Полный текст (1 078 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
..............................................................................
стр. 842
..............................................................................
الحواشي
(١٨) :
" وقد أغرب الكَيْداني حيث قال:
والعاشر من المحرمات: الإشارة بالسبابة كأهل الحديث. أي: مثل إشارة جماعةٍ
يجمعهم العلم بحديث الرسول ﵊! وهذا منه خطأ عظيم، وجرم
جسيم، منشؤه الجهل عن عقائد الأصول، ومراتب الفروع من النقول، ولولا حسن الظن
به وتأويل كلامه بسببه؛ لكان كفراً صريحاً، وارتداداً صحيحاً! فهل يجهل المؤمن أن
يُحَرِّمَ ما ثبت فِعله منه ﷺ ما كاد نقله أن يكون متواتراً، ويمنعَ جواز ما عليه عامة
العلماء كابراً عن كابر مكابراً؟!
والحال: أن الإمام الأعظم، والهمام الأقدم قال: لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم
يعرف مأخذه من الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، والقياس الجلي في المسألة. وقال
الشافعي: إذا صح الحديث على خلاف فعلي؛ فاضربوا قولي على الحائط، واعملوا
بالحديث الضابط.
فإذا عرفت هذا؛ فاعلم أنه لو لم يكن نص الإمام على المرام؛ لكان على المقتفين
من أتباعه من العلماء الكرام - فضلاً عن العوام - أن يعملوا بما صح عنه عليه الصلاة
والسلام.
وكذا لو صح عن الإمام - فرضاً - نفيُ الإشارة، وصح إثباتها عن صاحب البشارة؛
فلا شك في ترجيح المثبت المسند إليه ﷺ . كيف وقد طابق نقله الصريح ما ثبت عنه
﵊ بالإسناد الصحيح؟!стр. 843
..............................................................................
الحواشي
(١) فمن أنصف ولم يتعسف؛ عرف أن هذا سبيل أهل التَّدَيُّن من السلف والخلف،
ومن عدل عن ذلك؛ فهو هالك بوصف الجاهل المعاند المكابر؛ ولو كان عند الناس من
الأكابر.
وغاية ما يعتذر به عن بعض المشايخ حيث منعوا الإشارة وذهبوا إلى الكراهة: عدم
وصول الأحاديث إليهم، وقد ورد اختلاف فعلها وتركها عليهم، فظنوا أن تركها أولى ".
قال:
" فالجاهل بالأخبار النبوية والآثار المصطفوية لما رأى أن بعض الناس يشيرون عملاً
بالسنة، وبعضهم يتركون الإشارة، إما للجهل، أو للكسل، أو للغفلة؛ فقال: تركها
أولى؛ لأنها زيادة في المبنى على أصل المعنى. فجاء بعده غيره وقال: هي مكروهة.
وأراد أنها كراهة تنزيه؛ لكن لم يجعل عليه من تنبيه! فتوهم مَنْ بعدهم أنه حرام،
وحسب أنه في الدين لعظيم؛ بناءً على أن الكراهة إذا أطلقت؛ فهي كراهة تحريم! ثم
قال مَنْ بعده: ما كره؛ فهو حرام عند محمد؛ لا سيما وهو متعلق بعبادة الأحد!!
فانظر كيف تدرج الجهلُ، وتركب في نظر العقل العاري عن النقل إلى أن جعل
السنة المشهورة من الأمور المنهية المحرمة المهجورة! فاعلم أن تعريف الحرام: ما ثبت نهيه
بالدليل القطعي من الكتاب والحديث.
ومن القواعد المقررة أن تحريمَ المباحِ حرامٌ؛ فكيف السنة الثابتة عنه عليه الصلاة
والسلام؟! مع أنه يكفي في موجب تكفير الكيداني إهانةُ المحدِّثين الذين هم عمدة أئمة
الدين المفهوم من قوله: كأهل الحديث. المفضية إلى قلة الأدب المقتضي لسوء الخاتمة؛ إذ
من المعلوم أن أهل القرآن أهل الله، وأهل الحديث أهل رسول الله ﷺ ! وأُنشد في هذا
المعنى:
أهل الحديث هُمُ أهل النبي وإن لم ... يصحبوا نَفْسَهُ أنفاسَه صحبواстр. 844
..............................................................................
الحواشي
(١٠٦) :
" وقد ذكر ابن الهُمَام في " فتح القدير "، والشُّمُنِّي في " شرح النقاية " وغيرهما أنه
ذكر أبو يوسف في " الأمالي " مثل ما ذكر محمد.
فظهر أن أصحابنا الثلاثة اتفقوا على تجويز الإشارة؛ لثبوتها عن النبي ﷺ وأصحابه
بروايات متعددة وطرق متكثرة، لا سبيل إلى إنكارها، ولا إلى ردها. وقد قال به غير
واحد من العلماء؛ حتى قال ابن عبد البر:
" إنه لا خلاف في ذلك ".
وإلى الله المشتكى من صنيع كثير من أصحابنا من أصحاب الفتاوى - كصاحب
" الخلاصة "، و " البزّازية الكبرى "، و " العَتّابية "، و " الغِياثية "، و " الولوالجية "، و " عمدة
المُفْتِي "، و " الظهيرية "، وغيرها -؛ حيث ذكروا أن المختار هو عدم الإشارة! بل ذكر بعضهم
أنها مكروهة!
والذي حملهم على ذلك سكوتُ أئمتنا عن هذه المسألة في ظاهر الرواية، ولم
يعلموا أنه قد ثبت عنهم بروايات متعددة، ولا أنه ورد في أحاديث متكثرة.
فالحذر الحذر من الاعتماد على قولهم في هذه المسألة مع كونه مخالفاً لما ثبت عن
النبي ﷺ وأصحابه؛ بل وعن أئمتنا أيضاً!
بل لو ثبت عن أئمتنا التصريح بالنفي، وثبت عن رسول الله ﷺ وأصحابه
الإثبات؛ لكان فِعل الرسول وأصحابه أحق وألزم بالقبول؛ فكيف وقد قال به أئمتنا
أيضاً؟! ".стр. 845
..............................................................................
الحواشي
(١) وقد ذكر نحو هذا في كتابه " عمدة الرعاية " (١/٣٨) ، وتعجب كل العجب من
المشايخ المذكورين الذين اختاروا ترك الإشارة وكراهتها، ثم قال:
" وزاد عليهم الكَيْداني في "خُلاصته " نغمةً في الطنبور؛ فعدها من المحرمات "!
وقال في حاشية " غيث الغمام على إمام الكلام " (ص ٤١) :
" هذا القول من الأقوال الخبيثة المردودة؛ لمخالفته لما ثبت عن أئمتنا الثلاثة من سنية
الإشارة - كما صرح به محمد في " موطئه "، وأبو يوسف في " الأمالي " -. والعجب مِنْ
جَمْعٍ مِنَ الحنفية كيف أفتوا بكراهة الإشارة مع ثبوتها عن صاحب الشرع وإمام
المذهب؟! ".
قلت: وأعجب من ذلك أن هؤلاء المفتين يقولون بأن باب الاجتهاد مغلق من بعد
القرون الأربعة، ثم هم يجتهدون في هذه المسألة، فيخالفون فيها نصوص أئمتهم
المقلَّدين، والآثارَ المرويةَ عن الصحابة والتابعين، والأحاديثَ الصحيحةَ عن سيد
المرسلين؛ مع أنه (لا اجتهاد في معرض النص) باتفاقهم، فليتهم لم يقولوا قولهم هذا!
وليتهم وقفوا عنده! والله المستعان.
وقد كان جرى بحث بيني وبين بعض مشايخي حول هذه المسألة؛ فإنه من القائلين
بالمنع رغم كونه قد اطلع على الأحاديث المشار إليها، وعلى أقوال الأئمة الواردة في
ذلك.
فقلت له: لم لا ترفع أصبعك في الصلاة؟!
فاحتج بحجتين: الأولى قديمة معروفة، وقد سبقت في كلام القاري - وهي كون
الصلاة مبنية على السكون والهدوء، وأجاب عنها بما تقدم.
