Полный текст (1 078 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
..............................................................................
стр. 667
النهي عن قراءةِ القرآنِ في الركوع
و" كان ينهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (١) " (٢)
. وكان يقول: الحواشي
(١) قال الترمذي:
" وهو قول أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، والتابعين، ومن بعدهم؛ كرهوا
القراءة في الركوع والسجود ".
قلت: وممن صرح بكراهة ذلك الإمام محمد؛ قال:
" وهو قول أبي حنيفة ﵀. اهـ. الظاهر أنه لا فرق عندهم بين الفريضة
والتطوع؛ لعموم الحديث، وخالف في ذلك عطاء؛ فقال: لا أكره أن تقرأ راكعاً أو ساجداً
في التطوع. وقال ابن جُريج: أخبرني عطاء: أنه سمع عُبيد بن عُمير يقرأ وهو راكع في
التطوع وساجداً ". اهـ. من " قيام الليل "(٧٧) .
ولعل مستنده في ذلك ما تقدم في (القراءة في صلاة الليل) [ص ٥٣٤] ؛ أنه ﷺ
قام ليلة بآية؛ يرددها حتى الصباح، بها يركع، وبها يسجد. وذكرنا وجه الجمع بينه
وبين هذا الحديث هناك. فراجعه.
هذا، وقال الخطابي في " المعالم " (١/٢١٤) :
" قلت: نَهْيُهُ عن القراءة راكعاً أو ساجداً يشد قول إسحاق ومذهبه في إيجاب الذكر
في الركوع والسجود، وذلك أنه إنما أُخليَ موضعُهُما من القراءة؛ ليكون محلاً للذكر
والدعاء ".(٢) هو من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال:
نهاني رسول الله ﷺ عن قراءة القرآن وأنا راكع أو ساجد.
أخرجه مسلم (٢/٤٨ - ٤٩) ، ﴿وأبو عوانة [٢/١٧١ و ١٧٢ و ١٧٥] ﴾ ، وأبو داودстр. 668
..............................................................................
الحواشي
(١٥٤) ، والترمذي (٢/٥١ - ٥٢) ،
﴿وأبو عوانة [٢/١٧٥] ﴾ ، وأحمد أيضاً (١/١٢٦) عن نافع عن إبراهيم به من الوجه
الأول؛ بدون ذكر السجود.
وكذا هو في رواية لمسلم، ﴿وأبي عوانة [٢/١٦٨ و ١٧٢ - ١٧٥] ﴾ من طرق عن إبراهيم.
وكذلك رواه النسائي من وجه آخر عن أشعث عن محمد بن عُبيدة (*) عن علي.
ومحمد بن عُبيدة هذا: لم أعرفه.
وله طرق أخرى:
منها: عن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن عبد الكريم عن عبد الله بن
الحارث بن نوفل عن ابن عباس عن علي به تاماً.
أخرجه عبد الله بن أحمد في " مسند أبيه " (١/١٠٥ و ١١٦) .
وابن أبي ليلى هذا: سيئ الحفظ.
وعبد الكريم هذا هو: ابن أبي المخارق؛ ثقة من رجال مسلم. وكذا من فوقه (**) .
_________
(*) كذا الأصل؛ والصواب: محمد عن عُبيدة كما في " السنن الصغرى " و " الكبرى " من النسائي.
(**) كذا الأصل؛ والصواب: " ابن أبي المخارق: ضعيف "، ولعله ذهب وهل الشيخ إلى
عبد الكريم الجزري الثقة. انظر (ص ٥٧٥) ، و " الضعيفة " (٥/٢١٨ - ٢١٩ و ٦/٨١) .стр. 669
" ألا وإني نُهِيْتُ (١) أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع؛ الحواشي
(٢٥) عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن
الحارث عنه بلفظ: قال لي رسول الله ﷺ :
" يا علي! إني أحب لك ما أحب لنفسي، وأكره لك ما أكره لنفسي؛ لا تقرأ وأنت
راكع، ولا وأنت ساجد، ولا تصل وأنت عاقص شعرك؛ فإنه كِفْلُ الشيطان، ولا تُقْعِ
بين السجدتين، ولا تعبث بالحصى، ولا تفترش ذراعيك، ولا تفتح على الإمام،
ولا تَخَتَّمْ بالذهب، ولا تلبس الْقَسِيّ، ولا تركب المياثر ".
والحارث: هو الأعور، ضعيف.(١) النهي له ﷺ نهي لأمته؛ كما يُشعِر بذلك قوله في الحديث:
" أما الركوع ... " إلخ. ويُشعِر به أيضاً قول علي السابق:
نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً.
ويدل عليه أيضاً أدلة التأسي العامة. وفيه خلاف في الأصول. كذا في " النيل "
للشوكاني (٢/٢٠٩) ، قال:
" وهذا النهي يدل على تحريم قراءة القرآن في الركوع والسجود. وفي بطلان الصلاةстр. 670
فعظِّموا (١) فيه الرب ، وأما السجود؛ فاجتهدوا في الدعاء؛
فقَمِنٌ (٢) أن يستجاب لكم " (٣) . الحواشي
(١) أي: سبِّحوه ونَزِّهُوه ومَجِّدوه. وقد بَيَّن ﷺ اللفظ الذي يقع به هذا التعظيم
بالأحاديث المتقدمة في هذا الفصل.
واعلم أن التسبيح في الركوع والسجود سنة غير واجب؛ هذا مذهب مالك، وأبي
حنيفة، والشافعي ﵏، والجمهور. وأوجبه أحمد ﵀، وطائفة من أئمة
الحديث؛ لظاهر الحديث في الأمر به، ولقوله ﷺ :
" صلوا كما رأيتموني أصلي ". وهو في " صحيح البخاري ".
وأجاب الجمهور بأنه محمول على الاستحباب، واحتجوا بحديث (المسيء صلاته) ؛
فإن النبي ﷺ لم يأمره به، ولو وجب؛ لأمره به. كذا في " شرح مسلم " للنووي.
واعلم أن مفهوم الحديث يدل على أن الركوع مختص بالتعظيم والتسبيح، وأن
السجود على خلاف ذلك، لكن قد سبق أن بينا أن هذا المفهوم غير مراد؛ لثبوت خلافه
عنه ﷺ من الدعاء في الركوع - كما مضى -، والتسبيح في السجود - كما يأتي -.(٢) بكسر الميم وفتحها؛ أي: جدير وخليق. قيل: بفتح الميم مصدر، وبكسرها
صفة.(٣) هو قطعة من حديث ابن عباس ﵁ قال:стр. 671
..............................................................................
الحواشي
(١) كشف رسول الله ﷺ الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر؛ فقال:
" أيها الناس! إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة؛ يراها المسلم أو تُرى
له، ألا وإني ... " إلخ.
أخرجه مسلم (٢/٤٨) ، ﴿وأبو عوانة [٢/١٧٠] ﴾ ، وأبو داود (١/١٤٠) ، والنسائي
(١/١٦٠ و ١٦٨) ، والدارمي (١/٣٠٤) ، والطحاوي (١/١٣٧) ، والبيهقي (٢/٨٧ - ٨٨
و١١٠) ، وأحمد (١/٢١٩) عن سليمان بن سُحَيم عن إبراهيم بن عبد الله بن مَعْبَد عن
أبيه عنه.
وروى منه ابن ماجه الجملة الأولى.
وللحديث شاهد من حديث علي ﵁. رواه عنه النعمان بن سعد قال:
سأله رجل: آقرأ في الركوع والسجود؟ فقال:
قال رسول الله ﷺ :
" إني نُهِيْتُ أن أقرأ في الركوع والسجود، فإذا ركعتم؛ فعظموا الله، وإذا سجدتم؛
فاجتهدوا في المسألة، فَقَمِنٌ أن يستجاب لكم ".
أخرجه الطحاوي، وعبد الله في " مسند أبيه " (١/١٥٥) من طريق عبد الرحمن بن
إسحاق عنه.
وعبد الرحمن هذا: ضعيف عند الجميع - كما قال الهيثمي (٢/١٢٧) -.
