← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9878

تيسير العلام شرح عمدة الأحكام

عبد الله البسام

Полный текст (741 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الفاء للترتيب. وقد صرح. بذلك في بعض الأحاديث. منها ما رواه النسائي عن أم سلمة أن النبي ﷺ " كان يقول كما يقول المؤذن حين يسكت " ٣- أن يجيب المؤذن في كل أحواله، إن لم يكن في خلاء أو على حاجته، لأن كل ذكر له سبب لا ينبغي إهماله، حتى لا يفوت بفوات سببه. ٤- ظاهر الحديث أن السامع يجيب المؤذن بمثل ما يقول في كل جمل الأذان. والذي عند جمهور العلماء أن المجيب يقول: " لا حول ولا قوة إلا بالله " عند قول المؤذن: " حي على الصلاة " و" حي على الفلاح " كما ورد في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ومنه " ثم قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله ". ولأن الحيعلة (١) لا تناسب السامع: إنما الذي يناسبه الحوقلة (٢) فحينما دعاهم المؤذن أجابوه بقولهم: " لا حول ولا قوة إلا بالله " أي بمعونته وتأييده يكون مجيئنا للصلاة وقيامنا بها. فائدة: روى البخاري في صحيحه، عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ قال: من قال حين يسمع النداء: " اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة ".

стр. 107

بَاب استقبال القبْلَة قبلة المسلمين هي الكعبة المشرفة، التي هي عنوان توحيدهم ووحدتهم ومتجه أنظارهم، وملتقى قلوبهم وأرواحهم. وقد جعل الله هذه الكعبة قياماً للناس، في أحوال دينهم ودنياهم، وأمْناً لهم عند الشدائد، يجدون في ظلها الطمأنينة والأمن والإيمان. وبقاؤها تُحَجُ وتزَارُ هو علامة بقاء الدين وقيامه. وكان النبي ﵊ قبل الهجرة يستقبل الكعبة وبيت المقدس معاً على المشهور. فلما هاجر إلى المدينة وفيها اليهود، اقتصر على استقبال بيت المقدس ستة عشر شهراً، وكان يتشوق إلى استقبال الكعبة، أشرف بقعة على الأرض، وأثر أبي الأنبياء وإمام الحنفاء "إبراهيم الخليل" ﵇، فصرفت القبلة إلى الكعبة في السنة الثانية للهجرة. واستقبال القبلة في الصلاة، ثابت في الكتاب والسنة والإجماع. وهو شرط للصلاة، لا تصح بدونه إلا عند العجز أو للنافلة على الدابة، كما سيأتي في هذه الأحاديث، إن شاء الله تعالى. الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُسَبِّحُ عَلَى ظَهْرِ رَاحِلَتِهِ حَيْث كَانَ وجْهُهُ، يومئ برأسه، وَكَانَ ابن عُمَرَ يَفعَلُهُ. وفي رواية: كَانَ يُوتِرُ عَلى بَعِيرِهِ. ولـ " مسلم ": غَيْر أنّهُ لا يُصَلى عَلَيْهَا الْمَكْتُوبَةَ. وللبخاري " إلا الْفَرَائِضَ ". غريب الحديث: ١- "يسبح على ظهر راحلته": التسبيح هنا، يراد به صلاة النافلة، من تسمية الكل باسم البعض. وقد خصت النافلة باسم التسبيح، قال ابن حجر: وذلك عرف شرعي. ٢- "المكتوبة": يعنى الصلوات الخمس المفروضات. ٣- "الراحلة": الناقة التي تصلح لأن ترحل.

стр. 108

المعنى الإجمالي: الغالب في الشريعة أن صلاة الفريضة وصلاة النافلة تشتركان في الأحكام، وهذا هو الأصل فيهما. فما ورد في إحداهما من حكم، فهو لهما سواء. ولكنه يوجد بعض الأدلة التي تخص إحداهما بحكم دون الأخرى. والغالب على هذه االفروق بينهما، تخفيف الأحكام في النافلة دون الفريضة، ومن ذلك، هذا الحديث الذي معنا. فإنه لما كان المطلوب تكثير نوافل الصلاة والاشتغال بها خفف فيها. فكان ﷺ يصليها في السفر على ظهر راحلته حيث توجهت به ولو لم تكن تجاه القبلة ويومىء برأسه إشارة إلى الركوع والسجود. ولا فرق بين أن تكون نفلا مطلقاً، أو من الرواتب أو من الصلوات ذوات الأسباب. لهذا كان يصلى على الراحلة آكد النوافل وهو الوتر. أما الصلوات الخمس المكتوبات فوقوعها قليل لا يشغل المسافر فيها، ويجب الاعتناء بها وتكميلها، فلذا لا تصح على الراحلة إلا عند الضرورة. أحكام الحديث: ١- جواز صلاة النافلة في السفر على الراحلة وفعل ابن عمر له أقوى من مجرد الرواية. ٢- ذهب الإمام أحمد وأبو ثور إلى استقبال القبلة حال ابتداء الصلاة، وذلك لحديث أنس من أنه كان ﷺ إذا أراد أن يتطوع في السفر استقبل بناقته القبلة، ثم صلى حيث وجهه ركابه وظاهر الحديث العموم. ٣- عدم جواز الفريضة على الراحلة بلا ضرورة. قال العلماء: لئلا يفوته الاستقبال، فإنه يفوته ذلك وهو راكب. أما عند الضرورة من خوف أو سَيْل، فيصح، كما صحت به الأحاديث. ٤- أن الإيماء هنا، يقوم مقام الركوع والسجود. ٥- أن قبلة المتنفل على الراحلة، هي الوجهة التي هو متوجه إليها.

стр. 109

٦- أن الوتر ليس بواجب، حيث صلاه ﵊، على الراحلة. ٧- أنه كلما احتيجت إلى شيء دخله التيسير والتسهيل. وهذا من بعض ألطاف الله المتوالية على عباده. ٨- سماحة هذه الشريعة، وترغيب العباد في الازدياد من الطاعات، بتسهيل سبلها. ولله الحمد والمنة. ٩- ذكر الصنعاني أن ألفاظ هذا الحديث مجموعة من عدة روايات في البخاري ومسلم، وأنه ليس في الصحيحين رواية هكذا لفظها. ١٠- لا يستدل بهذا الحديث على أن الخفض في السجود أكثر من الركوع، وإنما ذلك في حديث جابر حيث يقول: " جئت وهو يصلى على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع " وقد أخرجه الترمذى وأبو داود. ١١- ذهب جمهور العلماء إلى جواز ترك الاستقبال في السفر الطويل والقصير إلا مالكا فقد خصه بالسفر الذي تقصر فيه الصلاة ولم يوافقه أحد على ذلك. الحديث الثاني عَبْد الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بقُبَاءَ (١) في صَلاَةِ الصُّبْحِ إِذْ جَاءَهُم آتٍ فقَالَ: إنَّ النّبِيّ ﷺ قدْ أنْزلَ عَلَيْهِ اللَّيلَة قُرْآنٌ، وقدْ أمر أنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبةِ" فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة. المعنى الإجمالي: تقدم أنه لما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وفيها كثير من اليهود، اقتضت الحكمة الرشيدة أن تكون قبلة النبي ﷺ قبلة الأنبياء السابقين " بيت المقدس " فصلوا إلى تلك القبلة ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً (٢) .

стр. 110

وكان النبي ﷺ يشوق إلى صَرْفِهِ إلى استقبال الكعبة المشرفة. فأنزل الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلّبَ وَجْهِكَ في السمَاء فَلَنُوَليَنكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَ فَوَل وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسجِد الْحَرَاَم﴾ . فخرج أحدُ الصحابة إلى مسجد " قُباء " بظاهر المدينة، فوجد أهله لم يبلغهم نسخ القبلة، ويصلون إلى القبلة الأولى، فأخبرهم بصرف القبلة إلى الكعبة، وأن النبي ﷺ قد أنزل إليه قرآن في ذلك. يشير إلى الآية السابقة وأنه ﷺ استقبل الكعبة في الصلاة. فمن فقههم وسرعة فهمهم وصحته استداروا عن جهة بيت المقدس- قبلتهم الأولى- إلى قبلتهم الثانية، الكعبة المشرفة. أحكام الحديث: ١- القبلة: أول الهجرة كانت إلى بيت المقدس، ثم صرفت إلى الكعبة. ٢- أن قبلة المسلمين، استقرت على الكعبة المشرفة. فالواجب استقبال عينها عند مشاهدتها واستقبال جهتها عند البعد عنها. ٣- أن أفضل البقاع، هو بيت الله، لأن القبلة أقرت عليه، ولا يقر هذا النبي العظيم وهذه الأمة المختارة إلا على أفضل الأشياء. ٤- جواز النسخ في الشريعة، خلافا لليهود ومن شايعهم من منكري النسخ. ٥- أن من استقبل جهة في الصلاة، ثم تبين له الخطأ أثناء الصلاة، استدار ولم يقطعها، وما مضى من صلاته صحيح. ٦- أن الحكم لا يلزم المكلف إلا بعد بلوغه، فإن القبلة حُولت، فبعد التحويل وقبل أن يبلغ أهل " قباء " الخبر، صلوا إلى بيت المقدس، فلم يعيدوا صلاتهم. ٧- أن خبر الواحد الثقة -إذا حفتْ به قرائن القبول- يصدق ويعمل به، وإن أبطل ما هو متقرر بطريق العلم. ٨- وفيه أن العمل ولو كثيراً في الصلاة، إذا كان لمصلحتها، مشروع. ٩- وفيه دليل على قبول خبر " الهاتف " و " اللاسلكى " في دخول شهر رمضان أو خروجه، وغير ذلك من الأخبار المتعلقة بالأحكام الشرعية، لأنه وإن كان نقل الخبر من فرد إلى فرد، إلا أنه قد حَفَ به من قرائن الصدق، ما يجعل النفس تطمئن ولا ترتاب في صدق الخبر، ولتجربة المتكررة أيدت ذلك.

стр. 111

١٠- قال الطحاوى: في الحديث دليل على أن من لم يعلم بفرض الله تعالى ولم تبلغه الدعوة، فالفرض غير لازم له: والحجة غير قائمة عليه، ا. هـ وزاد الأصوليون أن الفهم شرط التكليف وعن ابن تيمية في مثل هذا قولان أحدهما موافق لما ذكر. الحديث الثالث عَنْ أنس بْنِ سِيرينَ قَالَ: اسْتَقْبَلْنَا أنَساً ﵁ حِين قَدِمَ مِن (١) الشامِ، فَلَقِينَاهُ بِعَيْنِ التمْرِ، فَرَأيتهُ يُصَلى عَلَى حِمَار وَوَجْهُهُ مِنْ ذا الجَانِبِ- يَعْنى عن يسار القبلة- فَقلْتُ: رأيتك تُصَلِّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ؟ فَقَاَلَ: لَوْلا أني رَأيْتُ رسول الله ﷺ فعَلُه مَا فَعَلتُهُ. المفردات: أنس بن سيرين: أخو الإمام الكبير والتابعي الشهير محمد بن سيرين. عين التمر: بلدة على حدود العراق الغربية، يكثر فيها التمر. المعنى الإجمالي: قدم أنس بن مالك الشام، ولجلالة قدره وسعة علمه، استقبله أهل الشام. فذكر الراوي -وهو أحد المستقبلين- أنه رآه يصلى على حمار، وقد جعل القبلة عن يساره. فسأله عن ذلك، فأخبرهم أنه رأى النبي ﷺ يفعل ذالك، وأنه لو لم يره يفعل هذا، لم يفعله. ما يؤخذ من الحديث: ١- الحديث لم يبين صلاة أنس هذه، أفرض هي، أم نفل؟. ومن المعلوم أنها نفل، لأنه المعهود من فعل النبي ﷺ الذي رآه أنس وغيره. ٢- أن قبلة المصلى على الراحلة، حيث توجهت به راحلته. ٣- جواز صلاة النافلة على الراحلة، في السفر، ولو حماراً.

