٣- مشروعية الاجتماع لها لأجل التضرع والدعاء، والمبادرة بالتوبة والاستغفار لأن سبب ذلك الذنوب.
٤- أنه ليس لها أذان، وإنما ينادى لها بـ"الصلاة جامعة".
٥- أن صلاة الكسوف أربع ركعات، وأريع سجدات، ويأتي تفصيل ذلك وكيفيته إن شاء الله تعالى.
الحديث الثاني
عن أبي مسَعُودٍ، عُقْبَةَ بن عَامِر الأنصَارِيِّ ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : " إنَّ الشَّمسَ وَالقَمَرَ آيتان مِنْ آيات الله، يُخَوِّفُ الله بِهمَا عِبادَهُ، وَإِنَّهُمَا لا ينكَسِفَانِ لمَوْتِ أحَدٍ مِنَ النَّاسَ وَلاَ لحَيَاتِهِ، فَإذَا رَأيتم ْ مِنْهُمَا شَيْئَاً فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يَنْكَشِفَ مَابكم.
المعنى الإجمالي:
بين ﷺ أن الشمس والقمر من آيات الله الدالة على قدرته وحكمته، وأن تغيُّر نظامهما الطبيعي، لا يكون لحياة العظماء أو موتهم كما يعتقد أهل الجاهلية.
وإنما يكون ذلك لأجل تخويف العباد، فيجددوا التوبة والإنابة إلى الله تعالى.
ولذا أرشدهم أن يفزعوا إلى الصلاة والدعاء، حتى ينكشف ذلك عنهم وينجلي. ولله في كونه أسرار وتدبير.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية الصلاة والدعاء عند الكسوف والخسوف، رجوعاً إلى الله.
٢- أن انتهاء الصلاة يكون بالتجلي فإن انتهت قبل التجلي تضرعوا ودعوا، حتى يزول ذلك، فإنه لم يرد في إعادتها شيء.
٣- ظاهر الحديث أنهم يصلون، ولو صادف وقت نَهْي وهو الصحيح. لأنها من ذوات الأسباب التي تصلي عند وجود سببها مطلقا.
وتقدم الخلاف في هذه الصلاة ونظائرها في " باب المواقيت".
٤- أن الحكمة في إيجاد الكسوف أو الخسوف، هو تخويف العباد، وإنذارهم بعقاب الله تعالى، وإزعاج القلوب الساكنة بالغفلة وإيقاظها وإطلاع الناس على نموذج مما يقع يوم القيامة، والإعلام أنه يؤخذ بالذنب من لا ذنب له، ليحذر المذنب من ذنبه،
стр. 247
ويحذّر المطيعُ العاصيَ، وكل هذه المعاني الروحية لا تنافي وجود الأسباب المادية العادية. وقد تقدم شرح ذلك.
الحديث الثالث
عَنْ عَائِشةَ ﵂ قَالَتْ: خَسَفَتِ الشمسُ عَلَى عَهدِ رَسُول الله ﷺ . فَقَامَ فَصَلَّى رَسُولُ الله ﷺ بالنَّاس فَأطَالَ القِيَام، ثُمَّ رَكَعَ فَأطَالَ الرُّكُوعَ، ثُمَّ قَامَ فَأطَالَ القيَامَ وَهو دُونَ القِيَام الأوَّلِ، ثم رَكَعَ فَأطَالَ الرُّكوعَ وهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأوَّلِ، ثُم سَجَدَ فَأطَالَ السُّجُودَ، ثم فَعَلَ في الركعَةِ الأخْرَى مِثْل مَا فَعَل في الركْعَةِ الأولى، ثُمَّ انصرَفَ وَقَدْ انجَلتِ الشَّمْسُ، فَخَطبَ الناسَ فَحَمِدَ الله وأثنَى عَليهِ ثم قالَ:
" إن الشَّمس والقَمَر آيتانِ مِنْ آيَاتِ الله لاَ تنْخَسِفَانِ لِمَوتِ أحد. وَلاَ لِحَيَاتِهِ. فَإذَا رَأيتمْ ذلك فَادعُوا الله وَكبروا وَصَلُّوا وَتَصَدَّ قوا".
ثم قال: " يَا أمةَ مُحمَّد ": والله مَا مِنْ أحَد أغَْيَرُ مِنَ الله سُبْحَانَهُ من أن يَزْنَي عَبْدُهُ أوْ تَزني أمَتُهُ. يَا أمةَ مُحَمد، وَالله لو تَعْلمُونَ مَا أعلم لضَحكْتُمْ قَليلاً وَلَبَكَيتم كثِيراً ".
وفي لفظ: فَاستكْمَلَ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَأرْبَع سَجَدات.
الغريب:
أغير: يجوز فيه الرفع على أن (ما) تميمية، والنصب على جعلها حجازية. وهو الأولى.
و (من) زائدة مؤكدة في الوجهين.
و" أغير" أفعل تفضيل من " الغيرة "- بالفتح- وهى في الأصل، تغير يحصل من الحمية والأنفة، ونثبتها لله إثباتاً يليق بجلاله.
المعنى الإجمالي:
خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فقام فصلى بالناس فأطال القيام، بحيث قدر بقراءة سورة " البقرة " ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فقال: " سمع الله لمن حمده، رَبنا ولك الحمد" فقرأ قراءة طويلة دون القراءة الأولى.
ثم ركع فأطال الركوع، وهو أخف من الركوع الأول ثم سمَّع وحمَّد، ثم سجد وأطال السجود، ثم فعل في الركعة الثالثة مثل الأولى، حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات، ثم انصرف من الصلاة، وقد انجلت الشمس، فخطب الناس، فحمد الله وأثنى عليه.
وحدث أن صادف ذلك اليوم الذي حصل فيه الخسوف موت ابنه " إبراهيم " فقال بعضهم: كسفت لموت إبراهيم، جرياً على عادتهم في الجاهلية من أنها لا تكسف
стр. 248
إلا لموت عظيم أو حياة عظيم.
أراد النبي ﷺ من نصحه وإخلاصه في أداء رسالته، ونفع الخلق- أن يزيل ما علق بأذهانهم من هذه الخرافات، التي لا تستند لا إلى نقل صحيح، ولا عقل سليم.
فقال في خطبته: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، وإنما يجريهما الله تعالى بقدرته لِيخوفَ بهما عباده، ويذكرهم نعَمَه.
فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الله تعالى تائبين منيبين، وادعوا، وصلوا، وكبروا، وتصد قوا.
ثم أخذ ﷺ يفصل لهم شيئاً من معاصي الله الكبار، التي توجب غضبه وعقابه.
ويقسم في هذه الموعظة- وهو الصادق المصدوق- يا أمة محمد، والله، ما من أحد أغير من الله سبحانه أن يزني عبده، أو تزني أمته.
ثم بين أنهم لا يعلمون عن عذاب الله إلا قليلاً، ولو علموا ما علمه ﷺ لأخذهم الخوف والفرق، ولضحكوا سروراً قليلا، وليبكوا واغتموا كثيراً.
ربنا أجرنا من عذابك، وارحمنا برحمتك، التي وسعت كل شيء، ووالدينا، ومشايخنا، وأقاربنا، والمسلمين أجمعين، آمين.
تنبيه:
تلاحظ أن في صفة صلاة الكسوف تفصيلاً لا يوجد في الحديث الذي معنا، وقد أخذته من الرواية الأخرى عن عائشة الموجودة في الصحيحين أيضا لتكمل الفائدة.
تنبيه آخر:
وردت صلاة الكسوف على كيفيات متعددة.
منها الأمر بالصلاة مجملا.
ومنها ركعتان، ومنها أربع ركعات، ومنها ست ركعات، ومنها ثمان ركعات، ومنها عشر ركعات.
стр. 249
وفي كل هذه الوجوه، لم يرد إلا أربع سجدات رويت هذه الأوجه المتعددة مع أن الخسوف لم يقع إلا مرة واحدة في زمن النبي ﷺ لذا رجح الأئمة الكبار والمحققون، حديث عائشة الذي معنا على غيره من الروايات وهو أربع ركعات، وأربع سجدات، وماعداها فقد ضعفه الأئمة "أحمد" و" البخاري " و " الشافعي "، وكذلك شيخ الإسلام " ابن تيمية ".
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء: هل لصلاة الكسوف خطبة مستحبة أو لا؟.
فذهب الحنفية، والمالكية، والحنابلة إلى أنه ليس لها خطبة.
وذهب الشافعي، وإسحاق، وكثير من أهل الحديث: إلى استحبابها لهذه الأحاديث.
والأرجح، التفصيل. وهو أنه، إن احتيج إلى الخطبة وإلى موعظة الناس وتبيين أمر لهم استحبت كفعل النبي ﷺ لما قال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم.
وان لم يكن ثَمَّ حاجة، فليس هناك إلا الدعاء، والاستغفار، والصلاة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- وجود خسوف الشمس على عهد رسول الله ﷺ .
٢- مشروعية الصلاة، والجمهور على أنها سنة مؤكدة.
٣- الإتيان بالصلاة على الوصف المذكور في هذا الحديث وقد فصلناها بالشرح مستمدين بعض التفصيلات من الرواية الأخرى في الصحيحين عن عائشة رضى الله عنها.
٤- مشروعية التطويل بقيامها، وركوعها، وسجودها.
٥- كون كل ركعة أقل من التي قبلها، دفعا للضجر والسآَمة.
٦- أن يكون ابتداء وقت الصلاة من الكسوف، وانتهاؤها بالتجلي.
٧- مشروعية الخطبة إذا دعت الحاجة إليها.
٨- ابتداء الخطبة بحمد الله، والثناء عليه، لأنه من الأدب.
٩- بيان أن الشمس والقمر من آيات الله الكونية، الدالة على قدرته وحكمته.
١٠- كون الكسوف يحدث لتخويف العباد، وتحذيرهم عقاب الله تعالى. وقد قلنا: إن هذا لا ينافي الأسباب العادية.
١١- إزالة ما علق بأذهان أهل الجاهلية من أن الكسوف والخسوف، أو انقضاض الكواكب، إنما هو لموت العظماء أو لحياتهم.
стр. 250
١٢- الأمر بالدعاء، والصلاة، والصدقة، عند حدوث الكسوف أو الخسوف.
١٣- أن فعل هذه العبادات، يقي من عذاب الله وعقابه.
١٤- تحذير النبي ﷺ من الزنا، وأنه من الكبائر، التي يغار الله تعالى عند ارتكابها.
١٥- إثبات صفة الغيرة لله تعالى، إثباتا يليق بجلاله- بلا تعطيل ولا تأويل. ولا تشبيه. قال الصنعاني رحمه الله تعالى: إذا وردت صفة من صفات الله تعالى موهمة بمشابهة المخلوقين كورود لفظ اليد والعين ونحوهما، ومنه الغيرة فقد اختلف العلماء في تلك الصفة هل يؤمن بها مع القطع بأنه تعالى ليس كمثله شيء في صفاته ولا ذاته، ويوكل معرفة كيفيتها وكيفية تعلقها بالله تعالى إلى الله ونجريها على ما أجراه الله تعالى ورسوله من غير تأويل ولا تكييف؟ وهو مذهب سلف هذه الأمة، والتأويل طريقة المتأخرين، والحق أن الأولى بالمؤمن اتباع الطبقة الأولى، فإنه لا يحيط بالصفة وكيفيتها إلا من أحاط بكيفية ذات الموصوف، فكل صفاته يجب الإيمان بها من غير تكييف ولا تشبيه ولا تأويل. اهـ بتصرف يسير.
١٦- شدة ما أعده الله من العذاب لأهل المعاصي، مما لا يعلمه الناس، ولو علموه لاشتد خوفهم وقلقهم فقد رجح ما يوجب الخوف على ما يوجب الرجاء، لما جبلت عليه النفوس من الميل والإخلاد إلى الشهوات، وهو مرض خطير، لابد أن يقابل بما يضاده من التحذير والتخويف.