وفي الباب عن أبي هريرة في (الدعاء في السجود) ، وسنذكره هناك إن شاء الله
تعالى.стр. 672
الاعتدال من الركوع، وما يقولُ فيه
ثم " كان ﷺ يرفع صُلبه من الركوع قائلاً:
" سمع الله لمن حمده " " (١) . ﴿وأمر بذلك (المسيء صلاته) ؛ فقال: الحواشي
(١) هو من حديث أبي هريرة ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة؛ يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول:
" سمع الله لمن حمده ". حين يرفع صُلْبَه من الركعة، ثم يقول وهو قائم:
" ربنا! لك الحمد ". ثم يكبر حين يهوي، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين
يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها حتى يقضيها، ويكبر
حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس.
أخرجه البخاري (٢/٢١٦ - ٢١٧) واللفظ له، ومسلم (٢/٨) ، والنسائي
(١/١٧٢) ، والبيهقي (٢/٦٧ و ٩٣ و ٩٨ و ١١٨ و ١٢٧ و ١٣٤) ، وأحمد (٢/٢٥٤) ؛ كلهم
من طريق الليث عن عُقيل عن ابن شهاب قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن
الحارث: أنه سمع أبا هريرة يقول: ... فذكره.
والزيادة عند أبي داود والبيهقي. وهي عند البخاري معلقة عن عبد الله بن صالح
عن الليث، وموصولة عنده (٢/٢٣٠) ، وكذا عند أبي داود(١٣٣) من طريق شعيب عن
الزهري به نحوه.
وكذلك أخرجه مسلم (٢/٧ و ٨) ، والنسائي (١/١٥٨) ، وأحمد (٢/٢٧٠) من
طرق أخرى عن ابن شهاب.
وزاد شعيبٌ في الإسناد أبا سلمة بن عبد الرحمن؛ قرنه مع أبي بكر بن عبد الرحمن.
وقد جاءت عنه ﷺ أحاديث كثيرة في الجمع بين التسميع والتحميد:стр. 673
..............................................................................
الحواشي
(٣٣) ، ولعلنا نذكر نصه قريباً (*) -، وهو قول الإمام أبي
يوسف، ومحمد - كما ذكر الطحاوي (١/١٤٠ - ١٤٢) -، واختاره(١) ؛ خلافاً لأبي
حنيفة -، ومالك وغيرهما: أن الإمام يقتصر على التسميع فقط. واحتجوا بحديث أبي
هريرة الآتي، ولا حجة فيه - كما سنبينه إن شاء الله تعالى -.
ومن الحجة للأولَين الحديث المذكوُر بعد هذا؛ وهو قوله ﷺ :
" صلوا كما رأيتموني أصلي ".
فهو نص عام، يشمل كل مُصَلٍّ؛ أن يقول ويصلي كما كان ﷺ يصلي، ولا يجوز
رد حديث - لا سيما إذا - بلغ مبلغ التواتر، أو كاد؛ كحديث أبي هريرة هذا الذي نحن
في صدد الكلام عليه.. لا يجوز رده لحديث آخر؛ طالما يمكن الجمع بينهما - كما في
_________
(*) سيأتي (ص ٦٩١) .(١) وكذا اختاره الفضلي، والشُّرُنْبُلالي، وصاحب " المنية "، وعامة المتأخرين من أصحابنا، وهو
الأصح؛ الموافق لما ثبت عنه ﷺ . كذا في " عمدة الرعاية "(١٣٧) .стр. 674
" لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى ... يكبر ... ثم يركع ... ثم
يقول: سمع الله لمن حمده. حتى يستوي قائماً " (١) .
وكان إذا رفع رأسه استوى؛ حتى يعود كل فَقارٍ مكانه (٢) ﴾ .
ثم " كان يقول وهو قائم:
" ربنا [و] لك الحمد " " (٣) . وأمر بذلك كلَّ مُصَلٍّ؛ مُؤتماً أو غيره؛ فقال:
" صلوا كما رأيتموني أُصلي " (٤) . وكان يقول:
" إنما جُعل الإمام ليؤتم به ... وإذا قال: (سمع الله لمن حمده) ؛ فقولوا:
( [اللهم] ربنا ولك الحمد) " (٥) - زاد في حديث آخر: -................. الحواشي
(١) ﴿ [أخرجه] أبو داود، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. [وانظر (ص ١٨٩ -
١٩٠) ] ﴾ .(٢) ﴿ [أخرجه] البخاري، وأبو داود. " صحيح أبي داود "(١٧٢) .
و (الفَقَار) - بالفتح -: ما انتَضَد مِنْ عِظام الصُّلب مِنْ لَدُنِ الكاهِل إلى العَجْبِ - كما
في " القاموس " -. وانظر " فتح الباري " (٢/٣٠٨) ﴾ .(٣) انظر الحاشية رقم(١) (ص ٦٨٣) .(٤) مضى هذا الحديث في عدة مواضع؛ منها (ص ١٤) .(٥) هو من حديث أبي هريرة ﵁. وقد مضى في أوائل الكتاب في
(الصلاة قاعداً) [ص ٨٧] ، وقد أخرجه مسلم (٢/١٩ - ٢٠) من طرق عنه.
ومن حديث أنس أيضاً، وعائشة: عند الشيخين. وقد سبق تخريجهما هناك.
وفي الباب عن أبي موسى الأشعري، وقد مضى في (التأمين) .стр. 675
..............................................................................
الحواشي
(١) وعن أبي سعيد. وتقدم في الأوائل.
وكلها أحاديث صحيحة، وقد احتج بها من خَصَّ المؤتم بالتحميد دون الإمام، وهم
من ذكرنا آنفاً. كما أنهم احتجوا بها على أنه ليس للمؤتم أن يقول: (سمع الله لمن
حمده) . قال الحافظ في " الفتح " (٢/١٤٣) :
" وليس في السياق ما يقتضي المنع من ذلك؛ لأن السكوت عن الشيء لا يقتضي
ترك فعله. نعم؛ مقتضاه أن المأموم يقول: (ربنا! لك الحمد) عقب قول الإمام: (سمع
الله لمن حمده) . فأما منع الإمام من قول: (ربنا! ولك الحمد) ؛ فليس بشيء؛ لأنه ثبت
أن النبي ﷺ كان يجمع بينهما ". اهـ.
قلت: وكذلك مَنْعُ المأموم من قول التسميع ليس بشيء أيضاً، ولعموم قوله ﷺ :
" صلوا كما رأيتموني أصلي ". وللحديث الذي بعده:
" إنما جعل الإمام ليؤتم به ".
فإن من الائتمام به أن يقول بقوله، إلا ما استثناه الدليل؛ كالقراءة وراء الإمام في
الجهرية - على ما سبق بيانه في محله -.
ولذلك قال الخطابي في " المعالم " (١/٢١٠) :
" قلت: وهذه الزيادة - يعني: التسميع - وإن لم تكن مذكورة في الحديث نصاً؛
فإنها مأمور بها الإمامُ. وقد جاء:
" إنما جعل الإمام ليؤتم به ". فكان هذا في جميع أقواله وأفعاله، والإمام يجمع بينهما،
وكذلك المأموم، وإنما كان القصد بما جاء في هذا الحديث مداركةَ الدعاء والمقارنة بين القولين؛
ليستوجب بها دعاء الإمام، وهو قوله: " سمع الله لمن حمده " ليس بيان كيفية الدعاء،
والأمر باستيفاء جميع ما يقال في ذلك المقام؛ إذ قد وقعت الغُنْيَةُ بالبيان المتقدم ".стр. 676
..............................................................................
الحواشي
(١) ونحوه - وأوضح منه - قول النووي في " المجموع " (٣/٤٢٠) :
" إن معنى الحديث: (قولوا: " ربنا! لك الحمد " مع ما قد علمتموه من قول: " سمع
الله لمن حمده ") . وإنما خص هذا بالذكر؛ لأنهم كانوا يسمعون جهر النبي ﷺ بـ:
" سمع الله لمن حمده ". فإن السنة فيه الجهر، ولا يسمعون قوله: " ربنا! لك الحمد "؛ لأنه
يأتي به سراً - كما سبق بيانه -. وكانوا يعلمون قوله ﷺ : " صلوا كما رأيتموني أصلي ".
مع قاعدة التأسي به ﷺ مطلقاً، وكانوا يوافقون في: " سمع الله لمن حمده "؛ فلم يحتج
إلى الأمر به، ولا يعرفون: " ربنا! لك الحمد "؛ فأمروا به ". قال الحافظ (٢/٢٢٥) :
" وهذا الموضع يقرب من مسألة التأمين - كما تقدم -؛ من أنه لا يلزم من قوله: " إذا
قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ؛ فقولوا: آمين ". أن الإمام لا يُؤَمّن بعد قوله: ﴿وَلَا الضَّالّيِنَ﴾ .
