Полный текст (1 078 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
..............................................................................
الحواشي
(١) واحد ". قال الحافظ (١١/١٣٢) :
" وكأنه أخذه من كلام ابن القيم؛ فإنه قال:
إن هذه الكيفية لم ترد مجموعة في طريق من الطرق، والأولى أن يستعمل كل لفظ
ثبت على حدة؛ فبذلك يحصل الإتيان بجميع ما ورد، بخلاف ما إذا قال الجميعَ دفعة
واحدة؛ فإن الغالب على الظن أنه ﷺ لم يفعل ذلك ".
قلت: وقد فصل القول في هذا في كتابه " الجلاء " (٢١٩ - ٢٢٢) ، فراجعه؛ فإنه
نفيس، لا تكاد تجده في كتاب. ﴿وبيّنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بحث له في
التكبير في العيدين " مجموع " (٦٩/٢٥٣/١) ﴾ .
الفائدة السادسة: قال العلامة صديق حسن خان في كتابه " نزل الأبرار بالعلم
المأثور من الأدعية والأذكار " - بعد أن ساق أحاديث كثيرة في فضل الصلاة على
النبي ﷺ والإكثار منها؛ قال - (ص ١٦١) :
" لا شك في أن أكثر المسلمين صلاة عليه ﷺ هم أهل الحديث ورواة السنة
المطهرة؛ فإن من وظائفهم في هذا العلم الشريف التصلية عليه أمام كل حديث، ولا يزال
لسانهم رطباً بذكره ﷺ ، وليس كتاب من كتب السنة، ولا ديوان من دواوين الحديث
- على اختلاف أنواعها؛ من الجوامع والمسانيد والمعاجم والأجزاء وغيرها - إلا وقد اشتمل
على آلاف الأحاديث، حتى إن أخصرها حجماً كتاب " الجامع الصغير " للسيوطي، فيه
عشرة آلاف حديث، وقس على ذلك سائر الصحف النبوية، فهذه العصابة الناجية
والجماعة الحديثية أولى الناس برسول الله ﷺ يوم القيامة، وأسعدهم بشفاعته ﷺ
بأبي هو وأمي -، ولا يساويهم في هذه الفضيلة أحد من الناس إلا من جاء بأفضل مما
جاؤوا به، ودونه خرط القتاد، فعليك يا باغي الخير! وطالب النجاة بلا ضير! أن تكون
مُحَدِّثاً، أو متطفلاً على المحدِّثين، وإلا؛ فلا تكن ... ! فليس فيما سوى ذلك من عائدةстр. 947
﴿وكذلك سنَّ لهم الدعاء في هذا التشهد وغيره، فقال ﷺ :
" إذا قعدتم في كل ركعتين؛ فقولوا: التحيات لله ... ". فذكرها إلى
آخرها، ثم قال: " ثم ليتخيَّر من الدعاء أعجبه إليه " (١) ﴾ . الحواشي
(١) ﴿أخرجه النسائي، وأحمد، والطبراني من طرق عن ابن مسعود (*) ، وهو
مخرج في " الصحيحة "(٨٧٨) مع الكلام في فقهه.
وله شاهد في " مجمع الزوائد " (٢/١٤٢) من حديث ابن الزبير﴾ .
* * *
_________
(*) [وانظر تخريجه مفصلاً فيما سبق ص(٨٦٥) ، وسيأتي الكلام على شطره الأخير
(ص ٩٩٨ - ١٠٠٠، ١٠٠٢ - ١٠٠٣) ] .стр. 948
القيام إلى الركعة الثالثة ثم الرابعة
ثم كان ﷺ ينهض إلى الركعة الثالثة مكبراً (١) ،........................... الحواشي
(١) ﴿ [رواه] البخاري، ومسلم. [وسبق تخريجه من حديث أبي هريرة (ص ٦٧٤) ] ﴾ .
وأما كيف نهوضه ﷺ ؛ أهو معتمداً على يديه، أم على صدور قدميه؟ فذلك مما لم
يرد فيه حديث فيما علمنا، حاشا حديث أبي هريرة:
كان النبي ﷺ ينهض في الصلاة على صدور قدميه.
فإنه بعمومه يشمل هذا المحل، لكنه حديث ضعيف؛ لا يصح إسناده - وقد تقدم -.
ثُمَّ هو معارض في بعض أجزائه لحديث مالك بن الحويرث:
كان ﷺ إذا رفع رأسه من السجدة الأولى والثالثة التي لا يقعد فيها؛ استوى
قاعداً، ثم قام.
وهو حديث صحيح - كما سبق -[ص ٨١٧] .
نعم؛ صح ذلك عن ابن مسعود موقوفاً عليه؛ كما قال عبد الرحمن بن يزيد:
رمقت عبد الله بن مسعود في الصلاة؛ فرأيته ينهض، ولا يجلس. قال:
ينهض على صدور قدميه في الركعة الأولى والثالثة.
أخرجه الطبراني في " الكبير "، والبيهقي (٢/١٢٥ - ١٢٦) من طريق سفيان بن
عيينة عن عبدة ابن أبي لبابة عنه.
وهذا إسناد صحيح. وقد صححه البيهقي، وقد رواه من طرق أخرى عن ابن يزيد،
ورواه أيضاً عن ابن عمر:
أنه كان يقوم على صدور قدميه.
وسنده صحيح أيضاً.стр. 949
..............................................................................
الحواشي
(١) يكون.
أخرجه البيهقي (٢/١٣٥) .
وهذا سند جيد. رجاله كلهم ثقات؛ غير معاذ بن نجدة؛ فقال الحافظ في " اللسان "
- تبعاً لأصله " الميزان " -:
" صالح الحديث، وقد تُكُلِّم فيه ". ثم قال البيهقي:
" وروينا عن نافع عن ابن عمر: أنه كان يعتمد على يديه إذا نهض. وكذلك كان
يفعل الحسن، وغير واحد من التابعين ". قال النووي في " المجموع " (٣/٤٤٤) :
" وهو مذهبنا. حكاه ابن المنذر عن ابن عمر، ومكحول، وعمر بن عبد العزيز،
والقاسم بن عبد الرحمن، ومالك، وأحمد ".
قلت: وهو نص الإمام الشافعي في " الأم " (١/١٠١) ؛ قال - بعد أن ساق حديث
ابن الحويرث -:
" وبهذا نأخذ؛ فنأمر من قام من سجود، أو جلوس في الصلاة أن يعتمد على
الأرض بيديه معاً، اتباعاً للسنة؛ فإن ذلك أشبه للتواضع، وأعون للمصلي على الصلاة،
وأحرى أن لا ينقلب، وأي قيام قامه سوى هذا كرهته ".
قلت: ولا يخفى أن حديث ابن الحويرث أخص مما قاله الشافعي من العموم،
فالظاهر أنه قال ذلك قياساً على ما ذكر فيه من القيام، وهو ما يفيده صنيع البيهقي؛
_________(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: هكذا. أو نحو ذلك.стр. 950
﴿وأمر به (المسيء صلاته) في قوله:
" ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة " - كما تقدم (*) -﴾ .
﴿و " كان ﷺ إذا قام من القعدة؛ كبَّر، ثم قام " (١) ﴾ .
و" كان ﷺ يرفع يديه " (٢) مع هذا التكبير أحياناً.
و" كان إذا أراد القيام إلى الركعة الرابعة؛ قال: (الله أكبر) " (٣) . ﴿وأمر
به (المسيء صلاته) - كما تقدم آنفاً -.