أما أنا؛ فقلت له: (إذا جاء الأثر؛ بطل النظر، ولا رأي مع النص) ! وهل مثلك إلاстр. 846
..............................................................................
الحواشي
(١) مثل من يقول: أنا لا أركع في الصلاة، ولا أسجد؛ لأن في ذلك من الحركات
والانتقالات ما لا يتفق مع الصلاة أو السكون فيها!
وهل لك ما تجيبه على ذلك إلا أن تقول: إن الذي أمرنا بالسكون في الصلاة هو
الذي أمرنا بهذه الحركات والانتقالات، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
فَانتَهُوا﴾ ، فهذا الجواب هو جوابنا لك وكفى. فسكت!
وأما حجته الأخرى؛ فهي قوله: لما كان العلماء قد اختلفوا في صفة الرفع؛
فبعضهم يقول: يرفع المسبحة مع قبض الأصابع الأخرى. وبعضهم يقول: يبسط هذه
الأخرى ويرفع المسبحة. وبعضهم يقول: يرفعها عند النفي ويضعها عند الإثبات.
وبعض يعكس ذلك. وبعضهم يقول: يقبض الأصابع عند وضع اليدين في أول
التشهد. وبعضهم إنما يفعل ذلك عند التهليل. وبعضهم يحرك المسبِّحة. وبعضهم لا
يحركها. فلما رأيناهم اختلفوا في ذلك؛ تركنا هذه السنة؛ لأننا لم نعرف صفتها!
فقلت له: لا يلزم من الاختلاف في صفة شيء ما تركُهُ مطلقاً أو إنكاره! وإلا؛
لزمك أن تترك أشياء كثيرة اختلف فيها العلماء حتى علماء مذهبك! فخذ مثالاً على
ذلك: سنية وضع اليمنى على اليسرى في القيام في الصلاة؛ فبعضهم يقول بأن السنة
القبض. وبعضهم: الوضع. وبعضهم: الجمع بينهما. هذا في مذهبك. وأما في
المذاهب الأخرى؛ فالخلاف أشد؛ فبعضها تقول بأن الوضع يكون تحت السرة. وبعضها:
فوقها. وبعضها: على الصدر. بل إن الإمام مالكاً لا يرى مشروعية الوضع مطلقاً - في
رواية عنه -؛ فهل تترك أنت هذه السنة لهذه الاختلافات في كيفيتها؛ بل وفي أصلها
أيضاً؟! فبهت.
ثم قلت: لا ينجيك من هذه الاختلافات إلا الرجوع إلى ما أمرنا الله تعالى به في
قوله: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِстр. 847
..............................................................................
الحواشي
(١) ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ .
هذا ما قلته وقتئذٍ، والأمر يحتاج إلى شيء من التفصيل:
أما وضع اليدين في القيام؛ فقد سبق بيان ما يثبت في السنة من ذلك في محله.
وأما المسألة التي نحن فيها؛ فاعلم أن تلك الاختلافات لا أصل لها في السنة؛ بل
بعضها مداره على روايات مجملة، وبعضها مجرد رأي واجتهاد!
أما القبض والبسط؛ فالأول هو الثابت صراحة في حديث ابن عمر، وعبد الله
ابن الزبير، ووائل بن حجر.
وأما البسط؛ فلم يصرح به في حديث ما، وحجة من ذهب إليه: أنه لم يذكر
القبض بعض الصحابة في أحاديثهم! وهذا ليس بشيء؛ فإن أحاديث هؤلاء في هذه
المسألة مجملة، وأحاديث أولئك مفصلة، والمفصل يقضي على المجمل - كما في الأصول
تقرر -.
وأما وقت الرفع؛ فلم نجد في ذلك حديثاً يعينه ويحدده، فهو اجتهاد محض ليس
عليه دليل.
وهذا بناء على أن السنة أن لا تحرك المُسَبِّحة من أول التشهد إلى آخره إلا عند
التهليل. وليس كذلك - كما سيأتي -.
وأما وقت قبض الأصابع الأخرى؛ فالظاهر من الأحاديث المتقدمة أنه من أول
التشهد؛ لأنها تقول:
كان إذا جلس؛ وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها.
وليس لهذا الظاهر معارض؛ فوجب الأخذ به.стр. 848
و " كان إذا أشار بإصبعه؛ وضع إبهامه على إصبعه الوسطى " (١) . وتارة
" كان يحلِّق بهما حلقة " (٢) . الحواشي
(١) هو من حديث عبد الله بن الزبير ﵄. قال:
كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو؛ وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده
اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بأصبعه السبابة، ووضع إبهامه على أصبعه
الوسطى، ويلقم كفه اليسرى ركبته.
أخرجه مسلم (٢/٩٠) ، والبيهقي (٢/١٣١) ؛ كلاهما من طريق أبي بكر بن أبي
شيبة: ثنا أبو خالد الأحمر عن ابن عجلان عن عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه.
وابن عجلان: إنما أخرج له مسلم مقروناً بغيره. لكن يشهد لموضع الشاهد من
حديثه هذا حديثُ ابن عمر المتقدم [ص ٨٤٠] :
وعقد ثلاثة وخمسين.
فقد فسروا هذا العقد بأن يعقد الخنصر والبنصر والوسطى، ويرسل الإبهام إلى أصل
المسبِّحة - كما في " التلخيص " (٣/٤٩٩) ، و " تزيين العبارة "(٢) -. وقد اختار هذه
الصفة الشافعية، مع تجويزهم الصفة الأخرى الآتية.(٢) هو قطعة من حديث وائل بن حُجْر في صفة صلاته ﵊
بلفظ:
ثم قبض اثنين من أصابعه، وحلق حلقة ... الحديث.стр. 849
..............................................................................
الحواشي
(١٨) :
" وهو يفيد التخيير بين نوعي الإشارة الثابتين عن رسول الله ﷺ ، وهو قول حسن،стр. 850
و " كان إذا رفع أصبعه السبابة؛ يحركها يدعو بها " (١) ، ويقول:
" لهي أشد على الشيطان من الحديد ". يعني: السبابة (*) . الحواشي
(١) هو قطعة من حديث وائل المشار إليه آنفاً.
وهو حديث صحيح - كما تقدم، ويأتي قريباً (*) -.
وقد عارضه حديث عبد الله بن الزبير:
أن النبي ﷺ كان يشير بأصبعه إذا دعا، ولا يحركها.
أخرجه أبو داود (١/١٥٦) ، والنسائي (١/١٨٧) ، والبيهقي (٢/١٣١) من طريق
زياد بن سعد عن محمد بن عجلان عن عامر بن عبد الله عنه. وقال النووي (٣/٤٥٤) :
" إسناده صحيح "!
وليس بصحيح؛ فإن ابن عجلان متكلَّم فيه. وهو حسن الحديث، إذا سلم من =
(*) سبق تخريجه والكلام عليه (ص ٨٣٩ - ٨٤٠) .
_________
(*) وانظر تصحيح الشيخ ﵀ له في " الإرواء " (٢/٦٨ - ٦٩) ، و " صحيح أبي داود "(٧١٧) ، و " تمام المنة " (ص ٢١٨ - ٢٢٢) ، و " السلسلة الصحيحة " (٧/٥٥١ - ٥٥٤) .стр. 851
..............................................................................
الحواشي
(١) = علته. والواقع أنه معلول من وجوه:
أولاً: أنه قد اختلف عليه في قوله: (ولا يحركها) :
فرواه عنه زياد بن سعد هذا بهذه الزيادة.
وخالفه الليث بن سعد وأبو خالد الأحمر- عند مسلم، والبيهقي -، وابن عيينة - عند
الدارمي (١/٣٠٨) ، وأحمد (٤/٣) -، ويحيى بن سعيد - عنده، وكذا أبي داود،
والنسائي -؛ فرواه أربعتهم عن ابن عجلان بدون هذه الزيادة.
ثانياً: أن عثمان بن حكيم رواه عن عامر كذلك بدونها.
وتابعه مَخْرَمة بن بُكَير: عند النسائي (١/١٧٣) ، والبيهقي (٢/١٣٢) .
