وأجابوا عن حديث المسيء، بأنه أتى في طريق أبي داود، والترمذي، والنسائي، أنه قال للمسيء: " ثم يقول: الله اكبر، ثم يركع " وذكر بقية التكبيرات.
واختلفوا في جمع المصلي بين التسميع وهو قول: "سمع الله لمن حمده" والتحميد وهو قول: "ربنا ولك الحمد".
فذهب إلى وجوبه على كل مصل، من إمام، ومأموم، ومنفرد، طائفة من العلماء.
من الصحابة أبو برزة، ومن التابعين، محمد بن سيرين، وعطاء بن أبي رباح ومن المحدثين، إسحاق، وأبو داود، ومن أئمة المذاهب، مالك، والشافعي، وداود.
وحجتهم حديث الباب، وما أخرجه الدارقطني عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : "يا بريدة، إذا رفعت رأسك من الركوع، فقل: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا ولك الحمد.... إلخ".
واحتجوا أيضاً بما نقل من الإجماع على وجوبه، على المنفرد. وألحِقَ به المأموم، لأن ما ثبت في حق مُصل، ثبت في حق مصل آخر بلا فرق.
وذهب إلى عدم وجوب الجمع بين التسميع والتحميد على المأموم جماعة من الصحابة، أبو هريرة، وابن مسعود.
ومن التابعين، الشعبي، ومن المحدثين سفيان والثورى.
ومن أئمة المذاهب، أبو حنيفة، وصاحباه، والإمام أحمد، والأوزاعى، وهو مروى عن مالك أيضاً.
واحتج هؤلاء الفقهاء، على عدم الوجوب، بحديث أبي هريرة عند الشيخين أنه ﷺ قال: "إنما جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤتَم بِه" وفيه وَإِذَا قالَ: "سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ" فقولُوا: "رَبنا لك الحَمدُ".
وأجابوا عن أدلة أصحاب المذاهب الأول بما يأتي:
أما حديث الباب، فهو في صفة صلاة النبي ﷺ ، وهو إمام أو منفرد، ومحل النزاع في المأموم.
وأما حديث بريدة، فضعيف الإسناد، ولا يحتج به.
وأما إلحاق المأموم بالإمام المنفرد، فلا قياس مع النص، والله أعلم.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية تكبيرة الإحرام، وأن تكون في حال القيام.
стр. 142
٢- مشروعية تكبيرة الركوع، وأن يكون في حال الانتقال من القيام إلى الركوع.
٣- التسميع للإمام والمنفرد، ويكون في حال الرفع من الركوع.
٤- التحميد لكل من الإمام، والمأموم، والمنفرد، في حال القيام.
٥- الطمأنينة بعد الرفع من الركوع.
٦- التكبير في حال الهوِي من القيام إلى السجود.
٧- التكبير حال الرفع من السجود إلى الجلوس بين السجدتين.
٨- أن يفعل ما تقدم- عدا تكبيرة الإحرام- في جميع الركعات.
٩- التكبير حيال القيام من التشهد الأول إلى القيام في الصلاة ذات التشهدين.
١٠- المفهوم من لفظ (حين) أن التكبير يقارن الانتقال، فلا يتقدمه، ولا يتأخر عنه، وهذا هو المشروع. قال ابن دقيق العيد: وهو الذي استمر عليه عمل الناس، وأئمة فقهاء الأمصار.
١١- ذكر ناصر الدين بن المنير أن تجديد التكبير في كل ركعة وحركة بمثابة تجديد النية.
فائدة:
ورد في بعض روايات الحديث "ربنا لَكَ الحمد"، وورد في البعض الآخر "ربنا ولَكَ الحمد" بإثبات الواو، وهو أكثر الروايات، وهي أرجح وأوْلَى لأن الواو تأتي بمعنى زائد مقصود.
الحديث السابع
عَنْ البَرَاء بن عَازِبٍ ﵄ قال: رَمَقْتُ الصَّلاةَ مَعَ مُحَمدٍ ﷺ ، فَوَجَدتُ قِيَامَهُ فَرَكعَتَهُ، فَاعتدَالَهُ بَعدَ رُكوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ فَجَلْسَتهُ بين السجدَتَيْن، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتهُ مَا بيِن التسْلِيمِ وَالانصِرَافِ قريباً مِنَ السّوَاءِ. وفي رواية البخاري. " مَاخَلا القِيَامَ وَالقُعُودَ. قَرِيباً مِنَ السّوَاءِ".
стр. 143
المعنى الإجمالي:
يصف البراء بن عازب صلاة النبي ﷺ ، فيذكر أنها متقاربة متناسبة.
فإن قيامه للقراءة، وجلوسه للتشهد، يكونان مناسبين للركوع، والاعتدال والسجود فلا يطول القيام مثلا، ويخفف الركوع، أو يطيل السجود، ثم يخفف القيام، أو الجلوس بل كل ركن يجعله مناسبا للركن الآخر.
وليس معناه: أن القيام والجلوس للتشهد، بقدر الركوع والسجود.
وإنما معناه أنه لا يخفف واحداً ويثقل الآخر.
وإلا فَمِنَ المعَلوم أن القيام والجلوس، أطول من غيرهما، كما يدل عليه زيادة البخاري في الحديث.
ما يؤخذ من الحديث:
١- الأفضل أن يكون الركوع والاعتدال منه، والسجود والاعتدال منه، متساوية المقادير، فلا يطيل المصلى بعضها على بعض.
٢- أن يكون القيام للقراءة والجلوس للتشهد الأخير، أطول من غيرهما.
٣- أن تكون الصلاة في جملتها متناسبة، فيكون طول القراءة مناسباً مثلا، للركوع والسجود.
٤- ثبوت الطمأنينة في الاعتدال من الركوع والسجود، خلافاً للمتلاعبين في صلاتهم ممن لا يقيمون أصلابهم في هذين الركنين.
٥- زعم بعضهم أن الرفع من الركوع ركن صغير، لأنه لم يسن فيه تكرير التسبيحات كالركوع والسجود، ولكن هذا قياس فاسد، لأنه قياس في مقابلة النص فإن الذكر المشروع في الاعتدال من الركوع أطول من الذكر المشروع في الركوع، وقد أخرج ذلك مسلم في حديث ثلاثة من الصحابة.
فائدة:
لكون المعهود من صلاة النبي ﷺ هو تطويل قيام القراءة وقعود التشهد على غيرهما من أفعال الصلاة، فقد اختلف شراح الحديث في معنى هذه [المناسبة] بين أفعال صلاته ﵊، بما فيها القيام.
فالنووي جعلها صفة عارضة وليست دائمة.
стр. 144
وابن دقيق العيد قال: يقتضي هذا تخفيف ما العادة فيه التطويل، أو تطويل ما العادة فيه التخفيف.
وهداني الله تعالى إلى المعنى المذكور في "المعنى الإجمالي" من أنه إذا طولَ القراءة طول كلها من الأركان، فيكون قريبا من السواء تطويلا وتخفيفا.
ومثل القراءة القعود للتشهد. ثم بعد كتابته، وجدته رَأى ابن القيم في كتاب "الصلاة" و"تهذيب السنن" وهذا هو الحق، إن شاء الله تعالى.
الحديث الثامن
عَنْ ثَابِتٍ البناني، عَنْ أنَس بن مَالِك ﵁ قال: إني لا آلو (١) أنْ أصَليَ بكم كَمَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلي بِنَا.
قال ثابت: فَكَانَ أنَس يَصنعُ شَيْئاً لا أرَاكُم تصْنَعُونَهُ. كَانَ إِذَا رَفَعَ رأسه مِنَ الرُكُوعِ، انتصَبَ قَائِماً، حَتى يَقُولَ الْقَائلُ: قدْ نَسيَ، وَإِذَا رَفَعَ رأسه مِنَ السجدَةِ مَكَثَ حَتَّى يَقُولَ القَائِلُ: قَدْ نَسىَ.
المعنى الإجمالي (٢) :
يقول " أنس " ﵁، إني سأجتهد فلا اقَصر أن أصلي بكم كما كان رسول الله ﷺ يصلى بنا، لتقتدوا به، فتصلوا مثله.
قال الراوي ثابت البناني: فكان أنس يصنع شيئا من تمام الصلاة وحسنها، لا أراكم تصنعون مثله.
كان يطيل القيَام بعد الركوع، والجلوس بعد السجود.
فكان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل -من طول قيامه- قد نَسيَ أنه في القيام الذي بين الركوع والسجود. وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل -من طول جلوسه-: قد نسى.
ما يؤخذ من الحديث:
فيه دليل على مشروعية تطويل القيام بعد الركوع، وتطويل الجلوس بعد السجود، وأنه فعل النبي ﷺ .
стр. 145
الحديث التاسع
عَنْ أنَس بن مَالِك ﵁ قَالَ: " مَا صَليتُ وَرَاءَ إِمَام قَطّ أخَف صَلاة وَلا أتَمَّ صَلاة مِنَ النبي ﷺ ".
المعنى الإجمالي:
ينفي أنس بن مالك أن يكون صلى خلف أي إمام من الأئمة إلا وكانت صلاته خلف الإمام الأعظم ﷺ أخف، بحيث لا يشق على المأمومين، فيخرجون منها وهم فيها راغبون.
ولا أتَمَّ من صلاته، فقد كان يأتي بها ﷺ كاملة، فلا يخل بها، بل يكملها بالمحافظة على واجباتها ومستحباتها، وهذا من آثار بركته ﷺ .
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن يأتي الإمام بالصلاة خفيفة، حتى لا يشق على المصلين، وتامة حتى لا ينقص من ثوابها شيء. فإتمامها يكون بالإتيان بواجباتها ومستحباتها من غير تطويل. وتخفيفها يكون بالاقتصار على واجباتها وبعض مستحباتها.
٢- أن صلاة النبي ﷺ أكمل صلاة، فليحرص المصلى على أن يجعل صلاته مثل صلاته ﵊، ليحظى بالاقتداء، ويفوز بعظيم الأجر.
٣- فيه جواز إمامة المفضول للفاضل، على تقدير أن أنسا ﵁ أفضل ممن يصلى به غير رسول الله ﷺ فإمام المسجد مقدم على غيره وإن كان وراءه أفضل منه لأنه هو الإمام الراتب، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن ذا السلطان كالإمام الراتب.
الحديث العاشر
عَنْ أبي قِلابَةَ (١) عَبْدِ الله بنِ زَيد الجَرْمِي البَصْري قالَ: جَاءنَا مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فِى مَسْجدِنَا هذَا فَقَال: إني لأصَلى بِكُم وَمَا أريد الصَّلاةَ، أصلى كَيْفَْ رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُصَلي.
فقلت لأبى قلابَةَ: كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ قال: مِثْلَ صَلاةِ شَيْخِنَا هذَا، وَكَانَ يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رأسه مِنَ السُّجُودِ قَبْل أنْ يَنْهَضَ.
أرَادَ بشيخهم، أبا يَزِيدَ، عمرو بن سلمة الجَرمىّ.
стр. 146
المعنى الإجمالي:
يقول أبو قلابة: جاءنا مالك بن الحويرث أحد الصحابة في مسجدنا، فقال: إني جئت إليكم لأصلى بكم صلاةً لم أقصد التعبُّد بها، وإنما قصدت تعليمكم صلاة النبي ﷺ بطريق عملية، ليكون التعليم بصورة الفعل أقرب وأبقى في أذهانكم.
