بين السور؛ فأراد أن يتحقق من
الحديث. فقد اتفق أبو العالية وابن سيرين [على] أن معنى الحديث: أنه ينبغي
الاقتصار على سورة في كل ركعة.
وأقرب الألفاظ دلالة لهذا المعنى هو اللفظ الثاني:стр. 396
..............................................................................
الحواشي
(١) " لكل سورة ركعة ". ولذلك أورده الطحاوي في (باب جمع السور في ركعة) ، ثم قال:
" وقد ذهب إلى هذا قوم، فقالوا: لا ينبغي للرجل أن يزيد في كل ركعة من صلاته
على سورة مع ﴿فاتحة الكتاب﴾ . واحتجوا في ذلك بهذا الحديث ". اهـ.
ويحتمل أن معنى الحديث: لكل سورة ركعة؛ أي: سورة كاملة في كل ركعة؛
أي: فلا يقتصر على بعضها؛ بل عليه أن يُتِمَّها؛ ليكون حظ الركعة بها كاملاً.
وقد أشار إلى هذا المعنى وإلى الذي قبله ابنُ نصر؛ حيث بوب للحديث بقوله:
(باب كراهة تقطيع السور، والجمع بين السور في ركعة) ، ثم ساق هذا الحديث بألفاظه الثلاثة.
وبالجملة؛ فالحديث لا يحتمل إلا هذين المعنيين. وأنا إلى المعنى الثاني (*) أَمْيَلُ
منه إلى الأول، وإن ذهب إليه من علمت؛ لأن أقواله ﷺ لا يمكن فهمها فهماً
صحيحاً، إلا ضمن أقواله الأخرى وأفعاله، وقد ذكرنا في الأصل أن الغالب من
هديه ﷺ إتمام السورة؛ دون الاقتصار على بعضها إلا نادراً.
وعليه؛ فالحديث يدل على الكمال من القراءة، وهي السورة الكاملة. واقتصاره ﷺ
على بعضها نادراً؛ إنما هو للدلالة على جواز ذلك مع الكراهة التنزيهية؛ لأنها خلاف
الأفضل؛ ولكنه لا ينفي الزيادة على السورة، وأنها أكمل وأفضل.
كيف ذلك؛ وقد صح عنه أنه ﷺ كان يقرأ السورتين فأكثر في ركعة واحدة، وأنه
كان يقول:
" أفضل الصلاة طول القيام "!
فهذا نص صريح في أن الصلاة كلما كان قيامها أطول - وإنما يكون ذلك بطول
_________
(*) وبهذا جزم الشيخ ﵀ أخيراً - كما في " الصفة " المطبوعة؛ فقال:
" ومعنى الحديث عندي: اجعلوا لكل ركعة سورة كاملة؛ حتى يكون حظ الركعة بها كاملاً!
والأمر للندب؛ بدليل ما يأتي عقبه ".стр. 397
وكان تارة يقسمها في ركعتين (*) .
وتارة يعيدها كلها في الركعة الثانية (١) .
وكان أحياناً يجمع في الركعة الواحدة بين السورتين أو أكثر (٢) . الحواشي
(١) ﴿كما فعل في صلاة الفجر، ويأتي قريباً [ص ٤٣٥] ﴾ .(٢) سيأتي توضيح ذلك وتخريجه قريباً. قال أبو عبيد:
" والذي عليه أمر الناس: أن الجمع بين السور في الركعة حسن غير مكروه، وهذا
الذي فعله عثمان بن عفان، وتميم الداري، وغيرهما؛ هو من وراء كل جمع. إلا أن
الذي أختار من ذلك: أن لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث؛ للأحاديث التي رويت عن
النبي ﷺ وأصحابه من الكراهة لذلك ".
ذكره ابن نصر في " قيام الليل "(٦٢) . قال الحافظ (٢/٢٠٤) :
" وقد نقل البيهقي في " مناقب الشافعي " عنه أن الجمع بين السور مستحب ".
وروى أحمد (٢/١٣ و ٥/٦٦) ، والبيهقي (٢/٦٠) ، والطحاوي (١/٢٠٥) عن نافع قال:
ربما أَمَّنَا ابن عمر بالسورتين والثلاث في الفريضة.стр. 398
وقد " كان رجل من الأنصار (*) يؤمهم في مسجد قُباء، وكان كلما
افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به (١) ؛ افتتح بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ
أَحَدٌ﴾ (٢) حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها؛ وكان يصنع ذلك في
كل ركعة. فكلمه أصحابه؛ فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى
أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى؛ فإما أن تقرأ بها، وإما أن تدعها، وتقرأ
بأخرى. فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك؛ فعلت، وإن
كرهتم؛ تركتكم. وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره.
فلما أتاهم النبي ﷺ ؛ أخبروه الخبر؛ فقال:
" يا فلان! ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك؟ وما يحملك على
لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ ". الحواشي
(١) أي: من السورة بعد ﴿الفَاتِحَة﴾ .(٢) قال الحافظ (٢/٢٠٥) :
" تمسك به من قال: لا يشترط قراءة ﴿الفَاتِحَة﴾ . وأجيب بأن الراوي لم يذكر
﴿الفَاتِحَة﴾ ؛ اغتناء بالعلم؛ لأنه لا بد منها، فيكون معناه: افتتح بسورة بعد
﴿الفَاتِحَة﴾ . أو كان ذلك قبل ورود الدليل الدال على اشتراط ﴿الفَاتِحَة﴾ ".стр. 399
فقال: إني أحبها. فقال:
" حُبُّكَ إيَّاها أدخلك الجنة " " (١) . الحواشي
(١) ذكره البخاري في " صحيحه " (٢/٢٠٤ - ٢٠٥) تعليقاً مجزوماً به:
وقال عبيد الله عن ثابت عن أنس ﵁ به.
وقد وصله الترمذي (٢/١٤٨ - طبع بولاق) ، والبيهقي (٢/٦٠ - ٦١) من طريق
عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدي عن عبيد الله بن عمر به. وقال الترمذي:
" حسن صحيح غريب ".