فقد اتفق كل من روى الحديث عن عامر على ترك هذه الزيادة؛ إلا رواية عن ابن
عجلان، وهي شاذة؛ لما سبق. ولذلك قال ابن القيم (١/٨٥) :
" فهذه الزيادة في صحتها نظر، وقد ذكر مسلم الحديث بطوله في " صحيحه " عنه،
ولم يذكر هذه الزيادة. وأيضاً: فليس فيه أن هذا كان في الصلاة. وأيضاً: لو كان في
الصلاة؛ لكان نافياً، وحديث وائل مثبتاً - وهو مقدم -، وهو حديث صحيح، ذكره أبو
حاتم في " صحيحه ".
﴿ولحديث التحريك شاهد في " ابن عدي " (١/٢٨٧) ، وقال في راويه عثمان بن مِقْسَم:
" ضعيف، يُكتب حديثه "﴾ .
وقوله: " يدعو بها "؛ قال الإمام الطحاوي في " شرح المعاني " (١/١٥٣) :
" فيه دليل على أنه كان في آخر الصلاة ".
قلت: وذلك لأن الدعاء إنما يشرع عند الجمهور - خلافاً لابن حزم كما سيأتي - في
التشهد الذي يليه السلام؛ كما هو ثابت في السنة، ففي ذلك دليل أيضاً على أن السنةстр. 852
..............................................................................
الحواشي
(١٧) :
" إن الصحيح المختار عند جمهور أصحابنا أنه يشير بالمسبّحة؛ رافعاً لها عند النفي
واضعاً لها عند الإثبات، ثم يستمر على ذلك؛ لأنه ثبت العقد عند الإشارة بلا
خلاف، ولم يوجد أمر يُغَيِّرُهُ؛ فالأصل إبقاء الشيء على ما هو عليه، واستصحابه إلى
آخر أمره ومآله إليه ".
فكلام غير صحيح من حيث الدليل؛ لأنه مبني على أن الوضع ثابت في السنة
بعد الرفع، وليس كذلك - كما سبق -.стр. 853
..............................................................................
الحواشي
(١) وعليه يعود الأصل الذي ذكره عليه؛ فإنا نقول: إذا كان قد ثبت في السنة الرفع،
ثم لم يرد الوضع بعد ذلك؛ فالأصل إبقاء الشيء على ما هو عليه، واستصحابه إلى آخر
أمره ومآله إليه. فهذا الأصل يقتضي إبقاء الأصبع مرفوعة إلى آخر التشهد كما لا
يخفى. هذا يقال لو لم يأت الحديث مبيناً لذلك؛ فكيف وقد اتفق الأصل والفرع؟!
وقد وجدت في ذلك حديثاً آخر - وإن كان في صحته نظر؛ فإنه في الشواهد
معتبر -، وهو:
ما أخرجه الترمذي (٢/٢٧٨ - طبع بولاق) من طريق عبد الله بن مَعْدَان: أخبرني
عاصم بن كُليب الجَرْمي عن أبيه عن جده قال:
دخلت على النبي ﷺ وهو يصلي، وقد وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى،
ووضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه، وبسط السبابة؛ وهو يقول:
" يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك ".
وكذلك رواه أبو يعلى، والبغوي، ومُطَيِّن، والباوَرْدي، والطبري عن ابن معدان به
- كما في " الإصابة " (٢/١٥٩) -، وقال الترمذي، ثم البغوي:
" غريب ". ثم قال الحافظ:
" رجاله موثقون؛ إلا أن أبا داود قال: عاصم بن كُلَيب عن أبيه عن جده: ليس
بشيء ".
فهذا الحديث مثل حديث وائل في إثبات استمرار الرفع حتى الدعاء؛ لكنه أخص
من حديث وائل؛ فإن هذا يفيد استمرار التحريك أيضاً - كما هو مذهب مالك وغيره -،
وهو حجة على الشافعية.
وقول البيهقي (٢/١٣٢) :стр. 854
..............................................................................
الحواشي
(١) " يحتمل أن يكون المراد بالتحريك الإشارة بها، لا تكرير تحريكها؛ فيكون موافقاً
لرواية ابن الزبير. والله أعلم ".
ليس بقوي؛ لأن هذا الاحتمال إنما يصح أن يقال لو كان حديث ابن الزبير النافي
للتحريك صحيحاً ثابتاً، وقد بينا فيما سبق أنه ليس كذلك؛ بل هو معلول، فيبقى حديث
وائل بدون معارض، وقد علم أن الفعل المضارع يفيد الاستمرار إلا لقرينة، وإذ ليس؛ فليس.
على أنه لو ثبت حديث ابن الزبير؛ لكان الأولى أن يقال: السنة تحريكها أحياناً،
وترك ذلك أحياناً؛ عملاً بالحديثين - كما قلنا ذلك في مواضع أخرى -. وهذا أولى من
قول ابن القيم المتقدم:
" إن حديث ابن الزبير نافٍ، وحديث وائل مثبت؛ وهو مقدم "!
فإن هذا يلزم منه رد الحديث الآخر - لو صح -، وليس بجيد!
ثم اعلم أنه لم يرد أي حديث - فيما علمنا - يبين كيفية التحريك، فالمصلي بالخيار
أن يحرك كيف يشاء؛ لكننا نرى - والعلم عند الله تعالى - أن يكون تحريكه لأصبعه
تحريكاً أقرب ما يكون إلى هيئة الصلاة والخشوع فيها.
(فائدة) : روى البيهقي (٢/١٣٣) بإسنادين عن ابن عباس في الرجل يشير
بأصبعه؛ قال:
هو الإخلاص. قال:
" وعن أَبَان بن أبي عَيَّاش عن أنس بن مالك قال:
ذلك التضرع. وعن عثمان عن مجاهد قال:
مِقْمَعَةُ الشيطان ".
وفي معنى قول مجاهد هذا حديث مرفوع سبق ذكره غيرَ بعيد [ص ٨٣٩ - ٨٤٠] .стр. 855
﴿و " كان أصحاب النبي ﷺ يأخذ بعضهم على بعض. يعني: الإشارة
بالإصبع في الدعاء " (١) ﴾ .
و" كان ﷺ يفعل ذلك في التشهدين جميعاً " (٢) .
و" رأى رجلاً يدعو بأصبعيه، فقال رسول الله ﷺ :
" أحِّدْ (٣) [أحِّدْ] "، [وأشار بالسبابة] " (٤) . الحواشي
(١) ﴿ [رواه] ابن أبي شيبة (٢/١٢٣/١) = [٢/٢٣١/٨٤٢٩] و [٦/٨٨/٢٩٦٧٩]
بسندٍ حسن﴾ .(٢) هو من حديث عبد الله بن الزبير. قال:
كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الثنتين أو في الأربع؛ يضع يديه على ركبتيه، ثم
أشار بأصبعه.
أخرجه النسائي (١/١٧٣) ، والبيهقي (٢/١٣٢) من طريق ابن المبارك قال: أنبأنا
مَخْرَمة بن بُكَير قال: أنبأنا عامر بن عبد الله بن الزبير عنه.
وهذا إسناد صحيح.(٣) بكسر الحاء المشددة. وكرر للتأكيد بالوحدة، من التوحيد؛ أي: أَشِرْ بأصبع
واحدة؛ لأن الذي يدعوه واحد. وأصله: وحد. قلبت الواو همزة.
قلت: فما يفعله العامة عقب الوضوء من الإشارة بالسبابتين عند الشهادة؛ خلاف
أمره ﷺ ! ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
نسأله تعالى أن يجعلنا من المقتدين بسنته ﷺ ، والمهتدين بهديه.(٤) هو من حديث أبي هريرة ﵁:
أن رجلاً كان يدعو ... إلخ.стр. 856
..............................................................................
الحواشي
(١) أخرجه النسائي (١/١٨٧) ، والترمذي (٢/٣٧٣ - طبع بولاق) ، والحاكم (١/٥٣٦) (*)
من طريق محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عنه. وقال الترمذي:
" حديث حسن صحيح غريب "! وكذا صححه الحاكم - كما يأتي -! وإنما هو حسن
فقط؛ للخلاف في ابن عجلان.