وليس فيه أن الإمام يؤمن، كما أنه ليس في هذا أنه يقول: " ربنا! لك الحمد ". لكنهما
مستفادان من أدلة أخرى صحيحة صريحة؛ كما تقدم في (التأمين) ، وكما مضى في
هذا الباب؛ أنه ﷺ كان يجمع بين التسميع والتحميد.
وأما ما احتجوا به - من حيث المعنى - من أن معنى: " سمع الله لمن حمده ": طلب
التحميد؛ فيناسب حالَ الإمام، وأما المأموم؛ فتناسبه الإجابة بقوله: " ربنا! لك
الحمد ". ويقويه حديث أبي موسى الأشعري عند مسلم وغيره؛ ففيه:
" وإذا قال: (سمع الله لمن حمده) ؛ فقولوا: (ربنا! ولك الحمد) . يسمع الله لكم ".
فجوابه أن يقال: لا يدل ما ذكرتم على أن الإمام لا يقول: (ربنا! لك الحمد) . إذ لا
يمتنع أن يكون طالباً ومجيباً. وهو نظير ما تقدم في مسألة التأمين؛ من أنه لا يلزم من
كون الإمام داعياً والمأموم مُؤَمِّناً أن لا يكون الإمام مُؤَمِّناً ". قال:
" وقضية ذلك أن الإمام يجمعهما، وهو قول الشافعي، وأحمد، وأبي يوسف،
ومحمد، والجمهور، والأحاديث الصحيحة تشهد له ". ثم قال:стр. 677
..............................................................................
الحواشي
(١٢٩) عن يزيد بن محمد بن عبد الصمد: ثنا
يحيى بن عمرو بن عمارة: سمعت ابن ثابت بن ثوبان يقول: ثني عبد الله بن الفَضْل
عن الأعرج عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ:
" إذا قال الإمام: (سمع الله لمن حمده) . فليقل من وراءه: (اللهم ربنا! ولك
الحمد) ".
ويحيى بن عمرو هذا لم أجد من ذكره (**) ، وبقية رجاله موثقون.
_________
(*) وقال شيخنا ﵀ في حاشيته على " صفة الصلاة " المطبوع - بعد أن ذكر كلاماً هو
تلخيص لما تقدم في هذه المسألة -:
" (تنبيه) : ... وليتأمل هذا بعض الأفاضل الذين راجعونا في هذه المسألة، فلعل فيما ذكرنا ما يقنع.
ومن شاء زيادة الاطلاع؛ فليراجع رسالة الحافظ السُّيُوطي في هذه المسألة " دفع التشنيع في حكم
التسميع " ضمن كتابه " الحاوي للفتاوي " (١/٥٢٩) ".
(**) مترجم في " الجرح والتعديل " (٩/١٧٧) دون جرح أو تعديل.стр. 678
" يسمع اللهُ لكم (١) ؛ فإن الله ﵎ قال على لسان نبيه ﷺ : سمع
الله لمنَ حمده " (٢) . الحواشي
(١) أي: يستجبْ دعاءكم.(٢) هو من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ بلفظ:
" وإذا قال: (سمع الله لمن حمده) . فقولوا: (اللهم ربنا! لك الحمد) . يسمع الله
لكم ... " الحديث. وقد مضى بتمامه وتخريجه في (التأمين) [ص ٣٨٧] .
وفي رواية للنسائي (١/١٦٢) ، والطحاوي (١/١٤٠) بلفظ:
" اللهم ربنا! ولك الحمد ". بزيادة الواو. وهو رواية في حديث أبي هريرة الآتي.стр. 679
وعَلَّلَ الأمرَ بذلك في حديث آخر بقوله:
" فإنه من وافق قوله قول الملائكة (١) ؛ غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه " (٢) . الحواشي
(١) قال الحافظ ابن حجر: فيه إشعار بأن الملائكة تقول ما يقول المأموم.
وقال ابن عبد البر: الوجه عندي في هذا - والله أعلم - تعظيم فضل الذكر، وأنه
يحط الأوزار، ويغفر الذنوب، وقد أخبر الله عن الملائكة أنهم يستغفرون للذين آمنوا،
فمن كان منه من القول مثل هذا بإخلاص، واجتهاد، ونية صادقة، وتوبة صحيحة؛
غفرت ذنوبه إن شاء الله تعالى. قال: ومثل هذه الأحاديث المشكلةِ المعاني البعيدةِ
التأويلِ عن مخارج لفظها واجبٌ رَدُّها إلى الأصول المجتمع عليها. كذا في " التنوير ".(٢) هو من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال:
" إذا قال الإمام: (سمع الله لمن حمده) . فقولوا: (اللهم ربنا! لك الحمد) .
فإنه ... " الحديث.
أخرجه مالك (١/١١١) ، ومن طريقه البخاري (٢/٢٢٥ - ٢٢٦) ، ومسلم (٢/١٧) ،
و ﴿أبو عوانة [٢/١٧٩] ﴾ ، وأبو داود (١/١٣٥) ، والنسائي (١/١٦٢) ، والترمذي
(٢/٥٥) ، والطحاوي (١/١٤٠) ، والبيهقي (٢/٩٦) - كلهم عن مالك - عن سُمَيٍّ مولى
أبي بكر عن أبي صالح السَّمَّان عنه.
وأخرجه أحمد (٢/٤١٧) من طريق سُهيل عن أبيه به نحوه، وفيه:
" اللهم ربنا! ولك الحمد ". بزيادة الواو.
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وله عند مسلم (٢/٢٠) ، و ﴿أبي عوانة [٢/١٠٩] ﴾ طريق أخرى روياه عن شعبة
عن يعلى بن عطاء: سمعتُ أبا علقمة: سمعت أبا هريرة به نحو حديث مالك.стр. 680
وكان يرفع (١) يديه عند هذا الاعتدال على الوجوه المتقدمة في تكبيرة
الإحرام، ويقول وهو قائم - كما مر آنفاً -:
١- " ربنا! ولك الحمد ". وتارةً يقول:
٢- " ربنا! لك الحمد ". بدون الواو. الحواشي
(١) وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك عن جمع من الصحابة - وقد بلغوا
العشرين - في (الرفع عند الركوع) ، وذكرنا أقوال العلماء في هذه المسألة، وأسماء من
ذهب إلى مشروعية ذلك من الحنفية، فراجعه إن شئت [ص ٦٠١ - ٦٢٢] .
١- هو رواية في حديث أبي هريرة المذكور فيما سبق. ويشهد له أحاديث:
منها: عن ابن عمر في " الصحيحين " وغيرهما. وقد مضى في (رفع اليدين) .
ومنها: عن عائشة: عند البخاري (٢/٤٢٧) ، ومسلم (٣/٢٨) ، والطحاوي
(١/١٤١) وغيرهم في حديث صلاة الكسوف.
ومنها: عن أبي سعيد الخدري في رواية عنه - كما يأتي -.
٢- هو رواية من حديث أبي هريرة المار سابقاً.
وله شواهد:
منها: عن حذيفة. وقد ذُكر لفظه بتمامه في (القراءة في صلاة الليل) .
ومنها: عن أبي سعيد: عند مسلم وغيره - كما يأتي -.стр. 681
وأحياناً يقول:
٣- " اللهم ربنا! ولك الحمد ". تارة بالواو.
الحواشي
(١) ٣- إن إنكار ابن القيم في " الزاد " (١/٧٨) لصحة هذه الرواية الجامعة بين:
(اللهم!) و: (الواو) ؛ ذهولٌ منه لا يجوز أن يُغتر به؛ لثبوتها في " البخاري " وغيره؛
ولذلك تعجب منه الزرقاني في " شرح المواهب " (٧/٣١٨) ، ورد عليه الحافظ في " الفتح "
(٢/٢٢٥) .
وقد أخرجها البخاري (٢/٢٢٤) ، وأحمد أيضاً (٢/٤٥٢) من طرق عن ابن أبي
ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال:
كان النبي ﷺ إذا قال: " سمع الله لمن حمده "؛ قال:
" اللهم ربنا! ولك الحمد ".