فقال الراوي عن أبي قلابة: كيف كان مالك بن الحويرث الذي علمكم صلاة النبي ﷺ يصلى؟
فقال: مثل صلاة شيخنا أبي يزيد عمرو بن سلمة الجرمي، وكان يجلس جلسة خفيفة إذا رفع رأسه من السجود للقيام، قبل أن ينهض قائماً.
اختلاف العلماء
الجلسة المشار إليها في هذا الحديث هي ما تسمى عند العلماء بـ " جلسة الاستراحة ".
ولا خلاف عندهم في إباحتها، وإنما الخلاف في استحبابها.
فذهب إلى استحبابها، الشافعي في المشهور من مذهبه، وأحمد في إحدى الروايات عنه، واختارها من أصحابه الخلال، لهذا الحديث الصحيح. وذهب إلى عدم استحبابها من الصحابة، عمر، وعلى، وابن مسعود، وابن عمر، وابن العباس.
ومن المحدثين، الثوري، وإسحاق.
ومن الأئمة، أبو حنيفة، ومالك، وهو المشهور من مذهب أحمد وقال أكثر الأحاديث على هذا يعنى " تركها ".
قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم، وقال أبو الزناد: تلك السنة.
ومال بعض العلماء إلى فعلها عند الحاجة إليها، من كِبَر أو ضعف، جمعاً بين الأدلة.
قال ابن قدامة في "المغنى" وهذا فيه جمع بين الأخبار، وتوسُّطٌ ببن القولين.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب جلسة الاستراحة، وتقدم أن الصحيح استحبابها للحاجة.
٢- أن موضعها عند النهوض من السجود إلى القيام.
٣- أن القصد منها الاستراحة لبعد السجود من القيام، لذا لم يشرع لها تكبير ولا ذكر.
стр. 147
٤- جواز التعليم بالفعل، ليكون أبقى في ذهن المتعلم.
٥- جواز فعل العبادة لأجل التعليم، وأنه ليس من التشريك في العمل فإن الأصل الباعث على هذه الصلاة هو إرادة التعليم، وهو قربة كما أن الصلاة قربة.
الحديث الحادي عشر
عَنْ عَبْدِ الله بنِ مَالِكٍ "ابن بُحَينةَ" رضيَ الله عَنْة أنَ النَّبيَّ ﷺ كانَ إِذَا صَلى فرج بَيْنَ يَدَيهِ حَتَّى يَبْدُوَ (١) بَيَاضُ إبْطَيْهِ.
المعنى الإجمالي:
كانت صلاة النبي ﷺ ، صلاة رغبة ونشاط، وكان يعطى كل عضو حقه- من العبادة.
ولهذا كان إذا سجد فرج بين يديه، ومن شدة التفريج بينهما، يظهر بياض إبطيه.
كل ذلك عنوان النشاط في الصلاة، والرغبة في العبادة، وتباعداً عن هيئة الكسلان، الذي يضم بعض أعضائه إلى بعض، فيزيل عن بعضها عناء العبادة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- فيه دليل على استحباب هذه الهيئة في السجود، وهى مباعدة عضديه عن جنبيه، وقد تخصص ذلك في السجود بما أخرجه مسلم في حديث البراء يرفعه وهو " إذا سجدت فضع كفيك، وارفع مرفقيك وهو في حديث الباب مطلق، ولكنه في هذا الحديث مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، ويختص التفريج بحال السجود.
٢- في ذلك حِكَم كثيرة، وفوائد جسيمة.
منها: - إظهار النشاط والرغبة في الصلاة.
ومنها: - أنه إذا اعتمد على كل أعضاء السجود، أخذ كل عضو حقه من العبادة.
فائدة:
خص بعض الفقهاء، ومنهم الحنابلة، هذا الحكم بالرجل دون المرأة، لأنه يطلب منها التجمع، والتصون، ولما روى أبو داود في مراسيله عن يزيد ابن حبيب " أن النبي ﷺ مر على امرأتين تصليان، فقال: إذا سجدتما، فَضُما بعض اللحم إلى بعض، فإن المرأة ليست في ذلك كالرجل.
стр. 148
الحديث الثاني عشر
عَنْ أبي مَسْلَمَةَ - سَعِيدِ بْن يَزِيدَ- قال: سألتُ أنَسَ بنَ مَالِكٍ ﵁: أكَانَ النَّبي ﷺ يُصَلِّى في نَعْلَيْهِ؟ قَال: نَعَمْ.
المعنى الإجمالي:
سأل سعيد بن يزيد أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ : أكان يصلى في نعليه ليكون له قدوة فيه؟ فأجابه أنس: نعم، كان يصلى في نعليه، وأن ذلك من سنته المطهرة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب الصلاة في النعلين، حيث كان من فعل النبي ﷺ .
٢- جواز دخول المسجد بهما، بعد تنظيفهما من الأقذار والأنجاس.
٣- أن غلبة الظن في نجاستهما لا تخرجهما عن أصل الطهارة فيهما.
فائدة:
الصلاة في النعال ودخول المسجد فيهما، أصبحت مسألة مشكلة.
فسنة النبي ﷺ صريحة بجواز ذلك بل باستحبابه، وأنه من السنة التي ينبغي المحافظة عليها.
فقد قال ﷺ فيما رواه أبو داود عن شداد بن أوس: " خَالِفُوا اليَهُودَ، فَإنَهُم لا يُصَلونَ في نِعَالِهِمْ وَلا خِفَافِهِمْ ".
وقال ﷺ ، فيما أخرجه أبو داود أيضاً، عن أبي سعيد الخدري: "إِذَا جَاءَ أحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُر، فَإن رَأى في نَعْله قَذَراً أوْ أذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَليُصَل فِيهِمَا" إلى غير ذلك من النصوص الصحيحة الصريحة، في مشروعية الصلاة فيهما بعد تنظيفهما من الأنجاس والأقذار.
أما العامة وبعض المتعصبين من طلبة العلم، فيجادلونك في ذلك، ويرون أن إحياء هذه السنة من الكبائر، التي لا يسكت عليها.
وإذا أوردت عليهم هذه النصوص قالوا: هذا في وقت دون وقت، وزمن دون زمن.
كأن شريعة محمد ﷺ أتى بعدها من نسخها وبدلها.
وما دَرَوْا أنها شريعة الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
стр. 149
والمناسب: أن من أراد اتباع السنة في ذلك وفي غيره، مما تركه أو فعله، لا يمس جوهر الإسلام أن ينظر، فإن كان فعله أو تركه يسبب فتنة وشرا اكبر من مصلحته فَلْيرَاع المصالح، فإن الشرع يكون حيث توجد المصلحة الخالصة، أو الراجحة على المفسدة.
الحديث الثالث عشر
عَنْ أبي قَتَادَةَ الأنصاري ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كانَ يُصَلي وَهُوَ حَامِل أمَامَةَ بِنْتَ زَينبَ بِنْتِ رَسُولِ الله ﷺ لأبي الْعَاص ابْن الربيع بن عَبْدِ شَمس، فَإذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإذَا قَامَ حَمَلَهَا.
المعنى الإجمالي:
كان النبي ﷺ على جانب كبير من العطف واللطف والرحمة والرأفة فكان يتودد إلى الصغار والكبار، والأغنياء والفقراء.
ولا أدل على أخلاقه الكريمة، من حمله إحدى حفيداته وهو في الصلاة، حيث يجعلها على عاتقه إذا قام، فإذا ركع أو سجد وضعها في الأرض، ففي هذا السماح الكريم، تشريع وتسهيل للأمة المحمدية.
اختلاف العلماء:
أورد " ابن دقيق العيد " تأويلات كثيرة بعيدة لهذا الحديث،. في شرح هذا الكتاب.
منها دعوى النسخ، ودعوى الخصوصية، ودعوى الضرورة، وغير ذلك مما هو أسقط تأويلا وأضعف قيلاً.
وقال القرطبى: وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث، والذي أحوجهم إلى ذلك أنه عمل كثير.
وقال النووي -بعد أن ساق هذه التأويلات-: فكل ذلك دعاوى باطلة مردودة، لا دليل عليها. تبين لنا حينئذ أن الصحيح الذي عليه المحققون أن مثل هذه الحركة جائزة في كل صلاة، من الإمام، والمأموم، والمنفرد وأن النبي ﷺ فعل ذلك لبيان الجواز.
стр. 150
كما كان يصعد وينزل على درج المنبر، ليريهم صلاته.
وكما كان يفتح الباب لعائشة وهو في الصلاة، إلى غير ذلك من الأعمال التي لا تخل في الصلاة. ويستفاد منها جواز هذه الحركة اليسيرة للحاجة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز مثل هذه الحركة في صلاة الفريضة والنافلة، من الإمام والمأموم والمنفرد ولو بلا ضرورة إليها. وهذا قول محققي العلماء.
٢- جواز ملامسة وحمل من تظن نجاسته، تغليباً للأصل- وهو الطهارة- على غلبة الظن. وهو- هنا- نجاسة ثياب الأطفال وأبدانهم.
٣- تواضع النبي ﷺ ، ولطف خلقه ورحمته.
فائدة:
قسم بعض العلماء الحركة في الصلاة إلى أربعة أقسام حسب الاستقراء والتتبع من نصوص الشارع.
القسم الأول: يحرم ويبطل الصلاة وهو الكثير المتوالي لغير ضرورة ولغير مصلحة الصلاة.
القسم الثاني: يكره في ولا يبطلها: وهو اليسير لغير حاجة، مما ليس لمصلحة الصلاة كالعبث اليسير بالثياب أو البدن، ونحو ذلك، لأنه مناف للخشوع المطلوب، ولا حاجة تدعو إليه.
القسم الثالث: الحركة المباحة وهي اليسيرة للحاجة: ولعل هذا القسم، هو ما كان النبي ﷺ يفعله من حمل هذه الطفلة، وطلوعه على المنبر، ونزوله منه حال الصلاة، وفتحه الباب لعائشة، ونحو ذلك مما يفعله للحاجة ولبيان الجواز.
القسم الرابع: الحركة المشروعة وهي التي يتعلق بها مصلحة الصلاة، كالتقدم للمكان الفاضل، والدنو لسد خلل الصفوف.
أو تكون الحركة لفعل محمود مأمور به، كتقدم المصلين وتأخرهم، في صلاة الخوف أو الضرورة كإنقاذ من هلكة.
стр. 151
الحديث الرابع عشر
عَنْ أنَس بنِ مَالِكٍ ﵁ عَن النبي ﷺ قال: " اعْتَدِلُوا في السُجُودِ، وَلا يَبسُطْ أحَدُكُم ذِرَاعَيْهِ انْبساطَ الْكَلْبِ ".
المعنى الإجمالي:
أمر النبي ﷺ بالاعتدال في السجود، وذلك بأن يكون المصلى على هيئة حسنة في السجود، حيث يجعل كفيه على الأرض، ويرفع ذراعيه ويجافيهما عن جنبيه، لأن هذه الحال، عنوان النشاط، والرغبة المطلوبين في الصلاة، ولأن هذه الهيئة الحسنة تمكن أعضاء السجود كلها من الأخذ بحظها من العبادة.