стр. 112

بَابُ الصّفُوف الحديث الأول عن أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإنَ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ تمام الصلاة ". المعنى الإجمالي: يرشد النبي ﷺ أمته إلى ما فيه صلاحهم وفلاحهم. فهو -هنا- يأمرهم بأن يسووا صفوفهم، بحيث يكون سمَتهم نحو القبلة واحداً، ويسد خلل الصفوف، حتى لا يكون للشياطين سبيل إلى العبث بصلاتهم. وأرشدهم ﷺ إلى بعض الفوائد التي ينالونها من تعديل الصف. وذلك أن تعديلها علامة على تمام الصلاة وكمالها. وأن اعوجاج الصف خلل ونقص فيها. الأحكام المستنبطة من الحديث: ١- مشروعية تعديل الصفوف في الصلاة. باعتدال القائمين بها على سمت واحد، من غير تقديم ولا تأخير. ٢- أن تسويته، سبب في تمام الصلاة فيكون ذلك مستحباً، كما هو مذهب الجمهور، وقيل بوجوبه لحديث "لتسونَّ صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم". ٣- كراهة اعوجاجها، وأن ذلك نقص في الصلاة. ٤- فضل صلاة الجماعة، وذلك لأن الأجر الحاصل من تعديل الصف متسبب عن صلاة الجماعة. ٥- قيل: إن الحكمة في تسوية الصفوف هي موافقة الملائكة في صفوفهم فقد أخرج مسلم عن جابر قال " خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ قلنا: يا رسول الله كيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف ".

стр. 113

الحديث الثاني عَنِ النُعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُول: " لتسونَّ صُفُوفَكُم أوْ ليخَالِفَنَّ الله بَيْنَ وُجُوهِكُم ". متفق عليه ولمسلم: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُسَوي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأنَّمَا يسَوِّى بِهَا القِدَاحَ. حَتَّى رَأىَ أن قَد عَقَلنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْماً فَقَامَ حَتَى. كَادَ أن يكَبّرَ، فَرَأىَ رَجُلا بَادِياً صَدْرُه، فقالَ: " عِبَادَ الله، لتسَوُّنَ صُفُوفَكُم، أوْ لَيُخَالِفَنَّ الله بَينَ وُجُوهِكُم ". غريب الحديث: ١- "عقَلنا": بفتح القاف، أي فهمنا ما أمرنا به من التسوية ومن جعله بالعين ثم أتى بالفاء، وقرأ عفلنا فإنه صحف. ٢- "لتسون": بضم التاء المثناة الفوقية وفتح السين المهملة، وضم الواو المثقلة وتشديد النون، وهى نون التوكيد الثقيلة. وفي أوله لام القسم. ٣- "أو": للتقسيم، أي أن أحد الأمرين لازم، فلا يخلو الحال من أحدهما. ٤- "حتى كأنما يسوى بها القِداح": " القداح " سهام الخشب حين تنحت وتُبْرَى، ويبالغ في تسويتها وتعديلها، يعنى أنهم يكونون- في اعتدالهم واستوائهم- على نسق واحد. المعنى الإجمالي: في هذا وعيد شديد لمن لا يقيمون صفوفهم في الصلاة. فقد أكد ﷺ أنه إن لم تعدل الصفوف وتسوى، فليخالفن الله بين وجوه الذين اعوجت صفوفهم فلم يعدلوها. وذلك بأنه حينما يتقدم بعضهم على بعض في الصف، فيفتن المتقدم ويصيبه الكبر والزهو، ثم يقابله المتأخر، على كبره بالعداوة والبغضاء، فتختلف القلوب، ويتبعها اختلاف الوجوه، من شدة العداوة، وبهذا تحصل القطيعة والتفرقة، ويفوت المقصد المطلوب من الجماعة، وهو المحبة والتواصل. وذلك، لأن "الجزاء من جنس العمل ". وقد كان ﷺ يعلم أصحابه بالقول ويهذبهم بالفعل، فظل يقيمهم بيده. حتى ظن ﷺ أنهم قد عرفوا وفهموا، إذا بواحد قد بدا صدره في الصف من بين أصحابه، فغضب ﷺ وقال " لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم".

стр. 114

الأحكام المأخوذة: ١- ظاهر الحديث، وجوب تعديل الصفوف، وتحريم تعويجها، للوعيد الشديد. ولكن يوجد في بعض الأحاديث الصحيحة ما يخفف من حدة هذا التأكيد فيصرفْ إلى استحباب تعديلها، والكراهة الشديدة لاعوجاجها، وذلك مأخوذ من الحديث السابق وهو " إن تسوية الصفوف من تمام الصلاة ". ٢- شدة اهتمامه ﷺ بإقامة الصفوف، فقد كان يتولى تعديلها بيده الكريمة وهذا يدل على أن تسوية الصفوف من وظيفة الإمام. ٣- أن الجزاء من جنس العمل، فقد توعد بمخالفة وجوههم مقابل مخالفة صفوفهم. ٤- غضب النبي ﷺ على اختلاف الصف، فيقتضي الحذر من ذلك. ٥- فيه جوازَ كلامَ الإمام فيما بين الإقامة والصلاة لما يعرض من الحاجة. الحديث الثالث عن أنَس بنِ مَالِكٍ ﵁ أن جَدَّتَهُ (١) مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ الله ﷺ لِطَعَام صَنَعَتْهُ لَهُ، فَأكَلَ مِنْهُ، ثم قَالَ: "قُومُوا فَلأصَل بِكُم " قال أنس: فقُمْتُ إِلَى حَصِير لَنَا قَد اسْوَدَّ مِنْ طُولَ مَا لَبِثَ فَنَضَحْتُهُ بِماء، فَقَامَ عَلَيهِ رَسُول الله ﷺ ، وَصفَفْتُ أنَا وَالْيَتيمُ وَرَاءهُ، وَالعَجُوزُ مِنْ وَرَاَئِنَا فَصَلى لَنَا رَكْعَتينِ، ثُمَّ انْصَرَفَ. ولمسلمِ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ صلى بِه وَبِأمهِ فأقامني عن يَمِيِنِه وَأقَامَ الْمَرْأةَ خَلفنَا. اليتيم: هو ضُمَيْرة جَدُّ حسين بن عبد الله بن ضميرة. غريب الحديث: "فنضحته بماء": النضح الرش، وقد يراد به الغسل. المعنى الإجمالي: دعت مليكة ﵂ رسول الله ﷺ لطعام صنعته وقد جبله الله تعالى على أعلى المكارم

стр. 115

وأسمى الأخلاق، ومنها التواضع الجم، فكان على جلالة قدره وعلوٌ مكانه- يجيب دعوة الكبير والصغير، والذكر والأنثى، والغنيً والفقير، يريد بذلك الأهداف السامية، والمقاصد الجليلة من جبر قلوب البائسين، والتواضع للمساكين، وتعليم الجاهلين، إلى غير ذلك من مقاصده الحميدة. فجاء إلى هذه الداعية، وأكل من طعامها. ثم اغتنم هذه الفرصة ليعلم هؤلاء المستضعفين الذين ربما لا يزاحمون الكبار على مجالسه المباركة، فأمرهم بالقيام ليصلى بهم، حتى يتعلموا منه كيفية الصلاة. فعمد أنس إلى حصير قديم، قد اسود من طول المكث، فغسله بالماء، فقام عليه رسول الله ﷺ يصلى بهم. وصفَّ أنس، ويتيم معه، صفاً واحداً خلف النبي ﷺ ، وصفَّتِ العجوز-صاحبة الدعوة- من وراء أنس واليتيم، تصلى معهم. فصلى بهم ركعتين، ثم انصرف ﷺ بعد أن قام بحق الدعوة والتعليم. ﷺ ، وَمنَّ الله علينا باتباعه في أفعاله وأخلاقه. اختلاف العلماء: ذهب الجمهور إلى صحة مُصَافَة الصبيِّ في صلاتَي الفرض والنافلة، مستدلين بهذا الحديث الصحيح لأن أنس وصف صاحبه باليتيم. والمشهور من مذهب الحنابلة، صحة مصافّته في النفل، عملا بهذا الحديث وعدم صحة مصافته في الفرض. وقد تقدم أن الأحكام الواردة لإحدى الصلاتين تكون للأخرى، لأن أحكامهما واحدة. ومن خص إحداهما بالحكم فعليه الدليل، ولا مخصص. لذا، فالصحيح ما عليه الجمهور، وقد اختاره ابن عقيل من الحنابلة وصوبه ابن رجب في القواعد. ما يؤخذ من الحديث: ١- صحة مصافة الذي لم يبلغ في الصلاة، لأن اليتيم يطلق على من مات أبوه ولم يبلغ. ٢- أن الأفضل في موقف المأمومين، أن يكونوا خلف الإمام. ٣- أن موقف المرأة، يكون خلف الرجال.