وقد وجدت له طريقاً أخرى أخرجها النسائي (١/١٦٢) ، وأحمد (٢/٢٧٠) عن
عبد الرزاق قال: ثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال:
كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع؛ قال:
" اللهم ربنا! ولك الحمد ".
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين.
وله شواهد:
منها: عن ابن عمر في رواية عنه من حديثه المتقدم في (رفع اليدين) .
أخرجها الدارمي (١/٣٠٠) .
ومنها: عن أبي سعيد الخدري: عند البيهقي (٢/٩٤) . ويأتي قريباً إن شاء الله
تعالى.стр. 682
..............................................................................
الحواشي
(١) وقد ثبتت هذه الرواية من حديث أبي هريرة أيضاً من طرق عنه أمْراً بها، وكذا من
حديث أبي سعيد الخدري، وأبي موسى الأشعري. وقد سبق تخريجها قريباً.
وروى البيهقي (٢/٩٦) القول بها عن علي بن أبي طالب من طريق أبي إسحاق
عن الحارث عنه.
وبالجملة؛ فمجيء هذه الرواية من هذه الطرق المختلفة عن هؤلاء الصحابة مما يبعد
القول بعدم صحتها - كما فعل ابن القيم - كلَّ البعد.
وأما قول الشوكاني - بعد أن حكى كلام ابن القيم (٢/٢١٠) -:
" وأقول: قد ثبت الجمع بينهما في " صحيح البخاري " في (باب صلاة القاعد) من
حديث أنس بلفظ:
" وإذا قال: (سمع الله لمن حمده) . فقولوا: (اللهم ربنا! ولك الحمد) ". وقد
تطابقت على هذا اللفظ النسخ الصحيحة من " صحيح البخاري ".
كذا قال! ولم أجده بهذا اللفظ في شيء من النسخ المطبوعة، وإنما هو في الباب
المذكور (٢/٤٦٧) بلفظ:
" ربنا! ولك الحمد ".. بدون: " اللهم! ".
وكذلك ورد في (باب إنما جعل الإمام ليؤتم به) من " صحيحه " (٢/١٤٣) ، وعليه
مشى الحافظ في " شرحه "، ولم يُشِرْ أدنى إشارة إلى هذه الزيادة من حديث أنس.
وكذلك ورد الحديث بدون الزيادة في " صحيح مسلم " (٢/١٨) ، و " سنن أبي داود "
(١/٩٨) ، والنسائي (١/١٦٢) ، والترمذي (٢/١٩٤) ، والدارمي (١/٣٨٧) ، وابن ماجه
(١/٣٧٤) ، ومالك (١/١٥٥) وغيرهم.
وقد مضى الحديث في (الصلاة قاعداً) - فلعل النُّسخَ التي أشار إليها الشوكانيстр. 683
وتارة بدونها:
٤- " اللهم ربنا! لك الحمد ".
الحواشي
(٣٠٥) ، والطحاوي (١/١٤١) ، والبيهقي (٢/٩٥) .
وله شواهد:
منها: عن علي بن أبي طالب في حديثه الطويل في أذكار الصلاة. وقد مضى في
(الاستفتاح) .
أخرجه بهذا اللفظ مسلم، والترمذي، والطحاوي (١/١٤٠) ، والدارقطني(١٣٠) ،
والبيهقي، والطيالسي.
ورواه أبو داود، والترمذي (٢/٥٣) ، وأحمد، وكذا مسلم في رواية، وابن نصر(٧٦) ، والدارقطني أيضاً في رواية بلفظ:стр. 684
..............................................................................
الحواشي
(١) " ربنا! ولك الحمد ".
وكذلك رواه الدارمي (١/٣٠١) ؛ إلا أنه لم يذكر فيه (الواو) .
ومنها: عن عبد الله بن أبي أوفى.
أخرجه مسلم (٢/٤٦ - ٤٧) ، وأبو داود (١/١٣٥) ، وابن ماجه (١/٢٨٦) ، وأحمد
(٤/٣٥٣ و ٣٥٤ و ٣٨١) ، والطحاوي (١/١٤٠ - ١٤١) ، والبيهقي (٢/٩٤) .
وفي الباب عن ابن عباس، وأبي سعيد - كما يأتي قريباً إن شاء الله تعالى -. قال
النووي في " المجموع " (٣/٤١٨) - بعد أن ذكره بهذا اللفظ والألفاظ الثلاثة التي قبله -:
" وكله في " الصحيح ". قال الشافعي والأصحاب: كله جائز ". ثم قال:
" قال صاحب " الحاوي " وغيره: يستحب للإمام أن يجهر بقوله: (سمع الله لمن
حمده) ؛ ليسمعَ المأمومون، ويعلموا انتقاله، كما يجهر بالتكبير، ويسر بقوله: (ربنا! لك
الحمد) ؛ لأنه يفعله في الاعتدال، فأسر به؛ كالتسبيح في الركوع والسجود. وأما
المأموم؛ فيُسِرُّ بهما، كما يُسِرُّ بالتكبير، فإن أراد تبليغَ غيره انتقالَ الإمامِ - كما يبلغ
التكبيرَ -؛ جهر بقوله: (سمع الله لمن حمده) ؛ لأنه المشروع في حال الارتفاع، ولا يجهر
بقوله: (ربنا! لك الحمد) ؛ لأنه إنما يشرع في حال الاعتدال ".
قلت: وفي جهر الإمام بالتسميع حديث أبي سعيد الخدري:
أنه جهر بالتكبير حين افتتح الصلاة ... الحديث. وفيه: وحين قال: " سمع الله لمن
حمده " ... الحديث. وفيه: هكذا رأيت رسول الله يصلي.
وقد مضى في (التكبير) . ولكنه ليس صريحاً في ذلك؛ لاحتمال أن يكون المراد:
وجهر بالتكبير حين قال: " سمع الله لمن حمده ". ويعني به: التكبير للهُويّ إلى السجود،
ويحتمل أن المراد: وجهر حين قال: " سمع الله لمن حمده ". أي: به. والله أعلم.стр. 685
﴿وكان يأمر بذلك، فيقول:
" إذا قال الإمام: (سمع الله لمن حمده) . فقولوا: (اللهم رَبَّنا! لك
الحمد) ؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غُفر له ما تقدم من ذنبه " (*) ﴾ .
وكان تارةً يزيد على ذلك إما:
٥- " ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد ".
وإما:
الحواشي
(١) (*) سبق تخريجه (ص ٦٨١) ، وتقدم في (القيام) (ص ٨٧) .
٥- هو من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال:
كان رسول الله ﷺ . إذا رفع ظهره من الركوع؛ قال:
" سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا! لك الحمد، ملء السماوات ... ". إلخ دون الزيادة (*) .
أخرجه مسلم (٢/٤٦ - ٤٧) ، وأبو عوانة (٢/١٧٧) ، وأبو داود، وابن ماجه،
والطحاوي، والبيهقي، وأحمد - كما سبق قريباً -؛ رووه كلهم - حاشا الطحاوي - عن
الأعمش عن عبيد بن الحسن عنه.
وقد تابعه قيس بن الربيع: عند الطيالسي - كما يأتي -.
وكذلك تابعه مِسْعَر: عند أحمد (٤/٣٥٥ و ٣٥٦) ، لكن لم يقل:
إذا رفع ظهره من الركوع.
_________
(*) يعني: قوله: " اللهم! طهرني بالثلج والبرد، والماء البارد. اللهم! طهرني من الذنوب
والخطايا؛ كما ينقى الثوبُ الأبيض من الوسخ (وفي لفظ: الدرن. وفي آخر: الدَّنَس) ".
وهذه زيادة كان الشيخ قد أثبتها في المتن، ثم ضرب عليها، وقال:
" ضربنا عليه؛ لأنه ليس في شيء من طرقه أنه كان يقوله بعد الركوع، وإنما هو مطلق ". وقد
أثبتناه؛ لما له من تعلق بالتخريج كما سيمر معك.стр. 686
..............................................................................
الحواشي
(١١٠) قال: ثنا شعبة وقيس عن عُبيد بن الحسن به. قال أبو
داود:
" قال قيس في حديثه: كان رسول الله ﷺ يقول هذا إذا رفع رأسه من الركوع ". ثم
قال أبو داود:
" قال شعبة: وسمعت مَجْزأة بن زاهر يقول: سمعت ابن أبي أوفى يذكر هذا الدعاء
وزاد فيه: " اللهم! طهرني ... " إلخ.