ونهي عن بسط الذراعين في السجود، لأنه دليل الكسل والملل، وفيه تشبيه أفضل حالات العبادة بحال أخس الحيوانات، وأقذرها، وهو تشبيه بما لا يليق.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية الاعتدال في السجود، على الهيئة المشروعة.
٢- النهيُ عن بسط الذراعين في السجود، لأنه دليل الكسل، وفيه تشبيه بجلوس الكلب. فإن التشبيه بالأشياء الخسيسة يدعو إلى تركه في الصلاة.
٣- يؤخذ منه أيضا، كراهة مشابهة الحيوانات، خصوصاً في حال أداء العبادة.
فائدة جليلة:
ورد الأمر من الشارع بمخالفة الحيوانات الخسيسة والشريفة في هيئات الصلاة.
فنهي عن التفاتٍ كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب وإشارة بالأيدي كأذناب الخيل الشمس (١) وبروك كبروك الجمل. وغير ذلك مما نهى عنه الشارع من مشابهة الحيوانات، لأن الصلاة مناجاة لله، فينبغي أن تكون على أحسن هيئة وأفضل صفة.
стр. 152
بَابُ وجُوب الطّمَأنينة في الركوع والسجود
عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ- الله ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: " ارْجع فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ ".
فَرَجَعَ فَصَلى كَمَا صَلَّى، ثُم جَاءَ فَسَلمَ عَلى النَبي ﷺ فَقَالَ: " ارْجعْ فَصَلِّ، فَإنَّكَ لَمْ تُصَل" ثلاثاً.
فقال: وَالَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيره فَعَلِّمْني.
فقال: "إِذا قُمْتَ إلَى الصَّلاةِ، فَكَبِّرْ، ثم اقْرأ مَا تَيَسَّر مَعَكَ مِنَ الْقرْآنِ ثم اركعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعاً، ثمَّ ارفَعْ حَتَى تَعْتدِلَ قَائِماً، مَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجداً، ثم ارْفعْ حَتَى تَطْمَئِنَّ جَالِساً. وَافْعَلْ ذلِكَ في صَلاتِكَ كُلِّهَاَ.
المعنى الإجمالي:
هذا حديث جليل يسميه العلماء "حديث المسيء في صلاته" وهو عمدتهم فيما يجب في الصلاة وما لا يجب، حيث جاء من النبي ﷺ موضع الاستقصاء في التعليم والتبييِن لأعمال الصلاة، التي يجب الإتيان بها ويعتبر ما ترك في هذا الحديث من فعلها غير واجب كما سنوضحه فيما بعد، إن شاء الله تعالى.
ومجمل هذا الحديث: أن النبي ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل من الصحابة، اسمه (خَلاّد بن رافع) ، فصلى صلاة غير تامة الأفعال والأقوال.
فلما فرغ من صلاته، جاء إلى النبي ﷺ ، فسلم عليه فرد ﵇ (١) ثم قال له: ارجع فَصَلِّ، فإنك لم تصل.
فرجع وعمل في صلاته الثانية كما عمل في صلاته الأولى، ثم جاء إلى النبي ﷺ ، فقال له: ارجع فَصَلِّ فإنك لم تصل ثلاث مرات.
فأقسم الرجل بقوله: والذي بعثك بالحق، ما أحسن غير ما فعلت فعَلِّمني
فعندما اشتاق إلى العلم، وتاقت نفسه إليه، وتهيأ لقبوله بعد طول الترديد قال له النبي ﷺ ما معناه.
إذا قمت إلى الصلاة فكبر تكبيرة الإحرام، ثم اقرأ ما تيسر من القرآن، بعد قراءة سورة الفاتحة (٢) ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع من الركوع حتى تعتدل قائما،
стр. 153
وتطمئن في اعتدالك (١) ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع من السجود واجلس حتى تطمئن جالساً.
وافعل هذه الأفعال والأقوال في صلاتك كلها، ماعدا تكبيرة الإحرام، فإنها في الركعة الأولى دون غيرها من الركعات.
في الحديث ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: في خلاف العلماء.
فقد ذهبت الحنفية إلى صحة الصلاة بقراءة أي شيء من القرآن، حتى من قادر على الفاتحة مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَاقرأوا مَا تَيَسَّر مِنْهُ﴾ وبإحدى روايات هذا الحديث " ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن".
وذهب الجمهور إلى عدم صحة الصلاة بدون الفاتحة لمن يحسن قراءتها. مستدلين بقوله ﵊: " لا صلاَةَ لِمَنْ لَم يَقرأْ بِفاِتحَة الكِتَاب" متفق عليه. فالتقدير: لا صلاة توجد، وعدم وجودها شرعا هو عدم صحتها وهذا هو الأصل في مثل هذا النفي.
وأدلة عدم صحة الصلاة بدونها كثيرة.
وأجابوا عن الآية بأنها جاءت لبيان القرآن في قيام الليل، يعني: اقرأوا ما تيسر من القرآن بعد قراءة الفاتحة بلا مشقة عليكم.
وأجابوا عن الحديث، بأن هذه الرواية مجملة تفسرها الروايات الأخرى عند أبي داود وابن حبان "ثم اقرَأ بِأم القُرآن وبِمَا شَاءَ الله". وقد سكت عنه أبو داود. وما سكت عنه فإنه لا قدح فيه.
ولابن حبان في حديثه "واقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت". قال ابن الهمام: " الأولى الحكم بأنه ﷺ قال للمسيء في صلاته ذلك كله.
ثم إن بعض العلماء يرى وجوب الفاتحة في الركعة الأولى دون غيرها
والجمهور يرى وجوبها في كل ركعة، ويدل له قوله: "ثم افْعَلْ ذلِكَ في صَلاَتِكَ كُلهَا". قال الحافظ ابن حجر: وحديث أبي قتادة في البخاري من أنه ﷺ كان يقرأ الفاتحة في كل ركعة مع قوله "صلوا كما رأيتموني أصلي" دليل الوجوب.
ثم اختلفوا في وجوب الطمأنينة في الاعتدال من الركوع والسجود.
فذهب الحنفية إلى علم وجوبها.
وذهب الجمهور إلى وجوبها، وحجتهم هذا الحديث الصحيح الصريح، وحديث البراء بن عازب أنه "رَمَقَ صَلاةَ النَّبيَّ ﷺ فَوَجَدَ قيامَهُ،
стр. 154
فَرَكعَتَهُ، فَاعتِدَالَهُ بَعدَ رُكُوعِهِ، فسجدتهُ، فَجَلْسَتهُ مَا بينَ التسلِيم وَالانْصِرَافِ، قَرِيباً مِنَ السَّوَاءِ " متفق عليه.
وتقدم الكلام عليه- وثبت أنه يقف في اعتداله بعد الركوع حتى يظن أنه قد نَسِىَ لإطالته- والأدلة على ذلك كثرة.
وليس لدى الحنفية، دليل على ما ذهبوا إليه، ولا جواب صحيح على أدلة الجمهور الصحيحة الصريحة.
المبحث الثاني: في كيفية الاستدلال بهذا الحديث على الواجبات في الصلاة وغير الواجبات.
قال في "سبل السلام": واعلم أن هذا حديث جليل، تكرر من العلماء الاستدلال به على وجوب كل ما ذكر فيه، وعدم وجوب كل ما لم يذكر فيه.
أما الاستدلال على أن كل ما ذكر فيه واجب، فلأنه ساقه ﷺ بلفظ الأمر بعد قوله: "لن تتم الصلاة إلا بما ذكر فيه". فيقوى مرتبة الحصر أنه ﷺ ذكر ما تعلقت به الإساءة من عمل هذا المصلى، وما لم تتعلق به إساءته من واجبات الصلاة. وهذا يدل على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت فيه الإساءة فقط ولم يحدد موضع الإساءة من صلاة هذا الرجل. ولكنه عند أبي داود والترمذي والنسائي "أنه أخف صلاته" وأئمة الحديث يجعلون هذا الحديث في باب وجوب الطمأنينة فلعل الإساءة راجعة إلى أن هذا الرجل نقر الصلاة فأخف أعمالها وأقوالها.
وأما الاستدلال على أن كل ما لم يذكر فيه لا يجب، فلأن المقام مقام تعليم الواجبات في الصلاة.
فلو ترك ذكر بعض ما يجب لكان فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو لا يجوز بالإجماع، فإذا أحصيت ألفاظ الحديث الصحيح، أخذ منها بالزائد.
ثم إن عارض الوجوب الدالة عليه ألفاظ هذا الحديث أو عدم الوجوب دليل أقوى منه عمل به. فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكورا في هذا الحديث فإننا نتمسك بوجوبه. وكل موضع اختلفوا في وجوبه ولم يكن مذكوراً في هذا الحديث فإنا نتمسك بعدم وجوبه، استنادا إلى هذا الحديث لأنه موضع تعليم.
وإن جاءت صيغة أمر بشيء لم يذكر في هذا الحديث، احتمل أن يكون هذا الحديث قرينة على حمل الصيغة على الندب، واحتمل البقاء على الظاهر، فيحتاج إلى مرجح، للعمل به.
المبحث الثالث: في الأحكام المأخوذة من هذا الحديث.
١- الأعمال المذكورة في هذا الحديث هي أركان الصلاة، التي لا تسقط سهواً ولا جهلاً.
وهي تكبيرة الإحرام في المرة الأولى فقط، ثم قراءة الفاتحة في كل ركعة، ثم الركوع
стр. 155
والاعتدال منه، ثم السجود والاعتدال منه، والطمأنينة في كل هذه الأفعال حتى في الرفع من الركوع والسجود، خلافا لمن لم يوجبوها في هذين الركنين مع استحبابهما عندهم.
وبقي شيء من الأركان، كالتشهد، والصلاة على النبي ﷺ ، والتسليم
قال النووي: إنها معلومة لدى السائل
٢- أن يفعل ذلك في كل ركعة، ماعدا تكبيرة الإحرام، ففي الأولى دون غيرها.
٣- دل هذا الحدث على عدم وجوب ما لم يذكر فيه من أعمال الصلاة. لكن بعد الاطلاع على طرقه، والإحاطة بجميع ألفاظه، ليعلم المذكور كله فيؤخذ به.
٤- وفيه دليل على وجوب الترتيب بين هذه الأعمال، لأنه ورد بلفظ " ثم " ولأنه مقام تعليم جاهل بالأحكام.
٥- أن هذه الأركان للصلاة، لا تسقط لا سهواً ولا جهلاً، بدليل أمر المصلى بالإعادة، ولم يكتف النبي ﵊ بتعليمه.
٦- يدل هذا الحديث على عدم صحة صلاة المسيء، فلولا ذلك لم يؤمر بإعادتها.
٧- يدل على أن الجاهل تجزىء منه الصلاة الناقصة، أما العالم فلا.
٨- فيه دليل على مشروعية حسن التعليم والأمر بالمعروف، وأن يكون ذلك بطريق سهلة، لا عنف فيها، وأن الأحسن للمعلم أن يستعمل طريق التشويق في العلم، ليكون أبلغ في التعليم، وأبقى في الذهن.