و" كان ﷺ يرفع يديه " (٤) مع هذا التكبير أحياناً﴾ .
ثم " كان يستوي قاعداً " (٥) " على رجله اليسرى معتدلاً حتى يرجع كل
عظم إلى موضعه " (٦) ، ﴿" ثم يقوم معتمداً على الأرض " (٧) . الحواشي
(١) ﴿رواه أبو يعلى في " مسنده " (٢٨٤/٢) بسند جيد، وهو مخرج في
" الصحيحة "(٦٠٤) ﴾ .
(٢ و ٣) ﴿ [رواه] البخاري، وأبو داود﴾ .(٤) ﴿ [رواه] أبو عوانة، والنسائي بسند صحيح﴾ .
(٥ و ٧) هو من حديث ابن الحويرث - وقد مضى تخريجه -[٨١٦ - ٨١٧] .(٦) هو من حديث أبي حميد والعشرة من أصحابه، وقد مضى أيضاً [٦٠٥] .стр. 951
و " كان يعجن: يعتمد على يديه إذا قام " (١) ﴾ .
و" كان يقرأ في كل من الركعتين: ﴿الفَاتِحَة﴾ ، وأمر بذلك (المسيء
صلاته) ، وكان ربما أضاف إليهما في صلاة الظهر بضع آيات - كما سبق
بيانه في (القراءة في صلاة الظهر) -. الحواشي
(١) ﴿ [رواه] الحربي في " غريب الحديث ". ومعناه عند البخاري وأبي داود،
وأما حديث:
" نهى أن يعتمد الرجل على يده إذا نهض في الصلاة ".
فهو منكر لا يصح؛ كما بينته في " الضعيفة "(٩٦٧) . [وانظر (ص ٨٢١
و٨٢٤) ] ﴾ .
* * *стр. 952
القنوت (١)
في الصلوات الخمس للنازلة
و" كان ﷺ إذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعو لأحد؛ قنت في
الركعة الأخيرة بعد الركوع (٢) إذا قال: " سمع الله لمن حمده. اللهم! ربنا
لك الحمد " " (٣) .
و" كان يجهر بدعائه " (٤) . الحواشي
(١) (القنوت) يطلق على معانٍ، والمراد به هنا: الدعاء في الصلاة في محل
مخصوص من القيام.(٢) فيه أن السنة في القنوت للنازلة في الصلوات أنه بعد الركوع، وعليه
الخلفاء الراشدون، وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق - كما في " المجموع " (٣/٥٠٦) -،
وهو اختيار محمد بن نصر المروزي - كما صرح به في كتابه(١٣٣) -.
وهو الحق؛ فإنه لم يرد مطلقاً عنه ﷺ أنه قنت في النوازل قبل الركوع، ومن أراد
التفصيل في ذلك؛ فليراجع " زاد المعاد " (١/١٠٢ - ١٠٤) ، و " فتح الباري " (٢/٣٩٢ -
٣٩٣) .
(٣ و ٤) هو من حديث أبي هريرة ﵁:
أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد؛ قنت بعد
الركوع، فربما قال إذا قال: " سمع الله لمن حمده ":
" اللهم! ربنا لك الحمد. اللهم! أنْجِ الوليد بن الوليد، وسَلَمة بن هشام، وعياش بن
أبي ربيعة، اللهم! اشدد وطأتك على مُضَرَ، واجعلها سنين كَسِني يوسف ".
يجهر بذلك. وكان يقول في بعض صلاته في صلاة الفجر:стр. 953
..............................................................................
الحواشي
(١٣٣) دون قوله: فربما قال: ... إلخ.
وأخرجه النسائي (١/١٦٣ - ١٦٤) من طريق بقية عن ابن أبي حمزة قال: ثني
محمد قال: ثني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن به نحوه إلى قوله:
" كَسِنِي يوسف ". وزاد:
ثم يقول:
" الله أكبر ". فيسجد. وضاحية مُضَرَ يومئذٍ مخالفون لرسول الله ﷺ .
وهو في " المسند " (٢/٥٠٢) من طريق يزيد عن محمد عن أبي سلمة وحده؛ دون
قوله: وضاحية مضر ... إلخ.
وهذا سند جيد. فيه إثبات التكبير بعد القنوت وهو عزيز.
واعلم أن قوله في هذا الحديث: حتى أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ،
وتمام الآية: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ . لا يصح في هذا الحديث؛ لأنه
منقطع؛ كما بَيَّنَتْهُ رواية مسلم (٢/١٣٤) من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال:
أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة به نحوه وقال بعد قوله: " كسني يوسف ":стр. 954
..............................................................................
الحواشي
(٦٧) :
" سمعت أحمد سئل عن القنوت؟ فقال:
الذي يعجبنا أن يقنت الإمام، ويؤمِّنَ من خلفه ".
قلت: وذلك هو المنقول عن الصحابة؛ ففي " قيام الليل " لابن نصر(١٣٧) : عن
أبي عثمان النَّهْدي:
كان عمر يقنت بنا في صلاة الغداة؛ حتى يسمع صوته من وراء المسجد.
وعن الحسن:
أن أُبي بن كعب أَمَّ الناس في رمضان؛ فكان يقنت في النصف الآخر حتى
يسمعهم الدعاء.стр. 955
الحواشي
(١) رواه أنس بن مالك ﵁، وعنه ثابت قال:
كنا عند أنس بن مالك فكتب كتاباً بين أهله؛ فقال:
اشهدوا يا معشر القراء!
قال ثابت: فكأني كرهت ذلك؛ فقلت: يا أبا حمزة! لو سميتهم بأسمائهم؟ قال:
وما بأس ذلك؛ أن أقول لكم: قراء؟ أفلا أحدثكم عن إخوانكم الذين كنا نسميهم
على عهد رسول الله ﷺ القراء؟ فذكر أنهم كانوا سبعين، فكانوا إذا جَنَّهُم الليل؛
انطلقوا إلى معلم لهم بالمدينة، فيدرسون الليل حتى يصبحوا، فإذا أصبحوا، فمن كانت
له قوة؛ استعذب من الماء، وأصاب من الحطب، ومن كانت عنده سعة؛ اجتمعوا
فاشتروا الشاة وأصلحوها، فيصبح ذلك معلقاً بحُجَرِ رسول الله ﷺ .
فلما أُصيب خُبَيب؛ بعثهم رسول الله ﷺ ، فأتوا على حي من بني سُلَيم، وفيهم
خالي حرامٌ؛ فقال حَرَامٌ لأميرهم: دعني فلأخبر هؤلاء أنا لسنا إياهم نريد؛ حتى يُخَلُّوا
وجهنا. فقال لهم حرام: إنا لسنا إياكم نريد؛ فخلوا وجهنا.
فاستقبله رجل بالرمح؛ فأنفذه منه، فلما وجد الرمح في جوفه؛ قال: الله أكبر،
فزت ورب الكعبة! قال: فانطووا عليهم، فما بقي أحد منهم.
فقال أنس: فما رأيت رسول الله ﷺ وَجَدَ على شيء قط وَجْدَه عليهم؛ فلقد رأيت
رسول الله ﷺ في صلاة الغداة رفع يديه؛ فدعا عليهم. وفي رواية: يدعو عليهم.
أخرجه أحمد قال (٣/١٣٧) : ثنا هاشم وعفان - المعنى - قالا: ثنا سليمان عن
ثابت به.
وهذا إسناد صحيح. رجاله كلهم ثقات؛ رجال الشيخين والأربعة.стр. 956
..............................................................................
