ذوات الأسباب في هذه الأوقات إعمالا للأدلة كلها، فيحمل كل منها على محمل، وإن في تلك الإباحة تكثيراً للعبادة التي لها سند قوي من الشرع.
وقد تقدم هذا الخلاف في حديث ابن عباس رقم [٥٢] . ولكنا نزيده هنا وضوحا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية فقد ذكر أنه كان متوقفا في الصلوات ذوات الأسباب لبعض الأدلة التي احتج بها المانعون، وبعد البحث وجد أنها إما ضعيفة أو غير دالة، كقوله: " إذا دخل أحد كم المسجد فلا يجلس حتى يصلى ركعتين " فإنه عام لا خصوص فيه، وأحاديث النهى كلها مخصوصة، فوجب تقديم العام الذي لا خصوص فيه، لأنه حجة باتفاق السلف، وقد ثبت أن النبي صلى اله عليه وسلم أمر بصلاة تحية المسجد للداخل عند الخطبة، وأما حديث ابن عمر في الصحيحين " لا تتحروا لصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها" وهذا إنما يكون في التطوع المطلق، وقد ثبت جواز بعض ذوات الأسباب بالنص كركعتي الطواف والصلاة المعادة مع إمام الحي، وبعضها بالنص والإجماع كالجنازة بعد العصر، وإذا نظر في مقتضى الجواز لم توجد له علة إلا كون الصلاة ذات سبب. وقد استقر الشرع على أن الصلاة تفعل حسب الإمكان عند خشية فوات الوقت، وإن أمكن فعلها بعد الوقت على وجه الكمال. وكذلك صلوات التطوع ذوات الأسباب.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية تحية المسجد لداخله، وذهب إلى وجوبها الظاهرية، لظاهر هذا الحديث.
والجمهور ذهبوا إلى استحبابها.
٢- أنها مشروعة لداخل المسجد في كل وقت، ولو كان وقت نَهْي لعموم الحديث. وقد تقدم الخلاف فيها وفي غيرها، من ذوات الأسباب.
٣- استحباب الوضوء لداخل المسجد، لئلا تفوته هذه الصلاة المأمور بها.
٤- قيد العلماء المسجد الحرام بأن تحيته الطواف. لكن من لم يُرِدِ الطواف أو يشق عليه، فلا ينبغي أن يدع الصلاة، بل يصلى ركعتين.
стр. 177
بَابُ النّهي عَن الكَلام في الصَّلاة (١)
عَنْ زَيد بْنِ أرقَمَ ﵁ قال: "كُنَا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ يُكَلِّم الرَّجُلُ مِنَّا صَاحبَهُ وهُوَ إِلى جَنْبِهِ في الصلاةِ حَتى نَزَلَتْ ﴿وقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾ فأُمِرْنَا بالسُّكوتِ ونُهيِنَا عَنِ الْكَلام" (٢)
غريب الحديث:
قانتين: للقنوت عدة معان، منها: - الطاعة، والخشوع، والدعاء وطول القيام والسكوت، وهو المراد هنا، فقد فهم منه الصحابة نهيهم عن الكَلام في الصلاة، وأمرهم بالسكوت. واللام في قوله " عن الكلام " للعهد إذ يقصد بها الكلام الذي كانوا يتحدثون به.
المعنى الإجمالي:
ذكر زيد بن أرقم ﵁ أن المسلمين كانوا في بدء أمرهم يتكلمون في الصلاد بقدر حاجتهم إلى الكلام، فقد كان أحدهم يكلم صاحبه بجانبه في حاجته، وكان على مسمع من النبي ﷺ ، ولم ينكر عليهم.
ولما كان في الصلاة شغل بمناجاة الله عن الكلام مع المخلوقين، أمرهم الله ﵎ بالمحافظة على الصلاة وأمرهم بالسكوت ونهاهم عن الكلام، فأنزل الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصّلاةِ الوُسطى وَقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾ . فعرف الصحابة منها نهيهم عن الكلام في الصلاة فانتهوا، رضى الله عنهم.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على بطلان صلاة من تكلم فيها عامداً لغير مصلحتها، عالما بالتحريم.
واختلفوا في الساهي، والجاهل والمكره، والنائم، والمحذر للضرير، والمتكلم لمصلحتها.
فذهب الحنابلة إلى بطلان الصلاة في كل هذا، عملا بهذا الحديث الذي معنا، وحديث "كُنَّا نُسَلم عَلَيكَ في الصَّلاةِ فَتَرُدّ عَلَيْنَا، قَالَ: إِن في الصَّلاةِ لَشُغْلا " متفق عليه- وغيرهما. من الأدلة.
стр. 178
وذهب الإمامان " مالك " و " الشافعي " إلى صحة صلاة المتكلم جاهلاً، أو ناسياً أنه في الصلاة، أو ظانًّا أن صلاته تمت فسلم وتكلم، سواء كان الكلام في شأن الصلاة، أو لم يكن في شأنها، وسواء كان المتكلم إماماً أو مأموماً، فإن الصلاة صحيحة تامة، يبنى آخرها على أولها.
وما ذهب إليه الإمامان، مالك، والشافعي، من عدم قطع الصلاة بكلام الجاهل، والساهى، والمحذر، والمتكلم لمصلحتها بعد السلام قبل إتمامها، ذهب إليه- أيضاً- الإمام أحمد في روايات قوية صحيحة عنه، وهو اختيار شيخ الإسلام " ابن تيمية ".
وأدلة ذلك قوية واضحة.
منها: حديث " ذي اليدين " وكلام النبي ﷺ وذي اليدين وأبى بكر وعمر، وسرعان الناس الذين خرجوا من المسجد، يرددون بينهم "قصرت الصلاة ".
وما رواه مسلم عن معاوية بن الحكم: بَيْنَما أنَا أُصَلي مَعَ النَبيِّ ﷺ إِذ عَطسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْم، فَقُلْتُ: "يَرحَمُك الله" فَرَمَاني الْقَومُ بِأبصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلاهُ، مَا شَأنُكُمْ تَنْظُرُونَ؟ فَجَعَلُوا يَضْرُبون بِأيْدِيهِمْ عَلَى أفْخَاذِهِمْ فَمَا رَأيتهُم يُصْمِتُوني لكِنِّىِ سَكَتُّ فَلَمَّا صَلَّى (١) رَسُول الله ﷺ ... قال: " إن هذِهِ الصلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلام الناسِ" فلم يأمره بالإعادة.
وحديث: " عُفِي لأمّتِي عنِ الخَطَأِ والنسْيَانِ ومَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" إلى غير ذلك من الأدلة، الصريحة الصحيحة.
وحديث الباب، ونحوه، محمول على العامد العالم بالتحريم. واختلف العلماء في النفخ والنحنحة، والتأوُّه،، والأنين، والانتحاب ونحو ذلك.
فذهب بعضهم- وهو المشهور من مذهب الحنابلة والشافعية- إلى أنه يبطل- الصلاة إذا انتظم منه حرفان.
فإن لم ينتظم منه حرفان، أو كان الانتحاب من خشية الله، أو التنحنح لحاجة، فمذهب الحنابلة أنه لا يبطل الصلاة واختار الشيخ " تقي الدين " عدم الإبطال بهذه الأشياء، ولو بان منه حرفان، لأنها ليست من جنس الكلام، فلا يمكن قياسها على الكلام.
وحكى عدم البطلان رواية عن الإمامين مالك وأحمد. مستدلين بحديث على ﵁ " كَانَ لي مِنْ رَسُولِ الله مَدخْلانِ باللَيل وَالنَّهَارِ. فَإذَا دَخَلْتُ عَلَيْةِ وَهُوَ يُصَلِّي تَنَحْنَحَ " رواه أحمد، وابن ماجه.
стр. 179
وقد نفخ ﷺ في صلاة الكسوف. وقال مهنا: رأيت أبا عبد الله يتنحنح في الصلاة.
وهذه الأشياء ليست كلاماً، ولا تنافي الصلاة. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا المبحث ينقسم إلى ثلاثة أقسام، فهناك الكلمات التي تدل على معنى فيها مثل "يد" و "فم" وغير ذلك. وهناك كلمات تدل على معنى في غيرها مثل "عن" و "من" و "في" وما هو بسبيلها.
وهذان النوعان من الكلام يدلان على معنى بالوضع وقد أجمع أهل العلم على إفساد هذا القسم للصلاة إن لم يكن له عذر شرعي. أما القسم الثاني في الكلام فهو ماله معنى بالطبع كالتأوه والبكاء والأنين والأظهر أنه لا يبطل الصلاة، لأنه ليس كلاما في اللغة التي خاطبنا بها رسول الله ﷺ أما القسم الثالث وهو النحنحة فقد ورد من حديث علي قال: " كنت إذا دخلت عليه وهو يصلى تنحنح لي" ونقل عن الإمام أحمد روايتان فيه، إحداهما الإبطال، واختيار الشيخ تقي الدين عدم الإبطال بحال.
قال شيخ الإسلام في "الاختيارات": والأظهر أن الصلاة تبطل بالقهقهة إذا كان فيها أصوات عالية تنافي الخشوع الواجب في الصلاة.
وفيها من الاستخفاف والتلاعب ما يناقض المقصود من الصلاة. فأبطلت لذلك، لا لكونها كلاماً.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- كان الكلام في الصلاة أول الإسلام مباحا بقدر الحاجة إليه.
٢- تحريم الكلام في الصلاة بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾ . من العامد، وهو الذي يعلم أنه في صلاة، وأن الكلام فيها محرم.
٣- أن الكلام- مع حرمته- مفسد للصلاة، لأن النهي يقتضي الفساد.
٤- أن القنوت المذكور في هذه الآية، مراد به السكوت، كما فهمه الصحابة، وعملوا بمقتضاه في زمن النبي ﷺ .
٥- أن المعنى الذي حرم من أجله الكلام، هو طلب الإقبال على الله في هذه العبادة، والتلذذ بمناجاته فَليُحْرَصْ على هذا المعنى السامي.
٦- صراحة النسخ في مثل هذا الحديث الذي جمع بين الناسخ والمنسوخ.
стр. 180
بَابُ الإبراد في الظهر من شدّة الحَر
الحديث الأول
عَنْ عَبدِ الله بنِ عُمَرَ، وَأبي هُرَيرةَ ﵃ عَنْ رَسول الله ﷺ قَالَ: " إذَا اشتدَّ الحَرُّ فَأبردُوا عنِ الصلاةِ، فَإن شِدة الحَرِّ مِنْ فيحِ جَهَنَّمَ ".
غريب الحديث:
أبردوا: يقال "أبرد " إذا دخل في وقت البرد كـ" أنجد" لمن دخل " نجداً " و " أتهم- " لمن دخل تهامة.