نعم لم يتفرد به:
فقد أخرجه النسائي، والحاكم من طريق أبي معاوية، ﴿وابن أبي شيبة
(٢/١٢٣/٢) = [ (٢/٢٣٢/٨٤٤٠) من طريق وكيع؛ كلاهما] ﴾ عن الأعمش عن أبي
صالح عن سعد قال:
مر علي رسول الله ﷺ وأنا أدعو بأصبعيّ، فقال:
" أَحَّدْ أَحَّدْ ". وأشار بالسبابة. وقال الحاكم:
" صحيح الإسنادين جميعاً؛ فأما حديث أبي معاوية؛ فهو صحيح على شرطهما؛
إن كان أبو صالح السمان سمع من سعد ". وقال الذهبي:
" صحيح بالإسنادين جميعاً ".
وهذا جزمٌ منه بصحة حديث أبي معاوية، وهو صواب؛ فقد ذكروا لأبي صالح
رواية عن سعد.
والحديث رواه أبو يعلى، ﴿وابن أبي شيبة [ (٢/٢٣١/٨٤٢٦) - وفيه التصريح بأن
الرجل هو سعد -] ) عن أبي هريرة:
_________
(*) وعزاه الشيخ ﵀ في " الصفة " المطبوع لابن أبي شيبة (١٢/٤٠/١) ، وهو فيه
(٦/٨٨/٢٩٦٧٣) ؛ قال: " ثنا حفص بن غياث عن الأعمش عن أبي صالح عنه؛ دون الزيادة الثانية،
وفيه التصريح بأن الرجل هو سعد ﵁.стр. 857
..............................................................................
الحواشي
(١) أن رسول الله ﷺ أبصر رجلاً يدعو بأصبعيه جميعاً، فنهاه، وقال:
" بإحداهما: باليمين ". قال في " المجمع " (١٠/١٦٨) :
" ورجاله رجال " الصحيح ". ورواه الطبراني في " الأوسط "؛ ولفظه:
نظر رسول الله ﷺ إلى رجل يشير بأصبعيه، فقال:
" أَوْحِدْ أوحد ".
ورجاله ثقات ".
وله شاهد من حديث أنس قال:
مر رسول الله ﷺ بسعد يدعو بأصبعين، فقال:
" أَحَّدْ يا سعد! ".
أخرجه أحمد. ولم يسم تابعيّه، وبقية رجاله رجال " الصحيح ".
وعن ابن عمر:
انه رأى رجلاً يشير بأصبعيه، فقبض إحدى إصبعيه، وقال:
إنما الله إله واحد.
رواه الطبراني موقوفاً. ورجاله رجال " الصحيح " ".
﴿وله شاهد عند ابن أبي شيبة﴾ (*) .
_________
(*) انظر " المصنف " (٢/٢٣١/٨٤٣٥ و ٦/٨٩/٢٩٦٨٤ و ٢٩٦٨٥) .стр. 858
وجوبُ التشهد الأول، ومشروعيةُ الدعاءِ فيه
ثم " كان ﷺ يقرأ في كل ركعتين (التحية) " (١) .
﴿و " كان أول ما يتكلم به عند القعدة: (التحيات لله) " (٢) ﴾ .
و" كان إذا نسيها في الركعتين الأوليين؛ يسجد للسهو (٣) " (٤)
. وكان
يأمر بها فيقول: الحواشي
(١) هوقطعة من حديث عائشة بلفظ:
وكان يقول في كل ركعتين التحية.
وقد مضى [ص ١٧٧] .
وهو وإن كان معلولاً - كما سبق بيانه -؛ فالمعنى صحيح؛ يشهد له ما بعده.(٢) ﴿رواه البيهقي من رواية عائشة بإسناد جيد - كما قال ابن الملقن (٢٨/٢) -﴾ .(٣) فيه إشارة إلى أنه ﷺ كان يواظب على التشهد دائماً، ولعل هذا هو مستند
قول ابن القيم في " الهدي النبوي " (١/٨٧) :
" ثم كان ﷺ يتشهد دائماً ".
وإلا؛ فإني لم أقف على نص صريح في ذلك. والله أعلم.
وقد استدل بعض العلماء بالأحاديث المتقدمة - في عدم رجوعه إلى التشهد حينما
ذُكِّر - على أن التشهد الأول غير واجب. قال الحافظ (٢/٢٤٧) :
" ووجهه؛ أنه لو كان واجباً؛ لرجع إليه لمَّا سبحوا به بعد أن قام. وممن قال بوجوبه
الليث وإسحاق وأحمد في المشهور، وهو قول للشافعي، وفي رواية للحنفية ".
قلت: وفي هذا التوجيه نظر؛ فإن لقائل أن يقول: عدم رجوعه ﷺ إنما هو لوجود
مانع شرعي؛ وهو الاستتمام قائماً - كما سبق في حديث المغيرة -، ولو أنه لم يستتمстр. 859
..............................................................................
الحواشي
(٤) فيه أحاديث:
الأول: عن عبد الله ابن بُحَيْنَة أنه قال:
صلى لنا رسول الله ﷺ ركعتين، ثم قام فلم يجلس، فقام الناس معه، فلما قضى
صلاته ونظرنا تسليمه؛ كبر، ثم سجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم، ثم سلم.
أخرجه مالك (١/١١٨) ، وعنه الإمام محمد(١٠٤) ، والبخاري (٣/١٧١) ،
ومسلم (٢/٨٣) ، وأبو داود (١/١٦٢) ، والنسائي (١/١٨١) ، والطحاوي (١/٢٥٤) ،
والبيهقي (٢/٣٣٣ و ٣٤٣ و ٣٥٢) ، وأحمد (٥/٣٤٥) - كلهم عن مالك - عن ابن شهاب
عن الأعرج عنه.
وأخرجه الترمذي (٢/٢٣٥) ، وابن ماجه (١/٣٦٤) ، وكذا البخاري (٢/٢٤٦) ،
ومسلم، والنسائي (١/١٨٦) ، والطحاوي، والبيهقي (٢/١٣٤ و ٣٥٢) ، وأحمد
(٥/٣٤٦) ؛ كلهم من طرق أخرى عن ابن شهاب به. وصححه الترمذي.
ثم أخرجه مالك، وعنه البخاري (٣/٧٢) ، ومسلم، والنسائي (١/١٧٥ و ٢٧٦) ،
والدارمي (١/٣٥٣) ، والدارقطني(١٤٤) ، والبيهقي (٣٤٠ و ٣٤٤) ، وأحمد (٥/٣٤٥) ؛
كلهم عن يحيى بن سعيد عن الأعرج به.
ثم أخرجه البخاري (٢/٢٤٧) عن جعفر بن ربيعة، والطحاوي عن يحيى بن أبي كثير؛стр. 860
..............................................................................
الحواشي
(٣٣٨) ﴾ .
الحديث الثاني: عن المغيرة بن شعبة. وقد روي عنه من طرق:
١- عن زياد بن عِلاقة قال:
صلى بنا المغيرة بن شعبة، فلما صلى ركعتين؛ قام ولم يجلس، فسبح به مَنْ
خلفه، فأشار إليهم: أن قوموا. فلما فرغ من صلاته؛ سلم، وسجد سجدتي السهو،
وسلم، وقال:
هكذا صنع رسول الله ﷺ .
أخرجه أبو داود (١/١٦٣) ، والدارمي (١/٣٥٣) ، وعنه الترمذي (٢/٢٠١) ،
والطحاوي (١/٢٥٥) ، والبيهقي (٢/٣٣٨) ، وأحمد (٤/٢٤٧) ؛ كلهم عن يزيد بن
هارون عن المسعودي عن زياد به. وقال الترمذي:
" حديث حسن صحيح ". وهو كما قال، لكن من غير هذا الوجه؛ فإن المسعودي
كان قد اختلط، ويزيد بن هارون سمع منه في الاختلاط - كما قال ابن نمير -.
لكن تابعه عنه أبو داود الطيالسي؛ فأخرجه في " المسند "(٩٥) : ثنا المسعودي به.
