Полный текст (1 078 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
..............................................................................
الحواشي
(١) مطمئناً -. وأيضاً فتكون هيئة الجلوس فارقة بين التشهدين، مذكرةً للمصلي حاله فيهما.
وأيضاً فإن أبا حميد إنما ذكر هذه الصفة عنه ﷺ في الجلسة التي في التشهد الثاني؛
فإنه ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول، وأنه كان يجلس مفترشاً، ثم قال:
وإذا جلس في الركعة الآخرة. وفي لفظ:
فإذا جلس في الركعة الرابعة ".
وينبغي أن نسوق أدلة كل مذهب من المذاهب المذكورة؛ ليظهر الحق منها:
أما المدهب الأول: فاحتج أصحابه بثلاثة أحاديث:
الأول: عن عائشة قالت:
وكان ﷺ يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله
اليمنى ... الحديث.
وقد سبق في (افتتاح الصلاة) . وهو بعمومه حجة ظاهرة؛ لأنها ذكرت ذلك بعد
قولها: في كل ركعتين التحية. فقولها: وكان يفرش ... إلخ؛ كأنه نص أنه في كل
ركعتين أيضاً؛ لكن الحديث - وإن كان في " صحيح مسلم "؛ فهو - معلّ بالانقطاع كما
بَيَّنَّاه هناك. ولو صح؛ لقلنا بجواز الافتراش في التشهد الأخير، وأنه سنة أحياناً، لكنه
لم يصح.
الثاني: عن وائل بن حُجْر قال:
فلما قعد للتشهد؛ فرش رجله اليسرى، ثم قعد عليها، ووضع كفه اليسرى على
فخذه اليسرى، ووضع مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى، ثم عقد أصابعه، وجعل حلقة
بالإبهام والوسطى، ثم جعل يدعو بالأخرى.
أخرجه النسائي (١/١٤١) ، والدارمي (١/٣١٤) ، وأحمد (٤/٣١٨) ، والطحاويстр. 982
..............................................................................
الحواشي
(١) (١/١٥٢ - ١٥٣) ، والبيهقي (٢/١٣٢) .
وسنده صحيح. وأظن أنه تقدم (*) .
قال الطحاوي:
" قوله: (يدعو) : دليل على أنه كان في آخر الصلاة ".
وهو كما قال، لكن ينبغي أن ينظر: هل كانت هذه الصلاة ثنائية أم رباعية؟ وقد
وجدت في " سنن النسائي " (١/١٧٣) رواية أخرى تُعيِّن ذلك بلفظ:
وإذا جلس في الركعتين؛ أضجع اليسرى، ونصب اليمنى، ووضع يده اليمنى على
فخذه اليمنى، ونصب أصبعه للدعاء.
وإسنادها صحيح أيضاً.
فهذا نص في أن الافتراش إنما كان في الركعتين، والظاهر أن الصلاة كانت ثنائية،
ولعلها صلاة الصبح.
وعليه؛ فالحديث لا حجة فيه لهذا المذهب، بل هو حجة للمذهب الرابع - مذهب
أحمد -؛ الذي يقول بالافتراش في التشهد الأول في الرباعية، وكذا في الثنائية، وهو
حجة على المذهب الثاني والثالث.
الحديث الثالث:
إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتَثْني رجلك اليسرى.
أخرجه مالك (١/١١٢ - ١١٣) ، وعنه البخاري (٢/٢٤٢ - ٢٤٣) عن عبد الرحمن
ابن القاسم عن عبد الله بن عبد الله بن عمر أنه أخبره:
_________
(*) في عدة مواضع منها بحث (وضع اليمنى على اليسرى على الصدر) (ص ٢٠٩) .стр. 983
..............................................................................
الحواشي
(١٣٣) ، والبيهقي أيضاً من طريق يحيى
ابن سعيد عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عبد الله به نحوه. وقد سبق لفظ النسائي
في (الجلوس بين السجدتين) ، وله عنده - وكذا الدارقطني - ألفاظ أخرى، ثم قال الدارقطني:
" كلها صحاح ".
قلت: وهو حجة بإطلاقه، إلا أنه قد جاء عن ابن عمر أيضاً ما يقتضي تقييده
بالتشهد الأول في الرباعية أو بالتشهد؛ في الثنائية. وهو:
ما أخرجه مالك أيضاً، وعنه الطحاوي، والبيهقي عن يحيى بن سعيد أيضاً:
أن القاسم بن محمد أراهم الجلوسَ في التشهد؛ فنصب رجله اليمنى، وثنى رجله
اليسرى، وجلس على وركه الأيسر، ولم يجلس على قدمه، ثم قال:
أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر، وثني: أن أباه كان يفعل ذلك.
فهذا خلاف ما أفادته رواية القاسم بن محمد التي قبل هذه، ومثلها رواية ابنه
عبد الرحمن، فإن لم تُحمل إحدى الروايتين على تشهدٍ والأخرى على تشهد آخر؛
تعارضتا. قال الحافظ (٢/٢٤٣) :
" فإذا حُملت رواية القاسم وابنه على التشهد الأول، وروايته الأخيرة على التشهدстр. 984
..............................................................................
الحواشي
(١) الأخير؛ انتفى عنهما التعارض، ووافق ذلك التفصيلَ المذكورَ في حديث أبي حميد.
والله أعلم ".
هذا كل ما وجدنا لأرباب هذا المذهب من دليل وحجة. وقد ظهر لك بهذا البيان
أنه لا يَسلَمُ لهم ولا حجة واحدة.
وأما المذهب الثاني: فقد احتجوا بحديث ابن عمر المذكور قريباً:
أنه كان يجلس على وركه الأيسر.
والجواب عنه يتضح مما سبق؛ وهو أن هذه الرواية محمولة على التشهد
الأخير؛ جمعاً بينها وبين الرواية المعارضة له، فالروايتان بمجموعهما حجة لأحمد على
مالك.
وقد وجدت له حجة أخرى؛ وهو حديث ابن مسعود:
أنه ﷺ كان يقول إذا جلس في وسط الصلاة وفي آخرها على وركه اليسرى:
" التحيات ... " الحديث.
وهذا نص واضح في التورك في التشهدين، ولكنه لا يصح إسناده - كما سبق بيانه
في (الافتراش في التشهد) . فراجعه إن شئت -.