١٧- أن الله يطلع نبيه ﷺ على علوم من الغيب، لا تحتمل الأمة علمها.
الحديث الرابع
عن أبي مُوسى الأشْعَرِي ﵁ قَالَ: خَسَفَتِ الشمس عَلَى زَمَانِ رَسُولَ الله ﷺ فَقَامَ فزعاً يَخْشىَ أن تكون الساعَةُ، حَتى أتى المَسْجِدَ فَقَامَ فَصَلَّى بأطْوَلِ قيام، وَرُكُوع وسُجُوِدٍ، مَا رَأيتُهُ يَفْعَلهُ في صَلاَةٍ قَطُّ، ثم قال:
" إنَّ هذهِ الآيات التي يُرْسِلها الله تَعَالى لا تَكون لموتِ أحد وَلا لحَيَاتِهِ، وَلكنَّ الله يُرْسِلُهَا يُخَوِّفُ بهَا عِبَادَهُ، فَإذَا رَأيتم مِنْهَا شَيْئا فَافزعُوا إلى ذِكر الله وَدعَائِهِ واسْتِغْفَارهِ ".
الغريب:
١- أن تكون الساعة: - يجوز في " الساعة " الرفع، على أن " تكون " تامة، والنصب على أنها ناقصة.
стр. 251
٢- فزعا: منصوب على الحال، ووجه فزعه أن تكون الساعة.
٣- " فافزعوا" بفتح الزاى. قال في "المجمل": فزعت، وافزعني أي لجأت وأغاثني.
وقال المبرد في " الكامل ": الفزع في كلام العرب على وجهين: أحدهما ما تستعمله العامة، يريد ون به الذعر. والآخر، الالتجاء والاستصراخ.
المعنى الإجمالي:
كان من عادة النبي ﷺ إذا حصل تغيُّرٌ في العوالم الكونية، من ريح شديدة، أو رَعْد قاصف، أو كسوف أو خسوف، حصل عنده خوف من عذاب الله تعالى أن يحل بهذه الأمة ما حل بالأمم السابقة ممن أهلك بالصواعق أو الريح أو الطوفان.
ولذا لما حصل خسوف الشمس، قام فزعاً، لأن معرفته الكاملة بربه، أوجبت له أن يصير منه كثير الخوف وشديد المراقبة.
فدخل المسجد، فصلى بالناس صلاة الكسوف، فأطال فيهم إطالة لم تعهد من قبلُ إظهاراً للتوبة والإنابة.
فلما فرغ المصطفى من مناشدته ربه ومناجاته، توجه إلى الناس يعظهم، ويبين لهم أن هذه الآيات يرسلها الله عبرة لعباده، وتذكيراً وتخويفاً، ليبادروا إلى الدعاء، والاستغفار، والذكر، والصلاة.
وتقدمت أحكام هذا الحديث بالذي قبله.
قال ابن دقيق العيد: قوله: " فافزعوا " إشارة إلى المبادرة إلى ما أمر به، وتنبيِه على الالتجاء إلى الله تعالى عند المخاوف بالدعاء والاستغفار وإشارة إلى أن الذنوب تسبب البلايا والعقوبات العاجلة والآجلة، إشارة إلى أن الاستغفار والتوبة سببان لمحو الذنوب، وسبب لزوال المخاوف.
стр. 252
بَابُ الاستِسقَاء
هو لغة: طلبك السقيا لنفسك أو لغيرك.
وشرعا: طلبها من الله تعالى عند حصول الجدب على وجه مخصوص.
صلاة الاستسقاء من ذوات الأسباب التي تشرع عند وجود سببها كالكسوف، وصلاة الجنازة.
وسببها: تضرر الناس بالقحط من انقطاع الأمطار، أو تغَوُّر الآبار، أو جفاف الأنهار.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بن عَاصِم المَازنيِّ قال: خَرَج النبي صلى الله يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إلى القِبلَةِ يَدْعُو، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكعَتَين جَهَرَ فِيهِمَا بالقِرَاءَةِ، وفي لفظ: أتَى المُصَلَّى (١) .
المعنى الإجمالي:
لما أجدبت الأرض في عهد النبي ﷺ ، خرج بالناس إلى الصحراء، ليطلب السقيا من الله تعالى.
فتوجه إلى القبلة، مظنة قبول الدعاء، وأخذ يدعو الله أن يغيث المسلمين، ويزيل ما بهم من قحط.
وتفاؤلا بتحول حالهم من الجدب إلى الخصب، ومن الضيق إلى السعة، حوَّل رداءه من جانب إلى آخر، ثم صلى بهم صلاة الاستسقاء ركعتين، جهر فيهما بالقراءة لأنها صلاة جامعة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية صلاة الاستسقاء، وأجمع العلماء على استحبابها اٍلا أبا حنيفة فإنه يرى أن الاستسقاء يشرع بمجرد الدعاء، وخالفه أصحابه.
٢- أنه يشرع لها خطبة، تشتمل على ما يناسب الحال، من الاستغفار، والتضرع، والدعاء، والزجر عن المظالم والأمر بالتوبة.
٣- أن تكون الخطبة قبل الصلاة، وقد ورد في بعض الأحاديث.
ففي مسند الإمام أحمد أنه يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وهو مذهب جمهور العلماء من الشافعية والحنابلة وغيرهم.
стр. 253
وعن الإمام أحمد في ذلك ثلاث روايات:
أ- تقديم الصلاة. ب- عكسها. جـ- وجواز الأمرين.
٤- استقبال القبلة عند الدعاء، لأنها مظنة الإجابة.
٥- مشروعية تحويل الرداء أثناء الدعاء، تفاؤلاً بتحول حالهم من القحط والجدب إلى الرخاء والخصب.
٦- الجهر في صلاة الاستسقاء بالقراءة، وهذا شأن كل صلاة تكون جامعة، كالجمعة، والعيدين، والكسوف.
٧- أن تكون صلاتها في الصحراء، لتتسع للناس، وليبرزوا بضعفهم، وعجزهم أمام الله تعالى، مادِّين يدَ الافتقار والذلِّ.
الحديث الثاني
عَن أنس بن مَالِك: أنَّ رَجُلا دَخَلَ المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ مِنْ بابٍ كَانَ نَحْوَ دَارِ القَضَاءِ، وَرَسُولُ الله ﷺ قَاِئمٌ يَخطبُ.
فاستقْبَلَ رَسُولَ الله ﷺ قَاِئماَ ثمَّ قَال: يَا رسُولَ الله، هَلَكَتِ الأموَالُ وَانقَطعتِ السُّبُلُ فادع الله يُغِثْنَا.
قال: فَرَفَعَ رَسُولُ الله ﷺ يَدَيْهِ ثمَّ قَالَ: " اللهُمَّ أًغِثنا، الّلهُمَّ أغِثنا، اللهُم أغثنا ".
قال أنس: فَلاَ وَالله مَا نَرَى في السمَاءِ مِنْ سَحَاب وَلاَ قزَعةٍ وَمَا بيننَا وَبَين سَلع مِنْ بَبْتِ وَلاَ دَارٍ.
قال: فَطَلَعَت مِنْ وَرَاَئِهِ سَحَابَة مِثلُ التُّرس، فَلمَّا تَوَسطَتِ السمَاءَ، انتشرَتْ ثُمَّ أمطَرَتْ.
قَال: فَلا والله مَا رأينا الشمسَ سَبْتاَ.
قال: ثم دَخَلَ رَجل مِنْ ذلِكَ البَابِ في الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ، وَرَسُولُ الله قائم يخطبُ فَاستقْبَلَهُ قَاِئما فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله هَلَكتِ الأموَالُ وَانقَطَعَتِ السبلُ، فَادعُ الله يُمسِكْهَا عَنَّا.
قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ الله ﷺ يَدَيْهِ ثم قَالَ: " الَلهُم حوَالينا وَلا عَلَينا، الّلهُم عَلى الآكام وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأوْدِية وَمَنَابِتِ الشجَرِ " قال: فاقلعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشى في الشَّمس.
قال شَريك: فَسَألتُ اُنسَ بنَ مَالكٍ أهُوَ الرجُلُ الأول؟ قال: لاَ أدرِى.
الظِّراب: الجبال الصغار. و "والآكام " جمع " أكمة " وهي أعلى من الرابية ودون الهضبة و " دار القضاء ": دار عمر بن الخطاب ﵁ سميت بذلك، لأنها بيعت في قضاء دينه.
стр. 254
الغريب:
دار القضاء: دار لعمر بن الخطاب ﵁، بيعت لقضاء دينه بعد وفاته، غربي المسجد.
يغثنا: هو بالجزم لأنه جواب الطلب.
ولا قزعة: " القزعة " القطعة الرقيقة من السحاب، بفتح القاف والزاى والعين.
سَلْع: بفتح السين وسكون اللام، جبل قرب المدينة وهو في الجهة الغربية الشمالية منها، وقد دخل الآن في العمران.
الترسْ: صفيحة مستديرة من حديد، يتَّقُونَ بها في الحرب ضربَ السيوف.
الآكام والظراب: " الآكام " التلون المرتفعة من الأرض " والظراب " الروابي والجبال الصغار، ومفرد " الآكام " أكمه. و" الظراب " جمع "ظَرِب" بفتح الظاء وكسر الراء.
ما رأينا الشمس سبتاً بكسر السين وفتحها: يعنى أسبوعا، من باب تسمية الشيء ببعضه.
يمسكها: يجوز فيه الرفع، ويجوز الجزم في جواب الطلب.
المعنى الإجمالي:
كان النبي ﷺ قائما يخطب في مسجده يوم الجمعة، ودخل رجل، فاستقبل النبي ﷺ ثم قال: يا رسول الله - مبيناً للنبي ﵊، ما فيهم من الشدة والضيق، بسبب انحباس المطر الذي جُلُّ معيشتهم عليه، وطلب منه الدعاء لهم بتفريج هذه الكربة - هلكت الحيوانات من عدم الكلأ، وانقطعت الطرق، فهزلت الإبل التي نسافر ونحمل عليها.
ولكونك القريب من الله تعالى، مستجاب الدعاء، ادعُ الله أن يغيثنا، فبالغيث يزول عنا الضرر، ويرتفع القحط.
فرفع النبي ﷺ يديه ثم قال: "اللهم أغثنا" ثلاث مرات، كعادته في الدعاء، والتفهيم في الأمر المهم.
ومع أنهم لم يروا في تلك الساعة في السماء من سحاب ولا ضباب إلا أنه في أثر دعاء المصطفى ﷺ ، طلعت من وراء جبل " سلع " قطعة صغيرة، فأخذت ترتفع.
فلما توسطت السماء، توسعت وانتشرت، ثم أمطرت، ودام المطر عليهم سبعة أيام.
حتى إذا كانت الجمعة الثانية، دخل رجل، ورسول الله ﷺ قائم يخطب الناس، فقال- مبيناً أن دوام المطر، حَبسَ الحيوانات في أماكنها عن الرَّعْي، حتى هلكت، وحبس الناس عن الضرب في الأرض والذهاب والإياب في طلب الرزق- فادع الله أن يمسكها عنا.
стр. 255
فرفع يديه ثم قال ما معناه: اللهم إذا قدرت بحكمتك استمرار هذا المطر، فليكن حول المدينة لا عليها، لئلا يضطرب الناس في معاشهم، وتسير بهائمهم إلى مراعيها، وليكون نزول هذا المطر في الأمكنة التي ينفعها نزوله، من الجبال، والروابي، والأودية، والمراعي.
وأقلعت السماء عن المطر فخرجوا من المسجد يمشون، وليس عليهم مطر. فصلوات الله وسلامه عليه.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية الخطبة قائماً وإباحة مكالمة الخطيب، وتقدم في الجمعة هذا البحث.
٢- مشروعية الاستسقاء في الخطبة، واقتصر عليها أبو حنيفة، بدون صلاة والجمهور على أن الاستسقاء يكون بصلاة خاصة، وخطبة الجمعة وفي الدعاء وحده.