وكذلك أخرجه مسلم، والبخاري في " الأدب المفرد "(٩٩) .
وتابعه عنده(٩٨) إسرائيل عن مَجْزَأَة، وأحمد (٤/٣٥٤) عن شعبة به مرفوعاً
مصرحاً به. لكنه مطلق أيضاً؛ ليس فيه تقييده بما بعد الركوع.
وروى النسائي (١/٧٠) منه هذه الزيادة.
وتابعه عنده رقبة عن مجزأة، والترمذي (٢/٢٧١ - طبع بولاق) من طريق أخرى.
وله كذلك طريق أخرى أخرجه الإمام أحمد (٤/٣٨١) عن ليث عن مُدْرِك عن
عبد الله بن أبي أوفى:
أن رسول الله ﷺ كان يدعو؛ فيقول:
" اللهم! طهرني بالثلج ... " إلخ. وزاد:
" وباعد بيني وبين ذنوبي؛ كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم! إني أعوذ بك
من قلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع، وعلم لا ينفع، اللهم! إني أعوذ
بك من هؤلاء الأربع، اللهم! إني أسألك عيشة نقية، وميتة سوية، ومردّاً غيرَ مُخزٍ ".стр. 687
..............................................................................
الحواشي
(١) وليث هو: ابن أبي سليم، وفيه كلام. ومدرك هو: ابن عمارة بن عُقبة، روى عنه
جمع، وذكره ابن حبان في " الثقات "، وهو من رجال " التعجيل ".
فقد ظهر بهذه الطرق أن قوله: " اللهم! طهرني ... ". لم يأت ولو في طريق واحد
أنه كان يقوله بعد الركوع.
فعليه: فإيراده فيما يقال بعد الركوع - كما فعل ابن القيم في " زاد المعاد "، وغيره
في غيره - ليس بجيد. فتنبه.
وللحديث شاهد من حديث ابن عباس:
أن النبي ﷺ كان إذا قال: " سمع الله لمن حمده ". قال:
" اللهم ربنا! لك الحمد ملء السماوات ... " إلخ.
أخرجه مسلم (٢/٤٨) ، و ﴿أبو عوانة [٢/١٧٦] ﴾ ، والنسائي (١/١٦٢) ، والطحاوي
(١/١٤٠) ، والبيهقي (٢/٩٤) ، وأحمد (١/٣٧٠) من طرق عن هشام بن حسان: ثنا
قيس بن سعد عن عطاء عنه.
وأخرجه أحمد (١/٢٧٠) من طريق حماد - يعني: ابن سلمة - عن قيس بن سعد
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
وكذلك أخرجه أيضاً (١/٢٧٥ و ٣٣٣) من طرق أخرى عن سعيد بن جبير به.
ثم أخرجه مسلم، ﴿وأبو عوانة [٢/١٧٧] ﴾ ، والبيهقي من طريق هُشيم بن بَشِير
عن هشام بن حسان به بزيادة:
" أهل الثناء والمجد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك
الجد ".стр. 688
٦- " مِلْءَ (١) السماوات، و [مِلْءَ] الأرض، و [مِلْءَ] ما بينهما، ومِلْءَ ما
شئت من شيء بعد " (٢) . الحواشي
(١) بكسر الميم، وبنصب الهمزة بعد اللام ورفعها. واختلف في الراجح منهما،
والأشهر النصب. كما قال النووي. قال العلماء: معناه: حمداً لو كان أجساماً؛ لملأ
السماوات والأرض. وقال السندي:
" تمثيل وتقريب. والمراد تكثير العدد، أو تعظيم القدر. " وملء ما شئت من شيء
بعد ": كالعرض والكرسي ونحوهما مما في مقدور الله تعالى ".(٢) روى ذلك علي بن أبي طالب ﵁ في حديثه الطويل المتقدم
[ص ٢٤٢] ، والزيادتان عند مسلم، والترمذي، وابن نصر، والبيهقي في رواية،
والطيالسي. والأولى فقط عند أبي داود، والدارقطني. والثانية عند الدارمي. قال
الترمذي - بعد أن ساق الحديث -:
" والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول الشافعي؛ قال: يقول هذا في
المكتوبة والتطوع. وقال بعض أهل الكوفة: يقول هذا في صلاة التطوع، ولا يقولها في
صلاة المكتوبة ".
قلت: والصواب ما قاله الشافعي؛ لثبوت ذلك عنه ﷺ ، وهو قول الإمام أحمد
وإسحاق بن راهويه؛ فقد قال إسحاق بن منصور المروزي في " مسائله ":
" قلت - يعني لأحمد -: إذا رفع رأسه من الركوع يزيدُ على " ربنا! ولك الحمد "؟
قال: إذا كان وحده؛ يقول: " ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيءстр. 689
..............................................................................
الحواشي
(١) بعد ". وإذا كان خلف الإمام فقال الإمام: " سمع الله لمن حمده ". وقال من خلفه: " ربنا!
ولك الحمد ". وإن شاء قال: " اللهم ربنا! ولك الحمد ". قال إسحاق - يعني: ابن راهويه -:
كما قال - يعني: أحمد -، ولكن من خلفه يقولون مثل ما قال الإمام: " ربنا! ولك
الحمد " إلى قوله: " ما شئت من شيء بعد ". وإن مدَّ إلى: " منك الجد " إذا كان إماماً؛
أحب إلي في المكتوبة والتطوع ". اهـ.
والظاهر أنه سقط من جواب الإمام أحمد شيء من الكلام، ولعل ما في " مسائل
أبي داود " عنه يتمه ويوضحه. قال أبو داود (٣٣ - ٣٤) :
" سمعت أحمد سئل: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع مع الإمام؟ قال: إذا قال
الإمام: " سمع الله لمن حمده، ربنا! ولك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض،
وملء ما شئت من شيء بعد ". يقول من خلفه: " ربنا! لك الحمد ". وإن شاؤوا: " اللهم
ربنا! لك الحمد ". لا يزيدون على ذلك ". قال أبو داود:
" وسمعته سئل عن إمام رفع رأسه فأطال القيام؟ قال: لا يقول من خلفه إلا: " ربنا!
ولك الحمد ". ثم قال أبو داود:
" قلت لأحمد مرة أخرى: أدعو بدعاء ابن أبي أوفى إذا رفعت رأسي من الركوع؟
قال: إذا كنت تصلي وحدك؛ تقوله، أو يكون الإمام يقوله. قلت: في الفريضة؟ قال:
نعم ". اهـ.
فكلام أحمد متفق مع كلام إسحاق والشافعي في استحباب ذلك في المكتوبة،
لكن أحمد كان يمنع المؤتم من ذلك، ولعله خشية أن تفوتَه متابعة الإمام بسبب ذلك،
ولكنه رجع أخيراً إلى استحباب ذلك؛ إذا كان الإمام يطيل القيام، ويقول ذلك، وهذا
هو الحق؛ لعموم قوله ﷺ :стр. 690
وتارة يضيف إلى ذلك قوله:
٧- " أهل (١) الثناء والمجد، لا مانع لما (٢) أعطيت، ولا معطي لما (٢) منعت،
ولا ينفع ذا الجَدِّ (٣) منك الجَدُّ ". الحواشي
(٣٤) :
" قلت لأحمد: إذا قال: " اللهم! " لا يقول - يعني: الواو في: " ربنا! ولك الحمد " -؟
قال: نعم ".
فهذا نص صريح منه في أنه لا يرى الجمع بين: " اللهم! " و: (الواو) ، ولعل ذلك
مستند ابن القيم في إنكار ذلك، وقد سبق الرد عليه، وبيان الروايات الواردة في الجمع
بينهما.
٧- هو من حديث ابن عباس ﵁ في رواية لمسلم، ﴿وأبي عوانة﴾ ،
والبيهقي. وقد سبق قريباً.(١) بالنصب على الاختصاص والمدح، أو بتقدير: يا أهلَ الثناء! أو بالرفع بتقدير:
أنت أهلُ الثناء. و (المجد) : العظمة، ونهاية الشرف.(٢) (ما) هنا: يعم العقلاء وغيرهم. كما قال السندي.(٣) بالفتح على الصحيح المشهور - كما قال النووي -. وهو الحظ والغنى، والعظمة
والسلطان؛ أي: لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد، والعظمة والسلطان منك حظُّه؛
أي: لا ينجيه حظُّه منك، وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح؛ كقوله تعالى: ﴿المَالُ
وَالبَنُونَ زِينَةُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ﴾ .стр. 691
وتارة تكون بإضافة:
٨- " ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد،
الحواشي
(٧٧) ، والبيهقي أيضاً، وأحمد (٣/٨٧) ؛ كلهم - إلا ابن نصر - عن سعيد بن
عبد العزيز عن عطية بن قيس عن قَزَعَةَ عنه. وأما ابن نصر؛ فقال: عن سُويد بن
عبد العزيز: ثني بُريد ابن أبي مريم عن قَزَعَةَ به.