ولهم حجة ثالثة، وهو حديث عبد الله بن الزبير هذا.
وأجيب عنه بأنه مجمل، وأنه محمول على التشهد الأخير؛ كما دل عليه حديث
أبي حميد قبله. ذكره في " الزاد " (١/٨٦) .
وأما المذهب الثالث: فليس لهم حجة سوى ما في روايةٍ من حديث أبي حميد
بلفظ:стр. 985
..............................................................................
الحواشي
(١) حتى إذا كان في السجدة التي فيها التسليم؛ أخر رجله اليسرى، فقعد متوركاً على
شقه الأيسر.
وقد تقدمت في (الركوع) [ص ٦٠٥] .
وهذا لا حجة فيه؛ لأن سياق الحديث يدل على أن ذلك إنما كان في التشهد الذي
يليه السلام من الرباعية أو الثلاثية؛ فإنه ذكر قيامه من الركعتين، ثم قال:
حتى إذا كان في السجدة التي فيها التسليم؛ قعد متوركاً.
قال ابن القيم (١/٩٢) :
" فهذا السياق ظاهر في اختصاص هذا الجلوس بالتشهد الثاني ".
قلت: وأصرح منه رواية البخاري المتقدمة آنفاً بلفظ:
فإذا جلس في الركعتين؛ جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى. وإذا جلس
في الركعة الآخرة؛ قدم رجله اليسرى. ونصب اليمنى، وقعد على مقعدته.
وهذه نص فيما قاله ابن القيم، وهي تبين أن بعض الرواة أجملوا رواية حديث أبي
حميد هذا؛ فلم يذكر صفة جلوسه في التشهد الأول؛ فاغتر به من احتج به لهذا
المذهب! وإنما يجب الأخذ بالزائد فالزائد - كما هو معلوم -.
وأما المذهب الرابع: فقد علمت أن حجته هي حديث أبي حميد هذا، وهو نص
صريح قاطع في ذلك؛ فهو أقوى المذاهب وأصحها، وهو الذي يجمع بين مختلف
الأحاديث المتقدمة الثابتة، ولا يرد شيئاً منها، بخلاف غيره من المذاهب؛ فإنه يلزم أن
يَرُد كثيراً من تلك الأحاديث أو بعضها - كما لا يخفى -.стр. 986
و " ينصب اليمنى " (١)
، وربما " فرشها " (٢) أحياناً. الحواشي
(١) هو من حديث أبي حميد: عند البخاري بلفظ:
وإذا جلس في الركعة الآخرة؛ قدم رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وقعد على مقعدته.
﴿أما الثنائية كالصبح؛ فالسنة الافتراش - كما تقدم (ص ٨٢٩) -. وبهذا التفصيل
قال الإمام أحمد كما في " مسائل ابن هاني عنه " (ص ٧٩) ﴾ .(٢) هو من حديث عبد الله بن الزبير. وقد سبق لفظه قريباً [ص ٩٨١ - ٩٨٢] .
وقد اختلف العلماء في الجمع بين حديثه هذا وبين ما سبق قبله من حديث أبي
حميد؛ فقال البيهقي (٢/٣٠٥) - بعد أن ساق حديث ابن الزبير -:
" ولعل ذلك كان من شكوى ". وقال ابن القيم (١/٨٧) :
" ومعنى فرش قدمه اليمنى: أنه كان يجلس في هذا الجلوس على مقعدته؛ فيكون
قدم اليمنى مفروشة، وقدم اليسرى بين فخذه وساقه ومقعدته على الأرض، فوقع
الاختلاف في قدمه اليمنى في هذا الجلوس: هل كانت مفروشة أو منصوبة؟
وهذا - والله أعلم - ليس اختلافاً في الحقيقة؛ فإنه كان لا يجلس على قدمه، بل
يخرجها عن يمينه؛ فتكون بين المنصوبة والمفروشة، فإنها تكون على باطنها الأيمن، فهي
مفروشة بمعنى أنه ليس ناصباً لها جالساً على عقبه، ومنصوبة بمعنى أنه ليس جالساً
على باطنها وظَهْرُها إلى الأرض.
فصح قول أبي حميد ومن معه، وعبد الله بن الزبير. أو يقال:
إنه ﷺ كان يفعل هذا وهذا؛ فكان ينصب قدمه، وربما فرشها أحياناً، وهذا أروح
لها. والله أعلم ".стр. 987
و " كان يُلْقِمُ كَفه اليسرى ركبتَه؛ يتحامل عليها " (١) . الحواشي
(١) هو من حديث عبد الله بن الزبير.
أخرجه مسلم (١/٩٠) من طريق أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن عامر بن
عبد الله بن الزبير عن أبيه قال:
كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو؛ وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده
اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه
الوسطى، ويُلقم كفه اليسرى ركبته.
وقد تابعه عثمان بن حَكِيم عن عامر؛ لكن ليس عنده:
ويلقم كفه اليسرى. وقد سبق لفظه قريباً [٩٨١ - ٩٨٢] .
وتابعه عمرو بن دينار بلفظ:
إنه رأى النبي ﷺ يدعو كذلك، ويتحامل النبي ﷺ بيده اليسرى على رجله اليسرى.
أخرجه أبو داود (١/١٥٦) ، والنسائي (١/١٨٧) ، والبيهقي (٢/١٣١ - ١٣٢) .
واسناده صحيح.
وأخرجه الطبراني في " الكبير "، ﴿وأبو عوانة [٢/٢٢٥ - ٢٢٦] ﴾ .стр. 988
وجوب الصلاة على النبي ﷺ
وسنَّ فيه الصلاة عليه ﷺ ، كما سَنَّ ذلك في التشهد الأول. ﴿وقد
مضى هناك ذكر الصيغ الواردة في صفة الصلاة عليه ﷺ ﴾ .
وقد " سمع ﷺ رجلاً يدعو في صلاته؛ لم يُمَجِّدِ الله تعالى، ولم
يُصَلِّ على النبي ﷺ ؛ فقال:
" عَجِلَ هذا ". ثم دعاه، فقال له أو لغيره:
" إذا صلى أحدكم؛ فَلْيَبْدَأْ بتحميد ربه جل وعز، والثناء عليه، ثم
يصلي (وفي رواية: ليصل) على النبي ﷺ ، ثم يدعو بعد بما شاء ".
