← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9878

تيسير العلام شرح عمدة الأحكام

عبد الله البسام

Полный текст (741 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

فقال ﷺ : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، فهو الذي يقسم الأرزاق والهداية، حسب حكمته، وهو الحكيم العليم. ما يؤخذ من الحديث: ١- رغبة الصحابة رضى الله عنهم الشديدة في الخير، وتنافسهم بالأعمال الصالحة. فالفقراء، شق عليهم حرمانهم من العبادات المالية، والأغنياء لم يكتفوا بغناهم عن مشاركة الفقراء في كل أبواب الخير. ولعل الله يعطى الفقراء بفضله وكرمه من الأجر على نيتهم الطيبة. ٢- الحديث يدل على فضل الغنى الشاكر على الفقير الصابر، لما له من الأعمال. وهذه مسألة طويلة الخلاف، بين العلماء. ٣- أن الإنفاق: في سبيل الخير سبب رفع الدرجات. قال ابن القيم: فالغنى إذا اتقى الله في ماله، وأنفقه في وجوهه، وليس مقصورا على الزكاة بل مما حقه اشباع الجائع وكسوة العاري وإغاثة الملهوف، ورعاية المحتاج- والمخطر، فطريقه طريق الغنيمة، وهي فوق السلامة فالنبي ﷺ أقر الفقراء على ماللأغنياء من هذه الرفعة بسبب إنفاقهم. ٤- فضل هذا الذكر المذكور في هذا الحديث. حيث كان سبباً في سبق من يقوله في أدبار الصلوات في الثوب، وأنه لا يلحقه أحد، إلا من عمل مثل عمله. لما يحصل لنفسه من تطهير ولأخلاقه من رياضة. ٥- أن الهداية والرزق بيد الله، فهو الذي يقسمها بين عباده، فينبغي أن يرضى بقسمة الله تعالى. ٦- مشروعية هذا الذكر، بعد الصلوات المكتوبات، كما ورد في بعض الروايات تقييده بالمكتوبة، وأن يكون بهذه الصيغة. فالتسبيح يتضمن نفي النقائص عن الله تعالى، ثم التحميد المثبت له الكمال ثم التكبير المثبت له صفات العظمة. واستظهر ابن القيم أن تكون الثلاث والثلاثون من جميع كلمات التسبيح والتحميد والتكبير.

стр. 212

الذكر بعد الصلاة وهو فقرات من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، قال رحمه الله تعالى: في الصحيح أنه ﷺ كان قبل أن ينصرف يستعيذ ثلاثا، ويقول: " اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباكت ياذا الجلال والإكرام " وفي الصحيح أنه كان يقول: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون " ويعلمهم أن يسبحوا ثلاثا وثلاثين، ويحمدوا ثلاثا وثلاثين، ويكبروا ثلاثا وثلاثين، فتلك تسع وتسعون، وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" ولاريب أن الأذكار والدعوات من أفضل العبادات، والأدعية والأذكار النبوية هي أفضل ما يتحراه المتحري من الذكر والدعاء، وما سواها من الأذكار قد يكون مكروها، وقد يكون محرما، وقد يكون فيه شرك لا يهتدي إليه أكثر الناس. والذكر من أفضل العبادات، ولذا قالت عائشة: " الذكر بعد الانصراف من الصلاة هو مثل مسح المرآة بعد صقالها" فإن الصلاة تصقل القلب. وليس الذكر عقب الصلاة بواجب، فمن أراد أن يقوم قبله فلا ينكر عليه، ولكن ينبغي للمأموم ألا يقوم حتى ينصرف الإمام عن القبلة، ولا ينبغي للإمام أن يقعد بعد السلام مستقبل القبلة إلا بمقدار ما يستغفر ثلاثا: ويقول: " اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباكت ياذا الجلال والإكرام " وعد التسبيح بالأصابع سنة، فقد قال النبي ﷺ للنساء: " سبحن واعقدن بالأصابع، فإنهن مسؤولات مستنطقات ".

стр. 213

بَابُ الخشُوع في الصَّلاةِ الخشوع في الصلاة، هو روحها وَلُبُّهَا ويكثر ثوابها أو يقل، حسبما عقله المصلى منها، ولذا أثنى الله تعالى على الذين هم في صلاتهم خاشعون بأنهم الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون. ولإحضار القلب في الصلاة، أسباب: منها: الاستعاذة من الشيطان، وتدبر قراءة الصلاة، وأنواع الذكر فيها. ومنها: جعل السترة، وجعل النظرة موضع السجود، كما أن دخول الإنسان فيها بعد الفراغ من الشاغلات عنها، كالنوم، وشهوة الطعام والشراب، من أقوى أسباب إحضار القلب. ولذا نهى عن الصلاة حال حضور الطعام، أو مدافعة الأخبثين. لأن في ذلك مشغلة عن الصلاة. وذهب الجمهور من العلماء إلى صحة صلاة من غلبت على صلاته الوساوس ولكن مع نقص ثوابها. وذهب أبو حامد الغزالي، وابن الجوزي، إلى بطلانها. الحديث (١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَ النَّبَّي ﷺ صَلَّىِ في خَمِيصةٍ، لَهَا أعْلاَمٌ، فَنَظَرَ إِلى أعْلاَمِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَف قالَ: " اذهبوا بخَمِيصتي هذه إِلى أبي جَهْمٍ، وَأْتُوني بِأنْبِجَانيَّة ِ أبي جَهْمٍ، فإنهَا أَلْهَتْني آنِفاً عَن صَلاتي. غريب الحديث: ١- خميصة لها أعلام: كساء مربع مخطط بألوان مختلفة. وقال ابن الأثير: هي ثوب خز أو صوف معلم. وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة. ٢- الأنْبِجانيّة: كساء غليظ، ليس له أعلام، وهي بفتح الهمزة وسكون النون، وكسر الباء الموحدة، وبعد الألف نون مكسورة، بعدها ياء مشددة، ثم تاء التأنيث. منسوبة إلى بلد تسمى أنبجان. وقد وردت هذه الكلمة بفتح الباء وهي نسبة على غير قياس إلى منبج البلد المعروف في بلاد الشام. ومثلها منبجاني. وهى كساء من الصوف له خمل وليس له علم وتعد من أدون الثياب الغليظة. ٣- آنفاً: - يعنى الآن.

стр. 214

المعنى الإجمالي: أهدى " أبو جهم " إلى النبي ﷺ ، خميصة لها أعلام. وكان من مكارم أخلاقه ﷺ أنه يقبل الهدية جبراً لخاطر المهدى، فقبلها ﷺ منه، وصلى بها. ولكونها ذات أعلام يتعلق بها النظر، ألهَتْه ﷺ عن كامل الحضور في صلاته، وهو ﷺ كامل، لا يصدر عنه من الأعمال إلا الكامل. فأمرهم أن يعيدوا هذه الخميصة المعلمة إلى المهدى " أبى جهم ". وحتى لا يكون في قلب " أبي جهم " شيء من رد الهدية، وليطمئن قلبه، أمرهم أن يأتوه بكساء أبي جهم، الذي لم يعلم. وهذا من كمال هديه ﷺ . ما يؤخذ من الحديث: ١- مشروعية الخشوع في الصلاة، وفعل الأسباب الجالبة له، والابتعاد عن كل ما يشغل في الصلاة. ٢- أن اشتغال القلب اليسير، لا يقدح في الصلاة. ٣- كراهة تزويق المساجد، ونقشها، والكتابة فيها، لما يجلبه من اشتغال المصلين في النظر إليها. ٤- فيه جواز لبس الملابس المعلمة للرجال. ٥- وفيه استحباب قبول الهدية، جبراً لقلب المهدي، وتودُّداً إليه. ٦- وفيه أنه لا بأس من رد الهدية لسبب، ولكن مع بيان السبب لصاحبها، حتى لا يقع في قلبه شيء. ٧- وفيه حسن أخلاق النبي ﷺ ، حيث ردَّ عليه الكساء المعلم، وطلب الكساء الذي ليس فيه أعلام، ليعلمه أنه غير مترفع عن هديته. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ولاريب أن الوسواس كلما قل في الصلاة كان أكمل، والذي يعين على ذلك شيئان: قوة المقتضي، وضعف الشاغل. أما الأول: فاجتهاد العبد في أن يعقل ما يقوله ويفعله، ويتدبر القراءة والذكر والدعاء، ويستحضر أنه مناج لله تعالى كأنه يراه، فإن المصلى يناجي ربه، والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ثم كلما ذاق العبد حلاوة الصلاة كان انجذابه إليها أوكد، وهذا يكون بحسب قوة الإيمان، والأسباب المقوية للإيمان كثيرة: فإن مافي القلب من معرفة الله ومحبته وخشيته وإخلاص الدين له وخوفه ورجائه

стр. 215

والتصديق بأخباره وغير ذلك مما يتباين الناس فيه ويتفاضلون تفاضلا عظيما. ويقوي ذلك كلما ازداد العبد تدبرا للقرآن، وفهما ومعرفة بأسماء الله وصفاته وعظمته، وأظهر فقره إليه في عبادته، اشتغاله به، فإنه لا صلاح له إلا بأن يكون الله هو معبوده الذي يطمئن إليه، ويأنس به، ويلتذ بذكره، ولاحصول لهذا إلا بإعانة الله، ومتى لم يعنه الله على ذلك لم يصلحه، ولا حول ولا قوة إلا بالله. الثاني: زوال العوارض، وهو الاجتهاد في دفع ما يشغل القلب من تفكر الإنسان فيما لا يفيده في عبادته، وتدبر الجواذب التي تجذب القلب عن مقصود الصلاة، وهذا في كل عبد بحسبه، فإن كثرة الوساوس بحسب كثرة الشبهات والشهوات، وتعليق القلب بالمحبوبات التي ينصرف القلب إلى طلبها، والعبد الكيس يجتهد في كمال الحضور، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. بَابُ الجَمْع بين الصلاتين في السفر لما كان السفر مظنة المشقة، رخص فيه الشارع بعض الرخص في العبادات، تيسيراً على عباده ورحمة بهم. ومن تلك الرخص، إباحة الجمع للمسافر، الذي ربما أدركه وقت الصلاة وهُو جادُّ في سفره. فأبيح له أن يجمع بين صلاتي الظهر والعصر في وقت إحداهما، وبين صلاتي المغرب والعشاء، في وقت إحداهما أيضا. وهذا كله من سماحة الشريعة المحمدية ويسرها وهو فضل من الله تعالى، لئلا يجعل علينا في الدين من حرج. عَنْ عَبْدِ الله بن عَبَّاس ﵄ قال: كَان رَسُولُ الله ﷺ يَجْمَعُ بَيْن صَلاَةِ الظُّْهرِ وَالعَصْرِ إذَا كان عَلى ظَهْر سَيْر، وَيَجْمَعُ بينَ الْمَغْرِب وَالعِشَاء (١)