٣- رفع اليدين في الدعاء، لأن فيه معنى الافتقار، وتحرِّي معنى الإعطاء فيهما، وقد أجمع العلماء على رفعهما في هذا الموقف واختلفوا فيما عداه، فبعضهم عدّاه إلى كل حالة دعاء، وبعضهم قصره على المواطن الوارد فيها. فال الحافظ ابن حجر: إن في رفع اليدين في الدعاء مطلقاً أحاديث كثيرة. عند البخاري والمنذريّ والنووي.
٤- معجز من معجزات النبي ﷺ وكراماته، الدالة على نبوته، فقد استجيب دعاؤه في الحال، في جلب المطر ورفعه.
٥- أن فعل الأسباب لطلب الرزق، من الدعاء، والضرب في الأرض، لا ينافي التوكل على الله تعالى.
٦- استحباب الدعاء بهذا الدعاء النبوي لطلب الغيث.
٧- جواز الاستصحاء عند الضرر بالمطر. وخص بقاء المطر على الآكام والظراب وبطون الأودية لأنها أوفق للزراعة والرعي في شواهق الجبال التي لا تنال إلا بمشقة.
٨- جواز طلب الدعاء ممَّن يظن فيهم الصلاح والتقى، وهذا التوسل الجائز. وقد قسم شيخ الإسلام " ابن تيمية " التوسل إلى ثلاثة أقسام، اثنان جائزان.
الأول: طلب دعاء الله من الحيِّ الذي يظن فيه الخير.
والثاني: التوسل بفعل الأعمال الصالحة فهذان القسمان مشروعان.
أما الثالث فممنوع، وهو التوسل بجاه أحد من المخلوقين، حياً أو ميتاً، فهذا لايجوز، لأنه من وسائل الشرك.
стр. 256
بَابُ صَلاَة الخوف
ليس لها سبب إلا الخوف حضراً أو سفراً، وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع. وقد وردت بصفات متعددة، كلها جائزة.
وبما أنها شرعت رحمة بالمصلين في هذه الشدة وتخفيفاً عنهم فإن الأنسب للمصلين أن يختاروا من هذه الوجوه الواردة أنسبها للمقام.
ويختلف ذلك باختلاف جهة العدو وقربه، وبعده، وشدة الخوف، أو خفته.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ بن الخَطَّابِ ﵄ قَال: صَلَّى بنَا رَسُولُ الله ﷺ صلاَةَ الخَوْفِ في بعض أيامه التي لَقِيَ فِيهَا العَدُوَّ، فَقَامت طَاَئِفَة مَعَه، وَطَائفَة بإزَاء العَدُوِّ، فَصَلَّى بالذين مَعه رَكْعَةً ثمَّ ذَهَبُوا، وَجَاءَ الآَخَرُون فَصَلَّى بهمْ رَكْعَةً، وَقضت الطَّاِئفَتَانِ رَكعَةً رَكعَةً.
المعنى الإجمالي:
صلى النبي ﷺ صلاة الخوف بأصحابه في بعض حروبه مع المشركين حينما التقى المسلمون بعدوهم من الكفار وخافوا من شَنِّ الغارة عليهم عند اشتغالهم بالصلاة.
فقسم النبي ﷺ الصحابة طائفتين، طائفة قامت معه في الصلاة، وطائفة وجاه العدو، يحرسون المصلين.
فصلى بالتي معه ركعة، ثم ذهبوا وهم في صلاتهم.
وجاءت الطائفة التي لم تصل، فصلى بها ركعة ثم سلم النبي ﷺ .
فقامت الطائفة التي معه أخيراً فقضت الركعة الباقية عليها، ثم ذهبوا للحراسة، وقضت الطائفة الأولى الركعة التي عليها أيضا.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية صلاة الخوف عند وجود سببها، حضرا أو سفرا، تخفيفا على الأمة ومعونة لهم عل جهاد الأعداء، وأداءً للصلاة في جماعة وفى وقتها المحدد.
٢- الإتيان بها على هذه الكيفية التي ذكرت في الحديث، مع زيادة تفصيلات في هذه الوجهة ذكرتها في الشرح الإجمالي، استزدتها من بعض طرق هذا الحديث.
٣- أن الحركة الكثيرة لمصلحة الصلاة، اً وللضرورة، لا تبطل الصلاة.
٤- الحرص الشديد على الإتيان بالصلاة في وقتها ومع الجماعة، فقد سمح بأدائها على هذه الصفة محافظة على ذلك.
٥- أخذ الأهبة، وشدة الحذر من أعداء الدين، الذين يبغون الغوائل للمسلمين.
стр. 257
الحديث الثاني
عَنْ يَزيدَ بن رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بن خَوَّاتِ بن جُبَيْرٍ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُول الله ﷺ صَلاَةَ ذَاتَ الرِّقَاعِ صَلاَةَ الخَوْفِ: أنَّ طَاِئفة صَفَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةً وجَاهَ العَدُوِّ، فصَلَّى بِالذين مَعَهُ رَكْعَةً، ثُم ثَبَتَ قَاِئماً فَأتموا لأنفُسِهِمْ، ثم انصَرفوا فَصَفُّوا وِجَاهَ العَدو، وَجَاءَتِ الطاِئفَةُ الأخْرَى فَصَلّى بِهِمُ الركعَةَ التي بَقِيتْ ثمَّ ثبت جالِساً وَأَتمُّوا لأنفُسِهمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهم.
الرجل الذي صلى مع رسول الله ﷺ ، هو سهل بن أبي حَثْمَة.
الغريب:
ذات الرقاع: هي غزوة غزا النبي ﷺ فيها "غطفان " ومنازلهم بعالية " نجد " بين المدينة و " القصيم " وتواقفوا ولم يحصل قتال.
قيل: سميت بذلك، لانتقاب أرجلهم من الحفى، فلفوها بالخرق.
المعنى الإجمالي:
في هذا الحديث يكون العدو في غير جهة القبلة، لأن منازله في شرق المدينة، ولذا صفت طائفة، ووقفت الأخرى في وجه العدو الذي جعله المصلون خلفهم.
فصلى النبي ﷺ ركعة بالذين معه، ثم قام بهم إلى الثانية فثبت فيهما قائماً، وأتموا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، وانصرفوا وِجَاهَ العدو. وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة الباقية، ثم ثبت جالساً وقاموا فأتموا لأنفسهم ركعة، ثم سلم بهم.
اختلاف العلماء:
رويت صلاة الخوف عن النبي ﷺ بأوجه متعددة قال ابن حزم صح منها أربعة عشر وجها وأفرد لها جزءا وقال النووي: يبلغ وجوهها ستة عشر وجها وقال ابن العربي أربعا وعشرين – أما ابن القيم في كتابه- الهدى- فقال: إنها ستة أو سبعة أوجه. وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة في قصة جعلوا ذلك وجوها من فعل النبي ﷺ وإنما هي من اختلاف الرواة.
أما الإمام مالك فذهب إلى الصفة التي ذكرت في حديث سهل بن أبي حثمة:
وأما الإمام الشافعي فاختار حديث صالح بن خوات.
стр. 258
وأما الإمام أبو حنيفة وطائفة من الفقهاء فتارة يرجحون ما وافق ظاهر الصفة المذكورة في القرآن وتارة يختارون ما كثرت رواته من الأحاديث.
أما الإمام أحمد فقد سأله تلميذه الأثرم فقال: قلت لأبي عبد الله تقول بالأحاديث كلها فكل حديث بموضعه أو تختار واحدا منها فقال: أنا أقول من ذهب إليها كلها فحسن وأما حديث سهل فأنا أختاره.
قال الصنعاني: وكلام أحمد حسن مع صحة الصفات وتعدد فعله ﷺ لتلك الصفات.
أما ابن القيم في الهدى فصح عنده ستة أو سبعة وجوه وسردها حسب حال العدو وكأنه يختار الأخذ بها كلها تبعاً لاختلاف حال العدو.
وقال السهيلي في كتابه- الروض الأنف- اختلف العلماء في الترجيع فقالت طائفة يعمل بما كان أشبه بظاهر القرآن. وقالت طائفة يجتهد في طلب الآخر منها فإنه الناسخ لما قبله. وقالت طائفة: يؤخذ بأصحها نقلاً. وقالت طائفة: يؤخذ بجميعها على حسب اختلاف أحوال الخوف. اهـ منه.
وما اختاره الإمام أحمد ورجحه ابن القيم وذكره السهيلي هو الذي تميل إليه النفس عملاً بالأحاديث كلها وتيسيرا على المصلين عند تبدل أحوال العدو. والله أعلم.
ما يؤخذ فن الحديث:
١- فيه ما تقدم من مشروعية صلاة الخوف وتأكد صلاة الجماعة، وأخذ الحذر من أعداء الدين.
٢- الإتيان بالصلاة على هذه الكيفية وهى مناسبة، حيث العدو في غير جهة القبلة، كالتي قبلها، فكلاهما في " ذات الرقاع " إلا أنهما في وقتين، فاختلفا.
٣- وفيه مخالفة لصلاة الأمن، وهي تطويل الركعة الأخيرة على الأولى، وأن المأمومين الذي فاتهم شيء من الصلاة أتموه قبل سلام الإمام.
٤- وفيه مفارقة المأموم لإمامه لمثل هذا العذر.
وقد وردت المفارقة فيما هو أخف من ذلك كالذي صلى مع " معاذ " فلما أطال القراءة، انفرد وأتم لنفسه، لكونه صاحب حاجة، ولم يأمره النبي ﷺ بالإعادة.
стр. 259
الحديث الثالث
عن جَابِرِ بن عَبْدِ الله الأنصَارِي ﵄ قال: شَهِدتُ مع رسولِ الله ﷺ صَلاَةَ الخَوفِ، فصَففنَا صَفَّيْن خَلْفَ رَسُول الله ﷺ وَالعَدُوُّ بيننَا وَبَيْنِ القِبلَةِ، فَكَبَّرَ النبي ﷺ وكبَّْرْنا جَمَيعاً ثُم رَكَعَ وَرَكَعنَا جَميعا، ثُمَّ رَفَعَ رَأسهُ مِنَ الركُوعِ وَرَفَعنَا جَمِيعا، ثُمَّ انحَدَرَ بالسُّجُودِ وَالصف الَّذِي يلِيهِ، وَقَامَ الصَّف المُؤَخَّرُ في نَحْرِ العَدوِّ، فَلما قَضَى النبي ﷺ السُّجُودَ وَقَامَ الصف الذِي يلِيهِ، انحَدَرَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ بالسجُودِ وَقامُوا، ثُم تَقَدَّمَ الصف المُؤَخَّرُ وَتَأخَّرَ الصَّف المُقَدمُ ثم رَكَعَ النبيُّ ﷺ وَرَكعنَا جَمِيعاَ، ثمَّ رَفَعََ رَأسَهُ مِنَ الركُوعِ فَرَفَعْنَا جَمِيعاً، ثمَّ انْحَدَرَ بِالسجُودِ وَالصَّفُّ الذي يلِيِهِ- الّذِي كَانَ مُؤَخَّراً في الركْعَةِ الأولَى- فَقَامَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ في نَحْرِ العدو.
فَلما قَضى النبي ﷺ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الًذِي يليهِ، انْحَدرَ الصف المُؤَخرُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدوا، ثم سَلَّمَ النبي ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعاً.
قال جابر: كَمَا يَصنعُ حَرَسُكُم هؤُلاَءِ بِأمَرَائكُم.
ذكره "مسلم " بتمامه.
وذكر البخاري طرفاَ منه، وأنه صلى صلاة الخوف مع النبي ﷺ في الغزوة السابعة، غزوة " ذات الرقاع (١) "
المعنى الإجمالي:
هذه الكيفية المفصلة في هذا الحديث عن صلاة الخوف، مناسبة للحال التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه حين ذاك، من كون العدو في جهة القبلة. ويرونه في حال القيام والركوع، وقد أمنوا من كمين يأتي من خلفهم.
