Полный текст (1 078 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وعلمهم أنواعاً من صيغ الصلاة عليه ﷺ (١) :
١- " اللهم! صلِّ على........................................................ الحواشي
(١) اعلم أنه قد جاءت صيغ كثيرة في الصلاة عليه ﷺ ، حتى جمعها بعض
المتقدمين فبلغت ثمانياً وأربعين كيفية؛ منها عن النبي ﷺ ست وثلاثون، والباقي عن
الصحابة والتابعين. وقد أورد منها صديق حسن خان في " نزل الأبرار" (١٦٧ - ١٧١)
نحو ثلاثين كيفية، كلها مرفوعة إلا واحدة، ولكني أرى أنهم قد توسعوا في ذلك بما
كانوا في غنى عنه؛ فقد ذكروا في أثناء ذلك روايات ضعيفة لا تصح - كما سيأتي
التنبيه على بعضها إن شاء الله تعالى-، وفي الصحيح ما يغني عنها، بل استخرجوا من
الرواية الواحدة عن صحابي واحد عدة صيغ وكيفيات، وليس هذا بجيد؛ فإنما نشأ ذلك
من اختلاف الرواة، فكان ينبغي الأخذ بالزائد، وضمه إلى الأصل - كما هو صنيعنا في
هذا الكتاب -. وسيأتي التنبيه على بعض الأمثلة في ذلك إن شاء الله تعالى.
١- هو من حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ عن النبي ﷺ :
أنه كان يقول: ... فذكره.
أخرجه الإمام أحمد (٥/٣٧٤) : ثنا عبد الرزاق: ثنا معمر عن ابن طاوس عن أبي
بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عنه.
وهذا إسناد صحيح. رجاله كلهم ثقات رجال الستة.
وقد أخرجه الطحاوي في " المشكل " (٣/٧٤) من طريق أحمد بن صالح قال: ثنا
عبد الرزاق به.
لكنه اختصره؛ فلم يقل: " كما صليت على آل إبراهيم ... ". كما أنه لم يذكر:
" وبارك على محمد ... " إلخ.
واتفقا على زيادة:стр. 912
محمدٍ (١) ، وعلى أهلِ بيتِهِ (٢) ،............................................ الحواشي
(١) قال العلماء: معنى صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه عند ملائكته. ومعنى
صلاة الملائكة عليه: الدعاء له والاستغفار. ومعنى صلاة الآدميين: الدعاء والتعظيم
لأمره. وقيل: صلاة الرب: الرحمة. وقد رد هذا القول المحققون من العلماء؛ كالحافظ
ابن حجر العسقلاني، وقبله ابن القيم في كتابه " الجلاء ".
وقد ساق في بيان ضَعْفِ ذلك خمسة عشر وجهاً؛ أولها: أن الله سبحانه فرق بين
صلاته على عباده ورحمته؛ فقال ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا
لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ . فعطف
الرحمة على الصلاة؛ فاقتضى ذلك تغايُرَهما، هذا أصل العطف. وأما قولهم: و (ألفى قولها
كذباً وَمَيْناً) : فهو شاذ نادر لا يحمل عليه أفصح الكلام، مع أن المين أخص من الكذب. قال:
" فمعنى الصلاة: هو الثناء على الرسول، والعناية به، وإظهار شرفه وفضله
وحرمته؛ كما هو المعروف عند العرب ". قال:
" وإن ذُكِرت صلّى عليها وزمزما. أي: برَّك عليها ومدحها. ولا تعرف العرب قط
(صلى عليه) بمعنى (رحمه) ". وقال الحافظ في " الفتح " (١١/١٣٠) :
" وأولى الأقوال ما تقدم عن أبي العالية: أن معنى صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه
وتعظيمه. وصلاة الملائكة وغيره عليه: طلب ذلك له من الله تعالى، والمراد: طلب
الزيادة؛ لا طلب أصل الصلاة ".(٢) في " القاموس ":
" أهل الرجل: هم عشيرته، وذوو قرباه ".стр. 913
وعلى أزواجِه (١) ،.......................................................... الحواشي
(١) جمع (زوج) . وقد يقال: جمع (زوجة) . والأول أفصح، وبها جاء القرآن؛ قال
تعالى لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ . وأزواجه ﷺ اللاتي دخل بهن إحدى
عشرة:
١- خديجة بنت خويلد. ماتت سنة ثلاث قبل الهجرة.
٢- زينب بنت خزيمة الهلالية. ماتت سنة أربع بعد الهجرة.стр. 914
وذُرِّيَّتِه (١) ؛..................................................................... الحواشي
(١) بضم المعجمة؛ من (ذرأ الله الخلق) . أي: نشرهم وأظهرهم. إلا أن الهمزة
سُهِّلَت لكثرة الاستعمال. هذا هو الأصح في اشتقاقها - كما في " الجلاء " (١٧٢ -
١٧٣) - وهي الأولاد وأولادهم.
وهل يدخل فيها أولاد البنات؟ فيه خلاف بين الشافعي وأبي حنيفة؛ فأثبت ذلك
الأول، ونفاه الآخر، وتوسط أحمد في رواية؛ فقال:
" كل من انقطع نسبه من جهة الأب إما بلِعانٍ أو غيره؛ قامت أمه في النسب مقام
أبيه وأمه ". قال ابن القيم(١٧٧) :стр. 915
كما صليتَ على آلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ (١) مجيدٌ.
وبارِكْ (٢) على محمدٍ، وعلى أهلِ بيتِه، وعلى أزواجِه، وذريّتِه؛ كما
باركتَ على آل إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ ".
﴿وهذا كان يدعو به هو نفسه ﷺ ﴾ . الحواشي
(١) هو فعيل، من (الحمد) بمعنى: محمود، وأبلغ منه. وهو من حصلت له من
صفات الحمد أكملها.
وأما (المجيد) : فهو من (المجد) ، وهو صفةُ مَن كَمُلَ في الشرف. وهو مستلزم
للعظمة والجلال، كما إن الحمد يدل على صفة الإكرام.
ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين: أن المطلوبَ تكريمُ الله لنبيه،
وثناؤه عليه، وزيادة تقريبه، وذلك مما يلزم طلب الحمد والمجد؛ ففي ذلك إشارة إلى أنهما
كالتعليل للمطلوب، أو هو كالتذييل له.
والمعنى: أنك فاعل ما تستوجب به الحمد والمجد من النعم المترادفة، كريم بكثرة
الإحسان إلى جميع عبادك. كذا في " الفتح " (١١/١٣٦) .(٢) من (البركة) ؛ وهي: النماء والزيادة. والتبريك: الدعاء بذلك، ويقال: باركه
الله، وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له.
فهذا الدعاء يتضمن إعطاءه ﷺ من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته، وثبوته
له، ومضاعفته له، وزيادته. هذا حقيقة البركة. وقد فَصَّلَ ذلك ابن القيم في " الجلاء "
(٢٠٥ - ٢١٥) . فليراجعه من شاء.стр. 916
٢- " اللهم! صلِّ على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ؛ كما صليتَ على
[إبراهيمَ، وعلى] آلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ.
اللهم! بارك على محمدٍ، وعلى آلِ محمدٍ؛ كما باركتَ على
[إبراهيمَ، وعلى] آلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيدٌ ".
الحواشي
(١٤٢) ، و ﴿ابن منده في
" التوحيد " (٦٨/٢) -[١٤٠/٣٢٣] ﴾ ، وأحمد (٢/٢٤١ و ٢٤٣) ، والطبراني في
" الصغير "(١٩٣) ؛ كلهم من طرق عن الحكم بن عُتَيبة عنه.
وقد تابعه عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وفيه
الزيادتان.
أخرجه البخاري (٦/٣١٧) ، والطحاوي (٣/٧٣) ، والبيهقي (٢/١٤٨) .
وتابعه أيضاً يزيد بن أبي زياد (*) .
أخرجه أحمد (٤/٢٤٤) ، ولفظه:
_________
(*) [والزبير بن عدي: عند ﴿ابن منده وقال:
" هذا حديث مجمع على صحته "﴾ ] .стр. 917
..............................................................................
الحواشي
(١) .
وقد ثبتتا عند النسائي في رواية عن الحكم أيضاً.
وأخرجه الطحاوي من طريق سفيان عن إلأعمش عن الحكم به. مثل رواية يزيد بن
أبي زياد في النزول، ولكن ليس فيه:
" وعلى آل إبراهيم ". وهي رواية لأبي داود وغيره.
ورواه سفيان عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن عبد الرحمن به نحواً من
هذا.