والزيادتان عند الدارمي، ومسلم، وابن نصر. والأخرى منهما عند أبي داود،
﴿وأبي عوانة﴾ .
وللحديث شاهد من حديث شَرِيك عن أبي عمر - وهو المَنْبِهي - قال: سمعت أبا
جُحَيفة يقول:
ذكرت الجدود عند رسول الله ﷺ وهو في الصلاة؛ فقال رجل: جد فلان في
الخيل. وقال آخر: جد فلان في الإبل. وقال آخر: جد فلان في الغنم. وقال آخر:
جد فلان في الرقيق. فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته، ورفع رأسه من آخر الركعة؛
قال:
" اللهم ربنا! لك الحمد ... " إلخ. دون قوله: " أهل الثناء " إلى قوله: " وكلنا لك
عبد ". وزاد:
وطوَّل رسول الله ﷺ صوته بالجد؛ ليعلموا أنه ليس كما يقولون.стр. 692
أهل الثناء والمجد، أحق (١) ما قال العبد - وكلنا لك عبد -[اللهم!] لا مانع
لما أعطيت، [ولا معطي لما منعت] ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ ".
وتارة يقول في صلاة الليل:
٩- " لربي الحمد، لربي الحمد ". يكرر ذلك؛ حتى كان قيامه نحواً
من ركوعه الذي كان قريباً من قيامه الأول، وكان قرأ فيه سورة ﴿البَقَرَة﴾ . الحواشي
(١) مبتدأ خبره: " اللهم! لا مانع ... " إلخ. واعترض بينهما: " وكلنا لك عبد ".
قال النووي:
" وإنما يعترض ما يعترض من هذا الباب؛ للاهتمام به، وارتباطه بالكلام السابق،
وتقديره هنا: أحق قول العبد: لا مانع لما أعطيت ... ، وكلنا لك عبد. فينبغي لنا أن
نقوله.
وفي هذا الكلام دليل ظاهر على فضيلة هذا اللفظ؛ فقد أخبر النبي ﷺ الذي لا
ينطق عن الهوى - أن هذا أحق ما قاله العبد، فينبغي أن نحافظ عليه؛ لأن كلنا عبد،
ولا نهمله، وإنما كان أحق ما قاله العبد؛ لما فيه من التفويض إلى الله تعالى، والإذعان
له، والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأنه لا حول ولا قوة إلا به، والحث على الزهادة
في الدنيا، والإقبال على الأعمال الصالحة ".
٩- هو من حديث حذيفة ﵁: عند أصحاب " السنن " وغيرهم. وقد
مضى لفظه بتمامه في آخر نوع من (أدعية الاستفتاح) ، ﴿وهو مخرج في " الإرواء "(٣٣٥) ﴾ .стр. 693
١٠- " ربنا! ولك الحمد؛ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، [مباركاً
الحواشي
(١) ١٠- هو من حديث رِفاعة بن رافع قال:
كنا يوماً نصلي وراء رسول الله ﷺ ... الحديث.
أخرجه مالك (١/٢١٤) ، وعنه البخاري (٢/٢٢٧ - ٢٢٨) ، وأبو داود (١/١٢٣) ،
والنسائي (١/١٦٢) ، والبيهقي (٢/٩٥) ، وأحمد (٤/٣٤٠) - كلهم عن مالك - عن
نُعَيم بن عبد الله المُجْمِر عن علي بن يحيى الزُّرَقي عن أبيه عنه.
وكذلك أخرجه الحاكم (١/٢٢٥) عن مالك، وقال:
" صحيح. ولم يخرجاه ". ووافقه الذهبي. وقد وهما في الاستدراك على البخاري.
وله طريق أخرى - وفيها الزيادة - عند أبي داود، والنسائي (١/١٤٧) ، والترمذي
(٢/٢٥٤ - ٢٥٥) ، والبيهقي عن رِفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رِفاعة بن رافع الزُّرَقي
عن عم أبيه مُعاذ بن رفاعة عن أبيه بلفظ:
صليت خلف رسول الله ﷺ ، فعطست؛ فقلت: الحمد لله؛ حمداً كثيراً طيباً مباركاً
فيه، مباركاً عليه؛ كما يحب ربنا ويرضى. فلما صلى رسول الله ﷺ ؛ انصرف فقال:
" من المتكلم في الصلاة؟ ". فلم يتكلم أحد. ثم قالها الثانية:
" من المتكلم في الصلاة؟ ". فلم يتكلم أحد. ثم قالها الثالثة:
" من المتكلم في الصلاة؟ ".
فقال رفاعة بن رافعِ ابن عفراء: أنا يا رسول الله! ... الحديث. والباقي نحوه. وقال
الترمذي:
" حديث حسن ". وهو كما قال. وفيه زيادات ليست في الأول، كما أن في هذا أن
ذلك كان بعد العطاس، وفي ذاك أنه كان بعد الركوع، وقد جمع الحافظ بينهما بأن
العطاس كان وقع بعد الرفع من الركوع.стр. 694
عليه (١) ؛ كما يحب ربنا ويرضى] ".
قاله رجل كان يصلي وراءه ﷺ بعدما رفع ﷺ رأسه من الركعة وقال:
" سمع الله لمن حمده "، فلما انصرف رسول الله ﷺ ؛ قال:
" من المتكلم آنفاً؟ ". فقال الرجل: أنا يا رسول الله! فقال رسول
الله ﷺ : الحواشي
(١) قال الحافظ:
" يحتمل أن يكون تأكيداً - يعني: لقوله: مباركاً فيه. قال: -، وهو الظاهر. وقيل:
الأول: بمعنى الزيادة. والثاني: بمعنى البقاء. قال: وأما قوله: (كما يحب ربنا ويرضى) ؛
ففيه من حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد ". اهـ.
وفي الحديث هذا الذكر في هذا الموضع، ويستحب أن يضم إليه ما سبق من الأنواع
مما كان يقوله ﵊ على اختلاف الأحوال؛ إذا كان يريد إطالة هذا القيام؛стр. 695
" لقد رأيت بضعة (١) وثلاثين ملكاً يَبْتَدِرُوْنَها (٢) ؛ أيهم يكتبها أولاً (٣) ". الحواشي
(١) فيه رد على من زعم - كالجوهري - أن البضع يختص بما دون العشرين. كذا في " الفتح ".(٢) أي: يَسْتَبِقُون في كتابتها؛ يريد كل منهم أن يسبق صاحبه في ذلك،
قاصدين (أيهم يكتبها أولاً) ؛ أي: سابقاً، وقبل الآخرين. وضمير التأنيث لهذه الكلمات.(٣) روي بالنصب على الحال، وروي بالضم على البناء؛ لقطعه عن الإضافة.стр. 696
إطالةُ هذا القيام، ووجوبُ الاطمئنان فيه
وكان ﷺ يجعل قيامه هذا قريباً من ركوعه - كما تقدم - (١) ؛ بل " كان الحواشي
(١) هو من حديث البراء بن عازب. وقد سبق أواخر (الركوع) تخريجه
[ص ٦٦٧] . قال في " الفتح ":
" قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث يدل على أن الاعتدال ركن طويل، وحديث
أنس - يعني: الآتي بعده - أصرح في الدلالة على ذلك، بل هو نص فيه؛ فلا ينبغي
العدول عنه لدليل ضعيف؛ وهو قولهم: لم يُسن فيه تكرير التسبيحات كالركوع
والسجود. ووجهُ ضعفهِ أنه قياس في مقابلة النص، وهو فاسد.