стр. 216

المعنى الإِجمالي: كان من عادة النبي ﷺ إذا سافر وجدَّ به السير في سفره، الجمع بين الظهر والعصر، إما تقديماً، أو تأخيراً، والجمع بين المغرب والعشاء، إما تقديماً أو تأخيراً، يراعى في ذاك الأرفق به وبمن معه من المسافرين، فيكون سفره سبباً في جمعه الصلاتين، في وقت إحداهما، لأن الوقت صار وقتاً للصلاتين كلتيهما. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في الجمع. فذهب كثير من الصحابة والتابعين إلى جواز الجمع تقديماً أو تأخيراً وهو مذهب الشافعي، وأحمد، والثوري، مستدلين بأحاديث عن ابن عباس، وابن عمر، ومنها حديث معاذ " أن النبي ﷺ إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر صلاة الظهر حتى يجمعها إلى العصر، يصليهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس، صلى الظهر والعصر جميعاً ثم سار. وكان إذا ارتحل قبل المغرب، أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب يعجل العشاء فصلاها مع المغرب " رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي. وقد صحح بعض الأئمة هذا الحديث، وتكلم فيه بعضهم الآَخر، وأصله في مسلم بدون جمع التقديم. وذهب أبو حنيفة وصاحباه، والحسن، والنخعي: إلى عدم جواز الجمع. فتأولوا أحاديث الجمع بأنه جمع صُورِيٌّ. وصفته- عندهم- أن يؤخر الظهر إلى آخر وقتها فيصليها، ثم يصلى بعدها العصر في أول وقتها، وكذلك المغرب والعشاء. وهذا تعسُّف وخلاف المفهوم من لفظ الجمع، الذي معناه جعل الصلاتين في وقت إحداهما، ويعكر عليه أيضا ثبوت جمع التقديم وهو ينافي هذه الطرق في التأويل. ذكر الخطابي وابن عبد البر أن الجمع رخصة، والإتيان بالصلاتين إحداهما في آخر وقتها، والثانية في أول وفتها فيه ضيق، إذ لا يدركه أكثر الخاصة، فما رأيك بالعامة؟. وذهب ابن حزم، ورواية عن مالك: أنه يجوز جمع التأخير دون التقديم. وأجابوا عن الأحاديث، بما قاله بعض العلماء من المقال فيها. واختلفوا أيضاً في حكم الجمع. فذهب الشافعي وأحمد والجمهور، إلى أن السفر سبب في جمع التقديم والتأخير، وهو رواية عن مالك. وذهب مالك في المشهور عنه إلى اختصاص الجمع

стр. 217

بوقت الحاجة، وهى إذا جدَّ به السير، واختارها شيخ الإسلام " ابن تيمية " وقرى ذلك " ابن القيم" في" الهدى ": قال الباجي: كراهة مالك للجمع خشية أن يفعله من يقدر عليه دون مشقة وأما إباحته إذا جد به السفر فلحديث ابن عمر. وذهب أبو حنيفة إلى عدم جواز الجمع إلا في عرفة ومزدلفة، للنسك لا للسفر. واستدل الجمهور بأحاديث الجمع المطلقة عن تقييد السفر بنازل أو جادّ في السَّيْر، ومنها ما جاء في الموطأ عن معاذ بن جبل من أن النبي ﷺ أخر الصلاة يوما في غزوة تبوك، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء. قال ابن عبد البر: هذا الحديث ثابت الإسناد وذكر الشافعي في الأم وابن عبد البر والباجي أن دخوله وخروجه ﷺ لا يكون إلا وهو نازل غير جاد في السفر وفي هذا رد قاطع على من قال: لا يجمع إلا من جد به السفر. أما دليل الإمام مالك، وشيخ الإسلام، وابن القيم، فحديث ابن عمر أنه كان إذا جدَّ به السير، جمع بين المغرب والعشاء ويقول: " إن النبي ﷺ كان إذا جد به السير جع بينهما ". ولكن عند الجمهور زيادة دلالة في أحاديثها يحسن قبولها. ولأن السفر موطن مشقة في النزول والسير، ولأن رخصة الجمع ما جعلت إلا للتسهيل فيه. " وابن القيم " في " الهدى " جعل حديث معاذ ونحوه من أدلته، على أن رخصة الجمع لا تكون إلا في وقت الجِدِّ في السير. أما رأى أبي حنيفة فمردود بالسنن الصحيحة الصريحة. فوائد: الأولى: ما ذكره المؤلف في الجمع لأجل السفر وهناك أعذار غير السفر تبيح الجمع. منها: المطر، فقد روى " البخاري " أن النبي ﷺ "- جمع بين المغرب والعشاء في ليلة مطيرة ". وخص الجمع هناك بالمغرب والعشاء فقط دون الظهر والعصر، وجوزه جماعة منهم الإمام أحمد وأصحابه.

стр. 218

وكذلك المرض، فقد روى " مسلم " أن النبي ﷺ " جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر " وفي رواية " من غير خوف ولا سفر ". وليس هناك إلا المرض. وقد جوزه كثير من العلماء، منهم مالك وأحمد وإسحاق والحسن. وقال به جماعة من الشافعية فمنهم الخطابي، واختاره النووي في صحيح مسلم، وذكر ابن تيمية أن الإمام أحمد نص على جواز الجمع للحرج وللشغل بحديث روى في ذلك. وقد ثبت جواز الجمع للمستحاضة، وهو نوع من المرض. الفائدة الثانية: أن السفر الذي يباح فيه الجمع، قد اختلف العلماء في تحديده. فجعله الإمامان، الشافعى، وأحمد، يومين قاصدين، يعنى ستة عشر فرسخاً (١) . واختار الشيخ تقي الدين أن كل ما يسمى سفرا، طال أو قصر، أبيح فيه الجمع، وأنه لا يتقدر بمدة، وقال: إن نصوص الكتاب والسنة ليس فيها تفريق بين سفر طويل وسفر قصير، فمن فرق بين هذا وهذا فقد فرق بين ماجمع الله بينه فرقاً لا أصل له. وما ذهب إليه شيخ الإسلام هو مذهب الظاهرية. ونصره صاحب المغنى. وقال " ابن القيم " في " الهدى ": " وأما مايروي عنه من التحديد باليوم. أو اليومين، أو الثلاثة، فلم يصح عنه منها شيء البتة ". الفائدة الثالثة: عند جمهور العلماء، أن ترك الجمع أفضل من الجمع، إلا في جَمْعَيْ عرفة ومزدلفة، لما في ذلك من المصلحة. ما يؤخذ من الحديث: ١- جواز الجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء. ٢- عموم الحديث يفيد جواز جمع التقديم والتأخير، بين الصلاتين، وقد دلت عليه الأدلة كما تقدم. - ظاهره أنه خاص بما إذا جدَّ به السَّيْر، وتقدم الخلاف في ذلك وأدلة العلماء فيه. قال ابن دقيق العيد: والحديث يدل على الجمع إذا كان على ظهر سير، ولولا ورود غيره من الأحاديث بالجمع في غير هذه الحالة لكان الدليل يقتضي امتناع الجمع في غيره، فجواز الجمع في هذا الحديث قد علق بصفة لم

стр. 219

يكن ليجوز إلغاؤها، لكن إذا صح الجمع في حالة النزول فالعمل به أولى، لقيام دليل آخر على الجواز في غير هذه الصورة، أعنى السير، وقيام ذلك الدليل يدل على إلغاء اعتبار هذا الوصف، ولا يمكن أن يعارض ذلك الدليِل بالمفهوم من هذا الحديث، لأن في دلالة ذلك المنطوق على الجواز في تلك الصورة بخصوصها أرجح. أهـ. ٤- يدل الحديث وغيره من الأحاديث أن الجمع يختص بالظهر مع العصر، والمغرب مع العشاء، وأن الفجر لا تجمع إلى شيء منها. بَابُ قصْر الصَّلاة في السفر القصر: هو للصلوات الرباعية، وهي الظهر، والعصر والعشاء. ونقل ابن المنذر الإجماع على أنه لا قصر في المغرب والفجر. وليس له سبب إلا السفر، لأنه من رخصه التي شرعت رحمة بالمسافر. شفقة عليه. عَنْ عَبْدِ الله بْن عُمَرَ رضىَ الله عَنْهُمَا قال: صَحِبْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَكانَ لاَ يَزِيدُ في السَّفَرِ عَلىَ رَكْعَتَيْن، وَأبا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمانَ كَذلِكَ (١) . المعنى الإجمالي: يذكر عبد الله بن عمر أنه صحب النبي ﷺ في أسفاره، وكذلك صحب أبا بكر وعمر وعثمان في أسفارهم. فكان كل منهم يقصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، ولا يزيد عليهما. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في القصر: هل هو واجب أو رخصة، يستحب إتيانها؟ فذهب الأئمة الثلاثة، مالك، والشافعي، وأحمد إلى جواز الإتمام، والقصر أفضل. وذهب أبو حنيفة، إلى وجوب القصر، ونصره ابن حزم وقال: إن فرض المسافر ركعتان. وأدلة الموجبين للقصر، مداومة النبي ﷺ عليه في أسفاره. وأجيب بأن الفعل لا يدل على الوجوب عند الجمهور.

стр. 220

واستدلوا أيضاً بحديث عائشة في الصحيحين " فُرِضتِ الصلاَةُ رَكْعَتَيْن فأُْقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ وَأْتِمَّتْ صَلاَةُ الْحَضَرِ ". وأجيب عنه بأجوبة، أحسنها أن هذا من كلام عائشة، ولم يرفع إلى النبي ﷺ ، وعائشة لم تشهد زمان فرض الصلاة. أما أدلة الجمهور على عدم وجوب القصر فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَليكُمْ جُنَاحٌ أن تَقصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ﴾ فَنًَفْيُ الجناح يفيد أنه رخصة، وليس عزيمة. وبأن الأصل الإتمام، والقصر إنما يكون من شيء أطول منه. وبحديث عائشة: " أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم " رواه الدارقطني وقال: إسناده حسن. وقد أجيب عن أدلة الجمهور بأن الآية وردت في قصر الصفة في صلاة الخوف، وبأن الحديث متكلم فيه، حتى قال شيخ الإسلام " ابن تيمية "، هذا حديث كذب على النبي ﷺ . قلت: الأولى للمسافر أن لايدع القصر، اتباعاً للنبي ﷺ ، وخروجاً من خلاف من أوجبه، ولأنه الأفضل عند عامة العلماء. وشيخ الإسلام " ابن تيمية " نقل عنه في " الاختيارات " كراهة الإتمام، وذكر أنه نفل عن الإمام أحمد التوقف في صحة صلاة المُتِمِّ. وقال الشيخ تقي الدين أيضاً: قد علم بالتواتر أن النبي ﷺ إنما كان يصلى في السفر ركعتين. وكذلك أبو بكر وعمر بعده، وهذا يدل على أن الركعتين أفضل، كما عليه جماهير العلماء. ما يؤخذ من الحديث: ١- مشروعية قصر الصلاة الرباعية في السفر إلى ركعتين.

стр. 221

٢- أن القصر هو سنة النبي ﷺ ، وسنة خلفائه الراشدين في أسفارهم. ٣- أن القصر عام في سفر الحج والجهاد، وكل سفر طاعة. وقد ألحق العلماء الأسفار المباحة قال النووي: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح. وبعضهم لم يجز القصر في سفر المعصية والصحيح أن الرخصة عامة، يستوي فيها كل أحد. ٤- لطف المولى بخلقه، وسماحة هذه الشريعة المحمدية، حيث سهَّل عبادته على خلقه. فإنه لما كان السفر مظنة المشقة، رخّص لهم في نقص الصلاة. وإذا زادت المشقة بقتال العدو، خفف عنهم بعض الصلاة أيضاً. ٥- السفر في هذا الحديث مطلق، لم يقيد بالطويل، والأحسن أن يبقى على إطلاقه فيترخص في كل ما سُمِّي سفراً. أما تقييده بمدة معينة، أو بفراسخ محدودة، فلم يثبت فيه شيء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: السفر لم يحده الشارع، وليس له حد في اللغة فيرجع فيه إلى ما يعرفه الناس ويعتادونه، فما كان عندهم سفراً فهو سفر. اهـ.

