Полный текст (1 078 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
..............................................................................
الحواشي
(١) دل عليه القرآن الكريم بنصوصه الصريحة.
أما إيمانهم بتوحيد الربوبية وأنه: المتفرد بالخلق والرزق؛ فقال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم
مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ . وقال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ
خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ . وقال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ.
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ.
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ. قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن
كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ . وقال تعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ
السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ
الحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ .
وأما كفرهم بتوحيد الألوهية - الذي هو المراد من هذه الشهادة -؛ فاقرأ قوله تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ . وكانوا إذا دعاهم ﷺ إلى الإيمان
بهذه الشهادة؛ يقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ﴿ص﴾ ] .
وكذلك كان كفر من قبلهم من المشركين؛ كانوا يكفرون بتوحيد الألوهية، وإلى هذا
التوحيد كان يدعوهم أنبياؤهم صلى الله عليهم وسلم؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ
أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [٧: ٦٥] . ﴿قَالُوا
أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [٧: ٧٠] . وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ
أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ الآية [١١: ٦١] . ﴿قَالُوا يَا
صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا
تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [١١: ٦٢] . وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا
اللَّهَ﴾ أي قائلين لأممهم: أنِ اعبدوا الله وحده. فأفاد بقوله: في كل أمة: أن جميع
الأمم لم تُرسل إليهم الرسل إلا لطلب توحيد العبادة، لا للتعريف بأنه هو الخالق للعالَم،стр. 877
..............................................................................
الحواشي
(١) وأنه رب السماوات والأرض؛ فإنهم كانوا مُقِرّين بهذا بباعث الفطرة - كما سبق عن
الجاهليين -؛ ولهذا لم ترد الآيات في ذلك في الغالب؛ إلا بصيغة استفهام التقرير؛
نحو: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ . ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ﴾ .
﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ .
ومما سبق تعلم أن المشركين لم يتخذوا الأصنام والأوثان شركاء لله تعالى في
الربوبية؛ أي: أنهم [ما] اعتقدوا فيهم أنهم شركاء لله في الخلق، والرزق، والإحياء،
والإماتة، كلا؛ فإنهم نفوا ذلك بأنفسهم، وإنما اتخذوهم شركاء لله سبحانه في العبودية
والألوهية؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى
اللَّهِ زُلْفَى﴾ [٣٨: ٣] . فهم مقِرّون بأن المقصود بالذات هو الله تعالى، وأنهم إنما عبدوا
أوثانهم؛ وسيلة توصلهم إلى الله.
وفي " صحيح مسلم " (٤/٨) ، و " المختارة " للضياء المقدسي عن ابن عباس:
كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك. قال. فيقول رسول الله ﷺ :
" ويلكم قَدْ قَدْ ". فيقولون: إلا شريكاً هو لك، تملِكه، وما ملك. يقولون هذا، وهم
يطوفون بالبيت!
ومعنى عبادة المشركين لأوليائهم وأصنامهم هو: أنهم خَصُّوهم بنوع من العبادات:
كالاستغاثة بهم، والنذر، والنحر لهم، وغيرها؛ مما يدل على منتهى الخشوع والخضوع،
وهم لم يفعلوا ذلك إلا لاعتقادهم أنها تقربهم إلى الله تعالى، وتشفع لهم لديه. فأرسل
الله الرسل تأمر بترك عبادة كل ما سواه. وأن هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد
باطل، والتقرب إليهم باطل، وأن ذلك لا يكون إلا لله وحده، وهو توحيد العبادة.
وقد كان المشركون، منهم: من يعبد الملائكة، وينادونهم عند الشدائد، ومنهم: من
يعبد تماثيل لبعض الصالحين، ويهتف بها عند الشدائد، فبعث الله إليهم محمداً ﷺ ؛стр. 878
..............................................................................
الحواشي
(١) يدعوهم إلى الله وحده بأن يفردوه بالعبادة - كما أفردوه بالربوبية -، وأن لا يدعوا مع الله
أحداً؛ قال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ﴾ .
وأمر عباده أن يقولوا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . ولا يصدق قائل هذا إلا إذا أفرد
العبادة لله تعالى؛ وإلا كان كاذباً، منهياً عن أن يقول هذه الكلمة؛ إذ معناها: نخصك
بالعبادة ونفردك بها، وهو معنى قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ . ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ . كما
عرف من علم البيان: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر؛ أي: اعبدوا الله، ولا تعبدوا
غيره. واتقوه ولا تتقوا غيره.
فإفراد الله تعالى بتوحيد العبادة لا يتم إلا بأن يكون الدعاء كله له، والنداء في
الشدائد والرخاء لا يكون إلا لله وحده، والاستعانة بالله وحده، واللجوء إلى الله، والنذر
والنحر له تعالى، وجميع أنواع العبادات من الخضوع، والقيام لله تعالى، والركوع،
والسجود، والطواف، والتجرد عن الثياب، والحلق، والقصر كله لا يكون إلا لله عز
وجل، ومن فعل ذلك لمخلوق حي، أو ميت، أو جماد، أو غيره؛ فهذا شرك في العبادة
والألوهية، وفي النهي عن ذلك نزل قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ
أَحَدًا﴾ . وصار من يُفعل له هذه الأمور إلهاً لعابده سواء كان ملكاً، أو نبياً، أو ولياً، أو
قبراً، أو غير ذلك، وصار بهذه العبادة، أو بأي نوع منها عابداً لذلك المخلوق، وإن أقر بالله
وحده وعبده؛ فإن إقرار المشركين بالله، وتقربهم إليه؛ لم يخرجهم عن الشرك؛ قال الله
في الحديث القدسي:
" أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً، وأشرك فيه معي غيري؛ تركته
وشركه ".
أخرجه مسلم وغيره.стр. 879
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله " (١) .......................................... الحواشي
(١) اعلم أن هذه الشهادة قد جمعت له ﷺ صفتين لا يتم إيمان المرء به ﷺ إِلا إذا
تحقق بمعناهما.
الأولى: كونه ﷺ عبداً لله تعالى، كغيره من عباده تعالى، فهو مثلهم من هذه
الناحية، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ . وقال ﷺ :
" إنما أنا بشر مثلكم؛ أنسى كما تنسون، فإذا نسيت؛ فذكروني "(١) . وقال ﷺ :
" لا تُطْروني، كما أَطْرَتِ النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد. فقولوا: عبد الله
ورسوله "(٢) .
ولذلك فلا يجوز لمسلم يشهد هذه الشهادة أن ينزله ﷺ منزلة فوق التي أنزله الله
تعالى فيها؛ فإن ذلك مما لا يرضاه ﷺ ، كما قال في الحديث:
" أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله! ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي
التي أنزلني الله "(٣) . ولا أن يمدحه إلا بما مدحه الله به، أو بما صحت به
_________
(١ و ٢) متفق عليهما.(٣) رواه أحمد في " المسند " (٣/١٥٣ و ٢٤١ و ٢٤٩) بسند صحيح على شرط مسلم.стр. 880
..............................................................................
الحواشي
(١) .
ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديث لها في " الصحيحين ":
" ومن حدثكم أن محمداً ﷺ كان يعلم ما في غد؛ فقد أعظم على الله الفرية ".
فإذا كان هذا شأن من قال عنه ﷺ : إنه يعلم ما في غد؛ فما بال من يقول: إن من
بعض علومه علمَ اللوح والقلم؟! فلا جَرَم أن حَذَّرَنا ﷺ من الغلو في مدحه وتعظيمه؛
فإنه سبب هلاك الأمم قبلنا كما قال ﷺ :
" إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم غلوهم في دينهم "(٢) .