وأيضاً؛ فالذكر المشروع في الاعتدال أطول من الذكر المشروع في الركوع؛ فتكرير
" سبحان ربي العظيم " ثلاثاً يجيء قدر قوله: " اللهم ربنا! ولك الحمد؛ حمداً كثيراً طيباً
مباركاً فيه ". وقد شُرع في الاعتدال ذكر أطول - ثم ذكر ما تقدم من حديث أبي سعيد
الخدري وغيره -.
وقد تقدم في الحديث الذي قبله ترك إنكار النبي ﷺ على من زاد في الاعتدال
ذكراً غير مأثور. ومن ثَمَّ اختار النووي جواز تطويل الركن القصير بالذكر؛ خلافاً للمرجح
في المذهب ". كما سبق قريباً. قال الحافظ:
" وقد أشار الشافعي في " الأم " (١/٩٨) إِلى عدم البطلان؛ فقال في ترجمة (كيف
القيام من الركوع) : ولو أطال القيام بذكر الله، أو يدعو ساهياً، وهو لا ينوي به القنوت؛
كرهتُ له ذلك، ولا إعادة ... إلى آخر كلامه. فالعجب ممن يصحح - مع هذا - بطلان
الصلاة بتطويل الاعتدال! وتوجيههم ذلك أنه (إذا أطيل؛ انتفت الموالاة) معترض بأن
معنى الموالاة: أن لا يتخلل فصل طويل بين الأركان بما ليس منها، وما ورد به الشرع لا
يصح نفي كونه منها ". انتهى.стр. 697
يقوم أحياناً حتى يقول القائل: قد نسي (١) ؛ [من طول ما يقوم] " (٢) . الحواشي
(١) أي: نسي وجوب الهوي إلى السجود. ويحتمل أن يكون المراد: أنه نسي أنه
في صلاة، أو ظن أنه وقت القنوت. من " الفتح ".(٢) هو من حديث أنس بن مالك. رواه ثابت عنه قال:
إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا. فكان أنس يصنع
شيئاً لا أراكم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع؛ انتصب قائماً، حتى يقول
القائل: قد نسي. وإذا رفع رأسه من السجدة؛ مكث، حتى يقول القائل: قد نسي.
أخرجه البخاري (٢/٢٣٩) ، ومسلم (٢/٤٥) ، والبيهقي (٢/٩٨ و ١٢١) من طريق
حماد بن زيد عنه.
وقد تابعه حماد بن سلمة عنه.
أخرجه مسلم، وأبو داود (١/١٣٦) ، وأحمد (٣/٢٤٧) من طرق عنه به، وزاد أبو
داود في السند حميداً. قرنه مع ثابت.
وسليمان - وهو: ابن المغيرة - عنه نحوه.
أخرجه أحمد (٣/٢٢٣) .
ومعمر عنده أيضاً (٣/١٦٢) .
ورواه شعبة عنه مختصراً قال:
كان أنس يَنْعَتُ لنا صلاة النبي ﷺ ؛ فكان يصلي، وإذا رفع رأسه من الركوع؛ قام
حتى نقول: قد نسي.стр. 698
وكان يأمر بالاطمئنان فيه؛ فقال (للمسيء صلاته) :
" ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائماً؛ [فيأخذ كل عظم مَأْخَذَه] "، (وفي
رواية: " وإذا رفعت؛ فأقم صلبك، وارفع رأسك حتى ترجع العظام إلى
مفاصلها ") وذكر له:
" أنه لا تتم صلاة لأحد من الناس إذا لم يفعل ذلك " (١) . وكان يقول: الحواشي
(٢٧٢) ،
وأحمد (٣/١٧٢) ، والزيادة عندهما، وهي عند الإسماعيلي أيضاً في " مستخرجه على
البخاري ". ﴿وهو مخرج في " الإرواء "(٣٠٧) ﴾ .(١) هو من حديث أبي هريرة، والزيادة وما بعدها من حديث رِفاعة بن رافع. وقد
سبقا.
﴿والمراد بـ (العظام) هنا: عظام سلسلة الظهر وفقراته - كما تقدم قريباً في
(الاعتدال من الركوع ... ) -. و (المفاصل) جمع (مَفصِل) : ملتقى كل عظمين في
الجسد. انظر " المعجم الوسيط ".
(تنبيه) : إن المراد من هذا الحديث بيِّن واضح، وهو الاطمئنان في هذا القيام.
وأما استدلال بعض إخواننا من أهل الحجاز وغيرها بهذا الحديث على مشروعية
وضع اليمنى على اليسرى في هذا القيام؛ فبعيدٌ جدّاً عن مجموع روايات الحديث - وهو
المعروف عند الفقهاء بـ: (حديث المسيء صلاته) -؛ بل هو استدلال باطل؛ لأن الوضع
المذكور لم يرد له ذكر في القيام الأول في شيء من طرق الحديث وألفاظه؛ فكيف يسوغ
تفسير الأخذ المذكور فيه بأخذ اليسرى باليمنى بعد الركوع؟ هذا لو ساعد على ذلك
مجموع ألفاظ الحديث في هذا الموطن؛ فكيف وهي تدل دلالة ظاهرة على خلاف
ذلك؟! ثم إن الوضع المذكور غير متبادر من الحديث ألبتة؛ لأن المقصود بـ (العظام) فيهстр. 699
..............................................................................
الحواشي
(١) عظام الظهر - كما تقدم -. ويؤيد ما سبق من فعله ﷺ : ... استوى حتى يعود كل فقار
مكانه. فتأمل منصفاً.
ولست أشك في أن وضع اليدين على الصدر في هذا القيام بدعة ضلالة؛ لأنه لم
يرد مطلقاً في شيء من أحاديث الصلاة - وما أكثرها! -، ولو كان له أصل؛ لنقل إلينا
ولو عن طريق واحد، ويؤيده أن أحداً من السلف لم يفعله، ولا ذكره أحد من أئمة
الحديث فيما أعلم.
ولا يخالف هذا ما نقله الشيخ التويجري في " رسالته " (ص ١٨ - ١٩) عن الإمام
أحمد ﵀ أنه قال:
" إن شاء؛ أرسل يديه بعد الرفع من الركوع، وإن شاء؛ وضعهما " (هذا معنى ما
ذكره صالح ابن الإمام أحمد في " مسائله " (ص ٩٠) عن أبيه) ؛ لأنه لم يرفع ذلك إلى
النبي ﷺ ، وإنما قاله باجتهاده ورأيه، والرأي قد يخطئ، فإذا قام الدليل الصحيح على
بدعية أمر ما - كهذا الذي نحن في صدده -؛ فقول إمام به لا ينافي بدعيته - كما قرره
شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في بعض كتبه -؛ بل إنني لأجد في كلمة الإمام
أحمد هذه ما يدل على أن الوضع المذكور لم يثبت في السنة عنده؛ فإنه خيَّر في فعله
وتركه! فهل يظن الشيخ الفاضل أن الإمام يُخَيِّر أيضاً كذلك في الوضع قبل الركوع؟!
فثبت أن الوضع المذكور ليس من السنة، وهو المراد.
هذه كلمة مختصرة حول هذه المسألة، وهي تتحمل البسط والتفصيل، ولا مجال
لذلك هنا، ومحله الرد الذي أشرت إليه في مقدمة الطبعة الخامسة (ص ٣٠) من هذه
الطبعة الجديدة﴾ (*) .
_________
(*) " صفة الصلاة " المطبوع (ص ١٣٨ - ١٣٩) .стр. 700
" لا ينظر الله إلى صلاةِ عبدٍ لا يقيمُ صُلْبَه بين ركوعها
وسجودها " (١) . الحواشي
(١) هو من حديث طَلْق بن علي ﵁، قال المنذري في " الترغيب "
(١/١٨٢) :
" رواه الطبراني في " الكبير "، ورجاله ثقات ". وقال الهيثمي (٢/١٢٠) :
" رواه أحمد، والطبراني في " الكبير "، ورجاله ثقات ".
قلت: وهو في " مسند أحمد " (٤/٢٢) هكذا: ثنا وكيع قال: ثنا عِكرمة بن عَمّار
عن عبد الله بن زيد أو بدر - أنا أشك - عن طلق بن علي مرفوعاً به.