стр. 116

٤- صحة موقف المرأة صفاً واحدا، مادامت واحدة. فإن كن أكثر من ذلك، وجب عليهن إقامة الصف. ٥- جواز الاجتماع في النوافل، وإن لم يشرع لها اجتماع، إذ لم يتخذ ذلك عادة مستمرة. ٦- جواز الصلاة، لقصد التعليم بها، أو غير ذلك من المقاصد الدينية النافعة المفيدة. ٧- تواضع النبي ﷺ ، وكرم خلقه. ٨- استحباب إجابة دعوة الداعي، لاسيما لمن يحصل بإجابته جبر خواطرهم، وتطمين قلوبهم. ما لم تكن وليمة عرس، فعند ذلك تجب إجابة الدعوة. وينبغي ملاحظة الأحوال في مثل هذه المناسبات، وتصحيح النية، فبذلك يحصل للمجيب خير كثير، خصوصاً إذا كان المجيب كبير المقام. الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عبَّاس ﵄ قال: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ فَقَامَ النَبيُّ ﷺ يُصَلى مِنَ الليْل، فَقُمْتُ عن يَسَارهِ فَأخَذ برأسي فأقامني عَنْ يَمِينه. المعنى الإجمالي: كان الصحابي الجليل حبر الأمة، وترجمان القرآن، ذا جِدّ واجتهاد في تحصيل العلم وتحقيقه، حتى بلغ به التحقيق أن بات عند خالته زوج النبي ﷺ ، ليطلِعَ -بنفسه- على تهجد النبي ﷺ . فلما قام ﷺ يصلى من الليل، قام ابن عباس ليصلي بصلاته، وصار عن يسار النبي ﷺ مأموماً. ولأن اليمين هو الأشرف وهو موقف المأموم من الإمام إذا كان واحداً أخذ النبي ﷺ برأسه، فأقامه عن يمينه. اختلاف العلماء: المشهور من مذهب الإمام " أحمد " فساد صلاة المأموم، إذا كان واقفاً عن يسار الإمام مع خُلُو يمينه. وذهب الجمهور من العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، إلى صحة صلاته، ولو مع خلو يمين الإمام، وهو الرواية الثانية عن الإمام " أحمد " واختارها

стр. 117

بعض أئمة أصحابه، مستدلين بهذا الحديث وهو استدلال واضح المأخذ، مع أنهم أجمعوا على أن الموقف الفاضل للمأموم الواحد، أن يكون عن يمين الإمام. ما يؤخذ من الحديث: ١- الأفضل للمأموم أن يقف عن يمين الإمام إذا كان واحداً. ٢- صحة وقوف المأموم عن يسار الإمام مع خُلُو يمينه، لكون النبي ﷺ ، لم يبطل صلاة ابن عباس. ٣- أن المأموم الواحد إذا وقف عن يسار الإمام فاستدار إلى يمينه يأتي من الخلف، كما ورد في بعض ألفاظ الحديث في البخاري. ٤- أن العمل في الصلاة إذا كان مشروعاً لصحتها، لا يضرها. ٥- صحة مصَافَة الصبي وحده، مع البالغ. ٦- مشروعية صلاة الليل واستحبابها. ٧- اجتهاد ابن عباس ﵁، وحرصه على تحصيل العلم وتحقيقه. ٨- أنه لا يشترط لصحة الإمامة، أن ينوي الإمام قبل الدخول في الصلاة أنه إمام.

стр. 118

بَابُ الإمَامَة هذا باب يذكر فيه آداب الإمام والمأموم، وما يجب على كُل منهما، ويستحب وفيه بيان علاقة بعضهما ببعض. والإمامة نظام إلهيّ، يرشدنا الله فيه- عَملِيّاً- إلى مقاصد سنية، وأهداف سامية، من حسن الطاعة، والاقتداء بالقُوَاد في مواطن الجهاد ومن حسن النظام والتعبئة للأعمال العسكرية، والحركات الحربية، ومن تعود على المواساة والمساواة. حيث يقف الصغير مع الكبير، والْغَنىُّ مع الفقير، والشريف مع الوضيع، إلى غير ذلك من أسرار تفوت الحصر. هذا والمقصد الأسمى هو عبادة الله تعالى، والخضوع بين يديه. الحديث الأول عَنْ أبي هُريرة ﵁ أنَّ النَبيَّ ﷺ قَالَ: " أما يَخْشَى الَّذِي يَرفعُ رأسه قَبْلَ الإمام، أنْ يُحَوِّلَ الله رَأسَهُ رَأسَ حِمَارٍ. أوْ يَجْعَلَ الله صُورَتَهُ صُورَةَ حِمَارٍ؟! ". غريب الحديث: ١- "أما": قال الشوكاني: " أما " مخففة- حرف استفتاح وأصلها " ما " النافية، دخلت عليها همزة الاستفهام، وهى- هنا- استفهام توبيخ. ٢- "يخشى": يخاف. والمعنى: فليخَفْ، لأن الغرض من الاستفهام هنا الإشعار بالنهي عن رفع الرأس قبل الإمام. المعنى الإجمالي: إنما جعل الإمام في الصلاة ليقتدى به ويؤتم به، بحيث تقع تنقلات المأموم بعد تنقلاته، وبهذا تحقق المتابعة. فإذا سابقه المأموم، فاتت المقاصد المطلوبة من الإمامة، لذا جاء هذا الوعيد الشديد على من يرفع رأسه قبل إمامه، بأن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل صورته صورة حمار، بحيث يمسخ رأسه من أحسن صورة إلى أقبح صورة، جزاءً لهذا العضو الذي حصل منه الرفع والإخلال بالصلاة. اختلاف العلماء في السبق: اتفق العلماء على تحريم مسابقة المأموم للإمام لهذا الوعيد الشديد. ولكن اختلفوا في بطلان صلاته، فالجمهور أنها لا تبطل.

стр. 119

قال الإمام أحمد في رسالته " ليس في سبق الإمام صلاة ". وأصحاب الإمام يقولون: من سبق إمامه بركن كركوع أو سجود، فعليه أن يرجع ليأتي به بعد الإمام، فإن لم يفعل عمداً حتى لحقه الإمام فيه، بطلت صلاته. والصحيح ما ذكره في الرسالة من أن مجرد السبق عمدا يبطل الصلاة وهو اختيار شيخ الإسلام "ابن تيمية" ﵀، لأن الوعيد يقتضي النهي، والنهي يقتضي الفساد. الاستنباطات من الحديث: ١- تحريم رفع الرأس في السجود قبل الإمام والوعيد فيه دليل على منعه، إذ لا وعيد إلا على محرم وقد أوعد عليه بالمسخ وهو من أشد العقوبات. ٢- يلحق بذلك مسابقة الإمام في كل تنقلات الصلاة وليس ذا من باب القياس وحده فزيادة على القياس الصحيح أخرج البزار من حديث أبي هريرة مرفوعاً " الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد الشيطان ". ٣- وجوب متابعة المأموم للإمام في الصلاة. ٤- أن الجزاء من جنس العمل، فحين كان الرفع في الرأس، جوزِيَ بالوعيد بالمسخ. ٥- توعد المسابق بالمسخ إلى صورة الحمار، لما بينه وبين الحمار من المناسبة والشبه في البلادة والغباء، لأن المسابق إذا كان يعلم أنه لن ينصرف من الصلاة قبل إمامه، فليس هناك نتيجة في المسابقة، فدل على غبائه وضعف عقله. ٦- تدل مسابقة الإمام على الرغبة في استعجال الخروج من الصلاة، وذلك مرض دواؤه أن يتذكر صاحبه أنه لن يسلم قبل الإمام. ٧- الوعيد بتغيير صورة من يرفع رأسه قبل الإمام إلى صورة حمار أمر ممكن، وهو من المسخ، ولكنه لم ينقل وقوعه. ويحتمل أن يرجع المعنى من تحويل الصورة إلى تحويل النحيزة وذلك بأن يصبح بليداً كالحمار.

стр. 120

الحديث الثاني عَنْ أبي هريرة ﵁ عَنِ النبي ﷺ قَال: "إِنَّمَا جُعِل الإمام لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فإذا كَبَّرَ فَكَبروا. وإذَا رَكَعَ فَاركعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولوا: رَبَنا لَكَ الحَمْد، وإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإَذَا صَلَّى جَالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً أجْمَعُونَ ". الحديث الثالث عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالَتْ: "صَلى رَسُولُ الله ﷺ في بَيْتِهِ وَهُوَ شَاك فصَلًى جَالِساً، وَصلَّى وَرَاءهُ قَوم قياماً فَأشَار إلَيْهِمْ: أنِ اجْلِسُوا، فلَمَا انصرف قَال: إنَّمَا جُعِلَ الإمَام لِيؤتَمَّ بِهِ، فإذا رَكع فَاركعُوا، وَإِذَا رَفع فَارْفَعُوا، وَإِذَا قال: سمع الله لمن حَمِدَهُ، فقُولُوا: ربَنّاَ وَلَكَ الحمد، وإِذَا صَلى جَالِساً فصَلوا جُلُوساً أجْمَعُونَ ". الغريب: ١- "الفاء الواقعة في (فكبروا) و (فاركعوا) ... إلخ ": للترتيب والتعقيب، ومعنى الترتيب، أن تقع بعده، والتعقيب بأن تليه مباشرة، فلا تُساوِه ولا تتأخر عنه. ٢- "جعل": من أفعال التحويل تأخذ مفعولين: أحدهما نائب الفاعل، والثاني محذوف تقديره. "إماما". ٣- "أجمعون": تأكيد لضمير الجمع. ٤- "شاك": اسم فاعل من الشكاية وهي المرض. المعنى الإجمالي: في هذين الحديثين بيان صفة اقتداء المأموم بالإمام، ومتابعته له. فقد أرشد النبي ﷺ المأمومين إلى الحكمة من جعل الإمام وهي أن يقتدي به ويتابع، فلا يختلف عليه بعمل من أعمال الصلاة، وإنما تراعى تَنَقلاته بنظام فإذا كبر للإحرام، فكبروا أنتم كذلك، وإذا رَكع فاركعوا بعده، وإذا ذكركم أن الله مجيب لمن حمده بقوله: " سمع الله لمن حمده " فاحمدوه تعالى بقولكم: "ربنا لك الحمد". وإذا سجد فتابعوه. واسجدوا. وإذا صلى جالساً لعجزه، عن القيام -فتحقيقاً للمتابعة- صلوا جلوساً، ولو كنتم على القيام قادرين.

стр. 121

فقد ذكرت عائشة أن النبي ﷺ اشتكى من المرض فصلى جالساً وكان الصحابة يظنون أن عليهم القيام لقدرتهم عليه، فصلوا وراءه قياما فأشار إليهم، أن اجلسوا. فلما انصرف من الصلاة أرشدهم إلى أن الإمام لا يخالف، وإنما يوافق لتحقق المتابعة التامة والاقتداء الكامل، بحيث يصلى المأموم جالساً مع قدرته على القيام لجلوس إمامه العاجز. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في صحة ائتمام المفترض بالمتنفل. فذهب المالكية والحنفية، والمشهور من مذهب الحنابلة: إلى عدم الصحة، مستدلين بهذا الحديث الذي معنا "إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ". وكون المأموم مفترضاً والإمام متنفلا مخالفة بينهما في النية. وهو من أشد أنواع الاختلاف ولأن مدار العمل على النية. وذهب الشافعي، والأوزاعى، والطبري إلى صحة ائتمام المفترض بالمتنفل، وهى رواية أخرى عن الإِمام أحمد، اختارها من أصحابه: ابن قدامة، وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم مستدلينِ بحديث معاذ المتفق عليه: " كان يصلي مع النبي ﷺ ، ثم يرجع فيصلى بقومه تلك الصلاة". ويستدلون أيضاً: "أن النبي ﷺ صلى بطائفة من أصحابه في صلاة الخوف ركعتين، ثم سلًم، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، ثم سلم " رواه أبو داود. والنبي ﵊ -في الصلاة- الثانية متنفل. ومعنى " فلا تختلفوا عليه " أي في أفعال الصلاة. والقائلون بصحة الصلاة، يلزمون غير المصححين لها بأن يقولوا: أنتم أيضاً تصححون صلاة المفترض بالمتنفل مع اختلافهما في النية، كالتي تمنعونها، فيلزمكم التناقض في الاستدلال. واختلفوا أيضاً في صلاة المأمومين جلوسا مع القدرة على القيام خلف الإمام العاجز عن القيام. فذهبت الظاهرية، والأوزاعيٍ، وإسحاق، إلى أن المأمومين يصلون خلف الإمام العاجز عن القيام جلوسا، ولو كانوا قادرين على القيام. واستدلوا على ذلك بهذين الحديثين، وما ورد في