٩- وأنه يستحب للمسئول أن يزيد في الجراب إذا اقتضت المصلحة ذلك كأن تكون قرينة الحال تدل على جهل السائل ببعض الأحكام التي يحتاجها.
١٠- أن الاستفتاح، والتعوذ، ورفع اليدين، وجعلهما على الصدر، وهيئات الركوع والسجود والجلوس وغير ذلك كلها مستحبة.
١١- وفيه أن المعلم يبدأ في تعليمه بالأهم فالأهم، وتقدم الفروض على المستحبات.
١٢- قال الصنعاني: واعلم أن حديث المسيء في صلاته قد اتسع فيه نطاق الكلام، وتجاذبت معانيه الأفهام، وقد كنا حققنا أنه لايتم حمل النفي فيه على نفي الكمال، لما تقرر في علم النحو وعلم الأصول، أن كلمات النفي موضوعة لنفي الحقيقة، فقولك "لا رجل في الدار" نفي لحقيقة الرجل فيها، وهذا مما لا نزاع فيه، وأنه لا يحمل على خلافه من الكمال وغيره إلا لدليل. اهـ.
стр. 156
بَابُ القِراءَة في الصَّلاة
مباحث هذا الباب، الكلام على قراءة الفاتحة في الصلاة، هل تصح الصلاة بدونها؟ والكلام على المواضع التيٍ يكتفي فيها بالفاتحة، والمواضع التي يشرع فيها بعد الفاتحة غيرها، والكلام أيضا على نوع القراءة بالنسبة للصلوات، ونحو ذلك من البحوث المتعلقة بالقراءة.
الحديث الأول
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: " لا صَلاةَ لِمَنْ لمْ يَقْرأ بِفَاتِحَة الكِتَاب ".
المعنى الإجمالي:
سورة الفاتحة، هي أم القرآن وروحه، لأنها جمعت أنواع المحامد والصفات العلى لله تعالى، وإثبات الملك والقهر، والمعاد والجزاء، والعبادة والقصد، وهذه أنواع التوحيد والتكاليف.
ثم اشتملت على أفضل دعاء، وأجل مطلوب، وسؤال النجاة من سلوك طريق المعاندين والضالين، إلى طريق العالمين العاملين، كما أثبت كذلك الرسالة بطريق اللزوم.
لذا فرضت قراءتها في كل ركعة، وأنيطَت صحة الصلاة بقراءتها، ونُفِيَتْ حقيقة الصلاة الشرعية بدون قراءتها. ويؤكد نفي حقيقتها الشرعية ما أخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعاً وهو "لاتجزئ صلاة لايقرأ فيها بأم القرآن".
اختلاف العلماء:
تقدم أن مذهب الحنفية أن المشروع عندهم قراءة الفاتحة في الصلاة، ولكنهم يجيزون الصلاة بدونها ولو من قادر عليها.
والصحيح ما ذهب إليه الجمهور من تعيُّن الفاتحةَ مع القدرة عليها وتقدمت أدلة الفريقين هناك، وأجمعوا على وجوب قراءتها للإمام والمنفرد.
واختلفوا في قراءتها للمأموم، فذهبت الحنابلة والحنفية إلى سقوطها عن المأموم مطلقاً، سواء أكان في صلاة سرية أم جهرية.
وذهبت الشافعية وأهل الحديث إلى وجوب قراءتها لكل مصلٍّ، من إمام، ومأموم ومنفرد.
وذهبت المالكية إلى وجوب قراءتها على المأموم في السرية، وسقوطها عنه في الجهرية، وهى رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام " ابن تيمية " وغيره من المحققين.
استدل الحنفية
стр. 157
بحديث "من صلى خلف إمام، فقراءة الإمام قراءة له" وقوله تعالى: ﴿وإذَا قُرئ القرآن فَاستِمعوا لَهُ وأنصِتُوا﴾ وحديث "إذا قَرَأ فأنصِتوا".
واستدل الشافعية ومن وافقهم بحديث عبادة الذي معنا.
أجابوا عن حديث "من صلى خلف الإمام الخ ... " بما قاله ابن حجر من أن طرف كلها مطولة، فلا تقوم به حجة.
وأما الآية وحديث "إذا قرأ فأنصتوا" ونحوهما، فهي عمومات في كل قراءة، وحديث عبادة خاص بالفاتحة.
قلت: ويطمئن القلب إلى التفصيل الذي ذهب إليه الإمام مالك والإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه لأن أدلة الفريقين تجتمع فيه، فيحصل العمل بها كلها.
ولأن قراءة الفاتحة تفوت المأموم في السرية إذا لم يقرأها ولم يسمعها من الإمام ولا يكون للإمام فائدة مادام المأموم يشتغل بالقراءة عن الإنصات للإمام كما يتعين قراءة الفاتحة على المأموم الذي لا يسمعها لبعد أو لطرش، على ألا يشغل ذلك من بجانبه من المصلين المنصتين.
ما يؤخذ من الحديث:
١- وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة، وأنه لا يجزىء غيرها مع القدرة عليها.
٢- بطلان الصلاة بتركها من المتعمد والجاهل والناسي، لأنها ركن، والأركان لا تسقط مطلقاً.
٣- لكن تقدم أن الصحيح من الأقوال الثلاثة، أنها تجب على المأموم في الصلاة السرية، وتسقط عنه في الجهرية لسماع قراءة الإمام.
* * *
الحديث الثاني
عَنْ أبي قَتادةَ الأنصَاري ﵁ قَال: كان رَسُولُ الله ﷺ يقرأ في الركعتين الأولَيَيْن مِنْ صَلاةِ الظُّهْر بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وسُورَتين، يُطَوّلُ في الأولَى ويُقَصِّرُ في الثانِيةِ يُسْمِعُنَا الآَيَةَ أَحْيَاناً. وكان يقرأ في العصرِ بِفَاتِحَةِ الكِتَاب وسُورَتين، يطَوّلُ في الأولَى ويُقصّر في الثانِيَةِ، وفي الركعَتين الأُخْريين بأم الكِتَابِ، وَكان يُطَوّلُ في الركعَةِ الأولَى في صَلاةِ الصُّبْحِ وَيُقصِّرُ في الثانيةِ.
стр. 158
المعنى الإجمالي:
كان النبي ﷺ يراعي في صلاته المصلحة العامة للمصلين لذا كان من عادته أن يقرأ بعد سورة الفاتحة غيرها من القرآن في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر والعصر، لكون الناس في أول العبادة أنشط، وفي الركعتين الأخريين يقتصر على الفاتحة، خشية السأم والملل من المصلين لهذه الحكمة.
وأيضا ليدرك المتخلفون كل الصلاة، كأن يطيل الركعة الأولى على الثانية في كيفية القراءة كميتها. وإن وراء هذا التشريع الحكيم من الأسرار والحكم والمصالح ما يجعل المؤمن يطمئن وتقر عينه. والخضوع والطاعة لأحكام الله تعالى هي المقصد الأسمى من العبادة.
وكان ﷺ يفعل ذلك أيضا في صلاة الصبح، فيطيل قراءة الأولى على الثانية.
وكانت قراءته في الظهر والعصر سرا، إلا أنه قد يجهر ببعض الآيات، أحيانا، ليعلموا أنه يقرأ فيقتدوا به.
ما يؤخذ من الحديث من الأحكام:
١- مشروعية القراءة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر والعصر.
٢- استحباب الاقتصار على الفاتحة في الركعتين الأخريين منهما.
٣- تطويل الركعة الأولى على الثانية، من صلاة الظهر والعصر.
٤- استحباب الإسرار بهاتين الصلاتين.
٥- جواز الجهر ببعض الآيات، وخاصة لقصد التعليم.
٦- استحباب تطويل الركعة الأولى على الثانية، من صلاة الصبح.
٧- قال النووي: الوجه الثاني أنه يستحب تطويل القراءة في الركعة الأولى قصداً. وهذا المختار، وهو الموافق لظاهر السنة.
الحديث الثالث
عن جُبَيرِ بن مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَبيَّ ﷺ يَقرأ في المَغْرِبِـ " الطورِ".
المعنى الإجمالي:
العادة في صلاة النبي ﷺ أنه كان يطيل القراءة في صلاة الصبح، ويقصرها في المغرب،
стр. 159
ويتوسط في غيرهما من الصلوات الخمس.
ولكنه قد يترك العادة فيقصر ما حقه التطويل لبيان الجواز، ولأغراض أخرى، كما في هذا الحديث من أنه قرأ في صلاة المغرب بسورة " والطور" وهي من طوال المفصل.
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن المشروع، هو الجهر في صلاة المغرب.
٢- جواز إطالة القراءة فيها.
الحديث الرابع
عَنِ الْبَرَاء بْن عَازِبٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ في سَفَرٍ، فَصَلَّى العِشَاءَ الآخِرَة فَقَرَأ في إحْدَى الركعَتَين بـ"التين والزَّيْتونِ" فَمَا سَمِعْتُ أحَداً أحْسَنَ صَوْتاً أوْ قِرَاءَةً مِنْهُ.
المعنى الإجمالي:
سورة " التين" من قصار المفصل التي تقرأ في صلاة " المغرب".
وقد قرأ بها النبي ﷺ في صلاة " العَشاء " لأنه كان في سفر، والسفر يراعى فيه التخفيف والتسهيل لمشقته وعنائه، ولهذا استحب فيه قصر الصلاة الرُّباعية.
ومع كون النبي ﷺ مسافراً، فإنه لم يترك ما يبعث على الخشوع، وإحضار القلب على سماع القرآن، وهو تحسين الصوت في قراءة الصلاة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز قراءة قصار المفصل، في صلاة العشاء.
٢- أن الأحسن تخفيف الصلاة في السفر، ومراعاة حال المسافرين، ولو كان عند الإمام رغبة في التطويل.
٣- استحباب تحسين الصوت في القراءة ولو في الصلاة، لاًنه يبعث على الخشوع والحضور.
стр. 160
الحَديث الخامس
عَنْ عَائِشَةََ ﵂: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ بَعَث رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ، فَكَانَ يَقْرأُ لأصْحَابِهِ في صَلاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بـ"قُل هُوَ الله أحَدٌ".
فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: " سَلُوهُ، لأي شَيْءٍ يَصْنَعُ ذلِكَ؟ ".
فَسَألوهُ فَقَالَ: لأنَّهَا صِفَةُ الرحْمنِ ، فأنَا اُحِبُّ أنْ أقْرَأهَا.
فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " أخبِروهُ أنَّ الله تَعَالَى يُحِبُّهُ".
المعنى الإجمالي:
أمرَ النبي ﷺ بعض أصحابه على سَرِيَّة.
ومن عادة الأمراء أَنًهم هم الأئمة في الصلاة، والمفتون لفضل علمهم ودينهم، فكان يقرأ "قل هو الله أحد" في الركعة الثانية من كل صلاة.
فلما رجعوا من غزوتهم إلى النبي ﷺ ، ذكروا له ذلك فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك، أهو لمحض المصادفة أم لشيء من الدواعي؟ فقال الأمير: صنعت ذلك لاشتمالها على صفة الرحمن ، فأنا أحب تكريرها لذلك.