من فيح جهنم: انتشار حرها وغليانها، و " من " هنا، للجنس لا للتبعيض أي من جنس فيح جهنم.
قال المِزِّى: وهو مثل ما روى عن عائشة بإسناد جيد "من أراد أن يسمع خرير الكوثر، فليجعل إصبعيه في أذنيه" أي من أراد أن يسمع مثل خرير الكوثر.
المعنى الإجمالي:
روح الصلاة ولُبُّهَا، الخشوع وإحضار القلب فيها.
لذا ندب للمصلي أن يدخل فيها، وقد فرغ من الأعمال الشاغلة عنها. وعمل الوسائل المعينة على الاستحضار فيها.
ولذلك فضل الشارع أن يؤخر صلاة الظهر عند اشتداد الحر إلى وقت البرد لئلا يشغله الحر والغم، عن الخشوع.
مع ما في ذاك من التسهيل والتيسير، في حق الذين يخرجون يؤدونها في المساجد تحت وهج الشمس.
لهذه المعاني الجليلة، شرع تأخير هذه الصلاة عن أول وقتها، وصار هذا الحديث مخصصاً للأحاديث الواردة في فضل أول الوقت.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب تأخير صلاة الظهر في شدة الحر إلى أن يبرد الوقت. وتنكسر الحرارة. قال
стр. 181
العلماء: ليس للإبراد في الشريعة تحديد، وبين الصنعاني أن الأقَرب في الاستدلال على بيان مقدارها ما أخرجه الشيخان من حديث أبي ذر قال: " كنا في سفر مع النبي ﷺ فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال: أبرد؟ ثم أراد أن يؤذن، فقال له أبرد، حتى رأينا فيء التلول " فهو يرشد إلى قدر الإبراد وأنه ظهور الفيء للجدران ونحوها.
٢- أن الحكمة في ذلك، هو طلب راحة المصلى، ليكون أحضر لقلبه وأبعد له عن القلق.
٣- أن الحكم يدور مع علته، فمتى وجد الحر في بلد، وجدت فضيلة التأخير.
وأما البلاد الباردة- فلفقدها هذه العلة- لا يستحب تأخير الصلاة فيها.
٤- ظاهر الحديث، والمفهوم من الحكمة في هذا التأخير، أن الحكم عام في حق من يؤدى الصلاة جماعة فِي المسجد، ومن يؤديها منفرداً في البيت، لأنهم يشتركون في حصول القلق من الحر.
٥- أنه يشرع للمصلى أن يؤدي الصلاة بعيدا عن كل شاغل عنها ومُلْهٍ فيها.
فائدة:
قال شيخنا "عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي" عند كلام له على هذا الحديث:
ولا منافاة بين هذا وبين الأسباب المحسوسة، فإنها كلها من أسباب الحر والبرد كما في الكسوف وغيره.
فينبغي للإنسان أن يثبت الأسباب. الغيبية التي ذكرها الشارع، ويؤمن بها ويثبت الأسباب المشاهدة المحسوسة.
فمن كذب أحدهما، فقد أخطأ.
الحديث الثاني
عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: كنا نُصَلي مَعَ رَسُول الله ﷺ في شِدّةِ الْحَرِّ، فإذا لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدُنَا أنْ يُمَكِّنَ جبهتَهُ مِنَ الأرْض بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ.
المعنى الإجمالي:
كانت عادة النبي ﷺ أن يصلى بأصحابه صلاة الظهر من أيام الحر، وحرارة الأرض ما
стр. 182
تزال باقية، مما يحمل المصلين على أنهم إذا لم يستطيعوا أن يمكنوا جباههم في الأرض بسطوا ثيابهم، فسجدوا عليها، لتقيهم حَرَّ الأرضِ.
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن وقت صلاة النبي ﷺ بأصحابه الظهر في أيام الحر، هو بعد انكسار حرارة الشمس وبقاء آثارها في الأرض.
٢- جواز السجود على حائل من ثوب غيره عند الحاجة إليه، من حر، وبرد، وشوك، ونحو ذلك.
وبعض العلماء فصل في السجود على الحائل فقال: إن كان منفصلا عن المصلى كالسجادة ونحوها جاز ولو بلا حاجة، بلا كراهة، وإن كان متصلا به كطرف ثوبه فيكره إلا مع الحاجة.
التوفيق بين الحديثين:
ظاهر هذين الحديثين المتقدمين التعارض، ولذا حاول العلماء التوفيق بينهما.
وأحسن ما قيل في ذلك، ما ذهب إليه الجمهور أن الأفضل في شدة الحر الإبراد كما في حديث أنس: أنهم كانوا يُبْرِدُوْنَ بالصلاة، ولكن حرارة الأرض باقية لأن بردها يتأخر في شدة الحر كثيرا فيحتاجون إلى السجود على حائل.
وليس المراد بالإبراد المطلوب، أن تبرد الأرض، بل المراد أن تنكسر حدَّةُ حرارة الشمس، وتبرد الأجسام.
стр. 183
بَابُ قضَاء الصَّلاة الفائتة وتعجيلها
عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ :
" مَنْ نَسىَ صَلاةً فَلْيصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلاّ ذلكَ وَتَلا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِى﴾ ولـ" مسلم" "من نَسىَ صَلاةً أوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا".
المعنى الإجمالي:
الصلاة لها وقت محدد في أوله وآخره، لا يجوز تقديم الصلاة قبله، كما لا يجوز تأخيرها عنه في حق العامد.
فإذا نام عن الصلاة، أو نسيها حتى خرج وقتها، فقد سقط عنه الإثم لعذره.
وعليه أن يبادر إلى قضائها عند ذكره لها ولا يجوز تأخيرها فإن كفارة ما وقع لها من التأخير، المبادرة في قضائها ولذا قال تعالى: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِى﴾ فتلاوة النبي ﷺ هذه الآية عند ذكر هذا الحكم، يفيد أن المراد من معناها أن تقام الصلاة عند تذكرها (١) .
ختلاف العلماء:
اختلف العلماء: هل تجب المبادرة إلى فعلها عند ذكرها، أو يجوز تأخيرها؟ فذهب الجمهور من العلماء: إلى وجوب المبادرة ومنهم الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وأتباعهم.
وذهب الشافعي إلى استحباب قضائها على الفور ويجوز تأخيرها.
واستدل الشافعي بأنه ﷺ -حين نام هو وأصحابه- لم يصلوها في المكان الذي ناموا فيه، بل أمرهم، فاقتادوا رواحلهم إلى مكان آخر، فصلَّى فيه، ولو كان القضاء واجبا على الفور، لصلوه في مكانهم.
واحتج الجمهور بحديث الباب، حيث رتب الصلاة على الذكر.
وأجابوا عن استدلال الشافعي بأنه ليس معنى الفورية عدم التأخر قليلا لبعض الأغراض التي تكمل الصلاة وتزكيها، فإنه يجوز التأخير اليسير لانتظار الجماعة، أو تكثيرها ونحو ذلك.
هذا وقد أطال في هذا " ابن القيم " ﵀ في كتاب " الصلاة " وفنَّد الرأي القائل بجواز التأخير.
واختلفوا في تاركها عمداً حتى خرج وقتها: هل يقضيها أو لا؟
стр. 184
وسألخص هذا الموضوع من كلام " ابن القيم " في كتاب " الصلاة " فقد أطال الكلام فيه.
قد اتفق العلماء على حصول الإثم العظيم الذي يلحق من أخرها لغير عذر حتى خرج وقتها.
ولكن ذهب الأئمة الأربعة إلى وجوب القضاء عليه مع استحقاقه العقوبة إلا أن يعفو الله عنه.
وقالت طائفة من السلف والخلف: من تعمد تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر، فلا سبيل له إلى قضائها أبداً، ولا يقبل منه، وعليه أن يتوب توبة نصوحا، فيكثر من الاستغفار ونوافل الصلوات.
استدل موجبو القضاء، بأنه إذا كان القضاء واجبا على الناسي والنائم، وهما معذوران، فإيجابه على غير المعذور العاصي من باب أولى.
وأيضاً، فإن النبي ﷺ صلَّى العصر بعد المغرب يوم الخندق هو وأصحابه، ومعلوم أنهم كانوا غير نائمين لا ساهين، ولو حصل السهو من بعضهم، ما حصل منهم جميعاً.
وانتصر لوجوب القضاء أبو عمر بن عبد البر.
ومن الذاهبين إلى عدم القضاء، الظاهرية، وشيخ الإسلام "ابن تيمية "و" ابن القيم" وقد أطال في كتاب " الصلاة " في سَوْق الأدلة، وردّ حجج المخالفين.
ومن تلك الأدلة، المفهوم من هذا الحديث، فإن منطوقه وجوب القضاء على النائم والناسي، ومفهومه أنه لا يجب على غيرهما، وأن أوامر الشرع على قسمين: ١- مطلقة. ٢- ومؤقتة، كالجمعة، ويوم عرفة.
فمثل هذه العبادات، لا تقبل إلا في أوقاتها، ومنها: الصلاة المؤخرة عن وقتها بلا عذر.
وقوله ﷺ " مَنْ أدرَكَ ركعةً مِنَ العَصرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشمسُ فَقَدْ أدرَكَ العَصرَ" ولو كان فعلها بعد المغرب صحيحاً مطلقاً، لكان مُدرِكاً، سواء أدرك ركعة أو أقل من ركعة، أم لم يدرك شيئاً، والمقاتلون أُمِرُوا بالصلاة في شدة القتال، كل ذلك حرصا على فعلها في وقتها، ولو كان هناك رخصة لأخرُوها، ليؤدوها بشروطها وأركانها، التي لا يمكن القيام بها مع قيام القتال، مما دل على تقديم الوقت على جميع ما يجب للصلاة، وما يشترط فيها.
стр. 185
وأما عدم قبول قضائها من المفرط في تأخيرها بعد الوقت، فليس لأنه أخف من المعذورين، فإن المعذورين ليس عليهم لائمة.
وإنما لم تقبل منه، عقوبة وتغليظاً عليه.
قد بسط ﵀ القول فيها، فمن أراد استقصاء ذلك، فَلْيَرْجعْ إليه.
وأما كلام شيخ الإسلام في الموضوع، فقد قال في " الاختيارات ": (وتارك الصلاة عمداً، لا يشرع له قضائها، ولاتصح منه، بل يكثر من التطوع وهو قول طائفة من السلف كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي، وداود وأتباعه، وليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه. وقد مال إلى هذا القول الشيخ صديق حسن في كتابه " الروضة الندية ".
وهذا ما أردت تلخيصه في هذه المسألة والله أعلم بالصواب.
ما يؤخذ من الحديث من الأحكام
١- وجوب قضاء الصلاة على الناسي والنائم عند ذكرها.