стр. 222

بَابُ الجُمعَة يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وقد خص الله به المسلمين، وأضل عنه من قبلهم من الأمم، كرماً منه وفضلا على هذه الأمة. ولهذا اليوم خصائص من العبادات، وأعظمها هذه الصلاة التي هي آكد الفروض وكذا استحباب قراءة سورتي " السجدة " و " الإنسان " في صلاة فجرها، وسورة " الكهف " في يومها، وكثرة الصلاة على النبي ﷺ ، والاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب التي يقدر عليها. والذهاب إليها مبكراً، والاشتغال بالذكر والدعاء إلى حضور الخطب ثم الإنصات لخطبته لأن في ذلك اليوم ساعة استجابة، لا يرد فيها الداعي وقد اختلف في تعيينها العلماء فمنهم من قال: إنها من جلوس الإمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة. ومنهم من قال: إنها آخر ساعة بعد العصر. وهذا قول جمهور الصحابة والتابعين واختاره الإمام أحمد. كما أن للصلاة فيه خصائص لا توجد في غيرها من الاجتماع، والتأكيد على إتيانها، وشرط الاستيطان والإقامة في صلاتها، وتقدم الخطبتين عليها، والجهر في قراءتها، وتحريم البيع والشراء بعد النداء لها. وقد جاء من التشديد في التخلف عنها مالم يأت في صلاة العصر. لذا أجمع المسلمون أنها فرض عين، وقالوا إنها أفضل مجامع المسلمين سوى مجمع عرفة. وقد أفرد لها الشيخ " ابن القيم " فَصْلاً مطولا في كتابه " زاد المعاد في هدي خير العباد ".

стр. 223

الحديث الأول عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعِدي ﵁: أنَّ رِجَالاً تَماروا في مِنْبر ِرَسُول الله ﷺ مِن أيِّ عُودٍ هُوَ؟ فقال سَهْلٌ: من طَرْفاء الْغَابَةِ، وَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ قَامَ عليهِ فَكبَّرَ وَكبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهو عَلَى المِنْبَرِ، ثُمَّ ركَع فنزل القَهْقَري حَتَّى سَجَدَ في أصلِ الْمِنبرِ، ثُمَّ عَادَ حَتَّى فرَغَ مِنْ آخِرِ صَلاَتِهِ (١) ثم أَقْبَلَ عَلَى النَّاس فَقَالَ: " يَا أيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هذَا لِتَأتمُّوا بي وَلِتَعلَّمُوا صَلاَتي ". وفي لفظ: " فَصَلَّى وَهُوَ عَليْها ثَم كَبَّر عَلَيْهَا، ثُمَّ رَفَعَ وَهُوَ عَليْهَا ثُمَّ نَزَلَ الْقَهْقَرى ". غريب الحديث: ١- تماروا: أي تجادلوا، من أي شيء المنبر؟ أو يكون من " المِرية "، وهي الشك. ٢- طرفاء الغابة- الطرفاء شجر يشبه الأثل، إلا أن الأثل أعظم منه، ومنابته الأرض السبخة، كأرض المدينة المنورة. الغابة: الشجر الملتف: والمراد به هنا، موضع في عوالي المدينة، يقع منها غرباً. ٣- القهقرى: أي رجع إلى الخلف من غير أن يجعل وجهه إلى جهة مشيه و" القهقرى " اسم مقصور. ٤- ولتعلموا صلاتي – هو بكسر اللام الأولى وبتشديد اللام الثانية، وأصله "تتعلموا"، بتائين. المعنى الإجمالي: تباحث أناس في منبر النبي ﷺ ، من أي عود هو؟ فكان سهل بن سعد أعلم أهل زمانه، لأنه آخر من مات من الصحابة بالمدينة فجاؤوا إليه ليبين لهم، ويزيل مشكلهم فأخبرهم أنه من طرفاء الغابة. وتثبيتاً (٢) لخبره قال لهم: لقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه للصلاة، فكبر وكبر الناس وراءه، وهو على المنبر، ثم ركع ونزل منه، ورجع إلى خلف حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد فطلع عليه، ومازال هكذا يطلع عند القيام وينزل منه عند السجود حتى فرغ من صلاته، ثم

стр. 224

انصرف وأقبل على الناس فقال ﷺ ما قاله مرشداً لهم إلى أنه ما فعل هذا الفعل من الطلوع على المنبر والنزول، إلا ليروا صلاته فيتعلموا منه ويقتدوا به. ما يؤخذ من الحديث: ١- تباحث التابعين في العلم، وأدبهم في الرجوع إلى العلماء الذين أخذوه من قبلهم. ٢- جواز ارتفاع الإمام عن المأمومين في الصلاة للحاجة، كتعليمهم كيفية الصلاة. فإن لم يكن لحاجة، فيكره، لما روى أبو داود عن حذيفة: أن النبي ﷺ قال" إذا أمّ الرجل القوم، فلا يقومَنَّ في مقام أرفع من مكانهم ". ٣- جواز الحركة اليسيرة للحاجة فإنها لا تضر الصلاة. ٤- وجوب اتِّباع النبي ﷺ ، وأن أفعاله، من سنته التي تتبع، ويحافظ عليها. ٥- وفيه حسن تعليمه ﷺ ، فإنه جمع بين القول والفعل، الذي يصور لهم به حقائق الأشياء. ٦- فيه دليل على جواز إقامة الصلاة لأجل التعليم، وأنه لا ينافى الإخلاص والخشوع، بل هو زيادة عبادة إلى عبادة. الحديث الثاني عَنْ عَبدِ الله بْن عُمَرَ ﵁: أنَّ رَسولَ الله ﷺ ، قال " مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ ". المعنى الإجمالي: الاجتماع لصلاة الجمعة، مشهد عظيم، ومجمع كبير من مجامع المسلمين، حيث يأتون لأدائها من أنحاء البلد، التي يسكنونها. ومثل هذا المحفل، الذي يظهر فيه شعار الإسلام، وأَبَّهة المسلمين، يكون الآتي إليه على أحسن هيئة، وأطيب رائحة، وأنظف جسم. لذا أمر النبي ﷺ أن يغتسلوا عند الإتيان لها، ولئلا يكون فيهم أوساخ وروائح يؤذون بها المصلين والملائكة الحاضرين لسماع الخطبة والذكر.

стр. 225

اختلاف العلماء: اختلف العلماء في غسل الجمعة. فذهب الظاهرية إلى أنه واجب، مستدلين بحديث " غُسْلُ يوم الجُمعُةَ وَاجِب عَلَى كُلِّ مُحْتَلِم " متفق عليه. وذهب الجمهور إلى استحبابه، وأنه غير واجب، مستدلين بحديث الحسن، عن سمرة: أن النبي ﷺ ، قال: " مَنْ تَوَضَّأ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَن اغتَسَلَ فالغُسلُ أفضَلُ " رواه الخمسة. قال ابن دقيق العيد: ولايقاوم سند هذا الحديث الأحاديث الموجبة، وإن كان المشهور في سنده صحيحاً. وأجابوا عن الحديث الذي استدل به الظاهرية، بأنه يفيد تأكيد السنية. وأن معنى " الواجب " في الحديث، الحق، كما يقول أحد لأحد: لك عليّ حق واجب. أو أن ذلك في أول الإسلام، يوم كان الصحابة يلبسون الثياب الثقيلة الخشنة، ويعرقون، فتظهر منهم الرائحة الكريهة. فلما وسع الله عليهم، ولبسوا خفيف الثياب، نسخ الحكم من الوجوب إلى الاستحباب. أخرج أبو عوانة عن ابن عمر: كان الناس يغدون في أعمالهم، فإذا كانت الجمعة جاؤوا وعليهم ثياب متغيرة، فشكوا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل ". والحق أن هذه أجوبة غير ناهضة لتأويل الحديث عن ظاهره. ولذا قال " ابن القيم " في " الهدى ": " ووجوبه أقوى من وجوب الوتر، وقراءة البسملة في الصلاة، ووجوب الوضوء من مس النساء ومس الذَّكَر. ووجوب الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير". أهـ. وقال شيخ الإسلام " ابن تيمية ": " ويجب الغسل على من له عرق، أو له ريح يتأذى به غيره " وقال البغوي في شرح السنة: اختلف العلماء في وجوب غسل الجمعة مع اتفاقهم على أن الصلاة جائزة من غير غسل. فالأولى لمن ذهب إلى الجمعة أن لايدع الغسل، لأنه قد اتفق على مشروعيته وأدلة وجوبه قوية، والاحتياط أحسن وأولى. قال الصنعاني: وهؤلاء (أي الذين أولوا الحديث) داروا مع المعنى وأغفلوا المحافظة على التعبد. وذكر أن الجمع بين المعنى والتعبد متعين.

стр. 226

الأحكام المأخوذة من الحديث: ١- ظاهر الحديث، وجوب الغسل لصلاة الجمعة والأصل حمل الحديث على ظاهره، وتقدم الخلاف في ذلك وأدلته. ٢- وفيه دليل على أن الغسل يكون للصلاة، ويقدم عليها وهو الصحيح، لأنه مقصود لها، لا ليومها، خلافاً للظاهرية الذين يرون أن الغسل يكفي، ولو بعد الصلاة. ٣- فيه دليل على أن الأفضل أن يكون الغسل قبيل الذهاب إلى صلاتها. ٤- من حكمة مشروعية هذا الاغتسال، يستدل على أنه ينبغي للإنسان أن يأتي إلى مواطن العبادة والصلاة على أحسن حال وأجل هيئة ﴿يا بَني آدَمَ خُذُوا زينتكُم عِنْدَ كلِّ مَسجدٍ﴾ . ٥- أن مشروعية الغَسل لمن أراد إتيان الصلاة، أما غيره، فلا يشرع له الغسل، وقد صرح بذلك لفظ الحديث عند ابن خزيمة، وهو" ومن لم يأتها فليس عليه غسل ". الحديث الثالث عَنْ جَابِر بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قََالَ: جَاءَ رَجُلٌ وَالنّبيُ ﷺ يَخطبُ النَّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَالَ: أصَلَّيْتَ يَا فلاَنُ؟ قال: لا، قَالَ: "قُمْ فَارْكَع رَكْعَتَيْن". وفي رواية "فَصَلِّ رَكْعَتَين ". المعنى الإجمالي: دخل سليك الغطفاني المسجد النبوي والنبي ﷺ يخطب الناس، فجلس ليسمع الخطبة، ولم يصل تحية المسجد، فما منعه تذكيره واشتغاله بالخطبة عن تعليمه، بل خاطبه بقوله: " أصليت يا فلان " في طرف المسجد قبل أن أراك؟ قال: لا. فقال: " قم فاركع ركعتين ". قال ذلك بمشهد عظيم ليُعَلِّمَ الرجل في وقت الحاجة، وليكون التعليم عامًّا مشاعاً بين الحاضرين. اختلاف العلماء: اختلف العلماء فيمن دخل المسجد والخطيب يخطب: هل يصلى تحية المسجد، أو يجلس وينصت للإمام؟. فذهب الشافعي، وأحمد، وأصحاب الحديث إلى أن المشروع له الصلاة. مستدلين بهذا الحدث، وبحديث: "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين ".