فقال رسول الله ﷺ : أخبروه، أنه كما كرر هذه السورة لمحبته لصفة الرحمن، فإن الله يحبه. ويالها من فضيلة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز قراءة قصار المفصل، حتى في غير صلاة المغرب من الفرائض.
٢- فضل سورة الإخلاص واستحباب قراءتها.
٣- أن تفضيل بعض القرآن على بعض، عائد لما يحتوى عليه المفضَّل من تمجيد الله والثناء عليه. فهذه السورة الكريمة الجليلة تشمل توحيد الاعتقاد والمعرفة وما يجب إثباته للرب من الأحدية المنافية للشريك والصمدية المثبتة لله تعالى جميع صفات الكمال ونفي الوالد والولد، الذي هو من لوازم غناه ونفى الكفء المتضمن نفي المشابه والمماثل والنظير ولذا فهي تعدل ثلث القرآن.
٤- أن الأعمال يكتب ثوابها بسبب ما يصاحبها من نية صالحة، لأن النبي ﷺ أمر بالسؤال عن القصد من تكريرها.
٥- أنه ينبغي أن يكون أصحاب الولايات والقيادات من أهل العلم والفضل والدين.
стр. 161
٦- أنه من أحب صفات الله وَتَذوَّق حلاوة مناجاته بها فالله يحبه، لأن الجزاء من جنس العمل.
٧- أن إخبار الوالي الأكبر عن أعمال الأمراء والعمال لقصد الإصلاح لا يُعَدُّ وشاية ولا نميمة.
الحديث السادس
عَنْ جَابِرٍ ﵁: أن رَسولَ الله ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ: فلَوْلا صَليْتَ بـ"سبحِ اسمَ رَبِّكَ الأعلَى"، و"الشمس وَضُحَاهَا" و "الليلِ إذا يَغْشَى". فَإنَّهُ يُصَلي وَراَءكَ الكَبِيرُ وَالضعِيفُ وَذُو الحاجة
المعنى الإجمالي:
لما بلغ النبي ﷺ في أن مُعاذاً يطيل القراءة حين يؤم قومه، أرشده إلى التخفيف مادام إماماً، وضرب له مثلا بقراءة متوسط المفصّل "سبح اسم ربك
الأعلى"، "والشمس وضحاها"، "والليل إذا يغشى"، لأنه يأتم به الكبار المسنون، والضعفاء، وأصحاب الحاجات ممن يشق عليهم التطويل، فيحسن الرفق بهم ش تستحب مراعاتهما بالتخفيف.
أما إذا كان المسلم يصلي وحده، فله أن يطول ما شاء.
الأحكام المأخوذة من الحديث:
١- أن المتوسط في القراءة في الصلاة هذه السور المذكورة في الحديث، وأمثالها.
٢- أنه يستحب للإمام مراعاة الضعفاء، بتخفيف الصلاة في حال ائتمامهم به.
٣- أن سياسة الناس بالرفق واللين، هي السياسة الرشيدة التي تحبب إليهم ولاتهم وعمالهم.
٤- حسن تعليم النبي ﷺ وملاطفته، إذ خاطب معاذاً بصيغة العرض.
٥- رأفته ﷺ بأمته، لاسيما الضعفاء منهم، وأصحاب الحاجات.
стр. 162
الحديث السابع
عَنْ أنَسِ بن مَالِكٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ وَأبَا بَكْر وَعُمَرَ ﵄ كَانُوا يَفتَتِحُونَ الصَّلاةَ بـ"الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ".
وفي رواية: صَلَيتُ مَع أبي بَكرٍ وَعُمَرَ وَعُثمانَ، فَلَمْ أسمَعْ أحَداً مِنْهُمْ يَقرأ "بِسْم الله الرَّحمنِ الرحِيمِ".
ولـ"مسلم": صَليْتُ خَلْفَ النَبي ﷺ وَأبي بَكرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمانَ ﵃، فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ الصلاةَ بـ"الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ" لا يذكرون " بسم الله الرحمن الرحيم" في أوّلَ قِرَاءَةٍ وَلا في آخِرِهَا.
المعنى الإجمالي:
يذكر أنس بن مالك، رضى الله عنه: أنه- مع طول صحبته للنبي ﷺ وملازمته له ولخلفائه الراشدين - لم يسمع أحداً منهم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة، لا في أول القراءة، ولا في آخرها، وإنما يفتتحون الصلاة بـ"الحمد لله رب العالمين".
اختلاف العلماء:
ذهب الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، إلى استحباب البسملة في الصلاة.
وذهب الإمام مالك: إلى عدم مشروعيها.
واستدل مالك ببعض الروايات في حديث أنس: [لا يذكرون "بسم الله الرحمن الرجم" في أول قراءة ولا في آخرها] ، ولأنها- عنده- ليست آية من القرآن.
واستدل الأئمة الثلاثة على مشروعيتها بأحاديث كثيرة:
منها حديث أبي هريرة حيث صلى فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، حتى بلغ "ولا الضالين"، حتى إذا أتم الصلاة قال: "إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ " رواه البخاري.
ثم اختلف الأئمة في الحكم بالجهر بها.
فذهب إلى مشروعيته، الإمام الشافعي.
وذهب إلى مشروعية الإسرار، أبو حنيفة، وأحمد.
واستدل الشافعي وأتباعه بحديث أنس، حين سئل عن كيفية قراءة النبي ﷺ فقال: " كانت مدّاً، ثمَّ قرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " بمد بسم الله، وبمد الرحمن، وبمد الرحيم " رواه البخاري.
стр. 163
وبحديث أم سلمة حين سئلت عن قراءته أيضاً، فقالت: كان يقطع قراءته آية آية "بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيم الْحَمدُ لله رَبِّ العالمين الرحمن الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْم الدينِ ". رواه أحمد، وأبو داود.
ولا يتم للشافعي بهذين الحديثين وأمثالهما، استدلال فيما ذهب إليه.
فإنهما يدلان على صفة قراءة النبي ﷺ ، لا على أنه يجهر بالبسملة في الصلاة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: روينا عن الدارقطني أنه قال: لم يصح عن النبي ﷺ في الجهر (بالبسملة) حديث.
واستدل الإمامان "أبو حنيفة" و "أحمد" بأحاديث الباب قال ابن دقيق العيد: والمتيقن من هذا الحديث عدم الجهر، فأنس- صحب النبي ﷺ عشر سنين، وصحب الخلفاء الثلاثة خمسا وعشرين (سنة) و (كان) يصلي خلفهم الصلوات كلها.
ويحملون نَفْئَ القراءة في بعض الروايات، على عدم الجهر بها، وبهذا تجتمع الأدلة، ويحصل العمل بها جميعاً.
ما يؤخذ من الأحكام:
١- مشروعية قراءة " بسم الله الرحمن الرحيم " بعد الاستفتاح والتعوذ قبل الفاتحة.
٢- أن تكون قراءتها سراً، ولو في الصلاة الجهرية.
٣- أن البسملة، ليست آية من الفاتحة.
стр. 164
بَابُ سُجُود السَهْو
السهو: هو النسيان، وهو الترك من غير علم، وليس على صاحبه حرج. حيث قال ﷺ : " عُفِي لأمتي عن الخطأ والنسيان".
وقد وقع من النبي ﷺ لِحِكَم كثيرة.
منها: بيان أنه بشر، يقع منه ما يقع من غيره، إلا أنه لا يُقَرُّ عليه، عصمةً لمقام النبوة.
ومنها: التشريع للأمة في مثل هذه الحوادث.
ومنها: التسلية والتعزي لمن يقع منه، فإنه حين يعلم أنه وقع من النبي ﷺ ، فليس عليه حزن أن يخشى الخلل في دينه، أو النقص في إيمانه، إلى غير ذلك من أسرار الله تعالى.
وأسباب السجود له ثلاثة: ١- إما زيادة في الصلاة ٢- أو نقص فيها. ٣- أو شك.
وشرع سجود السهو إرضاء للرحمن، وإغضاباً للشيطان، وجبراً للنقصان.
الحديث الأول
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أبي هرَيرة قَالَ: صَلَّى بَنا رَسولُ الله ﷺ إِحدَى صَلاتي العَشيِّ (١) .
قال ابن سرين: وَسَمَّاهَا أبو هُريرة وَلكِنْ نَسِيْتُ أنَا قَالَ فَصَلى بنَا رَكْعَتَيْن، ثَم سَلّمَ، فَقَامَ إِلى خَشبَةٍ مَعْرُوضَةٍ في المسجِدِ فَاتَّكََأ عَلَيْهَا كَأنَّهُ غَضبانُ وَوَضعَ يَدَهُ اليمْنَى عَلَى اليسْرَى، وَشَبَكَ بَيْن أصَابِعِهِ وَخَرَجَتِ السَّرعَان (٢) مِنْ أبوَابِ المسْجدِ، فقالوا: أقُصِرَتِ الصَّلاةُ؟ وَفي القَوم، أبو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أن يُكلِّمَاهُ.
وَفي الْقَوْمِ رَجلٌ- فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لهُ " ذو الْيَدَيْن"- فقال: يَا رَسولَ الله، أنَسِيتَ أمْ قُصِرَتِ (٣) الصلاة؟.
فقال: " لَم أنسَ وَلَم تُقْصَر " فقال: "أكَمَا يَقُولُ ذو اليَدَين (٤) ؟
стр. 165
" قالوا: نعم.
فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ ثم سَلَّمَ ثُمَّ كَبر وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أو أطْوَلَ ثُمَّ رَفعَ رَأسهُ فَكَبَّرَ، ثم كبَّرَ وسَجَدَ مِثْلَ سُجُودهِ أوْ أطْوَلَ ثم رَفَعَ رَأسَهُ وَكَبَّرَ. فرُبَّمَا سألوه: ثُمَّ سَلَّمَ؟
قَالَ فَنُبِّئْتُ (١) أنَّ عِمْرانَ بنَ حُصَيْن قال: ثم سَلمَ ".
العَشيّ: ما بين زوال الشمس إلى غروبها.
المعنى الإجمالي:
يروي أبو هريرة، رضى الله عنه، أن النبي ﷺ ، صلى بأصحابه إما صلاة الظهر أو العصر (٢) .
فلما صلى الركعتين الأوليين سلّم.
ولما كان ﷺ كاملا، لا تطمئن نفسه إلا بالعمل التام، شعر بنقص وخلل، لا يدرى ماسببه.
فقام إلى خشبة في المسجد واتكأ عليها بنفس قَلِقَة، وَشبَّك بين أصابعه. لأن نفسه الكبيرة تحس بأن هناك شيئا لم تستكمله.
وخرج المسرعون من المصلين من أبواب المسجد، وهم يتناجون بينهم، بأن أمراً حدث، وهو قصر الصلاة، وكأنهم أكبروا مقام النبوة أن يطرأ عليه النسيان.
ولهيبته ﷺ في صدورهم لم يَجْرُؤ واحد منهم أن يفاتحه في هذا الموضوع الهام، بما في ذلك أبو بكر، وعمر ﵄.
إلا أن رجلا من الصحابة يقال له. " ذو اليدين " قطع هذا الصمت بأن سأل النبي ﷺ بقوله: يا رسول الله، أنسيت أم قصرت الصلاة؟.
فقال ﷺ بناء على ظنه-: لم أنس ولم تقصر.