الحواشي
(٢٣) ، وابن نصر(١٣٤) ، والبيهقي (٢/٢١٢) عن أبي
عثمان النهدي:
كان عمر يقنت بنا في صلاة الغداة، ويرفع يديه؛ حتى يُخرج ضَبْعَيْهِ.
_________
(*) كذا الأصل. وهو في مطبوعه (١/٣٢٤ - ط: المكتب الإسلامي) .стр. 957
و " يؤمن من خلفه (١) " (٢) . الحواشي
(١) .
فالأولى أن لا يفعله، ويقتصر على ما فعله السلف ﵃؛ من رفع اليدين
دون مسحهما بالوجه في الصلاة. وبالله التوفيق " [اهـ. مختصراً] .(١) أخذ به الإمام أحمد - كما سبق [ص ٩٥٦]-، وهو أصح الوجهين عند
الشافعية: أنه يؤمّن على دعاء الإمام، ولا يقنت.(٢) هو من حديث عبد الله بن عباس ﵁ قال:
قنت رسول الله ﷺ شهراً متتابعاً في الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وصلاة
الصبح؛ في دبر كل صلاة، إذا قال: " سمع الله لمن حمده " من الركعة الآخرة؛ يدعو
على أحياء من بني سُلَيم: على رِعْل وذكوان وعُصَيَّة، ويؤمِّن مَنْ خلفه.
أخرجه أبو داود (١/٢٢٨) ، وابن نصر(١٣٧) ، والحاكم (١/٢٢٥) ، وعنه البيهقي
_________(١) ﴿فهو بدعة.
وأما خارج الصلاة؛ فلم يصح، وكل ما روي في ذلك ضعيف، وبعضه أشد ضعفاً من بعض؛
كما حققته في " ضعيف أبي داود "(٢٦٢) ، و " الأحاديث الصحيحة "(٥٩٧) ، ولذلك قال العز بن
عبد السلام في بعض فتاويه:
" لا يفعله إلا الجهال "﴾ .стр. 958
..............................................................................
الحواشي
(١) (٢/٢٠٠) ، وأحمد (١/٣٠١) ، والحازمي في " الاعتبار " (٦٢ و ٦٤) ، والضياء المقدسي
في " المختارة " (*) من طريق ثابت بن يزيد عن هلال بن خَبَّاب عن عكرمة عنه به. زاد
أحمد والحاكم:
وكان أرسل إليهم يدعوهم إلى الإسلام، فقتلوهم. قال عكرمة:
هذا مفتاح القنوت. وقال الحاكم:
" صحيح على شرط البخاري ". ووافقه الذهبي! وفيه نظر بَيِّن؛ فإن هلالاً هذا
ليس من رجال البخاري، ثم إن فيه مقالاً. وقال النووي (٣/٥٠٢) :
" إسناده حسن أو صحيح ". وقال ابن القيم (١/١٠١) :
" حديث صحيح ". وقال الشوكاني في " النيل " (٢/٤٩٥) :
" وليس في إسناده مطعن، إلا هلال بن خباب؛ فإن فيه مقالاً، وقد وثقه أحمد،
وابن معين وغيرهما ".
وسكت عليه الحافظ في " التلخيص " (٣/٤٢٠) .
والصواب أن الحديث حسن - كما جزم به الحازمي -.
(تنبيه) : قد جاءت قصة دعائه ﷺ على رعل وذكوان في " الصحيحين " من
حديث أبي هريرة - كما سبق -، ومن حديث أنس؛ وفيه أنه قال:
فذلك بدء القنوت.
وهذا مثل قول عكرمة:
هذا مفتاح القنوت.
وكان ذلك في السنة الرابعة من الهجرة؛ بعد ثلاثة أشهر من غزوة أحد - كما قال
_________
(*) وعزاه الشيخ ﵀ في " الصفة " المطبوع للسراج أيضاً.стр. 959
..............................................................................
الحواشي
(١) ابن إسحاق؛ على ما في " البداية " (٤/٧٢) -.
وذلك يفيد أنه ﷺ لم يقنت قبل هذه الواقعة، وليس كذلك؛ فقد ورد أنه قنت
أيضاً في غزوة أحد؛ كما روى البيهقي في " المعرفة " - على ما في " نصب الراية "
(٢/١٢٩) - عن عمر بن حمزة عن سالم عن ابن عمر قال:
صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح يوم أحد، فلما رفع رأسه من الركعة الثانية؛ قال:
" سمع الله لمن حمده. اللهم! العن أبا سفيان، وصفوان بن أمية، والحارث بن
هشام ". فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ .
قلت: ومن هذا الوجه أخرجه الترمذي (٢/١٦٦ - طبع بولاق) ، لكن ليس فيه ذكر
الصلاة، وزاد في آخره:
فتاب الله عليهم؛ فأسلموا، فحَسُنَ إسلامهم. وقال:
" حديث حسن ".
ثم رواه هو، والطحاوي في " المشكل " (١/٢٣٦) من طريق ابن عجلان عن نافع
عن ابن عمر بنحوه. وقال:
" حسن صحيح ".
وقد أخرجه البخاري في (غزوة أحد) من " صحيحه " (٧/٢٩٣) ، والطحاوي أيضاً،
وأحمد (٢/١٤٧) عن الزهري عن سالم عن أبيه:
أنه سمع رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر؛ يقول:
" اللهم! العن فلاناً وفلاناً "، بعدما يقول: " سمع الله لمن حمده، ربنا! ولك
الحمد ". فأنزل الله : ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ، إلى قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ
ظَالِمُونَ﴾ .стр. 960
و " كان يقنت في الصلوات الخمس كلها (١) " (٢) . الحواشي
(١) فيه أن السنةَ في قنوت النازلة الدعاءُ في الفرائض الخمس، وهو الصحيح
من مذهب الشافعية - كما في " المجموع " (٣/٤٩٤ و ٥٠٥) -، وهو ثابت عند علمائنا
الحنفية - كما نقل ذلك الشيخ أنور الكشميري في " فيض الباري " (٢/٣٠٢) -. قال
النووي:
" وأما غير المكتوبات؛ فلا يقنت في شيء منهن ".(٢) هو من حديث ابن عباس ﵁ بمعناه. وقد سبق لفظه قريباً
[ص ٩٥٩] .
وله شاهد من حديث البراء بن عازب:
أن النبي ﷺ كان لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها.стр. 961
..............................................................................
الحواشي
(١٧٧) ، والبيهقي (٢/١٩٨) ، والطبراني، والحازمي(٦٣) (*)
من طريق محمد بن أنس عن مُطَرِّف بن طَريف عن أبي الجهم عنه.
وهذا إسناد حسن، ورجاله - كما قال الهيثمي (٢/١٣٨) : - " موثقون ". وأما قول
ابن القيم (١/١٠٢) :
" لا تقوم به حجة ". فمردود؛ لأنه ليس عليه حجة.
وهو عند مسلم (٢/١٣٧) ، وأبي داود (١/٢٢٧) ، والنسائي (١/١٦٤) ، والترمذي
(٢/٢٥١) وصححه، والدارمي (١/٣٧٥) ، والطحاوي (١/١٤٢) ، والبيهقي (٢/١٩٨) ،
والطيالسي(١٠٠) ، وأحمد (٤/٢٨٠ و ٢٨٥) من طريق أخرى عن البراء بلفظ:
كان يقنت في الصبح والمغرب. وقال أحمد:
" ليس يُروى عن النبي ﷺ أنه قنت في المغرب إلا في هذا الحديث، وعن علي
قوله ".