[وسمع رسول الله ﷺ رجلاً يصلي، فَمَجَّدَ الله، وحمده، وصلى على
النبي ﷺ ؛ فقال رسول الله ﷺ :
" ادعُ؛ تُجَبْ، وسَلْ؛ تُعْطَ "] " (١) . الحواشي
(١) هو من حديث فضالة بن عبيد ﵁.
أخرجه الإمام أحمد (٦/١٨) ، وعنه أبو داود (١/٢٣٣) ، والترمذي (٢/٢٦٠ - طبع
بولاق) ، والحاكم (١/٢٣٠ و ٢٦٨) ، وعنه البيهقي (٢/١٤٧ - ١٤٨) ، والطحاوي في
" المشكل " (٣/٧٦ - ٧٧) عن عبد الله بن يزيد المقرئ: ثنا حيوة قال: أخبرني أبو هانئ
حميد بن هانئ عن عَمْرو بن مالك الجَنْبي: ثني أنه سمع فَضالة بن عُبيد صاحب
رسول الله ﷺ يقول: ... فذكره.
وهذا سند صحيح متصل. وقال الترمذي:
" حديث حسن صحيح ". وقال الحاكم:
" صحيح على شرط مسلم ". وفي الموضع الآخر:
" صحيح على شرط الشيخين ". ووافقه الذهبي فيهما! وقد وَهِمَا؛ فإن عمرو بنстр. 989
..............................................................................
الحواشي
(٢٤٣) -.
وأخرجه النسائي (١/١٨٩) من طريق ابن وهب عن أبي هانئ به بلفظ:
" عَجِلْتَ أيها المصلي! ". ثم علمهم رسول الله ﷺ ...
وفيه الزيادة.
وإسنادها صحيح أيضاً.
ورواه ابن لهيعة عن أبي هانئ مقتصراً على المرفوع منه فقط بلفظ:
" إذا دعا أحدكم ... " الحديث.
أخرجه ابن السني(٣٩) .
وابن لهيعة: ضعيف؛ لسوء حفظه.
ولهذه الزيادة متابع: أخرجه الترمذي، وكذا الطبراني - كما في " المجمع " (١٠/١٥٥
- ١٥٦) - من طريق رِشْدين بن سعد عن أبي هانئ بلفظ:
بينا رسول الله ﷺ قاعد؛ إذ دخل رجل، فصلى، فقال: اللهم! اغفر لي
وارحمني. فقال رسول الله ﷺ :
" عَجِلْتَ أيها المصلي! إذا صليت فقعدت؛ فاحمد الله بما هو أهله، وصلِّ عليَّ، ثم ادعه ".
قال: ثم صلى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله، وصلى على النبي ﷺ ، فقال له
النبي ﷺ :
" أيها المصلي! ادعُ؛ تُجَبْ ". وقال الترمذي:стр. 990
..............................................................................
الحواشي
(١) " حديث حسن ".
وقد وجدت لها شاهداً من حديث ابن مسعود قال:
كنت أصلي والنبي ﷺ وأبو بكر وعمر معه، فلما جلست؛ بدأت بالثناء على الله،
ثم الصلاة على النبي ﷺ ، ثم دعوت لنفسي، فقال النبي ﷺ :
" سَلْ؛ تعطه، سل؛ تعطه ".
أخرجه الترمذي أيضاً (٢/٤٨٨ - طبع الحلبي) من طريق أبي بكر بن عياش عن
عاصم عن زِرّ عنه.
وهذا سند حسن. وقال الترمذي:
" حديث حسن صحيح ". قال المعلق عليه القاضي أحمد محمد شاكر:
" رواه ابن ماجه ".
قلت: وقد فتشت عنه فيه؛ فلم أجده. وقد عزاه النابلسي في " الذخائر " (٢/١٩٣)
إلى (كتاب السنة) من ابن ماجه، وقد راجعته؛ فلم أره فيه! وإنما روى (١/٦٣) بهذا
الإسناد عن ابن مسعود:
أن أبا بكر وعمر بشّراه؛ أن رسول الله ﷺ قال:
" من أحب أن يقرأ القرآن غضاً كما أُنزل؛ فليقرأه على قراءة ابن أم عبد ".
ثم رأيت الحديث في " البيهقي " (٢/١٥٣) من طريق أخرى عن ابن مسعود أتم
منه؛ وفيه:
" من أحب ... " إلخ.
قوله: " له أو لغيره "؛ كذا في رواية أبي داود، والطحاوي: (أو) . ورواية الآخرين:стр. 991
..............................................................................
الحواشي
(٢٤٦) :
" وهي الرواية الصحيحة التي رواها ابن خزيمة، وابن حبان، وأحمد، والدارقطني،
والبيهقي وغيرهم ". قال:
" و (أو) هنا ليست للتخيير؛ بل للتقسيم. والمعنى: أن أيَّ مصلٍّ صلى؛ فليقل
ذلك، هذا أو غيره؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ . ليس المراد
التخيير؛ بل المعنى: أن أيهما كان؛ فلا تطعه، إما هذا، وإما هذا ".
قوله: " والثناء عليه "؛ أراد بذلك التشهدَ؛ بدليل: أنه ليس في الصلاة موضع
يشرع فيه الثناء على الله تعالى، ثم الصلاة على رسوله، ثم الدعاء إلا في التشهد آخر
الصلاة؛ فإن ذلك لا يشرع في القيام، ولا في الركوع، ولا في السجود اتفاقاً؛ فعلم أنه
إنما أراد به آخر الصلاة حال جلوسه في التشهد. كذا في " الجلاء "(٢٤٢) .
ويؤيد ذلك:
قوله ﷺ في حديث رِشْدين:
" إذا صليتَ، فقعدتَ؛ فاحمدِ الله ... " الحديث.
وقول ابن مسعود:
فلما جلستُ؛ بدأتُ بالثناء على الله، ثم الصلاة على النبي ﷺ ، ثم دعوت لنفسي.
قوله: " يصلي " كذا رواه أبو داود، والطحاوي. وقال الآخرون:
" ليصلِّ ". بزيادة لام الأمر.
وقد استدل به على وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير؛ لأن
أمره ﷺ للوجوب.стр. 992
..............................................................................