٢- وجوب المبادرة إلى فعلها، لأن تأخيرها بعد تذكرها، تفريط فيها.
٣- عدم الإثم على من أخرها لعذر من نحو نسيان ونوم، ما لم يفرط في ذلك
بأن ينام بعد دخول الوقت، أو أن يعلم من نفسه عدم الانتباه في الوقت فلا يتخذ له سبباً يوقظه في وقتها.
والكفارة المذكورة، ليست عن ذنب ارتكب، وإنما معنى هذه الكفارة أنه لا يجْزىء عن تركها فعل غيرها، من إطعام، وعتق ونحو ذلك، فلابد من الإتيان بها.
стр. 186
بَابُ جَواز إمَامة (١) المتنفّل بالمفترض
عن جَابِر ِبن عَبْدِ الله ﵄: أنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَل كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولَ الله ﷺ الْعشَاءَ الآَخِرَةَ. ثم يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فيُصلي بهم تِلْكَ الصلاةَ.
المعنى الإجمالي:
كانت منازل بني سلمة، جماعة معاذ بن جبل الأنصاري خارج المدينة.
وكان معاذ ﵁ شديد الرغبة في الخير، فكان يحرص على شهود الصلاة مع النبي ﷺ ، ثم بعد أن يؤدي الفريضة خلف النبي ﷺ ، يَخرج إلى قومه فيصلي- بهم تلك الصلاة، فتكون نافلة بحقه، فريضة بحق قومه، وكان ذلك بعلم النبي ﷺ ، فيقره عليه.
اختلاف العلماء:
اختلف في صحة إمامة المتنفل بالمفترض.
فذهب الزهري، ومالك، والحنفية، إلى عدم صحة ذلك، وهو المشهور عن الإمام أحمد، واختاره أكثر أصحابه، مستدلين بقوله ﷺ : " إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيؤتمّ بِهِ فَلا تَختلِفُوا عَلَيهِ" متفق عليه، واختلاف نية المأموم عنه، اختلاف عليه.
وذهب عطاء، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وهو رواية قوية عن الإمام أحمد: أنها تصح، واختارها شيخ الإسلام " ابن تيمية "، مستدلين بحديث معاذ الذي معنا، فإنه كان يصلى الفريضة خلف النبي ﷺ في مسجده، ثم يخرج إلى قومه فيصلى بهم.
ومن المعلوم أن إحدى صلاتيه نفل، فلا بد أن تكون الأخيرة لوجوه كثيرة.
منها أن الأولى التي برئت بها الذمة، هي صلاته مع النبي ﷺ
ومنها: أنه ما كان ليجعل صلاته مع النبي ﷺ وفي مسجده هي النافلة، وصلاته مع قومه في مسجدهم هي الفريضة.
وقد أطال " ابن حزم " في نصر هذا القول، ودحض حجج أصحاب الرأي الأول بما ليس عليه من مزيد.
стр. 187
ومن أدلة مصححي صلاة المفترض خلف المتنفل: أن النبي ﷺ " صلى بطائفة من أصحابه في صلاة الخوف ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، ثم سلم ". رواه أبو داود. وهو في صلاته الثانية متنفل.
وليس في هذا مخالفة للإمام، لأن المخالفة المنهي عنها في الحديث، أن لا يقتدي به في تنقلاته ورفعه وخفضه، فإنه- بعد أن قال: " إنما جعل الإمام ليؤتم به "- قال: " فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر. إلخ".
ومن المؤيدين لهذا القول، شيخنا عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، ﵀..
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز إمامة المتنفل بالمفترض، وأنه ليس من المخالفة المنهي عنها.
٢- جواز إمامة المفترض بالمتنفل بطريق الأولى.
٣- جواز إعادة الصلاة المكتوبة، لاسيما إذا كان هناك مصلحة، بأن يكون قارئاً فيؤم غير قارىء، أو يدخل المسجد بعد أن صلى منفرداً فيجد جماعة فصلاته معهم تكمل نقص صلاته الأولى وحده.
стр. 188
باَب حكم ستر أحد العَاتقين في الصلاة
عَنْ أبي هُريرة ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : لا يُصَلِّ أحَدُكُمْ في الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيءٌ ".
المعنى الإجمالي:
المطلوب من المصلى أن يكون على أحسن هيئة، فقد قال تعالى: ﴿يا بني آدم خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كل مَسجدٍ﴾ .
ولذا فإن النبي ﷺ حثَّ المصلي أن لا يصلى وعاتقاه مكشوفان مع وجود ما يسترهما أو أحدهما به، ونهى عن الصلاة في هذه الحال وهو واقف بين يدي الله يناجيه.
اختلاف العلماء:
ذهب الإمام " أحمد " في المشهور عنه، إلى وجوب ستر أحد العاتقين في الصلاة، مع وجوب السترة، أخذاً بظاهر هذا الحديث الذي معنا.
وبعض أصحابه خص ذلك بالفرض دون النافلة، فإن صلى بلا سترة لعاتقه أو أحدهما لم تصح صلاته.
وذهب الجمهور- ومنهم الأئمة الثلاثة- إلى الاستحباب، وأن النهي في الحديث ليس للتحريم، مستدلين بما في الصحيحين عن جابر " وإن كان ضيقاً اتَزرَ به " وحملوا النَّهْيَ على التنزيه والكراهة.
الأحكام:
١- النهى عن الصلاة بدون ستر العاتق. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ستر العاتق لحق الصلاة، فيجوز له، كشف منكبيه خارج الصلاة، وحينئذ فقد يستر المصلى في الصلاة ما يجوز إبداؤه في غير الصلاة.
٢- استحباب سترهما أو أحدهما في الصلاة مع وجود السترة.
٣- استحباب كون المصلى على هيئة حسنة.
стр. 189
بَاب ما جَاء في الثوم والبصل ونحوهما
الحديث الأول
عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رَضىَ الله عَنْهُمَا عَنْ النَّبي ﷺ قالَ:
"مَنْ أكَل ثُوماً أوْ بَصَلاً فَلْيَعْتَزِلنا - أوْ ليعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا- ليْقْعُدْ في بَيتهِ".
وَأُتي بقِدْرٍ فيه خَضِراتٌ من بُقُولٍ فَوَجَدَ لها ريحاً، فسأل، فَأُخْبِرَ بِمَاَ فِيهَا من البُقُولِ، فَقَال: " قرِّبُوهَا " إِلى بَعْض أصحَابِهِ
كان معه- فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أكلهَا قال: "كُل فإنّي أنَاجي من لا تُنَاجى ".
غريب الحديث:
قدر: هو الوعاء الذي يطبخ فيه.
خضرات: واحدته "خضرة " وهي البقلة الخضراء.
البقول: جمع بقل، وهو كل نبات اخضرت به الأرض. عن ابن فارس.
أناجى: قال ابن فارس اللغوي: النحوي: السر بين اثنين. وناجيته: اختصصته بمناجاتي. ويريد بذلك ﷺ مناجاته مع ربه، إختصاصه ربه بذلك.
الحديث الثاني
عَن جَابِر: أن النبي ﷺ قَالَ:
" مَنْ أكلَ البُصَلَ أو الثُّومَ أو الْكُرَّاثَ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجدَنَا فَإنَّ الْمَلاِئكَةَ تَتَأَذّى ممَّا يَتَأذّى مِنْهُ بَنوُ الإنْسَانِ " وفي روَاية " بَنُو آدَمَ ".
المعنى الإجمالي:
المطلوب أن يكون المصلى على أحسن رائحة وأطيبها، لاسيما إذا كان يريد أداء صلاته في المجامع العامة.
ولذا أمر النبي ﷺ ، من أكل ثوياً أو بصلاً نيئين أن يتجنب مساجد المسلمين، ويؤدى صلاته في بيته، حتى تذهب عنه الرائحة الكريهة، التي يتأذى منها المصلون والملائكة المقربون.
ولما جيء إلى النبي ﷺ بقدر من خضروات وبقول، فوجد لها ريحاً كريهة، أمر أن تفرب إلى من حضر عنده من أصحابه، فلما رأى الحاضر كراهته ﷺ لها، ظن أنها محرمة، فتردد في أَكلها، فأخبره أنها ليست بمحرمة، وأنه لم يكرهها لأجل حرمتها.
стр. 190
وأمره بالأكل وأخبره أنها المانع له من أكلها أنه ﷺ له اتصال مع ربه، ومناجاة لا يصل إليها أحد، فيجب أن يكون على أحسن حال، لدى القرب من ربه، جل وعلا.
الأحكام من الحديثين:
١- النهي عن إتيان المساجد لمن أكل ثوماً، أو بصلاً، أو كراثاً.
٢- يلحق بهذه الأشياء، كل ذي رائحة كريهة تتأذى منها الملائكة أو المصلون. كرائحة التبغ الذي يتعاطاه المدخنون، فعلى من ابتلى به ألا يتعاطاه عند ذهابه إلى المسجد وأن ينظف أسنانه وفمه حتى يقطع رائحته أو يخففها.
٣- كراهة أكل هذه الأشياء لمن عليه حضور الصلاة في المسجد، لئلا تفوته الجماعة في المسجد، ما لم يأكلها حيلة على إسقاط الحضور، فيحرم.
٤- حكمة النهي عن إتيان المساجد، ألا يتأذى بها الملائكة والمصلون.
٥- النهي عن الإيذاء بكل وسيلة. هذه وسيلة منصوص عليها، فالإلحاق بها صحيح مقيس.
٦- أن الامتناع عن أكل الثوم ونحوه، ليس لتحريمه، بدليل أمر النبي ﷺ بأكلها، فامتناعه عن أكلها لا يدل على التحريم.
فائدة:
قد استدل بعض العلماء على إباحة أكل هذه الأشياء، بأن صلاة الجماعة فرض كفاية.
ووجه الدلالة، أنها لو كانت فرض عين، لوجب اجتناب هذه الأشياء المانعة من حضور الجماعة في المساجد.
والحق أنه لا وجه لاستدلالهم، لأن فعل المباحات، التي يترتب عليها سقوط واجب لا بأس بها، ما لم يتخذ حيلة لإسقاط ذلك الواجب، كالسفر المباح في رمضان، فإنه يبيح الفطر في نهار رمضان، ولا حرج في ذلك مادام أنه لم يسافر ليتوصل به إلى الإفطار.
стр. 191
بَابُ التشهد
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قال: "عَلَّمَني رَسُولُ الله ﷺ التَّشَهُّدَ- كَفِّى بَيْنَ كفيْهِ- كَما يُعَلِّمُني السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ"
التَّحِيَّاتُ لله وَالصلَوَاتُ وَالطيباتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أيهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ الله وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أشْهَدُ أنْ لاَ إلهَ إِلاَّ الله وَأشْهَدُ أنَ مُحمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولهُ".