كذا أخرجه الطحاوي.
فقد تبين أن هاتين الزيادتين ثابتتان صحيحتان. فقول ابن القيم في " الجلاء "(١٩٨) - تبعاً لشيخه ابن تيمية في " الفتاوى " (١/١٦٠) -:
" ولم يجئ حديث صحيح فيه لفظ: (إبراهيم وآل إبراهيم) معاً ".
غير صحيح، وهو ذهول عجيب - لا سيما من مثل ابن تيمية الحافظ - عن كون
ذلك ثابتاً في البخاري؛ فضلاً عن " المسند "(٢) .
_________(١) وكذا رواه ﴿الحميدي (١٣٨/١) = [٢/٣١٠] ﴾ ، وابن السني في " اليوم والليلة "(٣٣) ، لكن
ليس فيه ذكر نزول الآية.(٢) ﴿فها قد جئناك به صحيحاً، وهذا في الحقيقة من فوائد هذا الكتاب، ودقة تتبعه للروايات
والألفاظ والجمع بينها، وهو - أعني: التتبع المذكور - شيء لم نُسْبق إليه. والفضل لله تعالى، وله
الشكر والمنة﴾ .стр. 918
٣- " اللهم! صلِّ على محمدٍ، وعلى آلِ محمدٍ؛ كما صليتَ على
إبراهيمَ، [وآلِ إبراهيمَ] ، إنك حميدٌ مجيد.
وبارك على محمدٍ، وعلى آلِ محمدٍ؛ كما باركتَ على [إبراهيمَ، و]
آلِ إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيد ".
الحواشي
(١) وقد جاءت هذه الزيادة أيضاً من حديث طلحة بن عبيد الله - وهو الآتي بعده -،
ومن حديث أبي هريرة - وهو النوع السابع -.
ومن الغريب أن ابن القيم قد أورده في كتابه (١٤ - ١٥) بهذه الزيادة، وقال:
" صحيح على شرط الشيخين ".
فلا أدري كيف جاز له أن يقول بعد ذلك:
" ولم يجئ حديث صحيح فيه اللفظان "! فلعله نسي ما قدم بين يديه. وجاءت
الزيادة أيضاً في رواية للبخاري من حديث أبي سعيد الخدري - وهو النوع الخامس -.
٣- هو من حديث طلحة بن عبيد الله قال:
قلت: يا رسول الله! كيفَ الصلاةُ عليك؟ . قال: " قل: ... " فذكره.
أخرجه أحمد (١/١٦٢) : ثنا محمد بن بشر: ثنا مُجَمِّع بن يحيى الأنصاري: ثنا
عثمان بن مَوْهَب عن موسى بن طلحة عن أبيه.
وكذلك أخرجه النسائي (١/١٩٠) قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، ﴿وأبو يعلى
في " مسنده " (ق ٤٤/٢ = [١/٢٨٢/٦٤٨) عن أبي بكر بن أبي شيبة؛ كلاهما قالا] ﴾ :
أنبأنا محمد بن بِشْر به. وفيه الزيادتان.
وأخرجه الطحاوي (٣/٧١) قال: ثنا فهد بن سليمان العبدي عن مُجَمِّع بن يحيى
به، دون قوله:стр. 919
..............................................................................
الحواشي
(١) " وبارك على محمد ... " إلخ.
والحديث صحيح على شرط مسلم.
ثم أخرجه النسائي من طريق شريك عن عثمان بن مَوْهَب به دون قوله:
" وآل إبراهيم ". في الموضعين.
وشريك: في حفظه ضعف.
ومجمع بن يحيى: أوثق منه وأحفظ؛ فروايته أصح.
وقد وجدت للحديث شاهداً من حديث زيد بن خارجة أخي بني الحارث بن
الخزرج قال: قلنا: ... الحديث.
أخرجه الطحاوي [في " مشكل الآثار "] (٣/٧٣) عن يحيى بن المغيرة قال: ثنا
يحيى بن مروان بن معاوية (*) عن خالد بن سلمة عن موسى بن طلحة عنه.
ورجاله كلهم ثقات؛ غير يحيى بن مروان هذا؛ فلم أعرفه.
وروى منه النسائي (١/١٩٠) لفظَ:
" صلوا عليَّ، واجتهدوا في الدعاء، وقولوا: اللهم! صل على محمد وعلى آل
محمد ".
ورواه أحمد (١/١٩٩) ، إلا أنه قال.
" ثم قولوا: اللهم! بارك ... " إلخ دون قول: " وآل إبراهيم ". روياه من طريق أخرى
عن خالد بإسناد صحيح على شرط مسلم. وهي رواية للطحاوي (٣/٧١) .
_________
(*) هذا إسناد محرّف، وهو على الصواب في " مشكل الآثار " (٢٢٣٧ - الطبعة المحققة) ؛ فلينظر
هناك.стр. 920
٤- (اللهم! صلِّ على محمدٍ ١ [النبيِّ الأميِّ] (*) ، وعلى آل محمدٍ؛
كما صليتَ على ٢ [آلِ] إبراهيمَ.
وباركْ على محمدٍ ٣ [النبي الأميّ] (*) ، وعلى آل محمدٍ؛ كما باركتَ
على ٤ [آلِ] إبراهيمَ، في العالمين إنك حميدٌ مجيد ".
الحواشي
(١) (*) الزيادتان من " صفة الصلاة " المطبوع، وانظر التعليق في الصفحة التالية.
٤- هو من حديث أبي مسعود الأنصاري عقبة بن عمرو قال:
أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن
سعد: أمرنا الله تعالى أن نصلي عليك يا رسول الله! فكيف نصلي عليك؟ قال:
فسكت رسول الله ﷺ حتى تمنينا أنه لم يسأله. ثم قال رسول الله ﷺ : " قولوا: ... "
فذكره.
أخرجه مالك (١/١٧٩) ، وعنه مسلم (٢/١٦) ، وأبو داود (١/١٥٥) ، والنسائي
(١/١٨٩) ، والترمذي (٢/٢١٢ - طبع بولاق) وصححه، والدارمي (١/٣١٠) ،
والطحاوي (٣/٧١) ، والبيهقي (٢/١٤٦) ، وأحمد (٤/١١٨) ، ﴿وأبو عوانة [٢/٢١١] ﴾
- كلهم من طريق مالك - عن نُعيم بن عبد الله المُجْمِر أن محمد بن عبد الله بن زيد أخبره عنه.
والزيادتان ٢ و ٤ عند مسلم، والنسائي. والأخرى منهما عند مالك، والترمذي،
والدارمي.
وللحديث طريق أخرى مختصراً، وفيها الزيادتان.
أخرجه النسائي (١/١٩٠) عن عبد الرحمن بن بشر عن أبي مسعود الأنصاري قال:
قيل للنبي ﷺ : أُمرنا أن نصلي عليك ونسلم، فأما السلام؛ فقد عرفناه؛ فكيف
نصلي عليك؟ قال:стр. 921
..............................................................................
الحواشي
(١٣٥) ، والحاكم (١/٢٦٨) ، والبيهقي (٢/١٤٦
و٣٧٨) ، وأحمد (٤/١١٩) ، ﴿وابن أبي شيبة في " المصنف " (٢/١٣٢/١) =
[٢/٢٤٨/٨٦٣٥] ﴾ . وقال الدارقطني:
" إسناد حسن متصل ". وأما قول الحاكم والذهبي:
" صحيح على شرط مسلم ".
فغير صحيح - كما سبق بيانه مراراً -.
وفي هذا الحديث زيادات لا توجد في الروايات المتقدمة، ولولا تفرد ابن إسحاق
بها؛ لأدرجناها في متن الحديث في الأصل (*) . والله أعلم.
_________
(*) ثم وجدنا الشيخ ﵀ أدرج الزيادة المذكورة في المتن - كما وجدناه فعل في " الصفة "
المطبوع -، وحسَّن حديث ابن إسحاق هذا في " صحيح أبي داود " (٤/١٣٧/٩٠٢) ، ولعله وجد أن
تفرد ابن إسحاق بالزيادة لا يضر؛ لأنها ليس فيها مخالفة للثقات. والله أعلم.стр. 922
٥- " اللهم! صلِّ على محمدٍ عبدِك ورسولِك؛ كما صليت على ١ [آل]
إبراهيمَ.
وباركْ على محمدٍ ٢ [عبدِك ورسولِك] ، ٣ [وعلى آلِ محمدٍ] ؛ كما
باركتَ على إبراهيمَ، ٤ [وعلى آلِ إبراهيمَ] ".