الحواشي
(١) لقوله بوجوبها - كالطحاوي
وغيره -. قال الحافظ (١١/١٣٧) :
" وأصح ما ورد في ذلك عن الصحابة والتابعين: ما أخرجه الحاكم بسند قوي عن
ابن مسعود قال:
يتشهد الرجل، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو لنفسه.
وهذا أقوى شيء يُحتج به للشافعي؛ فإن ابن مسعود ذكر أن النبي ﷺ علمهم
التشهد في الصلاة، وأنه قال:
" ثم ليتخير من الدعاء ما شاء ".
فلما ثبت عن ابن مسعود الأمر بالصلاة عليه قبل الدعاء؛ دل على أنه اطلع على
زيادة بين التشهد والدعاء، واندفعت حجة من تمسك بحديث ابن مسعود في دفع ما
ذهب إليه الشافعي؛ مثل ما ذكر عياض؛ قال:
وهذا تشهد ابن مسعود الذي علمه له النبي ﷺ ؛ ليس فيه ذكر الصلاة عليه.
وكذا قول الخطابي: إن في آخر حديث ابن مسعود:
إذا قلت هذا؛ فقد قضيت صلاتك.
_________(١) ﴿كما بينه الفقيه الهيتمي في " الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود "
(ق ١٣ - ١٦) ﴾ .стр. 993
..............................................................................
الحواشي
(١) لكن رُد عليه بأن هذه الزيادة مدرجة، وعلى تقدير ثبوتها؛ فتحمل على أن
مشروعية الصلاة عليه وردت بعد تعليم التشهد.
ويتقوى ذلك بما أخرجه الترمذي عن عمر موقوفاً:
الدعاء موقوف بين السماء والأرض؛ لا يَصِلُ منه شيء حتى يُصلى على
النبي ﷺ .
قال ابن العربي:
ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي؛ فيكون له حكم الرفع. انتهى.
وورد له شاهد مرفوع في " جزء الحسن بن عرفة ".
وأخرج المَعْمَريّ في " عمل يوم وليلة " عن ابن عمر بسند جيد قال:
لا تكون صلاة إلا بقراءة، وتشهد، وصلاةٍ عليَّ ".
وأخرج البيهقي في " الخلافيات " بسند قوي عن الشعبي - وهو من كبار التابعين - قال:
من لم يصل على النبي ﷺ في التشهد؛ فليُعِدْ صلاته ". ثم قال الحافظ:
" واستَدل له - يعني: الشافعيَّ - ابنُ خزيمة ومن تبعه بحديث فَضَالة بن عُبيد
هذا ". قال:
" وهذا مما يدل على أن قول ابن مسعود المذكور قريباً مرفوع؛ فإنه بلفظه.
وقد طعن ابن عبد البر في الاستدلال بحديث فضالة للوجوب؛ فقال: لو كان
كذلك؛ لأُمر المصلي بالإعادة كما أمر (المسيء صلاته) . وكذا أشار إليه ابن حزم.
وأُجيب باحتمال أن يكون الوجوب وقع عند فراغه، ويكفي التمسك بالأمر في
دعوى الوجوب ".стр. 994
..............................................................................
الحواشي
(٢٣٧) :
" إنَّ هذا كان غير عالم بوجوبها، معتقداً أنها غير واجبة؛ فلم يأمره النبي ﷺ
بالإعادة، وأَمَرَه في المستقبل أن يقولها. فأَمْرُه بقولها في المستقبل دليل على وجوبها.
وتَرْكُ أمرِه بالإعادةِ دليلٌ على أنه يعذر الجاهل بعدم الوجوب، وهذا كما لم يأمر
النبي ﷺ (المسيء) في الصلاة بإعادة ما مضى من الصلوات - وقد أخبر أنه لا يحسن
غير تلك الصلاة - عذراً له بالجهل.
فإن قيل: فلِمَ أمره أن يعيد تلك الصلاة، ولم يعذره بالجهل؟
قلنا: لأن الوقت باق، وقد علم أركان الصلاة؛ فوجب عليه أن يأتي بها.
فإن قيل: فهلا أمر تارك الصلاة عليه بإعادة تلك الصلاة، كما أمر (المسيء) ؟
قلنا: أمرُه ﷺ بالصلاة عليه فيها مُحْكَمٌ ظاهر في الوجوب.
ويحتمل أن الرجل لما سمع ذلك الأمر من النبي ﷺ ؛ بادر إلى الإعادة من غير أن
يأمره النبي ﷺ .
ويحتمل أن تكون الصلاة نفلاً؛ لا تجب عليه إعادتها.
ويحتمل غير ذلك؛ فلا يترك الظاهر من الأمر - وهو دليل محكم - لهذا المشتبه
المحتمل. والله أعلم ".
ومما يدلك على قوة هذا الجواب أنه ثبت في " صحيح مسلم " (٢/٧٠) وغيره عن
معاوية بن الحكم السلمي:
أنه تكلم في الصلاة فقال:
وا ثُكل أمِّياه! ما شأنكم تنظرون إليَّ ... الحديث.стр. 995
..............................................................................
الحواشي
(١) فلم يأمره ﷺ بالإعادة، ولكن علمه تحريم الكلام فيما يستقبل بقوله:
" إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس؛ إنما هو التسبيح، والتكبير،
وقراءة القرآن ".
أفيدل عدم أمره ﷺ له بالإعادة على أن الكلام في الصلاة جائز؟!
كلا، ثم كلا!
فما يكون جواب ابن عبد البر وأمثاله ممن نحا نحو قوله عن هذا الحديث؛ فهو جوابنا
عن حديث فضالة.
نعم؛ إن الحديث لا يدل على ركنية الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة؛ بحيث إنه
يلزم من تركها بطلانُها، وإنما يدل على الوجوب فقط الذي يأثم تاركه. فتنبه لهذا. والله
أعلم.
ومن أراد التوسع في هذا البحث؛ فليراجع كتاب " الجلاء " لابن القيم (٢٢٢ -
٢٤٨) ؛ فإنه بحث طويل، فيه فوائد نفيسة، لا تجدها في كتاب.
وفي الحديث أن الصلاة على النبي ﷺ قبل الدعاء؛ سبب لاستجابة الدعاء. وقد
قال علي ﵁:
كل دعاء محجوب؛ حتى يُصَلَّى على محمد وآل محمد.