стр. 227

وذهب مالك، وأبو حنيفة، إلى أنه يجلس ولا يصلي. مستدلين بقوله تعالى: ﴿وإذَا قُرِئ القُرآن فَاستمِعُوا لَهُ وأنصِتُوا﴾ وحديث: " إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة فقد لغوت ". وأجاب المستحبون للصلاة عن الآية بأجوبة: منها: أًن هذين الحديثين مخصصان لها، على فرض إرادة الخطبة بها، وكذلك مخصصان للحديث الآمر بالإنصات. وأجاب أبو حنيفة، ومالك عن حديث الباب بأجوبة واهية، لا يركن إليها في عدم الأخذ بهذين الحديثين الصحيحين الصريحين. ولذا قال النووي في شرح مسلم عند قوله ﷺ : " إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما " قال: هذا نص لا يتطرق إليه تأويل، ولا أظن عالما يبلغه هذا اللفظ ويعتقده صحيحا فيخالفه. ما يؤخذ من الحديث: ١- مشروعية خطبتَي الجمعة، وأن هذا من شعارها الذي يلزم الإتيان به. ٢- استحباب ركعتي تحية المسجد وتأكُّدُها، لكون النبي ﷺ أمر بالإتيان بها حتى في هذه الحال. ٣- أن الجلوس الخفيف لا يذهب وقتها وسنيتها، لأن الرجل جلس، فأمره النبي ﷺ أن يقوم ويصلى. ٤- جواز الكلام حال الخطبة للخطيب، ومن يخاطبه. ٥- أن النبي ﷺ لا يسكت عن خطأ يراه في أي حال. ٦- أن لا يزيد في الصلاة على ركعتين، لأنه لابد من الإنصات للخطيب. الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسولُ الله ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْن وَهُرَ قَائِمٌ، يَفصِلُ بينهُمَا بِجلوس. المعنى الإجمالي: كان النبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة خطبتين، يوجههم فيهما إلى الخير، ويزجرهم عن الشر.

стр. 228

وكان يأتي بالخطبتين وهو قائم على المنبر، ليكون أبلغ في تعليمهم ووعظهم، ولما في القيام من إظهار قوة الإسلام وأبهته. فإذا فرغ من الخطبة الأولى، جلس جلسة خفيفة ليستريح، فيفصل الأولى عن الثانية، ثم يقوم فيخطب الثانية. ما يؤخذ من الحديث: ١- وجوب الخطبتين في الجمعة قبل الصلاة، وأنهما شرطان لصحتها، قال الحلبي: لم ينقل أنه صلاها بلا خطبة. ولو كان جائزا لفعله ولو مرة لبيان الجواز، والوجوب هو مذهب عامة العلماء. ٢- استحباب قيام الخطيب في الخطبتين- ومذهب الشافعي وجوب القيام مع القدرة. ٣- استحباب الجلوس اليسير بين الخطبتين للفصل بينهما، وأوجبه بعض العلماء، والجمهور على أنه سنة لا واجب. فائدة: قال ابن دقيق العيد: وهذا اللفظ الذي ذكره المصنف لم أقف عليه بهذه الصيغة في الصحيحين. وقال ابن حجر في " فتحٍ الباري ": وللنسائي والدارقطني من هذا الوجه "كان يخطب خطبتين قائماً، يفصل بجلوس". وغفل صاحب " العمدة " فعزا هذا اللفظ للصحيحين. قلت: وبهذا تبين أن الحديث لم يرد في الصحيحين بهذا اللفظ، وإنما ورد بلفظ آخر، وهو من حديث ابن عمر "كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة قائماً، يجلس ثم يقوم، كما يفعلون الآَن ". فائدة ثانية: قال ابن القيم ما خلاصته: كان ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، وكان يقصر الخطة ليطيل الصلاة، ويكثر الذكر، ويقصد الكلمات الجوامع، ويعلم أصحابه قواعد الإسلام، وكان يشير بالسبابة عند ذكر الله ودعائه، وكان يأمرهم بالدنو والإنصات، وينهى عن تخطى رقاب الناس، وكان إذا فرغ بلا ل من الأذان شرع ﷺ في الخطبة.

стр. 229

الحديث الخامس عَنْ أبي هُرَيرة ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أنصِتْ يَومَ الجُمُعَةِ وَالإمَامُ يَخطبُ فقدْ لَغَوتَ ". غريب الحديث: لغا: كغزا، أتى بقول ساقط، ليس فيه فائدة. وفسره النضر بن شميل بالخلو من الأجر. المعنى الإجمالي: من أعظم شعار الجمعة الخطبتان، ومن آداب المستمع الإنصات فيهما للخطيب، ليدبر المواعظ، ويؤمّن على الدعاء. ولذا حذر النبي ﷺ من الكلام، ولو بأقل شيء فإن من نهي صاحبه عن الكلام ولو بقوله: " أنصت " والإمام يخطب فقد لغا لأنه أتى بمنافٍ لسماع الخطبة. ما يؤخذ من الحديث: ١- وجوب الإنصات للخطيب يوم الجمعة، وقد نقل ابن عبد البر الإجماع على وجوب ذلك. ٢- تحريم الكلام حال سماع الخطبة وأنه منافٍ للمقام. ٣- يستثنى من هذا من يخاطب الإمام أو يخاطبه الإمام، كما تقدم في قصة الذي دخل المسجد ولم يصل، وكما في قصة الأعرابي الذي شكا إلى النبي ﷺ القحط. ٤- استثنى بعضِ العلماء من كان لايسمع الخطيب لِبُعْد، فإنه لاينبغي له السكوت بل يشتغل بالقراءة أو الذكر، وهو وجيه. أما من لا يسمعه لصمم، فلا ينبغي أن يشغل من حوله بالجهر بالقراءة، ويكون ذلك بينه وبين نفسه. الحديث السادس عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: " مَن اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ثم رَاحَ في السَّاعَةِ الأوٍلَى فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بدَنَةَ، وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَة الثانِيَةِ فَكَأنَّمَا قرَّبَ بَقَرَة، وَمَنْ رَاحَ في الساعَةِ الثالِثَةِ فَكَأنَّما قَرَّبَ كَبشاً أقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ في السَاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأنَّمَا قَرّبَ دَجَاجَةً وَمَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الخامِسَةِ فَكأنَّمَا قرَّبَ بَيْضَةً، فَإذَا خَرَجَ الإمَامُ حَضَرَتِ المَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكرَ".

стр. 230

غريب الحديث: راح: تأتي بمعنى السير في آخر النهار، كما تأتي بمعنى مطلق الذهابِ، وهو المراد هنا، ولذا أريد بها الذهاب في أول النهار لصلاة الجمعة. وما يزال هذا مستعملا في نجد والحجاز وبعض بلاد الشام. دجاجة: بفتح الدال وكسرها، يقع على الذكر والأنثى، والجمع دجاج، ودجادج. " حضرت الملائكة": بفتح الضاد كسرها، لغتان. وقد جزم المازري في شرح مسلم أن وظيفة هؤلاء كتابة من حضر يوم الجمعة. البدنة: تطلق على الناقة والجمل والبقرة، ولكنها في الإبل أغلب، وهو المراد منها بهذا الحدث. المعنى الإجمالي: يبين النبي ﷺ فضل الاغتسال والتبكير إلى الجمعة، ودرجات الفضل في ذلك. فذكر أن من اغتسل يوم الجمعة قبل الذهاب إلى الصلاة، ثم ذهب إليها في الساعة الأولى، فله أجر من قرب بدنة وتقبلت منه. ومن راح بعده في الساعة الثانية فكأنما أهدى بقرة. ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً ذا قرنين، وغالباً يكون أفضل الأكباش وأحسنها. ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة. ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة. فإذا خرج الإمام للخطبة والصلاة، انصرفت الملائكة الموكلون بكتابة القادمين إلى سماع الذكر، فمن أتى بعد انصرافهم، لم يكتب من المقَرِّبين. ما يؤخذ من الحديث: ١- فيه فضل الغسل يوم الجمعة، وأن يكون قبل الذهاب إلى الصلاة. ٢- وفيه فضل التبكير إليها من أول ساعات النهار. ٣- الفضل المذكور في هذا، مترتب على الاغتسال والتبكير جميعاً. ٤- أن ترتيب الثواب، على المجيء إليها. ٥- أن البدنة أفضل من البقرة في الهَدْي، وكذلك البقرة أفضل من الشاة. ٦- أن الكبش الأقرن أفضل من غيره من سائر الغنم في الهَدْي والأضحية.

стр. 231

٧- أن الصدقة مقبولة وإن قلَّتْ، لأنه جعل إهداء البيضة مقياساً في الثواب. ٨- أن الملائكة على أبواب المساجد، يكتبون القادمين، الأول فالأول، في المجيء إلى صلاة الجمعة. ٩- وأنهم ينصرفون بعد دخول الإمام لسماع الذكر، فلا يكون للآتى بعد انصرافهم ثواب التكبير. ١٠- تقسيم هذه الساعات الخمس من طلوع الشمس إلى دخول الإمام بنسبة متساوية. وذكر الصنعاني أن الساعة هنا لا يراد بها مقدار معين متفق عليه. ١١- القادمون في ساعة من هذه الساعات الخمس، يتفاوتون في السبق أيضاً فيختلف فضل قربانهم باختلاف صفاته. ١٢- أن فضل الناس عند الصنعاني مرتب على أعمالهم بالجمعة وغيرها ﴿إنَّ أكرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتقاكُم﴾ فلا حَسَب وَلاَ نسَبَ ولاَ نَشَبَ. ١٣- الهدي الذي يراد به النسك فيما يتعلق بالحج والإحرام لا يكون إلا من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم. أما الدجاجة والبيضة وغير ذلك فلا يجزئ في ذلك المقام، لأنه أراد في هذا الحديث مطلق الصدقة. الحديث السابع عن: سَلَمَةَ بن الأكوع - وكان من أصحاب الشجرة رضى الله عنه- قال: " كُنَّا نُصَلي مَعَ رَسُولِ الله ﷺ صَلاَةِ الجُمُعَةِ ثُمَّ نَنْصَرِفُ وَلَيس َ لِلحِيطانِ ظِلّّ نستظِلُّ بِهِ ". وفي لفظ: كُنَّا نجِّمع (١) مَعَ رَسولِ الله ﷺ إِذَا زَالَتِ الشمس، ثم نَرجِعُ فَنّتَتَبَّعُ الفيءَ (٢) . المعنى الإجمالي: يذكر " سلمة بن الأكوع " رضىَ الله عنه أنه كان من عادة صلاتهم مع النبي ﷺ الجمعة: أنهم كانوا يصلون مبكرين، بحيث إنهم يفرغون من الخطبتين والصلاة، ثم ينصرفون إلى منازلهم، وليس