ما يؤخذ من الحديث:
١- صلاة الخوف على هذه الصفة المذكورة، لوجود الحال المناسبة، وانتفاء المحاذير المنافية.
٢- الحراسة- هنا- وقعت في حال السجود فقط، لأنهما في غيره يرون العَدوَّ كلهم.
стр. 260
٣- قوله: " والعلو بيننا وبين القبلة " مفهومه أنه لو كان العلو في غير القبلة، لصلوا على غير هذه الصفة، كما تقدم في صفتها في الحديثين السابقين وغيرهما.
وتقدم أن لتعدد وجوهها فوائد، منها مراعاة حال العدو، وجهاته.
٤- وفيه بيان حسن القيادة، وتدبير الجيوش وإبعادها عن المخاوف، ومفاجآت الأعداء، واتخاذ الاحتياطات في ذلك.
٥- وفيه بيان العدل، وأنه مما تحلى به النبي ﷺ في جميع أحواله.
فقد عدل بينهم بالصلاة، فجعلهم يتناوبون فيها.
وعدل بينهم بالصلاة، فكل من الطائفتين صلت معه ركعة.
وعدل بينهم في قيامهم في الصف الذي يليه. وهكذا شأنه في جميع أموره ﷺ .
٦- وفيه أن الحركة المطلوبة ولو كثرت، لا تُخِلُّ في الصلاة كالتقدم إلى المكان الفاضل ونحو ذلك.
وتقدم حكم الحركة وأقسامها في حديث قصة حمل النبي ﷺ " أمامة " في الصلاة، وهو الحديث (الواحد والتسعون) .
فائدة هامة:
قال الصنعاني عند اختلاف العلماء في صلاة الخوف: هذا القول (وهو) الحديث إذا صح فهو مذهبي، صح عن الإمام الشافعي، وصح أيضاً عن أبي حنيفة ومالك وأحمد، بل هذا معلوم أنه لسان حال كل مؤمن، فإنه إذا صح عن رسول الله ﷺ شيء، وقد قال من جهله قولا يخالفه، فإن كلام رسول الله ﷺ يقدم على كل ما سواه بنص " وما آتاكم الرسول فخذوه ومانهاكم عنه فانهوا " بل ذلك معنى الإيمان بالرسالة والنبوة، وفي كلام الأئمة الأربعة وغيرهم دليل على أنهم لم يحيطوا بما جاء عن رسول الله ﷺ ، وهو معلوم قطعاً، إلا أن جهلةِ المقلدين يأنفون من أن يقال: إن إمامهم ما وصل إليهم الحديث الذي يخالف مذهبهم، بل يقولون: قد عرفه وعرف أنه منسوخ أو مؤول أو نحو ذلك من الأعذار التي لا تنفق عند النقاد. ولهذا أمور: إن من تبع إمامه في مسألة قد ثبت النص بخلاف ما قاله إمامه فيها فإنه غير تابع لإمامه، لأنه قد صرح بأنه لا يتابع في قوله إذا خالف النص. اهـ.
стр. 261
كِتاب الجَنَائز
الجنائز: جمع " جنازة " بالفتح، والكسر أفصح. اسم يطلق على الميت وعلى السرير مع الميت.
وللميت أحكام كثيرة، ذكروا هنا منها، الصلاة وما يتعلق بها، من التغسيل والتكفين، والدفن وغير ذلك.
أما الحقوق المالية، فتأتي في الوصايا والفرائض.
وبما أن الكتاب مختصر، فإن المصنف لم يأت بكل ما تدعو الحاجة إليه من الأحاديث المتعلقة بالميت، ولذا فإننا نذكر نبذة من الفوائد التي صحت بها الأحاديث.
فمن حق المريض على إخوانه المسلمين عيادته، وإدخال السرور عليه.
فإذا كان في حال خطره، يذكر بالتوبة، وقضاء الديون، والوصية، لاسيما فيما يجب عليه بيانه، ويكون ذلك بلطف، لا يشعر معه بالخوف من دُنُوٍّ أجله، ويتأكد على المريض ذلك، وأن يخرج من المظالم، ويستغفر عن المعاصي وأن يحسن ظنه بالله تعالى.
فإذا حضره الموت، سُنَّ لمن حضره تلقينه الشهادتين بلطف، وتوجيه إلى القبلة.
فإذا مات غمضت عيناه، ولينت مفاصله، وأسرع بتجهيزه، ما لم يكن في تأخيره مصلحة.
وتغسيل الميت، وتكفينه، وحمله، والصلاة عليه، ودفنه. فروض كفاية، إذا قام بها من يكفي، تسقط عن الباقين، شأن كل فرض كفاية.
فإن ترك، صار الإثم على من علم حاله، وقدر على ذلك، ثم تركه.
стр. 262
وصفة الصلاة عليه أربع تكبيرات، بعد الأولى الفاتحة، وبعد الثانية الصلاة على النبي صلى الله ﷺ ، وبعد الثالثة الدعاء للميت، وبعد الرابعة سكتة لطيفة، ثم السلام.
قال شيخ الإسلام: الذي ثبت في السنن عن النبي ﷺ أنه كان يقوم على قبر الرجل من أصحابه إذا دفن، ويقول: سلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل. وقد ثبت أن المقبور يسأل ويمتحن. وأنه يؤمر بالدعاء له.
بَابٌ في الصَّلاَة على الغائب وعلى القبر (١)
الحديث الأول
عَنْ أبي هُريرة ﵁ قال: نَعَىِ النَّبيُّ ﷺ النجَاشي في اليَوْم الذي مَاتَ فِيهِ وَخَرَجَ إِلى الْمُصَلَّى فصَفَّ بِهمْ وَكَبَّرَ أرْبَعَاً.
الحديث الثاني
عن جَابر ﵁ أنَّ النَبي ﷺ صَلَّى على النَّجَاشِيِّ، فَكُنْتُ في الصَّفِّ الثاني أو الثالِث.
الغريب:
نعى: نعاه ينعاه بفتح أوله. والنعي: الإخبار بالموت.
النجاشي: بفتح النون على المشهور، قال في النهاية: والصواب تخفيف الياء - اسمه "أصحمة" توفى في رجب، سنة تسع، ﵁.
المعنى الإجمالي:
النجاشي ملك الحبشة له يد كريمة على المهاجرين إليه من الصحابة، حين ضيِّقت عليهم قريش في مكة، ولم يسلم أهل المدينة بعد فأكرم وفادتهم.
ثم قاده حسن نيته، واتباعه الحق، وطرحه الكبر إلى أن أسلم، فمات بأرضه، ولم ير النبي ﷺ .
فلإحسانه إلى المسلمين، وكبر مقامه، وكونه بأرض لم يصَلَّ عليه فيها أخبر النبي ﷺ
стр. 263
أصحابه بموته في ذلك اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلَّى، فصف بهم، وكبر عليه أربع تكبيرات، شفاعة له عند الله تعالى.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في الصلاة على الغائب.
ذهب أبو حنيفة ومالك: إلى أنها لا تشرع. وجوابهم على هذه الأحاديث أنها خاصة بالنبي صلى الله ﷺ .
وذهب الشافعي وذلك المشهور عند أصحاب الإمام " أحمد " إلى أنها مشروعة لهذه الأحاديث الصحيحة، والخصوصية تحتاج إلى دليل، وليس هنا دليل.
وتوسط شيخ الإسلام " ابن تيمية " فقال: إن كان الغائب لم يصل عليه، صُلِّىَ عليه كهذه القضية، وإن كان قد صُلِّىَ عليه، فقد سقط الفرض بذلك عن المسلمين.
وهو مروي عن الإمام أحمد، وصححه " ابن القيم " في الهدى، لأنه توفى في زمن النبي ﷺ أناس من أصحابه غائبين، ولم يثبت أنه صلى على أحد منهم.
ونقل شيخ الإسلام " ابن تيمية " عن الإمام أحمد أنه قال: إذا مات رجل صالح، صُلِّىَ عليه، واحتج بقضية " النجاشي ".
وقد رجح هذا التفصيل شيخنا " عبد الرحمن آل سعدى " وعليه العمل في " نجد" فإنهم يصلون على من له فضل على المسلمين، ويتركون من عداه. وقال ابن القيم: أصح الأقوال هذا التفصيل.
ما يؤخذ من الحديث
١- مشروعية الصلاة على الميت، لأنها شفاعة ودعاء من إخوانه المصلين.
٢- مشروعية الصلاة على الغائب، وتقدم أن الحديث ليس على إطلاقه، بل يخص بها من له فضل وإحسان عامٌّ على الإسلام والمسلمين.
٣- الصلاة على الميتِ في مصلَّى العيد إذا كان الجمع كثيرا.
٤- التكبير في صلاة الجنازة أربع، وتقدم في أول الباب ما يقال بعد كل واحدة منهن.
٥- فضيلة كثرة المصلين وكونهم ثلاثة صفوف.
لما روى أصحاب السنن أيضا " ما من مؤمن يموت فيصلى عليه أمة من المسلمين، يبلغون أن يكونوا ثلاثة صفوف، إلا غُفِرَ له ".
стр. 264
٦- الإخبار بموت الميت للمصلحة في ذلك، من تكثير المصلين، وإخبار أقاربه فإن ذلك ليس من النعي المنهي عنه في قوله ﷺ : " إياكم والنعي، فإن النعي عمل الجاهلية "
وذلك أنهم يأخذون ينادون عليه في المحلات العالية بأنواعه المدائح الصحيحة والمكذوبة، وفيه مفاسد من وجوه كثيرة.
الحديث الثالث
عن ابنِ عَبَّاس ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى عَلى قَبْر بَعْدَ مَا دُفِنَ، فَكَبَّر عَلَيْهِ أرْبَعاً.
المعنى الإَجمالي:
قد جُبلَ النبي ﷺ على محاسن الأخلاق، ومن ذلك ما اتصف به من الرحمة والرأفة، فما يَفْقِدُ أحداً من أصحابه حتى يسأل عنه، ويتفقد أحواله.
فقد سأل عن صاحب هذا القبر، فأخبروه بوفاته، فأحب أنهم أخبروه ليصلى عليه، فإن صلاته سكنُ للميت، ونور يزيل الظلمة التي هو فيها، فصلى على قبره كما يصلى على الميت الحاضر.
الأحكام:
١- مشروعية الصلاة على القبر، ولا يلتفت إلى من منعه، لرَدِّه النصوص بلا حجة.
وقيده بعض العلماء، بمدة شهر، وبعضهم حتى يَبْلَى جسده، وبعضهم جوَّزه أبداً. وقد جاء في البخاري أنه ﷺ مر بقبر دفن ليلا فقال: متى دفِن هذا؟ قالوا: البارحة. قال ابن القيم: روى عن النبي ﷺ " كان إذا فاتته الصلاة على الجنازة صلى- على القبر" في ستة أوجه حسان.
٢- أن الصلاة على القبر، مثل الصلاة على الميت الحاضر.
٣-َ ما كان عليه ﷺ من الرحمة والرأفة، وتفقد الواحد من أصحابه.
مهما كانت منزلته، فقد ذكر الحافظ ابن حجر أن صاحب هذا القبر امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أي تكنسه.
стр. 265
بَابٌ في الكفن
عَنْ عَائِشةَ ﵂: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كُفِّن في ثَلاَثَةِ أثوَاب يَمانيَّةٍ بِيض سَحولية، لَيْسَ فيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَة.
الغريب:
أثواب يمانية: نسجت في اليمن، فنسبت إليه، مفتوح الياء في الأفصح،
سحولية: بيض نقية، ولا تكون إلا من قطن، والنسبة إلى السحل. إما إلى البياض والنقاء، وإما إلى القصّار الذي يبيضها بغسله.
وبعضهم جعلها نسبة إلى قرية في اليمن.