стр. 122

معناهما. وذهب الإمامان أبو حنيفة، والشافعي، وغيرهما، إلى أنه لا يجوز للقادر على القيام أن يصلي خلفه القاعد إلا قائماً. واحتجوا "بأن النبي ﷺ صلى في مرض موته قاعداً، وصلى أبو بكر، والناس خلفه قياماً " متفق عليه. وأجاب هؤلاء عن حديثي الباب ونحوهما بأجوبة ضعيفة، وأحسنها جوابان: الأول: أن حديثي الباب وما شابههما مما يُثبت صحة صلاة القاعد العاجز بالقاعد القادر منسوخة بحديث صلاته في مرض موته بالناس قاعداً وهم قائمون خلفه، ولم يأمرهم بالقعود. وهذا الجواب للإمام الشافعي وغيره. وأنكر الإمام " أحمد " النسخ، والأصل عدم النسخ بين النصوص الشرعية وأنه مهما أمكن الجمع بينها، وجب المصير إليه، لأنه إعمال لها جميعاً. الجواب الثاني من أجوبة المخالفين لحديثي الباب: دعوى التخصيص بالنبي ﷺ ، بأن يؤم جالساً، ولا يصح لأحد بعده. هذا جواب الإمام " مالك " وجماعة من أتباعه. والمخصص -عندهم- حديث للشعبي عن جابر مرفوعاً: " لا يَؤُمَّنَّ أحَدٌ بَعْدِى جالسا ". وأجيب عن هذا الحديث بأنه لا يصح بوجه من الوجوه. وقال ابن دقيق العيد، قد عُرف أن الأصل عدم التخصيص حتى يدل عليه دليل. وقد عارض هذا الحديث الضعيف المستدل به على التخصيص حديث أصح منه، وهو ما أخرجه أبو داود " أن أسَيْدَ بْنَ حُضَيْر كان يؤم قومه، فجاء النبي ﷺ يعوده، فقيل: يا رسول الله، إن إمامنا مريض. فقال: " إذا صلى قاعداً، فصلوا قعوداً ". وذهب الإمام " أحمد " إلى التوسط بين هذين القولين. وهو إن ابتدأ بهم الإمام الراتب الصلاة قائماً، ثم اعتل في أثنائها فجلس أتموا خلفه قياماً وجوباً، عملا بحديث صلاة النبي ﷺ بأبي بكر والناس، حين مرِض مرَض الموت. وإن ابتدأ بهم الصلاة جالساً صلوا خلفه جلوسا، استحبابا. عملا بحديثي الباب ونحوهما وهو جمع حسن، تتلاقى فيه الأحاديث الصحيحة المتعارضة.

стр. 123

ولاشك أن الجمع بين النصوص -إذا أمكن- أولى من النسخ والتحريف. وقد قوي هذا الجمع الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. ما يؤخذ من الحديثين: ١- وجوب متابعة المأموم للإمام في الصلاة وتحريم المسابقة. ٢- تحريم مخالفته وبطلان الصلاة بها. ٣- أن الأفضل في المتابعة، أن تقع أعمال المأموم بعد أعمال الإمام مباشرة. قال الفقهاء: وتكره المساواة والموافقة في هذه الأعمال. ٤- أن الإمام إذا صلى جالسا -لعجزه عن القيام- صلى خلفه المأمون جلوساً ولو كانوا قادرين على القيام، تحقيقا للمتابعة والاقتداء. ٥- أن المأموم يقول: " ربنا لك الحمد " حينما يقول الإمام: " سمع الله لمن حمده ". وقال ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً في أن المنفرد يقول: "-سمع الله لمن حمده ". " ربنا ولك الحمد " وقال ابن حجر: وأما الإِمام فيستمع ويحمد، جمع بينهما فقد ثبت في البخاري أن النبي ﷺ كان يجمع بينهما. ٦- أن من الحكمة في جعل الإمام في الصلاة، الاقتداء والمتابعة. ٧- جواز الإشارة في الصلاة للحاجة. ٨- في الحديث دليل على تأكيد متابعة الإمام، وأنها مقدمة على غيرها من أعمال الصلاة، فقد أسقط القيام عن المأمومين القادرين عليه، مع أنه أحد أركان الصلاة، كل ذلك لأجل كمال الاقتداء. ٩- ومنه يؤخذ تَحَتمُ طاعة القادة وولاة الأمر ومراعاة النظام، وعدم المخالفة والانشقاق على الرؤساء. فما هذه الشرائع الإلهية إلا لتعويدنا على السمع والطاعة، وحسن الاتباع والائتلاف، بجانب التعبد بها لله . وما أعظم الإسلام وأسمى تشريعاته، وأجل أهدافه!! وفق الله المسلمين إلى التبصر بدينهم واتّباعه، فيجتمع شملهم، وتتوحد صفوفهم، وتعلو كلمتهم فما الخير إلا في الاجتماع والتفاهم، وما الشر إلا بالتفرق والاختلاف، والمراء الباطل. ﴿وَأطِيعُوا الله ورسوله، وَلاَ تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِن اللَه مَع الصابِرِينَ﴾ .

стр. 124

الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ الله بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ الأنْصارِيّ ﵁ قَالَ: حَدَثَني الْبَراءُ بْنُ عَازِبٍ، وَهُوَ غيْرُ كَذُوبٍ (١) قَالَ: " كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا قَالَ: " سمِعَ الله لمَنْ حَمِدَهُ "، لَمْ يَحْنِ أحَدٌ مِنّا ظَهْرَهُ حَتَى يَقَعَ رَسُولُ الله ﷺ سَاجِداً، ثُمَّ نَقَعُ سُجُوداً بَعْدَهُ". غريب الحديث: " ثم نقع ": بالرفع على الاستئناف، وليس معطوفاَ على " يقع " الأولى المنصوب بـ "حتى" إذْ ليس المعنى عليه. المعنى الإجمالي: يذكر هذا الراوي الصدوق أن النبي ﷺ يؤم أصحابه في الصلاة فكانت أفعال المأمومين تأتي بعد أن يتم فعله، بحيث كان ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع وقال: "سمع الله لمن حمده" ثم رفع أصحابه بعده هبط ساجدا، وحينئذ يقعون ساجدين. ما يؤخذ من الحديث: ١- صفة متابعة الصحابة للرسول في الصلاة، وأنهم لا ينتقلون من القيام إلى السجود حتى يسجد. ٢- أنه ينبغي أن تكون المتابعة هكذا، فلا تتقدم الإمام، فإنه محرم يبطل الصلاة، ولا توافقه، فإنه مكروه ينقص الصلاة، ولا تتأخر عنه كثيراً، بل تليه مباشرة. ٣- في الحديث دليل على طول الطمأنينة بعد الركوع، هذا بالنسبة إلى المأموم، أما الإمام فلطمأنينته أدلة أخرى. [تنبيه] الموافقة في أفعال الصلاة وأقوالها للإمام مكروهة، إلا تكبيرة الإحرام، فإنها لا تنعقد معها الصلاة.

стр. 125

الحديث الخامس عَنْ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إذَا أمّنَ الإمَامُ فَأمّنُوا، فَإنًهُ من وافَقَ تَأمِينُهُ تَأمين اْلملائِكَةِ، غفِرَ له مَا تَقدمَ مِنْ ذَنِبه ". المعنى الإجمالي: دعاء فاتحة الكتاب هو أحسن الدعاء وأنفعه، لذا شرع للمصلى- إماما كان أو مأموماً أو منفرداً- أن يُؤَمن بعده، لأن التأمين طابع الدعاء. فأمرنا النبي ﷺ أن نؤمن إذا أمن الإمام، لأن ذلك هو وقت تأمين الملائكة، ومن وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه. وهذه غنيمة جليلة وفرصة ثمينة، ألا وهى غفران الذنوب بأيسر الأسباب، فلا يُفَوِّتها إلا محروم. اختلاف العلماء: ذهب مالك في إحدى الروايتين عنه، إلى أن التأمين لا يشرع في حق الإمام، وتأوَّل الحديث على معنى: إذا بلغ الإمام موضع التأمين، ولم يقصد التامين نفسه. وذهب الشافعي وأحمد، إلى استحباب التأمين لكل من الإِمام والمأموم والمنفرد، لظاهر الحديث الذي معنا، وغيره. وذهبت الظاهرية، إلى الوجوب على كل مصل. وهو ظاهر الحديث في حق المأمومين، لأن الأمر يقتضي الوجوب. ما يؤخذ من الحديث من الأحكام: ١- مشروعية التأمين للإمام، والمأموم، والمنفرد. ٢- أن الملائكة تؤمن على دعاء المصلين. والأظهر أن المراد منهم الذين يشهدون تلك الصلاة من الملائكة في الأرض والسماء، واستدل لذلك بما أخرجه البخاري من أنه ﷺ قال: " إذا قال أحدكم آمين، قالت الملائكة في السماء: آمين، فوافق أحدهما الآخر، غفر الله له ما تقدم من ذنبه ". ٣- فضيلة التأمين، وأنه سبب في غفران الذنوب. لكن عند محققي العلماء أن التكفير في هذا الحديث وأمثاله، خاصُّ بصغائر الذنوب، أما الكبائر، فلا بد لها من التوبة. ٤- أنه ينبغي للداعي والمؤمّن على الدعاء، أن يكون حاضر القلب.