وقد قال الإمام أحمد:
" وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومَنْ سمع منه بالكوفة والبصرة؛ فسماعه جيد ".
قلت: والطيالسي بصري؛ فلعله سمعه منه فيها.
٢- عن عامر الشعبي قال:
صلى بنا المغيرة بن شعبة، فنهض في الركعتين؛ فسبح به القوم وسبح بهم، فلما
صلى بقية صلاته؛ سلم، ثم سجد سجدتي السهو وهو جالس، ثم حدثهم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَстр. 861
..............................................................................
الحواشي
(١) فعل بهم مثل الذي فعل.
أخرجه الترمذي (٢/١٩٨ - ١٩٩) ، والبيهقي (٢/٣٤٤) ، وأحمد (٤/٢٤٨) من
طريق ابن أبي ليلى عنه. قال الترمذي:
" وقد تكلم بعض أهل العلم في ابن أبي ليلى من قبل حفظه ".
قلت: لكنه لم ينفرد بهذا الطريق؛ بل توبع عليه:
فأخرجه الطحاوي (١/٢٥٥) عن بكر بن بكار قال: ثنا علي بن مالك الرُّوَّاسي
- من أنفسهم - قال: سمعت عامراً يحدث به.
وعلي بن مالك هذا لم أعرفه، إلا أن يكون هو البصري، وهو ضعيف.
٣- عن قيس بن أبي حازم عن المغيرة مثله.
أخرجه الطحاوي من طريق جابر عنه.
وجابر - هو الجعفي -: ضعيف، لكن توبع عليه:
فقد ساقه بعده من طريق قيس بن الربيع وإبراهيم بن طَهْمان؛ كلاهما عن المغيرة
ابن شُبَيْل عن قيس بن أبي حازم به. وزاد: ثم قال ﷺ :
" إذا صلى أحدكم، فقام من الجلوس؛ فإن لم يستتم قائماً؛ فليجلس، وليس عليه
سجدتان، فإن استوى قائماً؛ فَلْيَمْضِ في صلاته، ولْيَسجد سجدتين وهو جالس ".
وهذا إسناد صحيح.
وقد روى المرفوعَ منه - من قوله ﵊ أبو داود (١/١٦٣) ، وابن
ماجه (١/٣٦٥) ، والبيهقي (٢/٣٤٣) ، وأحمد (٤/٢٥٣) من طريق جابر الجُعْفي عن
المغيرة بن شبيل.стр. 862
..............................................................................
الحواشي
(١) ولذلك ضعفه النووي في " المجموع " (٤/١٢٢) ، والحافظ في " التلخيص "
(٤/١٥٦) ، وذهلا عن رواية الطحاوي هذه الصحيحة المروية من طريق إبراهيم بن طهمان
- وهو ثقة من رجال " الصحيحين " -، مع متابعة قيس بن الربيع له - وهو صدوق حسن
الحديث -. وهذه فائدة قلما تجدها في كتاب (*) . والله الموفق.
الحديث الثالث: عن سعد بن أبي وقاص:
أنه نهض في الركعتين، فسبحوا به؛ فاستتم، ثم سجد سجدتي السهو حين
انصرف، وقال:
أكنتم تروني كنت أجلس؟! إنما صنعت كما رأيتُ رسولَ الله ﷺ يصنع.
أخرجه الحاكم (١/٣٢٢ - ٣٢٣) ، والبيهقي (٢/٣٤٤) ، وابن حزم (٤/١٧٤) من
طريق إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عنه. وقال الحاكم:
" صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.
ورواه الطحاوي (١/٢٥٦) من طريق بيانٍ أبي بِشْر الأحْمَسي قال: سمعت قيس
ابن أبي حازم به. دون قوله: إنما صنعت ... إلخ.
الحديث الرابع: عن أبي هريرة ﵁:
أن النبي ﷺ صلى بهم صلاة العصر أو الظهر فقام في ركعتين؛ فسبحوا له،
فمضى في صلاته، فلما قضى الصلاة؛ سجد سجدتين، ثم سلم. قال الهيثمي
(٢/١٥١) :
" رواه البزار، ورجاله ثقات ".
_________
(*) انظر الكلام على فقه الحديث - بتوسّع - في " الصحيحة " (١/٦٣٨ - ٦٣٩) .стр. 863
" إذا قعدتم في كل ركعتين؛ فقولوا: (التحيات ... إلخ) ، وليتخير
أحدكم من الدعاء أعجبه إليه، فَلْيَدْعُ الله [به] " (١) . الحواشي
(١) هو من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال:
كنا لا ندري ما نقول في كل ركعتين غير أن نسبح، ونكبر، ونحمد ربنا، وإن
محمداً ﷺ عُلّمَ فواتحَ الخيرِ وخواتمَه؛ فقال:
" إذا قعدتم ... " الحديث.
أخرجه النسائي (١/١٧٤) ، والطحاوي (١/١٥٥) ، والبيهقي (٢/١٤٨) ،
والطيالسي(٣٩) ، وأحمد (١/٤٣٧) ، والطبراني في " الكبير " ﴿ (٣/٢٥١/١) ﴾ وفي
" الصغير " أيضاً (ص ١٤٦) من طرق عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عنه.
وهذا سند صحيح على شرط مسلم.
ثم أخرجه أحمد (١/٤٢٣) من طريق سفيان عن الأعمش ومنصوروحُصَين بن
عبد الرحمن بن أبي هاشم وحماد عن أبي وائل، وعن أبي إسحاق عن أبي الأحوص
والأسود عن عبد الله به.
وحديث الأعمش عن أبي وائل شَقِيق بن سلمة؛ أخرجه الشيخان، وأصحاب
" السنن "، وغيرهم بلفظ:
" فإذا جلس أحدكم في الصلاة؛ فليقل: التحيات ... " إلخ.
وسيأتي لفظه بتمامه إن شاء الله تعالى [٨٩٣] . وهو بإطلاقه يؤيده رواية أبي
إسحاق المفصلة؛ كما هو ظاهر.
﴿قلت: وظاهر الحديث يدل على مشروعية الدعاء في كل تشهد، ولو كان لا
يليه السلام. وهو قول ابن حزم رحمه الله تعالى﴾ .стр. 864
وفي لفظ: " قولوا في كل جلسة: التحيات ... " (١) . وأمر به (المسيء
صلاته) أيضاً - كما تقدم آنفاً -. الحواشي
(١) أخرجه النسائي (١/١٧٤) من طريق زيد ابن أبي أُنيسة الجَزَري: أن أبا
إسحاق حدثه عن الأسود وعلقمة عن عبد الله بن مسعود قال:
كنا مع رسول الله ﷺ لا نعلم شيئاً، فقال لنا رسول الله ﷺ : ... فذكره.
وسنده صحيح أيضاً على شرط مسلم.
وقد استدل بالحديث من ذهب إلى وجوب التشهد الأول - وقد سبق ذكرهم قريباً -.
وممن ذهب إلى ذلك ابن حزم في " المحلى " (٣/٢٧٠) . ورواه النووي في " شرح
مسلم " عن فقهاء أصحاب الحديث؛ وذلك لأن الأصل في الأمر الوجوب، ولم يأتِ ما
يصلح أن يكون صارفاً له عن الوجوب. وقول النووي:
" إن النبي ﷺ لم يعلِّمه الأعرابيَّ حين علمه فروض الصلاة ".
ذهول منه؛ فإنه ﷺ علَّمه ذلك - كما في بعض الروايات في " سنن أبي داود " -.
وقد سبق بلفظ:
" فإذا جلست في وسط الصلاة؛ فاطمئن، وافترش فخذك اليسرى، ثم تشهد ".
والعجب من النووي كيف يجعل عدم ذكر هذا التشهد في حديث (المسيء) - بزعمه
- صارفاً للأمر به عن الوجوب، ثم لا يجعل عدم ذكر التشهد الأخير فيه صارفاً عن
الوجوب! بل يصرح في " المجموع " (٣/٤٦٢) بأن هذا فرض لا تصح الصلاة إلا به،
ويجيب عن حديث (المسيء) بقوله:
" قال أصحابنا: إنما لم يذكره له؛ لأنه كان معلوماً عنده ".