المعنى الإجمالي:
سترة الميت أعظم من سترة الحيّ وأولى بالعناية، ولذا فإن النبي صلى الله عليه أدرج في ثلاث لفائف بيض، ولم يجعل له قميص ولا عمامة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- كفن النبي ﷺ بثلاثة أثواب ليس معها قميص ولا عمامة. قال النووي: معناه: لم يكفن في قميص ولا عمامة، وإنما كفن في ثلاثة أثواب غيرها، ولم يكن مع الثلاثة شيء. هكذا فسره الشافعي.
٢- استحباب البياض والنظافة في الكفن.
٣- أن هذه الحال هي أكمل حال لتكفين الميت، لأن الله تعالى. هدى أصحاب نبيه إلى أكمل حال يريدها له، وكما عرفوا ذلك من سنته أيضاً.
٤- وفيه جواز الزيادة في الكفن، على اللفافة الواحدة، ولو وجد من يعارض في ذلك من وارثٍ أو غَرِيمٍ.
فائدة:
المستحب في كفن الرجل أن يكون ثلاث لفائف، والمرأة في خمسة أثواب، إزار، وخمار، وقميص، ولفافتين. والواجب أن يستر جميع بدن الميت.
стр. 266
بَاب في صفة تغسيل الميّت وتشييع الجنازة
الحديث الأول
عَنْ أمّ عَطِيةَ الأنصَاريَّةِ قَالَتْ: دَخَل عَلَيْنَا رسُولُ الله ﷺ حِينَ تُوُفيَتْ ابنتُهُ زَينبُ، فَقَالَ:
"اغْسِلْنَهَا بثَلاَثٍ أوْ خَمس أوْ أكْثرَ مِنْ ذلِكَ، إنْ رَأيتُنَّ ذلِكَ، بمَاء وَسِدْر، وَاجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كافُوراً أوْ شَيْئاً مِنْ كافُور فَإذا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَني ".
فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ. فَأعطَانَا حِقْوَهُ فقال: " أشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ، تعني إزاره ".
وفِى رواية " أوْ سَبْعا " وقال: إِبْدأنَ بِميَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوضُوء مِنْهَا " وَأنَّ أمَّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: وَجَعَلنَا رَأسَهَا ثَلاَثةَ قرونٍ.
الغريب:
رأيتن ذلك: بكسر الكاف، لأن المخاطبة أنثى.
سدر: هو شجر النبق، والذي يغسل به ورقه بعد طحنه.
كافور: نوع من الطيب، من خواصه أنه يصلب الجسد.
آذنني: أي أعلمني.
حقوه: بفتح الحاء وكسرها. موضع شد الإزار، توسعوا فيه فأطلقوه على الإزار نفسه.
أشعرنها إياه: الشعار، بالكسر، ما في الجسد من الثياب، ومعناه: اجعلن إزاري مما في جسدها.
بميامنها: الميامن: - جمع " ميمنة " بمعنى اليمين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأصحَابُ الميمَنَةِ﴾
المعنى الإجمالي:
لما توفيت " زينب " بنت النبي ﷺ ﵂، دخل النبي ﷺ على غاسلاتها، وفيهن " أم عطية الأنصارية " ليعلمهن صفة غسلها، لتخرج من هذه الدنيا إلى ربها، طاهرة نقية فقال:
اغسلنها ثلاثاً، أو خمسا، ليكون قطع غسلهن على وتر أو أكثر من ذلك، إن رَأيْتُنَّ أنها تحتاج إلى الزيادة على الخمس.
وليكون الغسل أنقى، والجسد أصلب، اجعلن مع الماء سدراً، وفي الأخيرة كافورا، لتكون مطيبة بطيب يبعد عنها الهوام، ويشد جسدها.
ووصاهن أن يبدأن بأشرف أعضائها، من الميامن، وأعضاء الوضوء.
وأمرهن- إذا فرغن من غسلها على هذه
стр. 267
الكيفية- أن يعلمنه.
فلما فرغن وأعلمنه، أعطاهن إزاره الذي باشر جسده الطاهر، ليشعرنها إياه، فيكون بركة عليها في قبرها.
ما يؤخذ من الحديث:
١- وجوب غسل الميت المسلم، وأنه فرض كفاية.
٢- أن المرأة لا يغسلها إلا النساء، وبالعكس، إلا ما استثنى من المرأة مع زوجها، والأمة مع سيدها، فلكل منهما غسل صاحبه.
٣- أن يكون بثلاث غسلات، فإن لم يكف، فخمس، فإن لم يكف، زيد على ذلك، وقيد بعض العلماء الزيادة إلى السبع. ولكن المفهوم من قوله: " إن رأيتن ذلك " التفويض إلى رأيهن بحسب المصلحة والحاجة، ففي رواية الصحيحين " أو سبعا أو أكثر من ذلك ".
وبعد ذلك إن كان ثَمَّ خارج، سد المحل الذي يخرج منه الأذى.
٤- أن يقطع الغاسل غسلاته على وتر، ثلاث، أو خمس، أو سبع.
٥- أن يكون مع الماء سدر، لأنه ينقى، ويصلب جسد الميت وأن الماء المتغير بالطاهر باق على طهوريته.
٦- أن يطيب الميت مع آخر غسلاته، لئلا يذهب الماء.
ويكون الطيب من كافور، لأنه- مع طيب رائحته- يشد الجسد، فلا يسرع إليه الفساد.
٧- البداءة بغسل الأعضاء الشريفة، وهي: الميامن، وأعضاء الوضوء.
٨- ضفر الشعر ثلاث ضفائر، وجعله خلف الميت.
٩- التبرك بآثار النبي ﷺ ، وهذا شيء خاص به، فلا يتعداه إلى غيره من العلماء والصالحين، لأمور كثيرة.
منها: أن هذا الأمر لا يلحقه أحد فيه، لما بينه وبين غيره من الْبَوْنِِ الشاسع.
ثانيا: أن هذه الأشياء توقيفية، لا تشرع إلا بشرع، ولا يوجد من الأدلة ما يُعَدِّيها إلى غيره.
ثالثاً: أن الصحابة يعلمون أن أبا بكر أفضل الأمة، ولم يرد أنهم فعلوا معه ما يفعلونه مع النبي ﷺ ، من التسابق على مَاء وَضُوئِهِ، وغيره.
رابعاً: أن التبرك بغيره ﷺ من الغُلُوِّ الذي هو وسيلة الشرك.
خامساً: أنه فتنة لمن تُبرك به، وطريق إلى تعظيمه نفسه، الذي فيه هلاكه.
стр. 268
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاس ﵄ قَال: بَيْنَما رَجُل وَاقِف بِعَرَفَةَ إذْ وَقََعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ- أوْ قَالَ: فَأوْقَصَتْهُ- فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اِغْسِلُوهُ بِمَاء وَسِدْر، وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، وَلاَ تُحَنِّطُوهُ، وَلاَ تُخَمِّرُوا رَأسَهُ فَإنَّهُ يُبْعَث يَوْمَ القِيَامَةِ مُلبِّياً ".
وفي رواية: " وَلاَ تُخَمرُوا وَجْهَهُ وَلاَ رَأسَهُ "
قال المصنف رضى الله عنه: الوقص، كسر العنق (١) .
غريب الحديث:
وقصته: صرعته فكسرت عنقه.
لا تحنطوه: لا تجعلوا في شيء من غسله أو كفنه حنوطا وهو أخلاط من الطيب تجمع للميت.
لا تخمروا: لا تغطوا يبعث ملبيا: أي يبعث وهو يقول: لبيك اللهم لبيك، وذلك شعار الإحرام.
المعنى الإِجمالي:
بينما كان رجل من الصحابة واقفاً في عرفة على راحلته في حجة الوداع محرما إذ وقع منها، فانكسرت عنقه فمات.
فأمرهم النبي ﷺ أن يغسلوه كغيره من سائر الموتى، بماء، وسدر. ويكفنوه في إزاره وردائه، اللذين أحرم بهما.
وبما أنه محرم بالحج وآثار العبادة باقية عليه، فقد نهاهم النبي ﷺ أن يُطيبوه وأن يغطوا رأسه.
وذكر لهم الحكمة في ذلك، وهى أنه يبعثه الله على ما مات عليه، وهو التلبية، التي هي شعار الحج.
ما يؤخذ من الحديث:
١- وجوب تغسيل الميت، وأنه فرض كفاية.
٢- جواز اغتسال المحرم، كما ثبت ذلك في حديث أبي أيوب.
٣- الاعتناء بنظافة الميت وتنقيته، إذ أمرهم أن يجعلوا مع الماء سدراً.
٤- أن تغير الماء بالطاهرات، لا يخرج الماء عن كونه مطهرا لغيره، إلى كونه طاهراً بذاته
стр. 269
غير مطهر لغيره، كما هو المشهور في مذهب " أحمد ".
بل الصحيح أنه يبقى طاهراً بذاته مطهراً لغيره كما هو مذهب الجمهور، وإحدى الروايتين عن الإمام " أحمد ".
٥- وجوب تكفين الميت، وأن الكفن مقدم على حق الغريم، والوصيِّ، والوارث.
٦- تحريم تغطية رأس الميت المحربم، والوجه للأنثى.
ويؤخذ من قوله: " يبعث ملبيا " بقياس الأولوية، أن ذلك يحرم في حق المحرم الحي. قال ابن دقيق العيد: الحديث دليل على أن المحرم إذا مات يبقى في حقه حكم الاحرام، وهو مذهب الشافعي وخالف في ذلك أبو حنيفة ومالك وهو مقتضى القياس لانقطاع العبادة وزوال محل التكليف ولكن اتباع الحديث مقدم على القياس.
٧- تحريم الطيب على المحرم، حياْ أو ميتا، ذكرا أو أنثى، لأنه ترفُّه، وهو منافٍ للإحرام.
٨- أن المحرم غير ممنوع من مباشرة الأشياء التي ليس فيها طيب كالسِّدْرِ، والأشنان، والصابون غير المطيّب، ونحوها.
٩- جواز الاقتصار في الكفن على الإزار والرداء.
وبهذا يعلم أنه يكفي للميت لفافة واحدة، لأن الإزار والرداء بقدر اللفافة.
١٠- فضل من مات محرماً، وأن عمله لا ينقطع إلى يوم القيامة، حين يبعث عليه.
١١- أن من شرع في عمل صالح - من طلب علم أو جهاد، أو غيرهما ومن نيته أن يكمله، فمات قبل ذلك- بلغت نيته الطيبة، وجرى عليه ثمرته إلى يوم القيامة.
الحديث الثالث
عَنْ أبي هُريرة رضىَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبي ﷺ قال: "أسْرِعُوا بالْجَنَازَةِ فَإن تَكُ صَالِحَةً فَخْيرٌ تُقَدمُونَهَا إِليهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذلِكَ فشَرٌّ تضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ ".
المعنى الإجمالي:
الإنسان من روح وجسد، وفضله وشرفه، ونفعه، وثمرته في روحه.
فإذا ما فارقت روحه جسده، بقي بلا نفع، ولا فائدة في بقائه بين ظَهْرانَيْ أهله جيفة بل كلما مكثت تشوه منظرها وتعفن ريحها.
لذا أمر الشارع الحكيم بالإسراع في تجهيزها، من التغسيل، والصلاة، والحمل، والدفن.
стр. 270
وأرشدهم إلى حكمة الإسراع بها، وذلك أنها إذا كانت صالحة، فإنها ستقدم إلى الخير والفلاح، ولا ينبغي تعويقها عنه، وهي تقول: قَدِّموني قدموني، وإن كانت سوى ذلك، فهي شر بينكم، فينبغي أن تفارقوه، وتريحوا أنفسكم من عنائه ومشاهدته، فتخففوا منه بوضعه في قبره.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب الإسراع بتجهيز الميت وفي حمله، لكن بغير سرعة يحصل معها ضرر على الجنازة، أو على المشيعين.
٢- يقيد الإسراع بما إذا لم يكن الموت فجأة يخشى أن يكون إغماء.