حينئذ لما علم " ذو اليدين " أن الصلاة لم تقصر، وكان متيقنا أنه لم يصلها إلا ركعتين، علم أنه ﷺ قد نَسِيَ، فقال: بل نسيت.
فأراد ﷺ أن يتأكد من صحة خبر ذي اليدين، فقال لمن حوله من أصحابه: أكما يقول ذو اليدين من أني لم أصل إلا ركعتين؟ فقالوا: نعم. حينئذ تقدم ﷺ ، فصلى ما ترك من الصلاة.
وبعد التشهد، سلم، ثم كبر وهو جالس، وسجد مثل سجود صُلْب الصلاة أو أطول، ثم رفع رأسه من السجود فكَبَّرَ، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم سلم ولم يتشهد.
خلاف العلماء:
الشك في الصلاة أحد أسباب سجود السهو:
روى مسلم عن أبي سعيد أنه ﷺ قال: " إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى، ثلاثا أم أربعاً؟ فلينظر في الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ".
فقوله: " إذا شك " هو
стр. 166
موضع الخلاف، فذهب مالك والشافعي، وهو المشهور عند أصحاب أحمد، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، ورييعة، ويروي عن ابن عمر، وابن عباس، ذهبوا إلى أن كل من لم يقطع فهو شاك، وإن كان أحد الجانبين راجحا عنده، فجعلوا من غلب على ظنه شاكا، وأمروه أن يقطع ما شك فيه، ويبني على ما استيقن، وقالوا: الأصل عدم ماشك فيه، فرجحوا استصحاب الحال مطلقاً، وإن قامت الشواهد والدلائل على خلافه، ولم يعتبروا التحري بحال.
وذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه إلى أن المنفرد يبني على اليقين، لحديث أبي سعيد. وأما الإمام فيبنى على غالب ظنه، وقد اختار ذلك الخرقي من أصحاب أحمد، والموفق، وقال الموفق: إنما خصصنا الإمام بذلك، لأن له من ينبهه بخلاف المنفرد.
والقول الثالث ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه، وهو قول كثير من السلف والخلف، ومروي عن علي وابن مسعود ﵄. وهذا القول هو التحري والاجتهاد. وأن البناء على غالب الظن للإمام وللمنفرد مستند إلى أصح أحاديث الباب، وهو حديث ابن مسعود، وذلك أن النبي ﷺ قال: " إنما أنا بشر، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين " فجعل ما فعله بعد التحري تماما لصلاته، وجعله هنا متما لصلاته ليس شاكا فيها، وما دل على الإثبات من أنواع الأدلة فهو راجح على مجرد استصحاب النفي، وهذا هو الصواب الذي أمر المصلى أن يتحراه، فإن ما دل على أنه جمع أربعة من أنواع الأدلة راجح على استصحاب عدم الصلاة. وهذا حقيقة هذه المسألة. ومثل هذا يقال في عدد الطواف والسعي ورمي الجمار وغير ذلك.
الأحكام المستنبطة من الحديث:
١- جواز السهو من الأنبياء ﵈ في أفعالهم البلاغية، إلا أنهم لا يُقَرُّونَ عليه. أما الأقوال البلاغية فالسهو فيها ممتنع على الأنبياء، ونقل في ذلك الإجماع.
٢- الحِكَمُ والأسرار التي تترب على هذا السهو، من بيان التشريع والتخفيف عن الأمة بالعفو عن النسيان منهم.
وبيان أن الأنبياء بشر، يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم من السهو في أفعالهم لا أقوالهم البلاغية.
стр. 167
٣- أن الخروج من الصلاة قبل إتمامها- مع ظن أنها تمت- لا يقطعها، بل يجوز البناء عليها، وإتمام الناقص منها.
٤- أن الكلام في صلب الصلاة من الناسي لا يبطلها، خلافاً لمن أبطلها بذلك من العلماء. فقد تكلم فيها ذو اليدين والنبي ﷺ وبعض المصلين.
٥- صحة بناء ما ترك من الصلاة على أوَّلِهَا، ولو طال الفصل.
وكذلك لو نسي السجود، وفعل ما ينافي الصلاة من كلام وغيره، فقد ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه سجد بعد السلام والكلام.
- أن الحركة التي من غير جنس الصلاة، لا تبطل الصلاة ولو كثرت، إذا وقعت من الجاهل والناسي.
٧- وجوب سَجْدَتَي السهْوِ لمن سها في الصلاة، فزاد فيها، أو نقص منها ليجبر به الصلاة، ويرغم به الشيطان.
٨- أن سجود السهو لا يتعدد، ولو تعددت أسبابه.
فإن النبي ﷺ سلَّم ونقص الصلاة، ومع ذلك اكتفى بسجدتين.
٩- أن سجود السهو يكون بعد السلام، إذا سلم المصلى عن نقص في الصلاة وماعداه يكون قبل السلام، وهو مذهب الحنابلة، وهو تفصيل يجمع الأدلة، خلافا لمن قال: السجود كله بعد السلام، وهو مذهب الحنفية، أوكله قبل السلام وهو مذهب الشافعية.
١٠- أن سهو الإمام لاحِقٌ للمأمومين لتمام المتابعة والاقتداء، ولأن ما طرأ على صلاة الإمام من النقص يلحق من خلفه من المصلين.
١١- أما التشهد بعد سجدتي السهو فقد قال فيه شيخ الإسلام ابن تيمية: ليس في شيء من أقواله ﷺ أمر بالتشهد بعد السجود، ولا في الأحاديث الصحيحة المتلقاة بالقبول أن يتشهد بعد السجود، فلو كان تشهد لذكر ذلك من ذكر أنه تشهد. وعمدة من أثبت التشهد حديث عمران، وهو غريب، ليس لمن رواه متابع، وهذا يوهي الحديث.
стр. 168
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْن بُحَيْنَةَ- وكانَ مِنْ أصْحَاب النبي ﷺ : أن النَّبيَّ ﷺ صَلَّى بِهمُ الظهْرَ، فَقَامَ فِي الركعَتَينِ الأوليين ولم يَجْلس (١) فَقَامَ الناسُ مَعَهُ، حتى إِذَا قضَى الصَّلاةَ وانتظَرَ الناسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّر وهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْل أنْ يُسَلِّم ثمَّ سَلَّم.
المعنى الإجمالي:
صلى النبي ﷺ بأصحابه صلاة الظهر، فلما صلى الركعتين الأوليين، قام بعدهما، ولم يجلس للتشهد الأول، فتابعه المأمومون على ذلك.
حتى إذا صلى الركعتين الأخريين، وجلس للتشهد الأخير، وفرغ منه، وانتظر الناس تسليمه، كبَّر وهو في جلوسه، فسجد بهم سجدتين قبل أن يسلم مثل سجود صُلْبِ الصلاة، ثم سلم.
ما يؤخذ من الحديث:
١- وجوب سجود السَّهْو لمن سها في الصلاة وترك التشهد الأول.
٢- أن التشهد الأول، ليس بركن، ولو كان ركناً، لما جبر النقص به سجودُ السَّهْوِ ويؤخذ وجوبه من أدلة أخرى.
٣- أن تعدد السهو يكفي له في سجدتان، فإن النبي ﷺ ترك -هنا- الجلوس والتشهد معاً.
٤- أهمية متابعة الإمام، حيث أقرهم النبي ﷺ على متابعته وتركهم الجلوس مع علمهم بذلك. فقد زاد النسائي وابن خزيمة والحاكم: "فسبحوا به، فمضى حتى فرغ من صلاته".
٥- أن سهو الإمام لاحق للمأمومين، لأنهم تركوا التشهد عمداً، والمتعمد ليس عليه سهو لترك الواجب، وإنما تبطل صلاته في غير مثل هذه الصورة.
٦- أن السجود في مثل هذه الحال، يكون قبل السلام.
٧- أن السلام يلي سَجْدَتي السهو، فلا يفصل بينهما بتشهد أو دعاء.
стр. 169
بَابُ المرُور بَيْن يَدَي المصَلّي
الحديث الأول
عَنْ أبي جُهَيْم بنِ الصِّمَّةِ الأنصَارِي رضيَ الله تَعَالَي عَنْهُ قال:
قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِِ الْمُصلِّى مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ (١) لَكَانَ أنْ يَقِفَ أربَعِينَ خَيْراً (٢) لَهُ من أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَي الْمُصلي".
قال أبو النضر: لا أدْرِي قَالَ أرْبَعِينَ يَوماً أوْ شَهْراً أوْ سَنَةً.
لمعنى الإجمالي
المصلي واقف بين يدي ربه يناجيه ويناديه.
فإذا مرَّ بين يديه في هذه الحال مارّ، قطع هذه المناجاة وشوّش عليه عبادته.
لذا عظم ذنب من تسبب في الإخلال بصلاة المصلى، بمروره.
فأخبر الشارع: أنه لو علم ما الذي ترتب على مروره، من الإثم والذنب، لفضل أن يقف مكانه الآماد الطويلة على أن يمر بين يدي المصلى، مما يوجب الحذر من ذلك، والابتعاد منه.
ما يؤخذ من الحديث:
١- تحريم المرور بين يدي المصلي، إذا لم يكن له سترة، أو المرور بينه وبينها إذا كان له سترة.
٢- وجوب الابتعاد عن المرور بين يديه، لهذا الوعيد الشديد.
٣- أن الأولى للمصلى أن لا يصلي في طرق الناس، وفي الأمكنة التي لابُدَّ لهم من المرور بها، لئلا يُعَرِّض صلاته للنقص، ويُعَرض المارَّة للإثم.
٤- شك الراوي في الأربعين: هل يراد بها اليوم أو الشهر أو العام؟
ولكن ليس المراد بهذا العدد المذكور الحصر، وإنما المراد المبالغة في النَّهْى.
فقد كانت العرب تُجْرِى ذَلِك مُجْرَى المثل في كلامها، عند إرادة التكثير كقوله تعالى. ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لهم سبعين مَرَّة فَلَنْ يَغْفِرَ الله لهم﴾ .
ولهذا ورد في صحيح ابن حبان، وسنن ابن ماجه، من حديث أبي هريرة " لكان أن يقف مائة عام خيراً من الخطوة التي خطاها ".
стр. 170
٥- أما في مكة، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " لو صلى المصلى في المسجد والناس يطوفون أمامه لم يكره سواء من مر أمامه رجل أو امرأة".
الحديث الثاني
عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسولَ الله ﷺ يَقُولُ:
" إِذا صَلَّى أحَدُكُمْ إلى شَيءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَاس فَأرَادَ أحَدٌ أنْ يَجْتازَ بَيْنَ يَدَيهِ فَلْيَدْفَعْهُ فَإنْ أبى فلْيُقَاتِلْهُ، - فَإنَّما هُوَ شَيْطَان ".
المعنى الإجمالي:
إذا دخلَ المصلي في صلاته، وقد وضع أمامه سترة لتستره من الناس، حتى لا ينقصوا صلاته بمرورهم بين يديه، وأقبل يناجي ربه، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه، فليدفع بالأسهل فالأسهل.
فإن لم يندفع بسهولة ويسر، فقد أسقط حرمته، وأصبح معتدياً.