وأما الصفة الأخرى: فهي كونه ﷺ رسولاً اصطفاه الله تعالى، وخصه بالوحي
وأطلعه على بعض المغيبات، وذلك يستلزم الإيمان بكل ما قاله ﷺ ، وصح عنه من
التشريعات والإخبار بالمغيبات، سواء كان ذلك موافقاً لعقلك، أو بعيداً عن فهمك
وعقلك، يجب الإيمان بذلك كله، فمن لم يكن هذا موقفه معه ﷺ ؛ فهو لم يؤمن حق
الإيمان بأن محمداً رسول الله، فما تنفعه هذه الشهادة، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم،
_________(١) رواه البخاري.(٢) رواه مسلم.стр. 881
[وهو بين ظهرانَيْنَا (١) ، فلما قُبِضَ؛ قلنا: السلام على النبي] (٢) . الحواشي
(١) بفتح النون، وسكون التحتانية، ثم نون. أصله: (ظهرنا) . والتثنية باعتبار
المتقدم عنه والمتأخر؛ أي: كائن بيننا. والألف والنون زيادة للتأكيد، ولا يجوز كسر النون
الأولى. قاله الجوهري وغيره. كذا في " الفتح ".(٢) قال الحافظ رحمه الله تعالى (١١/٤٧) :
" هذه الزيادة، ظاهرها أنهم كانوا يقولون: السلام عليك أيها النبي! - بكاف الخطاب -
في حياة النبي ﷺ ، فلما مات النبي ﷺ ؛ تركوا الخطاب، وذكروه بلفظ الغَيْبة؛ فصاروا
يقولون: السلام على النبي ". وقال في موضع آخر (٢/٢٥٠) :
" قال السبكي في " شرح المنهاج " - بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة
وحده -: " إن صح هذا عن الصحابة؛ دلَّ على أن الخطاب في السلام بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَстр. 882
..............................................................................
الحواشي
(١) غير واجب، فيقال: السلام على النبي ".
قلت: قد صح بلا ريب، وقد وجدت له متابعاً قوياً؛ قال عبد الرزاق: أخبرنا ابن
جريج: أخبرني عطاء:
أن الصحابة كانوا يقولون والنبي ﷺ حي: (السلام عليك أيها النبي!) ، فلما
مات؛ قالوا: (السلام على النبي) .
وهذا إسناد صحيح.
وأما ما روى سعيد بن منصور من طريق أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه:
أن النبي ﷺ علّمهم التشهد ... فذكره. قال: فقال ابن عباس:
إنما كنا نقول: السلام عليك أيها النبي! إذ كان حياً. فقال ابن مسعود:
هكذا عُلِّمْنا، وهكذا نُعَلِّم.
فظاهرٌ أن ابن عباس قاله بحثاً، وأن ابن مسعود لم يرجع إليه، لكن رواية أبي معمر
أصح ﴿ (يعني: رواية البخاري) ﴾ ؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، والأسناد إليه - مع
ذلك - ضعيف ".
وقد نقل كلامَ الحافظ هذا جماعةٌ من العلماء المحققين؛ أمثال: القسطلاني في
شرحه على البخاري، والزرقاني في " المواهب اللَّدُنِّية " وفي شرحه على " الموطأ "،
وعبد الحي اللكنوي في " التعليق الممجد "، وارتضوه؛ حيث إنهم أقروه ﴿ولم يتعقّبوه
بشيء﴾ .
هذا؛ والظاهر أن الصحابة ﵃ لم يصيروا إلى القول: (السلام على
النبي) - بلفظ الغَيْبَةِ - إلا بتوقيف من النبي ﷺ ؛ إذ لا مجال للاجتهاد أو القياس في
مثل هذا المقام؛ بل هو عين الابتداع في الدين، وحاشا الصحابة من ذلك، لا سيما ابنстр. 883
..............................................................................
الحواشي
(١) مسعود ﵁، الذي اشتهر من بينهم بشدة محاربته للبدع - مهما كان نوعها -،
وقصته في إنكاره على الذين كانوا يذكرون الله مجتمعين، ويعدون التسبيح والتحميد
بالحصى أشهر من أن تذكر، وهو القائل ﵁:
اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كُفِيْتُم، عليكم بالأمر العتيق.
ولذا كان يأخذ على أصحابه الواو في التشهد. كما رواه الطحاوي (١/١٥٧) ،
والبزار في " مسنده " بإسناد صحيح.
فمن كان هذا شأنه من التحري في الاتباع؛ كيف يعقل أن يتصرف فيما عَلَّمه
رسول الله ﷺ إياه من التشهد بدون إذن منه؟! هذا غير معقول.
أضف إلى ذلك أنه ليس منفرداً بذلك عن الصحابة؛ بل قد نقل هو نفسه - وهو
الثقة العدل - ذلك عن الصحابة بدون خلاف بينهم، فمن تبعهم على ذلك؛ فـ ﴿أُوْلَئِكَ
عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .
﴿ويؤيده: أن عائشة ﵂ كذلك كانت تعلمهم التشهد في الصلاة:
" السلام على النبي ".
رواه السراج في " مسنده " (ج ٩/١/٢) ، والمخلص في " الفوائد " (ج ١١/٥٤/١)
بسندين صحيحين عنها﴾ (*) .
_________
(*) قال الشيخ ﵀ في مقدمة " صفة الصلاة " المطبوع (ص ١٧ - ٢٥/ ط المعارف) :
" وقد كنت وقفت على رسالة صغيرة للشيخ عبد الله الغماري، أسماها: " القول المقنع في الرد
على الألباني المبتدع "! لا تتجاوز صفحاتها أربعاً وعشرين صفحة من الحجم الصغير! تعرض فيها للرد
عليَّ في بعض ما كنت رددت عليه بالحق، وبالتي هي أحسن؛ ما وقع له من أخطاء حديثية في =стр. 884
..............................................................................
الحواشي
(١) ...........................................
_________
= تعليقاته على رسالة الشيخ العلامة العز بن عبد السلام: " بداية السول في تفضيل الرسول "؛ التي
حققتها من بعده، وعلقت عليها تعليقات مفيدة، بينت في بعضها جهل الشيخ الغماري بهذا العلم،
وتقصيره في تخريج الأحاديث، وبيان مراتبها صحةً أو ضعفاً، وتقليده للترمذي في التحسين؛ لعجزه
عن التحقيق، وتجويده لبعض الأحاديث الضعيفة، فألف هو رسالته المذكورة تشفياً وانتقاماً بالباطل،
والتي يليق بها أن تسمى بـ: (القول المقذع) ؛ لكثرة ما فيها من السباب والشتائم والنبز بالألقاب مع
البهت والافتراء؛ مما كنت بينت بعض ذلك في مقدمة المجلد الثالث من " الأحاديث الضعيفة " (ص ٨
- ٤٤) ...
وكان مما تعرض لإنكاره علي - في ذلك (القول المقذع) ! - وشغب به علي ونسبني بسببه إلى
قلة الفهم، والضعف في الاستنباط؛ ما سيأتي في الكتاب (ص ١٦١) [هو هنا (ص ٨٨٤ - ٨٨٥) ]
من حمل قول ابن مسعود في التشهد:
فلما قُبض (يعني: النبي ﷺ ؛ قلنا: السلام على النبي؛ أن هذا كان بتوقيف منه ﷺ .
فسود الغماري خمس صفحات (ص ١٣ - ١٨) ؛ ليثبت - بزعمه - من وجوه كثيرة أن ذلك كان
اجتهاداً من ابن مسعود ومن وافقه!!
ولما كانت هذه المقدمة لا تتسع لمناقشتها واحدة واحدة؛ فلا بد من إيجاز الكلام عليها ببيان
يجتثها من أصولها كلها، ويجعلها هباءً منثوراً بإذنه تعالى، وفي الوقت نفسه فيه فائدة هادية - إن شاء
الله تعالى - لكل حريص على اتباع الحق، وإيثاره على ما وجد عليه الآباء، أو الجمهور من الناس،
فأقول:
من الواضح جداً أنه لا يعقل أن يتوجه من كان دون الصحابة علماً وتُقىً وخوفاً من الله تعالى،
وإيماناً بقوله تعالى في حق نبيه ﷺ : ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ؛ لا يعقل أبداً
أن يتوجه إلى تعليم من تعاليمه ﷺ :
كقوله: " السلام عليك أيها النبي! ". فيغيره؛ فيجعله: "السلام على النبي "!
أو إلى تعليمه ﷺ السلام على أهل القبور: " السلام عليكم أهل الديار ... ". فيجعله: " السلام
على أهل القبور ... "!
فكيف يعقل أن يرتكب مثل هذا التغييرأصحاب النبي ﷺ ، وبخاصة منهم عبد الله بن مسعود
الذي اشتهر من بينهم بشدة محاربته للبدع - مهما كان نوعها -؛ وقصة إنكاره على الذين كانوا
يجتمعون في المسجد حلقات، وفي وسط كل حلقة رجل يقول لمن حوله: سبحوا كذا، كبروا =стр. 885
..............................................................................
الحواشي
(١) ...........................................