الحواشي
(١٢٤) ، وابن ماجه (١/٢٩٢ - ٢٩٣) ، والطحاوي (٣/٧٣) ، والبيهقي
(٢/١٤٧) ، وأحمد (٣/٤٧) ، ﴿وإسماعيل القاضي في " فضل الصلاة على النبي ﷺ "
(ص ٢٨ - الطبعة الأولى وص ٦٢ الطبعة الثانية / طبع المكتب الإسلامي - بتحقيقي) ﴾
من طرق عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن عبد الله بن خباب عنه.
والزيادة الأولى: للبخاري في رواية.
والثانية: عند الطحاوي، وكذا البيهقي في نسخة. وذكر الباقون بدلاً عنها الزيادة
الثالثة.
والزيادة الرابعة: تفرد بها البخاري، وأحمد، ﴿وإسماعيل القاضي﴾ دونهم.стр. 923
٦- " اللهمَّ! صلِّ على محمدٍ، و ١ [على] (*) أزواجِهِ، وذرّيّتِه؛ كما
صليتَ على ٢ [آلِ] إبراهيمَ.
وباركْ على محمدٍ، و ٣ [على] (*) أزواجِهِ، وذرّيّتِه؛ كما باركتَ على
٤ [آلِ] إبراهيمَ، إنك حميدٌ مجيد " (١) . الحواشي
(١٢٤) ، والبيهقي (٢/١٥٠) ،
وأحمد (٥/٤٢٤) - كلهم عن مالك - عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن
عمرو بن سُليم الزُّرَقي؛ أنه قال: أخبرني أبو حميد الساعدي به.
وليس عند ابن ماجه، والطحاوي، وابن السني الزيادتان ٢ و ٤، كما أن هذا الأخير
ليس عنده إلا التبريك عليه ﷺ دون الصلاة؛ فلا أدري أهكذا الرواية عنده، أم سقط
ذلك من نسختنا من كتابه!(١) قال الحافظ:
" واستدل بهذا الحديث (*) على أن الصلاة على الآل لا تجب؛ لسقوطها في هذا
الحديث. وهو ضعيف؛ لأنه لا يخلو أن يكون المراد بالآل غير أزواجه وذريته، أو أزواجه
وذريته. وعلى تقدير كل منهما لا ينهض الاستدلال على عدم الوجوب:
_________
(*) برواية ابن ماجه، والطحاوي؛ أي: بدون لفظة " آل ".стр. 924
٧- " اللهمَّ! صلِّ على محمدٍ، وعلى آلِ محمدٍ، وباركْ على محمدٍ،
وعلى آلِ محمدٍ؛ كما صليتَ وباركتَ على إبراهيمَ، وآلِ إبراهيمَ، إنك
حميدٌ مجيد ".
الحواشي
(١٤٤) -.
وأما قول الحافظ: إن الحديث لا يدل على المنع من ذكر الآل. فصواب أيضاً، لكن ليس
هذا هو موضع النزاع؛ بل هو: هل يجب ذكره أم لا؟ فعلى أساس أن الآل هم غير أزواجه
وذريته؛ فالحديث صالح للاحتجاج على عدم وجوب ذكر الآل، ووروده في أكثر الأحاديث
يدل على الاستحباب، ويدل على أن ذلك ليس بواجب النوعُ الخامسُ (*) ؛ فإنه لم يذكر
فيه الآل ولا الأزواج والذرية؛ فلعل ذلك مِسَاك من ذهب إلى جواز الاقتصار على
النبي ﷺ دون آله - كالشافعية -، لكن دعواهم أعم مما يفيده الحديث؛ فإنهم يقولون: " لو
قال: اللهم! صل على محمد؛ أجزأه "! وهذا القدر لم يرد مطلقاً في صفة من صفات
الصلاة عليه ﷺ التي علمها إيانا؛ فدعواهم على هذا الوجه لا دليل عليها. فاعلم ذلك.
٧- هو من حديث أبي هريرة ﵁ قال:
قلنا: يا رسول الله! كيف نصلي عليك؟ قال: " قولوا: ... " فذكره. وفي آخره:
_________
(*) يعني: رواية الطحاوي، والبيهقي - في نسخة -.стр. 925
..............................................................................
الحواشي
(١) " والسلام كما علمتم ".
أخرجه الطحاوي (٣/٧٥) : ثنا صالح بن عبد الرحمن وفهد قالا: ثنا القعنبي قال:
ثنا داود بن قيس عن نُعيم بن عبد الله المُجْمِر عنه، وثنا أحمد بن شعيب ﴿النسائي
-[وهو عنده في " العمل "] (١٥٩/٤٧) -﴾ قال: ثنا حاجِب بن سليمان قال: ثنا ابن
أبي فُدَيك قال: ثنا داود بن قيس به.
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم.
وقد رواه محمد بن إسحاق السراج عن القعنبي - واسمه: عبد الله بن مسلمة بن
قعنب -؛ فقال: أخبرني أبو يحيى وأحمد بن محمد البِرْتي قالا: أنبأنا عبد الله بن
مسلمة بن قعنب به.
رواه عبد الوهاب بن منده عن الخفاف عنه.
ونقلت هذا عن " الجلاء " (١٤ - ١٥) . ثم قال:
" وهذا الإسناد صحيح على شرط الشيخين ".
قلت: والصواب ما سبق؛ فإن داود بن قيس إنما أخرج له البخاري تعليقاً، وهو ثقة
اتفاقاً.
والحديث حجة على ابن القيم؛ فإن فيه الجمعَ بين إبراهيم وآل إبراهيم، وهو ما
أنكر ثبوته ابن القيم تبعاً لشيخه، وقد رددنا عليه موسعاً فيما سلف، وإنما أحببنا الإشارة
إلى ذلك هنا.
هذا، وقد روي الحديث من طريق أخرى عن المُجْمِر.
أخرجه أبو داود (١/١٥٥) ، ومن طريقه البيهقي (٢/١٥١) عن حِبّان بن يَسَار
الكِلابي: ثني أبو مُطَرِّف عبيد الله بن طلحة بن عبيد الله بن كُرَيز: ثني محمد بن عليстр. 926
..............................................................................
الحواشي
(١٤) :
" وعبد الرحمن هذا: مجهول، لا يعرف في غير هذا الحديث ". وقال السخاوي في
" القول البديع " - كما في " الحرز المنيع " (ص ١٩) -:
" رواه ابن عدي في " الكامل "، وابن عبد البر، والنسائي في " مسند علي "، وفي
سنده راوٍ مجهول، وآخر اختلط في آخر عمره ".
وسواء كان الحديث من رواية أبي هريرة - كما جنح إليه ابن القيم، وكذا الحافظ في
" الفتح " (١١/١٣١) -، أو من حديث علي ﵁؛ فهو ضعيف لا يصح؛
لضعف بعض رواته، وجهالة آخر. فسكوت الحافظ عليه، وكذا ابن تيمية في " الفتاوى "
(١/١٦٣) ليس مما ينبغي السكوت عليه.
وأغرب من ذلك أن صديق حسن خان عزا الحديث في " النزل "(١٦٧) إلىстр. 927
..............................................................................
الحواشي
(٩٣) عن إسحاق بن سليمان عن سعيد بن
عبد الرحمن مولى سعيد بن العاص قال: ثنا حنظلة بن علي عن أبي هريرة عن
النبي ﷺ قال:
" من قال: اللهم! صل على محمد ... " الحديث مثل حديث كعب بن عُجْرة رقم(٢) ؛ دون قوله:
" إنك حميد مجيد " في الموضعين، وزاد:
" وترحم على محمد، وعلى آل محمد؛ كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل
إبراهيم؛ شهدت له يوم القيامة بالشهادة، وشفعت له ".
ورجاله رجال مسلم؛ غير سعيد بن عبد الرحمن هذا؛ فلم يوثقه غير ابن حبان، ولم
يرو عنه سوى شيخه إسحاق هذا؛ فهو في عداد المجهولين؛ كما يفيده قول الحافظ في
" التقريب ":
" مقبول ".
بل قد صرح بما قلنا في " الفتح " (١١/١٣٣) ؛ فقال - بعد أن عزاه للطبري في
" تهذيبه " -:
" ورجال سنده رجال " الصحيح "، إلا سعيد بن سليمان - مولى سعيد بن العاص
الراوي له عن حنظلة بن علي -؛ فإنه مجهول ".