قلت: وهو على شرط مسلم.
وأخرجه البزار، والطبراني أيضاً - كما في " الفتح " -.
ثم أخرجه الترمذي، وكذا الدارمي (٢/٤٦٠ - ٤٦١) ، وابن نصر(٦٥) عن مبارك
ابن فَضَالة: ثنا ثابت عن أنس:
أن رجلاً قال: والله إني لأحب هذه السورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال رسول
الله ﷺ :
" حبك إياها أدخلك الجنة ".
وسنده حسن.
قال ناصر الدين بن المُنَيِّر:
" في هذا الحديث أن المقاصد تغير أحكام الفعل؛ لأن الرجل لو قال: إن الحامل له
على إعادتها أنه لا يحفظ غيرها؛ لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها. لكنه اعتل بحبه؛
فظهرت صحة قصده؛ فَصَوَّبَه ". قال:
" وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه، والاستكثار منه،
ولا يعد ذلك هجراناً لغيره ".
* * *стр. 400
جَمْعُهُ ﷺ بَيْنَ النظائر (١) وغيرها في الركعة
و" كان ﷺ يَقْرُِن بين النَّظَائر من المُفَصَّلِ (٢) ؛ فكان يقرأ سورة: الحواشي
(١) أي: السور المتماثلة في المعاني؛ كالموعظة، أو الحِكَم، أو القصص، لا المتماثلة
في عدد الآي؛ لما سيظهر عند تعيينها. قال المحب الطبري:
" كنت أظن أن المراد أنها متساوية في العَدِّ، حتى اعتبرتها؛ فلم أجد فيها شيئاً
متساوياً ". ذكره في " الفتح ".(٢) اختلف في المراد بالمفصل مع الاتفاق على أن منتهاه آخر القرآن. وقد ذكر
الحافظ (٢/١٩٨) الأقوال في ذلك، فبلغت العشرة؛ منها: أنه يبتدئ من
﴿الحُجُرَات﴾ . ثم قال:
" وهو الراجح. ذكره النووي ". وقال الحافظ في مكان آخر (٢/٢٠٦) :
" تقدم أنه من ﴿ق﴾ إلى آخر القرآن على الصحيح ".
كذا قال، وهذا القول إنما ذكره هناك في جملة الأقوال التي قيلت، ولم يصححه،
ولا رجحه؛ وإنما رجح كونه من ﴿الحُجُرَات﴾ كما ذكره عن النووي(١) . والله أعلم.
وإنما سمي مفصلاً؛ لكثرة الفصل بين سُوَرِه بالبسملة؛ على الصحيح؛ كما قال
الحافظ. ثم قال (٢/٢٠٧) :
" ولا يخالف هذا ما سيأتي في (التهجد) أنه جمع بين ﴿البَقَرَة﴾ وغيرها من
الطوال؛ لأنه يحمل على النادر ". قال:
_________(١) ثم رأيته يقول (٢/١٥٦) :
" وفي المراد بالمفصل أقوال ستأتي في (فضائل القرآن) ؛ أصحها: أنه من أول ﴿ق﴾ إلى آخر
القرآن ". فهذا كلامه المتقدم.стр. 401
﴿الرَّحْمَن﴾ (٥٥: ٧٨) (١) و ﴿النَّجْم﴾ (٥٣: ٦٢) في ركعة.
و ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ (٥٤: ٥٥) و ﴿الحَاقَّة﴾ (٦٩: ٥٢) في ركعة.
و ﴿الطُّور﴾ (٥٢: ٤٩) و ﴿الذَّارِيَات﴾ (٥١: ٦٠) في ركعة.
و ﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾ (٥٦: ٩٦) و ﴿ن﴾ (٦٨: ٥٢) في ركعة.
و ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ (٧٠: ٤٤) و ﴿النَّازِعَات﴾ (٧٩: ٤٦) في ركعة.
و ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (٨٣: ٣٦) و ﴿عَبَسَ﴾ (٨٠: ٤٢) في ركعة.
و ﴿المُدَّثِّر﴾ (٧٤: ٥٦) و ﴿المُزَّمِّل﴾ (٧٣: ٢٠) في ركعة.
و ﴿هَلْ أَتَى﴾ (٧٦: ٣١) و ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ (٧٥: ٤٠) في ركعة.
و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (٧٨: ٤٠) و ﴿المُرْسَلَات﴾ (٧٧: ٥٠) في ركعة.
و ﴿الدُّخَان﴾ (٤٤: ٥٩) و ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (٨١: ٢٩) في ركعة (٢) . الحواشي
(١) الرقم الأول للسور، والرقم الثاني لعدد آياتها. ﴿وقد كشف لنا الترقيم الأول
أنه ﷺ لم يُراعِ في الجمع بين كثير من هذه النظائر ترتيب المصحف، فدل على جواز
ذلك، ومثله ما سيأتي في (القراءة في صلاة الليل) ، وإن كان الأفضل مراعاة الترتيب﴾ .(٢) هو من حديث ابن مسعود.
أخرجه البخاري (٢/٢٠٥ - ٢٠٦) ، ومسلم (٢/٢٠٥) ، والنسائي (١/١٥٦) ،
والطحاوي (١/٢٠٤) ، والبيهقي (٢/٦٠) ، والطيالسي(٣٥) ، وأحمد (١/٤٣٦) من
طريق شعبة عن عمرو بن مُرّة؛ أنه سمع أبا وائل:стр. 402
..............................................................................
الحواشي
(١) أن رجلاً جاء إلى ابن مسعود، فقال: إني قرأت المفصل الليلة كله في ركعة. فقال
عبد الله:
هَذَّاً كَهَذِّ الشعر؟! لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله ﷺ يقرن بينهن. قال:
فذكر عشرين سورة من المفصل؛ سورتين سورتين في كل ركعة.
ورواه شعبة أيضاً عن الأعمش قال: سمعت أبا وائل به نحوه.
أخرجه الطيالسي (٣٤ و ٣٦) ، ومن طريقه الترمذي (٢٠/٤٩٨) ، وقال:
" حسن صحيح ".