_________
= كذا ... إلخ، وأمام كل واحد منهم حصى يعد به التسبيح والتكبير ... إلخ؛ أشهر من أن تذكر.
(انظر " ردي على الشيخ الحبشي ") .
وقوله ﵁:
اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم، عليكم بالأمر العتيق.
ونحو ذلك مما هو مأثور عنه، ومذكور في محله، وبخاصة أنه ثبت عنه ﵁ أنه:
كان يأخذ على أصحابه الألف والواو في التشهد إذا علمهم.
كما رواه ابن أبي شيبة (١/٢٩٤) ، والطحاوي (١/١٥٧) ؛ بسند صحيح عنه.
ثم إن الصحابة الذين هم على علم بتعليم النبي ﷺ صيغة السلام عليه في التشهد؛ قد قالوا
بعد أن مات ﷺ :
" السلام على النبي ".
كما رواه عبد الرزاق بسنده الصحيح عن عطاء بن أبي رباح - كما قال الحافظ ابن حجر على ما
سيأتي في الكتاب (ص ١٦٢) [وقد تقدّم هنا (ص ٨٨٤) ]-.
ولما كان مثل هذا النص قاصمة ظهر الغماري ومن كان على شاكلته من أهل الأهواء؛ فقد كابر
على عادته وأعله بقوله (ص ١٤) :
" عنعنه ابن جريج كما في " مصنف عبد الرزاق " (ج ٢ ص ٢٠٤) ، وابن جريج مدلس؛ فلا يقبل
ما عنعنه ".
والجواب من وجهين:
الأول: نعم؛ ابن جريج مدلس، ولكن قد صح عنه أنه قال:
" إذا قلتُ: قال عطاء؛ فأنا سمعتهُ منه، وإن لم أقل: (سمعتُ) ".
فإذا قيل: في قوله: " عن عطاء " أنه كقوله: " قال عطاء؛ فلا يضر عدم تصريحه بالسماع
- كما هو الظاهر -، ولعل هذا من الأعذار في إخراج الشيخين لحديثه المعنعن عن عطاء.
والآخر: أن الغماري تجاهل - كما هي عادته في طمس الحقائق - أن ابن جريج قال في رواية
الحافظ عن عبد الرزاق: " أخبرني عطاء ". فزالت شبهة تدليسه؛ ولذلك صححه الحافظ.
فكان على الغماري: إما أن يسلم بهذا كله، وإمأ أن يجيب عن ذلك بما يدفع التصحيح، ولكنه
لم يصنع شيئاً من ذلك؛ بل لجأ إلى المثل العامي (الهرب نصف الشجاعة) ! =стр. 886
..............................................................................
الحواشي
(١) ...........................................
_________
= والظاهر أن العنعنة في " المصنف " هي من الأخطاء الكثيرة التي وقعت في أصله؛ كما يبدو لمن
يدقق في تعليقات محققه الشيخ الأعظمي عليه. ومن الغرائب أن محققه علق عليه بقوله:
" كنز العمال ٤/٤٦٦٨ ". كذا قال، ولم يزد. وذلك هو التحقيق!
وبالرجوع إلى هذا الرقم وجدت الأثر فيه كما في " الفتح ": عن ابن جريج: أخبرني عطاء ...
من رواية عبد الرزاق؛ فكان على الأعظمي أن ينبه على هذه الفائدة؛ ليسد الطريق على من قد يستغل
هذه العنعنة، كما فعل الغماري! ولكن ما يدريني.. لعل الأعظمي تعمد ذلك؛ لأنه خلاف مذهبه!
ويشترك مع الغماري في اتباع الهوى والإعراض عن الحجة والدليل عند مخالفة المذهب!
ثم رجعت إلى " الجامع الكبير " للسيوطي الذي هو أصل " الكنز "؛ فوجدته مطابقاً له. وبذلك
ثبت هذا الأثر، وقامت الحجة على الغماري المغمور بالهوى، والعياذ بالله تعالى.
ومن كبره وبطره للحق - وحكمه معروف عند أهل الحديث! - أنني لما أيدت قول ابن مسعود وأنه
بتوقيف منه ﷺ بأثر عائشة أنها كانت تعلمهم التشهد في الصلاة:
السلام على النبي. كما يأتي معزواً لمصدرين مخطوطين ما رآهما الغماري ولا في المنام! لم يزد
على قوله (ص ١٥) :
" وهذا الكلام يدل على جهل عريض (!) وقد أغرب بعزو أثر عائشة إلى (السراج) و (المخلص)
خلص الله الألباني من جهله، مع أنه في (مصنف ابن أبي شيبة) و (مصنف عبد الرزاق) ".
قلت: فليتأمل القارئ المنصف وقاحة هذا المغمور؛ كيف يرميني بالجهل لمجرد أَنْ جئته من
مصدرين لا يعرفهما، ثم يخرس عن الجواب عن التأييد الذي كان الواجب عليه أن يقبله، ويخضع
للحق الذي معي، أو يجيب عنه بجواب علمي ان كان عنده؟! وهيهات هيهات؛ إذ لو كان؛ لما وقع
في مثل هذه الجهالة التي يترفع عنها حتى السُّوقة! فالله المستعان.
ومن خباثته وتدليساته على قرائه قوله (ص ١٥) :
" روى الطبراني بإسناد صحيح عن الشعبي قال: كان ابن مسعود يقول بعد " السلام عليك أيها
النبي! ورحمة الله وبركاته ": " السلام علينا من ربنا ". [قال:]
" فهذه الجملة زادها ابن مسعود اجتهاداً منه، فكلذلك تغيير صيغة السلام من الخطاب إلى الغيبة
اجتهاداً (!) منه ".
قلت: والجواب من ستة وجوه: =стр. 887
..............................................................................
الحواشي
(١) ...........................................
_________
الأول: أن يقال لك: أثبت العرش ثم انقش؛ فإن هذا الأثر لا يصح عن ابن مسعود رضي الله
عنه! بل هو محكي عنه - كما يأتي -.
وقولك: " بإسناد صحيح عن الشعبي ".
فيه تدليس خبيث على عامة القراء الذين لا ينتبهون لما في قولك هذا من التدليس؛ فهلا قلت:
إسناده صحيح عن ابن مسعود؟! لم تقل ذلك؛ لأنك تعلم - إن شاء الله - أن الشعبي - واسمه: عامر
ابن شراحيل - لم يسمع من ابن مسعود - كما قال ابن أبي حاتم، والدارقطني، والحاكم، والمزي
والعلائي، وابن حجر، وغيرهم - وهذا هو السر في اقتصار الهيثمي في " مجمع الزوائد " (٢/١٤٣) -
بعد أن عزاه للطبراني (وهو فيه ٩/٢٧٦/٩١٨٤) [على قوله]-:
" ورجاله رجال " الصحيح " ".
فلم يصححه؛ لأن هذا القول منه ومن غيره لا يعني أنه صحيح - كما نبهت عليه في غير ما
موضع من كتبي -؛ لهذا لجأتَ إلى التدليس على القراء، ولم تقل: إسناده صحيح عن ابن مسعود.
ولو فعلتَ؛ لافْتَضَحْتَ!
الثاني: هب - جدلاً - أنه صح عن ابن مسعود؛ فهذا قد يفيدك - لو كان وحده - في سلام
الغيبة؛ فيكون اجتهاداً منه، فأين أنت من سائر الصحابة الذين وافقوه وفيهم السيدة عائشة؟! أفكلهم
اجتهدوا وتجرأوا على تغيير النص؟! وأنت وحدك عرفت النص ولزمته؟! مع أنك خالفت نصوصاً
كثيرة، منها زيادتك (السيادة) في الصلاة الإبرإهيمية!
لا شك أن الذي يحملك على مثل هذا التناقض إنما هو الهوى! والله المستعان.
الثالث: هب أنهم كلهم اجتهدوا؛ أفكلهم أخطأوا، وأنت ومن على شاكلتك أصابوا؟!
الرابع: قولك: " فهذه الجملة زادها ... ".
خطأ محض؛ لأن الجملة - عند البلاغيين والنحويين - كل كلام اشتمل على مُسْنَدٍ ومُسْنَد إليه،
وهنا لا شيء من ذلك سوى:
" من ربنا ".