وفي لفظ: إِذَا قَعَدَ أحَدُكُمْ لِلصَّلاَةِ فَلْيَقُلْ: " التَّحَيَّاتُ لله " وذكره إلى آخره.
وفيه "فَإنَّكْم إِذَا فَعَلْتُمْ ذلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ على كُل عَبْدٍ صالح في السَّمَاءِ وَالأرْض. "
وفيه " فَلْيَتَخَيَّرْ مِنَ الْمَسْألةِ ما شَاءَ. "
المعنى الإجمالي:
يذكر عبد الله بن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ علمه التشهد، الذي يقال في جلوس الصلاة الأول والأخير في جلوس الصلاة الأول والأخير في الصلاة الرباعية، والثلاثية، وفى الجلوس الأخير في الصلاة الثنائية، وأنه عُنىَ ﷺ بتعليمه إياه، فجعل يده في يده، وفهّمه إياه تكريرا وتلقينا، كإحدى سور القرآن، وذلك لأهمية هذه التمجيدات والدعوات المباركات.
فقد ابتدأت بتعظيم الله تعالى، التعظيم المطلق، وأنه المستحق للصلوات وسائر العبادات، والطيبات من الأقوال والأعمال والأوصاف.
وبعد أن أثنى على الله تعالى ثنّى بالدعاء للنبي ﷺ بالسلامة من النقائص والآَفات، وسأل الله له الرحمة والخير، والزيادة الكاملة من ذلك.
ثم دعا لنفسه والحاضرين من الآدميين والملائكة.
ثم عم بدعائه عباد الله الصالحين كلهم، من الإنس، والجن، والملائكة أهل السماء والأرض، من السابقين واللاحقين، فهذا من جوامع كلمه ﷺ .
ثم شهد الشهادة الجازمة بأنه لا معبود بحق إلا الله، وأن محمداً ﷺ له صفتان.
إحداهما: أنه متصف بصفة العبودية.
والثانية: صفة الرسالة. وكلا الصفتين، صفة تكريم وتشريف، وتوسط بين العُلُوِّ والجفاء.
فائدة:
ورد للتشهد صفات متعددة، ولكن أفضلها وأجملها، تشهد ابن مسعود الذي ساقه المصنف. وقد اختاره الإمام أحمد وأبو حنيفة.
стр. 192
وقال الترمذي: عليه العمل عند أكثر أهل العلم، من الصحابة والتابعين. وقال البزار: أصح حديث في التشهد هو حديث ابن مسعود روي من نيف وعشرين طريقا، ولا يعلم في التشهد أثبت منه ولا أصح أسانيد ولا أشهر رجالا، ولا أشد تضافرا بكثرة الأسانيد والطرق. أهـ وقال ابن حجر: لا خلاف بين أهل الحديث في ذلك. وممن جزم بذلك البغوي، ومن مرجحاته أنه متفق عليه دون غيره، فإن الرواة عنه من الثقات لم يختلفوا في ألفاظه بخلاف غيره. أهـ.
وفي وجوب التشهدين خلاف بين العلماء، تقدم الكلام على التشهد الأوسط في حديث عائشة رقم [٨٠]
فائدة ثانية:
قال السبكي: إن في الصلاة حقا للعباد مع حق الله، وإن من تركها أخل بحق جميع المؤمنين، من مضى ومن يجىء إلى يوم القيامة، لقوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين".
стр. 193
بَابُ كَيفية الصَّلاَة على النبي ﷺ (١)
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أبي لَيْلَى قال: لَقِيَني كَعبُ بنُ عُجْرَة فَقَالَ:
ألا أُهْدِي (٢) ، لَكَ هَدِيَّةً؟ إِنَّ النَّبيَّ ﷺ خَرجَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، قَدْ عَلِمْنَا كَيفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟.
قَال: " قُولُوا: الَّلهُمَّ صَلّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما صَلَّيْتَ عَلَى إبراهِيمِ وَعَلى آل إبراهيمَ إنّكَ حَمِيدٌ مَجيدٌ. وَباركْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحمَّدٍ كَما بَاركْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجيدٌ".
المعنى الإجمالي:
تقابل عبد الرحمن بن أبي ليلى، أحد أفاضل التابعين وعلمائهم بكعب بن عجرة أحد الصحابة رضى الله عنه، فقال كعب: ألا أهدى إليك هدية؟ وكان أفضل ما يتهادونه- وهو الحق- مسائل العلم الشرعي.
ففرح عبد الرحمن بهذه الهدية الثمينة. وقال: بلى، أهدها لي (٣) .
فقال كعب: خرج علينا النبي ﷺ ، فقلنا يا رسول الله علمتنا كيف نسلم عليك، ولكن كيف نصلى عليك؟ فقال: قولوا، وذكر لهم صفة الصلاة المطلوبة والتي معناها الطلب من الله تعالى أن يصلى على نبيه محمد وعلى آله، وهم أتباعه على دينه، وأن تكون هذه الصلاة في بركتها وكثرتها، كالصلاة على أبي الأنبياء إبراهيم وآل إبراهيم، الذين هم الأنبياء والصالحون من بعده، وأن يزيد في الخير لمحمد واله، كالبركة التي حصلت، لآل إبراهيم.
فإن الله كثير المحامد، صاحب المجد، ومن هذه صفاته، فهو قريب العطاء، واسع النوال.
اختلاف العلماء:
ذهب الإمامان، الشافعي، وأحمد، إلى وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير من الصلاة، ولو تركت لم تصح الصلاة، مستدلين بقوله ﷺ حين سألوه: كيف نصلى عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد. الحديث.
стр. 194
وأصرح من ذلك ما أخرجه الحاكم، وأبو حاتم في صحيحهما: " كيف نصلى عليك في صلاتنا" الحديث.
وذهب الإمامان، أبو حنيفة، ومالك، وكثير من العلماء: إلى أنها سنة. لقول النبي ﷺ بعد أن ساق التشهد-: "إذا فعلت هذا، فقد قضيت صلاتك".
الأحكام:
١- وجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير في الصلاة قال أبو العالية: صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه وتعظيمه.
٢- أن من حق النبي ﷺ أن ندعو ونصلى عليه، لأنه لم يصلنا هذا الدين العظيم إلا على يديه.
٣- أنه ﷺ ، علم أصحابه السلام والصلاة عليه.
٤- أن من أسباب عُلُوِّ شأن النبي صلى الله عله وسلم. ورفع درجاته، دعاء أمته له ﷺ .
٥- أن السلف كانوا يتهادَوْن مسائل العلم، ويجعلونها تُحَفاً قيمة، وهى أفضل التحف والهدايا.
٦- حميد مجيد: الحمد والمجد إليهما يرجع الكمال كله، فإن الحمد مستلزم للعظمة والإجلال، والمجد دال على صفة العظمة والجلال والحمد يدل على صفة الإكرام، فهذان الوصفان الكريمان إليهما مرجع أسماء الله الحسنى.
٧- البركة: النماء والزيادة، والتبريك الدعاء بهما، فبارك على محمد وآله يتضمن سؤال الله أن يعطي رسوله ﷺ ما قد أًعطاه لإبراهيم وآله، من الخير وسعته ودوامه.
فائدة:
من المتفق عليه، أن النبي محمداً ﷺ أفضل الخلق.
стр. 195
وعند علماء البيان أن المشبه أقل رتبةً من المشبَّه به، لأن الغرض من التشبيه إلحاقه به في الصفة عند النبيين، فكيف يطلب من الله تعالى أن يصلى على محمد وآله، صلاة كصلاته على إبراهيم وآله؟
حاول الإجابة عن هذا الإشكال، العلماء بعدة أجوبة.
وأحسنها أن آل إبراهيم ﵇، هم جميع الأنبياء من بعده، ومنهم نبينا ﷺ وعليهم أجمعين.
فالمعنى أنه يطلب للنبي وآله، صلاة كالصلاة التي لجميع الأنبياء من لدن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام.
ومن المعلوم أنها كلها تكون أفضل من الصلاة للنبي ﷺ وحده. والله أعلم.
فائدة ثانية:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٢٢/ ٤٥٦ الأحاديث التي في الصحاح لم أجد فيها ولا فيما نقل لفظ "إبراهيم وآل إبراهيم" بل المشهور في أكثر الأحاديث والطرق لفظ "إبراهيم" وفي بعضها لفظ "آل إبراهيم" وقد روى لفظ "إبراهيم وآل إبراهيم" في حديث رواه البيهقي. ولم يبلغني إلى الساعة حديث مسند بإسناد ثابت " كما صليت على إبراهيم وكما باركت على إِبراهيم وآل إبراهيم".
وتابعه ابن القيم في كتابه جلاء الأفهام فقال: إن أكثر الأحاديث الصحاح والحسان، بل كلها صريحة في ذكر النبي ﷺ ، ذكر آله، وأما ما جاء في حق إبراهيم وآله فإنما جاءت بذكر آل إبراهيم فقط دون ذكر إبراهيِم، أو بذكره فقط دون ذكر آله. ولم يجيء حديث صحيح فيه لفظ إبراهيم وآل إبراهيم. أهـ.
ومع جلالة قدر ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وكونهما محل الثقة في الرواية والدراية فإننا ننبه القراء إلى أن ما قالاه في كتبهما وهي متداولة مقروءة قد وقع فيه وهم في هذا المبحث، وذلك أن الجمع بين إبراهيم وآل إبراهيم في الصلاة وفي
التبريك قد جاء في الصحيحين، ومن ذلك حدث كعب بن عجرة الذي ساقه مؤلف عمدة الأحكام والذي نحن بصدده.
وبعد تتبعي لأحاديث كيفية الصلاة على النبي ﷺ في الأمهات وشروحها وجدت الشيخ ناصر الدين الألباني قد نقد الشيخين، ابن تيمية وصاحبه بمثل ما قلته.
الفائدة الثالثة:
لما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية الأحاديث والطرق التي وردت في كيفية الصلاة على
стр. 196
النبي ﷺ بألفاظها المختلفة ورواياتها المتنوعة قال ﵀: من المتأخرين من سلك في بعض هذه الأدعية والأذكار التي كان النبي ﷺ يقولها. ويعملها بألفاظ متنوعة، سلك فيها بعض المتأخرين طريقة محدثة بان جمع تلك الألفاظ، واستحب ذلك، ورأى ذلك أفضل ما يقال فيها.