رواه الطبراني في " الأوسط ".
ورجاله ثقات - كما في " المجمع " (١٠/١٦٠) -.
وفي الباب آثار أوردها ابن القيم في فصل خاص من " الجلاء " (٢٦٠ - ٢٦١) ، وقد
تقدم منها أثر ابن مسعود قريباً.стр. 996
وجوب الاستعاذةِ من أربع قبل الدُّعاء
وكان ﷺ يقول:
" إذا فرغ أحدكم من التشهد [الآخِر] (١) ؛ " فلْيستعذ (٢) بالله من أربع؛ الحواشي
(١) هذه الزيادة تفيد مشروعية هذه الاستعاذة بالتشهد الأخير دون الأول؛ خلافاً
لابن حزم في " المحلى " (٣/٢٧١) ، وتبعه ابن دقيق العيد؛ حيث قال:
" المختار أن يدعو في التشهد الأول، كما يدعو في التشهد الأخير؛ لعموم الحديث
الصحيح:
" إذا تشهد أحدكم؛ فليتعوذ بالله من أربع ... ". قال الحافظ في " التلخيص " (٣/٥٠٧) :
" وتعقب بأنه في " الصحيح " عن أبي هريرة بلفظ:
" إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير؛ فليتعوذ ". وقال ابن القيم في " الزاد ":
" ولا كان أيضاً يستعيذ فيه - يعني: التشهد الأول - من عذاب القبر وعذاب
النار ... إلخ. ومن استحب ذلك؛ فإنما فهمه من عمومات وإطلاقات قد صح تبيين
موضعها، وتقييدها بالتشهد الأخير ". ثم قال الحافظ في " الفتح " (٢/٢٥٣) - بعد أن
ساق الحديث -:
" فهذا فيه تعيين هذه الاستعاذة بعد الفراغ من التشهد؛ فيكون سابقاً على غيره من
الأدعية، وما ورد الإذن فيه أن المصلي يتخير من الدعاء ما شاء يكون بعد هذه الاستعاذة
وقبل السلام ".
قلت: وهذه الزيادة في آخر الحديث - " ثم يدعو لنفسه بما بدا له " - نص في ذلك.(٢) ظاهره يفيد الوجوب، وقد قال به بعض أهل الظاهر - ومنهم ابن حزم
(٣/٢٧١) -؛ قال الحافظ (٢/٢٥٦) :стр. 997
[يقول: (اللهم! إِني أعوذ بك] من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن
فتنة المحيا والممات، ومن شر [فتنة] المسيح الدجال) . [ثم يدعو لنفسه بما
بدا له] " (١) . الحواشي
(١) هو من حديث أبي هريرة ﵁.
أخرجه مسلم (٢/٩٣) ، ﴿وأبو عوانة [٢/٢٣٥] ﴾ ، وابن ماجه (١/٢٩٤) ، وأحمد
(٢/٢٣٧) ، وعنه أبو داود (١/١٥٥) من طريق الوليد بن مسلم: ثني الأوزاعي: ثنا
حسان بن عطية: ثني محمد ابن أبي عائشة: أنه سمع أبا هريرة يقول: ... فذكره.
وأخرجه الدارمي (١/٣١٠) ، وكذا مسلم من طرق عن الأوزاعي؛ بدون الزيادة الأولى.
ثم أخرجه مسلم، والبيهقي (٢/١٥٤) ، وأحمد (٢/٤٧٧) عن وكيع عنه بالزيادة
الثانية والثالثة.
وأخرجه النسائي (١/١٩٣) ، ﴿وابن الجارود في " المنتقى "(٢٠٧) ﴾ عن عيسى بن
يونس عن الأوزاعي به. وفيه الزيادة الأخيرة. وهو في " مسلم " من هذا الوجه، لكنه لمстр. 998
و " كان يدعو به في تشهده " (١) . الحواشي
(١) هو من حديث عبد الله بن عباس ﵁.
أخرجه أبو داود (١/١٥٥ - ١٥٦) من طريق محمد بن عبد الله بن طاوس عن أبيه
عن طاوس عنه عن النبي ﷺ :
أنه كان يقول بعد التشهد: ... فذكره بلفظ حديث مالك الآتي بعده.
وهذا سند حسن. رجاله كلهم رجال مسلم؛ غير محمد بن عبد الله هذا؛ وثقه ابن
حبان، وروى عنه جمع.стр. 999
و " كان يعلّمه الصحابة ﵃ كما يعلّمهم السورة من
القرآن " (١) . الحواشي
(١) هو من حديث ابن عباس ﵁ أيضاً.
أخرجه مالك (١/٢١٦ - ٢١٧) ، وعنه مسلم (٢/٩٤) ، وأبو داود (١/٢٤١) ،
والنسائي (٢/٣٢٠) ، والترمذي (٢/٢٦٣) ، وأحمد (١/٢٤٢) - كلهم عن مالك - عن
أبي الزبير عن طاوس عنه به، وفيه:
يقول: " قولوا: اللهم! إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر،
وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ". وقال الترمذي:
" حديث حسن صحيح ". وله طريق أخرى:
أخرجه البخاري في " الأدب المفرد "(١٠٠) ، وابن ماجه (٢/٤٣٢) عن كُرَيب عن
ابن عباس.
وفيه بكر بن سُليم الصوّاف، وهو مقبول - كما في " التقريب " -.стр. 1000
الدعاء قبل السلام، وأنواعه
......................................... (*)
وكان ﷺ يدعو في صلاته (١) بأدعية متنوعة؛ تارة بهذا، وتارة بهذا،
وأقرَّ أدعية أخرى، ﴿و " أمر المصلي أن يتخير منها ما شاء " (٢) ﴾ ، وهاك هي: الحواشي
(١) لم يأت تعيين محل هذه الأدعية من الصلاة، وهي تشمل كل موضع صالح للدعاء؛
كالسجود، والتشهد، وقد ورد الأمر بالدعاء فيهما - كما سبق -. وانظر " فتح الباري " (٢/٢٥٣) .(٢) ﴿ [رواه] البخاري ومسلم (*) . قال الأثرم:
" قلت لأحمد: بماذا أدعو بعد التشهد؟
قال: كما جاء في الخبر.