стр. 126

٥- استدل البخاري بهذا الحديث على مشروعية جهر الإمام بالتأمين، لأنه علق تأمين المؤتمين بتأمينه ولا يعلمونه إلا بسماعه. وهذا قول الجمهور. ٦- من الأفضل للداعي أن يشابه الملائكة في كل الصفات التي تكون سبباً في الإجابة، كالتضرع والخشوع والطهارة، وحل الملبس والمشرب والمأكل، وحضور القلب، والإقبال على الله في كل حال. الحديث السادس عن أبي هريرة ﵁ أنَ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا صَلى أحَدكُمْ لِلنَاس فَلْيُخَففْ، فَإنَّ فيهم الضعيف والسقِيمَ وَذا الحاجة (١) ، وَإِذَا صَلَّى أحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَليُطَولْ مَا شَاءَ". الحديث السابع عَنْ أبي مَسْعُودٍ الأنصاري ﵁ قَال: جَاءَ رَجُل إِلى رسُولَ الله ﷺ ، فقَالَ: إنِّي لأتَأخَرُ عَنْ صَلاةِ الصُّبْحِ مِنْ أجْلِ فلانٍ مِمَّا يطِيلُ بِنَا. قالَ: فَمَا رأى النَّبيَ ﷺ غَضبَ في مَوْعِظَةٍ قطُّ أشدَّ مِمَّا غضِبَ يَوَمَئِذٍ، فَقَالَ: "يَا أيها النَّاسُ، إِن مِنْكُمْ مُنَفرِينَ فَأيّكُمْ أمّ النَّاسَ فَلْيُوجِزْ، فَإن مِنْ وَرَائِهِ الْكَبِيرَ وَالصَغِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ". المعنى الإجمالي: جاءت هذه الشريعة السمحة، باليسر والسهولة، وَنَفْى العَنَتِ والحرج. ولهذا " فإن الصلاة التي هي أجل الطاعات " أمر النبي ﷺ الإمام التخفيف فيها، لتتيسر وتسهل على المأمومين، فيخرجوا منها وهم لها راغبون. ولأن في المأمومين من لا يطيق التطويل، إما لعجزه. أو مرضه أو حاجته. فإن كان المصلى منفردا فليطول ما شاء. لأنه لا يضر أحداً بذلك. ومن كراهته ﷺ للتطويل، الذي يضر الناس أو يعوقهم عن أعمالهم، أنه لما جاءه رجل وأخبره أنه يتأخر عن صلاة الصبح مع الجماعة، من أجل الإمام الذي يصلى بهم، فيطيل الصلاة، غضب النبي ﷺ غضبا شديدا، وقال: إن منكم من ينفر الناس عن طاعة الله، ويكرّه إليهم الصلاة ويثقلها عليهم فَأيّكم أمَّ الناس فليوجز، فإن منهم العاجزين وذوى الحاجات.

стр. 127

اختلاف العلماء: هناك أحاديث صحيحة تصف صلاة النبي ﷺ بالطول، بحيث يكبر، فيذهب الذاهب إلى البقيع، ويقضى حاجته، ثم يرجع ويتوضأ يدرك الركعة الأولى مع النبي ﷺ ، وبأنه يقرأ في الصلاة المكتوبة بطوال السور، كالبقرة، والنساء، والأعراف، ويقرأ بطوال المفصل "ق " والطور ونحوهما. وهناك أحاديث صحيحة تحث على التخفيف، منها هذان الحديثان اللذان معنا وأنه يقرأ بـ (قل يا أيها الكافرون) و (الإخلاص) ونحو ذلك. والناس- تبعاً لهذه الأدلة- مختلفون. فمنهم من يرى التطويل، عملا بهذه الأحاديث، ومنهم من يرى التخفيف عملاً بما ورد فيها. والحق، أنه ليس بين هذه الأحاديث تعارض ولله الحمد، وكلها متفقة. ولكن التخفيف والتَّطْوِيل أمران نسبيان، لا يُحَدَّان بِحدّ، لأن الناس في ذلك على بَوْنٍ بعيد. فالناقرون يرون الصلاة المتوسطة طويلة وأهل العبادة والطاعة يرونها قصيرة. فليرجع إلى أحاديث النبي ﷺ وإلى حال صلاته، ويطبق بعضها على بعض، يظهر الحق الفاصل. وقد ذكر الصنعاني: أنه ﷺ كان يطيل صلاته لعلمه بحال المؤتمين به، وأن الأمر بتخفيف الصلاة خاص بالأمة. ما يؤخذ من الحديثين: ١- وجوب تخفيف صلاة الجماعة مع الإئتمام. ٢- غضبه ﷺ على المثقلين، وعدُّه هذا من الفتنة. ٣- جواز تطويل صلاة المنفرد ما شاء، وقيد بأن لا يخرج الوقت وهو في الصلاة. وذلك كيلا تصطدم مصلحة المبالغة بالتطويل من أجل كمال الصلاة مع مفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها. ٤- وجوب مراعاة العاجزين وأصحاب الحاجات في الصلاة. ٥- أنه لا بأس بإطالة الصلاة، إذا كان عدد المأمومين ينحصر وآثروا التطويل. ٦- أنه ينبغي للإنسان أن يسهل على الناس طريق الخير، ويحببه إليهم، ويرغبهم فيه، لأن هذا من التأليف، ومن الدعاية الحسنة إلى الإسلام.

стр. 128

بَابُ صفَة صَلاة النَّبي ﷺ يذكر المصنف في هذا الباب طرفاً من الأحاديث الصحيحة في صفة صلاة النبي ﷺ ، وصلاته هي الصلاة التامة الكاملة، التي لا يتطرق إليها النقص أو الخلاف، وهو المشرع ﷺ ، فيجب اتباعه، وتقديم سنته على كل قول. وقد قال ﷺ : " صَلُّوا كما رأيتموني أصَلى " فيجب علينا معرفة صلاته ومراعاتها. ونظرا إلى أن أفعاله ﷺ بيان للأوامر الموجبة لفعل الصلاة، فإن أفعاله في صلاته ﷺ تدل على الوجوب. ومن صرفها عنه إلى غيره فعلية تقديم الدليل. الحديث الأول عَنْ أبي هريرة ﵁ قال: كَانَ رسول الله ﷺ إِذَا كَبَّرَ في الصَّلاةِ سَكَتَ هُنَيْهَةً قَبْل أن يَقْرَأ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله بأبي أنْتَ وأمي، أرَأيتُ سُكُوتَكَ بين التَكْبِيرِ وَالقِراءةِ، ما تَقُولُ؟. قَالَ: "أقَول: اللهم بَاعِدْ بيني وَبَيْنَ خَطايَايَ كَمَا بَاعدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، الّلهُمَّ نَقني من خَطايَايَ كَمَا يُنَقى الثًوْبُ اَلأبيض من الدنس، اللهمَّ اغْسِلني مِنْ خَطَايايَ بِالْماء والثلج والبرد". غريب الحديث: ١- "هنيهة": قال في القاموس (الْهِنو) بالكسر، الوقت. وفي الحديث " هُنَيَّة " مصغرة هَنة، وهي بضم الهاء، وفتح النون وتشديد الياء. بمعنى قليل من الزمان. وأصلها " هَنْوَةٌ " أي شيء يسير، ويروى " هُنَيهَة " بإبدال الياء هاء. قلت: المراد هنا: أن يسكت سكتة لطيفة. ٢- "الثلج والبَرَد": البرد، بالتحريك، حب الغمام. ٣- "أرَأيتُ سكوتك": بضم تاء " رأيت ". والمراد بالسكوت ضد الجهر لا ضد الكلام. ويدل عليه عبارة " ما تقول؟ ". ٤- "الدنس": بفتح الدال والنون: الوسخ. ٥- "بأبي أنت وأمي": الباء متعلقة بمحذوف، والتقدير " أنت مفديّ بأبي وأمي ".

стр. 129

المعنى الإجمالي: كان النبي ﷺ إذا كبر للصلاة تكبيرة الإحرام، خفض صوته مدة قليلة، قبل أن يقرأ الفاتحة. وكان الصحابة يعلمون أنه يقول شيئاً في هذه السكتة لذا قال أبو هريرة: أفديك يارسول الله بأبي وأمي، ماذا تقول في هذه السكتة التي بين التكبير والقراءة. فقال: أقول: " اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد ". وهذا دعاء في غاية المناسبة في هذا المقام الشريف، موقف المناجاة، لأن المصلى يتوجه إلى الله. تعالى في أن يمحو ذنوبه وأن يبعد بينه وبينها إبعاداً لا يحصل معه لقاء، كما لا لقاء بين المشرق والمغرب أبداً، وأن يزيل عنه الذنوب والخطايا وينقيه منها، كما يزال الوسخ من الثوب الأبيض الذي يظهر أثر الغسل فيه، وأن يغسله من خطاياه ويبرد لهيبها وحرها، - بهذه المنقيات الباردة الماء، والثلج، والبرد. وهذه تشبيهات، في غاية المطابقة. أحكام الحديث: ١- استحباب دعاء الاستفتاح في الصلاة. ٢- أن مكانه بعد تكبيرة الإحرام وقبل قراءة الفاتحة في الركعة الأولى من كل صلاة. ٣- أن يُسِرَّ به ولو كانت الصلاة جهرية. ٤- أنه لا يطال فيه الدعاء، ولاسيما في الجماعة للصلوات المكتوبة. ٥- حرص الصحابة ﵃ على أحوال الرسول ﷺ في حركاته وسكناته. ٦- أنه ينبغي في مواطن الدعاء أن يُلح الإنسان ويكثر في طلب الشيء، ولو بطريق ترادف الألفاظ. فإن هذه الدعوات تدور كلها على مَحْو الذنوب والإبعاد عنها، ومعاني الماء والثلج، والبرد، متقاربة. والمقصود منه متحد. وهو الإنقاء من حرارة الذنوب بهذه المواد الباردة. فائدتان: الأولى: ثبت عن النبي ﷺ استفتاحات كثيرة للصلاة. منها هذا الدعاء الذي معنا " اللهم باعد بيني وبين خطاياى.. الخ ".

стр. 130

ومنها: "وَجّهْت وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَر السموَاتِ والأرض ... الخ ". ومنها: " سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك.. الخ ". وكلها جائزة، لأنها واردة. ولكن الإمام أحمد اختار الأخير منها. " سبحانك اللهم..الخ " لكونه محتوياً على تمجيد الله، وتعظيمه، ووحدانيته. وكان " عمر " يجهر به ليعلمه للناس. وينبغي للمصلي أن لا يقتصر دائماً على واحد منها، بل يقولها كلها، ليحصل له كمال الاقتداء، وإحياء جميع السنة فيها، ويجعل القصار لصلاة الجماعة، والطوال لصلاة الليل. الثانية: من المعلوم أن الماء الساخن أبلغ في إزالة الأوساخ والإنقاء مما هو مذكور في الدعاء المأثور. فكيف عدل عنه إلى الثلج والبرد، مع أن المقصود طلب الإنقاء والتنظيف. الجواب: قد حصل من العلماء تَلمّسات كثيرة في طلب المناسبة. وأحسنها ما ذكره " ابن القيم " عن شيخ الإسلام ومعناه: لما كان للذنوب حرارة، ناسب أن تكون المادة المزيلة هذه الباردة، لتطفئ هذه الحرارة وذاك التلهب. الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يسْتَفْتِحُ الصلاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءةِ بـ "الْحمْدُ لله رَب الْعَالَمِينَ ". وَكَانَ إذا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رأسه وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلكِنْ بَيْنَ ذَلكَ. وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رأسه مِنَ الركوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوي قَائِماً. وَكَانَ إذَا رَفع رَأسَهُ مِنَ السًجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَستَوِيَ قاعدا، وكانَ يقولُ في كُلّ ركْعَتَيْن التّحيّةَ. وَكَانَ يَفْرش رجلَهُ اليُسْرَى وَيَنْصِب رجله الْيُمْنىَ. وكان ينهى عَنْ عُقبَةٍ الَشَّيْطَان ويَنْهَى أنْ يَفتَرِش الرجُلُ ذِراعَيْهِ افتراش السبعِ، وَكان يَخْتِمُ الصّلاةَ بالتّسْلِيم". المعنى الإجمالي: تصف عائشة ﵂ بهذا الحديث الجليل صلاة النبي ﷺ بأنه كان يفتتح الصلاة بتكبيرة

