Полный текст (1 078 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
..............................................................................
الحواشي
(١) ﴾ ، وأمر
بذلك (المسيء صلاته) ، وقال له:
" لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك "(٢) .
و" كان يطيلها حتى تكون قريباً من سجدته "(٣) ، وأحياناً " يمكث حتى
يقول القائل: قد نسي ".
_________(١) ﴿ [أخرجه] أبو داود، والبيهقي. بسندٍ صحيح﴾ .(٢) تقدم ذلك في حديثه المشهور به من رواية أبي هريرة، وحديث رفاعة بن
رافع. وقوله:
" لا تتم ... " إلى آخره.
هو من حديثه، أخرجه أصحاب السنن، وغيرهم بإسناد صحيح - كما سبق في
(الاستقبال) -.(٣) هو من حديث البراء بن عازب. والذي بعده من حديث أنس بن مالك.
وقد مضيا في (الاعتدال من الركوع) (٦٩٨ و ٦٩٩) . قال ابن القيم (١/٨٥) :
" وهذه السنة تركها أكثر الناس من بعد انقراض عصر الصحابة. ولهذا قال
ثابت:
وكان أنس يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه؛ يمكث بين السجدتين حتى نقول: قد
نسي.
وأما من حكَّم السنة، ولم يلتفت إلى ما خالفها؛ فإنه لا يعبأ بما خالف هذا
الهدي ".стр. 807
الأذكار بين السَّجدتين
وكان ﷺ يقول في هذه الجلسة:
١- " اللهم (وفي لفظ: رب!) اغفر لي، وارحمني، [واجبُرني] ،
[وارفعني] ، واهدني، [وعافني] ، وارزقني ". وتارة يقول:
الحواشي
(١) ١- هو من حديث ابن عباس ﵄:
أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: ... فذكره.
أخرجه أبو داود (١/١٣٥) ، والترمذي (٢/٧٦) ، وابن ماجه (١/٢٩٠) ، والحاكم
(١/٢٦٢ و ٢٧١) ، والبيهقي (٢/١٢٢) ، وأحمد (١/٣١٥ و ٣٧١) ، والضياء المقدسي في
" المختارة "، والطبراني في " الكبير " من طريق كامل بن العلاء عن حَبِيب بن أبي ثابت
عن سعيد بن جبيرعنه.
واللفظ الآخر لابن ماجه، والبيهقي، وأحمد، والضياء، والطبراني.
والزيادتان الأُوليان عند ابن ماجه، والحاكم، والبيهقي، وأحمد. والأولى عند
الترمذي. والأخيرة عند أبي داود، والحاكم في رواية له، والضياء، والطبراني.
قال النووي في " المجموع " (٣/٤٩٧) :
" فالاحتياط والاختيار أن يجمع بين الروايات، ويأتي بجميع ألفاظها؛ وهي: سبعة "
ثم ذكرها. وزاد ابن ماجه:
في صلاة الليل.
وهي عند البيهقي، وأحمد - مطولاً - بلفظ:
قال: بِتُّ عند خالتي ميمونة - قال: -، فانتبه رسول الله ﷺ من الليل: ... فذكر
الحديث. قال: ثم ركع. قال: فرأيته قال في ركوعه:стр. 808
..............................................................................
الحواشي
(١) " سبحان ربي العظيم ". ثم رفع رأسه، فحمد الله ما شاء أن يحمده. قال: ثم
سجد. قال: فكان يقول في سجوده:
" سبحان ربي الأعلى ".
قال: ثم رفع رأسه. قال: فكان يقول فيما بين السجدتين: ... فذكره. والسياق
لأحمد.
والحديث؛ قال الترمذي:
" غريب. وهكذا رُويَ عن علي ". وقال الحاكم:
" صحيح ". ووافقه الذهبي. وقواه الحافظ في " بلوغ المرام " (١/٢٥٩ بشرح السبل) ،
وأما في " التلخيص " (٣/٤٨٣) ؛ فقال:
" وفيه كامل أبو العلاء، وهو: مختلف فيه ". وفي " التقريب ":
" صدوق يخطئ ". اهـ.
فالحق أن الحديث جيد - كما قال النووي في " المجموع " -.
ويشهد له أثر علي الذي أشار إليه الترمذي.
وقد أخرجه البيهقي بإسناده الصحيح عن سليمان التيمي قال:
بلغني أن علياً كان يقول بين السجدتين:
(رب! اغفر لي، وارحمني، وارفعني، واجبُرني) . ثم قال البيهقي:
" ورواه الحارث الأعور عن علي؛ إلا أنه قال: (واهدني) .. بدل: (وارفعني) ".
قلت: والحارث هذا - هو ابن عبد الله الهَمْداني، بسكون الميم -: في حديثه
ضعف - كما في " التقريب " -.стр. 809
٢- " رب! اغفر لي، رب! اغفر لي ".
الحواشي
(٧٦) من طريقه؛ لكن وقع اسمه مقلوباً - ولعله من بعض
النساخ -: عبد الله بن الحارث الهمداني.
ثم قال النووي:
" واعلم أن هذا الدعاء مستحب باتفاق الأصحاب؛ قال الشيخ أبو حامد: لم يذكره
الشافعي في هذا الموضع في شيء من كتبه، ولم ينفه. قال: وهو سنة؛ للحديث المذكور ".
قلت: قد قال به الشافعي - كما ذكره الترمذي -، ومن علم حجة على من لم يعلم؛
قال - بعد أن ساق الحديث -:
" وبه يقول الشافعي، وأحمد، وإسحاق؛ يرون هذا جائزاً في المكتوبة والتطوع ".
٢- هو من حديث حذيفة ﵁:
أن النبي ﷺ كان يقول بين السجدتين: ... فذكره.
أخرجه ابن ماجه (١/٢٩٠) قال: ثنا علي بن محمد: ثنا حفص بن غياث: ثنا
العلاء بن المسيب عن عمرو بن مرة عن طلحة بن يزيد عن حذيفة (ح) : وحدثنا علي
ابن محمد: ثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن سعد بن عُبيدة عن المستورد بن
الأحنف عن صِلَةَ بن زُفَرعن حذيفة به.
وهذا الإسناد الثاني صحيح، رجاله كلهم ثقات.
والإسناد الأول: رجاله ثقات أيضاً؛ لكنه منقطع؛ إلا أن شعبة وصله؛ فرواه عن
عمرو عن طلحة عن رجل من عبس - شعبةُ يرى أنه صِلَةُ بن زُفَر - عن حذيفة به أتم
منه.
وقد مضى بتمامه في (الاستفتاح) [ص ٢٦٨] ، مع ذكر من خرجه سوى ابن ماجه.стр. 810
..............................................................................
الحواشي
(١) وقد روي ذلك عن علي ﵁، أنه كان يفعل ذلك.
أخرجه الطحاوي في " المشكل " (١/٣٠٨) من طريق عبد الرحمن بن زياد: ثنا زهير
ابن معاوية عن أبي إسحاق عن علي بذلك. ثم قال الطحاوي:
" ولا نعلم أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ سواه، ولا من تابعيهم ومن بعد
تابعيهم إلى يومنا هذا ذهب إلى ذلك؛ غير بعض من ينتحل الحديث؛ فإنه ذهب إلى
ذلك وقال به.
وهذا عندنا من قوله حسن، واستعماله إحياءٌ لسنة من سنن رسول الله ﷺ ، وإليه
نذهب، وإياه نستعمل، وقد وجدنا القياس يشده؛ وذلك أنا رأينا الصلاة مبنية على
أقسام: منها القيام؛ وفيه ذكر - وهو الاستفتاح، وما يقرأ بعده من القرآن -، ثم الركوع؛
وفيه ذكر - وهو التسبيح -، ثم الرفع من الركوع؛ وفيه ذكر - وهو: سمع الله لمن حمده،
وما سوى ذلك مما يقوله بعض الأئمة من: (ربنا! ولك الحمد) -، ثم السجود؛ وفيه ذكر
- وهو التسبيح -، ثم قعدة بين السجدتين؛ وهي التي فيها الذي رويناه عن رسول
الله ﷺ من سؤاله ربه الغفران مرتين، ثم جلوس فيه ذكر؛ وهو التشهد وما
بعده؛ من الصلاة على رسول الله ﷺ ، والدعاء.