стр. 232

للحيطان ظل يكفي لأن يستظلوا به. والرواية الثانية: أنهم كانوا يصلون الجمعة مع النبي ﷺ إذا زالت الشمس، ثم يرجعون. اختلاف العلماء: اتفق العلماء على أن آخر وقت صلاة الجمعة هو آخر وقت صلاة الظهر. واختلفوا في ابتداء وقتها. فذهب الأئمة الثلاثة: إلى أن وقتها يبتدئ بزوال الشمس كالظهر. مستدلين على ذلك بأدلة. منها: ما رواه البخاري عن أن أنس قال: " كان رسول الله ﷺ يصلى الجمعة حين تميل الشمس". وذهب الإمام أحمد في المشهور عنه: إلى دخول وقتها بقدر وقت دخول صلاة العيد، واستدل على ذلك بأدلة. منها: الرواية الأولى في حديث الباب. ومن أدلته ما أخرجه مسلم وأحمد من حديث جابر: " أن النبي ﷺ كان يصلى الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها، حين تزول الشمس ". وللجمهور تأويلات لهذه الأحاديث بعيدة. والحق ما قاله " الشوكاني " في " نيل الأوطار": " ولا ملجىء إلى التأويلات المتعسفة، التي ارتكبها الجمهور. واستدلالهم بالأحاديث القاطعة، بأن النبي ﷺ صلى الجمعة بعد الزوال، لا ينفي الجواز قبله ". قلت: الأولى والأفضل، الصلاة بعد الزوال، لأنه الغالب من فعل النبي ﷺ ، ولأنه الوقت المجمع عليه بين العلماء، إلا أن يكون ثَمَّ حاجة، من حر شديد، وليس عندهم ما يستظلون به، أو يريدون الخروج لجهاد قبل الزوال، فلا بأس من صلاتها قبل الزوال. ما يؤخذ من الحديث: ١- مشروعية التبكير في الجمعة مطلقاً، سواء أكانوا في شتاء، أم صيف ويكون " حديث الإبراد " خاصًّا بالظهر. ٢- ظاهر الحديث، جواز صلاة الجمعة قبل الزوال، حيث كانوا يصلون، ثم ينصرفون، وليس هناك ظل يستظلون به، وهو الصحيح كما تقدم.

стр. 233

الحديث الثامن عَنْ أبي هُريرة ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْرأُ في صَلاَةِ الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ " آلم تنزيل " السجدة، وفي الثانية، - " هَل أتَى عَلَى الإنسَانِ ". المعنى الإجمالي: كان من عادة النبي ﷺ أن يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة " آلم تنزيل " و "هل أتى على الإنسان " لما اشتملت عليه من ذكر خلق آدم، وذكر المعاد وحشر العباد، وأحوال القيامة الذي كان وسيكون في يوم الجمعة، تذكيراً بتلك الحال عند مناسبتها. وهكذا ينبغي أن يذكر كل شيء عند مناسبته، ليكون أعلق بالأذهان، وأحضر للقلوب، وأوعى للأسماع. الأحكام: ١- استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة فجر يوم الجمعة. ٢- ظاهر الحديث، المداومة عليهما من النبي ﷺ ، لإتيان الراوي بصيغة " كان ". قال ابن دقيق العيد: وفي المواظبة على ذلك دائماً أمر آخر، وهو أنه ربما أدى الجهال إلى اعتقاد أن ذلك فرض في هذه الصلاة، فإذا انتهى الحال إلى أن تقع هذه المفسدة فينبغي أن تترك في بعض الأوقات دفعا هذه المفسدة. ولكن تعقبه الصنعاني فقال: إنه يتعين إشاعة السنن وتعريف الجاهل لما يجهله، وإعلامه بالشريعة، ولا تترك السنة مخافة جهله، وما ماتت السنن إلا خيفة العلماء من الجهال، وليس بعذر، فإن الله أمر بإبلاغ الشرائع. قلت: وكلام الصنعاني وجيه جداً.

стр. 234

بَابُ صَلاَةِ العيدَين سمي عيداً لأنه يعود ويتكرر، والأعياد قديمة في الأمم، لكل مناسبة كبيرة يجعلون عيداً يُعِيدُون فيه تلك الذكرى، ويظهرون فيه أنواع الفرح والسرور. ولكونها أعياداً من تلقاء أنفسهم، فإن مظهرها يكون مادياً بحتاً. وأمد الله أمة محمد ﷺ بعيد الفطر، وعيد الأضحى. يتوسعون فيهما بالمباحات، ويتقربون إلى ربهم بالطاعات، شكراً لله تعالى على ما أنعم عليهم به، من تسهيل صيام رمضان في الفطر، وسؤال قبوله، وعلى ما يسر لهم من أداء المناسك، والتقرب ببهيمة الأنعام في عيد الأضحى. وشرع لهم الاجتماع للصلاة في هذين العيدين، ليتعارفوا ويتواصلوا، ويُنهَنِّئ بعضهم بعضاً، فيتحابوا، ويتآلفوا. وتحقق هذه الاجتماعات الإسلامية من المصالح الدينية والدنيوية ما يدل على أن الإسلام هو الدستور الإلهي، الذي أنزل الله لإسعاد البشرية. قال ابن القيم في الهدى ما خلاصته: كان يصلي العيدين في المصلى دائماً ولم يصل في المسجد إلا مرة لما أصابهم مطر، وكان يلبس للخروج إلى صلاتي العيد أجمل ثيابه، كان يأكل قبل خروجه في عيد الفطر تمرات وترا، أما في الأضحى فلا يطعم حتى يعود من المصلى فيأكل من أضحيته، وكان يغتسل للعيد ويخرج إليهما ماشياً وقال: إذا انتهى إلى المصلى أخذ في الصلاة بلا أذان ولا إقامة ولا " الصلاة جامعة " فإذا صلى قام مقابل الناس والناس جلوس فوعظهم، ويفتتح الخطبة بالحمد لله. ورخص لمن يشهد صلاة العيد أن يجلس للخطبة أو أن يذهب، وكان يذهب من طريق ويعود من طريق آخر. قال ابن دقيق العيد لا خلاف في أن صلاة العيدين من الشعائر المطلوبة شرعاً وقد تواتر بها النقل الذي يقطع العذر، ويغنى عن الأخبار الآَحاد، وأول صلاة عيد صلاها رسول الله ﷺ صلاة عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة. الحديث الأول عَنْ عَبدِ الله بن عُمَرَ ﵄ قَال: كَانَ النَبيُّ ﷺ وَأبُو بَكْرٍ وَعُمَر يُصَلُّونَ الْعِيدَين قَبْلَ الْخُطْبَةِ.

стр. 235

المعنى الإجمالي: كان من عادة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، أن يصلوا بالناس صلاة العيد، في الفطر والأضحى، ويخطبوا، ويقدموا الصلاة على الخطبة. ففيه تقديم الصلاة على الخطبتين، وتأتي بقية أحكامه في الأحاديث بعده. الحديث الثاني عَن البَرَاءِ بن عَازبٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبيُّ ﷺ يَوْمَ الأضْحَى بَعْدَ الصَّلاة فَقَال: " من صَلَّى صَلاَتَنَا وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَقَدْ أصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصلاةِ فَلاَ نُسُكَ لَه. فقال أبو بُرْدَةَ بن نِيَار - خال البراء بن عازب: يا رسول الله إني نَسَكتُ شاتي قَبلَ الصَّلاَةِ، وَعَرَفْتُ أنَّ اليوم يَومُ أكل وَشُرب وَأحْبَبْتُ أن تكُون شَاتي أوَّلَ مَا يُذْبَحُ في بَيْتي، فَذَبَحْتُ شَاتي وتغدَّيْتُ قبل أن آتي الصَّلاَةَ. قال: " شَاتُكَ شَاَةُ لَحمٍ ". قال: يَا رَسُولَ الله، فَإنَّ عِنْدَنَا عَنَاقاً وَهِيَ أحَبُّ إِلَينا مِنْ شَاتَيْنِ، أفتجْزِى عَنى؟ قَالَ: " نَعَمْ وَلَن تُجزِيَ عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ ". غريب الحديث: نسك: النسك، الذبح، " والنسيكة " الذبيحة، ويأتيْ لمعان مجازية. ولكن المراد هنا ما ذكرنا. وجمع "النسيكة " نسك، بضم السين. وأما سكونها فهو للعبادة. عناقاً: العناق، الأنثى من ولد المعزى إذا قويت ولم تتم الحول، وهو بفتح العين وتخفيف النون. المعنى الإجمالي: خطب النبي ﷺ في يوم عيد الأضحى بعد صلاتها. فأخذ يبين لهم أحكام الذبح ووقته في ذلك اليوم، فذكر لهم أنه من صلى مثل هذه الصلاة، ونسك مثل هذا النسك، اللذين هما هديه ﷺ ، فقد أصاب النسك المشروع. أما من ذبح قبل صلاة العيد، فقد ذبح قبل دخول وقت الذبح فتكون ذبيحته لحماً، لا نُسُكاً مشروعاً مقبولا. فلما سمع أبو بردة خطبة النبي ﷺ قال: يا رسول الله: إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي، فذبحت شاتي، وتغديت قبل أن آتي إلى الصلاة. فقال ﷺ : ليست نسيكتك مشروعة، وإنما هي شاة لحم.

стр. 236

قال يا رسول الله: إن عندي عَنَاقا مُرَبّاة في البيت، وغالية في نفسي، وهي أحب إلينا من شاتين، أفتجزئ عنى إذا أرخصتها في طاعة الله ونسكتها؟ قال ﷺ : " نعم " ولكن هذا الحكم لك وحدك من سائر الأمة، فلا تجزئ عنهم عناق من المعزى ما لم تُتم سنة. ما يؤخذ من الحديث: ١- فيه تقديم الصلاة على الخطبة في صلاة العيد، وأن هذا هو سنة النبي ﷺ . ٢- وفيه أن من حضر الصلاة والذكر، ثم ذبح بعد الصلاة، فقد أصاب السنة، وحظى بالاتباع. ٣- وفيه أن حضور الصلاة من علامات قبول النسك. وأما من ذبح قبل الصلاة، فإن نسكه غير مقبول وغير مجزىء. ٤- وأن وقت الذبح يدخل بانتهاء الصلاة. قال ابن دقيق العيد: ولاشك أن الظاهرمن اللفظ أن المراد فعل الصلاة، وإرادة وقتها خلاف الظاهر، فالحديث نص على اعتبار الصلاة، ولم يعترض لاعتبار الخطبتين. اهـ فمن ذبح قبله فلا يجزئ عنه ولو كان جاهلا قبل دخول وقتها. ٥- وفيه أن يوم العيد يوم فرح وسرور، وأكل، وشرب، إذا أريد بذلك إظهار معنى العيد، فهو عبادة. ٦- أنه لا يجزئ في الهدى والأضاحي من المعزى، إلا ما تم له سنة. ٧- تخصيص النبي ﷺ أبا بردة بإجزاء العناق، فهو له من دون سائر الأمة. ٨- قال ابن دقيق العيد: وفيه دليل على أن المأمورات إذا وقعت على خلاف مقتضى الأمر لم يعذر فيها بالجهل، بخلاف المنهيات، فقد فرقوا في ذلك. فعذروا في المنهيات بالنسيان والجهل وقال الصنعاني: ويدل على ذلك أمره ﷺ المسيء في صلاته بإعادتها مع تصريحه بأنه لا يحسن سواها، وكذلك أمر من نحر قبل الصلاة بالإعادة، وهذه قاعدة نافعة.