وهذه الحجة يستطيع كل أحد أن يقولها في كل ما هو واجب لم يأت ذكره في
حديث (المسيء) . قال الشوكاني (٢/٢٢٨) :стр. 865
و " كان ﷺ يعلمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن " (١) . الحواشي
(١) هو من حديث جمع من الصحابة ﵃:
منهم: عبد الله بن مسعود قال:
كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد، كما يعلمنا السورة من القرآن.
أخرجه أحمد (١/٣٩٤) من طريق شَرِيك عن جامع بن أبي راشد عن أبي وائل عنه.
وهذا سند حسن. وذكره في " المجمع " (٢/١٤٠) بزيادة:
ويقول: " تعلموا؛ فإنه لا صلاة إلا بتشهد ". وقال:
" رواه الطبراني في " الأوسط "، وفيه سعد بن سِنَان: ضعفه ابن معين. ورواه البزار
برجال موثقين، وفي بعضهم خلاف لا يضر إن شاء الله ".
وهو في " الصحيحين " من طريق أخرى بنحوه. وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى.
ومنهم: عبد الله بن عباس بلفظ ابن مسعود.
أخرجه مسلم (٢/١٤) ، والنسائي (١/١٨٨) ، وأحمد (١/٣١٥) من طريق
عبد الرحمن بن حُمَيد: ثنا أبو الزبير عن طاوس عنه.
ورواه الليث عن أبي الزبير عن سعيد بن جُبير وعن طاوس عنه به.
رواه مسلم وغيره - كما يأتي [ص ٨٩٥]-.
ومنهم: جابر بن عبد الله.
أخرج حديثه النسائي (١/١٧٥) ، وابن ماجه (١/٢٩٢) ، والطحاوي (١/١٥٦) ،стр. 866
الحواشي
(١) هو من حديث ابن مسعود ﵁ قال:
من السنة أن يُخفى التشهد.стр. 867
..............................................................................
الحواشي
(١) أخرجه أبو داود (١/١٥٦) ، والترمذي (٢/٨٤ - ٨٥) ، والحاكم (١/٢٦٧) ، وعنه
البيهقي (٢/١٤٦) من طريق محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه
عنه. وقال الترمذي:
" حسن غريب ". والحاكم:
" صحيح على شرط مسلم ". ووافقه الذهبي. كذا قالا!
لكن أخرجه الحاكم (١/٢٣٠) ، وعنه البيهقي من طريق أخرى عن العلاء بن
عبد الجبار العطار: ثنا عبد الواحد بن زياد: ثنا الحسن بن عُبيد الله عن عبد الرحمن بن
الأسود به. وقال:
" صحيح على شرطهما ". ووافقه الذهبي. وليس كما قالا؛ فإن الحسن بن عُبيد الله
- وهو: النَّخَعي - ليس من رجال البخاري، والعلاء بن عبد الجبار العَطَّار ليس من رجال
مسلم.
فالحديث صحيح فقط. وإنما رجاله رجال الصحيح. ثم قال الترمذي:
" والعمل عليه عند أهل العلم ". وقال النووي (٣/٤٦٣) :
" أجمع العلماء على الإسرار بالتشهدين، وكراهة الجهر بهما، واحتجوا له بحديث
ابن مسعود هذا ".стр. 868
صِيَغُ التشهد
وعلمهم ﷺ أنواعاً من صيغ التشهد:
١- تشهد ابن مسعود: قال:
الحواشي
(١) ١- وهو أصح التشهدات الواردة عنه ﷺ باتفاق المحدثين؛ قال الترمذي - بعد أن
ساقه -:
" حديث ابن مسعود قد رُوي عنه من غير وجه، وهو أصح حديث روي عن
النبي ﷺ في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومَن
بعدهم من التابعين، وهو قول سفيان الثوري، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق ". قال
الحافظ في " الفتح " (٢/٢٥١) :
" وقال البزار - لما سئل عن أصح حديث في التشهد؟ قال -: هو عندي حديث ابن
مسعود، وروي من نيف وعشرين طريقاً. ثم سرد أكثرها، وقال: لا أعلم في التشهد
أثبت منه ولا أصح أسانيدَ ولا أشهر رجالاً. اهـ.
ولا خلاف بين أهل الحديث في ذلك، وممن جزم بذلك البغوي في " شرح السنة ".
ومن رجحانه أنه متفق عليه دون غيره، وأن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا في
ألفاظه؛ بخلاف غيره، وأنه تلقاه عن النبي ﷺ تلقيناً ".
والحديث أخرجه الإمام أحمد (١/٤١٤) قال: ثنا أبو نُعيم: ثنا سَيف قال:
سمعت مجاهداً يقول: ثني عبد الله بن سَخْبَرة أبو مَعْمَر قال: سمعت ابن مسعود
يقول: ... فذكره.
وهذا إسناد صحيح جداً؛ مسلسل بالتحديث والسماع، وهو على شرط الشيخين.
وهكذا، وبهذا الإسناد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في " مسنده " وفي " مصنفه "стр. 869
..............................................................................
الحواشي
(٣٢١) ﴾ .
ورواه البخاري (١١/٤٧) بسند أحمد، لكنه قال:
قلنا: السلام - يعني: - على النبي ﷺ . فزاد لفظة: (يعني) . وقائلها هو البخاري؛
كما جزم به الحافظ؛ لرواية أحمد وابن أبي شيبة بدون هذه الزيادة، وطريقهما واحد.
وكذلك أخرجه البيهقي (٢/١٣٨) ، وكذا أبو عوانة في " صحيحه "، والسراج،
والجَوْزَقي، وأبو نعيم الأصبهاني من طرق متعددة إلى أبي نُعيم شيخ البخاري فيه بلفظ:
فلما قُبِضَ؛ قلنا: السلام على النبي. بحذف لفظة: (يعني) . كما في " الفتح "
أيضاً (٢/٢٥٠) .
وأخرجه النسائي (١/١٧٤ - ١٧٥) من طريق إسحاق بن إبراهيم - وهو ابن راهويه -
قال: أنبأنا الفَضْل بن دُكَين - وهو أبو نُعيم - به نحوه دون هذه الزيادة. والزيادة الأولى
عنده، وكذا البخاري.
وللحديث طرق أخرى، جاء في بعضها مسلسلاً بالأخذ باليد:
، فقال الإمام أحمد (١/٤٥٠) : ثنا حسين بن علي عن الحسن بن الحُرّ عن القاسم
ابن مُخَيْمِرة قال: أخذ علقمةُ بيدي قال: أخذ عبد الله بيدي قال:
أخذ رسول الله ﷺ بيدي؛ فعلمني التشهد في الصلاة: " التحيات ... " إلخ.
وهذا سند صحيح.
وهكذا أخرجه الدارقطني(١٣٤) من طرق عن الحسين بن علي.стр. 870
..............................................................................
الحواشي
(١٣٥) ، والطيالسي(٣٦) ، وأحمد (١/٤٢٢) من طرق عنه به.
لكن هذه الزيادة رفعها ضعيف، والصواب - كما بينه الدارقطني وغيره - أنها
مدرجة، وأنها من قول ابن مسعود نفسه؛ فقد رواه شبابة بن سوّار: ثنا زهير بن معاوية
به بلفظ: قال عبد الله: فإذا قلت هذا ... إلخ.
أخرجه الدارقطني(١٣٥) ، والبيهقي (٢/١٧٤) عنه. ثم قال الدارقطني:
" شبابة: ثقة، وقد فصل آخر الحديث؛ جَعَلَه من قول ابن مسعود، وهو أصح من
رواية من أدرج آخره في كلام النبي ﷺ .
وقد تابعه غسان بن الربيع وغيره؛ فرووه عن ابن ثوبان عن الحسن بن الحُرّ كذلك،
وجعل آخر الحديث من كلام ابن مسعود، ولم يرفعه إلى النبي ﷺ ".