فكانت أقسام الصلاة كلها يستعمل فيها ذكر الله غير خالية من ذلك، غير القعدة
بين السجدتين التي ذكرنا؛ فكان القياس على ما وصفنا: أن يكون حكم ذلك القسم
أيضاً من الصلاة كحكم غيره من أقسامها، وأن يكون فيه ذكر لله ، كما كان من
أقسامها. والله الموفق سبحانه ". اهـ. ببعض تلخيص.
وقوله: " لا نعلم أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ سوى علي ﵁ ذهب
إلى ذلك ".стр. 811
..............................................................................
الحواشي
(٧٦) عن أم سلمة ﵂:
أنها كانت تقول بين الركعتين - يعني: السجدتين -:
رب! اغفر وارحم، واهد السبيل الأقوم.
ولكن مختصِره المقريزي اختصر إسناده؛ فلم يذكره ليُنظر فيه (*) .
وهذا الدعاء ورد مرفوعاً إليه ﷺ ؛ لكن مطلقاً غير مقيد بموضع:
أخرجه أحمد (٦/٣٠٣ و ٣١٥ - ٣١٦) من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد
عن الحسن عن أم سلمة:
أن رسول الله ﷺ كان يقول: ... فذكره.
وهذا إسناد ضعيف. وذكره في " المجمع " (١٠/١٧٤) وقال:
" رواه أحمد، وأبو يعلى بإسنادين حسنين "!
كذا قال، وهو غير سديد بالنسبة إلى سند أحمد؛ فإن فيه علي بن زيد - وهو ابن
جُدعان -: فيه ضعف.
والحسن - هو البصري، وهو -: مدلس، وقد عنعن. قال الذهبي:
" كان الحسن كثير التدليس، فإذا قال في حديثه: عن فلان. ضعف الاحتجاج به،
ولا سيما عمَّن قيل: إنه لم يسمع منهم - كأبي هريرة ونحوه -؛ فعدوا ما كان له عن أبي
_________
(*) وفي " مصنف عبد الرزاق "(٢٨٩٢) أنها كانت تقوله في سجودها وفي صلاتها.
وفي " مصنف ابن أبي شيبة " (٢/٥٣٤) ، ورجاله ثقات.стр. 812
وكان يقولهما في صلاة الليل (١) . الحواشي
(١) كذلك جاء النص عنه ﷺ ، ولم أجد حديثاً في ذلك مطلقاً أو مقيداً
بالفرائض، لكن النظر يقتضي استحباب ذلك فيها أيضاً؛ لعدم وجود الفارق بين النوافل
والفرائض، ولما ذكرناه عن الطحاوي قريباً، وكذلك ذهب إلى ذلك من سبق ذكرهم من
الأئمة - كما حكاه الترمذي -.
* * *стр. 813
[السجدة الثانية، والرفع منها]
ثم " كان يكبر ويسجد السجدة الثانية " (١) ، ﴿وأمر بذلك (المسيء
صلاته) ؛ فقال له بعد أن أمره بالاطمئنان بين السجدتين - كما سبق -:
" ثم تقول: الله أكبر. ثم تسجد حتى تطمئن مفاصلك، [ثم افعل ذلك
في صلاتك كلها] " (٢) ﴾ .
و" كان ﷺ يرفع يديه مع هذا التكبير " أحياناً (٣) .
وكان يصنع في هذه السجدة مثل ما صنع في الأولى، ثم " يرفع رأسه
مكبراً " (٤) . ﴿وأمر بذلك (المسيء صلاته) ؛ فقال له بعد أن أمره بالسجدة
الثانية - كما مر -:
" ثم يرفع رأسه، فيكبر " (٥) . وقال له:
" [ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة؛] فإذا فعلت ذلك؛ فقد تمت
صلاتك، وإن انتقصت منه شيئاً؛ انتقصت من صلاتك " (٦) ﴾ .
و" كان يرفع يديه " أحياناً (٧) . الحواشي
(٢) ﴿ [أخرجه] أبو داود، والحاكم وصححه - ووافقه الذهبي - والزيادة للبخاري
ومسلم، [وانظر تخريجه فيما سبق (ص ٥٥ - ٥٧) ] ﴾ .(٥) ﴿ [أخرجه] أبو داود، والحاكم وصححه - ووافقه الذهبي -﴾ .(٦) ﴿ [أخرجه] أحمد، والترمذي وصححه﴾ .
* * *стр. 814
جَلْسَةُ الاسْتِراحَةِ
ثم " يستوي قاعداً " (١) " على رجله اليسرى معتدلاً؛ حتى يرجع كل الحواشي
(١) هو من حديث مالك بن الحويرث؛ أنه كان يقول:
ألا أحدثكم عن صلاة رسول الله ﷺ ؟ فيصلي في غير وقت الصلاة، فإذا رفع
رأسه من السجدة الثانية في أول ركعة؛ استوى قاعداً، ثم قام، فاعتمد على الأرض.
أخرجه الإمام الشافعي في " الأم " (١/١٠١) ، والنسائي (١/١٧٣) ، والبيهقي
(٢/١٢٤ و ١٣٥) عن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثَّقَفي عن خالد الحَذَّاء عن أبي قِلابة
قال: كان مالك بن الحُويرث يأتينا فيقول: ... به.
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين.
وقد تابعه هُشيم عن خالد - مختصراً - بلفظ:
أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته؛ لم ينهض حتى يستوي
قاعداً.
أخرجه البخاري (٢/٢٤٠) ، وأبو داود (١/١٣٤) ، والنسائي أيضاً، والترمذي
(٢/٧٩) ، والدارقطني(١٣٢) ، وكذا الطحاوي، والبيهقي. وصححه الترمذي،
والدارقطني.
وقد أخرجه البخاري في " صحيحه " (٢/٢٤١) ، وكذا البيهقي (٢/١٢٣) من طريق
وهُيب عن أيوب عن أبي قِلابة قال:
جاءنا مالك بن الحويرث، فصلى بنا في مسجدنا هذا، فقال:
إني لأصلي بكم وما أريد الصلاة؛ ولكن أريد أن أريكم كيف رأيت النبي ﷺ
يصلي. قال أيوب:стр. 815
..............................................................................
الحواشي
(١) فقلت لأبي قلابة: وكيف كانت صلاته؟ قال:
مثل صلاة شيخنا هذا - يعني: عمرو بن سلمة -. قال أيوب:
وكان ذلك الشيخ يتم التكبير، وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية؛ جلس، واعتمد
على الأرض، ثم قام.
وقد تابعه حماد بن زيد عن أيوب نحوه بلفظ:
كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى والثالثة التي لا يقعد فيها؛ استوى قاعداً، ثم
قام.
أخرجه الطحاوي (٢/٤٠٥) ، وأحمد (٥/٥٣ - ٥٤) .
وهو صحيح أيضاً على شرطهما.
وفي الباب عن عشرة من أصحاب النبي ﷺ ؛ فيهم أبو حُمَيد الساعدي - وهو
الآتي بعد هذا -.
وقد قال الترمذي - بعد أن ساق الحديث -:
" والعمل عليه عند بعض أهل العلم. وبه يقول إسحاق، وبعض أصحابنا ".
قلت: ﴿وهذا الجلوس يعرف عند الفقهاء بـ (جلسة الاستراحة) ﴾ ، وقد قال به
الشافعي، وكذا داود، وعن أحمد نحوه؛ ﴿كما في " التحقيق " (١/١١١) ، وهو الأحرى
به؛ لما عرف عنه من الحرص على اتباع السنة التي لا معارض لها.