وطرد هذه الطريقة أن يذكر التشهد بجميع هذه الألفاظ المأثورة، وأن يقال الاستفتاح بجميع الألفاظ المأثورة، وهذا مع أنه خلاف عمل المسلمين، لم يستحبه أحد من أئمتهم، بل عمل بخلافه، فهو بدعة في الشرع فاسد في العقل. فإن تنوع ألفاظ الذكر والدعاء كتنوع ألفاظ القرآن، ومعلوم أن المسلمين متفقون على أنه لا يستحب للقارىء أن يجمع بين حروف القرآن في الصلاة وفي التعبد بالتلاوة، ولكن إذا قرأ بهذه تارة، وبهذا تارة أخرى كان حسنا. كذلك الأذكار والدعاء، فإذا تشهد تارة بتشهد ابن مسعود، وتارة بتشهد ابن عباس، وتارة بتشهد عمر، كان حسنا. وفي الاستفتاح إذا استفتح تارة باستفتاح عمر، وتارة باستفتاح علي، وتارة باستفتاح أبي هريرة ونحو ذلك كان حسناً.
стр. 197
بَابُ الدّعاء بعد التشهد الأخير (١)
الحديث الأول
َنْ أبي هُريرة ﵁ قال: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدْعُو:
" اللَّهُمَّ إِنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّار وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمسِيحِ الدَّجَّالِ".
وفي لفظ لمسلم "إذَا تَشَهَّدَ أحَدُكمْ فَلْيَسْتَعِذْ بالله مِنْ أرْبَع، يقول: اللهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ثم ذكر نحوه.
المعنى الإجمالي:
هذه أدعية عظيمة هامة، لأنها طلب الإعادة من أعظم الشرور وأسبابها. ولهذا عُنىَ بها النبي ﷺ عناية خاصة.
فكان يدعو بها، ويأمر بالدعاء بها، وجعل موضع الدعاء بها، دُبُر الصلوات، لأته موطن إجابة.
وهى تشمل الاستعاذة، من عذاب القبر، وعذاب النار، ومن شهوات الدنيا وشبهاتها، ومن إغواء الشياطين عند الاحتضار، وفتن القبر التي هي سبب عذابه، ومن فتن الدجالين الذين يظهرون على الناس بصورة الحق، وهم متلبسون بالباطل.
وأعظمهم فتنة، الذي صحت الأخبار بخروجه في آخر الزمان، أعاذنا الله من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.
الأحكام المأخوذة من الحديث:
١- استحباب هذا الدعاء عقب التشهد الأخير كما هو صريح بتقييده بهذا المكان في صحيح مسلم.
٢- أن هذه الاستعاذة من مهمات الأدعية وجوامعها، لكون النبي ﷺ عُنِيَ بها، ولاشتمالها على الاستعاذة من شرور الدنيا والآخرة وأسبابها، ولذا أمر بتكريرها في هذه المواطن الفاضلة لرجاء الإجابة فيها.
٣- ثبوت عذاب القبر وأنه حق، والإيمان به واجب، لاستفاضة الأخبار عنه بل تواترها.
٤- التحفظ من شبهات الحياة وشهواتها الآثمة، فإنها سبب الشرور.
٥- التبصر بدعاة السوء، وناشرى الإلحاد والفساد.
فإنهم يخرجون على الناس باسم المصلحين المجددين، وهم- في الحقيقة- الهادمون للفضيلة والدين.
стр. 198
٦- المسيحِ مطلقا هو عيسى بن مريم ﵇، وإذا قيد بكلمة الدجال فهو رجل آخر.
٧- فتنة المحيا: ما يتعرض له الإنسان مدة حياته من الانشغال بالدنيا والشهوات، وأعظمها سوء الخاتمة.
٨- فتنة الممات: هي فتنة القبر كما ورد في البخاري عن أسماء بنت أبي بكر "وإنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبا من فتنة الدجال".
الحديث الثاني
عَنْ عبدِ الله بن عَمْرو بن العاص عَنْ أبي بَكْر الصدِّيقِ رضىَ الله تَعَالَي عَنْهُمْ: أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ الله ﷺ عَلِّمْني دُعَاءً أدْعُو بِهِ في صَلاَتي. قَالَ: " قُلْ: اللَّهُم إني ظَلَمْتُ نَفْسي ظُلْما كَثِيراً، وَلاَ يَغْفرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ، فَاغْفِر لي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْني إِنَّك أنْتَ الغَفُور الرَّحِيمُ ".
المعنى الإجمالي:
طلب أبو بكر الصديق من النبي ﷺ أن يعلمه دعاء ليدعو به في صلاته
فأرشده ﷺ أن يدعو بهذا الدعاء النافع، لأنه اشتمل على الأسباب النافعة لحصول الإجابة.
فقد افتتح بالاعتراف بالظلم الكثير لنفسه والتقصير منها في جانب حق الله تعالى، ثم إفراد الله تعالى بإسداء المغفرة والستر والإحسان. وهذا يتضمن صدق الالتجاء وحرارة الطلب.
بعد هذه التوسلات النافعة، طلب منه المغفرة وحده، لأنه لا يقدر عليها غيره، ولا يجزل بهبتها سراه.
وفي هذا طلب ستر الذنوب، والسماح عن الزلات.
بعد هذه سأله الرحمة، التي هي الخير الكثير، وختم هذا الدعاء بالتوسل إليه بصفاته الكريمة، فإنه ما اتصف بالعفو والرحمة إلا ليجود بهما على عباده، لاسيما المقبلين عليه، الملتجئين إليه.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب هذا الدعاء في الصلاة.
٢- حسن الدعاء وتناسبه. قال الصنعاني: ولا يخفى حسن هذا الترتيب في الدعاء، فإنه قدم نداء الرب واستعانته، من الاعتراف بالذنب، والاعتراف به أقرب إلى محوه. ثم الإقرار بالتوحيد لله، وحصر قضاء هذه الحاجة وهي غفران الذنب عليه، وقصر الطلب عليه أقرب إلى الإجابة، ثم سؤال غفران الذنوب والرحمة التي لا يخرج فيها شيء من أمور الدنيا والآخرة، ثم الختم لهذا الدعاء بهذين الاسمين.
стр. 199
٣- أنه ينبغي لكل داع أن يفتتح دعاءه بالاعتراف بالعجز والتقصير والظلم، ثم يثنى على الله تعالى بأنه صاحب الطول والحول، ثم يقدم حاجته، ثم يختم دعاءه بشيء مناسب لدعائه من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، وأن يكون تعرضه لله تعالى يناسب المقام الذي يريده.
٤- فقه الصديق رضى الله عنه، إذ علم أن الصلاة موطن الإجابة، فطلب من النبي ﷺ أن يختار له دعاء لهذا المقام الكريم.
٥- قال ابن دقيق العيد: لعل الأولى أن يكون موطن هذا الدعاء في السجود أو بعد التشهد، فإنهما الموضعان اللذان أمرنا فيهما بالدعاء. قال ﵇: " وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء "وقال في التشهد: ويستخير بعد ذلك من المسألة (أي الدعاء) ما شاء. وذكر الفاكهاني أن الأولى الجمع بينهما.
٦- ولا يغفر الذنوب إلا أنت: قال ابن دقيق العيد: إشارة إلى طلب مغفرة متفضل بها من عند الله تعالى لا يقتضيها سبب من عمل حسن أو غيره. أهـ.
الحديث الثالث
عَنْ عَاِئشَةَ ﵂ قَالت: مَا صَلَّى النبيُّ ﷺ صَلاَةً بَعْدَ أن نَزَلَت عَلَيْهِ "إِذَا جاء نَصر الله وَالْفَتحُ"، إلا يَقُولُ فِيهَا: ْ " سُبْحَانَكَ اللهم رَبّنَا وَبَحمْدِكَ، الَلهُم اغفر ْلي". وفي لفظ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يُكْثِر ُأنْ يَقُولَ في رُكوعِهِ وَسجُودِهِ.: " سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبّنا وَبِحَمْدِك، اللهُمَّ اغْفِرْ لي ".
المعنى الإجمالي:
سورة "النصر" نزلت قبيل وفاة النبي ﷺ .
فكان نزولها مؤذنا بوفاته، ولهذا ذكرت عائشة رضى الله عنها، أنها حينما نزلت على النبي ﷺ . أخذ يتأولها بالعمل فإن الله ذكر فيها أنه إذا حصل فتح مكة، وصارت بلاداً
стр. 200
إسلامية، وعرف الناس دين الله وشرائعه، وأقبلوا عليه راغبين فيه، غير مكرهين، فإنك أيها الرسول تكون قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونفذت ما أمرك الله به.
فلم يبق إلا أن تختم هذه العبادة الجليلة بالاستغفار، والتسبيح، والاستعداد للقاء الله تعالى.
فكان ﷺ يكثر ذلك في سجوده وركوعه فيقول: " سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي".
فهذه الكلمات، جمعت تنزيه الله تعالى عن النقائص، مع ذكر محامده.
وبعد هذه التوسلات بهذه النعوت الجليلة، يطلب منه المغفرة، فإنه أهل التقوى وأهل المغفرة.
الأحكام المستنبطة من الحديث:
١- استحباب الإكثار من هذا الدعاء، في الركوع والسجود.
٢- أن تختم العبادات- وخصوصاً الصلاة- بالاستغفار، ليتدارك ما حصل فيها من النقص.
٣- أن أحسن ما يتوسل به إلى الله في قبول الدعاء، هو ذكر محامده وتنزيهه عن النقائص والعيوب.
٤- أن المتعبد بهما، حرص على حفظ عباداته، فلا ينبغي أن يأمن من الزلل والنقص فيها.
٥- فضيلة الاستغفار، وطلبه في كل حال.
٦- ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن المشهور عن الإمام أحمد أنه لايدعو في الصلاة إلا بالأدعية المأثورة، وصرف التخير في قوله " ثم ليختر من الدعاء ما شاء" إن أن يختار من الأدعية التي وردت في الخبر، حينئذ فالدعاء المستحب هو الدعاء المشروع، أما إذا دعا بدعاء لا يعلم أنه مستحب، أو على أنه جائز غير مستحب فإنه لا تبطل صلاته بذاك وقد حصل مثل هذا من بعض الصحابة في عهد الرسول ﷺ فلم ينكر عليه، وإنما نفى ماله فيه من الأجر.
فائدة:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما دعاء الإمام والمأمومين جميعا عقب الصلاة، فلم ينقل هذا عن النبي ﷺ أنه يفعله في أعقاب الصلوات
стр. 201
المكتوبات، كما كان يفعل الأذكار المأثورة عنه. ومن استحبه من العلماء المتأخرين في أدبار الصلوات فليس معهم في ذلك سنة، إلا مجرد كون الدعاء مشروعاً، وهو عقب الصلوات يكون أقرب إلى الإجابة، وهذا الذي ذكروه قد اعتبره الشارع في صلب الصلاة، فالدعاء في آخرها قبل الخروج منها مشروع منون بالسنة المتواترة وباتفاق المسلمين، والمصلي يناجي ربه فالدعاء حينئذ
مناسب لحاله، أما إذا انصرف إلى الناس فليس موطن مناجاة له ودعاء، وإنما هو موطن ذكر له وثناء عليه. أهـ ملخصاً.