_________
(*) سبق تخريجه مفصلاً (ص ٨٩٣ - ٨٩٤) .стр. 1001
١- " اللهم! إني أعوذ بك (١) من عذاب القبر (٢) ، وأعوذ بك من الحواشي
(١) قال القاضي عياض ﵀:
" دعاء النبي ﷺ واستعاذته من هذه الأمور التي قد عُوْفِيَ منها وعُصِمَ؛ إنما فعله
ليلتزم خوف الله تعالى، وإعظامه، والافتقار إليه، ولتقتدي به أمته، وليبين لهم صفة
الدعاء، والمهم منه. والله أعلم ". كذا في " شرح مسلم ".(٢) فيه إثبات عذاب القبر وفتنته. وهو مذهب أهل السنة، وأكثر المعتزلة؛ خلافاً
لمن نفاه؛ كالخوارج، وبعض المعتزلة.стр. 1002
فتنة (١) المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات. اللهم! إني الحواشي
(١) قال أهل اللغة: (الفتنة) : الامتحان والاختبار. قال عياض: واستعمالها في
العرف لكشف ما يكره. كذا في " الفتح ".
واعلم أن الأحاديث في خروج الدجال في آخر الزمان كثيرة جداً؛ بل هي متواترة،
لا يمكن لمطلع عاقل إنكارها، كلا، ولا تأويل معانيها؛ بل تعطيلها؛ لأن مجموع هذه
الأحاديث تقطع بمجيئه.
وإنه رجل شاب قَطَطٌ، شَبَّهَه ﷺ بعبد العُزّى بن قَطَن، وإنه أعور العين مكتوب
بين عينيه: (كافر) يقرؤه كل مؤمن؛ كاتب وغير كاتب، وهو يخرج بين الشام والعراق،
تَبَعُهُ من يهود أصفهان سبعون ألفاً، عليهم الطيالسة، لَبْثُه في الأرض أربعون يوماً؛ يوم
كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا، سرعته في الأرض كالغيث
استدبرته الريح، وليس من بلد إلا سيطؤه، إلا مكة والمدينة، يأمر السماء فتمطر،
والأرض فتنبت، يجيء ومعه مثل الجنة والنار، وذلك في رَأْيِ العين، ويأخذ رجلاًстр. 1003
..............................................................................
الحواشي
(٢٩) :
" ولا يفهم هذا الرمزَ إلا ذو القريحة الوقادة "!
فأكْبِرْ به من إعجاز!
ومن وقف على كتبه؛ يعلم أن تفسيره كله أو جله على هذه الطريقة الرمزية الصوفية
الغالية، التي لا تستند إلى قاعدة لغوية أو شرعية، وإنما هي الهوى أو الوحي الشيطاني!
_________
(*) انظر كتاب " قصة المسيح الدَّجّال، ونزول عيسى ﵊ وقتله إياه ". بقلم
الشيخ ﵀، طبع المكتبة الإسلامية، عَمَّان / الأردن.стр. 1004
أعوذ بك من المأثم (١) والمغرم ". الحواشي
(١) ﴿هو الأمر الذي يأثم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه؛ وضعاً للمصدر موضع
الاسم، وكذلك (المغرم) : ويريد به الدَّين؛ بدليل تمام الحديث:
قالت عائشة: فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله! فقال:
" إن الرجل إذا غرم؛ حدَّث فكذب، ووعد فأخلف "﴾ .стр. 1005
٢- " اللهم! إني أعوذ بك من شر ما عملت (١) ، ومن شر ما لم أعمل
[بعد] ".
٣- " اللهم! حاسبني حساباً يسيراً ". الحواشي
(١) أي: من شر ما فعلت من السيئات، وما تركت من الحسنات، أو من شر كل
ما يتعلق به كسبي أولاً. سندي.
٣- هو من حديث عائشة أيضاً قالت:
سمعت النبي ﷺ يقول في بعض صلاته:
" اللهم! حاسبني حساباً يسيراً ".
فلما انصرف؛ قلت: يا نبي الله! ما الحساب اليسير؟ قال:
_________
(*) ما بين المعقوفات زيادة يتطلبها السياق.стр. 1006
٤- " اللهم! بِعلمكَ الغيبَ، وقدرتكَ على الخَلْق؛ أَحْيني ما عَلمْتَ
الحياةَ خيراً لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيراً لي. اللهم! وأسَألك
خشيتَكَ في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق (وفي رواية: الحكم)
و [العدل] في الغضب والرضى، وأسألك القصد في الفقر والغنى،
الحواشي
(١٤٣) ، وابن خزيمة في
" التوحيد " (ص ٩) ، والحاكم (١/٥٢٤) ؛ كلهم عن حماد بن زيد عن عطاء بن السائب
عن أبيه عنه:
أنه صلى يوماً صلاة، فأوجز فيها، فقال بعض القوم: لقد خففت؟ فقال: لقد
دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله ﷺ ... فذكرها. قال الحاكم:
" صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا؛ فإن عطاء بن السائب - وإن كان
قد اختلط؛ فقد - روى عنه حماد بن زيد قبل الاختلاط؛ ولذلك قال الحافظ العراقي في
" تخريج الإحياء " (١/٢٨٨) :
" إسناده جيد ".стр. 1007
وأسألك نعيماً لا يَبِيد (١) ، وأسألك قرّة عين [لا تنفد و] لا تنقطع، وأسألك
الرضى بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر
إلى وجهك، و [أسألك] الشوق إلى لقائك؛ في غير ضَرَّاء مُضِرَّة، ولا فتنة
مُضلة. اللهم! زَيِّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين ". الحواشي
(١) وقال النسائي: " ينفد ".
والصواب رواية الجمهور، ويشهد لها ما في " المسند " (١/٤٣٧) من طريق شعبة عن
أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال:
مر بي رسول الله ﷺ وأنا أصلي، فقال:
" سل؛ تعطه يا ابن أم عبد! ". فقال عمر: فابتدرت أنا وأبو بكر، فسبقني إليه أبو
بكر - وما استبقنا إلى خير إلا سبقني إليه أبو بكر -، فقال: إن من دعائي الذي لا أكاد
أن أدع:
اللهم! إني أسألك نعيماً لا يبيد، وقرة عين لا تنفد، ومرافقة النبي محمد، في
أعلى الجنة؛ جنة الخلد.