والطريق لوقف عدوانه، المقاتلة بدفعه باليد، فإن عمله هذا من أعمال الشياطين، الذين يريدون إفساد عبادات الناس، والتلبيس عليهم في صلاتهم.
الأحكام التي في الحديث:
١- مشروعة السترة للمصلى لِيَقيَ صلاته من النقص أو القطع.
٢- مشروعية قربها منها، ليتمكن من رَدّ من يمر بينه وبينها، ولئلا يضيق على المارَّة.
٣- تحريم المرور بين المصلى وبين سترته، لأنه من عمل الشيطان.
٤- منع من يريد المرور بين المصلى وبين سترته، ويكون بإشارة أو تسبيح أوَّلاً، فإن لم- يندفع، منع ولو بِدَفعه، لأنه معتدٍ. قال القاضي عياض: والاتفاق على أنه لا يجوز له المشي في مقامه إلى رده، لأن ذلك في صلاته أشد من مروره عليه.
٥- أن المدفوع لو تسبب موته من الدفع، فليس على الدافع ذنب ولا قوَدّ.
لأن دفعه مأذون فيه، وما ترتب على المأذون فيه، غير مضمون.
стр. 171
٦- الحكمة في رَدَّة ألا يقع في الصلاة خلل، ولئلا يقع المار في الإثم.
٧- ما تقدم من دفع المارة ومقاتلته، وعدم الضمان في ذلك لمن جعل أمامه سترة.
فأما من لم يجعل سترة، فليس له حرمة، لأنه المفرِّط في ذلك، كما هو مفهوم الحديث.
٨- أن مدافعة كل صائل، تكون بالأسهل فالأسهل.
فلا يجوز مبادرته بالشدة، حتى تنفد وسائل اللِّين.
٩- ذهب الجمهور إلي أنه لو مر ولم يدفعه فلا ينبغي له أن يرده، لأن فيه إعادة للمرور.
١٠- وذكر ابن دقيق العيد أن المصلى يختص بالإثم دون المار إذا لم يكن للمار مندوحة عن المرور، وقال: يشتركان في الإثم إذا كان للمار مندوحة وتعرض له المصلى.
١١- إذا كان العمل في الصلاة لمصلحتها فإنه لا ينقصها ولا يبطلها: لأنه شيء جائز.
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاس ورَضىَ الله عَنْهُمَا قال: أقْبَلْتُ رَاكِبا عَلَى حِمَارٍ أتَانٍ (١) ، وَأنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلامَ، وَرَسُول الله ﷺ يُصَلّي بالْنَّاس بـ"مِنىً" إِلى غيْر جِدَارٍ، فَمَرَرتُ بيْنَ بَعْض الصَّف فَنَزَلْتُ وَأرْسَلْتُ الأتانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْتُ في الصَّفَ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذلِكَ عَليَّ أحَدٌ.
غريب الحديث:
الأتَان: أنثى الحمير، وهو بفتح الهمزة وكسرها، والفتح أشهر، وبعدها تاء مثناة وهى نعت للحمار.
ناهزت الحلم: قاربت البلوغ، مراده في تلك المدة.
ترتعُ: بضم العين، يعنى ترعى.
قال في " الصحاح ": رتعت الماشية، أكلت ما شاءت.
المعنى الإجمالي:
أخبر عبد الله بن عباس ﵄ أنه لما كان مع النبي ﷺ في " منى " في حجة الوداع، أقبل
стр. 172
راكباً على أتان، فمر على بعض الصف، والنبي ﷺ يصلى بأصحابه، فنزل عن الأتان وتركها ترعي، ودخل هو في الصف.
وأخبر رضى الله عنه أنه في ذلك الوقت قد قارب البلوغ، يعنى في السن التي ينكر عليه فيها لو كان قد أتى منكراً يفسد على المصلين صلاتهم، ومع هذا فلم ينكر عليه أحد، لا النبي ﷺ ، ولا أحد من أصحابه.
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن مرور الحمار بين يدي المصلى لا ينقص صلاته ولا يقطعها. ويأتي الخلاف في هذا، في الحديث الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
٢- أن عبد الله بن عباس حين توفي النبي ﷺ ، كان قد بلغ أو قارب البلوغ، لأن هذه القضية وقعت في" حجة الوداع " قبل وفاته ﷺ بنحو ثمانين يوماً.
٣- أن إقرار النبي ﷺ من سنته، لأنه لا يقر أحدا كل باطل.
فعدم الإنكار على ابن عباس يدل على أمرين، صحة الصلاة، وعدم إتيانه بما ينكر عليه.
٤- استدل بالحديث على أن سترة الإمام هي سترة للمأموم، وقد عنون له الإمام البخاري بقوله: " باب سترة الإمام سترة من خلفه".
الحديث الرابع
عَنْ عَائِشَةَ رضىَ الله عَنْهَا قالَتْ: كُنْتُ أنامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسولِ الله ﷺ وَرِجْلاي في قِبْلَتِهِ، فإذا سَجَدَ غَمَزَني فَقَبَضْتُ رِجْليَّ وإذَا قَامَ بَسَطْتُهُما، وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ.
المعنى الإجمالي:
كانت عائشة رضى الله عنها إذا أورد عليها حديث قطع الصلاة بالحمار والكلب والمرأة، تنكر عليهم وتقول: كنت أنام بين يدي النبي ﷺ ، ولضيق بيوتنا، تكون رِجْلاي في قبلته فما دام واقفاً
стр. 173
يتهجد بسطتهما، فإذا سجد، غمزني فَقبضتهما ليسجد.
ولو كنت أراه إذا سجد لقبضتهما بلا غمز منه، ولكن ليس في بيوتنا مصابيح، فكيف تقرنوننا - معشر النساء- مع الحمير والكلاب، في قطع الصلاة، وهذه قصتي مع النبي ﷺ .
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز اعتراض النائم بين يدي المصلى إذا كان بحاجة كضيق المكان.
٢- أن اعتراض المرأة أمام المصلى، لا يقطع الصلاة ولا ينقصها.
٣- أن مس المرأة ولو بلا حائل لا ينقض الوضوء، لأن النبي ﷺ يغمزها بظلام، فلا يعلم، أيمسها من وراء حائل، أم لا؟
ولا يعرض صلاته للإبطال لو كان مسها بلا حائل ينقض الوضوء، ولكن قيده العلماء بأن لا يكون لشهوة.
٤- ما كان النبي ﷺ وأهله عليه من ضيق الحياة، رغبة فيما عند الله، وزهداً في هذه الحياة الفانية.
٥- جواز مثل هذه الحركة في الصلاة، وأنهَا لا تخِلُّ بها.
اختلاف العلماء
اختلف العلماء، في المرأة، والحمار، والكلب الأسود، أتقطع الصلاة أم لا؟.
فذهب الأئمة الثلاثة إلى عدم القطع، وتأوَّلوا حديث أبي ذر، الذي في صحيح مسلم: " يَقطَعُ صلاةَ الرَّجُلِ المسلم إذا لم يِكُنْ بَيْنَ يَدَيه مثلُ مؤخرة الرحل: المرأة، والحمار، والكلب الأسود" تأولوا "القطع" هنا، بمعنى نقص الصلاة بما يشغل القلب بهذه الأشياء:
أما الإمام " أحمد " فعنده روايتان، والمشهور من مذهبه أنه لا يقطع، إلا الكلب الأسود البهيم.
وقال: في قلبي شيء من المرأة والحمار.
أما المرأة، فلحديث عائشة الذي تقدم.
وأما الحمار، فلحديث ابن عباس الذي قبله، فالحديثان عارضا حديث أبي ذر.
وأما الكلب، فلم يتوقف فيه، لأنه ليس له معارض.
стр. 174
والرواية الثانية عن الإمام " أحمد " أن الثلاثة كلها تقطع الصلاة لحديث أبي ذر المذكور.
وإلى قطع الثلاثة: ذهب ابن حزم، واختاره الشيخ تقي الدين وقال: إنه مذهب الإمام أحمد.
فائدة:
إنما خص الكلب الأسود بذلك دون سائر الكلاب، لأنه شيطان، كما في الحديث.
قال أبو ذر: قلت: يا رسول الله، ما بال الكلب الأسود من الأحمر من الأصفر؟.
فقال: " الكلب الأسود شيطان ".
بَابٌ جَامع
ذكر المؤلف في هذا الباب أنواعاً من أعمال الصلاة، فرأيت أن أجعل كل نوع تحت "باب" يبين مقصودها، ويشير إلى المعنى المراد منها.
ولذا فإني قدمت حديث أنس في السجود على الثوب من الحر، ليكون مع حديث أبي هريرة "إذا اشتد الحر، فأبردوا بالصلاة ... الخ"، لتناسبهما مع أن المؤلف فصل بينهما بحديثين غير مناسبين لهما.
стр. 175
بَابُ تحيَّة المسْجِد (١)
عَنْ أبي قَتَادَةَ الْحَارِثِ بْنِ رَبعِيٍّ الأنصَاري رضىَ الله عَنْهُ قال:
قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا دَخَل أحَدُكُم الْمَسْجدَ فَلاَ يَجْلِسْ حتَّى يُصلِّيَ رَكْعَتْينِ".
المعنى الإجمالي:
دخل سُلَيك الغطَفَانيُّ المسجد النبوي، يوم الجمعة، والنبي ﷺ يخطب فجلس.
فأمره النبي ﷺ أن يقوم ويأتي بركعتين.
ثم أخبره ﷺ أن للمساجد حرمة وتقديرا، فإن لها على داخلها تحية، وهي أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين.
ولذا فإنه لم يعذر، ولاهذا الذي جلس لسماع خطبة الجمعة من لسانه ﷺ .
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في جواز فعل الصلوات ذوات الأسباب كـ" تحية المسجد" أو " صلاة الكسوف " و " الجنازة " و" قضاء الفائتة " في أوقات النَّهْى. فذهبت الحنفية والمالكية والحنابلة: إلى المنع من ذلك لأحاديث النَّهْى. كحديث " لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس ".
وحديث " ثلاث ساعات كان رسول الله ينهانا أن نصلى فيهن ".
وذهب الإمام الشافعي، وطائفة من العلماء إلى جواز ذلك بلا كراهية، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام " ابن تيمية " مستدلين بهذا الحديث الذي معنا وأمثاله، كحديث " مَنْ نَامَ عَنْ وتْرِهِ أوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلهِ إِذَا ذَكَرَ٥ُ".
وحديث: " إِنَ الشمْسَ وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ الله، فَإذَا رَأيتمُوهما فَصَلوا".
وكل من أدلة الطرفين عام من وجه، وخاص من وجه آخر، إلا أنَّ في إباحة الصلوات
стр. 176
ذوات الأسباب في هذه الأوقات إعمالا للأدلة كلها، فيحمل كل منها على محمل، وإن في تلك الإباحة تكثيراً للعبادة التي لها سند قوي من الشرع.