فائدة أخرى:
بناء على ما رجح من عدم مشروعية الدعاء بعد السلام من الصلاة، يظهر عدم مشروعية رفع اليدين في هذا الموطن. أما رفع اليدين في الدعاء في مواطن أخرى فهو مما جاءت به الأخبار والأحاديث الصحيحة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما رفع النبي ﷺ يديه في الدعاء فقد جاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة. وقد ذكر البخاري طائفة من أحاديث رفع اليدين عند الدعاء في كتابه "الأدب المفرد" وقال الصنعاني: ورد عن النبي ﷺ فعلا منه رفع اليدين في الاستسقاء وفي الحج وفي غير ذلك، وحديث " إن الله يستحي أن يرفع العبد يديه إليه فيردهما خائبتين" فمشروعية رفع اليدين عند الدعاء ثابتة بلا شك.
стр. 202
بَابُ الوِتر
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رضىَ الله عَنْهُمَا قال: سَألَ رَجُلٌ النَّبيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: مَا تَرَى في صَلاَةِ اللَّيْلِ؟ قال: "مَثْنَى مَثْنَى فَإذا خَشِيَ أحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً فَأوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلى".
وأنه كان يقول: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ باللَّيْلِ وِتْراً".
غريب الحديث:
- "مثنى مثنى" تأكيدٌ لفظيٌّ، لا لقصد التكرار، فإن ذلك مستفاد من الصيغة. أي اثنتين اثنتين، وهو غير منصرف للعدل والوصفية قال الزمخشري: وإعادة مثنى للمبالغة في التأكيد.
- الوتر: بكسر الراء أو فتحها يعنى الفرد.
المعنى الإجمالي:
سأل رجل النبي ﷺ وهو يخطب على المنبر، عن عدد ركعات صلاة الليل، والفصل فيها، أو الوصل.
فمن حرصه ﷺ على نفع الناس، ونشر العلم فيهم، أجابه وهو في ذاك المكان. فقال: صلاة الليل مثنى مثنى، يسلم من كل ركعتين، فإذا خشي المصلى طلوع الصبح، صلى ركعة واحدة فأوترت له ما صلى قبلها من الليل.
ولكون الوتر خاتمة صلاة الليل، فالأحسن أن يكون صلاة آخر الليل، هي الوتر.
اختلاف العلماء:
ظاهر الحديث يقتضي عدم الزيادة في صلاة النافلة على ركعتين، عدم النقص عنهما، فإن مقادير العبادات أمر يغلب عليه التعبد، فالصلاة أمرها توقيفى، لايُتجاوز فيها ما أورده الشرع.
ولكن ورد أن الوتر قد يكون بركعة واحدة ثم يسبقها شيء، فقد روى الأربعة إلا الترمذي، وصححه الحاكم وابن حبان من حديث أبي أيوب أن النبي صلى الله عيه وسلم قال:
стр. 203
" من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاَث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل" ورجح النسائي وقف هذا الحديث.
كما صح عن جماعة من الصحابة أنهم أوتروا بركعة واحدة لم يتقدمها صلاة شفع، فهذا تخصيص للحديث في نقص النافلة عن ركعتين في ركعة الوتر. أما الاقتصار على ركعة واحدة في النافلة في غير الوتر فعن أحمد فيه روايتان، والرواية التي عليها المذهب هي الجواز، أما الرواية الأخرى فهي المنع في التنفل بركعة واحدة، وهذا ظاهر ما يراه الخرقي وقد قواه ابن قدامة في المغنى بقوله ﷺ : " صلاة الليل مثنى مثنى " أما الزيادة على ركعتين في النافلةَ، فعلى الوتر من الليل جاء في الصحيحيِن حديث عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يوتر بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرهن " وأخرج أصحاب السنن من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: " صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" لكن قال الصنعاني: أكثر الأئمة أعلوا زيادة " والنهار " وقالوا: إن الحفاظ من أصحاب ابن عمر لم يذكروها عنه، وحكم النسائي على راويها بأنه أخطأ فيها، وهي من رواية علي الأزدي، قال ابن معين: مَن عَلى الأزدي؟
أما الزيادة في صلاة النهار فقد ورد "أن النبي ﷺ كان يصلى عند زوال الشمس أربعا ثم أربعا " أخرجه الترمذي.
أما أقوال الأئمة في ذلك، فالإمام أحمد أجاز الزيادة في النافلة إلى أربع لهذا الحديث. والشافعي أجاز الزيادة بلا حد، ومالك لم يجز الزيادة على ركعتين عملا بحديث " صلاة الليل مثنى مثنى " وقد جمع العلماء بين حديث عائشة الذي في الصحيحين وحديث ابن عمر الوارد في الصحيحين أيضاً، وذلك بالفصل بين كل ركعتين بتشهد وسلام. ويجوز الزيادة إلى القدر الوارد فقط.
ما يؤخذ من الحديث:
١- يستدل به على أن صلاة الليل ركعتان ركعتان، بلا زيادة ولا نقصان.
٢- أن الوتر يكون آخر صلاة الليل لمن وثق من نفسه بالقيام.
стр. 204
٣- أن وقت الوتر ينتهي بطلوع الفجر.
٤- الأفضل أن الوتر يكون بعد صلاة شفع. فتقديم شفع قبل الوتر هو السنة. والاقتصار في الوتر على ركعة واحدة لم يتقدمها شفع جائز، فقد جاء في حديث أبي أيوب مرفوعاً "ومن شاء أوتر بواحدة" رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم. وصح عن جماعة من الصحابة أنهم أوتروا بواحدة من غير تقدم نفل قبلها.
٥- إجابة السائل على مشهد من الناس لتعميم الفائدة.
٦- استحباب الوتر، وقد قيل بوجوبه، الراجح أنه ليس بواجب، لكنه من أفضل التطوعات، لكثرة النصوص في الأمر به وفضله، وكون النبي ﷺ لم يتركه في حضر ولا سفر.
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالَتْ: مِنْ كُل الليل قَدْ أوتَر رَسُول الله ﷺ ، مِنْ أوَّلِ الليلِ، وَأوْسَطِهِ وَآخِرِهِ فانتهَى وترهُ إِلى السَّحَرِ.
المعنى الإِجمالي:
يدخل وقت الوتر من الفراغ من صلاة العشاء، وينتهي بطلوع الفجر، ولذا فإن النبي صلى اله عليه وسلم، قد أوتر أول الليل، وأوسطه، وآخره.
ولكون إيقاعه في آخر الليل أفضل، استقر وتره في السحر، ليختم به صلاة الليل.
الأحكام:
١- جواز صلاة الوتر في أول الليل، وأوسطه، وآخره، لأن الجميع وقتها.
٢- أن الأفضل أن يكون وتره في آخر الليل، لمن وثق من نفسه بالقيام.
اختلاف العلماء:
اتفق العلماء أن ابتداء وقته بعد صلاة العشاء، واختلفوا في نهايته فذهب مالك والشافعي ورواية عن أحمد، إلى أن نهايته صلاة الصبح. وذهب الإمام أحمد في المشهور من مذهبه إلى أن
стр. 205
وقته ينتهي بطلوع الفجر، وجزم بها في المغنى، وعليها الحنابلة المتأخرون، وقال في المغنى: إنه يكون بعد الفجر قضاء، وممن ذهب إلى هذا صاحبا أبي حنيفة، والثوري، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: من نام عن صلاة وتره يصليه ما بين طلوع الفجر وصلاة الصبح، كما فعل ذلك ابن عمر وعائشة وغيرهما. وقد روى أبو داود بسنده عن أبي سعيد قال: قال رسول الله: " من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا أصبح أو ذكر".
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي مِن الَّليل ثلاثَ عَشْرَةَ رَكْعةً، يُوتِرُ مِنْ ذلِكَ بِخَمس، لاَ يَجْلِس في شَيءٍ إِلا في آخِرِهَا.
المعنى الإجمالي:
تصف عائشة رضى الله عنها، صلاة النبي ﷺ في الليل، بأنه يصلي ثلاث عشرة ركعة.
فيصلى الثمان الأول ركعتين ركعتين، ثم يصلي خمساً في سلام واحد، لايجلس إلا في آخرها، ويجعلها وتره.
فائدة:
اختلفت الروايات عن عائشة في كيفية صلاة النبي ﷺ .
فقد روى: سبعاً، وتسعا، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وغير ذلك. وروي عنها في الصحيحين أنه " ما كان يزيد على إحدى عشرة ركعة ". وأحسن ما يجمع بينهن، أن الرواية بعدم الزيادة على إحدى عشرة ركعة هو الأغلب من صلاته، وقد يزيد وقد ينقص، حسب النشاط وعدمه، أو لقصد التعليم وبيان الجواز.
الأحكام المستنبطة من الحديث:
١- أن النبي ﷺ قد يجعل صلاته في الليل ثلاث عشرة ركعة، من دون ركعتي الفجر.
٢- وأنه يوتر في بعض الأحيان من صلاته، بخمس ركعات، لا يجلس إلا في آخر ركعة منها.
стр. 206
٣- أن المراد، بكون صلاة الليل مثنى مثنى في غير الوتر.
فإنه ﷺ ، قد يصلى سبعاً، لا يجلس إلا في آخرها، وقد يصلى خمساً، لا يجلس إلا في آخرها، وقد يصلى تسعاً يتشهد في الثامنة منها بلا سلام، ثم يصلى التاسعة، ويتشهد، ويسلم.
٤- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل، وأوكد ذلك الوتر وركعتا الفجر.
٥- وقال بعد أن ذكر وجوه الوتر الواردة في السنة. والصواب أن الإمام إذا فعل شيئا مما جاءت به السنة، وأوتر على وجه من الوجوه المذكورة يتبعه المأموم في ذلك.
٦- قال المحاملى: صلاته ﷺ ستة أنواع:
أ- ركعة واحدة. ب- ثلاث ركعات مفصولة.
جـ- خمس ركعات لا يقعد إلا في آخرهن ويسلم.
د- سبع ركعات يقعد في السادسة ولا يسلم ثم يقوم إلى السابعة ويتمها.
هـ- تسع ركعات يتشهد في الثامنة ولا يتمها، ثم يقوم إِلى التاسعة فيتمها.
وإحدى عشرة ركعة، يسلم في كل ركعتين. ثم يأتي بواحدة.