وقد قال ابن هانئ في " مسائله عن الإمام أحمد " (١/٥٧) :
" رأيت أبا عبد الله (يعني: الإمام أحمد) ربما يتوكأ على يديه إذا قام في الركعة
الأخيرة، وربما استوى جالساً، ثم ينهض ".стр. 816
الحواشي
(١) هو قطعة من حديث أبي حميد الساعدي ﵁.
أخرجه البيهقي (٢/١٢٣) وغيره. وقد سبق ذكره بطوله في (الركوع) [ص ٦٠٥] .
ومنه تعلم أن إنكار الطحاوي (٢/٢٠٥) كون جلسة الاستراحة هذه واردة في
حديث أبي حميد خطأٌ واضحٌ؛ فإنها فيه كما ترى، وقد نبه على ذلك الحافظ في
" التلخيص " (٣/٤٨٨) ، واستغرب النووي (٣/٤٤٤) ذلك من الطحاوي؛ وإنما اعتمد في
إنكاره على روايةٍ في حديث أبي حميد.
أخرجها هو، وأبو داود (١/١١٧) من طريق عيسى بن عبد الله بن مالك عن محمد
ابن عمروبن عطاء عن عياش بن سهل:
أنه كان في مجلس فيه أبوه - وكان من أصحاب النبي ﷺ ، وفي المجلس أبو هريرة
وأبو أسيد وأبو حُميد الساعدي والأنصار ﵃: أنهم تذاكروا الصلاة، فقال
أبو حميد:
أنا أعلمكم بصلاة رسول الله ﷺ ... فذكر الحديث. وفيه:
أنه لما رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الأولى؛ قام، ولم يتورك.
قلت: والجواب: أن هذه الزيادة - وهي قوله: ولم يتورك - ضعيفة؛ لأنه تفرد بهاстр. 817
..............................................................................
الحواشي
(١) عيسى بن عبد الله بن مالك، وهو مجهول - كما سبق في (الركوع) -.
على أنها لو ثبتت؛ لكان الأخذ بما يخالفها من إثبات هذه الجلسة - كما في
الحديث الصحيح - أولى؛ لأنها مثبِتة، وهذه نافية، والمثبِت مقدم على النافي - كما تقرر
في أصول الفقه -.
على أنه من الممكن الجمع بين الروايتين - على فرض تعادلهما في الصحة - بأن
يقال: هذه الرواية نفت التورك، ولم تنف الافتراش الثابت في الرواية الأولى؛ فلا
تعارض، وإن كان هذا الاحتمال بعيداً. والله أعلم.
هذا، وقد جاء ذكر هذه الجلسة في بعض طرق حديث (المسيء صلاته) : عند
البخاري (١١/٣١) .
لكن قد أشار هو نفسه إلى أن ذكرها فيه وهم من بعض الرواة، وصرح به البيهقي؛
كما في " الفتح " للحافظ، وقال في " التلخيص " (٣/٤٨٨) :
" وهو أشبه ".
واعلم أنه روي عنه ﷺ ما يخالف هذه السنة الصحيحة، فوجب التنبيه عليها؛
لئلا يغتر بها مغتر، فيقع في مخالفة هديه ﷺ .
فمنها: حديث وائل بن حجر:
أن النبي ﷺ لما سجد؛ وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن تقع كفاه، فلما سجد؛
وضع جبهته بين كفيه، وجافى عن إبطيه، وإذا نهض؛ نهض على ركبتيه، واعتمد
على فخذيه.
أخرجه أبو داود وغيره، كما مضى في (السجود) [ص ٧١٦] ، وذكرنا هناك أنه
منقطع؛ لأنه من رواية عبد الجبار بن وائل عن أبيه، وقال النووي (٣/٤٤٦) :стр. 818
..............................................................................
الحواشي
(٢١٢) ، ونفى أنه ﵊ كان يعتمد على يديه إذا نهض!
وأجاب - تبعاً للطحاوي وغيره - عن حديث مالك وأبي حُميد في جلسة
الاستراحة: أنه ﵊ إِنما كان يفعل ذلك للحاجة حينما أسن وأخذهстр. 819
..............................................................................
الحواشي
(١) اللحم، وأنه لم يفعلها تعبداً وتشريعاً!
وهذا ظن خاطئ، لا يجوز بمثله رد السنة الصحيحة؛ لاسيما إذا كان قد رواها جمع
من الصحابة بلغوا بضعة عشر شخصاً؛ فكيف يجوز أن يخفى على هؤلاء الأجلة
أنه ﷺ إنما فعل ذلك للحاجة لا للعبادة؛ لا سيما وفيهم مالك بن الحويرث رضي الله
عنه - وهو الذي روى عنه ﷺ قوله له: " صلوا كما رأيتموني أصلي " -؛ مع العلم بأن
الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فكيف يخفى ذلك على هؤلاء، ثم يعلمه مَنْ جاء مِنْ
بعدهم بعدة قرون - مثل الطحاوي، وابن القيم -، ولا دليل لهم على ذلك ولا برهان
سوى الظن ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ ؟!
وليس عجبي أن يسلك هذا السبيل مثلُ الطحاوي الذي نصب نفسه لتأييد مذهب
أبي حنيفة - إلا نادراً -؛ ولكن عجبي الذي لا ينتهي سلوك ابن القيم هذا السبيل وهو
ناصر السنة، وحامل لوائها، ورافع رايتها! ولكن لا بد لكل جواد من كبوة؛ بل كبوات!
ورحم الله إلإمام مالكاً حيث قال: ما منا من أحد إلا رادّ ومردود عليه؛ إلا صاحب
هذا القبر ﷺ .
نعم؛ لقد احتج ابن القيم ﵀ على ترك الاعتماد على اليدين بحديث ذكره
في رسالة " الصلاة " عن ابن عمر:
أن رسول الله ﷺ نهى أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة.
ولكن قوله في هذا الحديث: إذا نهض. زيادة غير صحيحة؛ تفرد بها محمد بن
عبد الملك الغزال، وهو كثير الخطأ.
فلا يجوزأن يعتمد عليها؛ لا سيما إذا خالفت ما ثبت من هديه ﷺ كما فعلنا
ذلك في " التعليقات الجياد " -.стр. 820
..............................................................................
الحواشي
(١) ولذلك ضعف هذه الزيادة النووي في " المجموع " (*) .
وهناك حجة أخرى ذكرها في " الزاد " عن الخلال، وهي من كلام أحمد ﵀،
رواه ابنه عبد الله في " مسائله " فقال: سمعت أبي يقول:
" إن ذهب رجل إلى حديث مالك بن الحويرث؛ فأرجو أن لا يكون به بأس ".
قلت: ثم ذكر جلسة الاستراحة، قال:
" وكان حماد بن زيد يفعله ". قال:
" وأذهب أنا إلى حديث رفاعة بن رافع من طريق ابن عجلان:
" ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى
تطمئن ساجداً، ثم قم " ". اهـ.
ويعني الإمامُ ﵀ أن جلسة الاستراحة لم تذكر في حديث (المسيء صلاته) .
وهذه أيضاً حجة غريبة؛ فليس هذا الحديث جامعاً لجميع سنن الصلاة وهيئاتها
باتفاق العلماء، فإذا جاءت سنةٌ في حديث غيره؛ وجب الأخذ بها، لا ردها بحديث
(المسيء صلاته) ! وكم من سنن - بل وواجبات - أخذ بها أحمد وغيره لم يرد ذكرها
فيه، أفيجوز ردُّها لذلك؟! وقد قال الإمام النووي ﵀ (٣/٤٤٣) :
" والجواب عن حديث (المسيء صلاته) : أن النبي ﷺ إنما علّمه الواجبات دون
المسنونات. وهذا معلوم سبق ذكره مرات ".
قلت: وكأنه لوضوح ضعف هذه الحجة رجع عنها أحمد إلى حديث مالك بن
الحويرث في جلسة الاستراحة - كما قال الخلال، على ما في " الزاد " (١/٨٥) -. وهذا
_________
(*) انظر ما سيأتي (ص ٨٣٦) .стр. 821
..............................................................................