وهو عند البخاري (٩/٣٣ - ٣٤) ، ومسلم، والنسائي، وأحمد (١/٤٥٥) من طرق
عن الأعمش.
ورواه البخاري (٩/٧٢ - ٧٣) ، ومسلم، والطحاوي، وأحمد (١/٤٢٧) من طرق
أخرى عن أبي وائل.
والنسائي، والطحاوي، وأحمد (١/٤١٧) من طريقين آخرين عن ابن مسعود.
وأخرجه أبو داود (١/٢٢١) عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود قالا:
أتى ابنَ مسعود رجلٌ فقال: إني أقرأ المفصل في ركعة. فقال:
أَهَذّاً كَهَذِّ الشعر، ونثراً كنثر الدَّقَلِ؟! لكن النبي ﷺ كان يقرأ النظائر؛ السورتين في
ركعة: ﴿الرَّحْمَن﴾ و ﴿النَّجْم﴾ في ركعة، و ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ و ﴿الحَاقَّة﴾ في ركعة ... إلخ.
وأخرجه الطحاوي، وأحمد (١/٤١٨) عن طريق زهير عن أبي إسحاق به. ولكنه
لم يسرد السور.
وكذلك سردها أبو خالد الأحمر عن الأعمش: عند ابن خزيمة (١/٢٦٩/٥٣٨) .
وكذلك سردها محمد بن سلمة بن كُهَيل عن أبيه عن أبي وائل.стр. 403
وكان أحياناً يجمع بين السور من السبع الطوال؛ كـ ﴿البَقَرَة﴾
و ﴿النِّسَاء﴾ و ﴿آلِ عِمْرَان﴾ في ركعة واحدة من صلاة الليل - كما سيأتي - (١) .
وكان يقول:
" أفضل الصلاة طول القيام " (٢) . الحواشي
(١) في (قراءته ﷺ في صلاة الليل) - إن شاء الله تعالى -.(٢) هو من حديث جابر.
أخرجه مسلم (٢/١٧٥) من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عنه به بلفظ:стр. 404
..............................................................................
الحواشي
(٢٧٦) ، وأحمد (٣/٣٠٢ و ٣١٤) من طريق
الأعمش عن أبي سفيان عن جابر به.
وله شواهد:
منها: حديث عبد الله بن حُبْشِيّ الخثعمي.
أخرجه النسائي (١/٣٤٩) ، والدارمي (١/٣٣١) ، والطحاوي، وأحمد (٣/٤١١ -
٤١٢) ، ومن طريقه أبو داود (١/٢٢٨ - ٢٢٩) ، وابن نصر(٥١) ؛ كلهم عن ابن جريج:
ثني عثمان بن أبي سليمان عن علي الأزدي عن عبيد بن عمير عنه به. وقال الدارمي:
" القيام ". وكذا ابن نصر.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
ومنها: عن عمرو بن عَبَسَةَ: عند أحمد (٤/٣٨٥) .
قال السندي ﵀:стр. 405
و " كان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ المَوْتَى﴾ ؛ قال:
" سبحانك! فَبَلى " (١) . وإذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ؛ قال: الحواشي
(١) أخرجه أبو داود (١/١٤١) ، ومن طريقه البيهقي (٢/٣١٠) عن شعبة عن
موسى بن أبي عائشة قال:
كان رجل يصلي فوق بيته، وكان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ
المَوْتَى﴾ ؛ قال: سبحانك! فبلى. فسألوه عن ذلك؟ فقال: سمعته من رسول الله ﷺ .
وأخرجه ابن أبي حاتم.стр. 406
" سبحان ربي الأعلى" (١) " (٢) . الحواشي
(١) قلت: الظاهر استحباب ذلك لكل مصلٍّ إلا للمؤتم، فإنه إذا قال: (سبحان
ربي الأعلى) ؛ انشغل بذلك عن الإنصات المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ
فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ . والله أعلم.(٢) هو من حديث ابن عباس.
أخرجه أبو داود (١/١٤١) ، ومن طريقه البيهقي، وأحمد (١/٢٣٢) ، وعنه
الطبراني في " الكبير " من طريق وكيع عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن مسلم البَطِيْن
عن سعيد بن جبير عنه به. ومن هذا الوجه أخرجه الحاكم (١/٢٦٣) ، وقال:
" صحيح على شرطهما ". [ووافقه الذهبي] . وهو كما قالا.стр. 407
..............................................................................
الحواشي
(١) لكن أعله أبو داود بقوله:
" خولف وكيع في هذا الحديث؛ رواه أبو وكيع وشعبة عن أبي إسحاق عن سعيد بن
عبيد عن ابن عباس موقوفاً ".
قلت: وكيع بن الجراح: ثقة حافظ - كما في " التقريب " للحافظ -، وقد رفعه، وهي
زيادة يجب قبولها. ويشهد له حديث إسماعيل ابن علية:
سمعت أعرابياً يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ :
" من قرأ منكم: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِِ﴾ فانتهى إلى آخرها: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ
الحَاكِمِينَ﴾ ؛ فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين. ومن قرأ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ
القِيَامَةِ﴾ فانتهى إلى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ المَوْتَى﴾ ؛ فليقل: بلى. ومن
قرأ ﴿وَالمُرْسَلَاتِ﴾ فبلغ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ فليقل: آمنا بالله ".
قال إسماعيل: ذهبت أعيد على الرجل الأعرابي وأنظر لعله؟! فقال: يا ابن أخي!
أتظن أني لم أحفظه؟! لقد حججت ستين حجة، ما منها حجة إلا وأنا أعرف البعير
الذي حججت عليه.
أخرجه أبو داود (١/١٤١ - ١٤٢) ، وعنه البيهقي (٢/٣١٠ - ٣١١) ، وأحمد
(٢/٢٤٩) ؛ كلاهما عن سفيان بن عيينة عنه به.
وروى الترمذي (٢/٢٣٨) بعضه، وقال:
" هذا حديث إنما يروى بهذا الإسناد عن هذا الأعرابي عن أبي هريرة، ولا يسمى ".