فهل هذه جملة عند (العلامة الغماري) الذي رشح نفسه - بل فرض نفسه - مجدد هذا القرن
في بعض رسائله الأخيرة؟! أم هو من باب التدليس أيضاً على القراء، وإيهامهم أن ابن مسعود زاد في
التشهد جملة تامة! وحاشاه من أن يزيد في تعليمه ﷺ ولو حرفاً واحداً -، كيف وهو ينكره على
أصحابه - كما سبق -؟! =стр. 888
..............................................................................
الحواشي
(١) ...........................................
_________
= الخامس: لا شك أن هذه الزيادة منكرة لا يجوز نسبتها إلى ابن مسعود ﵁؛ لما تقدم
بيانه من انقطاع إسنادها، ولمنافاتها لما عرف عنه من الحرص على الاتباع، ونهيه الشديد عن
الابتداع، ومن ذلك إنكاره على من زاد في التشهد:
" وحده لا شريك له " - كما سيأتي [هنا (ص ٩٠٣) ]-. وقوله ﵁:
اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة.
السادس: ذكر الغماري أن البيهقي روى في " سننه " عن عائشة قالت:
هذا تشهد النبي ﷺ : التحيات لله ... إلى آخره. ونقل عن النووي أنه قال:
" إسناده جيد، وهو يفيد أن تشهد النبي ﷺ مثل تشهدنا، وهي فائدة حسنة ".
وأقول: أما أن إسناده جيد؛ فليس بجيد؛ لأن فيه صالح بن محمد بن صالح التمَّار، وهو غير
معروف العدالة، أورده البخاري في " التاريخ " (٢/٢/٢٩١) ، وساق له إسناداً من روايته عن أبيه عن
سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه: قال النبي في سعد بن معاذ: ... قال البخاري:
" وخالفه شعبة عن سعد عن أبي أمامة بن سهل عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ... وهذا
أصح ".
ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، على أن المخالفة المرجوحة تتردد بينه وبين أبيه محمد بن صالح،
وهو ثقة، في حفظه كلام؛ فيمكن أن تكون المخالفة منه، ويمكن أن تكون من ابنه صالح.
وعلى كل حال فهو مجهول، لا ينبغي تجويد إسناد مثله، وبخاصة أن الحافظ ابن حجر قد أعلَّ
حديث عائشة هذا بالوقف؛ تبعاً للدارقطني. فانظر " التلخيص " (٣/٥١٤) .
وقول النووي:
" ... مثل تشهدنا ". يعني: تشهد الشافعية الذي اختاروه من رواية ابن عباس، وليس كما قال؟ لأن تشهدهم فيه:
" المباركات ".
وهذا غير موجود في حديث عائشة هذا؛ بل هو كحديث ابن مسعود بالحرف الواحد.
نعم؛ قبل هذه الرواية عند البيهقي رواية أخرى عن عائشة موقوفة فيها:
" الزاكيات ".. مكان: " المباركات ". وفيها أيضاً:
" السلام على النبي "؛ بصيغة الغَيْبة! =стр. 889
..............................................................................
الحواشي
(١) ...........................................
_________
= ففيها ردٌّ لشغب الغماري ومرواغته - لو كان فيه بقية من إنصاف واعتراف بالحق -.
ومما ذكرنا يتبين للقراء تدليس آخر للشيخ الغماري؛ إذ لا علاقة لكلام النووي بما نحن فيه؛ لأن
النووي ﵀ على ما في كلامه من الخطأ - لم يكن في صدد ترجيح لفظ: " السلام عليك " في
(التشهد) على لفظ: " السلام على النبي "، كما يلبّس الغماري على قرائه؛ وإنما هو في صدد ترجيح
تشهد ابن عباس على تشهد ابن مسعود.
والأمر عندي في هذا واسع، فبأي صيغة من الصيغ الثابتة عن النبي ﷺ تشهد المصلي؛ فقد
أصاب السنة، وإن كان تشهدُ ابن مسعود أصحَّ روايةً باتفاق العلماء؛ لاتفاق الرواة له على روايته بلفظ
واحد دون زيادة حرف أو نقص، ومن ذلك تفصيله ﵁ بين ما كان الصحابة يقولونه في
حال حياته في السلام عليه بلفظ الخطاب، وما كانها يقولونه بعد وفاته بلفظ الغيبة؛ بتوقيف
منه ﷺ ؛ ولذلك كانت السيدة عائشة تعلمهم التشهد بلفظ الغيبة - كما تقدم -.
وهذه المسألة ونحوها مما لا يمكن معرفة الصواب فيها إلا بالرجوع إلى ما كان عليه السلف
الصالح، وبخاصة أصحاب النبي ﷺ منهم؛ نُلِحُّ دائماً في دروسنا ومحاضراتنا أنه لا يكفي إذا دعَونا
الناس إلى العمل بالكتاب والسنة أن نقتصر على هذا فقط في الدعوة؛ بل لا بد من أن نضم إلى ذلك
جملة: (على منهج السلف الصالح) أو نحوها؛ لقيام الأدلة الشرعية على ذلك، وهي مذكورة في غير
هذا الموضع.
لا بد من ذلك، وخصوصاً في هذا العصر، حيث صارت الدعوة إلى الكتاب والسنة (موضة)
العصر الحاضر، ودعوة كل الجماعات الإسلامية، والدعاة الإسلاميين - على ما بينهم من اختلافات
أساسية أو فرعية -، وقد يكون فيهم من هو من أعداء السنة عملياً، ومن يزعم أن الدعوة إليها يفرق
الصف! عياذاً بالله منهم.
أسأل الله تعالى أن يحيينا على السنة، وأن يميتنا عليها؛ متبعين لمن أثنى الله ﵎ عليهم
بقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا
عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
وأن يجعلنا ممن قال فيهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ
سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ .стр. 890
وكانوا قبل ذلك ١ [قبل أن يفرض التشهد (١) ] يقولون: الحواشي
(١) قال في " التلخيص " (٣/٥٠٣) :
" واستدل به على فرضية التشهد الأخير، ولقوله: " قولوا ". وبوب عليه النسائي
(إيجاب التشهد) ، وساقه من طريق سفيان عن الأعمش ومنصور عن شَقِيق عن ابن
مسعود. قال ابن عبد البر في " الاستذكار ":
تفرد ابن عيينة بقوله: قبل أن يفرض ".
قلت: ابن عيينة: ثقة حافظ؛ فلا يضر تفرده. ولذلك صححه الحافظ، وكذا
الدارقطني - كما يأتي -.
ويشهد لها ماتقدم مرفوعاً:
" لا صلاة إلا بتشهد ".
ورواه الطبراني في " الأوسط " من حديث علي بنحوه بلفظ:
" لا صلاة لمن لا تشهد له ". قال الهيثمي (٢/١٤٠) :
" وفيه الحارث، وهو ضعيف ".
ورواه البيهقي (٢/١٣٩) موقوفاً على عمر.
وسنده صحيح.
ثم إن الحديث لم يقيد التشهدَ بالأخير؛ فحصرُ دلالته على فرضية الأخير - كما
فعل الحافظ -؛ ليس كما ينبغي.стр. 891
السلام على الله قَبْلَ (١) عباده، ٢ [السلام علينا من ربنا] ، السلام على
جبريل، السلام على ميكائيل (٢) ، السلام على فلان ٣ [فلان]- ٤ [يعنون (٣)
الملائكة]-، فلما انصرف النبي ﷺ ٥ [ذات يوم] ؛ أقبل علينا بوجهه، فقال:
" ٦ [لا تقولوا: السلام على الله. فـ] إن الله هو السلام (٤) ، فإذا جلس
أحدكم في الصلاة؛ فليقل:
" التحيات ... " فذكره إلى آخره (٥) .