_________
(*) وعزا الحديثَ الشيخُ ﵀ في " الصفة " المطبوع لأبي سعيد بن الأعرابي في " المعجم "
(٧٩/٢) .стр. 928
..............................................................................
الحواشي
(١٧) :
" حديث حسن، ورجاله رجال " الصحيح " ".
ليس بحسن، ولا كل رجاله رجال " الصحيح "؛ فتنبه، ولا تغتر به. ولهذا قال أبو
بكر بن العربي في " عارضة الأحوذي في شرح الترمذي " (٢/٢٧١) :
" حذارِ حذارِ من أن يلتفت أحد إلى ما ذكره ابن أبي زيد؛ فيزيد في الصلاة على
النبي ﵊: وارحم محمداً. فإنها قريب من بدعة؛ لأن النبي ﷺ علم
الصلاة بالوحي؛ فالزيادة فيها استقصار له، واستدراك عليه، ولا يجوز أن يزاد على
النبي ﷺ حرف، بل إنه يجوز أن يترحم على النبي ﷺ في كل وقت ".
وتعقبه بعضهم بحديث أبي هريرة هذا، وقد علمت أنه ضعيف؛ فلا يجوز
الاحتجاج به، لا سيما في مخالفة أصل متفق عليه، وهو ما أفاده قوله ﷺ :
" من عمل عملاً ليس عليه أمرنا؛ فهو رد ". متفق عليه.
ومنه تعلم حكم زيادة لفظة: (سيدنا) في هذه الصلوات - كما عليه كثير من الناس
من الشافعية وغيرهم -. وقد اختلف العلماء في ذلك - كما سيأتي بيانه في الفوائد
الآتية.стр. 929
..............................................................................
الحواشي
(١٩٧) :
" وهذا أحسن من كل ما تقدم، وأحسن منه أن يقال: محمد ﷺ هو من آل
إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم؛ كما روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله
عنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ﴾
[٣: ٣٣] . قال ابن عباس ﵁: محمد من آل إبراهيم.
وهذا نص؛ إذ أدخل غيره من الأنبياء - الذين هم من ذرية إبراهيم - في آله؛
فدخول رسول الله ﷺ أولى. فيكون قولنا: " كما صليت على آل إبراهيم ". متناولاً
للصلاة عليه، وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم، ثم قد أمرنا الله أن نصلي عليه وعلى
آله خصوصاً بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عموماً، وهو فيهم، ويحصل لآلهстр. 930
..............................................................................
الحواشي
(١) من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له ﷺ ". قال:
" ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم ورسول الله ﷺ معهم أكمل من الصلاة
الحاصلة له دونهم؛ فيُطلب له من الصلاة هذا الأمرُ العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعاً.
ويظهر حينئذٍ فائدة التشبيه، وجريه على أصله، وأن المطلوب له من الصلاة بهذا
اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره؛ فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المشبَّه به
- وله أوفر نصيب منه -؛ صار له من المشبَّه المطلوبِ أكثر مما لإبراهيم وغيره، وانضاف إلى
ذلك مما له من المشبَّه به من الحصة التي لم تحصل لغيره. فظهر بهذا من فضله وشرفه
على إبراهيم وعلى كلٍّ مِنْ آله - وفيهم النبيون - ما هو اللائق به، وصارت هذه الصلاة
دالةً على هذا التفضيل، وتابعةً له، وهي من موجباته ومقتضياته.
فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً، وجزاه عنا أفضل ما جزى نبياً عن أمته.
اللهم! صلِّ على محمد، وعلى آل محمد؛ كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد
مجيد. وبارك على محمد، وعلى آل محمد؛ كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد ".
واعلم أنه لم يرد في أكثر هذه الأنواع من صيغ الصلاة عليه ﷺ ذكرُ إبراهيم نفسه
مستقلاً عن آله؛ بل قال:
" كما صليت على آل إبراهيم ".
والسبب في ذلك ما تقدم بيانه؛ أن آل الرجل يتناوله كما يتناول غيره ممن يؤوله.
قال شيخ الإسلام في " الفتاوى " (١/١٦٣) :
" إذا أطلق لفظ: (آل فلان) في الكتاب والسنة؛ دخل فيه فلان، كما في قوله
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ﴾ ، وقوله
تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾ ، وقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ ،стр. 931
..............................................................................
الحواشي
(١) وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى آل يَاسِينَ﴾ (*) . ومنه قوله ﷺ :
" اللهم! صل على آل أبي أوفى ".
وكذلك لفظ: (أهل البيت) ؛ كقوله: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ﴾ .
فإن إبراهيم داخل فيهم ". ثم قال:
" ولهذا جاء في أكثر الألفاظ: " كما صليت على آل إبراهيم "، و: " كما باركت على
آل إبراهيم ".
وجاء في بعضها إبراهيم نفسه؛ لأنه هو الأصل في الصلاة والزكاة، وسائر أهل بيته
إنما يحصل لهم ذلك تبعاً.
وجاء في بعضها ذكر هذا وهذا؛ تنبيهاً على هذين ".
الفائدة الثانيه: قد علمت مما سبق أن صيغ الصلاة على النبي ﷺ فيها كلها
الصلاة على أهل بيته ﷺ وآله؛ ولذلك فلا ينبغي الاكتفاء بالصلاة عليه ﷺ وحده،
بل لا بد من إضافة الآل إليه، بل لا بد من إتمام الصيغة من أولها إلى آخرها؛ كما
وردت؛ تقيُّداً بقوله ﷺ :
" قولوا: اللهم! صل على محمد، وعلى آل محمد ... " إلخ، حين سألوه عن كيفية
الصلاة عليه ﷺ .
﴿لا فرق في ذلك بين التشهد الأول والآخر، وهو نص الإمام الشافعي في " الأم "
(١/١٠٢) فقال:
" والتشهد في الأولى والثانية لفظ واحد لا يختلف، ومعنى قولي: " التشهد ":
التشهد والصلاة على النبي ﷺ ، لا يجزيه أحدهما عن الآخر ".
_________
(*) هي قراءة نافع، وابن عامر، ويعقوب؛ كما في " التذكرة في القراءات " لابن غلبون.стр. 932
..............................................................................
الحواشي
(٥٨١٦) ، [وانظر (ص ٩١١) ] ﴾ .
وإن من غرائب هذا العصر أن يتجرأ بعض الناس على إنكار ما ثبت عنه ﷺ من
طرق مستفيضة صحيحة؛ ألا وهو الصلاة على النبي ﷺ وعلى آله معاً، مع اطلاعه
ووقوفه عليها في كتب السنة ﴿عن جمع من الصحابة؛ منهم كعب بن عجرة، وأبو
حميد الساعدي، وأبو سعيد الخدري، وأبو مسعود الأنصاري، وأبو هريرة، وطلحة
ابن عبيد الله، وفي أحاديثهم أنهم سألوا النبي ﷺ :
" كيف نصلي عليك؟ "، فعلمهم ﷺ هذه الصيغ﴾ ، ألا وهو: الأستاذ محمد
إسعاف النشاشيبي في كتابه " الإسلام الصحيح " (ص ١٧٧ - ١٨٩) ، وحجته في ذلك
أن الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ؛ لم يُذكر فيها غيرَ النبي ﷺ
أحدٌ. وبناء على ذلك رد الأحاديث الصحيحة كلها المخالفة لزعمه؛ فقال (ص ١٧٨ - ١٧٩) :
" إن هناك من أشرك في الصلاة بالنبي غيرَه، وهناك من أوجب هذه الصلاة في كل
صلاة، والحق غير شركهم، ولم يجب ما أوجبوا، وهؤلاء أئمة في الدين يقولون؛
فاستمع لما يقولون ... ".
ثم ساق أقوالاً كثيرة في نفي الوجوب المشار إليه، ولكنه لم يسق ولا قولاً واحداً في
تأييد ما سماه شركاً! وأنه لا يجوز ضم الآل إليه في الصلاة عليه ﵌.
وإنما ساق بعض الأقوال الموهمة لذلك، وهي عند التحقيق حجة عليه؛ كقوله (ص ١٧٩) :
" قال ابن تيمية في " منهاج السنة ": لم يأمر الله بالصلاة على معين غير النبي ".
فإن هذا القول إنما ينفي أمر الله؛ أي: في كتابه، فليس ينفي أمر النبي ﷺ بذلك
- وأمره من أمر الله - في سنته - كما سبق بيانه مفصلاً -.стр. 933
..............................................................................