стр. 131

الإحرام، فيقول: [الله أكبر] . ويفتتح القراءة بفاتحة الكتاب، التي أولها (الحمد لله رب العالمين) . وكان إذا ركع بعد القيام، لم يرفع رأسه ولم يخفضه، وإنما يجعله مستوياً مستقيماً. وكان إذا رفع من الركوع انتصب واقفاً قبل أن يسجد. وكان إذا رفع رأسه من السجدة، لم يسجد حتى يستوي قاعداً. وكان يقول بعد كل ركعتين إذا جلس: " التحيات لله والصلوات.. الخ " وكان إذا جلس، افترش رجله اليسرى وجلس عليها، ونصب رجله اليمنى. وكان ينهى أن يجلس المصلى في صلاته كجلوس الشيطان، وذلك بأن يفرش قدميه على الأرض، ويجلس على عقبيه، أو ينصب قدميه، ثم يضع أليتيه بينهما على الأرض، كما ينهى أن يفترش المصلي ذراعيه في السجود كافتراش السبع، وكما افتتح الصلاة بتعظيم الله وتكبيره، ختمها بطلب السلام للحاضرين من الملائكة والمصلين ثم على جميع عباد اللَه الصالحين، والأولين والآخرين، فعلى المصلى ملاحظة هذا العموم في دعائه. ملاحظة: هذا الحديث لم يخرجه إلا مسلم فقط، وله علة، وهي أنه أتى من طريق أبي الجوزاء عن عائشة. " وأبو الجوزاء " لم يسمع من عائشة. وأخرجه " مسلم " أيضاً من طريق الأوزاعي، مكاتبةً، لا سماعاً. غريب الحديث: ١- "بالحمدُ لله": الرفع على الحكاية. ٢- "لم يشخِص": بضم الياء وإسكان الشين المعجمة، ثم كسر الخاء المعجمة، ثم صاد مهملة. أي لم يرفعه، ومنه الشاخص للمرتفع. ٣- "لم يُصَوِّبه": بضم الياء، وفتح الصاد المهملة. كسر الواو المشددة. أي لم يخفضه خفضاً بليغاً. ٤- "يفرُش": بضم الراء وكسرها، والضم أشهر. ٥- "عُقبة": بضم العين. فسره أبو عبيد وغيره بالإِقعاء المنهي عنه. ٦- "يستفتح": أي يفتح فالسين للتأكيد لا للطلب. أحكام الحديث: ١- ما ذكرته عائشة هذا من صفة صلاة النبي ﵊، هو حاله الدائمة. حيث إن التعبير بـ " كان " يفيد ذلك.

стр. 132

٢- وجوب تكبيرة الإحرام التي تحرم كل قول وفعل ينافي أقوال الصلاة وأفعالها، وأن غير هذَه الصيغة لا يقوم مقامها للدخول في الصلاة وتعيين التكبيرة من الأمور التعبدية وهي أمور توقيفية. ٣- وجوب قراءة الفاتحة بدون بسملة، ويأتي استحباب قراءتها سرّاً إن شاء الله. ٤- وجوب الركوع، والأفضل فيه الاستواء، بلا رفع، ولا خفض. ٥- وجوب الرفع من الركوع، ووجوب الاعتدال في القيام بعده. ٦- وجوب السجود، ووجوب الرفع منه، والاعتدال قاعداً بعده. ٧- وجوب التشهد بعد كل ركعتين، فإن كانت الصلاة ثنائية سلم بعده،، وإلا قام. ٨- مشروعية افتراش المصلى رجله اليسرى ونصب اليمنى في الجلوس في غير التشهد الأخير الذي فضيلته التورك. فقد وردت بذلك الأحاديث والافتراش والتورك خاص بالرجال دون النساء، لما أخرجه أبو داود في المراسيل من أنه ﷺ مر على امرأتين تصليان فقال: إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض فإن المرأة ليست في ذلك كالرجال. رواه البيهقى موصولا. ٩- النهي عن مشابهة الشيطان في جلوسه، وذلك بأن يجلس على عقبيه ويفرش قدميه على الأرض، أو ينصبهما ويجلس بينهما على الأرض، أو ينصبهما ويجلس على عقبيه. قال في شرح المنتهى: وكلتا الجلستين مكروه. ١٠- النهي عن مشابهة السبع في افتراشه، وذلك بأن يبسط المصلى ذراعيه في الأرض، فإنه عنوان الكسل والضعف. ١١- وجوب ختم الصلاة بالتسليم، وهو دعاء للمصلين والحاضرين والغائبين الصالحين بالسلامة من كل الشرور والنقائص. اختلاف العلماء: الصحيح عند الأصوليين: أن أفعال النبي ﷺ لا تدل على الوجوب، وإنما تدل على الاستحباب إلا إذا ورد ما يقتضي ذلك. وهذه الأفعال والأقوال الموصوفة في هذا الحديث، تدل على الوجوب، باقتران حديث: " صَلُّوا كَمَا رأيتموني أصَلى " متفق عليه. وهذا الأصل فيها لكن يوجد في وجوب بعضها خلاف بين العلماء، لتعارض الأدلة.

стр. 133

فمن ذلك التشهد الأول، والجلوس له في الصلاة ذات التشهدين. فقد ذهب الإمام " أحمد " و" الليث " و " إسحاق " و" داود" و" أبو ثور " و "الشافعي" في إحدى الروايتين عنه: إلى وجوبهما. مستدلين بالأحاديث الواردة في التشهد من غير تقييد بتشهد أخر. فمنها هذا الحديث الذي معنا، ومنها حديث عبد الله بن مسعود الذي رواه النسائي، ورواه الإمام أحمد من طرق رجالها ثقات وهو " أن محمداً ﷺ قال: إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات لله ... الخ ". وذهب الأئمة " أبو حنيفة " و" مالك " و" الشافعي " في الرواية الأخرى عنه، إلى استحبابها. ودليلهم أن النبي ﷺ تركهما سَهْواً، ولم يرجع إليهما. ولم ينكر على الصحابة حين تابعوه على تركهما، وإنما جبروهما بسجود السهو. والجواب: أن الرجوع إليهما إنما يجب إذا ذكر المصلى قبل أن يعتمد قائماً. لما روى أبو داود، عن المغيرة بن شعبة عن النبي ﷺ : " إذا قام أحدكم في ركعتين، فلم يستتم قائماً، فليجلس، فإذا استتم قائماً فلا يجلس، ويسجد سجدتي السهو " وسجود السهو يجبر الواجب والمسنون. واختلفوا في الصفة المستحبة في الجلوس. فذهبت الحنفية إلى الافتراش في جميع جلسات الصلاة، سواء بين السجدتين أو التشهدين، الأول، أو الأخير. ويقابلهم المالكية، فهم يرون مشروعية التورك في كل جلسات الصلاة سواء ما كان منها للتشهدين أو كان بين السجدتين. وذهبت الشافعية إلى الافتراش في التشهد الأول من الصلاة ذات التشهدين وإلى التورُّك في التشهد الأخير، سواء كانت الصلاة ثنائية أم اكثر من ذلك. وذهبت الحنابلة إلى الافتراش في التشهد الأول، وفي التشهد الأخير إذا كانت الصلاة ليس فيها إلا تشهد واحد، وإلى التورُك في التشهد الأخير من الصلاة، ذات التشهدين.

стр. 134

ودليل الحنفية، ما رواه سعيد بن منصور، عن وائل بن حُجْر قال: " صليت خلف النبي ﷺ ، فلما قعد وتشهد، فرش قدمه اليسرى على الأرض وجلس عليها". وما رواه أحمد عن رفاعة بن رافع: أن النبي ﷺ قال للأعرابي: " إذا جلست، فاجلس على رجلك اليسرى ". وبما أخرجه الترمذى وصححه، من حديث أبي حميد: " أن رسول الله ﷺ جلس- يعنى للتشهد- فافترش رجله اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قبلته. وأما صفة الجلوس بين السجدتين فهو الافتراش عند الشافعية والحنابلة. ووجه الدلالة: من هذه الأحاديث أن رواتها ذكروا الافتراش للتشهد، ولم يقيدوه بالأول. واقتصارهم عليها بلا تعرض لغيرها، يشعر بأن هذه الصفة للتشهدين جميعاً. ودليل المالكية مال روى عن عبد الله بن مسعود: " أن النبي ﷺ كان يجلس في وسط الصلاة وفي آخرها متوركاً ". رواه أحمد في مسنده قال " الهيثمى ": ورجاله مُوَثَّقُون. ودليل الشافعية والحنابلة: أن الأحاديث التي وردت في الافتراش في التشهد برواتها التشهد الأول، حيث ورد في البخاري عن أبي حميد الساعدي قوله: " فإذا جلس في الركعة الأخيرة، قدم رجله اليسرى، ونصب الأخرى وقعد على مقعدته ". وما ذكره " مسلم " من حديث عبد الله بن الزبير: " أنه ﷺ كان يجعل رجله اليسرى بين فخذه وساقه، ويفرق قدمه اليمنى ". وفي حديث أبي حميد أيضاً، عند أبي حاتم في صحيحه وفيه " حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم، أخرج رجله اليسرى، وجلس على شقه الأيسر متوركاً".

стр. 135

ولكن وقع اختلاف بين الشافعية والحنابلة، في الصلاة التي ليس فيها إلا تشهد واحد. فالشافعية يرون أن فيه التورك، لأن قوله في حديث أبي حميد: " فإذا جلس في الركعة الأخيرة.. الخ " عام في الجلوس الأخير كله، سواء كان في صلاة ثنائية، أو غيرها. والحنابلة يقولون: إن التورك خاص بالتشهد الأخير من الصلاة ذات التشهدين. ويرون أن سياق حديث أبي حميد يدل على ذلك، لأنه ذكر صفة جلوسه في التشهد الأول وقيامه منه، ثم ذكر التورك، وقصد به التشهد الأخير. وعللوا لذلك، بأن التورك بالصلاة ذات التشهدين، ليكون فرقاً بين الجلوسين. وإذا كان مفترشاً في الأول صار مستعدّا للقيام، متهيئاً له، أما الثاني، فيكون فيه متوركا، لأنه مطمئن. ورجح "ابن القيم" هذا الافتراش في "زاد المعاد" ولكن ردَّ قوله "الشوكاني" في "نيل الأوطار" والله أعلم. وأفضل التشهد، تشهد عبد الله بن مسعود، وهو أصحها، ولذا فقد أجمع العلماء على اختياره. وصفته: " التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحيِن، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ". وأجمع العلماء على مشروعية التسليم، ولكن اختلفوا: هل المشروع تسليمتان أو تسليمة واحدة؟ والصحيح أن المشروع تسليمتان، لصحة أحاديثهما، وضعف أحاديث التسليمة الواحدة. وعلى فرض صحة أحاديث التسليمة، فإن أحاديث التسليمتين أتت بزيادة لا تنافى، والزيادة من الثقة مقبولة. واختلفوا في وجوب التسليم. فذهبت الحنفية إلى عدم وجوبه، مستدلين بما أخرجه الترمذي، عن ابن عُمر: أنَّ النبي ﷺ قال: " إذا رفع الإمام رأسه من السجدة وقعد ثم أحدث قبل التسليم، فقد تمت صلاته ". واستدلوا بحديث المسيء في صلاته، حيث لم يأمره النبي ﷺ بالتسليم.