الحواشي
(١) من إنصاف الإمام أحمد ﵀ ورجوعه إلى الحق والصواب. ثم قال الإمام النووي:
" وأما حديث وائل؛ فلو صح؛ وجب حمله على موافقة غيره في إثبات جلسة
الاستراحة؛ لأنه ليس فيه تصريح بتركها، ولو كان صريحاً؛ لكان حديث مالك بن
الحويرث وأبي حميد وأصحابه مقدماً عليه؛ لوجهين:
أحدهما: صحة أسانيدها.
والثاني: كثرة رواتها.
ويحتمل أن يكون وائل رأى النبي ﷺ في وقت أو أوقات؛ تبياناً للجواز، وواظب
على ما رواه الأكثرون.
ويؤيد هذا: أن النبي ﷺ قال لمالك بن الحويرث - بعد أن قام يصلي معه، ويتحفظ
العلم منه عشرين يوماً، وأراد الانصراف من عنده إلى أهله -:
" اذهبوا إلى أهليكم، ومروهم، وعلِّموهم، وصلوا كما رأيتموني أصلي ".
وهذا كله ثابت في " صحيح البخاري " من طرق، فقال له النبي ﷺ هذا وقد رآه
يجلس للاستراحة، فلو لم يكن هذا هو المسنون لكل أحد؛ لما أطلق ﷺ قوله:
" صلوا كما رأيتموني أصلي ".
وبهذا يحصل الجواب عن فرق أبي إسحاق المروزي بين القوي والضعيف، ويجاب به أيضاً
عن قول من لا معرفة له: ليس تأويل حديث وائل وغيره بأولى من عكسه ". ثم قال النووي:
" واعلم أنه ينبغي لكل أحد أن يواظب على هذه الجلسة؛ لصحة الأحاديث فيها،
وعدم المعارض الصحيح لها. ولا تغتر بكثرة المتساهلين بتركها؛ فقد قال تعالى: ﴿قُلْ
إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ
الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ .
* * *стр. 822
[القيام إلى الركعة الثانية]
الاعتماد على اليدين في النُّهوض إلى الركعة
ثم " كان ﷺ ينهض - معتمداً على الأرض - إلى الركعة الثانية " (*) .
﴿و " كان يعجن في الصلاة: يعتمد على يديه إذا قام " (١) ﴾ .
و" كان ﷺ إذا نهض في الركعة الثانية؛ استفتح القراءة بـ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ العَالَمِينَ﴾ ، ولم يسكت " (٢) . الحواشي
(١) ﴿ [رواه] أبو إسحاق الحربي بسندٍ صالح. ومعناه عند البيهقي بسند صحيح.
وأما حديث:
" كان يقوم كأنه السهم لا يعتمد على يديه ".
فموضوع. وكل ما في معناه ضعيف لا يصح، وقد بينت ذلك في " الضعيفة "
(٥٦٢ و ٩٢٩ و ٩٦٨) .
وقد أشكل على أحد الفضلاء تقويتي لإسناد الحربي؛ فأوضحت ذلك في كتابي
" تمام المنة في التعليق على فقه السنة "؛ فراجعه؛ فإنّه مهم﴾ .(٢) هو من حديث أبي هريرة ﵁.
أخرجه مسلم (٢/٩٩) ، وأبو عوانة (٢/٩٩) ، والحاكم (١/٢١٥ - ٢١٦) ، والبيهقي
(٢/١٩٦) من طريق عبد الواحد بن زياد: ثنا عُمارة بن القعقاع: ثنا أبو زرعة بن عمرو
ابن جرير: ثنا أبو هريرة به. واللفظ لمسلم وأبي عوانة. وقال الآخران:
استفتح بـ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ .
وصححه الحاكم والذهبي، وكذا البيهقي وقال:
" وفيه دلالة على أنه لا سكتة في الركعة الثانية قبل القراءة، وهو حديث صحيح.стр. 823
..............................................................................
الحواشي
(١) ويحتمل أنه أراد به أنه لا يسكت في الثانية، كسكوته في الأولى للاستفتاح ".
قلت: وهذا الاحتمال هو الظاهر من الحديث عندنا إذا قابلناه بحديث أبي هريرة
الآخر بلفظ:
كان رسول الله ﷺ إذا كبر في الصلاة؛ سكت هنية ... الحديث؛ وفيه: أنه ﷺ
كان يقرأ في هذه السكتة:
اللهم! باعد بيني وبين خطاياي ... الحديث. وقد مضى [ص ٢٣٨] .
فهذه السكتة - والله أعلم - هي المنفية في هذا الحديث.
وقد أشار إلى هذا الإمام مسلم في " صحيحه "؛ حيث ساق أولاً الحديث المشار
إليه، ثم ساق بعده هذا الحديث.
وإسناد الحديثين واحد، فكأن أحدهما متمم للآخر؛ فالحديث نص في نفي
مشروعية دعاء الاستفتاح، ولكنه لا ينفي مشروعية الاستعاذة.
وقد اختلف الفقهاء: هل هذا موضع استعاذة أم لا - بعد اتفاقهم على أنه ليس
موضع استفتاح -؟
وفي ذلك قولان، هما روايتان عن أحمد، وقد بناهما بعض أصحابه على أن قراءة
الصلاة: هل هي قراءة واحدة؛ فيكفي فيها استعاذة واحدة، أو قراءة كل ركعة مستقلة
برأسها؟ قال ابن القيم في " الزاد " (١/٨٦) :
" والاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر؛ للحديث الصحيح عن أبي هريرة:
أن النبي ﷺ كان إذا نهض من الركعة الثانية؛ استفتح القراءة ولم يسكت.
وإنما يكفي استفتاح واحد؛ لأنه لم يتخلل القراءتين سكوت، بل تخللهما ذكر،
فهي كالقراءة الواحدة إذا تخللها حمدُ اللهِ، أو تسبيح، أو تهليل، أو صلاة علىстр. 824
..............................................................................
الحواشي
(١) النبي ﷺ ونحو ذلك ".
كذا قال! والظاهر خلاف ما استظهر، وأنه لا يكفي استعاذة واحدة؛ بل لابد من
الاستعاذة في كل ركعة؛ قال الشيخ العلامة محمد حامد الفقي السلفي رئيس (جماعة
أنصار السنة) في تعليقه على " المنتقى من أخبار المصطفى " (١/٤٣٤) :
" والظاهر أنهما قراءتان؛ لطول الفصل بالركوع والسجود، وهي حركات كثيرة؛ فلكل
ركعة تعوذ. وحديث أبي هريرة لا ينفي هذا؛ لأنه إنما نفى السكتة المعهودة عنده، وهي
التي فيها الاستفتاح.
أما سكتة التعوذ والبسملة؛ فلطيفة جداً لا يحس بها المأموم؛ لاشتغاله بحركة
النهوض للركعة.
وأيضاً: فإن كل ركعة معتبرة صلاة؛ ولذلك أوجبوا قراءة ﴿الفَاتِحَة﴾ لكل ركعة،
فأولى أن تعتبر كذلك للتعوذ، وهذا الذي رجحه ابن حزم في " المحلى "، وهو الصواب ".
قلت: واحتج ابن حزم (٣/٢٤٧) بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ
بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ ، وهو احتجاج صحيح لا شائبة فيه؛ قال الحافظ في
" التلخيص " (٣/٣٠٦) :
" وعموم هذه الآية يقتضي الاستعاذة في أول كل ركعة. وهو الذي استظهره الرافعي
في " الشرح الكبير "؛ قال: وبه قال القاضي أبو الطيب الطبري، وإمام الحرمين، والرُّوياني
وغيرهم ". قال النووي في " المجموع " (٣/٣٢٤) :
" وهو المذهب ". وقال في موضع آخر (٣/٣٢٦) :
" وهو الأصح في مذهبنا ".