وقال بعد قوله: " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ": الحواشي
(١) في " صحيح البخاري ": بفتح القاف، وسكون الموحدة. ووقع في بعض النسخ
منه: بكسر القاف، وفتح الموحدة. ويؤيده - كما قال الشيخ علي القاري - ما وقع في
رواية للبخاري بلفظ: السلام على الله من عباده.(٢) زاد الدارمي: السلام على إسرافيل. ولكني في شك من ثبوت هذه الزيادة،
وأخشى أن تكون غير محفوظة.(٣) وللإسماعيلي من رواية علي بن مسهر: فَنَعدُّ الملائكة. ومثله للسراج من رواية
محمد بن فضيل عن الأعمش بلفظ: فنعدُّ من الملائكة ما شاء الله. كذا في " الفتح ".(٤) قال الشيخ علي القاري: " لأن معنى السلام عليك هو: الدعاء بالسلامة من
الآفات؛ أي: سلمت من المكاره أو من العذاب، وهذا لا يجوز لله تعالى؛ فإن الله هو
السلام؛ أي: هو الذي يعطي السلامة لعباده، فَأَنَّى يدعى له، وهو المدعو على الحالات؟! ".(٥) هو من حديث ابن مسعود أيضاً، ولفظه:
كنا إذا صلينا مع النبي ﷺ ؛ قلنا: ... فذكره بزيادة:
" ثم يتخير من الكلام ما شاء ". وسيأتي الكلام على هذه الزيادة في آخر الصلاة
إن شاء الله تعالى [ص ٩٩٨ - ١٠٠٠، ١٠٠٢ - ١٠٠٣] .стр. 892
" فإنه إذا قال ذلك؛ أصابَ كلَّ عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض " (١) . الحواشي
(١٣٣) ، وعنه البيهقي (٢/١٣٨) . وقال
الد ارقطني:
" هذا إسناد صحيح ". وكذا قال الحافظ في " الفتح " (٢/٢٤٩) . وهو على شرط الشيخين.
ثم الحديث له طرق أخرى عن أبي وائل: عند النسائي، وأحمد، وله عنده
(١/٤١٣) طريق آخر عن ابن مسعود نحوه.(١) استدل به على أن الجمع المضاف، والجمع المحلى بالألف واللام يعم؛ لقوله
أولاً:стр. 893
٢- تشهد ابن عباس قال:
كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد، كما يعلمنا [السورة من] القرآن؛
فكان يقول:
الحواشي
(١٣٣) ، والبيهقي (٢/١٤٠) ، وأحمد (١/٢٩٢) من
طرق عن الليث بن سعد عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير وطاوس عنه.
والزيادة الأولى: هي عند مسلم، وابن ماجه. وهي عند مسلم، ﴿وأبي عوانة
[٢/٢٢٨] ﴾ وغيرهما من طريق آخر عن أبي الزبير - وقد مضى [ص ٨٦٧]-.
والزيادة الأخرى: هي عند الجميع؛ حاشا أحمد، وكذا الطحاوي.
وأما الرواية الأولى: في تنكير " السلام " في الموضعين؛ فهي عند الشافعي فيстр. 894
" التحيات، المباركات، الصلوات، الطيبات لله (١) ، السلام (وفي
رواية: سلام) (٢) عليك أيها النبي! ورحمة الله وبركاته، السلام (وفي
رواية: سلام) علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله،
و [أشهد] أن محمداً رسول الله (وفي رواية: عبده ورسوله) ". الحواشي
(١) قال النووي في " شرح مسلم ":
" تقديره: والمباركات، والصلوات، والطيبات - كما في حديث ابن مسعود وغيره -،
ولكن حذفت الواو اختصاراً، وهو جائز معروف في اللغة.
ومعنى الحديث: إن التحيات وما بعدها مستحقة لله تعالى، ولا تصلح حقيقتها
لغيره ".(٢) قال في " المجموع " - بعد أن ذكر الروايتين (٣/٤٦٠) -:
" واتفق أصحابنا على أن جميع هذا جائز، لكن الألف واللام أفضل؛ لكثرته في
الأحاديث، وكلام الشافعي، ولزيادته؛ فيكون أحوط، ولموافقته سلام التحلل من
الصلاة ".стр. 895
٣- تشهد ابن عمر:
عن رسول الله ﷺ أنه قال في التشهد:
" التحيات لله، [و] الصلوات، [و] الطيبات، السلام عليك أيها النبي
الحواشي
(١٣٤) ،
والبيهقي (٢/١٣٩) ، والضياء المقدسي في " المختارة "؛ كلهم من طريق نصر بن
علي: ثني شعبة عن أبي بشر سمعت مجاهداً يحدث عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ به.
وهذا إسناد صحيح - كما قال الدارقطني، وكذا الحافظ في " الفتح " (٢/٢٥١) -،
وهو على شرط مسلم. والزيادتان عند الدارقطني، والمقدسي، وكذا البيهقي في نسخة.
ثم قال الدارقطني:
" وقد تابعه على رفعه ابن أبي عدي عن شعبة، ووقفه غيرهما ". كذا قال. وخالفه
البيهقي؛ حيث يقول:
" ورواه ابن أبي عدي عن شعبة؛ فوقفه، إلا أنه رده إلى حياة النبي ﷺ ؛ فقال:
كنا نقولها في حياته، فلما مات؛ قلنا: السلام على النبي ورحمة الله. وكان محمد بن
إسماعيل البخاري يرى رواية سيف عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود هي
المحفوظة؛ دون رواية أبي بشر. والله تعالى أعلم ".
قلت: يحتمل أن يكون لمجاهد روايتان:
إحداهما: عن أبي معمر عن ابن مسعود. وقد مضت.
والأخرى: عن عبد الله بن عمر.
أقول هذا؛ لأن أبا بشر هذا: ثقة، قد أخرجا له في " الصحيحين " عن مجاهد،
واسمه: جعفر بن إياس؛ فتوهيمه ليس بالهين، لا سيما وقد ثبت في " الموطأ "стр. 896
ورحمة الله - قال ابن عمر: زدت فيها (١) : وبركاته -، السلام علينا، وعلى
عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله - قال ابن عمر: وزدت فيها (١) :
وحده لا شريك له -، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ". الحواشي
(١) الظاهر أن هذه الزيادة لم يكن تلقاها ابن عمر منه ﷺ مباشرة؛ فزادها، ليس
اختراعاً وابتداعاً لها من عند نفسه، بل نقلاً عن غيره من الصحابة، الذين رووا التشهد
عنه ﷺ بهذه الزيادة الأولى.
وأما الأخرى: فهي ثابتة في تشهد أبي موسى الآتي بعده، ويشهد لهذا الاحتمالстр. 897
..............................................................................
الحواشي
(١) ما رواه الإمام أحمد (٢/٦٨) قال: ثنا عَفان: ثنا أَبَان بن يزيد: ثنا قتادة: ثني عبد الله
ابن بابي المكي قال:
صليت إلى جنب عبد الله بن عمر، فلما قضى الصلاة؛ ضرب بيده على فخذه،
فقال:
ألا أعلمك تحية الصلاة كما كان رسول الله ﷺ يعلمنا؛ فتلا عليَّ هؤلاء الكلمات.
يعني: قول أبي موسى الأشعري في التشهد.
هكذا أخرجه أحمد.
وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وقد رواه الطحاوي (١/١٥٥) عن ابن مرزوق قال: ثنا عفان بن مسلم به. إلا أنه
قال: فتلا هؤلاء الكلمات. مثل ما في حديث ابن مسعود عن النبي ﷺ .
ورواية أحمد أصح عندي من رواية ابن مرزوق. فقد رجع أمر هاتين الزيادتين إلى
كونهما مرفوعتين إلى النبي ﷺ في حديث ابن عمر، لكنه لم يسمعهما منه ﷺ
مباشرة؛ بل بواسطة أبي موسى. هذا ما يقتضيه الجمع بين روايتي حديث ابن عمر.
والله أعلم.стр. 898
٤- تشهد أبي موسى الأشعري قال:
قال رسول الله ﷺ :
" ... وإذا كان عند القعدة؛ فليكن من أول قول أحدكم: التحيات،
الطيبات، الصلوات (١) لله، السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله وبركاته،
السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا
شريك له] ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، [سبع كلمات هن تحية
الصلاة] ". الحواشي
(١) وفي لفظ: " الزاكيات ".. بدل: " الصلوات ".стр. 899
٥- تشهد عمر بن الخطاب:
كان ﵁ يعلِّم الناس التشهد وهو على المنبر؛ يقول:
" قولوا:
التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات [لله] ، السلام عليك ... (والباقي
مثل تشهد ابن مسعود) ".
الحواشي
(١٠٧) .
والطحاوي (١/١٥٤) ، والبيهقي (٢/١٤٤) عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن
الزبير عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري:
أنه سمع عمر بن الخطاب وهو على المنبر، يعلم الناس ... إلخ.
وهذا سند صحيح - كما قال الزيلعي (١/٤٢٢) -، ورجاله رجال الستة. والزيادة
للبيهقي.
ثم أخرجه من طريق معمر عن الزهري به دونها. قال معمر:
كأن الزهري يأخذ به، ويقول: علَّمه الناسَ على المنبر، وأصحاب رسول الله ﷺ
متوافرون لا ينكرونه. قال معمر: وأنا آخذ به.