стр. 207
بَابُ الذكر عَقب الصَّلاة
للدعاء والاستغفار بعد الصلاة، حِكَمٌ عظيمة، وفوائد جليلة من إظهار التقصير والعجز عن إكمالها، وترقيع الخلل الواقع فيها، وعقب الصلاة من مواطن استجابة الدعاء.
كما أنه دليل على الرغبة في الطاعة وعدم الملل، لأن المتعبد كالحالِّ المرتحل بين العبادات، مع مافي الدعاء من زيادة الحسنات، وتكفير السيئات، ورفعة الدرجات.
الحديث الأول
عَنْ ابْن عَبَّاس ﵄ أنَّ رَفْعَ الصوت بالذِّكْرِ حِين يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ- كان عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ .
قَالَ ابنُ عبَّاس: كُنْتُ أعْلَمُ إِذَا انصَرَفُوا بِذلك إِذَا سَمِعْتُهُ.
وفي لفظ: "مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقضَاءَ صَلاةِ رَسُولَ الله ﷺ إلا بالتَّكبِير" متفق عليه.
المعنى الإجمالي:
يذكر عبد الله بن عباس ﵄ أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير وذكر الله تعالى بعد انصرافهم من الصلوات الخمس المفروضة، ولذا فإنه كان يعرف انقضاء صلاتهم برفع أصواتهم به.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب الذكر بعد الصلاة، لما فيه من الفوائد الجليلة والمتابعة للنبي ﷺ .
٢- أن يرفع الذاكر صوته بالذكر، لفعله ﷺ ، وفعل أصحابه معه.
٣- يحتمل أن يكون ابن عباس صغيراً لم يحضر الجماعة، فسمع صوتهم بالتهليل وهو خارج المسجد.
ويحتمل أنه يحضر الجماعة، ولكن الصفوف بعيدة، وليس هناك مُبلِّغ، فكان لا يعلم بانقضاء صلاة النبي ﷺ إلا بسماع التهليل من الصفوف الأوَلى.
الحديث الثاني
عَنْ وَرَّادٍ مَوْلَى الْمُغِيرةِ بْنِ شُعْبَةَ قال: أمْلَى عَلَىَّ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ في كِتَاب إِلَى مُعَاوِيَةَ: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كانَ يَقُولُ في دُبُرِ كُلِّ صلاَةٍ مَكتُوبَةٍ:
" لاَ إلهَ إِلاَّ الله وَحدَهُ لاَشَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ ولهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِير: الَّلهُمَّ لاَمَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِى لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنفعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الَجْدُّ ".
стр. 208
ثمَّ وَفَدتُ بَعْدَ ذلِكَ عَلَى مُعاوِيَةَ،. فَسَمِعْتُهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِذلِكَ.
وفي لفظ " كانَ يَنْهَى عَنْ قِيل وَقَالَ. وَإِضَاعَةِ المَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالَ"
وكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقُوقِ الأمَّهَاتِ، وَوَأد البَنَاتِ وَمَنْعٍ وَهَاتِ.
غريب الحديث:
دبر كل صلاة: بضم الدال أو فتحها مع إسكان الباء أي آخرها، والمراد بعد السلام.
مكتوبة: أي مفروضة، والمراد الصلوات الخمس. ومكتوبة قيد للرواية المطلقة.
ولا ينفع ذا الجد منك الجد: الجد- بفتح الجيم- ومعناه، الحظ والغنى. أي لا ينفع صاحبَ الحظ والغنى منك غناه وحظه.
ووأد البنات: دفنهن وهن على قيد الحياة. وكان بعض العرب يفعل ذلك في الجاهلية إما خوفاً من العار، أو الفقر.
ومنع وهات- أي بخل بالمال عن الإنفاق في وجوهه المشروعة وحرص شديد على جمعه.
وعقوق الأمهات: قال في " المحكم " عقِّ والده يعقه عقًّا وعقوقاً، شق طاعته، وقد يعم بلفظ العقوق، جميع الرحم. والمراد صدور ما يتأذى به الوالد من ولده، وذلك بالقول أو الفعل.
عن قيل وقال: الأشهر فتح اللام في " قيل " على الحكاية.
مانع ومعطى- الرواية فيهما الفتح، وحقهما النصب، كحكم المضاف. ولكن خرج على إجراء الشبيه بالمضاف إجراء المفرد.
المعنى الإجمالي:
كتب معاوية بن أبى سفيان إلى المغيرة بن شعبة- وكان أميره على الكوفة- أن اكتب لي بحديث سمعته من رسول الله ﷺ ، فكتب إليه المغيرة رضى الله عنهما بهذا الحديث، الذي جمع أنواع التوحيد والثناء على الله، وإثبات التصرف والقهر بيد الله. كما اشتمل على حكم نبوية جليلة.
فذكر المغيرة رضى الله عنه أن النبي ﷺ بعد الفراغ من الصلاة المكتوبة- يوحد الله بِنَفْي كل معبود سواه، ويثبت العبادة لله وحده، لأنه الواحد الذي ليس له شريك في ملكه وعبادته، وأسمائه وصفاته، وأن التدبير كله بيده. فلا مانع لما أعطى، ولا معطى لما منع، ولا يغني صاحب الحظ، والغنى، حظه وغناه، منه شيئاً.
ثم أخبر المغيرة معاوية رضى الله عنهما، بأنه ينهى عن هذه الخصال الذميمة.
стр. 209
فينهى عن لَغو الحديث، والكلام فيما لا ينفع، وعن إضاعة المال الذي جعله الله قياما للناس في الطرق التي لا تعود بفائدة دينية أو دنيوية، وعن كثرة السؤال لمن عنده من المال مايكفيه. وكذلك التعنت والجدل في المسائل العلمية.
كما ينهى عن عقوق الأمهات، اللاتي يجب بِرُّهُنَّ وإكرامهن، لما لهن من الفضل الكبير.
وعن هذه العادة السيئة التي هي دفن البنات وهن حيَّات، لسوء الظن بالله تعالى، وخشية الفقر إذا شاركنهم في طعامهم.
وهذه عادة تدل على القسوة والشح، وعدم الثقة بالله الرزاق لكافة المخلوقات.
وينهى عن الشح والبخل بما عنده في طرق الخير، والحرص الشديد على جمع المال، والنهي في تحصيله من أي طريق.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب هذا الدعاء عقب الصلوات المكتوبات.
٢- اشتمل هذا الدعاء على توحيد الله ونَفْى الشريك معه، وإثبات الملك المطلق، والحمد الكامل والقدرة التامة له ، كما أن فيه توحده بالتصرف والقهر، وأن كل شيء بيده، فقد جمع توحيد الألوهية والربوبية، والأسماء والصفات.
٣- النهى عن هذه الخصال الذميمة، لما تشتمل عليه من مفاسد دينية ودنيوية.
٤- إذا عرف المؤمن أن الله هو المعطى المانع، تعلق قلبه بالله تعلقا تاما، وصرف النظر عن غيره.
٥- مسارعة الصحابة رضى الله عنه إلى تنفيذ سنة النبي ﷺ فإن معاوية رضى الله عنه لما بلغه هذا الدعاء، أمر الناس بالعمل به.
٦- فيه العمل بالحظ المعروف، وهو مسألة اتفاقية في جميع الأغراض وأن الله لم يأمر بالعمل بها إلا ليعمل بها.
٧- قبول خبر الواحد.
٨- النهى عن إضاعة المال، أي إنفاقه في غير الطرق المشروعة، فقد جعل الله الأموال لقيام مصالح الناس، في تبذيرها تفويت لتلك المصالح، وطرق الإنفاق ثلاث، فهناك الإنفاق المذموم هو بذل المال في الأمور المذمومة شرعا سواء أكان قليلا أم كثيرا. والإنفاق المحمود هو بذله في الخير والبر، ما لم يفوت حقا آخر أهم منه، أما الثالث فهو الأنفاق في المباحات وملاذ النفس المباحة، فالجائز أن ينفق كل على قدر حاله بدون إسراف.
стр. 210
الحديث الثالث
عَنْ سُمَىّ مَولى أبى بَكر عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الحارثِ بْنِ هِشَامِ عَنْ أبى صَالِح السَّمّانِ عَنْ أبي هُرَيرةَ رَضِىَ الله عَنْهُ أنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرينَ أتُوْا رَسُولَ الله ﷺ . فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله ذَهَبَ أهْلُ الدُّثور (١) بالدَّرَجَاتِ الْعُلى، و َالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ.
قَالَ: وَمَا ذَاَكَ؟ قَالُوا: يُصَلّونَ كَما نُصَلِّى، وَيَصُومُونَ كمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ ولا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلاَ نُعْتِقُ.
فقال رسول الله ﷺ : " أَفَلاَ أعَلِّمُكمْ شَيْئَاً تُدْركونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكْم وَتَسْبِقُونَ مَن بَعْدَكُمْ وَلاَ يَكُونُ أحَد أفضَلَ مِنْكُمْ إلاَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعتُمْ؟ " قَالوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله.
قال: " تُسَبِّحُونَ وَتُكِّبرونَ، وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ (٢) كُلِّ صَلاَةٍ ثَلاثاً وَثَلاثِينَ مَرَّة ".
قال أبو صالح: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ إلَى رَسولِ الله ﷺ فَقَالوا: يَا رَسُولَ الله، سَمِعَ إخْوَانُنَا (٣) أهْل الأمْوَالِ بِماَ فَعَلنَا فَفَعَلوا مِثْلَهُ. -.
فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : " ذلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ".
قَالَ سُمَىّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أهْلِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: وَهَمْتَ إِنَّمَا قَالَ: تُسبِّحُ الله ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ، وَتُكَبِّرُ الله ثَلاَثاً وَثَلاَثِينَ وَتَحْمَدُ الله ثَلاَثاً وَثلاَثِينَ.
فَرَجَعْت إٍلى أبي صَالِح فَذَكَرتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: قُلْ: "الله أكْبَرُ وَسُبْحَان الله والْحَمدُ لله، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلاَثَاً وَثَلاثِينَ " رواه مسلم.
المعنى الإجمالي:
معنى هذا الحديث الجليل هو أن فقراء الصحابة رضى الله عنهم، شعروا بسبق إخوانهم الأغنياء بالأعمال الصالحة، بفضل قيامهم بحقوق أموالهم الشرعية فغبطوهم وتَمَنَوا لو كان لهم من العمل مثل مالأولئك الأغنياء.
فجاءوا إلى النبي ﷺ يشكون مصيبتهم في فقد الأجر، فأرشدهم إلى هذا الذكر، الذي ينالون به أكثر مما فاتهم من العبادات المالية.
لما قاموا- بهذا الذكر، سمعهم الأغنياء ففعلوا مثلهم.