стр. 237

الحديث الثالث عَنْ جُنْدُب بن عَبْدِ الله البجَليِّ ﵄ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ يومَ النَّحْرِ ثم خَطبَ ثُم ذَبَح وَقالَ: " مَنْ ذَبَح قَبلَ- أن يُصَلِّيَ فَلْيَذبح أخْرَى مَكَانَهَا، وَمَنْ لَمْ يَذبَح فَلْيَذبَحْ بِاسمِ الله. الغريب: البجلي: بفتح الباء والجيم منسوب إلى قبيلته (بَجِيلة (. فليذبح بسم الله: أي قائلاً: بسم الله، بدليل رواية (فَلْيذْبَحْ على اسْم الله) . المعنى الإجمالي: ابتدأ النبي ﷺ يوم النحر بالصلاة، ثم ثنى بالخطبة، ثم ثلث بالذبح وقال مبيناً لهم: من ذبح قبل أن يصلى، فاٍن ذبيحته لم تجزئ، فليذبح مكانها أخرى، ومن لم يذبح فليذبح بسم الله. مما دل على مشروعية هذا الترتيب الذي لا يجزئ غيره. وهذا الحديث أظهر وأدل من الحديث الذي قبله باعتبار دخول وقت الذبح بانتهاء صلاة العيد، لا بوقت الصلاة كما هو مذهب الشافعي، ولا بنحر الإمام كما هو مذهب مالك، وإنما بانتهاء الصلاة كما هو مذهب الحنفية والحنابلة. كما أن الحديث يدل على مشروعية ذكر اسم الله عند الذبح. ومعنى الحديث تقدم. خلاف العلماء: ذهب أبو حنيفة ومالك والثوري إلى أن الأضحية واجبة على الموسر لقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ وذهب الجمهور إلى أنها سنة مؤكدة. والأولى عدم تركها لمن قدر عليها لأن النبي ﷺ قال: " من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا ". الحديث الرابع عَنْ جَابر ﵁ قال: " شَهِدْتُ مَع رَسُولَ الله ﷺ يومَ العيد، فَبَدَأَ بالصلاة قَبْل الخُطْبَةِ بِلاَ أذَانٍ وَلاَ إقَامَةٍ، ثم قَامَ متَوَكِّئاً على بِلا ل، فَأمَرَ بِتَقوى الله وحَثَّ عَلىِ طَاعَتِهِ، ووَعَظَ الناس

стр. 238

وذكَّرهم، ثم مضى حتى أتى النِّساء فوعظهنَّ فقال يا معشر النِّساء: "تَصدَّقْنَ فإنَّكُنَّ أكثر حطب جهنَّم". فَقَامَتِ امْرَأة من سطة النِّسَاء سَفْعاءُ الخَدَّين فَقَالتْ: لمَ يا رَسُول الله؟ قال: " لأنَّكُنَّ تُكْثِرْنَ الشَّكَاة وتكفرن العشير ". قَال: فَجَعَلْن يَتَصَدَّقْن من حُليِّهِنَّ: يُلْقِينَ في ثَوْب بلاَل من أقْراطِهنَّ وخَواتِيمِهِنَّ. رواه مسلم. الغريب: سِطَة النساء: بكسر السين وفتح الطاء المخففة، أي جالسة وسطهن. سفعاء الخدين: قال في المحكم: السفَع السواد والشحوب. الشَّكاة: هي بفتح الشين والقصر، بمعنى الشكاية، وهي الشكوى. أقراطهن: هو جمع " قُرط " بضم القاف وهو ما يعلق بشحمة الأذن. متوكئا: متحاملاً. حث: حرض. لم: أصله لما وحذفت الألف من ما، الاستفهامية بسبب اللام. الحُلِىّ: جمعُ حَلي: وهو ما يتخذ للزينة من المعادن الكريمة. المعنى الإِجمالي: صلي النبي ﷺ بأصحابه صلاة العيد بلا أذان لها ولا إقامة فلما فرغ من الصلاة خطبهم فأمرهم بتقوى الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي ولزوم طاعة الله في السر والعلانية، وأن يتذكروا وعد الله ووعيده ليتعظوا بالرهبة والرغبة، ولكون النساء في معزل عن الرجال بحيث لا يسمعن الخطبة. وكان حريصاً على الكبير والصغير، رؤوفا بهم، مشفقاً عليهم. اتجه إلى النساء، ومعه بلال، فوعظهن، وذكرهن، وخصهن بزيادة موعظة وَبَيَّنَ لهن أنهن أكثر أهل النار، وأن طريق نجاتهن منها الصدقة لأنها تطفىء غضب الرب. فقامت امرأة جالسة في وسطهن وسألته عن سبب كونهن أكثر أهل النار ليتداركن ذلك بتركه فقال: لأنكن تكثرن الشكاة والكلام المكروه، وتجحدن الخير الكثير إذا قصر عليكن المحسن مرة واحدة. ولما كان نساء الصحابة رضى الله عنهم سبَّاقات إٍلي الخير وإلى الابتعاد عما يغضب الله أخذن يتصدقن بحليهن التي في أيديهن، وآذانهن، من الخواتم والقروط، يلقين ذلك في حجر بلال، محبة في رضوان الله وابتغاء ما عنده.

стр. 239

ما يؤخذ من الحديث: ١- البداءة بصلاة العيد قبل الخطبة، وتقدم. ٢- أنه ليس لصلاة العيد أذان ولا إقامة. ٣- استحباب كون الخطيب قائماً. ٤- أن يأمر الخطيب بتقوى الله تعالى، التي هي جماع فعل الأوامر وترك والنواهي مجملاً. ثم يفصّل من ذلك ما يناسب المقام. ٥- تذكريهم بلزوم التقوى والطاعة لله، بذكر الوعد والوعيد فالمقاصد التي ذكرت في الحديث من الأمر بتقوى الله والحث على طاعته والموعظة والتذكير هي مقاصد الخطبة، وقد عدها بعض العلماء أركان الخطبة الواجبة. ٦- إفراد النساء بموعظة، إذا كنّ بعيدات لا يسمعن الوعظ، أو كنَّ محتاجات لتذكير يخصهن. ٧- أن النساء كن يخرجن إلى صلاة العيد في عهد النبي ﷺ . ٨- أن يتنحَّيْنَ عن الرجال ولا يخالطهم في المساجد ولا غيرها. ٩- كون النساء أكثر الناس دخولا في النار بسبب شكواهن، وبسبب كفرهن نِعمَ الأزواج والمحسنين إليهن. ١٠- أن كلام الفاحش وكفر النعم سبب من دخول النار. ١١- أن الصدقة من أسباب النجاة من عذاب الله تعالى. ١٢- مخاطبة نساء الصحابة للنبي ﷺ فيما يهمهن أمره. ١٣- فقه نساء الصحابة وفهمهن، لأن هذه المتكلمة لما قال لهن النبي ﷺ " إنهن أكثر أهل النار" فهمت أن هذا ليس ظلما من الله وحاشاه، وإنما بسبب الذنوب، فسألت عن هذا السبب الموجب لهن ذلك. ١٤- مبادرتهن إلى فعل الخير، إذ أسرعن إلى الصدقة رغبة ورهبة من الله. ١٥- أن المرأة الرشيدة تتصدق من مالها بغير إذن زوجها، وهو قول جمهور العلماء. ١٦- أخذ منه جواز ثقب الأذن المرأة.

стр. 240

الحديث الخامس عَنْ أمِّ عَطِيَّة نُسيبة الأنصاريَّة ﵂ قالت: أمرنا تعني النبي ﷺ أن نُخْرِجَ في العيدين العواتق وذوات الخدورِ وأمر الحُيَّضَ أن يعتزلن مصلى المسلمين. وفي لفظ: كنا نُؤْمَرُ أن نخرج يوم العيد، حتى نخرج البكر من خِدْرها، وحتى نخرج الحُيَّض فيكبرن بتكبيرهم ويدعون بدعائهم يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته. غريب الحديث: العواتق: جمع " عاتق " المرأة الشابة أول ما تبلغ. ذوات الخدور: جمع " خدر " بكسر الخاء المعجمة أى سترها. وهو جانب من البيت، يجعل عليه سترة، يكون للجارية البكر. يدعون ويرجون: الواو في هذين الفعلين من أصل الفعل، وليست واو جماعة، حتى نخرج، حتى الأولى للغاية، وحتى الثانية للمبالغة. طهرته: أي حصول تطهير الذنوب فيه. المعنى الإجمالي: يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى من الأيام المفضلة، التي يظهر فيها شعار الإسلام وتتجلى أخوة المسلمين باجتماعهم وتراصِّهم، كل أهل بلد يلتمون في صعيد واحد إظهاراً لوحدتهم، وتألفِ قلوبهم، واجتماع كلمتهم على نصرة الإسلام، وإعلاء كلمة الله. وإقامة ذكر الله وإظهار شعائره. فيحل بهم من ألطاف الله وينزل عليهم من بركاته، ويشملهم من رحمته ما يليق بلطفه وجوده وإحسانه. لذا أمر النبي ﷺ وحضّ على الخروج، حتى على الفتيات المخدرات، والنساء الحيض، على أن يكن في ناحية بعيده عن المصلين، ليشهدن الخير ودعوة المسلمين فَيَنَلْنَ مِن خير ذلك المشهد، ويصيبهن من بركته، ما هن في أمسِّ الحاجة إليه، من رحمة الله ورضوانه. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في حكم صلاة العيد. فذهب الإمام " أحمد " في المشهور عنه إلى أنها فرض كفاية، إذا قام بها من يكفى سقطت عن الباقين. ودليله على هذا القول: أنها صلاة لم يشرع لها أذان ولا إقامة، فلم تجب على الأعيان.

стр. 241

وحديث الأعرابي الآتي، يدل على أنه لا يجب فرض عين إلا الصلوات الخمس. وذهب " مالك" و" الشافعي" في المشهور عند أصحابه إلى أنها سنة مؤكدة. ودليلهم كل هذا، حديث الأعرابي الذي ذكر له النبي ﷺ أن عليه خمس صلوات فقال: هل عَلَيَّ غيرهن؟ " قال: لا، إلا أن تطوع ". وذهب " أبو حنيفة " وروى عن الإمام " أحمد" واختاره شيخ الإسلام " ابن تيمية " إلى أنها فرض عين. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِربِّكَ وَانْحَرْ﴾ ﴿قد أفلحَ من تزكى. وَذَكَر اسْمَ ربِّهَ فَصلى﴾ في بعض أقوال المفسرين أن المراد بالصلاة في هاتين الآيتين، صلاة العيد. ولأمره بخروج العواتق والمخدرات، وأمرهم بصلاتها من الغد حين لم يعلموا برؤية الهلال إلا بعد انتهاء وقتها. والأمر في كل هذه الأدلة يقتضي الوجوب، وكذلك مداومته عليها وخلفاؤه من بعده. أما حديث الأعرابي، فليس فيه ما يدل على عدم وجوبها لأن سؤاله للنبي ﷺ وإجابته إياه بصدد ما يتكرر في اليوم والليلة من الصلوات المفروضات، لا ما يكون عارضا لسبب، كصلاتي العيدين اللتين هما شكر لله تعالى على توالى نعمه الخاصة، بصيام رمضان وقيامه، ونحر البدن، أداء المناسك. وشيخ الإسلام " ابن تيمية " يميل إلى وجوبها على النساء لظاهر حديث هذا الباب. ما يؤخذ من الحديث: ١- وجوب صلاة العيد حتى على النساء في ظاهر الحديث. على شرط ألا يخرجن متبرجات متعطرات لورود النهي عن ذلك. ولعله مستحب في حقهن ويكون أمرهن من باب الحضِّ على فعل الخير. ٢- وجوب اجتناب الحائض المسجد لئلا تلوثه. ٣- أن مصلى العيد له حكم المساجد. ٤- أن الحائض غير ممنوعة من الدعاء وذكر الله تعالى. ٥- فضل يوم العيد وكونه مرجوًّا لإجابة الدعاء، وسماع النداء من العَلِيِّ الأعلى.