قال الحافظ ابن كثير (٤/٤٥٢) :
" وقد رواه شعبة عن إسماعيل بن أمية قال: قلت: من حدثك؟ قال: رجل صدق
عن أبي هريرة ".стр. 408
..............................................................................
الحواشي
(١) ثم ذكر ابن كثير (٤/٥٠٠) له شاهداً مرسلاً عن قتادة:
أن نبي الله ﷺ كان إذا قرأها؛ قال:
" سبحان ربي الأعلى ".
وروى البيهقي بإسنادين عن علي وأبي موسى: أنهما كانا يقولان ذلك.
وإسناده إلى علي حسن. وإلى أبي موسى صحيح.
ورواه الحاكم (٢/٥٢١) عن ابن عمر، وقال:
" صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.
ثم رأيت الحاكم قد أخرج حديث أبي هريرة (٢/٥١٠) من طريق يزيد بن عياض
عن إسماعيل بن أمية عن أبي الْيَسَع عن أبي هريرة:
أن النبي ﷺ كان إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ المَوْتَى﴾ ؛ قال:
" بلى ". وإذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ﴾ ؛ قال:
" بلى ". وقال الحاكم:
" صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي.
قلت: وأبو اليَسَعِ هذا لم أجد من ذكره. والظاهر أنه الأعرابي الذي في الطريق
الأول. والله أعلم.
﴿وهو -[يعني: الحديث]- مطلق، فيشمل القراءة في الصلاة وخارجها، والنافلة والفريضة.
وقد روى ابن أبي شيبة (٢/١٣٢/٢) عن أبي موسى الأشعري والمغيرة: أنهما كانا
يقولان ذلك في الفريضة.
ورواه عن عمر وعلي إطلاقاً﴾ .
* * *стр. 409
جَوَازُ الاقتِصَارِ على ﴿الفَاتِحَة﴾ (*)
و" كان معاذ يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء [الآخرة] ، ثم يرجع
فيصلي بأصحابه، فرجع ذات ليلة فصلى بهم، وصلى فتى من قومه [من
بني سلمة يقال له: سليم] ، فلما طال على الفتى؛ [انصرف فـ] صلى [في
ناحية المسجد] ، وخرج، وأخذ بخِطام بعيره، وانطلق، فلما صلى معاذ؛
ذكر ذلك له، فقال: إن هذا به لنفاق! لأخبرن رسول الله ﷺ بالذي
صنع. وقال الفتى: وأنا لأخبرن رسول الله ﷺ بالذي صنع. فغدوا على
رسول الله ﷺ ، فأخبره معاذ بالذي صنع الفتى، فقال الفتى: يا رسول الله!
يطيل المكث عندك، ثم يرجع فيطيل علينا! فقال رسول الله ﷺ :
" أفتان أنت يا معاذ؟! ". وقال للفتى (١) :
" كيف تصنع أنت يا ابن أخي! إذا صليت؟ ". قال: أقرأ بـ: ﴿فاتحة
الكتاب﴾ ، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما
دندنتك (٢) ودندنة معاذ! فقال رسول الله ﷺ :
" إني ومعاذ حول هاتين، أو نحو ذا ". قال: فقال الفتى: ولكن سيعلم
معاذ إذا قَدِم القوم وقد خُبِّروا أن العدو قد أتوا. قال: فقدموا، فاستشهد
الفتى، فقال رسول الله ﷺ بعد ذلك لمعاذ: الحواشي
(١) الأصل: " الفتى ".(٢) (الدندنة) : أن يتكلم الرجل بالكلام تسمع نغمته ولا يفهم، وهو أرفع من
الهينمة قليلاً. " نهاية ".стр. 410
" ما فعل خَصْمِي وخَصْمُك؟ ".
قال: يا رسول الله! صدق الله وكذبتُ؛ استُشهد " (١) . الحواشي
(١) [أخرجه] ابن خزيمة في " صحيحه "(١٦٣٤) ، والبيهقي بسند جيد.
وموضع الشاهد منه عند أبي داود (٧٥٨ - صحيح أبي داود) ، وأصل القصة في
" الصحيحين ".
والزيادة الأولى لمسلم في رواية، والثانية لأحمد (٥/٧٤) ، والثالثة والرابعة
للبخاري.
وفي الباب عن ابن عباس:
أن رسول الله ﷺ صلى ركعتين لم يقرأ فيهما إلا بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ .
أخرجه أحمد (١/٢٨٢) ، والحارث بن أبي أسامة في " مسنده " (ص ٣٨ من
زوائده) ، والبيهقي (٢/٦٢) بسند ضعيف.
وكنت حسنته في الطبعات السابقة، ثم تبين لي أني كنت واهماً؛ لأن مداره على
حنظلة السدوسي، وهو ضعيف.
ولا أدرى كيف خفي علي هذا؟! ولعلي ظننته غيره، وعلى كل حال؛ فالحمد لله
الذي هداني لمعرفة خطئي.
ولذلك؛ بادرت إلى الضرب عليه في الكتاب، ثم عوَّضني الله خيراً منه حديثَ
معاذٍ؛ فإنه يدل على ما دلَّ عليه حديث ابن عباس، والحمد لله الذي بنعمته تتم
الصالحات.
* * *стр. 411
الجهرُ والإسرارُ في الصَّلوَاتِ الخَمْسِ وغَيْرِها
وكان ﷺ يجهر بالقراءة في صلاة الصبح، وفي الركعتين الأُوليَين من
المغرب والعشاء، ويسر بها في الظهر والعصر، والثالثة من المغرب،
والأُخْرَيَيْنِ من العشاء (١) .
وكانوا يعرفون قراءته ﷺ فيما يُسِرُّ به - باضطراب لحيته (٢) ، الحواشي
(١) وقد ذكر النووي في " المجموع " (٣/٣٨٩) إجماع المسلمين على ذلك كله بنقل
الخلف عن السلف، مع الأحاديث الصحيحة المتظاهرة على ذلك.