ثم رواه مالك وغيره عن عائشة بنحوه؛ موقوفاً بتقديم وتأخير.стр. 900
٦- ﴿تشهد عائشة:
قال القاسم بن محمد: كانت عائشة تعلِّمنا التشهد، وتشيرُ بيدها
تقول:
" التحيات، الطيبات، الصلوات، الزاكيات لله، السلام على
النبي ... " إلى آخر تشهد ابن مسعود﴾ .
الحواشي
(١) فإن قيل: هذا موقوف. فكيف أخرجته في كتابك، وقد اشترطت فيه ألا تذكر فيه
إلا المرفوع؟! فالجواب أني إنما أوردته لأمرين:
الأول - وهو الأقوى -: أن حكمه الرفع؛ كما قال ابن عبد البر؛ قال:
" لأنه من المعلوم أنه لا يقال بالرأي، ولو كان رأياً؛ لم يكن هذا القول من الذكر
أولى من غيره من سائر الذكر ".
والآخر: هو أنه قد أخذ به أحد الأئمة الأربعة واختاره؛ وهو الإمام مالك رحمه
الله، فكان من اللائق إيراده.
٦- ﴿أخرجه ابن أبي شيبة (١/٢٩٣) ، والسَّراج، والمخلِّص - كما تقدم
[ص ٨٨٥]-، والبيهقي (٢/١٤٤) والسياق له﴾ .
واعلم أن للمصلي أن يختار من هذه التشهدات ما شاء منها، فكلها صحيحة
ثابتة وإن كان العلماء قد اختلفوا في أفضلها - كما سبق -؛ فقد اتفقوا - أو كادوا - على
أنه بأيها تشهد أجزأه؛ قال في " المجموع " (٣/٤٥٧) - بعد أن ساق التشهدات المذكورة؛
حاشا تشهد ابن عمر -:
" فهذه الأحاديث الواردة في التشهد كلها صحيحة، وأشدها صحة باتفاق المحدثين:
حديث ابن مسعود، ثم حديث ابن عباس. قال الشافعي والأصحاب: وبأيها تشهد؛стр. 901
..............................................................................
الحواشي
(١٠٩) :
" ولكلٍّ وجوهٌ توجب ترجيح ما ذهب إليه، والخلاف إنما هو في الأفضلية، كما صرح
به جماعة من أصحابنا، ويشير إليه كلام محمد هاهنا (وهو قوله: التشهد الذي ذكر كله
حسن، وليس يشبه تشهد ابن مسعود) ، فما اختاره صاحب " البحر " من تعيين
تشهد ابن مسعود وجوباً، وكون غيره مكروهاً تحريماً؛ مخالف للدراية والرواية؛ فلا يعول
عليه ".
﴿ [تنبيه] : ليس في كل الصيغ المتقدمة زيادة: " ومغفرته ". فلا يعتد بها، ولذلك
أنكرها بعض السلف:
فروى الطبراني (٣/٥٦/١) بسند صحيح عن طلحة بن مصَرِّف قال: زاد ربيع بن
خُثَيْم في التشهد [بعد] وبركاته: " ومغفرته "! فقال علقمة:
نقف حيث عُلِّمنا: السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله وبركاته.
وعلقمة تلقى هذا الاتباع من أستاذه عبد الله بن مسعود ﵁؛ فقد روي
عنه.
أنه كان يعلم رجلاً التشهد، فلما وصل إلى قوله: " أشهد أن لا إله إلا الله "؛ قال
الرجل: وحده لا شريك له. فقال عبد الله: هو كذلك، ولكن ننتهي إلى ما عُلِّمنا.
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (رقم ٢٨٤٨ - مصورتي) بسند صحيح؛ إن كان
المُسَيَّب الكاهلي سمع من ابن مسعود﴾ .стр. 902
الصلاةُ على النبيِّ ﷺ ، ومَوْضِعُها، وصِيَغُها
وكان ﷺ يصلي على نفسه في التشهد الأول وغيره (١) .
وسَنَّ ذلك لأمته؛ حيث أمرهم بالصلاة عليه بعد السلام عليه (٢) . الحواشي
(١) [رواه] أبو عوانة في " صحيحه " (٢/٣٢٤) ، ﴿والنسائي﴾ .(٢) قلت: فكما أن السلام عليه ﷺ يشرع في كل تشهد، فكذلك تشرع الصلاة
عليه ﷺ بعد كل تشهد، سواء في الجلوس الأول أو الآخر؛ لعموم الأدلة، وإطلاقها:
فمنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا
عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . قال ابن القيم في كتابه القيم " جلاء الأفهام "(٢٤٩) :
" فدل على أنه حيث شرع التسليم عليه شرعت الصلاة عليه؛ ولهذا سأله أصحابه
عن كيفية الصلاة عليه وقالوا: قد علمنا كيف نسلم عليك؛ فكيف نصلي عليك؟ فدل
على أن الصلاة عليه مقرونة بالسلام عليه ﷺ ، ومعلوم أن المصلي يسلم على النبي ﷺ
- يعني: في التشهد الأول -؛ فيشرع له أن يصلي عليه ﷺ ".
ومنها: الأحاديث الكثيرة الواردة في الصلاة عليه ﷺ ، وهي على نوعين:
مقيدة بالصلاة، ومطلقة.
والأولى على قسمين: منها ما هو مقيد بالتشهد، ومنها ما هو مطلق.
أما القسم الأول: ففيه أربعة أحاديث:
الأول: عن ابن مسعود مرفوعاً:
" إذا تشهد أحدكم في الصلاة؛ فليقل: اللهم! صلِّ على محمد ... " إلى
آخرها.
أخرجه الحاكم (١/٢٦٩) ، وعنه البيهقي (٢/٣٧٩) عن يحيى بن السَّبَّاق عن رجلстр. 903
..............................................................................
الحواشي
(١٣٥) من طريق محمد بن بكر
البُرْساني: نا عبد الوهاب بن مجاهد: ثني مجاهد قال: ثني عبد الرحمن بن أبي ليلى أو
أبو معمر عنه.
وضعفه الدارقطني - وتبعه الهيثمي (٢/١٤٥) - بابن مجاهد هذا؛ فقالا:
" ضعيف ".
الثالث: عن ابن عمر مثله.
أخرجه الدارقطني(١٣٤) من طريق خارجة بن مصعب عن موسى بن عُبيدة عن
عبد الله بن دينار عنه. وقال:
" موسى بن عبيدة وخارجة: ضعيفان ".
الرابع: عن بريدة مرفوعاً:
" يا بريدة! إذا جلست في صلاتك؛ فلا تترك التشهد والصلاة عليَّ؛ فإنها زكاةُ
الصلاة ".стр. 904
..............................................................................
الحواشي
(١٣٦) عن عمرو بن شِمْر عن جابر عن عبد الله بن بريدة
عنه. وقال:
" عمرو بن شِمْر وجابر: ضعيفان ".
وهذه الأحاديث وإن كانت أسانيدها ضعيفة؛ فمجموعها صالح للاحتجاج بها إن
شاء الله تعالى؛ لا سيما وأنها مؤيدة بالقسم الثاني، وفيه ثلاثة أحاديث:
الأول: عن كعب بن عجرة عن النبي ﷺ :
أنه كان يقول في الصلاة:
" اللهم! صل على محمد ... " إلخ.
أخرجه الإمام الشافعي في " الأم " (١/١٠٢) : أخبرنا إبراهيم بن محمد قال: ثني
سعد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه.
وإبراهيم بن محمد هذا: ضعيف. وقال ابن القيم(١٥) :
" كان الشافعي يرى الاحتجاج به على عُجَرِهِ وبُجَرِهِ، وقد تكلم فيه مالك والناس ".
الثاني: عن أبي هريرة أنه قال:
يا رسول الله! كيف نصلي عليك - يعني: في الصلاة -؟ قال:
" قولوا: اللهم! صلِّ على محمد ... " إلخ.
أخرجه الشافعي أيضاً عن شيخه هذا بإسناده عنه. لكن يشهد له:
الحديث الثالث: عن أبي مسعود عقبة بن عمرو قال:
أقبل رجل حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ ونحن عنده؛ فقال: يا رسول الله!
أما السلام عليك؛ فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا - صلى
الله عليك -؟ قال: فَصَمَت رسول الله ﷺ حى أحببنا أن الرجل لم يسأله. فقال:стр. 905
..............................................................................