كذا قال. وهو ذهول عن حديث ابن عباس - وقد أخرجه هو نفسه في " المسند "،
كما سبق -. وعن حديث أنس قال:
كان القنوت في المغرب والفجر.
أخرجه البخاري (٢/٢٢٧ و ٣٩٤) ، والطحاوي (١/١٤٣) ، والبيهقي (٢/١٩٩) .
وقد وهم الحافظ؛ حيث عزاه لمسلم.
وفي الباب عن أبي هريرة قال:
والله! لأُقَرِّبَنّ بكم صلاة رسول الله ﷺ . قال: فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الآخرة
_________
(*) وعزاه الشيخ ﵀ في " الصفة " المطبوع للسراج.стр. 962
لكنه " كان لا يقنت فيها إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم " (١) ، فربما قال: الحواشي
(١٧٨) ، والبيهقي (٢/١٩٨) ، وكذا الطحاوي (١/١٤٢) ،
وأحمد (٢/٢٥٥ و ٣٣٧ و ٤٧٠) من طريق أبي سلمة عنه. قال الحافظ:
" وظاهر الحديث أن جميعه مرفوع ".
قلت: ويشهد له الأحاديث التي قبله.(١) هو من حديث أنس بن مالك ﵁.
أخرجه الخطيب البغدادي في كتاب " القنوت " من حديث محمد بن عبد الله
الأنصاري: ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عنه.
وهذا سند صحيح؛ كما قال الحافظ في " الدراية "(١١٧) وفي " الفتح " (٨/١٨٢) ،
وعزاه فيه (٢/٣٩٣) وفي " التلخيص " (٣/٤١٨ و ٤٣٨) لابن خزيمة في " صحيحه "
﴿ [وهو فيه] (١/٧٨/٢) = [١/٣١٤/٦٢٠] ﴾ .
وله شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ لا يقنت في صلاة الصبح، إلا أن يدعو لقوم أو على قوم.
أخرجه ابن حبان عن إبراهيم بن سعد عن الزُّهري عن سعيد وأبي سلمة عنه. قال
الحافظ:
" إسناده صحيح ".
قلت: وهو في " صحيح البخاري " بهذا الإسناد بنحوه - وقد سبق في أول الفصل
[ص ٩٥٤]-.стр. 963
..............................................................................
الحواشي
(١) وذَكَر الحديثين في " نصب الراية " (٢/١٣٠) ، ثم قال:
" قال صاحب " التنقيح ": وسند هذين الحديثين صحيح. وهما نص في أن القنوت
مختص بالنازلة ".
قلت: ولذلك أنصف الحافظ ابن حجر؛ حيث قال:
" ويؤخذ من جميع الأخبار أنه ﷺ كان لا يقنت إلا في النوازل. وقد جاء ذلك
صريحاً ". ثم ساق الحديثين. قال ابن القيم (١/٩٧) :
" ولم يكن من هديه ﷺ القنوت فيها - يعني: صلاة الصبح - دائماً، ومن المحال أن
رسول الله ﷺ كان في كل غداة بعد اعتداله من الركوع يقول: " اللهم! اهدني فيمن
هديت ... " إلخ، ويرفع بذلك صوته، ويُؤَمِّن عليه أصحابه دائماً إلى أن فارق الدنيا، ثم
لا يكون ذلك معلوماً عند الأمة، بل يضيعه أكثر أمته، وجمهور أصحابه، بل كلهم
حتى يقول من يقول منهم: إنه مُحْدَثٌ ". قال:
" ومن المعلوم بالضرورة أن رسول الله ﷺ لو كان يقنت كل غداة، ويدعو بهذا
الدعاء، ويؤمِّن الصحابة؛ لكان نَقْلُ الأمة لذلك كله كنقلهم لجهره بالقراءة فيها،
وعددها، ووقتها، وإن جاز عليهم تضييع أمر القنوت؛ جاز عليهم تضييع ذلك، ولا فرق!
وبهذا الطريق علمنا أنه لم يكن هديه الجهر بالبسملة كل يوم وليلة خمس مرات
دائماً مستمراً؛ ثم يُضَيِّع أكثر الأمة ذلك، ويخفى عليها! وهذا من أمحل المحال، بل لو
كان ذلك واقعاً؛ لكان نقله كنقل عدد الصلوات، وعدد الركعات، والجهر والإخفات،
وعدد السجدات، ومواضع الأركان، وترتيبها. والله الموفق.
والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف: أنه جهر وأسر، وقنت وترك، وكان إسراره
أكثر من جهره، وتركه القنوت أكثر من فعله، وإنما قنت عند النوازل؛ للدعاء لقوم،стр. 964
..............................................................................
الحواشي
(١) وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدِمَ من دعا لهم وتخلَّصوا من الأسر، وأسلم من دعا
عليهم وجاؤوا تائبين؛ فكان قنوته لعارض، فلما زال؛ ترك القنوت ". قال:
" ولم يكن يخصه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها؛ لأجل ما شرع فيها من الطول،
ولاتصالها بصلاة الليل، وقربها من السَّحَر، وساعة الإجابة، وللتنزُّل الإلهي، ولأنها
الصلاة المشهودة؛ التي يشهدها الله وملائكته، أو ملائكة الليل والنهار - كما روي هذا
وهذا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ - ".
(تنبيه) : وأما حديث أنس:
ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا.
فحديث ضعيف، لا يصح. وإن صححه الحاكم والنووي!
فهو ضعيف من قبل أبي جعفر الرازي - راويه - عن الربيع عن أنس. وقد بسط
الكلام عليه ابن القيم في " الزاد " (١/٩٩ - ١٠٠) ، والحافظ في " التلخيص " (٣/٤١٧ -
٤١٨) وغيرهما.
(فائدة) : قال العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على " الترمذي "
(٢/٢٥٢) :
" وقد ترك الناس القنوت في النوازل التي تنزل بالمسلمين، وما أكثرها في هذه
العصور في شؤون دينهم ودنياهم! حتى صاروا - من تفرقهم وإعراضهم عن التعاون حتى
بالدعاء في الصلوات؛ صاروا - كالغرباء في بلادهم، وصارت الكلمة فيها لغيرهم!
والقنوت في النوازل بالدعاء للمسلمين، والدعاء على أعدائهم ثابت عن النبي ﷺ
في الصلوات كلها بعد قوله: " سمع الله لمن حمده " في الركعة الآخرة ".стр. 965
" اللهم! أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي
ربيعة، اللهم! اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف،
[اللهم! العن لِحْيَانَ ورِعْلاً وذكوانَ، وعُصَيَّة عصت الله ورسوله] " (*)
ثم " كان يقول - إذا فرغ من القنوت -:
" الله أكبر ". فيسجد " (١) الحواشي
(١) هو من حديث أبي هريرة.
أخرجه النسائي، وأحمد - كما سبق [ص ٩٥٥]-، ﴿والسراج (١٠٩/١) ، وأبو
يعلى في " مسنده " بسند جيد﴾ .
* * *стр. 966
القنوت في الوتر
و" كان ﷺ يقنت في ركعة الوتر أحياناً، ويجعله قبل الركوع " (١) . الحواشي
(١) هو من حديث أُبَيّ بن كعب:
أن رسول الله ﷺ كان يوتر؛ فيقنت قبل الركوع.
أخرجه النسائي (١/٢٤٨) ﴿وفي " السنن الكبرى " (ق ٢١٨/١ - ٢) = [١/٤٤٨/
١٤٣٢ و ٦/١٨٤/١٠٥٧٠] ﴾ ، وابن ماجه (١/٣٥٩) ، والضياء المقدسي في " المختارة " من
طريق علي بن ميمون قال: ثنا مَخْلَد بن يزيد عن سفيان عن زُبَيد عن سعيد بن
عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه عنه.