وقد تقدم هذا الخلاف في حديث ابن عباس رقم [٥٢] . ولكنا نزيده هنا وضوحا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فقد ذكر أنه كان متوقفا في الصلوات ذوات الأسباب لبعض الأدلة التي احتج بها المانعون، وبعد البحث وجد أنها إما ضعيفة أو غير دالة، كقوله: " إذا دخل أحد كم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين " فإنه عام لا خصوص فيه، وأحاديث النهى كلها مخصوصة، فوجب تقديم العام الذي لا خصوص فيه، لأنه حجة باتفاق السلف، وقد ثبت أن النبي صلى اله عليه وسلم أمر بصلاة تحية المسجد للداخل عند الخطبة، وأما حديث ابن عمر في الصحيحين " لا تتحروا لصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها" وهذا إنما يكون في التطوع المطلق، وقد ثبت جواز بعض ذوات الأسباب بالنص كركعتي الطواف والصلاة المعادة مع إمام الحي، وبعضها بالنص والإجماع كالجنازة بعد العصر، وإذا نظر في مقتضى الجواز لم توجد له علة إلا كون الصلاة ذات سبب. وقد استقر الشرع على أن الصلاة تفعل حسب الإمكان عند خشية فوات الوقت، وإن أمكن فعلها بعد الوقت على وجه الكمال. وكذلك صلوات التطوع ذوات الأسباب.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية تحية المسجد لداخله، وذهب إلى وجوبها الظاهرية، لظاهر هذا الحديث.
والجمهور ذهبوا إلى استحبابها.
٢- أنها مشروعة لداخل المسجد في كل وقت، ولو كان وقت نَهْي لعموم الحديث. وقد تقدم الخلاف فيها وفي غيرها، من ذوات الأسباب.
٣- استحباب الوضوء لداخل المسجد، لئلا تفوته هذه الصلاة المأمور بها.
٤- قيد العلماء المسجد الحرام بأن تحيته الطواف. لكن من لم يُرِدِ الطواف أو يشق عليه، فلا ينبغي أن يدع الصلاة، بل يصلى ركعتين.
стр. 177
بَابُ النّهي عَن الكَلام في الصَّلاة (١)
عَنْ زَيد بْنِ أرقَمَ ﵁ قال: "كُنَا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ يُكَلِّم الرَّجُلُ مِنَّا صَاحبَهُ وهُوَ إِلى جَنْبِهِ في الصلاةِ حَتى نَزَلَتْ ﴿وقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾ فأُمِرْنَا بالسُّكوتِ ونُهيِنَا عَنِ الْكَلام" (٢)
غريب الحديث:
قانتين: للقنوت عدة معان، منها: - الطاعة، والخشوع، والدعاء وطول القيام والسكوت، وهو المراد هنا، فقد فهم منه الصحابة نهيهم عن الكَلام في الصلاة، وأمرهم بالسكوت. واللام في قوله " عن الكلام " للعهد إذ يقصد بها الكلام الذي كانوا يتحدثون به.
المعنى الإجمالي:
ذكر زيد بن أرقم ﵁ أن المسلمين كانوا في بدء أمرهم يتكلمون في الصلاد بقدر حاجتهم إلى الكلام، فقد كان أحدهم يكلم صاحبه بجانبه في حاجته، وكان على مسمع من النبي ﷺ ، ولم ينكر عليهم.
ولما كان في الصلاة شغل بمناجاة الله عن الكلام مع المخلوقين، أمرهم الله ﵎ بالمحافظة على الصلاة وأمرهم بالسكوت ونهاهم عن الكلام، فأنزل الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصّلاةِ الوُسطى وَقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾ . فعرف الصحابة منها نهيهم عن الكلام في الصلاة فانتهوا، رضى الله عنهم.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على بطلان صلاة من تكلم فيها عامداً لغير مصلحتها، عالما بالتحريم.
واختلفوا في الساهي، والجاهل والمكره، والنائم، والمحذر للضرير، والمتكلم لمصلحتها.
فذهب الحنابلة إلى بطلان الصلاة في كل هذا، عملا بهذا الحديث الذي معنا، وحديث "كُنَّا نُسَلم عَلَيكَ في الصَّلاةِ فَتَرُدّ عَلَيْنَا، قَالَ: إِن في الصَّلاةِ لَشُغْلا " متفق عليه- وغيرهما. من الأدلة.
стр. 178
وذهب الإمامان " مالك " و " الشافعي " إلى صحة صلاة المتكلم جاهلاً، أو ناسياً أنه في الصلاة، أو ظانًّا أن صلاته تمت فسلم وتكلم، سواء كان الكلام في شأن الصلاة، أو لم يكن في شأنها، وسواء كان المتكلم إماماً أو مأموماً، فإن الصلاة صحيحة تامة، يبنى آخرها على أولها.
وما ذهب إليه الإمامان، مالك، والشافعي، من عدم قطع الصلاة بكلام الجاهل، والساهى، والمحذر، والمتكلم لمصلحتها بعد السلام قبل إتمامها، ذهب إليه- أيضاً- الإمام أحمد في روايات قوية صحيحة عنه، وهو اختيار شيخ الإسلام " ابن تيمية ".
وأدلة ذلك قوية واضحة.
منها: حديث " ذي اليدين " وكلام النبي ﷺ وذي اليدين وأبى بكر وعمر، وسرعان الناس الذين خرجوا من المسجد، يرددون بينهم "قصرت الصلاة ".
وما رواه مسلم عن معاوية بن الحكم: بَيْنَما أنَا أُصَلي مَعَ النَبيِّ ﷺ إِذ عَطسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْم، فَقُلْتُ: "يَرحَمُك الله" فَرَمَاني الْقَومُ بِأبصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلاهُ، مَا شَأنُكُمْ تَنْظُرُونَ؟ فَجَعَلُوا يَضْرُبون بِأيْدِيهِمْ عَلَى أفْخَاذِهِمْ فَمَا رَأيتهُم يُصْمِتُوني لكِنِّىِ سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى (١) رَسُول الله ﷺ ... قال: " إن هذِهِ الصلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلام الناسِ" فلم يأمره بالإعادة.
وحديث: " عُفِي لأمّتِي عنِ الخَطَأِ والنسْيَانِ ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" إلى غير ذلك من الأدلة، الصريحة الصحيحة.
وحديث الباب، ونحوه، محمول على العامد العالم بالتحريم. واختلف العلماء في النفخ والنحنحة، والتأوُّه،، والأنين، والانتحاب ونحو ذلك.
فذهب بعضهم- وهو المشهور من مذهب الحنابلة والشافعية- إلى أنه يبطل- الصلاة إذا انتظم منه حرفان.
فإن لم ينتظم منه حرفان، أو كان الانتحاب من خشية الله، أو التنحنح لحاجة، فمذهب الحنابلة أنه لا يبطل الصلاة واختار الشيخ " تقي الدين " عدم الإبطال بهذه الأشياء، ولو بان منه حرفان، لأنها ليست من جنس الكلام، فلا يمكن قياسها على الكلام.
وحكى عدم البطلان رواية عن الإمامين مالك وأحمد. مستدلين بحديث على ﵁ " كَانَ لي مِنْ رَسُولِ الله مَدخْلانِ باللَيل وَالنَّهَارِ. فَإذَا دَخَلْتُ عَلَيْةِ وَهُوَ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ " رواه أحمد، وابن ماجه.
стр. 179
وقد نفخ ﷺ في صلاة الكسوف. وقال مهنا: رأيت أبا عبد الله يتنحنح في الصلاة.
وهذه الأشياء ليست كلاماً، ولا تنافي الصلاة. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا المبحث ينقسم إلى ثلاثة أقسام، فهناك الكلمات التي تدل على معنى فيها مثل "يد" و "فم" وغير ذلك. وهناك كلمات تدل على معنى في غيرها مثل "عن" و "من" و "في" وما هو بسبيلها.
وهذان النوعان من الكلام يدلان على معنى بالوضع وقد أجمع أهل العلم على إفساد هذا القسم للصلاة إن لم يكن له عذر شرعي. أما القسم الثاني في الكلام فهو ماله معنى بالطبع كالتأوه والبكاء والأنين والأظهر أنه لا يبطل الصلاة، لأنه ليس كلاما في اللغة التي خاطبنا بها رسول الله ﷺ أما القسم الثالث وهو النحنحة فقد ورد من حديث علي قال: " كنت إذا دخلت عليه وهو يصلى تنحنح لي" ونقل عن الإمام أحمد روايتان فيه، إحداهما الإبطال، واختيار الشيخ تقي الدين عدم الإبطال بحال.
قال شيخ الإسلام في "الاختيارات": والأظهر أن الصلاة تبطل بالقهقهة إذا كان فيها أصوات عالية تنافي الخشوع الواجب في الصلاة.
وفيها من الاستخفاف والتلاعب ما يناقض المقصود من الصلاة. فأبطلت لذلك، لا لكونها كلاماً.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- كان الكلام في الصلاة أول الإسلام مباحا بقدر الحاجة إليه.
٢- تحريم الكلام في الصلاة بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾ . من العامد، وهو الذي يعلم أنه في صلاة، وأن الكلام فيها محرم.
٣- أن الكلام- مع حرمته- مفسد للصلاة، لأن النهي يقتضي الفساد.
٤- أن القنوت المذكور في هذه الآية، مراد به السكوت، كما فهمه الصحابة، وعملوا بمقتضاه في زمن النبي ﷺ .
٥- أن المعنى الذي حرم من أجله الكلام، هو طلب الإقبال على الله في هذه العبادة، والتلذذ بمناجاته فَليُحْرَصْ على هذا المعنى السامي.
٦- صراحة النسخ في مثل هذا الحديث الذي جمع بين الناسخ والمنسوخ.
стр. 180
بَابُ الإبراد في الظهر من شدّة الحَر
الحديث الأول
عَنْ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ، وَأبي هُرَيرةَ ﵃ عَنْ رَسول الله ﷺ قَالَ: " إذَا اشتدَّ الحَرُّ فَأبردُوا عنِ الصلاةِ، فَإن شِدة الحَرِّ مِنْ فيحِ جَهَنَّمَ ".
غريب الحديث:
أبردوا: يقال "أبرد " إذا دخل في وقت البرد كـ" أنجد" لمن دخل " نجداً " و " أتهم- " لمن دخل تهامة.
من فيح جهنم: انتشار حرها وغليانها، و " من " هنا، للجنس لا للتبعيض أي من جنس فيح جهنم.
قال المِزِّى: وهو مثل ما روى عن عائشة بإسناد جيد "من أراد أن يسمع خرير الكوثر، فليجعل إصبعيه في أذنيه" أي من أراد أن يسمع مثل خرير الكوثر.
المعنى الإجمالي:
روح الصلاة ولُبُّهَا، الخشوع وإحضار القلب فيها.
لذا ندب للمصلي أن يدخل فيها، وقد فرغ من الأعمال الشاغلة عنها. وعمل الوسائل المعينة على الاستحضار فيها.
ولذلك فضل الشارع أن يؤخر صلاة الظهر عند اشتداد الحر إلى وقت البرد لئلا يشغله الحر والغم، عن الخشوع.
مع ما في ذاك من التسهيل والتيسير، في حق الذين يخرجون يؤدونها في المساجد تحت وهج الشمس.
لهذه المعاني الجليلة، شرع تأخير هذه الصلاة عن أول وقتها، وصار هذا الحديث مخصصاً للأحاديث الواردة في فضل أول الوقت.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب تأخير صلاة الظهر في شدة الحر إلى أن يبرد الوقت. وتنكسر الحرارة. قال