الحواشي
(١٣٥) ، والبيهقي (٢/١٤٦ و ٣٧٨) ،
وأحمد (٤/١١٩) عن محمد بن إسحاق قال: وثني - في الصلاة على رسول الله ﷺ
إذا المرء المسلم صلى عليه في صلاته - محمدُ بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن محمد
ابن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري عنه.
وهذا إسناد حسن متصل - كما قال الدارقطني -.
وأما قول الحاكم (١/٢٦٨) - بعد أن ساقه من هذا الوجه -:
" صحيح على شرط مسلم ".
فليس بصواب؛ وإن وافقه الذهبي؛ لأن ابن إسحاق إنما خرَّج له مسلم في المتابعات
- كما سبق التنبيه عليه مراراً -.
على أنه قد تكلم بعضهم في حديثه هذا؛ لأنه تفرد بقوله: إذا نحن صلينا في
صلاتنا. مع أن بعض الرواة عن ابن إسحاق لم يذكرها - كما ذكر ذلك ابن القيم بما هو
مبين في كتابه " الجلاء ". فراجعه (٤ - ٦) -.
وقد روى الحديث مسلم وغيره، وليس فيه هذه الزيادة، وسيأتي ذكره قريباً إن شاء
الله تعالى (*) .
أما قوله: أما السلام عليك؛ فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك؟
فهو ثابت في غير ما حديث - كما سنذكره -.
وأما النوع الآخر من الأحاديث؛ فسيأتي ذكر كل منها في موضعه إن شاء الله
تعالى.
_________
(*) انظر - لزاماً - (ص ٩٢٢) .стр. 906
..............................................................................
الحواشي
(١) وقد قال العلماء - كالبيهقي، وابن كثير، والعسقلاني -:
ومعنى قولهم: (هذا السلام عليك قد عَلِمْناه) : هو ما علّمهم إياه في التشهد من
قولهم: (السلام عليك أيها النبي! ورحمة الله وبركاته) .
فهو دليل واضح على مشروعية الصلاة عليه ﷺ في التشهد الأول أيضاً؛ لوجود
السلام عليه فيه. ويؤيد ذلك الأحاديثُ التي قبله.
وإلى هذا ذهب الشافعي ﵀ كما نص عليه في " الأم " (١/١٠٢ و ١٠٥) -،
وهو الصحيح عند أصحابه؛ كما صرح به النووي في " المجموع " (٣/٤٦٠) ، ثم قال:
" والصحيح أنها تُسَنُّ، وهو نص الشافعي في " الأم " و " الإملاء ".
﴿واستظهره في " الروضة " (١/٢٦٣ - طبع المكتب الإسلامي) .
وهو اختيار الوزير ابن هبيرة الحنبلي في " الإفصاح "؛ كما نقله ابن رجب في " ذيل
الطبقات " (١/٢٨٠) وأ قره﴾ .
وقد عقد ابن القيم فصلاً خاصاً للصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول، وذكر
اختلاف العلماء في ذلك، وساق أدلة المجيزين والمستحِبين، وهي بعض الأحاديث التي
أوردناها في النوع الأول؛ كحديث ابن عمر، وبريدة؛ وقال:
" وهذا يعم الجلوس الأول والآخر ".
ثم ذكر لهم حجة أخرى؛ وهي الآية التي مر ذكرها مع كلام ابن القيم عليها، ثم قال:
" ولأنه - يعني: التشهد الأول - مكانٌ شرع فيه التشهد، والتسليم على النبي ﷺ ؛
فشرع فيه الصلاة عليه كالتشهد الأخير، ولأن التشهد الأول محل يستحب فيه ذكر
الرسول ﷺ ؛ فاستحب فيه الصلاة عليه؛ لأنه أكمل لذكره ".стр. 907
..............................................................................
الحواشي
(١) ثم ساق أدلة المانعين المخالفين، وليس فيها ما ينبغي الاشتغال بالإجابة عنه، إلا
قولهم:
إن التشهدَ الأولَ تخفيفُه مشروعٌ، وكان النبي ﷺ إذا جلس فيه؛ كأنه على
الرَّضْفِ. وقولهم:
إنه لم يثبت عنه ﷺ أنه كان يفعل ذلك فيه.
والجواب عن الأول:
إن الحديث المذكور ضعيف لا يصح الاحتجاج به؛ لأنه من رواية أبي عبيدة بن
عبد الله بن مسعود عن أبيه، ولم يسمع منه - كما تقدم ذلك مراراً -.
أخرجه أصحاب " السنن " - إلا ابن ماجه -، والحاكم (١/٢٦٩) ، والبيهقي
(٢/١٣٤) ، والطيالسي (ص ٤٤) ، وأحمد (١/٣٨٦ و ٤١٠ و ٤٢٨ و ٤٣٦ و ٤٦٠) من طرق
عن سعد بن إبراهيم عنه. وقال الحاكم:
" صحيح على شرط الشيخين ". وتعقبه الذهبي بقوله:
" ينظر؛ هل سمع سعد من أبي عبيدة؟ ".
وهذا ليس بشيء؛ فقد صرح سعد بسماعه من أبي عبيدة في رواية الطيالسي،
والترمذي، وهو يرويه عنه، وكذا صرح به في رواية لأحمد. وإنما علته الحقيقية ما أشرنا
إليه آنفاً، وقد ذكرها الترمذي أيضاً حيث قال:
" هذا حديث حسن، إلا أن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ".
ويتعجب منه كيف جمع بين تحسين الحديث وذكرِ علته التي تمنع الحكم عليه
بالحسن، مع العلم بأنه ليس له طريق إلا هذه!стр. 908
..............................................................................
الحواشي
(١) وقد نقل النووي في " المجموع " (٣/٤٦٠) كلامه مختصراً، وتعقبه حيث قال:
" قال الترمذي: هو حديث حسن. وليس كما قال؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع أباه،
ولم يدركه باتفاقهم. وهو حديث منقطع ".
وكذلك أعله الحافظ في " التلخيص " (٣/٥٠٦) ؛ قال:
" وهو منقطع؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه، قال شعبة عن عمرو بن مُرَّة: سألت
أبا عبيدة: هل تذكر من عبد الله شيئاً؟ قال: لا. رواه مسلم وغيره ".
على أن الحديث لو صح؛ لم يكن فيه دليل على ما ذكروا؛ فقد قال الشوكاني
(٢/٢٤٢) - بعد أن ذكر الخلاف في وجوب الصلاة على النبي ﷺ ، وساق أدلة
الفريقين -:
" ولكن تخصيص التشهد الأخير بها مما لم يدل عليه دليل صحيح ولا ضعيف،
وجميع هذه الأدلة التي استدل بها القائلون بالوجوب لا تختص بالأخير، وغاية ما
استدلوا به على تخصيص الأخير بها حديث ابن مسعود هذا، وليس فيه إلا مشروعية
التخفيف، وهو يحصل بجعله أخف من مقابله - أعني: التشهد الأخير -، وأما أنه
يستلزم ترك ما دل الدليل على مشروعيته فيه؛ فلا، ولا شك أن المصلي - على أحد
التشهدات، وعلى أخصر ألفاظ الصلاة عليه ﷺ (قلت: كالنوعين الأخيرين) - كان
مسارعاً غاية المسارعة باعتبار ما يقع من تطويل الأخير؛ بالتعوذ من الأربع، والأدعية
المأمور بمطلقها ومقيدها فيه ".
وأما الجواب عن قولهم: إنه لم يثبت عنه ﷺ أنه كان يفعل ذلك فيه؛ فهو
المعارَضَةُ بأن يقال: كذلك لم يثبت عنه ﷺ أنه كان يفعل ذلك في التشهد الأخير؛
أفيدل ذلك على عدم المشروعية؟ كلا.стр. 909
..............................................................................
الحواشي
(١) وتوضيح ذلك: أن الأمور الشرعية تثبت إما بقوله ﷺ ، أو بفعله، أو بتقريره، وليس
من الضروري أن تجتمع هذه الأمور الثلاثة في إثبات أمر واحد اتفاقاً.
وعليه؛ فهذه الأدلة التي سقناها، والتي سيأتي ذكرها - كما أنها تدل على
مشروعية الصلاة عليه ﷺ في التشهد الأخير؛ فكذلك - تدل على مشروعيتها في
الجلوس الأول بعمومها وإطلاقها - كما تقدم -.