الحواشي
(١) وبالتالي؛ فإن هذا القول لا ينفي مشروعية الصلاة على الآل استحباباً في الصلاة
عليه ﷺ ؛ ألا ترى أن هذا القائل - أعني: ابن تيمية - قد ذهب كغيره من العلماء قبله
وبعده إلى مشروعية ذكر الآل في الصلوات الإبراهيمية - كما تراه في بعض ما نقلناه من
كتابه " الفتاوى " فيما تقدم -، ولو كان عندي الآن كتابه " منهاج السنة "؛ لراجعت
عبارته (*) ، ولتبين لنا غير ما ذكرنا. وكون الصلاة على الآل لم تذكر في الآية لا يلزم
منه عدم مشروعيتها؛ لثبوتها في السنة؛ ﴿وذلك لأنه من المعلوم عند المسلمين أن
النبي ﷺ هو المبين لكلام رب العالمين؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ
لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] .
فقد بين ﷺ كيفية الصلاة عليه وفيها ذكر الآل، فوجب قبول ذلك منه؛ لقوله
تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] ، وقد قال ﵊:
" ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ". وهو مخرج في " تخريج المشكاة " (١٦٣ و٤٢٤٧) .
وقد جاء في كلامه شبهة له أخرى لا بد لنا من إزاحة الستار عنها؛ وهو قوله - بعد
أن ساق الآية السابقة -:
" فأي عربي فطن أو غبي لا يلقف ذهنه هذا الكلام سريعاً، وأن الصلاة كالسلام
الذي قالوا: إنهم علموه. فكيف يسألون عن مثل ما لم يجهلوه، وهل يأمر رسول الله بغير
ما أمر الله؟! ".
فهو يشير بهذا الكلام إلى رد أحاديث الصلاة على الآل؛ لأن منها - كما تقدم -:
(هذا السلام قد عرفناه؛ فكيف الصلاة عليك؟) . فهو يحيل الصحابة عن مثل هذا
السؤال؛ لأن:
_________
(*) انظرها فيه (٤/٥٩٤ و ٦٠٦) .стр. 934
..............................................................................
الحواشي
(١) " الصلاة في كلام العرب من غير الله إنما هو دعاء ". كما نقله هو في التعليق
(ص ١٧٧) . فإذ الأمر كذلك؛ فهذه الأحاديث غير صحيحة!
وهذه مغالطة مكشوفة، وكلام خِطَابي لا حجة فيه، وإنما ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ
الظَّمْآنُ مَاءً﴾ ؛ وذلك لأن الصلاة في اللغة، وإن كان معناها ما ذكر؛ فذلك لا ينفي أن
يكون لها معنى شرعي هو غير معناها اللغوي، أو يزيد عليه، ألا ترى أن قوله تعالى:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ لا يمكن لمسلم أن يفهم معناه اللغوي؛ أي: الدعاء. فالصحابة رضي
الله عنهم حين سألوا بقولهم: كيف الصلاة عليك؟ لم يقصدوا المعنى اللغوي المعروف
عندهم الذي يلقفه ذهنهم، وإنما سألوا عن الصلاة الشرعية التي لا يمكنهم معرفتها من
لغتهم، بل من طريق نبيهم؛ فأجابهم ﷺ عما سألوا، وأمرهم بقوله:
" قولوا: اللهم! صل على محمد، وعلى آل محمد ... " إلخ.
وكل عالم باللغة العربية - مهما كان ضليعاً فيها كهذا الذي نحن في صدد الرد
عليه - لا يمكنه أن يستغني ألبتة عن بيان النبي ﷺ للكتاب؛ فإن اللغة وحدها لا تكفي
في فهمه على الجادة والصواب؛ ألم تر أن الصحابة - وهم من هم في العربية - قد
احتاجوا إلى السؤال عن كيفية الصلاة عليه ﷺ ، كما سألوه غير ذلك؟
فقد أخرج الشيخان في " صحيحيهما "، والترمذي (٢/١٧٩ - طبع بولاق)
وصححه، وأحمد (١/٤٤٤) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال:
لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ ؛ شَقَّ ذلك على المسلمين،
فقالوا: يا رسول الله! وأينا لا يظلم نفسه؟ قال:
" ليس ذلك؛ إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ
بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ؟ ".стр. 935
..............................................................................
الحواشي
(١) فهذه القصة وغيرها دليل واضح على أنه قد يخفى على الصحابة أو بعضهم معنى
بعض الآيات؛ فيسألون النبي ﷺ ، فيبينها لهم؛ فلا يجوز - إذن - استغراب صدور مثل
هذا السؤال عنهم، وإنكار الأحاديث الصحيحة لمثل هذا الاستغراب - كما صنع
النشاشيبي فيما سلف -.
وكتابه هذا الذي أسماه " الإسلام الصحيح "، كل الأبحاث التي فيه توحي بأن
المؤلف لا يعتد بالسنة كثيراً، وإنما العمدة عنده القرآن، والقرآن فقط؛ ولذلك تراه يقول
عن نفسه فيه (ص ٦٧) :
" نحن مسلمون قرآنيون "!
وقد علمنا أن من مشرب هؤلاء (القرآنيين) ردَّ الأحاديث الصحيحة لأدنى شبهة،
لا في صحتها من جهة إسنادها، ولكن لمخالفتها لأهوائهم وميولهم، وقد [سار] على
نسقهم في هذا الكتاب؛ فرد أحاديث كثيرة صحيحة، قسم كبير منها في " الصحيحين "،
نكتفي الآن بالإشارة إلى أماكنها من الكتاب؛ فانظر: (ص ٣٥ - ٣٦ و ٨٥ - ٨٦ و ١١٦ -
١١٧ و ١٤٢ و ١٤٩ و ١٥٠ و ١٥٤ و ٢١٢ و ٢٤٠ - ٢٤١ و ٢٧٦ - ٢٧٧ و ٢٧٨) .
﴿وليت شعري! ماذا يقول النشاشيبي - ومن قد يغتر ببهرج كلامه - فيمن عسى
أن ينكر التشهد في الصلاة، أو أنكر على الحائض ترك الصلاة والصوم في حيضها؟!
بدعوى أن الله تعالى لم يذكر التشهد في القرآن، وإنما ذكر القيام والركوع والسجود فقط!
وأنه تعالى لم يسقط في القرآن الصلاة والصوم عن الحائض، فالواجب عليها القيام بذلك!
فهل يوافقون هذا المُنْكِر في إنكاره؛ أم ينكرون عليه ذلك؟
فإن كان الأول - وذلك مما لا نرجوه -؛ فقد ضلوا ضلالاً بعيداً، وخرجوا عن جماعة
المسلمين!
وإن كان الآخر؛ فقد وُفِّقوا وأصابوا، فما ردوا به على المنكِر؛ فهو ردنا علىстр. 936
..............................................................................
الحواشي
(١) -:
وسئل (أي: الحافظ ابن حجر) أمتع الله بحياته عن صفة الصلاة على النبي ﷺ
في الصلاة أو خارج الصلاة، سواء قيل بوجوبها أو بندبيتها؛ هل يشترط فيها أن
يصفه ﷺ بالسيادة؛ كأن يقول مثلاً: اللهم! صل على سيدنا محمد، أو على سيد
الخلق، أو على سيد ولد آدم. أو يقتصر على قوله: اللهم! صل على محمد؟ وأيهما
أفضل: الإتيان بلفظ السيادة لكونها صفة ثابتة له ﷺ ، أو عدم الإتيان به لعدم ورود
ذلك في الآثار؟
_________(١) وهو من محفوظات المكتبة الظاهرية.стр. 937
..............................................................................
الحواشي
(١) فأجاب ﵁:
نعم؛ اتباع الألفاظ المأثورة أرجح، ولا يقال: لعله ترك ذلك تواضعاً منه ﷺ ؛ كما لم
يكن يقول عند ذكره ﷺ : " ﷺ "، وأمته مندوبة إلى أن تقول ذلك
كلما ذكر!
لأنا نقول: لو كان ذلك راجحاً؛ لجاء عن الصحابة ثم عن التابعين، ولم نقف في
شيء من الآثار عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم قال ذلك؛ مع كثرة ما ورد عنهم
من ذلك.
وهذا الإمام الشافعي - أعلى الله درجته، وهو من أكثر الناس تعظيماً للنبي ﷺ
قال في خطبة كتابه الذي هو عمدة أهل مذهبه:
" اللهم! صلِّ على محمد ... " إلى آخر ما أداه إليه اجتهاده، وهو قوله:
" كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون ".