ورجاله رجال الستة.стр. 1008
٥- وعَلّمَ ﷺ أبا بكر الصديق ﵁ أن يقول:
الحواشي
(١٠٣) ، وكذا مسلم من طريق عمرو بن الحارث عن يزيد بن أبي حبيب: أنهстр. 1009
" اللهم! إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً (١) ، ولا يغفر الذنوب إلا
أنت؛ فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني؛ إنك أنت الغفور
الرحيم ". الحواشي
(١) وفي رواية:
" كبيراً ".
وقد بينا قريباً أنها شاذة. وعلى فرض ثبوتها؛ فينبغي أن يقول هذه تارة، وهذه تارة.
وأما الجمع بينهما فيقال: " كثيراً كبيراً " - كما في " الأذكار " للنووي -؛ فمعترَضٌ
عليه - كما بين ذلك ابن القيم في " الجلاء " (٢١٩ - ٢٢٢) ، والشيخ علي القاري في
" المرقاة " (٢/١٣) -.стр. 1010
٦- وأمر عائشة ﵂ أن تقول:
" اللهم! إني أسألُك من الخير كله؛ ١ [عاجلهِ وآجلهِ] ؛ ما علمتُ منه
وما لم أعلم. وأعوذُ بك من الشرِّ كله؛ ٢ [عاجله وآجلهِ] ؛ ما علمتُ منه وما
لم أعلم. وأسألك (وفي رواية: اللهم! إني أسأَلك) الجنةَ، وما قرَّب إليها
من قولٍ أو عملٍ، وأعوذ بك من النار، وما قرَّب إليها من قول أو عمل.
وأسألك (وفي رواية: اللهم! إني أسألك) من ٣ [الـ] خير ما سألك عبدك
ورسولك ٤ [محمد ﷺ ] ، وأعوذ بك من شر ما استعاذك منه عبدك
ورسولك ٥ [محمد ﷺ ] . ٦ [وأسألك] ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته
٧ [لي] رشداً ".
الحواشي
(٢١٩) - والرواية الأخرى له -؛ ثلاثتهم عن شعبة عن جَبْر بن حبيب عن أم كلثوم بنت أبي
بكر عنها. وقال الحاكم:
" صحيح ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.
وقد تابعه الجُرَيري عن جبر بلفظ: عن عائشة قالت:стр. 1011
..............................................................................
الحواشي
(١٥٤٢) ﴾ .
وروى أبو داود (١/٢٣٣) ، وأحمد (٦/١٨٩) عن أبي نوفل عن عائشة قالت:
كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك.
وسنده صحيح على شرط مسلم.стр. 1012
٧- و " قال لرجل:
" ما تقول في الصلاة؟ ".
قال: أتشهد، ثم أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، أما والله! ما
أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ (١) ، ولا دَنْدَنَةَ معاذ. فقال ﷺ :
" حولها نُدَنْدِنُ " ". الحواشي
(١) بفتحات، ما سوى النون الأولى؛ فبسكونها. أي: مسألتك الخفية، أو:
كلامك الخفي.стр. 1013
٨- وسمع رجلاً يقول في تشهده:
(اللهم! إني أسألك يا الله (١) (وفي رواية: بالله) [الواحد] الأحد
الصمد؛ الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفُواً أحد أن تغفر لي
ذنوبي؛ إنك أنت الغفور الرحيم) . فقال ﷺ :
" قد غفر له، قد غفر له، قد غفر له ". الحواشي
(١) هذه رواية أبي داود، وأحمد؛ بياء النداء. ورواية الآخرين:
(بالله) .. بحرف الجر.стр. 1014
..............................................................................
الحواشي
(١) = والحاكم (١/٥٠٤) ، وأحمد (٥/٣٤٩ - ٣٥٠ و ٣٦٠) عن مالك بن مِغْوَل: ثنا عبد الله
ابن بريدة عن أبيه:
أن رسول الله ﷺ سمع رجلاً يقول: (اللهم! إني أسألك بأني أشهد أنك أنت
الله، لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد) .
فقال:
" لقد سأل الله باسمه الأعظم؛ الذي إذا سئل به؛ أعطى، وإذا دعي به؛
استجاب ". وقال الحاكم:
" صحيح على شرطهما ". ووافقه الذهبي. وهو كما قالا.
واقتصر الترمذي على تحسينه. وهو قصور. ولعل ذلك بالنسبة إلى بعض رجاله.
وأخرجه أيضاً ابن حبان في " صحيحه ". وقال المنذري (٢/٢٧٤) :
" قال شيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي: وإسناده لا مطعن فيه، ولم يرد في هذا
الباب حديث أجود إسناداً منه ".
ثم أخرجه الحاكم من طريق شريك عن أبي إسحاق عن ابن بُريدة به نحوه،
وقال:
" صحيح على شرط مسلم ". كذا قال!
وأخرجه الطحاوي في " المشكل " (١/٦١) عنه عن أبي إسحاق ومالك بن مِغْوَل معاً
به.стр. 1015
٩- وسمع آخر يقول في تشهده:
(اللهم! إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت؛ ١ [وحدك لا
شريك لك] ، ٢ [المنان] ، ٣ [يا] بديعَ السماوات والأرض! يا ذا الجلال
والإكرام! يا حي! يا قيوم! ٤ [إني أسألك] ٥ [الجنة، وأعوذ بك من النار] ) .
٦ [فقال النبي ﷺ لأصحابه:
الحواشي
(١٠٣) مختصراً.
والزيادة الثانية: عند أبي داود، والنسائي، ﴿وابن منده﴾ ، وأحمد. وفي لفظ له:
(الحنَّان) .
والزيادة الثالثة: عنده في رواية، وكذا عند البخاري.
والرابعة: عندهما، وكذا النسائي ﴿وابن منده في الرواية الثانية﴾ .
والخامسة: عنده، وكذا أحمد، وبعضها عند البخاري.
وللحديث ثلاثة طرق: هذا أحدها.стр. 1016
..............................................................................
الحواشي
(١) والثاني: أخرجه ابن ماجه (٢/٤٣٦) ، وأحمد (٣/١٢٠) ، والضياء المقدسي عن
وكيع: ثني أبو خزيمة عن أنس بن سيرين عنه بنحوه.