فينبغي أن لا يدفن حتى يتحقق موته، أو يكون في تأخيره مصلحة، من كثرة المصلين، أو حضور أقاربه. ولم يُخش عليه الفساد.
٣- فيه طلب مصاحبة الأخيار، والابتعاد عن الأشرار.
٤- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: من كان مظهراً للإسلام فإنه تجري عليه أحكام الإسلام الظاهرة من المناكحة والموارثة وتغسيله والصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين ونحو ذلك.
الحديث الرابع
عَن أم عطيةَ الأنصارية ﵂ قالَتْ: نُهينا عن اتّباع الجنائزِ ولم يُعْزَمْ علينا.
المعنى الإجمالي:
أم عطية الأنصارية من الصحابيات الجليلات تفيد أن النبي ﷺ نهى النساء عن اتباع الجنائز، لما فيهن من شدة الرقة والرأفة، فليس لديهن صبر الرجال وتحملهم للمصائب. ولكن مع هذا فهمت من قرائن الأحوال أن هذا النهي ليس على سبيل العزم والتأكيد، فكأنه لا يفيد تحريم ذلك عليهن.
ما يؤخذ من الحديث:
١- نهي النساء عن اتباع الجنائز، وهو عام في اتباعها إلى حيث تجهيز ويصلى عليها وإلى المقبرة حيث تدفن.
стр. 271
٢- علة النهي أن النساء لا يطقن مثل هذه المشاهد المحزنة والمواقف المؤثرة، فربما ظهر منهن من التسخط والجزع ما ينافي الصبر الواجب.
٣- الأصل في النهي التحريم إلا أن أم عطية فهمت من قرينة الحال أن نهيهن عن اتباع الجنائز ليس جازما مؤكدا.
٤- لكن قال ابن دقيق العيد: قد وردت أحاديث أدل على التشديد في اتباع الجنائز أكثر مما يدل عليه هذا الحديث.
بَابٌ في مَوقِف الإمام من الميت
عَنْ سمرة بنِ جُنْدَب ﵁ قال: صَليتُ وَرَاءَ رَسول الله ﷺ عَلَى امرَأةٍ مَاتَتْ في نِفَاسِهَا، فَقَامَ وَسطهَا.
الغريب:
وسطها: بإسكان السينِ في الرواية.
والفرق ببن ما سكنت سينه، وما حركت، ما قاله " الجوهري " وهو أن ما صلحت فيه " بين " يسكن ومالا تصلح فيه، يفتح.
يقال: جلست وسط القوم. بالسكون، وجلست وسَط الدار، بالفتح.
نفاسها: بكسر النون، أي ماتت في مدته أو بسببه.
المعنى الإجمالي:
صَلَّى " سمرة بن جندب" وراء النبي ﷺ يخش حين صلى على امرأة ماتت في نفاسها، فقام ﷺ إزاء وسطها وذلك ليسترها عن أعين المصلين أثناء وضعها أمامهم، قبل أن يتخذ لهن المحفة فوق السرير. والله أعلم.
ما يؤخذ من الحديث:
١- الصلاة على الجنازة ومشروعيتها.
٢- أن موقف الإمام من المرأة يكون وسطها، سواء ماتت من نفاس أو غيره.
فالعبرة من الحديث وصفها بأنها امرأة، لا بكونها نفساء. فإنه وصف غير معتبر بالاتفاق.
стр. 272
٣- أن النفساء- وإن حازت الشهادة بموتها في نفاسها- يصلى عليها فلا تأخذ حكم شهيد المعركة.
٤- علل بعضهم الحكمة في الوقوف وسط المرأة بأنه أستر لها من الناس.
فائدة:
موقف الإمام من الرجل إزاء رأسه، لما روى الترمذي وحسنه "أن أنساً صَلَّى عَلَى رَجُلٍ فَقَامَ عِنْد رأسِهِ ثُم صَلَّى عَلَى امرَأةٍ فَقامَ حيَالَ وَسطِ السَّرير.
فَقَال العلاَءُ بنُ زَياد: هكَذَا رَأيتَ رَسُولَ ﷺ قَامَ عَلَى الجَنَازَةِ مقَامَك مِنْهَا، وَمِنَ الرجل مَقَامكَ مِنْه؟.
قَالَ: نَعَمْ ".
وإذا اجتمع جنائز، فيكفيهن صلاة واحدة.
فإن كانوا نوعاً واحدا، قدم إلى الأمام أفضلهم بعلم أو تُقىً، أو سن.
وإن كانوا رجالا ونساءً، قدم الرجال على النساء.
والصلاة على الجنازة شفاعة من المصلين للميت.
فينبغي إخلاص الدعاء، وإحضار القلب لعل الله أن يتجاوز عنه ويمحو عنه ذنوبه، عند خروجه من الدنيا.
باب في تحْريم التسخط بالفعل والقول
الحديث الأول
عَنْ أبي (١) مُوسَى- عَبْدِ الله بن قَيْس- ﵁ أن رَسُولَ الله ﷺ بَرِيء مِنَ الصَّالِقَةِ وَالحَالِقةِ وَالشَّاقَّةِ.
قال المصنف: الصالقة، التي ترفع صوتها عند المصيبة.
الحديث الثاني
عَنْ أبي عَبدِ الله بن مَسعُوُد رَضىَ الله عَنْهُ عَن النبيِّ ﷺ قال: " ليس مِنَّا مَنَ ضَرَبَ الخُدُودَ وَشَقَّ الجيُوبَ وَدَعَا بِدَعوى الجَاهِليةِ".
стр. 273
الغريب:
١- الصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة، بالنَّوْح والعويل.
٢- الحالقة: التي تحلق شعرها، أو تنتفه من شدة الجزع والهلع.
٣- الشاقة: التي تشق جيبها أو ثوبها تَسَخُّطاً في قضاء الله.
٤- دعوى الجاهلية: وذلك بالتفجع كل الميت والنياحة عليه بأنه قاتل النفوس وكهف العشيرة وكافل الأيتام.. إلى غير ذلك من المناقب التي كانوا يعددونها، ومثله الندبة كـ" ياسنداه " و " انقطاع ظهراه " وكل قول ينبيء عن السخط والجزع من قدر الله تعالى وحكمته.
٥- ضرب الخدود لطمها، وقد جاء بالجمع مناسبة لما بعده.
٦- الجيب: ما شق من الثوب لإدخال الرأس.
المعنى الإجمالي:
لله ما أخذ، وله ما أعطى وفي ذلك الحكمة التامة، والتصرف الرشيد.
ومن عارض في هذا ومانعه فكأنما يعترض على قضاء الله وقدره الذي هو عين المصلحة والحكمة وأساس العدل والصلاح.
ولذا فإن النبي ﷺ ذكر أنه من تسخطَ وجزع من قضاء الله فهو على غير طريقته المحمودة، وسنته المنشودة، إذ قد انحرفت به الطريق إلى ناحية الذين إذا مسهم الشر جزعوا وهلعوا، لأنهم متعلقون بهذه الحياة الدنيا فلا يرجون بصبرهم على مصيبتهم ثواب الله ورضوانه.
فهو بريء ممن ضعف إيمانهم فلم يحتلوا وَقّعَ المصيبة حتى أخرجهم ذلك إلى التسخط القولى بالنياحة والندب، أو الفعلي، كنتف الشعور، وشق الجيوب، إحياءً لعادة الجاهلية.
وإنما أولياؤه الذين إذا أصابتهم مصيبة سلَّموا بقضاء الله تعالى، ويقالوا: ﴿إِنَّا لله وإِنا إليه رَاجعُونَ. أولئِكَ عَلَيهِم صَلَوات مِنْ رَبِّهِم وَرَحمَة وَأولئِكَ هُمُ المُهتدُونَ﴾ .
ما يؤخذ من الحديث:
١- تحريم التسخط من أقدار الله المؤلمة، وإظهار ذلك بالنياحة أو الندب أو الحلق أو الشق أو غير ذلك كَحَثي التراب على الرأس.
٢- تحريم تقليد الجاهلية بأمورهم التي لم يقرهم الشارع عليها، ومن جملتها دعاويهم الباطلة عند المصائب.
٣- أن هذا الفعل وهذا القول من الكبائر، لأن النبي ﷺ تَبَرَّأ ممن عمل ذلك، ولا يتبرأ إلا من فعل كبيرة.
стр. 274
٤- لا بأس من الحزن والبكاء، فهو لا ينافي الصبر على قضاء الله. وإنما هو رحمة جعلها الله في قلوب الأقارب والأحِبَّاء.
والنبي ﷺ حزن وذرفت عيناه وقال: لا نقول إلا ما يرضى الرب. وبعضهم استحب البكاء.
وللعلماء والعارفين في هذا الباب، آراء يذهبون فيها حسبما تُوحِى إليهم نزعاتهم الدينية.
فائدتان:
الأولى: الإيمان بالله تعالى، وحسن رجاء العبد بره ومثوبته، ظل ظليل يأوي إليه كل من لفحته سمائم الحياة المحرقة، فإنه يجد فيه الراحة والأنس والأمن، لما يرجوه من ثواب الله تعالى وجزيل عطائه للصابرين.
فترخص عنده الحياة وتسهل عليه الأمور ولذا قيل: " من عرف الله هانت عليه مصيبته ".
والنبي ﷺ قال: " عجباً للمؤمن، إن أمره كله عجب، إن أصابته سراء فشكر، كان خيرا له، وإن أصابته ضراء، فصبر، كان خيراً له، وليس ذلك إلا للمؤمن ". ولما فقد الناس هذا الظل الوارف من الإيمان بربهم والرجاء لحسن جزائه والأمل في كريم مثوبته صرنا في هذا الزمن نرى. والعياذ بالله – كثرة حوادث الانتحار ممن لم يدخل الإيمان في قلوبهم، فيقتلون أنفسهم ويعجلون بأرواحهم إلى النار، لأنهم لم يستروحوا هذا الظل الذي يجده المؤمن بربه، الواثق بوعده.
بل عند أتْفَهِ الأسباب يئدون أعمارهم، ولا يدرون بأنهم بتعجلهم المزرى- ينتقلون إلى عذاب أشد مما هم فيه، وأنهم كالمستنجد من الرمضاء بالنار.
فليس لديهم قلب المؤمن الراضي الذي تهون عنده المصائب بجانب ما عند الله من الجزاء الكريم.
الثانية: مذهب أهل السنة والجماعة، أن المسلم لا يخرج من دائرة الإسلام بمجرد فعل المعاصي وإن كبرت، كقتل النفس بغير حق.
ويوجد كثير من النصوص الصحيحة تفيد بظاهرها خروج المسلم من الإسلام لفعله بعض الكبائر، وذلك كهذين الحديثين " ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب " الخ.
وأن النبي ﷺ (بريء من الصالقة والحالقة) ومثل " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه
стр. 275
ما يحب لنفسه " كحديث " والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من لا يأمن جاره بوائقه " وحديث " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" وغير هذا كثير.
وقد اختلف العلماء في المراد منها.
فمنهم من رأى السكوت عنها، وأن تمر كما جاءت، وذلك أنه يراد بها الزجر والتخويف، فتبقى على تهويلها وتخويفها. ومنهم من أوَّلَهَا.
وأحسن تأويلاتهم ما قاله شيخ الإسلام " ابن تيمية " من أن الإيمان نوعان:
أ- نوع يمنع من دخول النار. ب- ونوع لا يمنع من الدخول، ولكن يمنع من الخلود فيها.
فمن كمل إيمانه وسار على طريق النبي ﷺ وهديه الكامل، فهو الذي يمنعه إيمانه من دخول النار.
وقال ﵀: إنّ الأشياء لها شروط وموانع، فلا يتم الشيء إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه.
مثال ذلك إذا رتب العذاب على عمل، كان ذلك العمل موجباً لحصول العذاب ما لم يوجد مانع يمنع من حصوله.
وأكبر الموانع، وجود الإيمان، الذي يمنع من الخلود في النار.