قلت: وهو قول في مذهب علمائنا الحنفية تخريجاً؛ فقد قال أبو الحسنات اللكنويстр. 825
وكان يصنع في هذه الركعة مثل ما يصنع في الأولى (١) ؛ إلا أنه كان
يجعلها أقصر من الأولى - كما سبق (*) -. الحواشي
(١) فيه حديث أبي حميد الساعدي في عشرة من أصحاب النبي ﷺ . ومضى
في (الركوع) [ص ٦٠٥] .
وحديث أبي هريرة. ومر في (الرفع من الركوع) [ص ٦٧٤] .
وحديث أبي مسعود البدري. وسبق في (الركوع) [ص ٦٣٤] .
(*) في (القراءة في صلاة الظهر) (ص ٤٥٧) .
* * *стр. 826
وجوبُ قراءة ﴿الفَاتِحَة﴾ في كُلِّ ركعةٍ (*)
وقد أمر (المسيء صلاته) بقراءة ﴿الفَاتِحَة﴾ في كل ركعة؛ حيث قال
له بعد أن أمره بقراءتها في الركعة الأولى (١) :
" ثم افعل ذلك في صلاتك كلها " (٢) (وفي رواية: " في كل ركعة ") (٣) .
وقال:
" في كل ركعة قراءة " (٤) . الحواشي
(١) [رواه] أبو داود، وأحمد بسندٍ قوي.(٢) [رواه] البخاري، ومسلم.(٣) [رواه] أحمد بسند جيد.(٤) [رواه] ابن ماجه، وابن حبان في " صحيحه "، وأحمد في " مسائل ابن هانئ "
(١/٥٢) .
وقال جابر:
" من صلى ركعة لم يقرأ فيها بـ: ﴿أم القرآن﴾ ؛ فلم يُصَلِّ؛ إلا وراء إمام ".
رواه مالك في " الموطأ ".
* * *стр. 827
التشهد الأول
جلسة التشهد
ثم كان ﷺ يجلس للتشهد بعد الفراغ من الركعة الثانية، فإذا كانت
الصلاة ركعتين كالصبح؛ " جلس مفترشاً " (١) ، كما كان يجلس بين الحواشي
(١) رواه وائل بن حُجْر ﵁ قال:
أتيت رسول الله ﷺ ، فرأيته يرفع يديه إذا افتتح الصلاة حتى يحاذي منكبيه، وإذا
أراد أن يركع. وإذا جلس في الركعتين؛ أضجع اليسرى ونصب اليمنى، ووضع يده
اليمنى على فخذه اليمنى، ونصب أصبعه للدعاء، ووضع يده اليسرى على فخذه
اليسرى. قال:
ثم أتيتهم من قابل، فرأيتهم يرفعون أيديهم في البرانس.
أخرجه النسائي (١/١٧٣) : أخبرنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري قال: ثنا
سفيان قال: ثنا عاصم بن كُلَيب عن أبيه عنه.
وهذا إسناد صحيح، رجاله رجال مسلم، إلا محمد بن عبد الله هذا، وهو ثقة - كما
في " التقريب " -.
والحديث نصٌّ ظاهر في الافتراش في الصلاة الثنائية كصلاة الصبح، وأحظى
الناس بهذا الحديث الإمام أحمد، ثم أبو حنيفة والثوري؛ خلافاً لمالك والشافعي؛
فإنهما يقولان بأن السنة التورك فيها - على تفصيل في ذلك يأتي ذكره في (التشهد
الأخير) . والحديث يرد عليهما!стр. 828
السجدتين، وكذلك " يجلس في التشهد الأول " (١) من الثلاثية أو
الرباعية.
وأمر به (المسيء صلاته) ؛ فقال له: الحواشي
(١) هو من حديث أبي حميد الساعدي ﵁. رواه عنه محمد بن عمرو
ابن عطاء:
أنه كان جالساً مع نفر من أصحاب النبي ﷺ ، فذكرنا صلاة النبي ﷺ ، فقال أبو
حميد الساعدي:
أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله؛ رأيته إذا كبَّر؛ جعل يديه حذاء منكبيه،
وإذا ركع؛ أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه؛ استوى حتى يعود
كل فَقَارٍ مكانه، فإذا سجد؛ وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف
أصابع رجليه القبلة، فإذا جلس في الركعتين؛ جلس على رجله اليسرى ونصب
اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة؛ قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى، وقعد على
مقعدته.
أخرجه البخاري (٢/٢٤٥ - ٢٤٦) ، وأبو داود (١/١١٧ و ١٥٢) ، والبيهقي (٢/١٢٧
- ١٢٨) من طريق محمد بن عمرو بن حَلْحَلَة عنه.
وقد تابعه عبد الحميد بن جعفر عن محمد بن عمرو بن عطاء، لكن ليس في
حديثه ذكر الجلوس في التشهد الأول. وقد مضى لفظه في (الركوع) [ص ٦٠٥] .
والحديث دليل على أن السنة في جلوس التشهد الأوسط إنما هو الافتراش، وبه قال
أبو حنيفة والشافعي وأحمد؛ خلافاً لمالك؛ فإنه يقول بالتورك في كل جلوس - كما
سيأتي -. وهذا الحديث يرد عليه، وكذا الذي بعده.стр. 829
" فإذا جلست في وسَط (١) الصلاة؛ فاطمئن (٢) ، وافترش (٣) فخذك الحواشي
(١) بفتح السين؛ قال في " النهاية ":
" يقال فيما كان متفرق الأجزاء غير متصل - كالناس والدواب - بسكون السين، وما
كان متصل الأجزاء - كالدار والرأس -؛ فهو بالفتح. والمراد هنا القعود للتشهد الأول في
الرباعية، ويلحق به الأول في الثلاثية ".(٢) يؤخذ منه أن المصلي لا يَشْرَعُ في التشهد حتى يطمئن. يعني: يستقر كل
مَفصل في مكانه، ويسكن من الحركة.(٣) أي: ألقها على الأرض، وابسطها كالفِرَاش؛ للجلوس عليها. قال الشوكاني
(٢/٢٢٩) :
" وفيه دليل لمن قال: إن السنة الافتراش في الجلوس للتشهد الأوسط. وهم
الجمهور ". قال ابن القيم (١/٨٦) :
" ولم يُروَ عنه في هذه الجلسة غير هذه القصة (يعني: الفرش والنصب) . وقال
مالك: يتورك فيه؛ لحديث ابن مسعود:
أن النبي ﷺ كان يجلس في وسط الصلاة وفي آخرها متوركاً ". قال ابن القيم
(١/٨٧) :
" لم يذكرعنه ﷺ التورك الا في التشهد الأخير ". اهـ. ملخصاً.
وأقول: سكت الشوكاني على قول ابن القيم الأخير هذا؛ مع أنه ذكر قبله حديث
ابن مسعود الذي ينفي قول ابن القيم! ثم سكت أيضاً على الحديث، ولم يبين حاله ولا
من رواه؛ وهو من الأحاديث الغريبة التي تفرد بروايتها الإمام أحمد فيما علمت!
فقد أخرجه في " مسنده " (١/٤٥٩) قال: ثنا يعقوب: ثني أبي عن ابن إسحاق
قال: ثني - عن تشهد رسول الله ﷺ في وسط الصلاة وفي آخرها - عبد الرحمن بنстр. 830
الحواشي
(١) هو من حديث رفاعة بن رافع ﵁.
رواه محمد بن إسحاق: ثني علي بن يحيى بن خلاد بن رافع عن أبيه عن عمه
رفاعة. وزاد في آخره:
" ثم تشهد، ثم إذا قمت؛ فمثل ذلك حتى تفرغ من صلاتك ".
أخرجه أبو داود وغيره - كما سبق في (الاستقبال) -.
وسنده حسن.стр. 831
﴿وقال أبو هريرة ﵁:
" ونهاني خليلي ﷺ عن اقعاء كإقعاء الكلب " (١) ، وفي حديث آخر:
" كان ينهى عن عُقْبَةِ الشيطان " (٢) .