فجاء الفقراء مرة أخرى، يشكون حالهم، بأن الفضيلة التي اختصوا بها وأرادوا أن يعوّضوا بها نقص العبادات المالية فعلها الأغنياء، فأصبحوا يشاركونهم في العبادات القلبية والبدنية، ويمتازون عليهم في العبادات المالية.
стр. 211
فقال ﷺ : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فهو الذي يقسم الأرزاق والهداية، حسب حكمته، وهو الحكيم العليم.
ما يؤخذ من الحديث:
١- رغبة الصحابة رضى الله عنهم الشديدة في الخير، وتنافسهم بالأعمال الصالحة.
فالفقراء، شق عليهم حرمانهم من العبادات المالية، والأغنياء لم يكتفوا بغناهم عن مشاركة الفقراء في كل أبواب الخير. ولعل الله يعطى الفقراء بفضله وكرمه من الأجر على نيتهم الطيبة.
٢- الحديث يدل على فضل الغنى الشاكر على الفقير الصابر، لما له من الأعمال.
وهذه مسألة طويلة الخلاف، بين العلماء.
٣- أن الإنفاق: في سبيل الخير سبب رفع الدرجات. قال ابن القيم: فالغنى إذا اتقى الله في ماله، وأنفقه في وجوهه، وليس مقصورا على الزكاة بل مما حقه اشباع الجائع وكسوة العاري وإغاثة الملهوف، ورعاية المحتاج- والمخطر، فطريقه طريق الغنيمة، وهي فوق السلامة فالنبي ﷺ أقر الفقراء على ماللأغنياء من هذه الرفعة بسبب إنفاقهم.
٤- فضل هذا الذكر المذكور في هذا الحديث. حيث كان سبباً في سبق من يقوله في أدبار الصلوات في الثوب، وأنه لا يلحقه أحد، إلا من عمل مثل عمله. لما يحصل لنفسه من تطهير ولأخلاقه من رياضة.
٥- أن الهداية والرزق بيد الله، فهو الذي يقسمها بين عباده، فينبغي أن يرضى بقسمة الله تعالى.
٦- مشروعية هذا الذكر، بعد الصلوات المكتوبات، كما ورد في بعض الروايات تقييده بالمكتوبة، وأن يكون بهذه الصيغة. فالتسبيح يتضمن نفي النقائص عن الله تعالى، ثم التحميد المثبت له الكمال ثم التكبير المثبت له صفات العظمة. واستظهر ابن القيم أن تكون الثلاث والثلاثون من جميع كلمات التسبيح والتحميد والتكبير.
стр. 212
الذكر بعد الصلاة
وهو فقرات من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، قال رحمه الله تعالى: في الصحيح أنه ﷺ كان قبل أن ينصرف يستعيذ ثلاثا، ويقول: " اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباكت ياذا الجلال والإكرام " وفي الصحيح أنه كان يقول: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " ويعلمهم أن يسبحوا ثلاثا وثلاثين، ويحمدوا ثلاثا وثلاثين، ويكبروا ثلاثا وثلاثين، فتلك تسع وتسعون، وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" ولاريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحري من الذكر والدعاء، وما سواها من الأذكار قد يكون مكروها، وقد يكون محرما، وقد يكون فيه شرك لا يهتدي إليه أكثر الناس.
والذكر من أفضل العبادات، ولذا قالت عائشة: " الذكر بعد الانصراف من الصلاة هو مثل مسح المرآة بعد صقالها" فإن الصلاة تصقل القلب. وليس الذكر عقب الصلاة بواجب، فمن أراد أن يقوم قبله فلا ينكر عليه، ولكن ينبغي للمأموم ألا يقوم حتى ينصرف الإمام عن القبلة، ولا ينبغي للإمام أن يقعد بعد السلام مستقبل القبلة إلا بمقدار ما يستغفر ثلاثا: ويقول: " اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباكت ياذا الجلال والإكرام " وعد التسبيح بالأصابع سنة، فقد قال النبي ﷺ للنساء: " سبحن واعقدن بالأصابع، فإنهن مسؤولات مستنطقات ".
стр. 213
بَابُ الخشُوع في الصَّلاةِ
الخشوع في الصلاة، هو روحها وَلُبُّهَا ويكثر ثوابها أو يقل، حسبما عقله المصلى منها، ولذا أثنى الله تعالى على الذين هم في صلاتهم خاشعون بأنهم الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون.
ولإحضار القلب في الصلاة، أسباب:
منها: الاستعاذة من الشيطان، وتدبر قراءة الصلاة، وأنواع الذكر فيها.
ومنها: جعل السترة، وجعل النظرة موضع السجود، كما أن دخول الإنسان فيها بعد الفراغ من الشاغلات عنها، كالنوم، وشهوة الطعام والشراب، من أقوى أسباب إحضار القلب.
ولذا نهى عن الصلاة حال حضور الطعام، أو مدافعة الأخبثين. لأن في ذلك مشغلة عن الصلاة.
وذهب الجمهور من العلماء إلى صحة صلاة من غلبت على صلاته الوساوس ولكن مع نقص ثوابها.
وذهب أبو حامد الغزالي، وابن الجوزي، إلى بطلانها.
الحديث (١)
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَ النَّبَّي ﷺ صَلَّىِ في خَمِيصةٍ، لَهَا أعْلاَمٌ، فَنَظَرَ إِلى أعْلاَمِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَف قالَ: " اذهبوا بخَمِيصتي هذه إِلى أبي جَهْمٍ، وَأْتُوني بِأنْبِجَانيَّة ِ أبي جَهْمٍ، فإنهَا أَلْهَتْني آنِفاً عَن صَلاتي.
غريب الحديث:
١- خميصة لها أعلام: كساء مربع مخطط بألوان مختلفة. وقال ابن الأثير:
هي ثوب خز أو صوف معلم. وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة.
٢- الأنْبِجانيّة: كساء غليظ، ليس له أعلام، وهي بفتح الهمزة وسكون النون، وكسر الباء الموحدة، وبعد الألف نون مكسورة، بعدها ياء مشددة، ثم تاء التأنيث. منسوبة إلى بلد تسمى أنبجان. وقد وردت هذه الكلمة بفتح الباء وهي نسبة على غير قياس إلى منبج البلد المعروف في بلاد الشام. ومثلها منبجاني. وهى كساء من الصوف له خمل وليس له علم وتعد من أدون الثياب الغليظة.
٣- آنفاً: - يعنى الآن.
стр. 214
المعنى الإجمالي:
أهدى " أبو جهم " إلى النبي ﷺ ، خميصة لها أعلام.
وكان من مكارم أخلاقه ﷺ أنه يقبل الهدية جبراً لخاطر المهدى، فقبلها ﷺ منه، وصلى بها.
ولكونها ذات أعلام يتعلق بها النظر، ألهَتْه ﷺ عن كامل الحضور في صلاته، وهو ﷺ كامل، لا يصدر عنه من الأعمال إلا الكامل.
فأمرهم أن يعيدوا هذه الخميصة المعلمة إلى المهدى " أبى جهم ".
وحتى لا يكون في قلب " أبي جهم " شيء من رد الهدية، وليطمئن قلبه، أمرهم أن يأتوه بكساء أبي جهم، الذي لم يعلم.
وهذا من كمال هديه ﷺ .
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية الخشوع في الصلاة، وفعل الأسباب الجالبة له، والابتعاد عن كل ما يشغل في الصلاة.
٢- أن اشتغال القلب اليسير، لا يقدح في الصلاة.
٣- كراهة تزويق المساجد، ونقشها، والكتابة فيها، لما يجلبه من اشتغال المصلين في النظر إليها.
٤- فيه جواز لبس الملابس المعلمة للرجال.
٥- وفيه استحباب قبول الهدية، جبراً لقلب المهدي، وتودُّداً إليه.
٦- وفيه أنه لا بأس من رد الهدية لسبب، ولكن مع بيان السبب لصاحبها، حتى لا يقع في قلبه شيء.
٧- وفيه حسن أخلاق النبي ﷺ ، حيث ردَّ عليه الكساء المعلم، وطلب الكساء الذي ليس فيه أعلام، ليعلمه أنه غير مترفع عن هديته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
ولاريب أن الوسواس كلما قل في الصلاة كان أكمل، والذي يعين على ذلك شيئان: قوة المقتضي، وضعف الشاغل.
أما الأول: فاجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله ويفعله، ويتدبر القراءة والذكر والدعاء، ويستحضر أنه مناج لله تعالى كأنه يراه، فإن المصلى يناجي ربه، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ثم كلما ذاق العبد حلاوة الصلاة كان انجذابه إليها أوكد، وهذا يكون بحسب قوة الإيمان، والأسباب المقوية للإيمان كثيرة:
فإن مافي القلب من معرفة الله ومحبته وخشيته وإخلاص الدين له وخوفه ورجائه
стр. 215
والتصديق بأخباره وغير ذلك مما يتباين الناس فيه ويتفاضلون تفاضلا عظيما. ويقوي ذلك كلما ازداد العبد تدبرا للقرآن، وفهما ومعرفة بأسماء الله وصفاته وعظمته، وأظهر فقره إليه في عبادته، اشتغاله به، فإنه لا صلاح له إلا بأن يكون الله هو معبوده الذي يطمئن إليه، ويأنس به، ويلتذ بذكره، ولاحصول لهذا إلا بإعانة الله، ومتى لم يعنه الله على ذلك لم يصلحه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الثاني: زوال العوارض، وهو الاجتهاد في دفع ما يشغل القلب من تفكر الإنسان فيما لا يفيده في عبادته، وتدبر الجواذب التي تجذب القلب عن مقصود الصلاة، وهذا في كل عبد بحسبه، فإن كثرة الوساوس بحسب كثرة الشبهات والشهوات، وتعليق القلب بالمحبوبات التي ينصرف القلب إلى طلبها، والعبد الكيس يجتهد في كمال الحضور، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بَابُ الجَمْع بين الصلاتين في السفر
لما كان السفر مظنة المشقة، رخص فيه الشارع بعض الرخص في العبادات، تيسيراً على عباده ورحمة بهم.
ومن تلك الرخص، إباحة الجمع للمسافر، الذي ربما أدركه وقت الصلاة وهُو جادُّ في سفره.
فأبيح له أن يجمع بين صلاتي الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين صلاتي المغرب والعشاء، في وقت إحداهما أيضا.
وهذا كله من سماحة الشريعة المحمدية ويسرها وهو فضل من الله تعالى، لئلا يجعل علينا في الدين من حرج.
عَنْ عَبْدِ الله بن عَبَّاس ﵄ قال: كَان رَسُولُ الله ﷺ
يَجْمَعُ بَيْن صَلاَةِ الظُّْهرِ وَالعَصْرِ إذَا كان عَلى ظَهْر سَيْر، وَيَجْمَعُ بينَ الْمَغْرِب وَالعِشَاء (١)