وهذا سند جيد. رجاله رجال الشيخين، حاشا أبا خزيمة، وهو صدوق - كما في
" التقريب " -. وفيه الزيادة الأولى والثانية.
ثم أخرجه الضياء المقدسي من طريق عيسى بن يونس الرملي: ثنا وكيع بن الجراح
- بالرملة - ثنا سفيان: ثني حميد الطويل عن أنس به.
وهذا سند جيد، وطريق آخر إن كان محفوظاً؛ فإن عيسى بن يونس هذا: قال في
" التقريب ":
" صدوق ربما أخطأ ".
والثالث: أخرجه الحاكم (١/٥٠٤) ، وأحمد (٣/٢٦٥) ، والطحاوي (١/٦٢) ،
﴿وابن منده في " التوحيد " (٦٧/١) = [ص ١٣٦/٢١٣] ﴾ ، والطبراني في " الصغير "
(ص ٢١٥) ، ومن طريقه الضياء المقدسي من وجهين عن إبراهيم بن عُبيد بن رِفاعة
عنه. وفيه الزيادة الثانية والثالثة.
وعند الطبراني وحده ﴿وابن منده [من الطريق الأول؛ الرواية الثانية] ﴾ الزيادة الأخيرة
دون قوله:
" والذي نفسي بيده! ".
وعند الحاكم ﴿وابن منده [من الطريق الثالث] ﴾ الزيادة التي قبل هذه.
وسكت عليه الحاكم. وكذا الذهبي!
وإسناده صحيح. وفيه عند أحمد والطبراني تسمية الرجل الداعي، وهو أبو عياش
زيد بن صامت الزُّرَقي.стр. 1017
" تدرون بما دعا؟ ".
قالوا: الله ورسوله أعلم (١) . قال:
" والذي نفسي بيده!] لقد دعا الله باسمه العظيم (٢) (وفي رواية:
الأعظم) ، الذي إذا دعي به؛ أجاب، وإذا سئل به؛ أعطى ". الحواشي
(١) (تنبيه) : جرت عادة كثير من الناس أنهم إذا سئل أحدهم عما لا علم له به،
سواء كان باستطاعة البشر عادة معرفته أم لا؛ أجاب بقوله: الله ورسوله أعلم.
وهذا جهل بالشرع؛ فإنه ﷺ ما كان يعلم الغيب وهو في قيد الحياة - كما حكى
الله تعالى ذلك عنه في القرآن: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ
السُّوءُ﴾ -؛ فكيف يعلم ﷺ ذلك بعد أن انتقل إلى الرفيق الأعلى؟! فالصواب اليوم أن
يقتصر في الجواب على قوله: الله أعلم.
وإنما كان الصحابة ﵃ يجيبونه ﷺ بقولهم: الله ورسوله أعلم. لعلمهم
بأنه ﷺ ما سألهم إلا وعنده علم ذلك، وإلا؛ ليُنَبَّئَهُم به.
فتنبه لهذا، ولا تكن من الغافلين!(٢) فيه مشروعية التوسل إلى الله تعالى بأسماء الله تعالى ﴿الحسنى وصفاته، وهو
ما أمر الله تعالى به في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨] ﴾ ؛
ولا سيما الاسم الأعظم. وقد اتفق العلماء على ذلك؛ لهذا الحديث وما في معناه.
وإن مما يؤسف له أن ترى الناس اليوم - وفيهم كثير من الخاصة - لا تكاد تسمع أحداً
منهم يتوسل بأسماء الله تعالى؛ بل إنهم على العكس من ذلك يتوسلون بما لم يأت به
كتاب ولا سنة، ولم يعرف عن السالفين من الأئمة؛ كقولهم: أسألك بحق فلان، أو
جاه فلان، أو حرمة فلان!
وقد يحتج أولئك على عملهم هذا بأحاديث بعضها صحيح - كحديث الأعمى،стр. 1018
..............................................................................
стр. 1019
وكان من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم:
١٠- (اللهم! اغفر لي ما قَدّمْتُ، وما أَخّرْتُ، وما أَسْرَرْتُ، وما
أَعْلَنْتُ، وما أَسْرَفْتُ، وما أنتَ أعلمُ به مني، أنت المقدِّمُ، وأنت المؤخِّرُ، لا
إله إلا أنت ".
الحواشي
(١) .
١٠- هو من حديث علي ﵁. وقد مضى بطوله في (الاستفتاح)
[الدعاء رقم ٢] .
أخرجه بهذا اللفظ مسلم (٢/١٨٥) ، ﴿وأبو عوانة [٢/١٠١ و ١٦٨ و ٢٣٥] ﴾ ،
والترمذي (٢/٢٥٠ - ٢٥١ - طبع بولاق) وصححه، والبيهقي (٢/٣٢) بلفظ:
ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: ... فذكره. وفي رواية لهم
ولغيرهم:
وإذا سلم؛ قال: ... فذكره. وبهذا اللفظ تقدم هناك، وهذا بظاهره مخالف للرواية
الأولى؟ قال الحافظ:
" ويجمع بينهما بحمل الرواية الثانية على إرادة السلام؛ لأن مخرج الطريقين واحد.
_________(١) ﴿ولشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة جيدة في هذا الموضوع اسمها " التوسل والوسيلة "،
فلتطالع؛ فإنها هامة جدّاً لا مثيل لها في موضوعها.
ثم رسالتي " التوسل، أنواعه وأحكامه "..، وهي هامة أيضاً في موضوعها وأسلوبها؛ مع الردّ
على بعض شبهات جديدة من بعض الدكاترة المعاصرين. هدانا الله وإياهم أجمعين﴾ .стр. 1020
..............................................................................
الحواشي
(١) وأورده ابن حبان في " صحيحه " بلفظ:
كان إذا فرغ من الصلاة وسلم ...
وهذا ظاهر في أنه بعد السلام. ويحتمل أنه كان يقول ذلك قبل السلام وبعده ".
قلت: وهذا الاحتمال لا بد من المصير اليه، وإلا؛ فاحدى الروايتين خطأ من بعض
الرواة، أو رواية بالمعنى.
والرواية التي عند ابن حبان قد أخرجها قبله أحمد في " المسند " (١/١٠٢) بإسناد
صحيح. والله أعلم.
* * *следующие страницы →