و" كان إذا قعد في التشهد؛ وضع كفه اليمنى على فخذه (وفي رواية:
ركبته) اليمنى، ووضع كفه اليسرى على فخذه (وفي رواية: ركبته)
اليسرى؛ [باسطها عليها] " (٣) ﴾ . الحواشي
(١) ﴿ [رواه] الطيالسي، وأحمد، وابن أبي شيبة. انظر التعليق(١) (ص ٦٤٤) .
و (الإقعاء) - قال أبو عبيد وغيره -:
" هو أن يلزق الرجل أليتيه بالأرض وينصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض، كما
يقعي الكلب ".
قلت: وهذا غير الإقعاء المشروع بين السجدتين - كما تقدم هناك -﴾ .(٢) ﴿رواه مسلم، وأبو عوانة، وغيرهما. وهو مخرج في " إرواء الغليل "(٣١٦) ،
[وسبق تخريجه (ص ١٧٧ -١٧٨) ] ﴾ .(٣) ﴿ [رواه] مسلم، وأبو عوانة، [وسيأتي تخريجه مفصلاً من حديث ابن عمر
(ص ٨٣٨) ﴾ .стр. 832
و " كان ﷺ يضع حَدَّ (١) مَرْفقِهِ الأيمن على فخذه اليمنى " (٢) . الحواشي
(١) في " النهاية ":
" لكل حرف حدّ. أي: نهاية. ومنتهى كل شيء حدُّه ".
قلت: وكأن المراد أنه كان لا يُجافي مَرْفِقَهَ عن جنبه في هذا الجلوس؛ لأنه لو
جافى؛ لم يكن نهاية مَرْفِقِهِ على فخذه؛ بل يكون خارجاً عنه.
ثم رأيت ابن القيم ﵀ قد صرح بذلك في " الزاد " (١/٩٢) ، ونص كلامه:
" وكان ﷺ يبسط ذراعه على فخذه، ولا يجافيها، فيكون حد مرفقه عند آخر
فخذه، وأما اليسرى؛ فممدودة الأصابع على الفخذ اليسرى ".(٢) هو من حديث وائل بن حجر قال:
قلت: لأنظرن إلى صلاة رسول الله ﷺ كيف يصلي.
فقام رسول الله ﷺ ، فاستقبل القبلة، فرفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم أخذ
شماله بيمينه، فلما أراد أن يركع؛ رفعهما مثل ذلك، ووضع يديه على ركبتيه، فلما رفع
رأسه من الركوع؛ رفعهما مثل ذلك، فلما سجد؛ وضع رأسه بذلك المنزل من يديه، ثم
جلس، فافترش رجله اليسرى، ووضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وحدَّ مرفقه
الأيمن على فخذه اليمنى، وقبض ثنتين وحلق، ورأيته يقول هكذا - وأشار بشر بالسبابة
من اليمنى، وحلق الإبهام والوسطى -.
أخرجه أبو داود (١/١١٥) ، والنسائي (١/١٨٦) من طريق بِشْر بن المُفَضَّل قال: ثنا
عاصم بن كُلَيب عن أبيه عنه.
وقد تابعه زهير بن معاوية، وعبد الواحد بن زياد - عند أحمد (٢/٣١٦ و ٣١٨) -،
وزائدة - عند النسائي -، وغيرهم -؛ ثلاثتهم عن عاصم به.стр. 833
و " نهى رجلاً وهو جالس معتمد على يده اليسرى في الصلاة؛ فقال:
" إنها صلاةُ اليهود " ". وفي لفظ:
" لا تجلسْ هكذا؛ إنما هذه جِلْسَة الذين يعذَّبون " (١) .......................... الحواشي
(١) هو من حديث ابن عمر ﵁.
أخرجه الحاكم (١/٢٧٢) ، ومن طريقه البيهقي (٢/١٣٦) عن إبراهيم بن موسى:
ثنا هشام بن يوسف عن مَعْمَر عن إسماعيل بن أمية عن نافع عنه. وقال:
" صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا. ﴿وهو مخرج مع ما
بعده في " الإرواء "(٣٨٠) ﴾ .
وقد تابعه عبد الرزاق عن معمر:
أخرجه أبو داود (١/١٥٧) ، والحاكم أيضاً (١/٢٣٠) ، وعنه البيهقي (٢/١٣٥) ،
وأحمد (٢/١٤٧) ، والطبراني، وعنه الضياء المقدسي في " المختارة "، وابن حزم في
" المحلى " (٤/١٩) ؛ كلهم عن عبد الرزاق به - مختصراً - بلفظ:
نهى رسول الله ﷺ أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده - زاد الحاكم
في رواية: - اليسرى. وقال:
" صحيح على شرطهما ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا أيضاً. ولفظ أحمد
والمقدسي:
" يديه " بالتثنية.стр. 834
..............................................................................
الحواشي
(١) ولعلها محرفة؛ فإن وصفها باليسرى عند الحاكم يدل على أنها واحدة. وقد رواه
أبو داود بلفظ:
نهى أن يعتمد الرجل على يده إذا نهض في الصلاة.
فقوله: إذا نهض. زيادة ضعيفة؛ لأنها من طريق محمد بن عبد الملك الغزال، وهو
- وإن كان ثقة؛ فإنه - كثير الخطأ - كما قال مسلمة -، وقد خالف الثقات في هذه
الزيادة؛ فهي مردودة.
وأما قول النووي في " المجموع " (٣/٤٤٥) :
" مجهول ". فليس بصواب - كما بيناه في " التعليقات الجياد " -.
هذا، وقد تابع معمراً عبدُ الوارث؛ لكنه أوقفه، وخالفه في متنه. فقال: عن
إسماعيل بن أمية:
سألت نافعاً عن الرجل يصلي وهو مشبك يديه؟ قال: قال ابن عمر:
تلك صلاة المغضوب عليهم.
رواه أبو داود.
وعبد الوارث: هو ابن سعيد بن ذكوان، وهو ثقة ثبت - كما في " التقريب " -، فلعل
ما رواه قضية أخرى. والله أعلم.
وأما اللفظ الآخر؛ فأخرجه الإمام أحمد (٢/١١٦) من طريق آخر؛ فقال: ثنا
محمد بن عبد الله بن الزبير: ثنا هشام - يعني: ابن سعد - عن نافع عن ابن عمر:
أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً ساقطاً يده في الصلاة، فقال: ... فذكره.
وهذا إسناد جيد. وهو على شرط مسلم.стр. 835
وفي حديث آخر: " هي قِعْدَة المغضوب عليهم " (١) . الحواشي
(١) هو من حديث عَمْرو بن الشَّرِيد عن أبيه:
فقال عبد الرزاق: عن ابن جريج قال: أخبرني إبراهيم بن ميسرة: أنه سمع عمرو
ابن الشَّريد [عن أبيه] (*) عن النبي ﷺ :
أنه كان يقول في وضع الرجل شماله إذا جلس في الصلاة: ... فذكره.
ذكره عبد الحق في " أحكامه " (رقم ١٢٨٤ - بتحقيقي) ، وسكت عليه مشيراً بذلك
إلى صحته.
وهو على شرط الشيخين.
وقد أخرجه أبو داود(٤٨٤٨) ، وأحمد (٤/٣٨٨) من طريق عيسى بن يونس: أنا
ابن جريج به؛ دون ذكر الصلاة.
_________
(*) وفي " المصنف " بدونها؛ كما في نقل عبد الحق.стр. 836
تحريكُ الإصْبَعِ في التشهد
و" كان ﷺ إذا جلس [يتشهد] ؛ وضع كفَّه اليسرى على ركبته اليسرى
[باسطَها عليها] ، ويقبضُ أصابعَ كفِّه اليمنى كلها، ويشير بإصبعه التي تلي
الإبهام [في القبلة، ويرمي ببصره إليها - أو نحوها -] " (١) . الحواشي
(١) هو من حديث ابن عمر ﵄.