وهذا إسناد جيد. رجاله رجال الشيخين؛ غير علي بن ميمون، وهو ثقة - كما في
" التقريب " -.
وقد تابعه فِطْرُ بن خليفة، ومِسْعَرُ بن كِدَام عن زبيد.
أخرجه عن الأولِ الدارقطنيُّ(١٧٥) ، و ﴿البيهقي [٣/٤٠] ﴾ .
وعن الآخرِ البيهقيُّ (٣/٤٠) ، وذكرهما أبو داود تعليقاً.
وبذلك يصير الإسناد صحيحاً.
وله إسناد آخر عن سعيد بن عبد الرحمن: عند الدارقطني -[ومن طريقه البيهقي
(٣/٣٩) ﴾ - قال: ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث: ثنا المُسَيِّب بن واضح: ثنا
عيسى بن يونُس عن سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة - قال أبو بكر بن سليمان: ربما قال
المسيب: عن عَزْرَة (في الأصل [عند الدارقطني] : عروة. وهو تصحيف) ، وربما لم يقل -
عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى به.
وهذا سند صحيح أيضاً.
وقد أخرجه ابن نصر(١٣١) : ثنا إسحاق: أخبرنا عيسى بن يونس به؛ دون قوله:стр. 967
الحواشي
(٤٢٦) ﴾ (*) .(١) وكذلك كان لا يخصه بالنصف الأخير من رمضان. والحجة في ذلك: أن
الأحاديث الواردة فيه مطلقة غير مقيدة - كما رأيت -، ومثلها حديث الحسن بن علي
_________
(*) وعزاه الشيخ ﵀ في " الصفة " المطبوع لابن أبي شيبة (١٢/٤١/١) ، وأحمد،
والطبراني، وابن عساكر (٤/٢٤٤/٢) ؛ قال: " بسند صحيح ".стр. 968
..............................................................................
الحواشي
(١٣١) عن
عمر، وعلي، وابن مسعود القنوتَ في الوتر في السَّنَةِ كلها. قال الترمذي:
" وهو قول أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري، وابن المبارك، وإسحاق، وأهل
الكوفة ".
واعلم أنه إنما قلنا: كان يقنت أحياناً؛ لأننا تتبعنا الأحاديث الواردة في إيتاره ﷺ
- وهي كثيرة -؛ فوجدنا أكثرها لا تتعرض لذكر القنوت مطلقاً - كأحاديث عائشة، وابن
عباس وغيرهما -، ومقتضى الجمع بينها وبين حديث أُبَيّ وما في معناه أن يقال: إنه
كان يقنت أحياناً، ويدع أحياناً، إذ لو كان يقنت دائماً؛ لما خفي ذلك على أكثر
الصحابة الذين رووا إيتاره ﷺ ، وذلك يدل على أن القنوت ليس بالأمر الحتم؛ بل هو
سنة، وعليه جمهور العلماء من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وهو مذهب أبي
يوسف، ومحمد؛ خلافاً لأستاذهما أبي حنيفة؛ فإنه قال بوجوبه.
وقد اعترف المحقق ابن الهمام في " فتح القدير " (١/٣٠٦ و ٣٥٩ و ٣٦٠) بأن القول
بوجوبه ضعيف لا ينهض عليه دليل، ﴿وهذا من إنصافه وعدم تعصبه﴾ . فراجع كلامه
في ذلك؛ فإنه نفيس. ومثل هذا التصريح لا تكاد تجده في كتب علمائنا.
هذا، وكون قنوت الوتر قبل الركوع هو مذهب الحنفية، وهو الحق الذي لا ريب
فيه؛ إذ لم يصح عنه ﷺ خلافه، وهو المروي عن عمر بن الخطاب، وابن مسعود في
" قيام الليل "(١٣٣) .стр. 969
..............................................................................
الحواشي
(١١٥) -.
وأما الحديث الذي رواه الحاكم (٣/١٧٢) ، وعنه البيهقي (٣/٣٨ - ٣٩) عن الفضل
ابن محمد الشَّعْراني: ثنا أبو بكر عبد الرحمن بن عبد الملك بن شَيْبة الحِزَامي: ثنا ابن
أبي فُدَيك عن إسماعيل بن إبراهيم بن عُقبة عن عمه موسى بن عُقبة عن هشام بن
عروة عن أبيه عن عائشة عن الحسن بن علي قال:
علمني رسول الله ﷺ في وتري إذا رفعت رأسي، ولم يبق إلا السجود:
" اللهم! اهدني فيمن هديت ... ".
وكذلك أخرجه الطبراني في " الكبير ".
فهذا إسناد ضعيف. وقول الحاكم:
" صحيح على شرط الشيخين ": وَهْمٌ - وإن وافقه عليه الأستاذ أحمد محمد شاكر
في تعليقه على " المحلى " (٤/١٤٨) ، ولا أدري كيف خفي ذلك عليه -، وبيانه من
وجوه:
أولاً: إن أبا بكر عبد الرحمن بن شيبة لم يخرج له مسلم شيئاً، والبخاري إنما روى
له حديثين متابعة. ثم هو متكلم فيه؛ قال أبوأحمد الحاكم:
" ليس بالمتين عندهم ". وقال أبو بكر بن أبي داود:
" ضعيف ". وقال ابن حبان في " الثقات ":стр. 970
..............................................................................
الحواشي
(١) " ربما خالف ". وفي " التقريب ":
" صدوق يخطئ ". فمن كان هذا حاله؛ لا يقبل منه ما تفرد به دون الثقات.
ثانياً: إن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة هو من أفراد البخاري دون مسلم.
ثالثاً: إن محمد بن جعفر بن أبي كثير قد خالفه في إسناده ومتنه؛ فقال: ثني
موسى بن عُقبة: ثنا أبو إسحاق عن بُرَيد ابن أبي مريم عن أبي الحَوْرَاء عن الحسن بن
علي قال:
علمني رسول الله ﷺ هؤلاء الكلمات في الوتر ... فذكرها؛ دون قوله:
إذا رفعت رأسي، ولم يبق إلا السجود.
أخرجه الحاكم، والطبراني أيضاً في " الكبير ". وكذلك رواه غير ما واحد عن بُرَيد
- كما يأتي -. قال الحافظ في " الدراية ":
" وهو الصواب ". وقال في " التلخيص " (٣/٤٣١) :
" (تنبيه) : ينبغي أن يُتأمل في هذه الزيادة؛ فقد رأيت في الجزء الثاني من " فوائد
أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران الأصبهاني " في تخريج الحاكم له قال: ثنا محمد
ابن يونس المُقري: ثنا الفضل بن محمد البيهقي: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة المدني
الحِزامي ... بسنده المتقدم، ولفظه:
علمني رسول الله ﷺ أن أقول في الوتر قبل الركوع ... فذكره. وزاد في آخره:
" ولا منجا منك إلا إليك ".
قلت: وبالجملة؛ فهذه الزيادة لا تصح (*) ، سواء كان أصلها قبل الركوع، أو بعده.