стр. 136

وأجيب بأن حديث ابن عمر، اتفق الحفاظ على ضعفه. وقال الترمذى: " هذا حديث إسناده ليس بذاك القوى ". أما حديث المسيء فلا ينافي الوجوب، فإن هذا زيادة، وهي مقبولة. وذهب جمهور الصحابة والتابعين، ومن أصحاب المذاهب، الشافعية، والحنابلة إلى الوجوب، مستدلين بإدامة النبي ﷺ له، مع قوله: " صلوا كما رأيتموني أصلى" وبما ثبت عند أصحاب السنن " تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم ". الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، وَإذَا كبر لِلرُّكوعِ، وَإذَا رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفعَهُمَاِ كَذلِك، وقَال: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَتا وَلَكَ الْحَمْدُ. وَكَان لاَ يَفعَلُ ذلِكَ في السُّجودِ. المعنى الإِجمالي: الصلاة مأدبة كريمة، جمعت كل ما لذَ وطاب، فكل عضو في البدن، له فيها عبادة خاصة. ومن ذلك، اليدان فلهما وظائف، منها رفعهما عند تكبيرة الإحرام زينة للصلاة، وإشارة إلى الدخول على الله، ورفع حجاب الغفلة، بين المصلى، وبين ربه، ويكون رفعهما إلى مقابل منكبيه، ورفعهما أيضاً للركوع في جميع الركعات، وإذا رفع رأسه من الركوع، في كل ركعة. وفي هذا الحديث، التصريح من الراوي: أن النبي ﷺ لا يفعل ذلك في السجود. اختلاف العلماء: أجمع العلماء على مشروعية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام لتواتر الأحاديث في ذلك، حيث رُوِيَ عن خمسين صحابياً، منهم العشرة المبشرون بالجنة. واختلف العلماء في رفع اليدين عند غيرها.

стр. 137

فذهب جمهور الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم- ومنهم الإمامان، الشافعي وأحمد-: إلى استحباب ذاك، في هذه الثلاثة المواضع المذكور في هذا الحديث. قال ابن المديني: هذا الحديث حجة على الخلق، ومن سمعه فعليه أن يعمل به. وقال ابن القيم روي الرفع عنه ﷺ في هذه المواطن الثلاثة نحو من ثلاثين نفسا، واتفق على روايتها العشرة. وقال الحاكم: لا نعلم سنة اتفق على روايتها الخلفاء الأربعة، ثم العشرة، فمن بعدهم من أكابر الصحابة غير هذه السنة. وفي رواية عن الإمام أحمد اختارها المجد، وحفيده شيخ الإسلام ابن تيمية وصاحبا "الفائق" و "الفروع" واختيار شيخنا عبد الرحمن السعدي ورواية للإمام الشافعي. وطائفة من أصحابه، وجماعة من أهل الحديث: أن رفع اليدين يستحب في موضع رابع، وهو إذا قام من التشهد الأول ي الصلاة ذات التشهدين. لما روي البخاري عن ابن عمر: أن النبي ﷺ كان يفعله. ولما في حديث أبي حميد عند أبي داود، والترمذى وصححه: " ثم إذا قام من الركعتين، رفع يديه حتى يحاذى بهما منكبيه ". وذهب " مالك " في أشهر الروايات عنه، وأبو حنيفة: إلى أنه لا يستحب رفع اليدين في غير تكبيرة الإحرام. وحجتهم حديث البراء بن عازب عند أبي داود " رأيت رسول الله ﷺ إذا افتتح الصلاة، رفع يديه، ثم لم يعد ". وقد اتفق الحفاظ على أنه قوله " ثم لم يعد " مدرجة من يزيد بن أبي زياد أحد رواة الحديث. واحتجوا أيضا بما روى عن ابن مسعود، عند أحمد، وأبي داود، والترمذيٍ "لأصليَنَّ لَكُمْ صَلاةَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَصَلى فَلَم يَرْفعْ يَدَيْهِ إِلا مَرة وَاحِدَةً " حسنه الترمذي، وصححه ابن حزم. ولكنه لم يثبت عند ابن مبارك، وعده ابن أبي حاتم خطأ، وصرح أبو داود بأنه ليس بصحيح بهذا اللفظ. فتلخص من هذا استحباب رفع اليدين في المواضع الأربعة وهي: ١: عند تكبيرة الإحرام، ٢: وعند الركوع، ٣: وبعد الرفع منه، ٤: وبعد القيام من التشهد الأول.

стр. 138

ف ما يؤخذ من الحديث: ١- استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام بإجماع العلماء وعند الركوع وبعد الرفع منه عند الجمهور. ٢- أن يكون الرفع إلى مقابل المنكبين. ٣- أن النبي ﷺ ، لم يفعل الرفع في السجود. ٤- حكم الله في ذلك كثيرة، وأجمع العلماء على أنه عبادة لليدين. وتلمسوا حكما أخرى. فمنهم من قال: وزينة للصلاة. ومنهم من قال: رفع لحجاب الغفلة بين العبد وربه. وقالوا بتحريك القلب بحركة الجوارح. وقال الشافعي: تعظيم الله واتباع سنة النبي ﷺ . لا منافاة بين هذه الأقوال وغيرها. فلله في شرائعه حِكَمٌ وأسرار كثيرة. والخضوع والطاعة لله تعالى من أجل الحكم والأسرار. الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ الله بن عباس ﵄ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " أمِرْت أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعظُمٍ: عَلَى الجبهة (وأشار بيده إلى أنفه) واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين". المعنى الإجمالي: أمر الله تعالى نبيه محمداً ﷺ أن يسجد له على سبعة أعضاء، هي أشرف أعضاء البدن وأفضلها. الأولى منها: الجبهة مع الأنف. والثاني والثالث: اليدين، يباشر الأرض منهما بطونهما. والرابع والخامس: الركبتان، والسادس والسابع: أطرا ف القدمين، موجهاً أصابعهما نحو القبلة، وأمره ﷺ أمر لأمته، لأنه تشريع عام. اختلاف العلماء: أجمع العلماء على مشروعية السجود على هذه الأعضاء السبعة، واختلفوا في الواجب منها. والذي يدل عليه هذا الحديث الصحيح أن السجود، واجب عليها كلها، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ويرى بعض العلماء أن الواجب الجبهة، والباقي مستحب. ويرى أبو حنيفة، أن الأنف يجزئ عن الجبهة، والصحيح القول الأول.

стр. 139

ما يؤخذ من الحديث: ١- وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة جميعها وهو مذهب الإمام أحمد، والوجوب مأخوذ من الأمر. وفي السجود على هذه الأعضاء أداء لواجب السجود وتعظيم لله تعالى وإظهار للذل والمسكنة بين يديه. ٢- أن الأنف تابع للجبهة، وهو متمم للسجود، وعليه فلا تكفي بدونه. فائدتان: الأولى: أنه لا بأس بالسجود على حائل سوى أعضاء السجود، فإنه يحرم أن يضع جبهته على يديه أثناء ذلك، لأن يديه من الأعضاء المتصلة بالسجود. ويكره السجود على ما اتصل به من ثوب وعمامة إلا مع حاجة، كالحر، والبرد، والشوك، وخشونة الأرض، فلا يكره حينذاك. ولا يكره السجود أيضا على حائل غير متصل به، كسجادة ونحوها. الثانية: أن يضع أعضاء سجوده بالترتيب الذي كان النبي ﷺ يفعله. وهو أن يضع ركبتيه، ثم يديه، ثم جبهته مع أنفه، ولا يبرك كما يبرك البعير، بحيث يقدم يديه قبل ركبتيه، فقد نهى ﷺ عن هذا. الحديث الخامس عَنْ أبي هُرَيرَة ﵁: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذا قَامَ إِلى الصَّلاةِ يُكَبر حِينَ يَقومُ، ثم يُكَبر حِينَ يركعُ، ثمَ يَقولُ: " سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ " حين يَرْفعُ صُلْبهُ من الركوعِ، ثُمَ يَقُولُ -وَهُوَ قائِم-: "رَبَتا وَلَكَ الحَمْدُ"، ثمّ يُكَبر حِينَ يَهْوِي، ثمَّ يُكَبر حِينَ يَرْفَعُ رأسه، ثم يُكَبر حِنَ يَسْجُدُ، ثُم يُكَبر حِينَ يَرْفَعُ رأسه، ثمَّ يَفعَل ذلِكَ في صَلاتِهِ كُلهَا حَتَى يَقضِيَهَا. ويُكَبر حِينَ يَقُومُ مِنَ الثنتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوس.

стр. 140

الحديث االسادس عَنْ مُطَرّفِ بنِ عَبْدِ الله بن الشخيرِ، قال: صَلَّيْتُ أنَا وَعِمْرَانُ بن حُصِيْن خَلْفَ عَلى بنِ أبي طَالبِ ﵁، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ كَبَّرَ، وَإِذَا رَفَعَِ رأسه كَبَّر، وَإِذَا نَهَضَ مِنَ الركعَتَينِ كَبَّرَ، فَلَمَّا قَضَى الصلاة أخَذ بيدِي عِمْرَان بنُ حُصَيْنِ فَقَالَ: قدْ ذَكَرَنَي هذَا صَلاةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، أو قال: صَلى بِنَا صَلاةَ مُحَمًدٍ ﷺ . المعنى الإجمالي: في هذين الحديثين الشريفين بيان شعار الصلاة، وهو إثبات الكبرياء لله ، والعظمة. فما جعل هذا شعارها وسمتها، إلا لأنها شرعت لتعظيم الله وتمجيده. فحين يدخل فيها، يكبر تكبيرة الإحرام، وهو واقف معتدل القامة. وبعد أن يفرغ من القراءة ويهوى للركوع، يكبر. فإذا رفع من الركوع، وقال: " سمع الله لمن حمده " واستتم قائماً، حمد الله وأثنى عليه، حيث عاد إلى أفضل الهيئات، وهي القيام. ثم يكبر في هُوِيه إلى السجود، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يفعل ذلك في صلاته كلها، حتى يفرغ منها. وإذا قام من التشهد الأول في الصلاة ذات التشهدين، كبًر في حال قيامه. اختلاف العلماء: أجمع العلماء على وجوب تكبيرة الإحرام، للنص عليها في حديث المسيء في صلاته. واختلفوا فيما عداها من التكبيرات. فذهب أكثر الفقهاء، إلى عدم وجوبها، لأن الواجب عندهم من أعمال الصلاة، ما ذكر في حديث المسيء في صلاته، وهذه التكبيرات لم تذكر فيه. قال في فتح الباري: الجمهور على ندبية ماعدا تكبيرة الإحرام. وذهب الإمام أحمد، وداود الظاهري، إلى وجوب تكبيرات الانتقال، مستدلين بإدامة النبي ﷺ لها وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلى". ولما روى أبو داود عن على بن يحيى بن خلاد عن عمه: أن النبي ﷺ قال: " لا تتم الصلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ" فذكر الحديث، وفيه ذكر التكبيرات وهو نص فيها.