وهذا سند صحيح. رجاله كلهم ثقات، إذا كان عبد الله هذا هو: ابن بدر؛ فإنه ثقة
- كما في " التقريب " -. والظاهر أنه هو؛ فإن له في " المسند " غير ما حديث من روايته
عن طلق، وهو الذي استصوبه الحافظ ابن حجر؛ فقد قال في " التعجيل " - عقب قول
الأصل -:
" عبد الله بن زيد أو: بدر - هكذا بالشك - عن طلق بن علي، وعنه عكرمة بن
عمار ". قال الحافظ:
" الذي رأيته في أصل " المسند ": ثنا وكيع ... " فساقه بإسناده المذكور، لكن قال:
" عن عبد الله بن بدر عن طلق به ". لم يذكر فيه الشك. ثم قال:
" وليس في (مسند طلق بن علي) من " مسند أحمد " لعكرمة بن عمار ذكر، إلا في
هذا الحديث، ولم أر فيه: أو: ابن زيد.. بالشك، وعبد الله بن بدر هو الصواب ". اهـ.
قلت: وهذا اختلاف منشؤه من اختلاف النسخ، وأنا أرجح أن النسخة الصحيحة
هي التي نقلنا عنها، واعتمد عليها صاحب الأصل المشار إليه؛ وهو: أبو عبد الله محمد
ابن علي بن حمزة الحسيني. وذلك لأني رأيت الحديث في " المختارة " للضياء المقدسيстр. 701
..............................................................................
الحواشي
(١) رواه من طريق أحمد بإسناده هذا على الشك.
ثم إن الظاهر أن الشك من الإمام أحمد، ولعل الطبراني رواه بدون شك عن عبد الله
ابن بدر؛ حتى جاز للمنذري ثم الهيثمي بأن يجزما بأن رجاله كلَّهم ثقات. فلو أن
الرواية عند الطبراني على الشك أيضاً - كرواية أحمد -؛ لَمَا جاز لهما الجزم بذلك - كما
لا يخفى -، إلا أن تكون نسختهما من " المسند " مثل نسخة الحافظ ابن حجر؛ فهذا
محتمل. والله أعلم.
ومما يرجح ما استظهرناه واستصوبه الحافظ - أن عبد الله هذا هو ابن بدر -؛ أن الإمام
أحمد أخرج الحديث (٢/٥٢٥) من طريق عمر بن يِسَاف: ثنا يحيى بن أبي كثير عن
عبد الله بن بدر الحنفي عن أبي هريرة مرفوعاً به.
فالحديث إذن حديث ابن بدر الحنفي، لكن اختلف عليه في اسم الصحابي؛
فعكرمة سماه: طَلْق بن علي، ويحيى أسماه: أبا هريرة. إلا أنه قد وقع في اسم والد
عبد الله الحنفي خلاف أيضاً في نسخ " المسند "؛ فقد قال الهيثمي - بعد ذكر الحديث
عن أبي هريرة -:
" رواه أحمد من رواية عبد الله بن زيد الحنفي عن أبي هريرة، ولم أجد من
ترجمه ". اهـ.
وبناء على نسخة الهيثمي هذه؛ فقد استدرك هو على أبي عبد الله الحسيني هذا
الاسم، فقال الحافظ في " التعجيل " أيضاً:
" هكذا استدركه شيخنا الهيثمي، والذي في الأصل من (مسند أبي هريرة) حديث
من طريق عامر بن يِسَاف ".
قلت: فساقه كما هو في نسختنا من " المسند ". ثم قال:стр. 702
..............................................................................
الحواشي
(١) " وعبد الله بن بدر من رجال " التهذيب "، لكنه لا يروي عن أبي هريرة إلا بواسطة؛
فلعل شيخه سقط من النسخة ". اهـ.
ومن كلام الحافظ الأخير نعلم أن قول الحافظ المنذري (١/١٨٣) :
" إسناده جيد ". وقول العراقي في " تخريج الإحياء " (١/١٣٢) :
" إسناده صحيح ".
غير صحيح؛ لما فيه من الانقطاع، وأيضاً فإن فيه عامر بن يِسَاف، وهو متكلم فيه؛
قال ابن عدي:
" هو منكر الحديث، ومع ضعفه؛ يكتب حديثه ". وله ترجمة في " الميزان "،
و" اللسان "، وفي " التعجيل ".
هذا، وما ذكرناه من الترجيح في اسم عبد الله بن بدر هو الذي استطعنا الوصول إليه
من التحقيق. ولعل الأستاذ الفاضل الشيخ أحمد محمد شاكر يزيد ذلك توضيحاً
وتحقيقاً في تعليقه على " المسند " الذي هو في صدد إتمام طبعه. وقد وصلنا منذ أيام الجزء
الأول منه؛ فرأيناه غاية في التحقيق، وضبط الألفاظ والروايات، وفي جودة الطبع،
وأناقته كسائر تأليفاته ومطبوعاته، فنسأله تعالى أن يزيده توفيقاً في خدمة سنة
نبيه ﷺ ، وجزاه الله عن الإسلام خيراً.
وهذا الحديث يدل على بطلان الصلاة بترك الاطمئنان في هذا الاعتدال، وهو أمر
زائد على ما أفاده حديث (المسيء صلاته) من وجوب الاطمئنان. قال ابن حزم
(٣/٢٦٦) :
" من لم ينظر الله تعالى إليه في عملٍ ما؛ فذلك العمل بلا شك غير مرضيٍّ، وإذ
هو غير مرضي؛ فهو يقيناً غير مقبول ". اهـ.стр. 703
..............................................................................
الحواشي
(١) وإلى هذا ذهب الشافعية، وأحمد، وداود، وأكثر العلماء؛ أن الاعتدال ركن لا
تصح الصلاة إلا به؛ كما في " المجموع " (٣/٤١٩) ، قال:
" وقال أبو حنيفة: لا يجب، بل لو انحط من الركوع إلى السجود؛ أجزأه. وعن
مالك روايتان كالمذهبين، واحتج لهم بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ ، واحتج
أصحابنا بحديث (المسيء صلاته) ، والآية الكريمة لا تعارضه، وبقوله ﷺ :
" صلوا كما رأيتموني أصلي " ".
* * *стр. 704
السجود
التكبير ورفع اليدين عند الهوي إلى السجود (*)
ثم " كان ﷺ يكبر، ويهوي ساجداً " (١) ، ﴿وأمر بذلك (المسيء
صلاته) ؛ فقال له:
" لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى ... يقول: (سمع الله لمن حمده) .
حتى يستوي قائماً؛ ثم يقول: الله أكبر. ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله " (٢)
و" كان إذا أراد أن يسجد؛ كبَّر، [ويجافي يديه عن جنبيه] ، ثم
يسجد " (٣) ﴾ .
و" كان أحياناً يرفع يديه إذا سجد " (٤) . الحواشي
(١) سبق هذا في حديث أبي هريرة المذكور في (قيامه من الركوع) [ص ٦٧٤] .(٢) ﴿ [رواه] أبو داود، والحاكم وصححه. ووافقه الذهبي، [وسبق تخريجه (ص ١٨٩) ] ﴾ .(٣) ﴿رواه أبو يعلى في " مسنده " (ق ٢٨٤/٢) بسندٍ جيد، وابن خزيمة (١/٧٩/٢)
بسندٍ آخر صحيح﴾ .(٤) روى هذا الرفع عنه ﷺ عشرة من الصحابة ﵃، وقد سقت
أحاديثهم وتكلمت عليها، وخرجتها في " التعليقات الجياد على زاد المعاد " حديثاً
حديثاً، وبينت ما يصح إسناده منها، وما لا يصح، ولكنه يقوى في الشواهد؛ بحيث إن
الواقف على هذه الأحاديث كلها يجزم جزماً قاطعاً بثبوته عن النبي ﷺ ، بل وبتواتره عنه.
وها نحن نسوق منها في هذا التعليق ما صح سنده ولا مطعن فيه:стр. 705
..............................................................................
الحواشي
(١٠٩) .
وله طريق ثانٍ: قال شعبة: أخبرني عمرو بن مُرّة قال: سمعت أبا البَخْتَري يحدث
عن عبد الرحمن اليَحْصَبي عن وائل الحضرمي:
أنه صلى مع النبى ﷺ ؛ فكان يكبّر إذا خفض، وإذا رفع، ويرفع يديه عند التكبير.
وهذا سند حسن. رجاله رجال الستة؛ غير عبد الرحمن بن اليَحْصَبي، وقد روى
عنه ثقتان، ووثقه ابن حبان.
أخرجه الدارمي (١/٢٨٥) ، والطيالسي(١٣٧) ، وأحمد (٤/٣١٦) .следующие страницы →