_________
(*) ثم مال الشيخ ﵀ إلى تحسينه. انظر " الإرواء " (٢/١٦٨ - ١٦٩) .стр. 971
وعَلَّم الحسَنَ بن علي ﵁ أن يقول [إذا فرغ من قراءته في
الوتر] (*) :
" اللهم! اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن
توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وَقِني شر ما قضيت، [فـ] (١) إنك تقضي
ولا يُقضى عليك. [و] (١) إنه لا يذل من واليت، [ولا يَعِزُّ من عاديت] (٢) ، الحواشي
(١) قال الحافظ في " التلخيص " (٣/٤٢٦) :
" وأسقط بعضهم الواو من قوله: " وإنه لا يذل ... ". وأثبت بعضهم الفاء في قوله:
" فإنك تقضي " ".
قلت: وأكثر الرواة على إثبات الواو والفاء، وهي رواية ﴿ابن أبي شيبة [١/٦٨٨٨
و٢٩٦٩٦] ﴾ ، وابن خزيمة (١٠٩٥ و ١٠٩٦) ، والنسائي، والترمذي، والدارمي، والحاكم،
وأحمد. وصحح ذلك النووي في " المجموع " (٣/٤٩٥) ؛ فقال:
" الحديث الصحيح باثبات الفاء والواو؛ هذا لفظه في رواية الترمذي وجمهور
المحدِّثين ". قال:
" وتقع هذه الألفاظ في كتب الفقه مغيرة؛ فاعتَمِدْ ما حققتُه؛ فإن ألفاظ الأذكار
يُحافظ فيها على الثابت عن النبي ﷺ ".(٢) قال الحافظ (٣/٤٣٢) :
" هذه الزيادة ثابتة في الحديث؛ إلا أن النووي قال في " الخلاصة ":
إن البيهقي رواها بسند ضعيف. وتبعه ابن الرِّفْعَة في " المطلب "؛ فقال:
لم تثبت هذه الرواية.стр. 972
..............................................................................
الحواشي
(٦٨) .
وقد أخرجها الطبراني في " الكبير " عنه أيضاً، وعن شعبة؛ كلاهما عن بريد ابن
أبي مريم بهذه الزيادة.
وبالجملة؛ فهي زيادة صحيحة ثابتة لا شك فيها، ﴿وفات ذلك النووي؛ فصرح
﵀ في " روضة الطالبين " (١/٢٥٣ - طبع المكتب الإسلامي) أنها زيادة من العلماء!
مثل زيادتهم: " فلك الحمد على ما قضيت، أستغفرك وأتوب إليك "!стр. 973
تباركت ربنا وتعاليت، [لا منجا منك إلا إليك] (*) " (١) الحواشي
(١) هو من حديث الحسن بن علي نَفْسِه قال:
علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في قنوت الوتر: ... فذكرها.
أخرجه أبو داود (١/٢٢٥) ، والنسائي (١/٢٥٢) ، والترمذي (٢/٣٢٨) ، والدارمي
(١/٣٧٣ - ٣٧٤) ، وابن ماجه (١/٣٥٨) ، وابن نصر(١٣٤) ، والحاكم (٣/١٧٢) ،
والبيهقي (٢/٢٠٩ و ٤٩٧) ، وأحمد (١/١٩٩) ، والطبراني في " الكبير "، ﴿وكذا ابن
أبي شيبة [٢/٩٥/٦٨٨٨] ﴾ من طرق عن بريد ابن أبي مريم عن أبي الحوراء عنه.
ورواه ابن خزيمة ﴿ (١/١١٩/٢) = [٢/١٥١ و ١٥٢/١٠٩٥ و ١٠٩٦] ﴾ ، وابن حبان
في " صحيحيهما " (*) - كما في " نصب الراية " (٢/١٢٥) ، و " التلخيص " (٤/٤٢٥) -.
والزيادة عند البيهقي، والطبراني.
والحديث صحيح - كما قال النووي (٣/٤٩٦) -، ورجاله كلهم ثقات. وسكت عليه
الحاكم. واقتصر الترمذي على قوله:
" حديث حسن ". وهو قصور.
وأما تضعيف ابن حزم له في " المحلى " (٤/١٤٧ - ١٤٨) ؛ فمما لا يلتفت إليه؛ لأنه
لا سلف له في ذلك ولا حجة.
_________
(*) ﴿وابن منده في " التوحيد " (٧٠/٢) بسند آخر حسن﴾ .стр. 974
..............................................................................
الحواشي
(١) وهناك زيادات في بعض الروايات لا تصح؛ أحببت التنبيه عليها: فمنها ما عند
ابن ماجه من طريق شريك عن أبي إسحاق عن بريد:
" ... سبحانك تباركت ... ".
وشريك: سيئ الحفظ.
وعزا هذه الزيادة الحافظ في " التلخيص " للترمذي. وهو وهم، تبعه عليه الشوكاني
(٣/٣٧) ! وزاد أبو بكر بن مِهْران الأصبهاني (*) في آخره:
" لا منجا منك إلا إليك ". وهي ضعيفة لا تصح (**) - كما سبق قريباً -.
(تنبيه) : زاد النسائي من طريق أخرى عن ابن وهب عن يحيى بن عبد الله بن سالم
عن موسى بن عُقبة عن عبد الله بن علي عن الحسن بن علي به، قال في آخره:
" وصلّى الله على النبي الأمي ".
وهذا إسناد ضعيف. وإن قال النووي في " المجموع " (٣/٤٩٩) :
" صحيح أو حسن ".
فقد تعقبه العلماء، وبيَّنوا وهمه في ذلك؛ قال الحافظ في " التلخيص " (٣/٤٣٠)
- بعد أن نقل كلامه هذا -:
" قلت: وليس كذلك؛ فإنه منقطع؛ فإن عبد الله بن علي - وهو: ابن الحسين بن
علي - لم يلحق الحسن بن علي.
وقد اختُلف على موسى بن عقبة في إسناده ". ثم بين هذا الاختلاف.
_________
(*) ﴿وابن منده في " التوحيد " (ق ٧٠/٢) ﴾ .
(**) انظر التعليق (ص ٩٧٢) .стр. 975
..............................................................................
стр. 976
..............................................................................
الحواشي
(١٣٦) .
ومعاذ هذا: صحابي صغير - كما في " التقريب " -، وهو: ابن الحارث الأنصاري
النَّجَّاري، أحد من أقامه عمر ﵁ بمصلى التراويح.
﴿وقد ثبت في حديث إمامةِ أُبَيّ بن كعب الناسَ في قيام رمضان أنه كان يصلي
على النبي ﷺ في آخرالقنوت، وذلك في عهد عمر ﵁.
رواه ابن خزيمة في " صحيحه "(١٠٩٧) .
فهي زيادة مشروعة؛ لعمل السلف بها، فلا ينبغي إطلاق القول بأن هذه الزيادة
بدعة. والله أعلم﴾ .
وأما الصلاة على النبي ﷺ في قنوت الفجر؛ فلم يرد مطلقاً، بل قال ابن القيم:
إنه " نقل من قنوت الوتر إلى قنوت الفجر قياساً؛ كما نقل أصل هذا الدعاء إلى
قنوت الفجر ".
قلت: لكن روي حديث بإسناد ضعيف:
أن رسول الله ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع في صلاة الفجر في الركعة الثانية؛
رفع يديه، فيدعو بهذا الدعاء:
" اللهم! اهدني فيمن هديت ... " إلخ.
أخرجه الحاكم في " القنوت " - خارج " المستدرك " - من طريق عبد الله بن سعيد
المقبري عن أبيه عن أبي هريرة.
وهذا إسناد ضعيف. وعزاه الحافظ (٣/٤٣٢) لـ " المستدرك "؛ وهو وَهْمٌ. قال في
" الزاد " (١/٩٨) :стр. 977
..............................................................................