أخرجه مالك (١/١١١ - ١١٢) عن مسلم بن أبي مريم عن علي بن عبد الرحمن
المُعاوِي أنه قال:
رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصباء في الصلاة، فلما انصرفت؛ نهاني، وقال:
اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع.
فقلت: كيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قال:
كان إذا جلس في الصلاة؛ وضع ... الحديث.
وقد أخرجه مسلم (٢/٩٠ - ٩١) ، ﴿وأبو عوانة [٢/٢٢٣] ﴾ ، وأبو داود (١/١٥٦) ،
والنسائي (١/١٨٦) ، ومحمد في " الموطأ "(١٠٦) ، وأحمد (٢/٦٥) ؛ كلهم عن مالك
به. وكذا البيهقي (٢/١٣٠)(١) .
_________(١) ﴿وزاد فيه الحميدي في " مسنده " (١٣١/١) ، وكذا أبو يعلى (٢٧٥/٢) بسندٍ صحيح عن
ابن عمر:
" وهي مذبّة الشيطان، لا يسهو أحد وهو يقول هكذا - ونصب الحميدي إصبعه - ".
قال الحميدي: قال مسلم بن أبي مريم:
" وحدثني رجل أنه رأى الأنبياء ممثلين في كنيسة في الشام في صلاتهم قائلين هكذا - ونصب
الحميدي إصبعه - ".
قلت: وهذه فائدة نادرة غريبة، وسندها إلى الرجل صحيح﴾ .стр. 837
..............................................................................
الحواشي
(١٧٣) ، والبيهقي (٢/١٣٢) .
وهي صحيحة ثابتة.
ولها طريق أخرى:
أخرجها أحمد (٢/١١٩) قال: ثنا محمد بن عبد الله أبو أحمد الزبيري: ثنا كثير
ابن زيد عن نافع قال:
كان عبد الله بن عمر إذا جلس في الصلاة؛ وضع يديه على ركبتيه، وأشار بأصبعه
وأتبعها بصره، ثم قال: قال رسول الله ﷺ :
" لهي أشد على الشيطان من الحديد ". يعني: السبابة.
وهذا سند حسن أو قريب من الحسن؛ فإن رجاله كلهم ثقات رجال الستة؛ غير
كثير بن زيد، وهو صدوق يخطئ - كما في " التقريب " -.
ومن طريقه أخرجه ﴿الطبراني في " الدعاء " (ق ٧٣/١) = [ص ٢٠٥/٦٤٢ و ٦٤٣] ﴾ ،
والبزار أيضاً؛ كما في " المجمع " (٢/١٤٠) ، وقال عنه:
" وثقه ابن حبان، وضعفه غيره " (*) .
قلت: وأخرج المرفوعَ منه ﴿الروياني في " مسنده " (٢٤٩/٢) = [٢٩٠/١٤٣٩] ﴾ ، والبيهقي
_________
(*) وعزاه الشيخ ﵀ في " الصفة " المطبوع لأبي جعفر البختري في " الأمالي " (٦٠/١) ،
وعبد الغني المقدسي في " السنن " (١٢/٢) بسند حسن.стр. 838
..............................................................................
الحواشي
(٢٤٠١) : " ضعيفٌ جداً ".стр. 839
..............................................................................
الحواشي
(٣٠٨) .
وأما الزيادة الثانية؛ فهي من طريق عبيد الله عن نافع نحو حديث مالك.
أخرجه مسلم أيضاً، و ﴿أبو عوانة [٢/٢٢٥] ﴾ والنسائي (١/١٨٧) ، والترمذي (٢/٨٨) ،
وابن ماجه (١/٢٩٥) ؛ كلهم عن عبد الرزاق عن معمر عنه. واقتصر الترمذي على قوله:
" حديث حسن ". وهو قصور! فالحديث صحيح لا شائبة فيه. ثم قال:
" والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين؛ يختارون
الإشارة في التشهد. وهو قول أصحابنا ". يعني: أهل الحديث.
وهو قول أثمتنا الثلاثة؛ فقد قال الإمام محمد - بعد أن ساق الحديث -:
" وبصنيع رسول الله ﷺ نأخذ، وهو قول أبي حنيفة ". وقد ذكر أبو يوسف في
" الأمالي " كما ذكر محمد - على ما في " فتح القدير " وغيره -.
فالعجب من كثير من علمائنا الحنفية كيف أنهم اختاروا ترك الإشارة في التشهد مع
ثبوت ذلك عنه ﷺ وعن أئمتهم أيضاً! وقد ألف في ذلك الشيخ المحقق ملا علي القاري رسالة
نفيسة أثبت فيها هذه السنة، ورد على من خالفها، وأسماها " تزيين العبارة لتحسين الإشارة ".
ومن المهم بالنسبة للمقلدين أن نلخص أهم ما جاء فيها؛ فقد ساق الأحاديث
الصريحة في الإشارة:
منها: حديث ابن عمر وابن الزبير المتقدمين.
ومنها: حديث وائل بن حُجر - الآتي قريباً [ص ٨٥٠]-.
ومنها: حديث أبي هريرة، وأبي حميد الساعدي، ونُمير الخُزاعي، وخُفَاف
الغفاري، ومعاذ بن جبل، وأنس بن مالك، وعقبة بن عامر، وعبد الرحمن بن أبزى.стр. 840
..............................................................................
الحواشي
(١) وقد خرجها كلها وساق ألفاظها، وقد أضربنا صفحاً عن ذكر أكثرها؛ لأنها ليست
على شرطنا. ثم قال الشيخ عليٌّ بعد ذلك (ص ١٠) :
" فهذه أحاديث كثيرة بطرق متعددة شهيرة، ولا شك في صحة أصل الإشارة؛ لأن
بعض أسانيدها موجود في " صحيح مسلم ".
وبالجملة؛ فهو مذكور في " الصحاح الستّة " وغيرها؛ مما كاد أن يصير متواتراً؛ بل
يصح أن يقال: إنه متواتر معنىً؛ فكيف يجوز لمؤمن بالله ورسوله أن يعدل عن العمل به،
ويأتي بالتعليل في معرض النص الجليل؛ مع أن ذلك التعليل مدخول، صَدَرَ من
العليل، وهو ما قيل - نقلاً عن بعض المانعين للإشارة - بأن فيها زيادة رفع لا يحتاج
إليها، فيكون الترك أولى؛ لأن مبنى الصلاة على الوقار والسكينة!
وهو مردود بأنه لو كان الترك أولى؛ لما فعله ﷺ ، وهو على صفة الوقار والسكينة في
المقام الأعلى!
ثم لا شك أن الإشارة الى التفريد مع العبادة بالتوحيد نور على نور، وزيادة سرور
على سرور؛ فهو محتاج إليه؛ بل مدار الصلاة والعبادة والطاعة عليه.
وعلل بعضهم بأن فيه موافقة فرقة الرافضة، فكان تركه أولى؛ تحقيقاً للمخالفة أيضاً!
[وهذا] ظاهر البطلان من وجوه:
اما أولاً: فلأن عامتهم - على ما نشاهدهم في زماننا - لا يشيرون أصلاً، وإنما
يشيرون بأيديهم عند السلام، ويضربون على أفخاذهم؛ تأسفاً على فوت الإسلام.
فينقلب التعليل عليهم حجة لنا.
وأما ثانياً: فلأنه على تقدير صحة النسبة اليهم؛ فليس كل ما يفعلونه نحن
مأمورون بمخالفتهم به حتى يشمل أفعالهم الموافقة للسنة - كالأكل باليمين ونحو ذلك -؛стр. 841
..............................................................................
стр. 842
..............................................................................