قلت: وسيأتي بعضها في (ما كان يقرؤه ﷺ في الصلوات) ، وممن نقل الاتفاق على
ذلك: ابن حزم في " مراتب الإجماع "(٣٣) ، وأقره شيخ الإسلام ابن تيمية. ﴿وانظر
" الإرواء "(٣٤٥) ﴾ .(٢) ذكر ذلك جمع من الصحابة؛ منهم: خَبّاب بن الأَرَتّ. كما قال أبو معمر
عبد الله بن سَخْبَرة قال:
ساءلنا خبّاباً: أكان النبي ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم. قال: قلنا: بأي
شيء كنتم تعرفون؟ قال: باضطراب لحيته.
أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢/١٨٤ و ١٩٥) وفي " جزئه "(٢٥) ، وأبو داود
(١/١٢٨) ، وابن ماجه (١/٢٧٤) ، والطحاوي (١/١٢٣) ، والبيهقي (٢/٣٧ و ٥٤
و١٩٣) ، وأحمد (٥/١٠٩ و ١١٢ و ٦/٣٩٥) ، والطبراني في " الكبير " من طرق عن
الأعمش: ثني عمارة عنه.
ومنهم: عبد الله بن مسعود ﵁. قال الإمام أحمد (٥/٣٧١) : ثنا
عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن (وفي الأصل: ابن. وهو تحريف) أبي الزَّعراء عن
أبي الأحوص عن بعض أصحاب النبي ﷺ قال:стр. 412
..............................................................................
الحواشي
(٢٥) ، وأحمد (٥/١٨٢
و١٨٦) ، والطبراني في " الكبير " من طريق كثير بن زيد عن المطلب بن عبد الله قال:
تمارَوْا في القراءة في الظهر والعصر، فأرسلوا إلى خارجة بن زيد فقال: قال أبي:
قام - أو كان - رسول الله ﷺ يطيل القيام، ويحرك شفتيه، فقد أعلم أن ذلك لم
يكن إلا لقراءة؛ فأنا أفعل ذلك.
وهذا إسناد حسن بما قبله. وكثير بن زيد فيه كلام كثير.стр. 413
وبإسماعه إياهم الآية أحياناً (١) .
وكان يجهر بها أيضاً في صلاة الجمعة، والعيدين (٢) ،...................... الحواشي
(١) هو من حديث أبي قتادة الآتي في (قراءة الظهر) [ص ٤٥٧] .(٢) سيأتي ذكر الأحاديث الواردة في ذلك في (قراءته ﷺ في الجمعة) ، و (في
العيدين) . وقد نَقَلَ إجماعَ الأمة على الجهر في الجمعة ابن حزم في " مراتب الإجماع "
(ص ٣٣) ، وفي العيدين النووي في " المجموع " (٥/١٨) .
وقد أخرج الدارقطني(١٨٩) من طريق عبد الله بن نافع عن أبيه عن ابن عمر قال:
كان رسول الله ﷺ يجهر بالقراءة في العيدين وفي الاستسقاء.
وعبد الله بن نافع: ضعيف.
وعن الحارث عن علي قال:
الجهر في صلاة العيدين من السنة. قال الهيثمي (٢/٢٠٤) :
" رواه الطبراني في " الأوسط ". والحارث: ضعيف ".
قلت: ورواه عبد الرزاق في " مصنفه " - كما في " نصب الراية " (٢/٢١٩) - قال:
أخبرنا إبراهيم بن أبي يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بمعناه.
وفيه ضعف وانقطاع - كما في " المحلى " (٦/٨٣) -، لكن يقوي الحديثين الإجماعُ
المذكور.стр. 414
والاستسقاء (١) ،............................................................. الحواشي
(١) فيه حديث عبد الله بن زيد قال:
خرج النبي ﷺ يستسقي، فتوجَّه إلى القبلة يدعو، وحوّل رداءه، ثم صلى
ركعتين؛ جهر فيهما بالقراءة.
أخرجه البخاري (٢/٤١٢) ، وأبو داود (١/١٨١) ، والنسائي (١/٢٢٦) ، والترمذي
(٢/٤٤٢) - وقال: " حسن صحيح " -، والدارقطني(١٨٩) ، والطحاوي (١/١٩٢) ،
والطيالسي(١٤٨) ، وأحمد (٤/٣٩ و ٤١) .
وله شاهد من حديث ابن عباس.
رواه الطحاوي وغيره.
وسنده جيد. وقد قال النووي في " شرح مسلم ":
" إنهم أجمعوا على استحباب الجهر بالقراءة في صلاة الاستسقاء ". قال الحافظ:
" ونقل ابن بطال أيضاً الإجماع عليه ".
واعلم أن ابن القيم ذكر في " الزاد " (١/١٧٩) أنه ﷺ :
قرأ في الركعة الأولى من الاستسقاء بعد ﴿الفَاتِحَة﴾ : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ
الأَعْلَى﴾ ، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾ .
وهو حديث ضعيف؛ في إسناده محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري، وهو:
متروك، وقال النووي (٥/٧٣) :
" حديث ضعيف ". وكذلك ضعفه الذهبي في " التلخيص ".
ولعل ابن القيم اغتر بتصحيح الحاكم له؛ فقد أخرجه في " المستدرك " (١/٣٢٦)
- وكذا الدارقطني(١٨٩) - من هذا الطريق، ثم قال:
" صحيح الإسناد ". فتعقبه الذهبي بضعف عبد العزيز [والد محمد] هذا.стр. 415
الحواشي
(١) رواه أم المؤمنين عائشة ﵂:
أن النبي ﷺ جهر في صلاة الكسوف بقراءته.
الحديث أخرجه البخاري (٢/٤٣٩ - ٤٤٠) ، ومسلم (٣/٢٩) ، والنسائي (١/٢٢٢)
عن عبد الرحمن بن نَمِر: أنه سمع ابن شهاب يخبر عن عروة عنها به.
وأخرجه أبو داود (١/١٨٦) ، والدارقطني(١٨٨) ، والحاكم (١/٣٣٤) عن
الأوزاعي.