الحواشي
(١) " فما أَبْيَنَ الاحتجاجَ به لو كان صحيحاً أو حسناً، لكن لا يحتج بعبد الله هذا، وإن
كان الحاكم صحَّح حديثه في " القنوت " ". وقال الحافظ:
" قال الحاكم: صحيح. وليس كما قال؛ فهو ضعيف؛ لأجل عبد الله، فلو كان ثقة؛
لكان الحديث صحيحاً، وكان الاستدلال به أولى من الاستدلال بحديث الحسن بن
علي الوارد في قنوت الوتر ".
وهناك حديث آخر:
رواه البيهقي (٣/٢١٠) من طريق عبد الرحمن بن هُرْمُز عن بُريد ابن أبي مريم عن
ابن عباس نحوه.
وهو معلول أيضاً؛ وعلته عبد الرحمن هذا؛ قال الحافظ (٣/٤٢٩) :
" يحتاج إلى الكشف عن حاله ". وقال ابن حبان:
" إن ذكر صلاة الصبح ليس بمحفوظ " - كما في " النيل " (٣/٣٧) -.
إذا علمت أنه لم يصح حديث في القنوت بهذا الدعاء في الفجر؛ فالصواب الذي
يقتضيه النظر أن لا يكون لقنوت الفجر وِرْدٌ خاص راتب يواظب عليه؛ بل يدعو بما
يناسب الحال والنازلة. وكذلك الشأن في بقية الصلوات الخمس.
ومن غرائب الفقه المتعارض أن ينقل هذا الدعاء من قنوت الوتر إلى قنوت الفجر
أيضاً - كما هو مذهب الشافعية -، وأن تترك الحنفية الدعاء به في الوتر، ويأخذوا بالدعاء
الذي كان يقنت به عمر ﵁ في قنوت الفجر، وهو قوله:
اللهم! إنا نستعينك، ونستغفرك ... إلخ.
فنقلوه هم إلى الوتر! فهؤلاء في طرف، وأولئك في طرف آخر!
فإن قيل: فما حجتك في أن عمر ﵁ كان يقنت به في الفجر؟стр. 978
..............................................................................
الحواشي
(١) قلت: هي ما أخرجه الطحاوي (١/١٤٥) ، وكذا أبو داود في " مسائله " (٦٤ -
٦٥) ، وابن نصر (١٣٤ - ١٣٦) ، والبيهقي (٢/٢١٠ - ٢١١) من طرق متعددة:
أن عمر ﵁ قنت في صلاة الغداة قبل الركوع - وفي رواية: بعد الركوع -
بذلك.
وصحح البيهقي بعض أسانيده.
وقد كان قنوت عمر ﵁ بذلك للنوازل؛ بدليل أنه كان يقول قبل هذا
الدعاء:
اللهم! العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك،
ويقاتلون أولياءك. اللهم! خالف بين كلماتهم، وزلزل أقدامهم، وأنزل بهم بأسك الذي
لا ترده عن القوم المجرمين. بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم! إنا نستعينك، ... إلخ.
أخرجه البيهقي وغيره.
وبدليل قوله في آخر الدعاء:
إن عذابك بالكفار ملحق.
* * *стр. 979
التشهد الأخير
وجوب التشهد
ثم كان ﷺ بعد أنْ يتم الركعة الرابعة يجلس للتشهد الأخير.
وكان يأمر فيه بما أمر به في الأول، ويصنع فيه ما كان يصنع في الأول؛
إلا أنه " كان يقعد فيه متوركاً " (١) ؛ يفضي بِوَرِكِه (٢) اليُسرى إلى الأرض،
وُيخْرِجُ قدميه من ناحية واحدة (٣) . و " يجعل اليسرى تحت فخذه وساقه " (٤) . الحواشي
(١) هو من حديث أبي حُمَيد الساعدي ورفقائه بلفظ:
حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم؛ أَخَّر رجله اليسرى، وقعد متوركاً على
شقه الأيسر.
وقد تقدم في (الركوع) [ص ٦٠٥] .
وسنده صحيح.(٢) ﴿هي ما فوق الفخذ﴾ .(٣) هو من حديث أبي حميد أيضاً.
أخرجه أبو داود (١/١٥٢) ، والبيهقي (٢/١٢٨) من طريق ابن لَهِيعة عن يزيد بن
أبي حَبِيب عن محمد بن عمرو بن حَلْحَلة عن محمد بن عمرو العامري عنه.
وابن لهيعة: سيئ الحفظ.
لكن قد تابعه الليث بن سعد: عند البيهقي (٢/١٠٢) .
فالإسناد صحيح.(٤) هو من حديث عبد الله بن الزبير قال:
كان رسول الله ﷺ إذا قعد في الصلاة؛ جعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه،стр. 980
..............................................................................
الحواشي
(١) وفرش قدمه اليمنى، ووضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على
فخذه اليمنى، وأشار بأصبعه.
أخرجه مسلم (٢/٩٠) [واللفظ له] ، وأبو عوانة (٢/٢٢١) ، وأبو داود (١/١٥٦) ،
والبيهقي (٢/١٣٠) ، والطبراني في " الكبير " من طريق عبد الواحد بن زياد: ثنا عثمان
ابن حَكِيم: ثني عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه به.
وقال أبو داود [وأبو عوانة] : (تحت) .. بدل: (بين) .
ولعله أوضح في المعنى، والمراد أنه كان يجعل قدمه اليسرى تحت فخذه وساقه
اليمنى.
واعلم أن العلماء اختلفوا في صفة الجلوس في التشهدين:
فمنهم من قال: يفترش فيهما. وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه.
ومنهم من قال: يتورك فيهما. وهو قول مالك وأتباعه.
ومنهم من قال: يتورك في كل تشهد يليه السلام، ويفترش في غيره. وهو مذهب
الشافعي وأصحابه.
ومنهم من قال: يتورك في كل صلاة فيها تشهدان في الأخير منهما؛ فرقاً بين
الجلوسين. وهو مذهب الإمام أحمد ﵁، وهو أسعد الأئمة في هذا المكان
بالسنة؛ فإن معه حديثِ أبي حميد هذا ومن معه من الصحابة، وهو نصٌّ في ذلك؛
قال في " زاد المعاد " (١/٩١) :
" قال الإمام أحمد ومن وافقه: هذا مخصوص بالصلاة التي فيها تشهدان، وهذا
التورك فيها جُعل فرقاً بين الجلوس في التشهد الأول - الذي يسن تخفيفه؛ فيكون
الجالس فيه متهيئاً للقيام -، وبين الجلوس في التشهد الثاني - الذي يكون الجالس فيهстр. 981
..............................................................................
الحواشي
(١) مطمئناً -. وأيضاً فتكون هيئة الجلوس فارقة بين التشهدين، مذكرةً للمصلي حاله فيهما.
وأيضاً فإن أبا حميد إنما ذكر هذه الصفة عنه ﷺ في الجلسة التي في التشهد الثاني؛
فإنه ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول، وأنه كان يجلس مفترشاً، ثم قال:
وإذا جلس في الركعة الآخرة. وفي لفظ:
فإذا جلس في الركعة الرابعة ".
وينبغي أن نسوق أدلة كل مذهب من المذاهب المذكورة؛ ليظهر الحق منها:
أما المدهب الأول: فاحتج أصحابه بثلاثة أحاديث:
الأول: عن عائشة قالت:
وكان ﷺ يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله
اليمنى ... الحديث.