ثم ساق حديث غسان في ذلك. وقد ذكر النووي (٣/٤٨١) اتفاق الحفاظ على أن
هذه الزيادة مدرجة؛ ليست من كلام النبي ﷺ ، وتبعه على ذلك الحافظ في " الدراية "(٨٨) ، ونص كلامه:
" واتفق الحفاظ على أن هذه الزيادة مدرجة من كلام ابن مسعود؛ منهم: ابن
حبان، والدارقطني، والبيهقي، والخطيب، وأوضحوا الحجة في ذلك ".
وقد ذكر كلماتهم الإمامُ الزيلعي في " نصب الراية " (١/٤٢٤ - ٤٢٥) . فليراجعها
من شاء.стр. 871
..............................................................................
الحواشي
(١٤٤) [للبخاري] .
_________
(*) هو أبو حمزة كما في " تراجم الأحبار من رجال شرح معاني الآثار " (٤/٣٧٧) .стр. 872
علَّمني رسولُ الله ﷺ التشهد -، [و] كَفِّي بين كَفَّيْه (١) -؛ كما يعلمني
السورة من القرآن (٢) : الحواشي
(١) ترجم له البخاري بقوله: (باب الأخذ باليدين. وصافح حمادُ بن زيد ابنَ
المبارك بيديه) . قال ابن بطال:
" الأخذ باليد هو مبالغة المصافحة، وذلك مستحب عند العلماء ".
قلت: والحديث ليس نصاً في ذلك؛ لأنه لم يرد في المصافحة عند اللقاء؛
فالدعوى أعم من الدليل، والظاهر عندي أنه ﷺ إنما أخذ بكفيه كفَّ ابن مسعود زيادة
اعتناء بتعليمه، ولَفْتَ اهتمامه إلى ذلك. فيستحب ذلك في مثل هذا الموضع.
وأما المصافحة المسنونة عند اللقاء؛ فإنما هي باليد الواحدة - كما تقتضيه اللغة -؛
ففي " النهاية ":
" المصافحة هي: مفاعلة؛ من إلصاق صفح الكف بالكف، وإقبال الوجه على الوجه ".
ويشهد لذلك الأحاديث الواردة في فضل المصافحة؛ كقوله ﷺ :
" إن المسلم إذا لقي أخاه، فأخذ بيده؛ تَحَاتَّتْ عنهما ذنوبهما؛ كما يَتَحَاتُّ الورق
عن الشجرة اليابسة في يوم ريح عاصف، وإلا؛ غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثل زبد البحر ".
رواه الطبراني بإسناد حسن (*) عن سلمان الفارسي. ورواه أحمد وغيره عن أنس بلفظ:
" ما من مسلمين التقيا، فأخذ أحدهما بيد صاحبه ... ". الحديث نحوه.
وفي الباب عن البراء.
رواه أحمد (٤/٢٨٩) وغيره.
وانظر " الترغيب "؛ فقد ذكر ﷺ الأخذ باليد الواحدة؛ فينبغي الوقوف عنده، وعدم
الزيادة عليه إلا بنص من عنده.(٢) قال في " المرقاة " (١/٥٥٧) :
_________
(*) وهو في " ضعيف الترغيب والترهيب "(١٦٢٨) ، ويغني عنه أحاديث أخرى في " صحيح
الترغيب " (٣/٣٢ - ٣٣) .стр. 873
" التحيات (١) لله، والصلوات (٢) ، والطيبات (٣) ، السلام عليك (٤) أيها النبي! الحواشي
(١) هي: جمع (تحية) . قيل: أراد بها السلام؛ يقال: حَيَّاك الله؛ أي: سلَّم
عليك. وقيل: (التحية) : الملك. وقيل: البقاء.
وإنما جمع التحية؛ لأن ملوك الأرض يُحَيَّوْن بتحيات مختلفة، فيقال لبعضهم:
أبيت اللعن. ولبعضهم: أنعم صباحاً. ولبعضهم: اسلم كثيراً. ولبعضهم: عش ألف
سنة. فقيل للمسلمين: قولوا: " التحيات لله ... "؛ أي: الألفاظ التي تدل على
السلام، والملك، والبقاء هي لله تعالى. والتحية: تَفْعِلة من (الحياة) ، وإنما أدغمت؛
لاجتماع الأمثال، والهاء لازمة، والتاء زائدة. كذا في " النهاية ".(٢) أي: الأدعية التي يراد بها تعظيم الله تعالى، هو مستحقها، لا تليق بأحد
سواه. اهـ. منه.
وقد قيل في تفسيرها غيرُ ذلك، فإن شئت؛ فراجعها في المطولات؛ كـ " فتح
الباري "، و " مرقاة المفاتيح " وغيرها.(٣) أي: ما طاب من الكلام، وحسن أن يُثنى به على الله، دون ما لا يليق
بصفاته؛ مما كان الملوك يُحَيَّوْن به. وقيل: الطيبات: ذكر الله. وقيل: الأقوال الصالحة؛
كالدعاء والثناء. وقيل: الأعمال الصالحة. وهو أعم. قال ابن دقيق العيد: ولعل
تفسيرها بما هو أعم أولى. ذكره في " الفتح " (٢/٢٤٩) .(٤) قيل: معناه: التعويذ بالله، والتحصين به؛ فإن السلام اسم له سبحانه، تقديره:
الله عليك حفيظ وكفيل. كما يقال: " الله معك "؛ أي: بالحفظ والمعونة واللطف (*) .
_________
(*) رجح هذا المعنى الشيخ ﵀ في " الصفة " المطبوع.стр. 874
ورحمة الله وبركاته (١) ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (٢) -[فإنه إذا الحواشي
(١) هو اسم لكل خير فائض منه تعالى على الدوام. وقيل: (البركات) : الزيادة
في الخير. " مرقاة ".(٢) الأشهر في تفسير (الصالح) : أنه القائم بما يجب عليه من حقوق الله، وحقوق
عباده، وتتفاوت درجاته. قال الترمذي الحكيم:
" من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلِّمُه الخلقُ في الصلاة؛ فليكن عبداً
صالحاً، وإلا؛ حُرم هذا الفضل العظيم ".
قال القفال في " فتاويه ":
" ترك الصلاة يضر بجميع المسلمين؛ لأن المصلي يقول: اللهم! اغفر لي وللمؤمنين
والمؤمنات، ولا بد أن يقول في التشهد: " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ".
فيكون مقصراً بخدمة الله، وفي حق رسوله، وفي حق نفسه، وفي حق كافة المسلمين؛
ولذلك عظمت المعصية بتركها ". كذا في " الفتح ".
(فائدة) : اشتهر أنه ﷺ لما عُرج به؛ أثنى على الله تعالى بهذه الكلمات؛ فقال الله
تعالى:стр. 875
قال ذلك؛ أصاب كُلَّ عبدٍ صالح في السماء والأرض] (*) -، أشهد أن لا اله
إلا الله (١) ،................................................................. الحواشي
(١) أي: لا معبود بحق في الوجود إلا الله الواجب الوجود لذاته تعالى. ذكره
القاري وغيره.
هذا هو معنى هذه الشهادة التي تحقن دم قائلها، وتنجيه يوم لقائه الله تعالى؛ إذا
عمل بمقتضاها، ولم يقتصرعلى التلفظ بها.
ولقد ضل كثير من المسلمين حين فهموا منها: أنه لا رب ولا خالق إلا الله تعالى.
وبنوا على ذلك: أن من عَبَدَ غيره تعالى بنوع من أنواع العبادات؛ كالاستغاثة بغيره
سبحانه، والذبح لغيره، وما شابه ذلك أنه صحيح الاعتقاد، سليم الإيمان! مع أن
حقيقة هذه الشهادة: توحيد الإله في هذه العبادات، وغيرها؛ فإنه هو الفارق بين المؤمن
الموحد، وبين الكافر المشرك؛ ذلك لأن المشركين الذين بعث إليهم رسول الله ﷺ كانوا
يعتقدون هذا المعنى الخاطئ لهذه الشهادة، ولكنهم كانوا يقتصرون على ذلك؛ فلا
يؤمنون بأن لا معبود بحق في الوجود إلا الله تعالى. فهم موحدون من ناحية، مشركون
من ناحية أخرى؛ موحدون في توحيد الربوبية، كافرون بتوحيد الألوهية. هذا هو الذيстр. 876
..............................................................................