وكأنه استنبط ذلك من الحديث الصحيح الذي فيه: " سبحان الله عدد خلقه "؛ فقد
ثبت أنه ﷺ قال لأم المؤمنين - ورآها قد أكثرت التسبيح وأطالته -:
" لقد قلتُ بعدكِ كلماتٍ؛ لو وُزِنَتْ بما قُلْتِ لوَزَنَتْهُن "، فذكر ذلك. وكان ﷺ
يعجبه الجوامع من الدعاء.
وقد عقد القاضي عياض باباً في صفة الصلاة على النبي ﷺ في كتاب " الشفا "،
ونقل فيه آثاراً مرفوعة عن جماعة من الصحابة والتابعين؛ ليس في شيء منها عن أحد
من الصحابة وغيرهم لفظ: (سيدنا) .
منها: حديث علي: أنه كان يعلمهم كيفية الصلاة على النبي ﷺ ، فيقول:
اللهم! داحي المَدْحُوَّات! وباري المسموكات! اجعل سوابق صلواتك، ونواميстр. 938
..............................................................................
الحواشي
(١) بركاتك، وزائد تحيتك على محمد عبدك ورسولك، الفاتح لما أُغْلِق.
وعن علي أنه كان يقول:
صلوات الله البر الرحيم، والملائكة المقربين، والنبيين والصدِّيقين والشهداء الصالحين،
وما سبح لك من شاء يا رب العالمين! على محمد بن عبد الله خاتم النبيين وإمام
المتقين ... الحديث (*) .
وعن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول:
اللهم! اجعل صلواتك، وبركاتك، ورحمتك على محمد عبدك ورسولك، إمام
الخير، ورسول الرحمة ... الحديث (**) .
وعن الحسن البصري أنه كان يقول:
من أراد أن يشرب بالكأس الأروى من حوض المصطفى؛ فليقل: اللهم! صل على محمد
وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأولاده وذريته وأهل بيته وأصهاره وأنصاره وأشياعه ومحبيه.
فهذا ما أوثره من " الشفا "؛ مما يتعلق بهيئة الصلاة عليه عن الصحابة ومن بعدهم،
وذُكِرَ فيه غيرُ ذلك.
نعم؛ ورد في حديث ابن مسعود أنه كان يقول في صلاته على النبي ﷺ :
اللهم! اجعل فضائل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين ... الحديث.
أخرجه ابن ماجه.
ولكن إسناده ضعيف (**) .
_________
(*) قال السخاوي في " القول البديع " (ص ٧٠) : " لم أقف على أصله "، وذكر (ص ٧١) أثر
الحسن البصري الآتي؛ مكتفياً بعزوه للقاضي عياض؛ فكأنه لا أصل له!
(**) وكذا ضعفه الشيخ ﵀ في " ضعيف الترغيب " (١/٥١٥) ، ورد تحسين المنذري له بقوله:
" كلا؛ فإن فيه المسعودي المختلط ".стр. 939
..............................................................................
الحواشي
(١) وحديث علي المشار إليه أولاً: أخرجه الطبراني بإسناد ليس به بأس (*) ، وفيه ألفاظ
غريبة رُوِّيتُها مشروحة في كتاب " فضل النبي ﷺ " لأبي الحسن بن فارس.
وقد ذكر الشافعية أن رجلاً لو حلف لَيُصَلِّيَنَّ على النبي ﷺ أفضل الصلاة؛ فطريق
البر أن يصلي على النبي ﷺ : اللهم! صلِّ على محمد كلما ذكره الذاكرون، وسها عن
ذكره الغافلون. وقال النووي:
والصواب الذي ينبغي الجزم به أن يقال: " اللهم! صلِّ على محمد وعلى آل
محمد؛ كما صليت على إبراهيم ... " الحديث.
وقد تعقبه جماعة من المتأخرين؛ بأنه ليس في الكيفيتين المذكورتين ما يدل على
ثبوت الأفضلية فيهما من حيث النقل، وأما من حيث المعنى؛ فالأفضلية ظاهرة في الأول.
والمسألة مشهورة في كتب الفقه، والغرض منها أن كل من ذكر هذه المسألة من
الفقهاء قاطبة؛ لم يقع في كلام أحد منهم: (سيدنا) ، ولو كانت هذه الزيادة مندوبة؛ ما
خفيت عليهم كلهم حتى أغفلوها، والخير كله في الاتباع، والله أعلم ".
قلت: وما ذهب إليه الحافظ ابن حجر ﵀ من عدم مشروعية تسويده ﷺ .
في الصلاة عليه اتباعاً للأمر الكريم، وهو الذي عليه الحنفية؛ - هو الذي ينبغي التمسك
به؛ لأنه الدليل الصادق على حبه ﷺ ؛ ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ
اللَّهُ﴾ (آل عمران: ٣١) .
ولذلك قال الإمام النووي في " الروضة " (١/٢٦٥) :
" وأكمل الصلاة على النبي ﷺ : " اللهم! صلِّ على محمد ... " إلى آخر وفق
النوع الثالث المتقدم، فلم يذكر فيه (السيادة) !﴾
وقد أشار إلى المنع من ذلك أبو بكر بن العربي - كما سبق -. وصرح بذلك جمع،
وأباحه آخرون.
_________
(*) بل هو ضعيف؛ فيه جهالة وانقطاع؛ كما في " القول البديع " (ص ٦٩ - ٧٠) .стр. 940
..............................................................................
الحواشي
(١) والذي نعتقده ونَدين الله تعالى به أن نبينا محمداً ﷺ هو سيدنا؛ بل هو سيد كل
آدمي شاء أم أبى؛ كما قال ﷺ :
" أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع ".
رواه مسلم (٧/٥٩) ، وأبو داود (٢/٢٦٨) ، وأحمد (٢/٥٤٠) من حديث أبي هريرة.
وفي الباب عن أبي سعيد الخدري وغيره.
والذي ينبغي البحث فيه هو النظر في جواز زيادة هذه اللفظة فيما شرعه ﷺ لأمته
من صيغ التشهد، والصلوات الإبراهيمية؛ التي أمر بها رسول الله ﷺ على كيفيات
مختلفة، وليس في شيء منها هذه اللفظة - كما رأيت -؛ ولذلك فإنا نقطع بأن الحق مع
المانعين من ذلك؛ لأننا نعتقد أن زيادة هذه اللفظة لو كانت مما يقربنا إلى الله زلفى؛
لأمرنا بها رسول الله ﷺ ، ولما أغفل أمرها؛ لقوله ﷺ :
" ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله تعالى إلا وأمرتكم به ... " الحديث.
رواه الطبراني بإسناد صحيح - كما في " الإبداع " -. وقوله ﷺ :
" إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمُه لهم،
وينذرهم شر ما يعلمه لهم ... " الحديث.
رواه مسلم (٦/١٨) ، وأحمد (٢/١٩١) من حديث ابن عمرو.
وقد أورده ابن حزم في " الإحكام في أصول الأحكام " (١/٩٠) جازماً به بلفظ:
" إن حقاً على كل نبي أن يدل أمته على أحسن ما يعلمه لهم ".
فإذا كان الأمر كذلك؛ فعدم أمره ﷺ لنا بتسويده في الصلاة يدل على أنه لا يجوز
التقرب إلى الله تعالى بذلك، ومن فعل ذلك؛ فقد استدرك عليه ﷺ ، ونسبه إلى
القصور - كما قال ابن العربي فيما سبق -، ولا يخفى ما في ذلك من الكفر والضلال.стр. 941
..............................................................................
الحواشي
(١) وأيضا فإن الأذكار والأوراد توقيفية؛ لا يجوز الزيادة عليها، كما لا يجوز النقص
منها، أو تغيير شيء من ألفاظها، وقد دلَّ على ذلك السنة؛ كما في " الصحيحين " من
حديث البراء بن عازب قال: قال لي رسول الله ﷺ :
" إذا أتيت مضجعك؛ فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن،
وقل: اللهم! أسلمت وجهي إليك ... " الحديث، وفيه:
" آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت ".
قال البراء: فقلت أستذكرهن: وبرسولك الذي أرسلت. قال:
" لا، - وفي رواية الترمذي، وصححه (٢/٢٤٠ - طبع بولاق) ، والطحاوي في
" المشكل " (٢/٤٥) قال: فطعن بيده في صدري، ثم قال: - وبنبيك الذي أرسلت ".
قال الحافظ في " الفتح " (١١/٩٤) :
" وأولى ما قيل في الحكمة في رده ﷺ على البراء: أن ألفاظ الأذكار توقيفية، ولها
خصائص وأسرار لا يدخلها القياس؛ فيجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به، وهذا
اختيار المازري؛ قال: فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه، وقد يتعلق الجزاء بتلك
الحروف، ولعله أوحي إليه بهذه الكلمات؛ فيتعين أداؤها بحرفها ".