وقد سبق في (افتتاح الصلاة) . وهو بعمومه حجة ظاهرة؛ لأنها ذكرت ذلك بعد
قولها: في كل ركعتين التحية. فقولها: وكان يفرش ... إلخ؛ كأنه نص أنه في كل
ركعتين أيضاً؛ لكن الحديث - وإن كان في " صحيح مسلم "؛ فهو - معلّ بالانقطاع كما
بَيَّنَّاه هناك. ولو صح؛ لقلنا بجواز الافتراش في التشهد الأخير، وأنه سنة أحياناً، لكنه
لم يصح.
الثاني: عن وائل بن حُجْر قال:
فلما قعد للتشهد؛ فرش رجله اليسرى، ثم قعد عليها، ووضع كفه اليسرى على
فخذه اليسرى، ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم عقد أصابعه، وجعل حلقة
بالإبهام والوسطى، ثم جعل يدعو بالأخرى.
أخرجه النسائي (١/١٤١) ، والدارمي (١/٣١٤) ، وأحمد (٤/٣١٨) ، والطحاويстр. 982
..............................................................................
الحواشي
(١) (١/١٥٢ - ١٥٣) ، والبيهقي (٢/١٣٢) .
وسنده صحيح. وأظن أنه تقدم (*) .
قال الطحاوي:
" قوله: (يدعو) : دليل على أنه كان في آخر الصلاة ".
وهو كما قال، لكن ينبغي أن ينظر: هل كانت هذه الصلاة ثنائية أم رباعية؟ وقد
وجدت في " سنن النسائي " (١/١٧٣) رواية أخرى تُعيِّن ذلك بلفظ:
وإذا جلس في الركعتين؛ أضجع اليسرى، ونصب اليمنى، ووضع يده اليمنى على
فخذه اليمنى، ونصب أصبعه للدعاء.
وإسنادها صحيح أيضاً.
فهذا نص في أن الافتراش إنما كان في الركعتين، والظاهر أن الصلاة كانت ثنائية،
ولعلها صلاة الصبح.
وعليه؛ فالحديث لا حجة فيه لهذا المذهب، بل هو حجة للمذهب الرابع - مذهب
أحمد -؛ الذي يقول بالافتراش في التشهد الأول في الرباعية، وكذا في الثنائية، وهو
حجة على المذهب الثاني والثالث.
الحديث الثالث:
إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتَثْني رجلك اليسرى.
أخرجه مالك (١/١١٢ - ١١٣) ، وعنه البخاري (٢/٢٤٢ - ٢٤٣) عن عبد الرحمن
ابن القاسم عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أنه أخبره:
_________
(*) في عدة مواضع منها بحث (وضع اليمنى على اليسرى على الصدر) (ص ٢٠٩) .стр. 983
..............................................................................
الحواشي
(١٣٣) ، والبيهقي أيضاً من طريق يحيى
ابن سعيد عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عبد الله به نحوه. وقد سبق لفظ النسائي
في (الجلوس بين السجدتين) ، وله عنده - وكذا الدارقطني - ألفاظ أخرى، ثم قال الدارقطني:
" كلها صحاح ".
قلت: وهو حجة بإطلاقه، إلا أنه قد جاء عن ابن عمر أيضاً ما يقتضي تقييده
بالتشهد الأول في الرباعية أو بالتشهد؛ في الثنائية. وهو:
ما أخرجه مالك أيضاً، وعنه الطحاوي، والبيهقي عن يحيى بن سعيد أيضاً:
أن القاسم بن محمد أراهم الجلوسَ في التشهد؛ فنصب رجله اليمنى، وثنى رجله
اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، ولم يجلس على قدمه، ثم قال:
أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر، وثني: أن أباه كان يفعل ذلك.
فهذا خلاف ما أفادته رواية القاسم بن محمد التي قبل هذه، ومثلها رواية ابنه
عبد الرحمن، فإن لم تُحمل إحدى الروايتين على تشهدٍ والأخرى على تشهد آخر؛
تعارضتا. قال الحافظ (٢/٢٤٣) :
" فإذا حُملت رواية القاسم وابنه على التشهد الأول، وروايته الأخيرة على التشهدстр. 984
..............................................................................
الحواشي
(١) الأخير؛ انتفى عنهما التعارض، ووافق ذلك التفصيلَ المذكورَ في حديث أبي حميد.
والله أعلم ".
هذا كل ما وجدنا لأرباب هذا المذهب من دليل وحجة. وقد ظهر لك بهذا البيان
أنه لا يَسلَمُ لهم ولا حجة واحدة.
وأما المذهب الثاني: فقد احتجوا بحديث ابن عمر المذكور قريباً:
أنه كان يجلس على وركه الأيسر.
والجواب عنه يتضح مما سبق؛ وهو أن هذه الرواية محمولة على التشهد
الأخير؛ جمعاً بينها وبين الرواية المعارضة له، فالروايتان بمجموعهما حجة لأحمد على
مالك.
وقد وجدت له حجة أخرى؛ وهو حديث ابن مسعود:
أنه ﷺ كان يقول إذا جلس في وسط الصلاة وفي آخرها على وركه اليسرى:
" التحيات ... " الحديث.
وهذا نص واضح في التورك في التشهدين، ولكنه لا يصح إسناده - كما سبق بيانه
في (الافتراش في التشهد) . فراجعه إن شئت -.
ولهم حجة ثالثة، وهو حديث عبد الله بن الزبير هذا.
وأجيب عنه بأنه مجمل، وأنه محمول على التشهد الأخير؛ كما دل عليه حديث
أبي حميد قبله. ذكره في " الزاد " (١/٨٦) .
وأما المذهب الثالث: فليس لهم حجة سوى ما في روايةٍ من حديث أبي حميد
بلفظ:стр. 985
..............................................................................
الحواشي
(١) حتى إذا كان في السجدة التي فيها التسليم؛ أخر رجله اليسرى، فقعد متوركاً على
شقه الأيسر.
وقد تقدمت في (الركوع) [ص ٦٠٥] .
وهذا لا حجة فيه؛ لأن سياق الحديث يدل على أن ذلك إنما كان في التشهد الذي
يليه السلام من الرباعية أو الثلاثية؛ فإنه ذكر قيامه من الركعتين، ثم قال:
حتى إذا كان في السجدة التي فيها التسليم؛ قعد متوركاً.
قال ابن القيم (١/٩٢) :
" فهذا السياق ظاهر في اختصاص هذا الجلوس بالتشهد الثاني ".
قلت: وأصرح منه رواية البخاري المتقدمة آنفاً بلفظ:
فإذا جلس في الركعتين؛ جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى. وإذا جلس
في الركعة الآخرة؛ قدم رجله اليسرى. ونصب اليمنى، وقعد على مقعدته.
وهذه نص فيما قاله ابن القيم، وهي تبين أن بعض الرواة أجملوا رواية حديث أبي
حميد هذا؛ فلم يذكر صفة جلوسه في التشهد الأول؛ فاغتر به من احتج به لهذا
المذهب! وإنما يجب الأخذ بالزائد فالزائد - كما هو معلوم -.
وأما المذهب الرابع: فقد علمت أن حجته هي حديث أبي حميد هذا، وهو نص
صريح قاطع في ذلك؛ فهو أقوى المذاهب وأصحها، وهو الذي يجمع بين مختلف
الأحاديث المتقدمة الثابتة، ولا يرد شيئاً منها، بخلاف غيره من المذاهب؛ فإنه يلزم أن
يَرُد كثيراً من تلك الأحاديث أو بعضها - كما لا يخفى -.следующие страницы →