والترمذي (٢/٤٥٢) ، والطحاوي (١/١٩٧) عن سفيان بن حسين.
والطحاوي، وأحمد (٦/٦٥) عن عقيل.
والطيالسي(٢٠٦) ، وأحمد (٦/٧٦) عن سليمان بن كثير؛ أربعتهم عن ابن
شهاب به بلفظ: الكسوف.
والمراد به: كسوف الشمس - قطعاً -؛ بدليل رواية سليمان بن كثير عند أحمد بلفظ:
خسفت الشمس على عهد النبي ﷺ ، فأتى النبي ﷺ المصلى؛ فكبَّر، وكبَّر
الناس، ثم قرأ، فجهر بالقراءة ... الحديث. وقال الترمذي:
" حديث حسن صحيح ". والحاكم:
" صحيح على شرطهما ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. قال الحافظ بعد أن ذكر
هذه الطرق:
" وهذه طرق يَعْضُدُ بعضها بعضاً، يفيد مجموعها الجزم بذلك؛ فلا معنى لتعليل
من أعله بتضعيف سفيان بن حسين وغيره، فلو لم يرد في ذلك إلا رواية الأوزاعي؛
لكانت كافية، وقد ورد الجهر فيها عن علي مرفوعاً وموقوفاً.стр. 416
..............................................................................
الحواشي
(٢٤٠) -.
وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً مرفوعاً من طرق كلها ضعيفة عن عكرمة عنه. وقد
تكلمنا عليها هناك.
وحديث علي الذي أشار إليه الحافظ قد أخرجه الطحاوي أيضاً موقوفاً عليه بإسناد
صحيح.стр. 417
الجَهْرُ والإسْرارُ في القراءةِ في صلاةِ الليل (١)
وأما في صلاة الليل؛ فكان تارة يُسِرُّ، وتارة يَجْهَر (٢) . الحواشي
(١) ﴿قال عبد الحق في " التهجد " (٩٠/١) :
" وأما النوافل في النهار؛ فلم يصح عنه ﷺ فيها إسرار ولا إجهار، والأظهر أنه كان
يُسر فيها، وروي عنه ﷺ أنه مر بعبد الله بن حُذافة وهو يصلي بالنهار ويجهر فقال له:
" يا عبد الله! سمِّع الله ولا تُسْمِعنا ". وهذا الحديث ليس بالقوي "﴾ .(٢) فيه أحاديث:
الأول: عن عائشة ﵂، وله عنها طرق:
١- عن معاوية بن صالح عن عبد الله بن أبي قيس قال:
سألت عائشة: كيف كان قراءة النبي ﷺ بالليل؟ أكان يسر بالقراءة أم يجهر؟
فقالت:
كلَّ ذلك قد كان يفعل؛ ربما أسر بالقراءة، وربما جهر.
فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة.
أخرجه مسلم (١/١٧١) - ولم يسق لفظه -، والبخاري في " أفعال العباد "(٨٤) - مختصراً دون قول ابن أبي قيس -، والنسائي (١/٢٤٥) ، والترمذي (٢/٣١١) - وقال:
" حسن صحيح ". والسياق له -، والحاكم (١/٣١٠) ، وأحمد (٦/٧٣ و ١٤٩) من طرق
عنه. وقد صححه العراقي في " تخريج الإحياء " (١/٣١٥) . وقال الحاكم:
" صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي.
٢- عن بُرْد بن سِنان عن عُبادة بن نُسَيّ عن غُضَيف بن الحارث قال: قلت
لعائشة ... فذكره بنحوه.стр. 418
..............................................................................
الحواشي
(١) أخرجه أبو داود (١/٣٥) ، وابن ماجه (١/٤٠٨) ، وأحمد أيضاً (٦/٤٧) من طرق عنه.
وهذا إسناد حسن أو صحيح.
٣- عن مَعْمَر عن عطاء الخراساني عن يحيى بن يَعْمَر - عن عائشة - قال:
سألها رجل: ... فذكر نحوه.
أخرجه أحمد (١٦/٥٣ و ١٦٧) . ورجاله ثقات رجال مسلم، إلا أنه منقطع؛ يحيى
ابن يَعْمَر لم يسمع من عائشة - كما قال أبو داود -.
لكن في الرواية الأولى لأحمد:
قال: قلت: كان رسول الله ﷺ يرفع صوته بالقراءة؟ قالت: ... الحديث.
ففيه التصريح بسماعه منها، والسند إلى الخراساني صحيح، لكنه منقطع أيضاً؛
فعطاء هذا مع كونه من رجال مسلم؛ فقد قال في " التقريب ":
" صدوق يهم كثيراً، ويرسل ويدلس ". فلعل ذلك من أوهامه أو تدليساته.
الحديث الثاني: عن أبي هريرة قال:
كانت قراءة النبي ﷺ بالليل يرفع طوراً، ويخفض طوراً.
أخرجه أبو داود (١/٢٠٨) ، والطحاوي (١/٢٠٣) من طريق ابن المبارك عن عِمْرَان
ابن زائدة عن أبيه عن أبي خالد الوالِبي عنه.
وهذا إسناد ضعيف؛ زائدة - وهو: ابن نَشِيط - وشيخه أبو خالد فيهما جهالة، وفي
" التقريب " أنهما مقبولان.
ثم رأيته في " المستدرك " (١/٣١٠) من هذا الوجه، وصححه هو والذهبي.
والحديث يدل على أن المصلي في الليل مخير بين الإسرار بالقراءة، والجهر بها،
وبه يقول أبو حنيفة وصاحباه - كما في " شرح المعاني " -.стр. 419
و " كان إذا قرأ وهو في البيت؛ يسمع قراءته من في الحُجْرة " (١) ، وهذا
كناية عن التوسط بين الجهر والإسرار.
﴿و " كان ربما رفع صوته أكثر من ذلك حتى يسمعه من كان على
عريشه " (*) . (أي: خارج الحجرة) ﴾ . الحواشي
(١) هو من حديث ابن عباس قال:
كانت قراءة النبي ﷺ على قدر ما يسمعه من في الحجرة، وهو في البيت.