وهذه قاعدة عظيمة يجب مراعاتها في جميع الأذكار والأوراد المروية عنه ﷺ ؛ أن
لا يزاد فيها ولا ينقص، ولا يتصرف فيها بتغييرأي لفظ؛ لأنه ﷺ قد أنكر على من
غير لفظ: (النبي) بلفظ: (الرسول) ، مع أنه لم يغير شيئاً من المعنى؛ لما تقرر أن الرسول
أعم من النبي، فالرسول نبيٌّ وزيادة، فإذا كان ﷺ قد أنكر ذلك - وليس فيه إلا
استبدال لفظ بلفظ -؛ فلأن ينكر على من زاد زيادة باللفظ والمعنى من باب أولى، وعليه
يدل أيضاً عمل الصحابة:стр. 942
..............................................................................
الحواشي
(١) فقد أنكر ابن عمر ﵁ على رجل قال بعد أن عطس: الحمد لله، والصلاة
على رسول الله ﷺ . فقال له: وأنا أقول: الحمد لله، والصلاة على رسول الله ﷺ ،
ولكن ما هكذا علمنا رسول الله ﷺ .
أخرجه الترمذي.
هذا، ونحن نعلم أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين لم يكونوا يتعبدون
الله تعالى بتسويده ﷺ في الصلاة، وهم قطعاً أشد تعظيماً له ﷺ منا، وأكثر له
حباً، ولكن الفرق بينهم وبيننا أن حبهم وتعظيمهم عملي باتباعه ﷺ ؛ كما هو نص
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ . وأما حبنا؛ فلفظي
شكلي.
فإذا كان السلف لم يتعبدوا بذلك؛ فليس لنا أن نفعل. وقد قال حذيفة بن اليمان
﵁:
كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فلا تَعبدوها.
وقال ابن مسعود ﵁:
اتبعوا، ولا تبتدعوا؛ فقد كُفِيْتُم، عليكم بالأمر العتيق.
والأمر العتيق: هو الاقتصار على ما صح عنه ﷺ من الأوراد والأذكار؛ بدون أدنى
زيادة، مهما كان نوعها؛ ولذلك قال الحافظ:
" اتباع الآثار الواردة أرجح، ولم تنقل - يعني: لفظة السيادة - عن الصحابة
والتابعين، ولم تُرو إلا في حديث ضعيف عن ابن مسعود، ولو كان مندوباً؛ لما خفي
عليهم ". قال:стр. 943
..............................................................................
الحواشي
(١٥٨) عن
" شرح الشفا " للشهاب. وقد ذكر السيوطي نحوه في " الحرز المنيع "(٦٦) عن المجد
اللغوي.
وأنا أستغرب وقوع مثل هذا الاختلاف بين العلماء؛ فإني لا أعقل أن يكون الأدب
خيراً من الامتثال؛ لأن معنى ذلك أن الامتثال ليس فيه من الأدب ما يليق به ﷺ !
ولا يخفى ما فيه، ولأن في هذا القول محاذيرَ كثيرة تؤدي إلى تغير الشريعة!
فخذ مثلاً: الشهادة في الأذان، والإقامة، وفي التشهد في الصلاة.
فإن الأفضل - على هذا القول - أن يقول المتشهد: (وأشهد أن سيدنا محمداً رسولُ
الله) .
وإذا كان الأدب مع رسول الله ﷺ أولى من امتثال أمره؛ فكذلك يقال أيضاً: إن
الأدب مع الله تعالى أولى من امتثال أمره من باب أولى! فينبغي أن يقال مثلاً: (أشهد
أن لا إله إلا الله ؛ وغيرها من العبارات التي تدل على تعظيم الله تعالى
وتنزيهه!
وما أعتقد أن عاقلاً من علماء المسلمين يستجيز هذا التصرف، والتغيير في دين الله
تعالى، وسَدُّ ذلك إنما يكون برد ذلك القول، والأخذ بمعارضه: الامتثال خير من الأدب؛
بل هو الأدب. ورحم الله ابن مسعود حيث قال:
اقتصادٌ في سُنَّةٍ خيرٌ من اجتهاد في بدعة.
وكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلفстр. 944
..............................................................................
الحواشي
(١) الفائدة الرابعة: قال الحافظ في " الفتح " (١١/١٣٩) :
" واستُدل بتعليمه ﷺ لأصحابه الكيفية - بعد سؤالهم عنها - بأنها أفضل كيفيات
الصلاة عليه؛ لأنه لا يختار لنفسه إلا الأشرف الأفضل، ويترتب على ذلك: لو حلف
أن يصلي عليه أفضل الصلاة؛ فطريق البرِّ أن يأتي بذلك. هكذا صوبه النووي في
" الروضة " ". ثم قال الحافظ:
" والذي يرشد إليه الدليل أن البر يحصل بما في حديث أبي هريرة؛ لقوله ﷺ :
" من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا؛ فليقل: اللهم! صل على
محمد النبي ... " إلخ ".
قلت: لكن هذا الحديث ضعيف؛ لا يجوز أن يحتج به - كما بينا فيما سبق
[ص ٩٢٨]-؛ فالحق ما استصوبه النووي إن شاء الله تعالى؛ ولذلك قال تاج الدين
عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي في " طبقات الشافعية " (١/٩٦) :
" سمعت أبي ﵀ يقول: أحسن ما صُلي على النبي ﷺ بهذه الكيفية، ومن
أتى بها؛ فقد صلى على النبي ﷺ بيقين، وكان له الجزاء الوارد في حديث الصلاة بيقين،
وكل من جاء بلفظ غيرها؛ فهو من إتيانه بالصلاة المطلوبة في شك؛ لأنهم قالوا: كيف
نصلي عليك؟ قال: " قولوا: ... " كذا. فجعل الصلاةَ عليه منهم هي قولَ كذا.
قال: وإذا قالها العبد؛ فقد سأل الله تعالى أن يصلي على محمد ﷺ كما صلى
على إبراهيم ﵊ وآله، ثم إذا قالها عبد آخر؛ فقد طلب صلاة أخرى
غير التي طلبها الداعي الأول ضرورةَ أن المطلوبَيْنِ - وإن تشابها -؛ مفترقان بافتراق
الطالب، وأن الدعوتين مستجابتان؛ إذ الصلاة على النبي ﷺ دعوة مستجابة، فلا بد
أن يكون ما طلبه هذا غير ما طلبه ذاك؛ لئلا يلزم تحصيل الحاصل.стр. 945
..............................................................................
الحواشي
(١) .
قلت: فَلْيَعْتبِر بكلام السبكي هذا أولئك الذين يضيعون على أنفسهم هذه الأجور
والفضائل بإعراضهم عن الصلوات الإبراهيمية - إلا في الصلاة -، ويتمسكون بصلوات
بدعية ما أنزل الله بها من سلطان؛ كصلاة الفاتح لِمَا أُغلق، والصلاة النارية، والصلاة
الطِّلَّسْمِيَّة المتضمنّة لفكرة وحدة الوجود، وصلاة ابن مشيش، وغيرها كثير. ولا يخلو
أكثرها من شرك وإضلال، وقد تولى بيان ذلك الأستاذ الفاضل عبد الرحمن الوكيل في
مجلة " الهدي النبوي " في أجزاء هذه السنة (٦٧ هـ) ، تحت عنوان (طواغيت) ؛ فليراجعها
من شاء التمسك بهديه ﷺ ؛ فإن مثل هذه الأبحاث قلما كُتب مثلها. فجزى الله
جامعها خير الجزاء.
الفائدة الخامسة: السنة في هذه الصلوات أن يؤتى بهذه مرة، وبهذه أخرى؛
كأدعيهَ الاستفتاح، والتشهدات وغيرها، لا أن يجمع بينها في صلاة واحدة - كما ذهب
إليه بعض المتأخرين -؛ فإن ذلك يستلزم الإتيان بصفة لم ترد عنه ﷺ ، ﴿وذلك بدعة
في الدين﴾ . قال الأذرعي:
" الأفضل لمن تشهد أن يأتي بأكمل الروايات، ويقول كل ما ثبت؛ هذا مرة، وهذا
مرة. وأما التلفيق؛ فإنه يستلزم إحداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة في حديث
_________(١) ﴿ذكره الهيتمي في " الدر المنضود " (ق ٢٥/٢) ، ثم ذكر (ق ٢٧/١) أن المقصود يحصل بكلِّ
من هذه الكيفيات التي جاءت في الأحاديث الصحيحة﴾ .стр. 946
..............................................................................