стр. 141

وأجابوا عن حديث المسيء، بأنه أتى في طريق أبي داود، والترمذي، والنسائي، أنه قال للمسيء: " ثم يقول: الله اكبر، ثم يركع " وذكر بقية التكبيرات. واختلفوا في جمع المصلي بين التسميع وهو قول: "سمع الله لمن حمده" والتحميد وهو قول: "ربنا ولك الحمد". فذهب إلى وجوبه على كل مصل، من إمام، ومأموم، ومنفرد، طائفة من العلماء. من الصحابة أبو برزة، ومن التابعين، محمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح ومن المحدثين، إسحاق، وأبو داود، ومن أئمة المذاهب، مالك، والشافعي، وداود. وحجتهم حديث الباب، وما أخرجه الدارقطني عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "يا بريدة، إذا رفعت رأسك من الركوع، فقل: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا ولك الحمد.... إلخ". واحتجوا أيضاً بما نقل من الإجماع على وجوبه، على المنفرد. وألحِقَ به المأموم، لأن ما ثبت في حق مُصل، ثبت في حق مصل آخر بلا فرق. وذهب إلى عدم وجوب الجمع بين التسميع والتحميد على المأموم جماعة من الصحابة، أبو هريرة، وابن مسعود. ومن التابعين، الشعبي، ومن المحدثين سفيان والثورى. ومن أئمة المذاهب، أبو حنيفة، وصاحباه، والإمام أحمد، والأوزاعى، وهو مروى عن مالك أيضاً. واحتج هؤلاء الفقهاء، على عدم الوجوب، بحديث أبي هريرة عند الشيخين أنه ﷺ قال: "إنما جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤتَم بِه" وفيه وَإِذَا قالَ: "سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ" فقولُوا: "رَبنا لك الحَمدُ". وأجابوا عن أدلة أصحاب المذاهب الأول بما يأتي: أما حديث الباب، فهو في صفة صلاة النبي ﷺ ، وهو إمام أو منفرد، ومحل النزاع في المأموم. وأما حديث بريدة، فضعيف الإسناد، ولا يحتج به. وأما إلحاق المأموم بالإمام المنفرد، فلا قياس مع النص، والله أعلم. ما يؤخذ من الحديث: ١- مشروعية تكبيرة الإحرام، وأن تكون في حال القيام.

стр. 142

٢- مشروعية تكبيرة الركوع، وأن يكون في حال الانتقال من القيام إلى الركوع. ٣- التسميع للإمام والمنفرد، ويكون في حال الرفع من الركوع. ٤- التحميد لكل من الإمام، والمأموم، والمنفرد، في حال القيام. ٥- الطمأنينة بعد الرفع من الركوع. ٦- التكبير في حال الهوِي من القيام إلى السجود. ٧- التكبير حال الرفع من السجود إلى الجلوس بين السجدتين. ٨- أن يفعل ما تقدم- عدا تكبيرة الإحرام- في جميع الركعات. ٩- التكبير حيال القيام من التشهد الأول إلى القيام في الصلاة ذات التشهدين. ١٠- المفهوم من لفظ (حين) أن التكبير يقارن الانتقال، فلا يتقدمه، ولا يتأخر عنه، وهذا هو المشروع. قال ابن دقيق العيد: وهو الذي استمر عليه عمل الناس، وأئمة فقهاء الأمصار. ١١- ذكر ناصر الدين بن المنير أن تجديد التكبير في كل ركعة وحركة بمثابة تجديد النية. فائدة: ورد في بعض روايات الحديث "ربنا لَكَ الحمد"، وورد في البعض الآخر "ربنا ولَكَ الحمد" بإثبات الواو، وهو أكثر الروايات، وهي أرجح وأوْلَى لأن الواو تأتي بمعنى زائد مقصود. الحديث السابع عَنْ البَرَاء بن عَازِبٍ ﵄ قال: رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمدٍ ﷺ ، فَوَجَدتُ قِيَامَهُ فَرَكعَتَهُ، فَاعتدَالَهُ بَعدَ رُكوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتهُ بين السجدَتَيْن، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتهُ مَا بيِن التسْلِيمِ وَالانصِرَافِ قريباً مِنَ السّوَاءِ. وفي رواية البخاري. " مَاخَلا القِيَامَ وَالقُعُودَ. قَرِيباً مِنَ السّوَاءِ".

стр. 143

المعنى الإجمالي: يصف البراء بن عازب صلاة النبي ﷺ ، فيذكر أنها متقاربة متناسبة. فإن قيامه للقراءة، وجلوسه للتشهد، يكونان مناسبين للركوع، والاعتدال والسجود فلا يطول القيام مثلا، ويخفف الركوع، أو يطيل السجود، ثم يخفف القيام، أو الجلوس بل كل ركن يجعله مناسبا للركن الآخر. وليس معناه: أن القيام والجلوس للتشهد، بقدر الركوع والسجود. وإنما معناه أنه لا يخفف واحداً ويثقل الآخر. وإلا فَمِنَ المعَلوم أن القيام والجلوس، أطول من غيرهما، كما يدل عليه زيادة البخاري في الحديث. ما يؤخذ من الحديث: ١- الأفضل أن يكون الركوع والاعتدال منه، والسجود والاعتدال منه، متساوية المقادير، فلا يطيل المصلى بعضها على بعض. ٢- أن يكون القيام للقراءة والجلوس للتشهد الأخير، أطول من غيرهما. ٣- أن تكون الصلاة في جملتها متناسبة، فيكون طول القراءة مناسباً مثلا، للركوع والسجود. ٤- ثبوت الطمأنينة في الاعتدال من الركوع والسجود، خلافاً للمتلاعبين في صلاتهم ممن لا يقيمون أصلابهم في هذين الركنين. ٥- زعم بعضهم أن الرفع من الركوع ركن صغير، لأنه لم يسن فيه تكرير التسبيحات كالركوع والسجود، ولكن هذا قياس فاسد، لأنه قياس في مقابلة النص فإن الذكر المشروع في الاعتدال من الركوع أطول من الذكر المشروع في الركوع، وقد أخرج ذلك مسلم في حديث ثلاثة من الصحابة. فائدة: لكون المعهود من صلاة النبي ﷺ هو تطويل قيام القراءة وقعود التشهد على غيرهما من أفعال الصلاة، فقد اختلف شراح الحديث في معنى هذه [المناسبة] بين أفعال صلاته ﵊، بما فيها القيام. فالنووي جعلها صفة عارضة وليست دائمة.

стр. 144

وابن دقيق العيد قال: يقتضي هذا تخفيف ما العادة فيه التطويل، أو تطويل ما العادة فيه التخفيف. وهداني الله تعالى إلى المعنى المذكور في "المعنى الإجمالي" من أنه إذا طولَ القراءة طول كلها من الأركان، فيكون قريبا من السواء تطويلا وتخفيفا. ومثل القراءة القعود للتشهد. ثم بعد كتابته، وجدته رَأى ابن القيم في كتاب "الصلاة" و"تهذيب السنن" وهذا هو الحق، إن شاء الله تعالى. الحديث الثامن عَنْ ثَابِتٍ البناني، عَنْ أنَس بن مَالِك ﵁ قال: إني لا آلو (١) أنْ أصَليَ بكم كَمَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلي بِنَا. قال ثابت: فَكَانَ أنَس يَصنعُ شَيْئاً لا أرَاكُم تصْنَعُونَهُ. كَانَ إِذَا رَفَعَ رأسه مِنَ الرُكُوعِ، انتصَبَ قَائِماً، حَتى يَقُولَ الْقَائلُ: قدْ نَسيَ، وَإِذَا رَفَعَ رأسه مِنَ السجدَةِ مَكَثَ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: قَدْ نَسىَ. المعنى الإجمالي (٢) : يقول " أنس " ﵁، إني سأجتهد فلا اقَصر أن أصلي بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلى بنا، لتقتدوا به، فتصلوا مثله. قال الراوي ثابت البناني: فكان أنس يصنع شيئا من تمام الصلاة وحسنها، لا أراكم تصنعون مثله. كان يطيل القيَام بعد الركوع، والجلوس بعد السجود. فكان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل -من طول قيامه- قد نَسيَ أنه في القيام الذي بين الركوع والسجود. وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل -من طول جلوسه-: قد نسى. ما يؤخذ من الحديث: فيه دليل على مشروعية تطويل القيام بعد الركوع، وتطويل الجلوس بعد السجود، وأنه فعل النبي ﷺ .

стр. 145

الحديث التاسع عَنْ أنَس بن مَالِك ﵁ قَالَ: " مَا صَليتُ وَرَاءَ إِمَام قَطّ أخَف صَلاة وَلا أتَمَّ صَلاة مِنَ النبي ﷺ ". المعنى الإجمالي: ينفي أنس بن مالك أن يكون صلى خلف أي إمام من الأئمة إلا وكانت صلاته خلف الإمام الأعظم ﷺ أخف، بحيث لا يشق على المأمومين، فيخرجون منها وهم فيها راغبون. ولا أتَمَّ من صلاته، فقد كان يأتي بها ﷺ كاملة، فلا يخل بها، بل يكملها بالمحافظة على واجباتها ومستحباتها، وهذا من آثار بركته ﷺ . ما يؤخذ من الحديث: ١- أن يأتي الإمام بالصلاة خفيفة، حتى لا يشق على المصلين، وتامة حتى لا ينقص من ثوابها شيء. فإتمامها يكون بالإتيان بواجباتها ومستحباتها من غير تطويل. وتخفيفها يكون بالاقتصار على واجباتها وبعض مستحباتها. ٢- أن صلاة النبي ﷺ أكمل صلاة، فليحرص المصلى على أن يجعل صلاته مثل صلاته ﵊، ليحظى بالاقتداء، ويفوز بعظيم الأجر. ٣- فيه جواز إمامة المفضول للفاضل، على تقدير أن أنسا ﵁ أفضل ممن يصلى به غير رسول الله ﷺ فإمام المسجد مقدم على غيره وإن كان وراءه أفضل منه لأنه هو الإمام الراتب، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن ذا السلطان كالإمام الراتب. الحديث العاشر عَنْ أبي قِلابَةَ (١) عَبْدِ الله بنِ زَيد الجَرْمِي البَصْري قالَ: جَاءنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فِى مَسْجدِنَا هذَا فَقَال: إني لأصَلى بِكُم وَمَا أريد الصَّلاةَ، أصلى كَيْفَْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلي. فقلت لأبى قلابَةَ: كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ قال: مِثْلَ صَلاةِ شَيْخِنَا هذَا، وَكَانَ يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رأسه مِنَ السُّجُودِ قَبْل أنْ يَنْهَضَ. أرَادَ بشيخهم، أبا يَزِيدَ، عمرو بن سلمة الجَرمىّ.
следующие страницы →