نعم؛ لو صح ما يقيد ذلك من الأدلة؛ لأخذنا بها؛ حملاً للمطلق على المقيد،
ولكنه لم يصح - كما علمت -.
على أنه قد بقي علينا أن ننبه على بعض الروايات التي تصلح دليلاً على ذلك من
حيث ظاهر معناها، وإن كانت لا تصلح لذلك من حيث ضعف سندها؛ وهي روايتان:
الأولى: عن ابن مسعود قال:
علَّمني رسول الله ﷺ التشهد في وسط الصلاة وفي آخرها ... الحديث وفيه: قال:
ثم إن كان في وسط الصلاة؛ نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها؛
دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو، ثم يسلم.
أخرجه أحمد، وكذا ابن خزيمة - كما في " التلخيص " (٣/٥٠٧) -.
وهو حديث ضعيف - كما سبق بيانه في (جلسة التشهد) -.
والأخرى: عن عائشة:
أن رسول الله ﷺ كان لا يزيد في الركعتين على التشهد.
أخرجه أبو يعلى من طريق أبي الحويرث عنها. قال الهيثمي (٢/١٤٢) :
" والظاهر أن أبا الحويرث هذا هو خالد بن الحويرث، وهو ثقة ".стр. 910
..............................................................................
الحواشي
(٤٣٧٣) -، ولعله تصحّف على الهيثمي!
وانظر (ص ١٧٧ - ١٧٨) .стр. 911
وعلمهم أنواعاً من صيغ الصلاة عليه ﷺ (١) :
١- " اللهم! صلِّ على........................................................ الحواشي
(١) اعلم أنه قد جاءت صيغ كثيرة في الصلاة عليه ﷺ ، حتى جمعها بعض
المتقدمين فبلغت ثمانياً وأربعين كيفية؛ منها عن النبي ﷺ ست وثلاثون، والباقي عن
الصحابة والتابعين. وقد أورد منها صديق حسن خان في " نزل الأبرار" (١٦٧ - ١٧١)
نحو ثلاثين كيفية، كلها مرفوعة إلا واحدة، ولكني أرى أنهم قد توسعوا في ذلك بما
كانوا في غنى عنه؛ فقد ذكروا في أثناء ذلك روايات ضعيفة لا تصح - كما سيأتي
التنبيه على بعضها إن شاء الله تعالى-، وفي الصحيح ما يغني عنها، بل استخرجوا من
الرواية الواحدة عن صحابي واحد عدة صيغ وكيفيات، وليس هذا بجيد؛ فإنما نشأ ذلك
من اختلاف الرواة، فكان ينبغي الأخذ بالزائد، وضمه إلى الأصل - كما هو صنيعنا في
هذا الكتاب -. وسيأتي التنبيه على بعض الأمثلة في ذلك إن شاء الله تعالى.
١- هو من حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ :
أنه كان يقول: ... فذكره.
أخرجه الإمام أحمد (٥/٣٧٤) : ثنا عبد الرزاق: ثنا معمر عن ابن طاوس عن أبي
بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عنه.
وهذا إسناد صحيح. رجاله كلهم ثقات رجال الستة.
وقد أخرجه الطحاوي في " المشكل " (٣/٧٤) من طريق أحمد بن صالح قال: ثنا
عبد الرزاق به.
لكنه اختصره؛ فلم يقل: " كما صليت على آل إبراهيم ... ". كما أنه لم يذكر:
" وبارك على محمد ... " إلخ.
واتفقا على زيادة:стр. 912
محمدٍ (١) ، وعلى أهلِ بيتِهِ (٢) ،............................................ الحواشي
(١) قال العلماء: معنى صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه عند ملائكته. ومعنى
صلاة الملائكة عليه: الدعاء له والاستغفار. ومعنى صلاة الآدميين: الدعاء والتعظيم
لأمره. وقيل: صلاة الرب: الرحمة. وقد رد هذا القول المحققون من العلماء؛ كالحافظ
ابن حجر العسقلاني، وقبله ابن القيم في كتابه " الجلاء ".
وقد ساق في بيان ضَعْفِ ذلك خمسة عشر وجهاً؛ أولها: أن الله سبحانه فرق بين
صلاته على عباده ورحمته؛ فقال ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا
لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ . فعطف
الرحمة على الصلاة؛ فاقتضى ذلك تغايُرَهما، هذا أصل العطف. وأما قولهم: و (ألفى قولها
كذباً وَمَيْناً) : فهو شاذ نادر لا يحمل عليه أفصح الكلام، مع أن المين أخص من الكذب. قال:
" فمعنى الصلاة: هو الثناء على الرسول، والعناية به، وإظهار شرفه وفضله
وحرمته؛ كما هو المعروف عند العرب ". قال:
" وإن ذُكِرت صلّى عليها وزمزما. أي: برَّك عليها ومدحها. ولا تعرف العرب قط
(صلى عليه) بمعنى (رحمه) ". وقال الحافظ في " الفتح " (١١/١٣٠) :
" وأولى الأقوال ما تقدم عن أبي العالية: أن معنى صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه
وتعظيمه. وصلاة الملائكة وغيره عليه: طلب ذلك له من الله تعالى، والمراد: طلب
الزيادة؛ لا طلب أصل الصلاة ".(٢) في " القاموس ":
" أهل الرجل: هم عشيرته، وذوو قرباه ".стр. 913
وعلى أزواجِه (١) ،.......................................................... الحواشي
(١) جمع (زوج) . وقد يقال: جمع (زوجة) . والأول أفصح، وبها جاء القرآن؛ قال
تعالى لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ . وأزواجه ﷺ اللاتي دخل بهن إحدى
عشرة:
١- خديجة بنت خويلد. ماتت سنة ثلاث قبل الهجرة.
٢- زينب بنت خزيمة الهلالية. ماتت سنة أربع بعد الهجرة.стр. 914
وذُرِّيَّتِه (١) ؛..................................................................... الحواشي
(١) بضم المعجمة؛ من (ذرأ الله الخلق) . أي: نشرهم وأظهرهم. إلا أن الهمزة
سُهِّلَت لكثرة الاستعمال. هذا هو الأصح في اشتقاقها - كما في " الجلاء " (١٧٢ -
١٧٣) - وهي الأولاد وأولادهم.
وهل يدخل فيها أولاد البنات؟ فيه خلاف بين الشافعي وأبي حنيفة؛ فأثبت ذلك
الأول، ونفاه الآخر، وتوسط أحمد في رواية؛ فقال:
" كل من انقطع نسبه من جهة الأب إما بلِعانٍ أو غيره؛ قامت أمه في النسب مقام
أبيه وأمه ". قال ابن القيم(١٧٧) :стр. 915
كما صليتَ على آلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ (١) مجيدٌ.
وبارِكْ (٢) على محمدٍ، وعلى أهلِ بيتِه، وعلى أزواجِه، وذريّتِه؛ كما
باركتَ على آل إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ ".
﴿وهذا كان يدعو به هو نفسه ﷺ ﴾ . الحواشي
(١) هو فعيل، من (الحمد) بمعنى: محمود، وأبلغ منه. وهو من حصلت له من
صفات الحمد أكملها.
وأما (المجيد) : فهو من (المجد) ، وهو صفةُ مَن كَمُلَ في الشرف. وهو مستلزم
للعظمة والجلال، كما إن الحمد يدل على صفة الإكرام.
ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين: أن المطلوبَ تكريمُ الله لنبيه،
وثناؤه عليه، وزيادة تقريبه، وذلك مما يلزم طلب الحمد والمجد؛ ففي ذلك إشارة إلى أنهما
كالتعليل للمطلوب، أو هو كالتذييل له.
والمعنى: أنك فاعل ما تستوجب به الحمد والمجد من النعم المترادفة، كريم بكثرة
الإحسان إلى جميع عبادك. كذا في " الفتح " (١١/١٣٦) .(٢) من (البركة) ؛ وهي: النماء والزيادة. والتبريك: الدعاء بذلك، ويقال: باركه
الله، وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له.
فهذا الدعاء يتضمن إعطاءه ﷺ من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته، وثبوته
له، ومضاعفته له، وزيادته. هذا حقيقة البركة. وقد فَصَّلَ ذلك ابن القيم في " الجلاء "
(٢٠٥ - ٢١٥) . فليراجعه من شاء.следующие страницы →