الحديث الثالث
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قالت: لَمَّا اشتَكَى النَبي ﷺ ذَكَرَ بعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَة رَأتْهَا بأرض الحَبَشةِ يُقَالُ لَهَا " مَارِيَةُ " وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأمُّ حَبيبَةَ أتتا أرْضَ الحَبَشَةَ فَذَكَرَتَا من حُسْنِهَا وَتَصَاوير َ (١) فِيهَا، فَرَفَعَ رَأسَهُ ﷺ وَقالَ:
" أولئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِم الرَّجُلُ الصالح بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِداً ثُمَّ صَورُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَ، أولئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ الله.
الغريب:
اشتكى: من الشكوى، أي المرض.
الكنيسة: متعبد النصارى وتجمع على كنائس.
شرار: جع شر وهى صفة مشبهة مثل بر.
стр. 276
المعنى الإجمالي:
كانت " أم سلمة " و " أم حبيبة " من المهاجرات إلى أرض الحبشة، قبل أن يتزوج بهما رسول الله ﷺ .
فلما كان في مرضه الذي توفى فيه ﷺ ، ذكرتا له ما رأتاه من كنيسة في مهاجرهما الأول، وما فيها من حسن الزخرفة والتصاوير، فلم يشغله مرضه ﵊ عن أن يبين ما في عملهم في كنائسهم، وفي موتاهم من المحاذير.
لذا رفع رأسه وقال: إن هؤلاء الذين تذكران من كنائسهم وتصاويرهم كانوا يتعدون الحدود، ويغلون في موتاهم، فإذا مات الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصورُوا تلك الصور.
وبما أن عملهم هذا منافٍ للتوحيد، الذي هو أوجب الواجبات، وضرره لا يقتصر على من هم عليه بل يتعداهم إلى غيرهم من المغرورين الجاهلين، فإن فاعليه شر الخالق عند الله تعالى.
ما يؤخذ من الحديث:
١- تحريم البناء على القبور، وأنه من التشبه بالمشركين، ومن وسائل الشرك.
٢- تحريم التصوير لذي الروح، لاسيما لأهل الصلاح الذين يخشى من صورهم الفتنة.
قال ابن دقيق العيد ﵀: فيه دليل على تحريم مثل هذا الفعل، وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور، ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على الكراهة، وأن هذا التشديد كان في ذلك الزمان، لقرب عهد الناس بعبادة الأوثان، وهذا الزمان حيث انتشر الإسلام وتمهدت قواعده لا يساويه في هذا المعنى، فلا يساويه في التشديد. وهذا القول عندنا باطل قطعا. وصوب الصنعاني قول ابن دقيق العيد.
وقال النووي: تصوير الحيوان من الكبائر، لأنه توعد هذا الوعيد الشديد. إلا أن الممنوع ما كان له ظل، وأما ما لا ظل له فلا بأس باتحاده. قال الصنعاني: وهو مذهب باطل، فإن الستر الذي أنكره النبي ﷺ كانت الصورة فيه بلا ظل بغير شك. وأيد ابن حجر القول بتحريم ماله ظل وما ليس له ظل أخذاً بحديث أخرجه أحمد عن النبي ﷺ أنه قال: " أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع فيها صورة إلا انتزعها".
٣- أن من عمل هذا، فهو من شر خلق الله لما في عمله من المحاذير الكثيرة والعواقب الوخيمة عليه وعلى غيره.
٤- فيه كمال نصح النبي ﷺ إذ لم يصرفه عن الموعظة ما يقاسيه من الألم.
стр. 277
الحديث الرابع
عن عَائشة ﵂ قالت قَالَ رَسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه:
" لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره. غير أنه خُشي أن يُتَّخذ مسجداً.
المعنى الإجمالي:
كانت عائشة ﵂، هي التي مَرَّضت النبي ﷺ ، مرضه الذي توفى فيه، وهى الحاضرة وقت قبض روحه الكريم.
فذكرت أنه في هذا المرض الذي لم يقم منه، خشي أن يتخذ قبره مسجداً، يصلى عنده، فتجر الحال إلى عبادته من دون الله تعالى. فقال:
" لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، يحذر من عملهم.
ولذا علم الصحابة ﵃ مراده، فجعلوه في داخل حجرة عائشة.
ولم ينقل عنهم، ولا عن من بعدهم من السلف، أنهم قصدوا قبره الشريف ليدخلوا إليه فيصلوا ويدعوا عنده.
حتى إذا تبدلت السنة بالبدعة، وصارت الرحلة إلى القبور، حفظ الله نبيه مما يكره أن يفعل عند قبره، فصانه بثلاثة حجب متينة، لا يتسنى لأي مبتدع أن ينفذ خلالها.
ما يؤخذ من الحديث:
١- النهي الأكيد، والتحريم الشديد، من اتخاذ القبور مساجد، وقصد الصلاة عندها. قال الصنعاني رحمه الله تعالى: إن ذلك ذريعة إلى تعظيم الميت والطواف بقبره والتمسح بأركانه والنداء باسمه، وهذه بدعة عظيمة عمت الدنيا وعبد الناس القبور وعظموها بالمشاهد والقباب، وزادوا على فعل الجاهلية فأسرجوها وجعلوا لها نصيبا من أموالهم؟ كما قال تعالى: ﴿ويجعلون لمالا يعلمون نصيبا مما رزقناهم﴾ .
وذكر أنه قد وردت بعض الأحاديث التي تدل على أن قبر الرسول ﷺ لم يفعل به السلف شيئا من هذا القبيل فقد أخرج أبو داود عن القاسم بن محمد أنه دخل على عائشة فكشفت له عن ثلاثة قبور " لا مشرفة ولا لاطئة " أي قبره وقبر صاجيه، وذكر الصنعاني أن ذلك غير جائز سواء أكان القبر في قبلة المسجد أم غيرها.
٢- أن هذا من فعل اليهود والنصارى، فمن فعله فقد اقتفى أثرهم، وترك سنة محمد ﵊.
٣- أن الصلاة عند القبر، سواء كانت بمسجد أو بغير مسجد، من وسائل الشرك الأكبر.
стр. 278
٤- أن الله تعالى صان نبيه ﵊ عن أن يُعْمَلَ الشرك عنده، فألهم أصحابه ومن بعدهم، أن يصونوه.
٥- أن هذا من وصاياه الأخيرة التي أعدها لآخر أيامه لتحفظ.
الحديث الخامس
عَنْ أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
من شَهدَ الْجَنَازَةَ حَتًى يُصَلَى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاط، وَمن شَهدَهَا حَتَّى تُدْفَن فَلَهُ قيرَاطَانِ ".
قيل: وَمَا القيرَاطَانِ؟ قالْ: "مِثل الْجَبَلين العظيمَين".
ولـ "مسلم " "أصْغَرُهمَا مِثْل جَبل أحُدٍ".
المعنى الإجمالي:
الله ﵎ لطيف بعباده، ويريد أن يهيىء لهم أسباب الغفران، لاسيما عند مفارقتهم الدنيا، التي هي دار العمل، إلى دار يطوى فيها سجِلُّ أعمالهم.
ولذا فإنه حضَّ على الصلاة على الجنازة وشهودها، لأن ذلك شفاعة تكون سبباً للرحمة.
فجعل لمن صلَّى عليها قيراطا من الثواب، ولمن شهدها حتى تدفن قيراطاً آخر. وهذا مقدار من الثواب عظيم ومعلوم قدره عند الله تعالى.
فلما خَفِي على الصحابة- ﵃ مقداره، قرَّبه النبي ﷺ إلى أفهامهم، بأن كل قيراط مثل الجبل العظيم.
ما يؤخذ من الحديث:
١- الفضل العظيم في الصلاة على الجنازة وتشييعها حتى تدفن. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن المشي أمامها أفضل. قال ابن المنذر: إنه ثبت أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر رضى الله عنهما كانوا يمشون أمام الجنازة.
٢- أنه يحصل للمصلى والمشيع حتى تدفن، ثواب لا يعلم قدره إلا الله تعالى.
٣- أن في الصلاة على الميت، وتشييع جنازته، إحساناً إلى الميت، وإلى المصلى والمشيع.
٤- فضل الله تعالى على الميت، حيث حض على تكثير الشفعاء له بأجر من عنده.
٥- أن نسبة الثواب بنسبة الأعمال التي يقوم بها العبد.
حيث إنه جعل للمصلى قيراطاً، وللمصلي والمشيِّع، قيراطين.
стр. 279
زيارة القبور:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الزيارة تنقسم إلى قسمين: زيارة شرعية، وزيارة بدعية، فالزيارة الشرعية يقصد بها السلام على الميت والدعاء له بمنزلة الصلاة على جنازته كما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: السلام عليكم أهل الديار من المسلين والمؤمنين، وإنا- إن شاء الله بكم لاحقون، ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم.
وأما الزيارة البدعية فمثل قصد قبر بعض الأنبياء والصالحين للصلاة عنده، أو الدعاء عنده، أو الدعاء به، أو طلب الحوائج منه أو طلبها من الله تعالى عند قبره، أو الاستغاثة به ونحو ذلك. فهذا من البدع التي لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، بل قد نهى عن ذلك أئمة المسلمين الكبار.
стр. 280
كتاب الزكاة
الزكاة- في اللغة، النماء والتطهر بمعنى الزيادة والطهارة.
وفي الشرع- حق واجب في مال خاص: - وهو بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض، والنقدان، وعروض التجارة، لطائفة مخصوصة، وهم الأقسام الثمانية المذكورون في سورة " التوبة "، في وقت خاص، وهو تمام الحَول.
وسميت في الشرع زكاة، لوجود المعنى اللغوي فيها، وهو تنمية المال، وتطهيره وتطهير صاحبه.
وهي أحد أركان الدين، وقد ثبتت فرضيتها بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح يقتضيها.
ولوجوبها شروط، أهمها الإسلام، فلا تجب على كافر، وإن كان يخاطب عنها في الآخرة، ويعذب على تركها.
وثانيها- ملك النصاب، ويأتي بيان مقداره إن شاء الله تعالى.
وثالثها- مُضى الحَول إلا في الخارج من الأرض، فحوله حصوله، كما يأتي:
وهي من محاسن الإسلام، الذي جاء بالمساواة، والتراحم، والتعاطف، والتعاون، وقطع دابر كل شرٍّ يهدد الفضيلة والأمن والرخاء، وغير ذلك من مقومات البقاء لصلاح الدنيا والآخرة.
فقد جعلها الله طهرة لصاحبها من رذيلة البخل، وتنمية حسية ومعنوية من آفة النقص، ومساواة بين خلقه بما خوَّلهم من مال، وإعانة من الأغنياء لإخوانهم الفقراء، الذين لا يقدرون على ما يقيم أودهم من مال، ولا قوة لهم على عمل. وتحقيقا للسلام، الذي لا يستقر بوجود طائفة جائعة، ترى المال المحرومة منه، وتأليفا للقلوب، وجمعاً للكلمة حينما يجود الأغنياء على الفقراء بنصيب من أموالهم. وبمثل هذه الفريضة الكريمة يُِعْلَمُ:
أن الإسلام هو دين العدالة الاجتماعية، الذي يكفل للفقير العاجز العيش والقوت، وَلِلغني حرية التملك مقابل سعيه وكدحه.
وهذا هو المذهب المستقيم الذي به عمارة الكون، وصلاح الدين والدنيا.
فلا شيوعية متطرفة، ولا رأسمالية ممسكة شحيحة. وقد حذر الله من منع
стр. 281
الزكاة في نصوص كثيرة، وتوعد على ذلك بالعذاب الشديد، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم، بل هو شر لهم، يطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾ .
وجاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع، يطوقه يوم القيامة ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك ".
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بن عباس ﵄ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لمُعَاذِ بن جَبَل حِينَ بَعَثَهُ إلى اليمَنِ:
" إنك ستأتي قوْما أهل الكتاب، فَإذَا جئتهم فادعُهم إِلى أنْ يشهدوا أنْ لاَ إله إلا الله وَأن محمدا رسولُ الله ".