الحواشي
(١٨) :
" وقد أغرب الكَيْداني حيث قال:
والعاشر من المحرمات: الإشارة بالسبابة كأهل الحديث. أي: مثل إشارة جماعةٍ
يجمعهم العلم بحديث الرسول ﵊! وهذا منه خطأ عظيم، وجرم
جسيم، منشؤه الجهل عن عقائد الأصول، ومراتب الفروع من النقول، ولولا حسن الظن
به وتأويل كلامه بسببه؛ لكان كفراً صريحاً، وارتداداً صحيحاً! فهل يجهل المؤمن أن
يُحَرِّمَ ما ثبت فِعله منه ﷺ ما كاد نقله أن يكون متواتراً، ويمنعَ جواز ما عليه عامة
العلماء كابراً عن كابر مكابراً؟!
والحال: أن الإمام الأعظم، والهمام الأقدم قال: لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم
يعرف مأخذه من الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، والقياس الجلي في المسألة. وقال
الشافعي: إذا صح الحديث على خلاف فعلي؛ فاضربوا قولي على الحائط، واعملوا
بالحديث الضابط.
فإذا عرفت هذا؛ فاعلم أنه لو لم يكن نص الإمام على المرام؛ لكان على المقتفين
من أتباعه من العلماء الكرام - فضلاً عن العوام - أن يعملوا بما صح عنه عليه الصلاة
والسلام.
وكذا لو صح عن الإمام - فرضاً - نفيُ الإشارة، وصح إثباتها عن صاحب البشارة؛
فلا شك في ترجيح المثبت المسند إليه ﷺ . كيف وقد طابق نقله الصريح ما ثبت عنه
﵊ بالإسناد الصحيح؟!стр. 843
..............................................................................
الحواشي
(١) فمن أنصف ولم يتعسف؛ عرف أن هذا سبيل أهل التَّدَيُّن من السلف والخلف،
ومن عدل عن ذلك؛ فهو هالك بوصف الجاهل المعاند المكابر؛ ولو كان عند الناس من
الأكابر.
وغاية ما يعتذر به عن بعض المشايخ حيث منعوا الإشارة وذهبوا إلى الكراهة: عدم
وصول الأحاديث إليهم، وقد ورد اختلاف فعلها وتركها عليهم، فظنوا أن تركها أولى ".
قال:
" فالجاهل بالأخبار النبوية والآثار المصطفوية لما رأى أن بعض الناس يشيرون عملاً
بالسنة، وبعضهم يتركون الإشارة، إما للجهل، أو للكسل، أو للغفلة؛ فقال: تركها
أولى؛ لأنها زيادة في المبنى على أصل المعنى. فجاء بعده غيره وقال: هي مكروهة.
وأراد أنها كراهة تنزيه؛ لكن لم يجعل عليه من تنبيه! فتوهم مَنْ بعدهم أنه حرام،
وحسب أنه في الدين لعظيم؛ بناءً على أن الكراهة إذا أطلقت؛ فهي كراهة تحريم! ثم
قال مَنْ بعده: ما كره؛ فهو حرام عند محمد؛ لا سيما وهو متعلق بعبادة الأحد!!
فانظر كيف تدرج الجهلُ، وتركب في نظر العقل العاري عن النقل إلى أن جعل
السنة المشهورة من الأمور المنهية المحرمة المهجورة! فاعلم أن تعريف الحرام: ما ثبت نهيه
بالدليل القطعي من الكتاب والحديث.
ومن القواعد المقررة أن تحريمَ المباحِ حرامٌ؛ فكيف السنة الثابتة عنه عليه الصلاة
والسلام؟! مع أنه يكفي في موجب تكفير الكيداني إهانةُ المحدِّثين الذين هم عمدة أئمة
الدين المفهوم من قوله: كأهل الحديث. المفضية إلى قلة الأدب المقتضي لسوء الخاتمة؛ إذ
من المعلوم أن أهل القرآن أهل الله، وأهل الحديث أهل رسول الله ﷺ ! وأُنشد في هذا
المعنى:
أهل الحديث هُمُ أهل النبي وإن لم ... يصحبوا نَفْسَهُ أنفاسَه صحبواстр. 844
..............................................................................
الحواشي
(١٠٦) :
" وقد ذكر ابن الهُمَام في " فتح القدير "، والشُّمُنِّي في " شرح النقاية " وغيرهما أنه
ذكر أبو يوسف في " الأمالي " مثل ما ذكر محمد.
فظهر أن أصحابنا الثلاثة اتفقوا على تجويز الإشارة؛ لثبوتها عن النبي ﷺ وأصحابه
بروايات متعددة وطرق متكثرة، لا سبيل إلى إنكارها، ولا إلى ردها. وقد قال به غير
واحد من العلماء؛ حتى قال ابن عبد البر:
" إنه لا خلاف في ذلك ".
وإلى الله المشتكى من صنيع كثير من أصحابنا من أصحاب الفتاوى - كصاحب
" الخلاصة "، و " البزّازية الكبرى "، و " العَتّابية "، و " الغِياثية "، و " الولوالجية "، و " عمدة
المُفْتِي "، و " الظهيرية "، وغيرها -؛ حيث ذكروا أن المختار هو عدم الإشارة! بل ذكر بعضهم
أنها مكروهة!
والذي حملهم على ذلك سكوتُ أئمتنا عن هذه المسألة في ظاهر الرواية، ولم
يعلموا أنه قد ثبت عنهم بروايات متعددة، ولا أنه ورد في أحاديث متكثرة.
فالحذر الحذر من الاعتماد على قولهم في هذه المسألة مع كونه مخالفاً لما ثبت عن
النبي ﷺ وأصحابه؛ بل وعن أئمتنا أيضاً!
بل لو ثبت عن أئمتنا التصريح بالنفي، وثبت عن رسول الله ﷺ وأصحابه
الإثبات؛ لكان فِعل الرسول وأصحابه أحق وألزم بالقبول؛ فكيف وقد قال به أئمتنا
أيضاً؟! ".стр. 845
..............................................................................
الحواشي
(١) وقد ذكر نحو هذا في كتابه " عمدة الرعاية " (١/٣٨) ، وتعجب كل العجب من
المشايخ المذكورين الذين اختاروا ترك الإشارة وكراهتها، ثم قال:
" وزاد عليهم الكَيْداني في "خُلاصته " نغمةً في الطنبور؛ فعدها من المحرمات "!
وقال في حاشية " غيث الغمام على إمام الكلام " (ص ٤١) :
" هذا القول من الأقوال الخبيثة المردودة؛ لمخالفته لما ثبت عن أئمتنا الثلاثة من سنية
الإشارة - كما صرح به محمد في " موطئه "، وأبو يوسف في " الأمالي " -. والعجب مِنْ
جَمْعٍ مِنَ الحنفية كيف أفتوا بكراهة الإشارة مع ثبوتها عن صاحب الشرع وإمام
المذهب؟! ".
قلت: وأعجب من ذلك أن هؤلاء المفتين يقولون بأن باب الاجتهاد مغلق من بعد
القرون الأربعة، ثم هم يجتهدون في هذه المسألة، فيخالفون فيها نصوص أئمتهم
المقلَّدين، والآثارَ المرويةَ عن الصحابة والتابعين، والأحاديثَ الصحيحةَ عن سيد
المرسلين؛ مع أنه (لا اجتهاد في معرض النص) باتفاقهم، فليتهم لم يقولوا قولهم هذا!
وليتهم وقفوا عنده! والله المستعان.
وقد كان جرى بحث بيني وبين بعض مشايخي حول هذه المسألة؛ فإنه من القائلين
بالمنع رغم كونه قد اطلع على الأحاديث المشار إليها، وعلى أقوال الأئمة الواردة في
ذلك.
فقلت له: لم لا ترفع أصبعك في الصلاة؟!
فاحتج بحجتين: الأولى قديمة معروفة، وقد سبقت في كلام القاري - وهي كون
الصلاة مبنية على السكون والهدوء، وأجاب عنها بما تقدم.
أما أنا؛ فقلت له: (إذا جاء الأثر؛ بطل النظر، ولا رأي مع النص) ! وهل مثلك إلاследующие страницы →