стр. 242

التكبير في العيدين وهو ملخص من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية. وقته: أصح الأقوال في التكبير الذي عليه جمهور السلف والخلف والأئمة أن يكبر من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، عقب كل صلاة مفروضة، وعند خروجه إلى العيد. وهذا باتفاق الأئمة الأربعة. صفته: وصفة التكبير المنقول عن أكثر الصحابة ما روي مرفوعاً إلى النبي ﷺ : " الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر. الله أكبر، ولله الحمد"، ومن الفقهاء من يكبر ثلاثا فقط، ومنهم من يكبر ثلاثا ويقول: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" وهو مروي عن ابن عمر. واختار الأول أبو حنيفة وأحمد وغيرهما. ومن الناس من يثلثه أول مرة، ويشفعه ثاني مرة، ويعمل به طائفة من الناس. وقاعدتنا في هذا الباب أصح القواعد، وهي أن جميع صفات العبادات من الأقوال والأفعال إذا كانت مأثورة أثرا يصح التمسك به لم يكره شيء من ذلك، بل يشرع ذلك كله كما قلنا في أنواع صلاة الخوف ونوعى الأذان ونوعي الإقامة شفعها وإفرادها وأنواع التشهدات وأنواع الاستفتاحات وأنواع الاستعاذات وأنواع تكبيرات العيد الزوائد وأنواع صلاة الجنازة والقنوت بعد الركوع وقبله وغير ذلك، ومعلوم أنه لا يمكن المكلف أن يجمع في العبادات المتنوعة في الوقت الواحد والجمع بينها في مقام واحد من العبادة بدعة، وكذلك التلفيق والجمع بينها لا يشرع، والصواب التنويع في ذلك متابعة للنبي وإحياء لجميع سننه بعمل هذا مرة، وعمل الآخر مرة أخرى، ففيه تأليف قلوب الأمة وإحياء للسنة ومتابعة له ﷺ . التكبير عند الأمور الهامة قال ﵀: إذا كانت السنة قد جاءت بالتكبير في عيد النحر في صلاته وخطبته ودبر صلواته وعند رمي الجمار وعند الفراغ من الصيام وعند هدايته، فإنه ﷺ لما أشرف على خيبر قال: " الله أكبر خرجت خيبر "

стр. 243

وكان يكبر إذا أشرف على محل، وإذا ركب دابته، وإذا صعد الصفا والمروة، وجاء التكبير في الأذان والإقامة للصلاة وعند الدخول في الصلاة، وعند إطفاء الحريق، وشرع التكبير الدفع العدو ودفع الشياطين. وهذا كله يبين أن التكبير مشروع في المواضع الكبار لكثرة الجمع، أو لعظمة الفعل، أو لقوة الحال، أو نحو ذلك من الأمور الكبيرة، ليبين أن الله أكبر وتستولي كبرياؤه على القلوب، فيكون الدين كله لله، ويكون العباد له مكبرين، فيحصل لهم مقصودان: مقصود العبادة بتكبير قلوبهم لله، ومقصود الاستعانة بانقياد سائر المطالب لكبريائه، ولهذا شرع التكبير على الهداية والرزق والنصر، لأن هذه الثلاث أكبر ما يطلبه العبد، وهي مصالحه، فخض بصريح التكبير، لأنه أكبر نعمة الحق. فجماع هذا أن التكبير مشروع عند كل أمر كبير أهـ. ولهذا فإني أهيب بجميع المسلمين أن يفزعوا إلى التكبير عندما يعجبهم أمر، فهذا سنة نبيهم، وليس التصفيق الذي جاءنا من أعدائنا المستعمرين، وخاصة في اجتماعاتهم ومؤتمراتهم.

стр. 244

بَابُ صَلاَة الكسوف الكسوف والخسوف، يطلق الأول على ذهاب ضوء الشمس أو بعضه والثاني على ذهاب ضوء القمر أو بعضه في الغالب والفصيح. وللكسوف والخسوف أسباب عادية حسية، تدرك بعلم حساب سير الشمس والقمر، كما أن لهما أسباباً معنوية خفية، وكل من هذه الأسباب الحسية والمعنوية إلهي. فعندما تقتضي الحكمة الإلهية تغير شيء من آيات الله الكونية، كالكسوف والخسوف والزلازل، ليوقظ الناس من الغفلة من عبادته، أو يزجرهم عن ارتكاب مناهيه، يقدر الأسباب الحسية العادية لتغيير هذا النظام الكوني، من ذهاب نور أحد النورين. أو ثوران البراكين. وهبوب الرياح أو قصف الصواعق أو غير ذلك من آيات كونه. ليعلم العباد أن وراء هذه الأكوان العظيمة مدبراً قديراً، بيده كل شيء، وهو محيط بكل شيء. فهو قادر على أن يعاقبهم بآية من آياته الكونية، أهلك الأمم السابقة بالصواعق والرياح والطوفان والزلازل والخسوْف. كما أنه قادر على أن يسلبهم نور الشمس والقمر، فيظلوا في أرضهم يعمهون أو يصيبهم بالقحط، فتذوى أشجارهم، وتجف أنهارهم، ولينبههم على أن الكون في قبضته، فيرهبوا جنابه، ويخافوا عقابه. ولكننا قد أصبحنا في زمن المادة وطغيانها، فصار الناس لا يدركون من تغير هذه الآيات إلا المعاني المادية، ونسوا أو جهلوا، المعاني المعنوية من التحذير من عقاب الله، وتذكير نعمه فإنا لله وإنا إليه راجعون. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ما خلاصته: الخسوف والكسوف لهما أوقات مقدرة كما لطلوع الهلال وقت مقدر وذلك ما أجرى الله عليه أمره بالليل والنهار والشتاء والصيف وسائر ما يتبع جريان الشمس والقمر وذلك من آيات الله تعالى ﴿وهو الذي جعل الشمس ضياء وجعل القمر نورا وقدره منازل﴾ وقال: ﴿الشمس والقمر بحسبان﴾ وكما أن العادة التي أجراها الله تعالى أن الهلال لا يستهل إلا ليلة ثلاثين أو إحدى وثلاثين فكذلك أجرى الله العادة أن الشمس لا تكسف إلا وقت الإسرار وأن القمر لا يخسف إلا وقت الإبدار. لكن العلم في العادة في الهلال علم عام يشترك فيه جميع الناس وأما العلم بالعادة بالكسوف والخسوف فإنما يعرفه من يعرف حساب جريانها، وليس خبر الحاسب

стр. 245

بذلك من باب علم الغيب ولا من باب ما يخبر به الذي يكون كذبه به فيها أعظم من صدقه فإن ذلك قول بلا علم ثابت الذي نهى عن إتيانهم ومسألتهم. والعلم بوقت الكسوف والخسوف وإن كان ممكنا لكن المخبر المعين قد يكون عالما بحسابه وقد لا يكون، فإذا تواطأ خبر أهل الحساب على ذلك فلا يكادون يخطئون ومع هذا فلا يترتب على خبرهم علم شرعي فإن صلاة الكسوف والخسوف لا تصلى إلا إذا شوهد ذلك، وإذا جوز الإنسان صدق المخبر بذلك أو غلب على ظنه فنوي أن أن يصلي الكسوف والخسوف عند ذلك واستعد ذلك الوقت لرؤية ذلك كان هذا من باب المسارعة إلى طاعة الله تعالى وعبادته فإن الصلاة عند الكسوف متفق عليها بين المسلمين وقد تواترت بها السنن عن النبي ﷺ . الحديث الأول عَنْ عَاِئشَةَ ﵂: أنَّ الشَّمس خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فَبَعَثَ مُنَادياً يُنَادِي: الصلاَةَ جَامِعَة، فَاجتَمَعُوا. وَتَقَدَّمَ فَكَبرَّ وَصلَّى أربَعَ رَكَعَاتٍ في ركعَتَين وَأربعَ سَجَدَاتٍ. الغريب: خسفت: جوز فيه فتح الخاء والسين وضم الخاء وكسر السين. الصلاة جامعة: نصب الأول على الإغراء، والثاني على الحال، وفيها غير هذا الإعراب، ولكن هذا هو الأولى. المعنى الإجمالي: خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ فبعث منادياً في الشوارع والأسواق ينادى الناس (الصلاة جامعة) ليصلوا ويدعو الله ﵎ أن يغفر لهم ويرحمهم وأن يديم عليهم نعمه الظاهرة والباطنة. واجتمعوا في مسجده ﷺ وتقدم بلا إقامة، فكبر وصلى ركعتين في سجدتين، وركعتين في سجدتين كما يأتي تفصيل ذلك في حديث عائشة ﵂. ما يؤخذ من الحديث: ١- وجود خسوف الشمس على عهد رسول الله ﷺ . ٢- استحباب الصلاة عند الخسوف، ونقل النووي الإجماع على أنها سنة.