فَإن هُم أطَاعُوا لَكَ بِذلِكَ فأخْبِرْهُم أن الله قد فَرَض عَلَيهم خمس صَلَوَاتٍ في كل يَوم وليلة.
فَإنْ هُمْ أطَاعُوا لَكَ بِذلك، فَأخبِرهُمْ أن الله قَدْ فَرَضَ عَليهم صَدَقَةً تُؤخَذُ مِنْ أغنِيَاِئهمْ فترَدُّ عَلَى فُقَرَائِهمْ.
فَإنْ هُمْ أطَاعُوا لَكَ بِذَلكَ، فَإيَّاكَ وكرَائمَ أمْوَالِهم.
وَاتقِ دَعْوَةَ المَظْلُوم، فَإنهُ لَيْسَ بينهَا وَبينَ الله حِجَابٌ".
المعنى الإجمالي:
بعث النبي ﷺ " معاذ بن جبل " رضى الله عنه إلى اليمن، داعياً ومعلما، وقاضياً، فبين له ﷺ صفة الدعوة والحكمة الرشيدة.
فأخبره- أولا- عن حال من سيقدم عليهم، لأن لكل أناس خطابا يلائمهم.
فأخبره أنهم أهل الكتاب، عندهم علم وحجج يجادلون بها، ليأخذ لهم الأهبة.
ثم أمره أن يدعوهم بالأهم فالأهم.
فأهم شيء، الشهادتان، لأنهما الأساس، الذي لا يقوم بناء بدونه.
فلا تصح العبادات إن لم يوجد الإقرار قلباً وقالبا بهما.
ثم أمره إذا أطاعوه بهما، أن يدعوهم إلى أهم العبادات وهى الصلوات الخمس المكتوبة.
ثم يبين لهم- بعد التزام الصلاة- فريضة، "الزكاة " التي هي قرينة الصلاة، وهي العبادة المالية بعد العبادة البدنية، وأن القصد منها، المواساة بين المسلمين، ولذا فإنها تؤخذ من الأغنياء، فترد على الفقراء.
ثم يبين له مالهم من حق الإنصاف والعدل. بعد التزامهم بأداء الزكاة.
وهي أن لا يأخذ الزكاة من الكرام الطيبات، بل يأخذ من الوسط، لأن مبناها على المواساة.
стр. 282
وبما أن للساعي سلطة، يخشى أن يستغلها في ظلم الرعية فقد حذره من الظلم، لئلا يدعو عليه المظلوم الذي تجد دعوته أبواب السماء مفتحة، فتلج حتى تصل إلى الحكم العدل، فينتصف لصاحبها الذي طلب حقه منه، وهو مجيب دعوة المضطرين.
الأحكام المأخوذة من الحديث:
١- قوله " إنك ستأتي قوماً أهل كتاب" هو توطئة وتمهيد للوصية باستجماع همته في دعوتهم، فإن أهل الكتاب لديهم علم، ولا يخاطبون كما يخاطب جهال المشركين.
٢- الاستعداد بالحجج والعلم، لمجادلة أعداء الدين، ورد شبههم الباطلة.
٣- تعلم وتعليم حسن الدعوة إلى الله تعالى، لتكون الدعوة بالحكمة.
٤- الدعوة إلى الله، تكون بالأهم فالأهم.
٥- أن أهم شيء هو التوحيد، لأنه الأساس الذي لا تصح العبادات بدونه. وهذا هو المراد من تقديم الدعوة أولا إلى التوحيد والإيمان.
٦- أن الصلوات الخمس تأتي في المرتبة الثانية، لأنها عمود الدين.
٧- أن الزكاة تأتى في الدرجة الثالثة. ولم يذكر النبي ﷺ من الأركان إلا ثلاثة مع أنه بعث معاذا بعد فرض الصوم والحج وفى هذا نكتة أجاب عنها العلماء بأن قوله تعالى ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ هو من سورة براءة التي نزلت بعد فرض الصوم والحج قطعا، فكأن الحديث مساوقة لهذه اللفتة القرآنية. هذا مع إجماع العلماء على أن أركان الإسلام خمسة لا يتم إلا بها كلها.
٨- أنه لا ينتقل من دعوة إلى أخرى، حتى يطاع في الأولى.
٩- أن الزكاة مواساة، لأنها تؤخذ من الأغنياء لتعطى الفقراء.
١٠- أنه لا يحل للساعي أن يأخذ من الجيد العالي، بل يأخذ الوسط إلا إذا سمح بذلك رب المال، بلا حياء ولا إكراه، فالحق له وقد بذله.
١١- أن يخشى الساعي من ظلم الناس، فإن ظلمهم سبب في دعائهم عليه الذي لا يرده الله تعالى، لأنه طلب العدل والحكم، والله أعدل العادلين، وأحكم الحاكمين. وفي الحديث دليل على فداحة الظلم.
١٢- مشروعية بعث الإمام السعاة لجبى الزكاة. وأن الذمة تبرأ بدفعها للإمام أو سعاته.
стр. 283
١٣- في الاقتصار على الصلوات الخمس، دليل على عدم وجوب الوتر.
١٤- جواز صرف الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية.
١٥- قوله " على فقرائهم " استدل به على عدم جواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر.
والصحيح جواز نقلها، لاسيما مع المصلحة، بأن يكون له أقارب فقراء في غير بلد المال، أو إعانة على جهاد أو علم.
وكان النبي ﷺ يبعث عماله على الصدقة فيأتون بها المدينة ليفرقها فيها وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد. والمشهور من مذهبه القول الأول.
١٦- ومما يضعف القول بعدم نقلها أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر، فقد وردت مخاطبتهم بالصلاة، لا يختص بهم الحكم قطعاً.
الحديث الثاني
عَنْ أبى سَعِيدٍ الخُذري ﵁ قَالَ: قالَ رسُولُ الله:
"ليسَ فِيمَا دُونَ خَمْس أوَاقٍ صَدَقَة، وَلاَ فَيما دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَة، وَلاَ فِيمَا دُونَ خَمسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَة".
الغريب:
أواق: مفردها أوقية. والأوقية تعادل أربعين درهماً، ويأتي ضبط النصاب بالعملة الحاضرة إن شاء الله.
ذَوْد: الذود، ليس له مفرد من لفظه، ويطلق على الثلاث من الإبل إلى العشر.
أوسق: " الوسق " بفتح الواو على المشهور. وأصله في اللغة الحمل.
والمراد به هنا، ستون صاعا بالصاع النبوى، ويأتي تحديد النصاب في مكيالنا الحاضر.
دون: أقل. وقد بينتها رواية مسلم "ليس في حب ولا تمر صدقة حتى تبلغ خمسة أوسق".
المعنى الإجمالي:
الزكاة، مواساة بين الأغنياء والفقراء، ولذا فإنها لا تؤخذ ممن ماله قليل لا يعد به غنيا.
فالشارع بين أدنى حد لمن تجب عليه. وأما من يملك دون الحد الأدنى. فإنه فقير لا يؤخذ منه شيء.
فصاحب الفضة، لا تجب عليه حتى يكون عنده خمس أواق، وكل أوقية أربعون درهماً، فيكون نصابه منها مائتى درهم.
وصاحب الإبل لا تجب عليه الزكاة حتى يكون عنده خمس
стр. 284
فصاعداً، ومادون ذلك ليس فيها زكاة.
وصاحب الحبوب والثمار، لا تجب عليه حتى يكون ما عنده خمسة أوسق، و" الوسق " ستون صاعاً، فيكون نصابه ثلاثمائة صاع.
ما يؤخذ من الحديث:
١- وجوب الزكاة على من عنده الأنصبة المذكورة، أو شيء منها وتحديد الأنصبة مواساة بين الأغنياء والفقراء.
٢- عدم وجوبها، على من قصر ماله عن هذه التحديدات. وحكى ابن المنذر الإجماع على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق مما تنبت الأرض. والإمام مالك يسامح بالنقص اليسير.
٣- إذا بلغت الفضة مئتى درهم، ففيها ربع عشرها، وإذا بلغت الإبل - خمساً، ففيها شاة، والعشر شاتان، والخسة عشر، ثلاث شياه، والعشرون أربع شياه.
فإذا بلغت خمسا وعشرين، ففيها بنت مخاض من الإبل، وما بين ذلك وقص، ليس فيه زكاة، ثم تؤخذ في أسنان الإبل كما فصل في حديث أنس. وإذا بلغت الحبوب أو الثمار خمسة أوسق، وهو ثلاثمائة صاع بالصاع النبوي.
فإن كانت تسقى بكلفة، كالسواني والمكائن، ففيها نصف العشر.
وإن كانت تسقى بلا كلفة كالأنهار والعيون الجارية على وجه الأرض، ومثله "الأرتوازي" الذي يفيض ماؤه على وجه الأرض، ففيها العشر. لقوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقى بالسانية نصف العشر" أخرجه مسلم من حديث جابر.
٤- لم يذكر في الحديث الذهب لأن غالب عملتهم الفضة وأخرج أبو داود عن على مرفوعاً " ليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينارا" قال ابن حجر: هو حسن وقال ابن عبد البر: الإجماع على أن نصاب الذهب عشرون مثقالاً.
٥- الزكاة تجب في الحبوب والثمار التي تكال وتدخر عن الأئمة، مالك والشافعي وأحمد. أما أبو حنيفة فأوجبها حتى في الخضروات. والقول الأول أرجح، لأن ما يكال ويدخر هو الذي كملت فيه النعمة ولما روى الدارقطني مرفوعا " لا زكاة في الخضروات " وهو حديث ضعيف. إلا أن له ما يعضده.
стр. 285
بيان مقدار زكاة النقدين
في عملتنا الحاضرة
نصاب الذهب عشرون مثقالا إسلاميا، والمثقال وثلثا المثقال، بوزن، " جنيه إنجليزي" أو "جنيه سعودي".
فيكون نصاب الذهب فيهما اثنى عشر جنيها سعودياً أو إنجليزياً لأن وزنهما واحد.
ونصاب الفضة، مئتا درهم، وبالريال "الفرنسى" اثنان وعشرون ريالا، وبالريال العربي السعودي، خمسة وخمسون ريالا.
بيان مقدار زكاة الحبوب والثمار
في مكيالنا الحاضر
نصاب الحبوب والثمار خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً نبوياً. فيكون النصاب بالصاع النبوي ثلاثمائة صاع.
والصاع النبوي أقل من الكيلة الحجازية والصاع النجدي بالخمس وخمس الخمس.
فيكون مقدار نصاب زكاة الحبوب والثمار بالصاع النجدي والكيلة الحجازية، مِئَتيْ صاع وثمانية وعشرين صاعا، ومثاله الكيلة. والله أعلم.
لحديث الأول
عَنْ أبي هريرة ﵁ أن رَسولَ الله ﷺ قال:
"ليس عَلَى المسلم في عبدِهِ وَلاَ فَرَسهِ صَدَقَة". وفي لفظ (١) إِلا زكاة الفطر في الرقيق".
المعنى الإجمالي:
تقدم أن الزكاة، مبناها على المساواة والعدل، لذا أوجبها الله تعالى في أموال الأغنياء النامية والمعدة للنماء، كالخارج من الأرض، وعروض التجارة.
أما الأموال التي لا تنمو- وهي باقية للقنية والاستعمال- فهذه ليس فيها زكاة على أصحابها.
وذلك كمركبه، من فرس، وبعير، وسيارة، وكذلك عبده المعد للخدمة، وفرشه وأوانيه المعدة للاستعمال.
لكن يستثنى من ذلك زكاة الفطر للعبد، فإنها تجب وإن لم يعدّ للتجارة، لأنها متعلقة بالبدن لا بالمال.
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن الزكاة لا تجب في العبد الذي للخدمة والفرس المعدة للركوب قال ابن القيم في