الحواشي
(١) دل عليه القرآن الكريم بنصوصه الصريحة.
أما إيمانهم بتوحيد الربوبية وأنه: المتفرد بالخلق والرزق؛ فقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم
مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ . وقال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ
خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ . وقال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ.
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ.
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ. قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن
كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ
الحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ .
وأما كفرهم بتوحيد الألوهية - الذي هو المراد من هذه الشهادة -؛ فاقرأ قوله تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ . وكانوا إذا دعاهم ﷺ إلى الإيمان
بهذه الشهادة؛ يقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ﴿ص﴾ ] .
وكذلك كان كفر من قبلهم من المشركين؛ كانوا يكفرون بتوحيد الألوهية، وإلى هذا
التوحيد كان يدعوهم أنبياؤهم صلى الله عليهم وسلم؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ
أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [٧: ٦٥] . ﴿قَالُوا
أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [٧: ٧٠] . وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ
أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الآية [١١: ٦١] . ﴿قَالُوا يَا
صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا
تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [١١: ٦٢] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا
اللَّهَ﴾ أي قائلين لأممهم: أنِ اعبدوا الله وحده. فأفاد بقوله: في كل أمة: أن جميع
الأمم لم تُرسل إليهم الرسل إلا لطلب توحيد العبادة، لا للتعريف بأنه هو الخالق للعالَم،стр. 877
..............................................................................
الحواشي
(١) وأنه رب السماوات والأرض؛ فإنهم كانوا مُقِرّين بهذا بباعث الفطرة - كما سبق عن
الجاهليين -؛ ولهذا لم ترد الآيات في ذلك في الغالب؛ إلا بصيغة استفهام التقرير؛
نحو: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ . ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ﴾ .
﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ .
ومما سبق تعلم أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان شركاء لله تعالى في
الربوبية؛ أي: أنهم [ما] اعتقدوا فيهم أنهم شركاء لله في الخلق، والرزق، والإحياء،
والإماتة، كلا؛ فإنهم نفوا ذلك بأنفسهم، وإنما اتخذوهم شركاء لله سبحانه في العبودية
والألوهية؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى
اللَّهِ زُلْفَى﴾ [٣٨: ٣] . فهم مقِرّون بأن المقصود بالذات هو الله تعالى، وأنهم إنما عبدوا
أوثانهم؛ وسيلة توصلهم إلى الله.
وفي " صحيح مسلم " (٤/٨) ، و " المختارة " للضياء المقدسي عن ابن عباس:
كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك. قال. فيقول رسول الله ﷺ :
" ويلكم قَدْ قَدْ ". فيقولون: إلا شريكاً هو لك، تملِكه، وما ملك. يقولون هذا، وهم
يطوفون بالبيت!
ومعنى عبادة المشركين لأوليائهم وأصنامهم هو: أنهم خَصُّوهم بنوع من العبادات:
كالاستغاثة بهم، والنذر، والنحر لهم، وغيرها؛ مما يدل على منتهى الخشوع والخضوع،
وهم لم يفعلوا ذلك إلا لاعتقادهم أنها تقربهم إلى الله تعالى، وتشفع لهم لديه. فأرسل
الله الرسل تأمر بترك عبادة كل ما سواه. وأن هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد
باطل، والتقرب إليهم باطل، وأن ذلك لا يكون إلا لله وحده، وهو توحيد العبادة.
وقد كان المشركون، منهم: من يعبد الملائكة، وينادونهم عند الشدائد، ومنهم: من
يعبد تماثيل لبعض الصالحين، ويهتف بها عند الشدائد، فبعث الله إليهم محمداً ﷺ ؛стр. 878
..............................................................................
الحواشي
(١) يدعوهم إلى الله وحده بأن يفردوه بالعبادة - كما أفردوه بالربوبية -، وأن لا يدعوا مع الله
أحداً؛ قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ﴾ .
وأمر عباده أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . ولا يصدق قائل هذا إلا إذا أفرد
العبادة لله تعالى؛ وإلا كان كاذباً، منهياً عن أن يقول هذه الكلمة؛ إذ معناها: نخصك
بالعبادة ونفردك بها، وهو معنى قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ . ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ . كما
عرف من علم البيان: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر؛ أي: اعبدوا الله، ولا تعبدوا
غيره. واتقوه ولا تتقوا غيره.
فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له، والنداء في
الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستعانة بالله وحده، واللجوء إلى الله، والنذر
والنحر له تعالى، وجميع أنواع العبادات من الخضوع، والقيام لله تعالى، والركوع،
والسجود، والطواف، والتجرد عن الثياب، والحلق، والقصر كله لا يكون إلا لله عز
وجل، ومن فعل ذلك لمخلوق حي، أو ميت، أو جماد، أو غيره؛ فهذا شرك في العبادة
والألوهية، وفي النهي عن ذلك نزل قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ
أَحَدًا﴾ . وصار من يُفعل له هذه الأمور إلهاً لعابده سواء كان ملكاً، أو نبياً، أو ولياً، أو
قبراً، أو غير ذلك، وصار بهذه العبادة، أو بأي نوع منها عابداً لذلك المخلوق، وإن أقر بالله
وحده وعبده؛ فإن إقرار المشركين بالله، وتقربهم إليه؛ لم يخرجهم عن الشرك؛ قال الله
في الحديث القدسي:
" أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً، وأشرك فيه معي غيري؛ تركته
وشركه ".
أخرجه مسلم وغيره.стр. 879
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله " (١) .......................................... الحواشي
(١) اعلم أن هذه الشهادة قد جمعت له ﷺ صفتين لا يتم إيمان المرء به ﷺ إِلا إذا
تحقق بمعناهما.
الأولى: كونه ﷺ عبداً لله تعالى، كغيره من عباده تعالى، فهو مثلهم من هذه
الناحية، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ . وقال ﷺ :
" إنما أنا بشر مثلكم؛ أنسى كما تنسون، فإذا نسيت؛ فذكروني "(١) . وقال ﷺ :
" لا تُطْروني، كما أَطْرَتِ النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد. فقولوا: عبد الله
ورسوله "(٢) .
ولذلك فلا يجوز لمسلم يشهد هذه الشهادة أن ينزله ﷺ منزلة فوق التي أنزله الله
تعالى فيها؛ فإن ذلك مما لا يرضاه ﷺ ، كما قال في الحديث:
" أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله! ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي
التي أنزلني الله "(٣) . ولا أن يمدحه إلا بما مدحه الله به، أو بما صحت به
_________
(١ و ٢) متفق عليهما.(٣) رواه أحمد في " المسند " (٣/١٥٣ و ٢٤١ و ٢٤٩) بسند صحيح على شرط مسلم.стр. 880
..............................................................................
الحواشي
(١) .
ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديث لها في " الصحيحين ":
" ومن حدثكم أن محمداً ﷺ كان يعلم ما في غد؛ فقد أعظم على الله الفرية ".
فإذا كان هذا شأن من قال عنه ﷺ : إنه يعلم ما في غد؛ فما بال من يقول: إن من
بعض علومه علمَ اللوح والقلم؟! فلا جَرَم أن حَذَّرَنا ﷺ من الغلو في مدحه وتعظيمه؛
فإنه سبب هلاك الأمم قبلنا كما قال ﷺ :
" إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم غلوهم في دينهم "(٢) .
وأما الصفة الأخرى: فهي كونه ﷺ رسولاً اصطفاه الله تعالى، وخصه بالوحي
وأطلعه على بعض المغيبات، وذلك يستلزم الإيمان بكل ما قاله ﷺ ، وصح عنه من
التشريعات والإخبار بالمغيبات، سواء كان ذلك موافقاً لعقلك، أو بعيداً عن فهمك
وعقلك، يجب الإيمان بذلك كله، فمن لم يكن هذا موقفه معه ﷺ ؛ فهو لم يؤمن حق
الإيمان بأن محمداً رسول الله، فما تنفعه هذه الشهادة، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم،
_________(١) رواه البخاري.(٢) رواه مسلم.следующие страницы →