стр. 246

٣- مشروعية الاجتماع لها لأجل التضرع والدعاء، والمبادرة بالتوبة والاستغفار لأن سبب ذلك الذنوب. ٤- أنه ليس لها أذان، وإنما ينادى لها بـ"الصلاة جامعة". ٥- أن صلاة الكسوف أربع ركعات، وأريع سجدات، ويأتي تفصيل ذلك وكيفيته إن شاء الله تعالى. الحديث الثاني عن أبي مسَعُودٍ، عُقْبَةَ بن عَامِر الأنصَارِيِّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إنَّ الشَّمسَ وَالقَمَرَ آيتان مِنْ آيات الله، يُخَوِّفُ الله بِهمَا عِبادَهُ، وَإِنَّهُمَا لا ينكَسِفَانِ لمَوْتِ أحَدٍ مِنَ النَّاسَ وَلاَ لحَيَاتِهِ، فَإذَا رَأيتم ْ مِنْهُمَا شَيْئَاً فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَابكم. المعنى الإجمالي: بين ﷺ أن الشمس والقمر من آيات الله الدالة على قدرته وحكمته، وأن تغيُّر نظامهما الطبيعي، لا يكون لحياة العظماء أو موتهم كما يعتقد أهل الجاهلية. وإنما يكون ذلك لأجل تخويف العباد، فيجددوا التوبة والإنابة إلى الله تعالى. ولذا أرشدهم أن يفزعوا إلى الصلاة والدعاء، حتى ينكشف ذلك عنهم وينجلي. ولله في كونه أسرار وتدبير. ما يؤخذ من الحديث: ١- مشروعية الصلاة والدعاء عند الكسوف والخسوف، رجوعاً إلى الله. ٢- أن انتهاء الصلاة يكون بالتجلي فإن انتهت قبل التجلي تضرعوا ودعوا، حتى يزول ذلك، فإنه لم يرد في إعادتها شيء. ٣- ظاهر الحديث أنهم يصلون، ولو صادف وقت نَهْي وهو الصحيح. لأنها من ذوات الأسباب التي تصلي عند وجود سببها مطلقا. وتقدم الخلاف في هذه الصلاة ونظائرها في " باب المواقيت". ٤- أن الحكمة في إيجاد الكسوف أو الخسوف، هو تخويف العباد، وإنذارهم بعقاب الله تعالى، وإزعاج القلوب الساكنة بالغفلة وإيقاظها وإطلاع الناس على نموذج مما يقع يوم القيامة، والإعلام أنه يؤخذ بالذنب من لا ذنب له، ليحذر المذنب من ذنبه،

стр. 247

ويحذّر المطيعُ العاصيَ، وكل هذه المعاني الروحية لا تنافي وجود الأسباب المادية العادية. وقد تقدم شرح ذلك. الحديث الثالث عَنْ عَائِشةَ ﵂ قَالَتْ: خَسَفَتِ الشمسُ عَلَى عَهدِ رَسُول الله ﷺ . فَقَامَ فَصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ بالنَّاس فَأطَالَ القِيَام، ثُمَّ رَكَعَ فَأطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأطَالَ القيَامَ وَهو دُونَ القِيَام الأوَّلِ، ثم رَكَعَ فَأطَالَ الرُّكوعَ وهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُم سَجَدَ فَأطَالَ السُّجُودَ، ثم فَعَلَ في الركعَةِ الأخْرَى مِثْل مَا فَعَل في الركْعَةِ الأولى، ثُمَّ انصرَفَ وَقَدْ انجَلتِ الشَّمْسُ، فَخَطبَ الناسَ فَحَمِدَ الله وأثنَى عَليهِ ثم قالَ: " إن الشَّمس والقَمَر آيتانِ مِنْ آيَاتِ الله لاَ تنْخَسِفَانِ لِمَوتِ أحد. وَلاَ لِحَيَاتِهِ. فَإذَا رَأيتمْ ذلك فَادعُوا الله وَكبروا وَصَلُّوا وَتَصَدَّ قوا". ثم قال: " يَا أمةَ مُحمَّد ": والله مَا مِنْ أحَد أغَْيَرُ مِنَ الله سُبْحَانَهُ من أن يَزْنَي عَبْدُهُ أوْ تَزني أمَتُهُ. يَا أمةَ مُحَمد، وَالله لو تَعْلمُونَ مَا أعلم لضَحكْتُمْ قَليلاً وَلَبَكَيتم كثِيراً ". وفي لفظ: فَاستكْمَلَ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأرْبَع سَجَدات. الغريب: أغير: يجوز فيه الرفع على أن (ما) تميمية، والنصب على جعلها حجازية. وهو الأولى. و (من) زائدة مؤكدة في الوجهين. و" أغير" أفعل تفضيل من " الغيرة "- بالفتح- وهى في الأصل، تغير يحصل من الحمية والأنفة، ونثبتها لله إثباتاً يليق بجلاله. المعنى الإجمالي: خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فقام فصلى بالناس فأطال القيام، بحيث قدر بقراءة سورة " البقرة " ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فقال: " سمع الله لمن حمده، رَبنا ولك الحمد" فقرأ قراءة طويلة دون القراءة الأولى. ثم ركع فأطال الركوع، وهو أخف من الركوع الأول ثم سمَّع وحمَّد، ثم سجد وأطال السجود، ثم فعل في الركعة الثالثة مثل الأولى، حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات، ثم انصرف من الصلاة، وقد انجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه. وحدث أن صادف ذلك اليوم الذي حصل فيه الخسوف موت ابنه " إبراهيم " فقال بعضهم: كسفت لموت إبراهيم، جرياً على عادتهم في الجاهلية من أنها لا تكسف

стр. 248

إلا لموت عظيم أو حياة عظيم. أراد النبي ﷺ من نصحه وإخلاصه في أداء رسالته، ونفع الخلق- أن يزيل ما علق بأذهانهم من هذه الخرافات، التي لا تستند لا إلى نقل صحيح، ولا عقل سليم. فقال في خطبته: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما يجريهما الله تعالى بقدرته لِيخوفَ بهما عباده، ويذكرهم نعَمَه. فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الله تعالى تائبين منيبين، وادعوا، وصلوا، وكبروا، وتصد قوا. ثم أخذ ﷺ يفصل لهم شيئاً من معاصي الله الكبار، التي توجب غضبه وعقابه. ويقسم في هذه الموعظة- وهو الصادق المصدوق- يا أمة محمد، والله، ما من أحد أغير من الله سبحانه أن يزني عبده، أو تزني أمته. ثم بين أنهم لا يعلمون عن عذاب الله إلا قليلاً، ولو علموا ما علمه ﷺ لأخذهم الخوف والفرق، ولضحكوا سروراً قليلا، وليبكوا واغتموا كثيراً. ربنا أجرنا من عذابك، وارحمنا برحمتك، التي وسعت كل شيء، ووالدينا، ومشايخنا، وأقاربنا، والمسلمين أجمعين، آمين. تنبيه: تلاحظ أن في صفة صلاة الكسوف تفصيلاً لا يوجد في الحديث الذي معنا، وقد أخذته من الرواية الأخرى عن عائشة الموجودة في الصحيحين أيضا لتكمل الفائدة. تنبيه آخر: وردت صلاة الكسوف على كيفيات متعددة. منها الأمر بالصلاة مجملا. ومنها ركعتان، ومنها أربع ركعات، ومنها ست ركعات، ومنها ثمان ركعات، ومنها عشر ركعات.

стр. 249

وفي كل هذه الوجوه، لم يرد إلا أربع سجدات رويت هذه الأوجه المتعددة مع أن الخسوف لم يقع إلا مرة واحدة في زمن النبي ﷺ لذا رجح الأئمة الكبار والمحققون، حديث عائشة الذي معنا على غيره من الروايات وهو أربع ركعات، وأربع سجدات، وماعداها فقد ضعفه الأئمة "أحمد" و" البخاري " و " الشافعي "، وكذلك شيخ الإسلام " ابن تيمية ". اختلاف العلماء: اختلف العلماء: هل لصلاة الكسوف خطبة مستحبة أو لا؟. فذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة إلى أنه ليس لها خطبة. وذهب الشافعي، وإسحاق، وكثير من أهل الحديث: إلى استحبابها لهذه الأحاديث. والأرجح، التفصيل. وهو أنه، إن احتيج إلى الخطبة وإلى موعظة الناس وتبيين أمر لهم استحبت كفعل النبي ﷺ لما قال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم. وان لم يكن ثَمَّ حاجة، فليس هناك إلا الدعاء، والاستغفار، والصلاة. ما يؤخذ من الحديث: ١- وجود خسوف الشمس على عهد رسول الله ﷺ . ٢- مشروعية الصلاة، والجمهور على أنها سنة مؤكدة. ٣- الإتيان بالصلاة على الوصف المذكور في هذا الحديث وقد فصلناها بالشرح مستمدين بعض التفصيلات من الرواية الأخرى في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها. ٤- مشروعية التطويل بقيامها، وركوعها، وسجودها. ٥- كون كل ركعة أقل من التي قبلها، دفعا للضجر والسآَمة. ٦- أن يكون ابتداء وقت الصلاة من الكسوف، وانتهاؤها بالتجلي. ٧- مشروعية الخطبة إذا دعت الحاجة إليها. ٨- ابتداء الخطبة بحمد الله، والثناء عليه، لأنه من الأدب. ٩- بيان أن الشمس والقمر من آيات الله الكونية، الدالة على قدرته وحكمته. ١٠- كون الكسوف يحدث لتخويف العباد، وتحذيرهم عقاب الله تعالى. وقد قلنا: إن هذا لا ينافي الأسباب العادية. ١١- إزالة ما علق بأذهان أهل الجاهلية من أن الكسوف والخسوف، أو انقضاض الكواكب، إنما هو لموت العظماء أو لحياتهم.

стр. 250

١٢- الأمر بالدعاء، والصلاة، والصدقة، عند حدوث الكسوف أو الخسوف. ١٣- أن فعل هذه العبادات، يقي من عذاب الله وعقابه. ١٤- تحذير النبي ﷺ من الزنا، وأنه من الكبائر، التي يغار الله تعالى عند ارتكابها. ١٥- إثبات صفة الغيرة لله تعالى، إثباتا يليق بجلاله- بلا تعطيل ولا تأويل. ولا تشبيه. قال الصنعاني رحمه الله تعالى: إذا وردت صفة من صفات الله تعالى موهمة بمشابهة المخلوقين كورود لفظ اليد والعين ونحوهما، ومنه الغيرة فقد اختلف العلماء في تلك الصفة هل يؤمن بها مع القطع بأنه تعالى ليس كمثله شيء في صفاته ولا ذاته، ويوكل معرفة كيفيتها وكيفية تعلقها بالله تعالى إلى الله ونجريها على ما أجراه الله تعالى ورسوله من غير تأويل ولا تكييف؟ وهو مذهب سلف هذه الأمة، والتأويل طريقة المتأخرين، والحق أن الأولى بالمؤمن اتباع الطبقة الأولى، فإنه لا يحيط بالصفة وكيفيتها إلا من أحاط بكيفية ذات الموصوف، فكل صفاته يجب الإيمان بها من غير تكييف ولا تشبيه ولا تأويل. اهـ بتصرف يسير. ١٦- شدة ما أعده الله من العذاب لأهل المعاصي، مما لا يعلمه الناس، ولو علموه لاشتد خوفهم وقلقهم فقد رجح ما يوجب الخوف على ما يوجب الرجاء، لما جبلت عليه النفوس من الميل والإخلاد إلى الشهوات، وهو مرض خطير، لابد أن يقابل بما يضاده من التحذير والتخويف. ١٧- أن الله يطلع نبيه ﷺ على علوم من الغيب، لا تحتمل الأمة علمها. الحديث الرابع عن أبي مُوسى الأشْعَرِي ﵁ قَالَ: خَسَفَتِ الشمس عَلَى زَمَانِ رَسُولَ الله ﷺ فَقَامَ فزعاً يَخْشىَ أن تكون الساعَةُ، حَتى أتى المَسْجِدَ فَقَامَ فَصَلَّى بأطْوَلِ قيام، وَرُكُوع وسُجُوِدٍ، مَا رَأيتُهُ يَفْعَلهُ في صَلاَةٍ قَطُّ، ثم قال: " إنَّ هذهِ الآيات التي يُرْسِلها الله تَعَالى لا تَكون لموتِ أحد وَلا لحَيَاتِهِ، وَلكنَّ الله يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بهَا عِبَادَهُ، فَإذَا رَأيتم مِنْهَا شَيْئا فَافزعُوا إلى ذِكر الله وَدعَائِهِ واسْتِغْفَارهِ ". الغريب: ١- أن تكون الساعة: - يجوز في " الساعة " الرفع، على أن " تكون " تامة، والنصب على أنها ناقصة.
следующие страницы →