أخرجه أبو داود (١/٢٠٨) ، وعنه البيهقي (٣/١٠ - ١١) ، والترمذي في " الشمائل "
(٢/١٤٣) ، والطحاوي (١/٢٠٣) ، وأحمد (١/٢٧١) ، والطبراني في " الكبير "
(١١/٢١٨) عن سعيد بن منصور - وهو مكي -، ومن طريقهما الضياء المقدسي من
طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عنه.
وهذا إسناد حسن. رجاله رجال الشيخين؛ غير عبد الرحمن بن أبي الزناد، وقد
تكلموا فيه من جهة حفظه، وفي " التقريب ":
" صدوق، تغير حفظه ".
ثم وجدت له طريقاً أخرى؛ أخرجه البخاري في " خلق أفعال العباد "(٨٤) ، والبيهقي.
وسنده صحيح على شرطهما - وينبغي أن يوضع لفظه في المتن (**) -. وكذا الضياء
المقدسي.
_________
(*) انظر تخريجه فيما يأتي (ص ٤٢٢) .
(**) ولفظه:
وكان يقرأ في بعض حُجرِه؛ فيسمع قراءته من كان خارجاً.
ثم رأينا الشيخ ﵀ قد رفع حديث أم هانئ الآتي إلى المتن في " صفة الصلاة "، وهو بين
حاصرتين أعلاه، فلعله بذلك حصل مقصود الشيخ ﵀. والله أعلم.стр. 420
..............................................................................
الحواشي
(١) قلت: ويشهد له ويقويه حديث أم هانئ قالت:
كنت أسمع قراءة النبي ﷺ بالليل، وأنا على عريشي.
أخرجه النسائي (١/١٥٧) ، والترمذي في " الشمائل " (٢/١٤١) ، وابن ماجه
(١/٤٠٧) ، ﴿البيهقي في " الدلائل " [٦/٢٥٧] ﴾ ، والطحاوي، وأحمد (٦/٣٤١ - ٣٤٢
و٣٤٣) من طرق عن أبي العلاء العبدي هلال بن خَبّاب عن يحيى بن جعدة عنها.
وهذا إسناد حسن أيضاً. وفي " الزوائد ":
" إسناده صحيح. ورجاله ثقات. ورواه الترمذي في " الشمائل "، والنسائي في
" الكبرى ". اهـ.
قلت: هلال هذا - وإن كان ثقة -؛ فقد كان تغير بأخرة؛ فحديثه لا يحتمل
التصحيح، وغايته أن يكون حسناً، وقد قواه الحافظ (٩/٧٤) ، ويأتي بزيادة في آخر
(القراءة) [ص ٥٦٨] .
قلت: ثم وجدت له شاهداً من حديث ابن مسعود.
أخرجه الطبراني في " الكبير " (٩/٩٣٩٦) ، وسنده هكذا: ثنا محمد بن عبد الله
الحضرمي: نا جعفر بن محمد بن الحسن: نا حميد بن حماد بن خُوَار عن الأعمش
عن إبراهيم عن علقمة قال:
جاء رجل إلى عبد الله فقال: أخبرنا متى كان النبي ﷺ يوتر؟ قال:
إذا بقي من الليل نحو ما مضى منه إلى صلاة المغرب. فسألوه عن قراءته فقال:
كان يُسْمعُ أهل الدار.
ومحمد بن عبد الله الحضرمي هذا - كنيته: أبو جعفر - يروي عنه الطبراني كثيراً فيстр. 421
..............................................................................
الحواشي
(١) " معجمه " هذا، وروى له حديثاً واحداً في " معجمه الصغير " (ص ١٦٩) ، ولم أجد له
ترجمة (*) . وكذا شيخه جعفر بن محمد بن الحسن لم أجد من ذكره، وقد روى له في
" الصغير " حديثاً واحداً (ص ٦٥) ، ونسبه إلى (الأسدي) .
وحميد بن حَماد بن خُوار - بضم المعجمة وتخفيف الواو، وهو -: لين الحديث - كما
في " التقريب " -. وبقية رجال الإسناد رجال الستة. وفي " المجمع " (٢/٢٤٥) :
" رواه الطبراني في " الكبير "، وفيه جعفر بن محمد بن الحسن، ولم أعرفه ".
والحديث يعني أنه ﷺ كان إذا قرأ في بيته؛ يسمع قراءته من في البيت من أهله،
ولا يخفى ذلك عليهم، ولا يتجاوز صوته إلى ما وراء الحجرات؛ لكونها قراءة متوسطة
بين الجهر والإسرار، فلا هي في غاية الجهر، ولا في غاية الخفاء. والحجرة - على ما جزم
في " المصباح " -: البيت. وفي " الكشاف ": المرفق من الأرض المحجورة. أي: الممنوعة
بحائط يحوطها عليها. وقال القسطلاني: المراد بالبيت: الدار، وبحجرتها: المحجر حولها
بحجر، ويمنع من الدخول فيه، والاطلاع عليه. اهـ. من شرح " الشمائل " للمناوي.
قلت: وقال شيخ الإسلام في " الرد على الأخنائي " (ص ١٩٣) بعد أن ذكر الآثار
الواردة في بيوت أزواج النبي ﷺ ، والحجرات التي ضُمت إلى المسجد النبوي قال:
" ولفظ الحجرة في هذه الآثار لا يراد به جملة البيت - كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ -؛ بل يراد ما يتخذ حجرة للبيت
عندك؛ مثل الحريم للبيت، وكانت هذه من جريد النخل، بخلاف الحُجَر التي هي
_________
(*) هو الحافظ الكبير الملقب بـ (مطيَّن) . انظر " الصحيحة " (١/٦٦٩ و ٦/١٢١ و ١٤٢) .