الحواشي
(١) واحد ". قال الحافظ (١١/١٣٢) :
" وكأنه أخذه من كلام ابن القيم؛ فإنه قال:
إن هذه الكيفية لم ترد مجموعة في طريق من الطرق، والأولى أن يستعمل كل لفظ
ثبت على حدة؛ فبذلك يحصل الإتيان بجميع ما ورد، بخلاف ما إذا قال الجميعَ دفعة
واحدة؛ فإن الغالب على الظن أنه ﷺ لم يفعل ذلك ".
قلت: وقد فصل القول في هذا في كتابه " الجلاء " (٢١٩ - ٢٢٢) ، فراجعه؛ فإنه
نفيس، لا تكاد تجده في كتاب. ﴿وبيّنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بحث له في
التكبير في العيدين " مجموع " (٦٩/٢٥٣/١) ﴾ .
الفائدة السادسة: قال العلامة صديق حسن خان في كتابه " نزل الأبرار بالعلم
المأثور من الأدعية والأذكار " - بعد أن ساق أحاديث كثيرة في فضل الصلاة على
النبي ﷺ والإكثار منها؛ قال - (ص ١٦١) :
" لا شك في أن أكثر المسلمين صلاة عليه ﷺ هم أهل الحديث ورواة السنة
المطهرة؛ فإن من وظائفهم في هذا العلم الشريف التصلية عليه أمام كل حديث، ولا يزال
لسانهم رطباً بذكره ﷺ ، وليس كتاب من كتب السنة، ولا ديوان من دواوين الحديث
- على اختلاف أنواعها؛ من الجوامع والمسانيد والمعاجم والأجزاء وغيرها - إلا وقد اشتمل
على آلاف الأحاديث، حتى إن أخصرها حجماً كتاب " الجامع الصغير " للسيوطي، فيه
عشرة آلاف حديث، وقس على ذلك سائر الصحف النبوية، فهذه العصابة الناجية
والجماعة الحديثية أولى الناس برسول الله ﷺ يوم القيامة، وأسعدهم بشفاعته ﷺ
بأبي هو وأمي -، ولا يساويهم في هذه الفضيلة أحد من الناس إلا من جاء بأفضل مما
جاؤوا به، ودونه خرط القتاد، فعليك يا باغي الخير! وطالب النجاة بلا ضير! أن تكون
مُحَدِّثاً، أو متطفلاً على المحدِّثين، وإلا؛ فلا تكن ... ! فليس فيما سوى ذلك من عائدةстр. 947
﴿وكذلك سنَّ لهم الدعاء في هذا التشهد وغيره، فقال ﷺ :
" إذا قعدتم في كل ركعتين؛ فقولوا: التحيات لله ... ". فذكرها إلى
آخرها، ثم قال: " ثم ليتخيَّر من الدعاء أعجبه إليه " (١) ﴾ . الحواشي
(١) ﴿أخرجه النسائي، وأحمد، والطبراني من طرق عن ابن مسعود (*) ، وهو
مخرج في " الصحيحة "(٨٧٨) مع الكلام في فقهه.
وله شاهد في " مجمع الزوائد " (٢/١٤٢) من حديث ابن الزبير﴾ .
* * *
_________
(*) [وانظر تخريجه مفصلاً فيما سبق ص(٨٦٥) ، وسيأتي الكلام على شطره الأخير
(ص ٩٩٨ - ١٠٠٠، ١٠٠٢ - ١٠٠٣) ] .стр. 948
القيام إلى الركعة الثالثة ثم الرابعة
ثم كان ﷺ ينهض إلى الركعة الثالثة مكبراً (١) ،........................... الحواشي
(١) ﴿ [رواه] البخاري، ومسلم. [وسبق تخريجه من حديث أبي هريرة (ص ٦٧٤) ] ﴾ .
وأما كيف نهوضه ﷺ ؛ أهو معتمداً على يديه، أم على صدور قدميه؟ فذلك مما لم
يرد فيه حديث فيما علمنا، حاشا حديث أبي هريرة:
كان النبي ﷺ ينهض في الصلاة على صدور قدميه.
فإنه بعمومه يشمل هذا المحل، لكنه حديث ضعيف؛ لا يصح إسناده - وقد تقدم -.
ثُمَّ هو معارض في بعض أجزائه لحديث مالك بن الحويرث:
كان ﷺ إذا رفع رأسه من السجدة الأولى والثالثة التي لا يقعد فيها؛ استوى
قاعداً، ثم قام.
وهو حديث صحيح - كما سبق -[ص ٨١٧] .
نعم؛ صح ذلك عن ابن مسعود موقوفاً عليه؛ كما قال عبد الرحمن بن يزيد:
رمقت عبد الله بن مسعود في الصلاة؛ فرأيته ينهض، ولا يجلس. قال:
ينهض على صدور قدميه في الركعة الأولى والثالثة.
أخرجه الطبراني في " الكبير "، والبيهقي (٢/١٢٥ - ١٢٦) من طريق سفيان بن
عيينة عن عبدة ابن أبي لبابة عنه.
وهذا إسناد صحيح. وقد صححه البيهقي، وقد رواه من طرق أخرى عن ابن يزيد،
ورواه أيضاً عن ابن عمر:
أنه كان يقوم على صدور قدميه.
وسنده صحيح أيضاً.стр. 949
..............................................................................
الحواشي
(١) يكون.
أخرجه البيهقي (٢/١٣٥) .
وهذا سند جيد. رجاله كلهم ثقات؛ غير معاذ بن نجدة؛ فقال الحافظ في " اللسان "
- تبعاً لأصله " الميزان " -:
" صالح الحديث، وقد تُكُلِّم فيه ". ثم قال البيهقي:
" وروينا عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يعتمد على يديه إذا نهض. وكذلك كان
يفعل الحسن، وغير واحد من التابعين ". قال النووي في " المجموع " (٣/٤٤٤) :
" وهو مذهبنا. حكاه ابن المنذر عن ابن عمر، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز،
والقاسم بن عبد الرحمن، ومالك، وأحمد ".
قلت: وهو نص الإمام الشافعي في " الأم " (١/١٠١) ؛ قال - بعد أن ساق حديث
ابن الحويرث -:
" وبهذا نأخذ؛ فنأمر من قام من سجود، أو جلوس في الصلاة أن يعتمد على
الأرض بيديه معاً، اتباعاً للسنة؛ فإن ذلك أشبه للتواضع، وأعون للمصلي على الصلاة،
وأحرى أن لا ينقلب، وأي قيام قامه سوى هذا كرهته ".
قلت: ولا يخفى أن حديث ابن الحويرث أخص مما قاله الشافعي من العموم،
فالظاهر أنه قال ذلك قياساً على ما ذكر فيه من القيام، وهو ما يفيده صنيع البيهقي؛
_________(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: هكذا. أو نحو ذلك.стр. 950
﴿وأمر به (المسيء صلاته) في قوله:
" ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة " - كما تقدم (*) -﴾ .
﴿و " كان ﷺ إذا قام من القعدة؛ كبَّر، ثم قام " (١) ﴾ .
و" كان ﷺ يرفع يديه " (٢) مع هذا التكبير أحياناً.
و" كان إذا أراد القيام إلى الركعة الرابعة؛ قال: (الله أكبر) " (٣) . ﴿وأمر
به (المسيء صلاته) - كما تقدم آنفاً -.
و" كان ﷺ يرفع يديه " (٤) مع هذا التكبير أحياناً﴾ .
ثم " كان يستوي قاعداً " (٥) " على رجله اليسرى معتدلاً حتى يرجع كل
عظم إلى موضعه " (٦) ، ﴿" ثم يقوم معتمداً على الأرض " (٧) . الحواشي
(١) ﴿رواه أبو يعلى في " مسنده " (٢٨٤/٢) بسند جيد، وهو مخرج في
" الصحيحة "(٦٠٤) ﴾ .
(٢ و ٣) ﴿ [رواه] البخاري، وأبو داود﴾ .(٤) ﴿ [رواه] أبو عوانة، والنسائي بسند صحيح﴾ .
(٥ و ٧) هو من حديث ابن الحويرث - وقد مضى تخريجه -[٨١٦ - ٨١٧] .(٦) هو من حديث أبي حميد والعشرة من أصحابه، وقد مضى أيضاً [٦٠٥] .следующие страницы →