وشيخه جعفر بن محمد هو الإمام أبو بكر الفريابي، ثقة حافظ مأمون. انظر " الصحيحة "
(٧/١٦٦٦) .стр. 422
وبذلك أمر أبا بكر وعمر ﵄؛ وذلك حينما " خرج ليلة فإذا
هو بأبي بكر ﵁ يصلي يخفض من صوته، ومَرَّ بعمر بن الخطاب
﵁، وهو يصلي رافعاً صوته، فلما اجتمعا عند النبي ﷺ ؛ قال:
" يا أبا بكر! مررت بك وأنت تصلي تخفض من صوتك؟ ".
قال: قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول الله! وقال لعمر:
" مررت بك وأنت تصلي رافعاً صوتك؟ ".
فقال: يا رسول الله! أُوْقِظُ الوَسْنَانَ، وأَطْرُدُ الشيطان.
فقال النبي ﷺ :
" يا أبا بكر! ارفع من صوتك شيئاً ". وقال لعمر:
" اخفض من صوتك شيئاً " (١) . الحواشي
(١) أخرجه أبو داود (١/٢٠٨) ، والترمذي (٢/٣٠٩ - ٣١٠) ، والحاكم (١/٣١٠)
من طريق يحيى بن إسحاق: أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت البُنَاني عن عبد الله بن
رَبَاح عن أبي قتادة:стр. 423
..............................................................................
الحواشي
(١) أن النبي ﷺ خرج ليلة ... الحديث. وقال الحاكم:
" صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.
وأما الترمذي؛ فأعله بقوله:
" هذا حديث غريب. وإنما أسنده يحيى بن إسحاق عن حماد بن سلمة. وأكثر
الناس إنما رووه عن ثابت عن عبد الله بن رباح مرسلاً ".
قال المعلق عليه الشيخ أحمد محمد شاكر:
" هذا التعليل لا يؤثر في صحة الحديث؛ فإن يحيى بن إسحاق ثقة صدوق- كما
قال أحمد -. وقال ابن سعد: كان ثقة حافظاً لحديثه. ووَصْلُ الحديث زيادة يجب
قبولها ". اهـ.
وقد روى الحديث أبو داود عن موسى بن إسماعيل: ثنا حماد عن ثابت البُنَاني عن
النبي ﷺ مرسلاً، دون قوله: " يا أبا بكر! ارفع من صوتك ... " إلخ.
وكذلك أخرجه أيضاً الإمام أحمد (١/١٠٩) من حديث علي ﵁
بنحوه. قال الهيثمي (٢/٣٦٦) :
" ورجاله ثقات ".
قلت: وفيهم هانئ بن هانئ؛ لم يرو عنه إلا أبو إسحاق السَّبِيعي. وفي
" التقريب ":
" مستور ".
ورواه الطبراني في " الكبير " من حديث عمار بن ياسر نحوه.стр. 424
..............................................................................
الحواشي
(٥٣) عن زيد بن يُثَيْعٍ قال:
كان أبو بكر إذا قرأ؛ خافَتَ ... الحديث نحوه. ورجاله ثقات. لكن ظاهره
الإرسال؛ فإن زيداً هذا لم يذكر من حدثه به من الصحابة، ولعله سمعه من أبي بكر؛
فإن له رواية عنه.
وأبو داود من حديث أبي هريرة.
وإسناده حسن. وقال العراقي (١/١٥٨) :
" صحيح ". وليس بصحيح؛ لأنه من رواية محمد بن عمرو، وفيه كلام من جهة
حفظه؛ فهو حسن الحديث.
قال ابن العربي في " عارضة الأحوذي ":
" اختلف الناس في أي المقامين أفضل: هل التناجي سراً مع المولى، أم الجهر؛ لما في
ذلك من تضاعف الأجر في تذكرة الغافل، وطرد العدو؟ وما حكم به النبي ﷺ فيه
أعدل شاهد؛ فإنه ﷺ لم يُزِلْ أبا بكر عن صفته، ولا عمر، وقال لهذا:
" ارفع من صوتك قليلاً "؛ حتى يقتدي بك من يسمعك. وقال لعمر:
" اخفض من صوتك "؛ لئلا يتأذى بك من يحتاج إلى النوم.
وهذا إنما كان في حق أبي بكر للقطع في خُلُوصِ نيته، وسلامته عن الرياء،
وتصديقه له في قوله: أسمعتُ من ناجيتُ.
وأما غيره؛ فالسر له أفضل؛ لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأسلم من الآفات.
وقد ثبت عن عائشة في " الصحيح ":стр. 425
وكان يقول:
" الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمُسِرُّ بالقرآن كالمُسِرِّ
بالصدقة (١) " (٢) . الحواشي
(١) وقد قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ
فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ﴾ . قال الترمذي:
" ومعنى هذا الحديث: إن الذي يُسِرُّ بقراءة القرآن أفضل من الذي يجهر بها؛ لأن
صدقة السر أفضل عند أهل العلم من صدقة العلانية. وإنما معنى هذا عند أهل العلم:
لكي يأمن الرجلُ من العُجب؛ لأن الذي يُسِرّ العمل لا يخاف عليه العُجب ما يُخاف
عليه من علانيته ". قال السندي:
" لكن الذي يقتضيه أمره ﷺ لأبي بكر: " ارفع من صوتك ": أن الاعتدال في
القراءة أفضل؛ فإما أن يحمل الجهر في الحديث على المبالغة، والسر على الاعتدال. أو
على أن هذا الحديث محمول على ما إذا كان الحال يقتضي السر، وإلا؛ فالاعتدال في
ذاته أفضل ".
قلت: والاحتمال الثاني أظهر. والله أعلم.(٢) أخرجه البخاري في " أفعال العباد "(٩٤) ، وأبو داود (١/٢٠٩) ، والنسائي
(١/٣٥٧) ، والترمذي (٢/١٥١ - طبع بولاق) ، وابن نصر(٥٣) ، والحاكم (١/٥٥٤ -
٥٥٥) ، وأحمد (٤/١٥١ و ١٥٨) عن بَحِير بن سعد عن خالد بن مَعْدَان عن كثير بن
مُرّة الحضرمي عن عقبة بن عامر مرفوعاً به. وقال الترمذي:следующие страницы →