← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9878

تيسير العلام شرح عمدة الأحكام

عبد الله البسام

Полный текст (741 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الزكاة في نصوص كثيرة، وتوعد على ذلك بالعذاب الشديد، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم، بل هو شر لهم، يطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾ . وجاء في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: " من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع، يطوقه يوم القيامة ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك ". الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بن عباس ﵄ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ لمُعَاذِ بن جَبَل حِينَ بَعَثَهُ إلى اليمَنِ: " إنك ستأتي قوْما أهل الكتاب، فَإذَا جئتهم فادعُهم إِلى أنْ يشهدوا أنْ لاَ إله إلا الله وَأن محمدا رسولُ الله ". فَإن هُم أطَاعُوا لَكَ بِذلِكَ فأخْبِرْهُم أن الله قد فَرَض عَلَيهم خمس صَلَوَاتٍ في كل يَوم وليلة. فَإنْ هُمْ أطَاعُوا لَكَ بِذلك، فَأخبِرهُمْ أن الله قَدْ فَرَضَ عَليهم صَدَقَةً تُؤخَذُ مِنْ أغنِيَاِئهمْ فترَدُّ عَلَى فُقَرَائِهمْ. فَإنْ هُمْ أطَاعُوا لَكَ بِذَلكَ، فَإيَّاكَ وكرَائمَ أمْوَالِهم. وَاتقِ دَعْوَةَ المَظْلُوم، فَإنهُ لَيْسَ بينهَا وَبينَ الله حِجَابٌ". المعنى الإجمالي: بعث النبي ﷺ " معاذ بن جبل " رضى الله عنه إلى اليمن، داعياً ومعلما، وقاضياً، فبين له ﷺ صفة الدعوة والحكمة الرشيدة. فأخبره- أولا- عن حال من سيقدم عليهم، لأن لكل أناس خطابا يلائمهم. فأخبره أنهم أهل الكتاب، عندهم علم وحجج يجادلون بها، ليأخذ لهم الأهبة. ثم أمره أن يدعوهم بالأهم فالأهم. فأهم شيء، الشهادتان، لأنهما الأساس، الذي لا يقوم بناء بدونه. فلا تصح العبادات إن لم يوجد الإقرار قلباً وقالبا بهما. ثم أمره إذا أطاعوه بهما، أن يدعوهم إلى أهم العبادات وهى الصلوات الخمس المكتوبة. ثم يبين لهم- بعد التزام الصلاة- فريضة، "الزكاة " التي هي قرينة الصلاة، وهي العبادة المالية بعد العبادة البدنية، وأن القصد منها، المواساة بين المسلمين، ولذا فإنها تؤخذ من الأغنياء، فترد على الفقراء. ثم يبين له مالهم من حق الإنصاف والعدل. بعد التزامهم بأداء الزكاة. وهي أن لا يأخذ الزكاة من الكرام الطيبات، بل يأخذ من الوسط، لأن مبناها على المواساة.

стр. 282

وبما أن للساعي سلطة، يخشى أن يستغلها في ظلم الرعية فقد حذره من الظلم، لئلا يدعو عليه المظلوم الذي تجد دعوته أبواب السماء مفتحة، فتلج حتى تصل إلى الحكم العدل، فينتصف لصاحبها الذي طلب حقه منه، وهو مجيب دعوة المضطرين. الأحكام المأخوذة من الحديث: ١- قوله " إنك ستأتي قوماً أهل كتاب" هو توطئة وتمهيد للوصية باستجماع همته في دعوتهم، فإن أهل الكتاب لديهم علم، ولا يخاطبون كما يخاطب جهال المشركين. ٢- الاستعداد بالحجج والعلم، لمجادلة أعداء الدين، ورد شبههم الباطلة. ٣- تعلم وتعليم حسن الدعوة إلى الله تعالى، لتكون الدعوة بالحكمة. ٤- الدعوة إلى الله، تكون بالأهم فالأهم. ٥- أن أهم شيء هو التوحيد، لأنه الأساس الذي لا تصح العبادات بدونه. وهذا هو المراد من تقديم الدعوة أولا إلى التوحيد والإيمان. ٦- أن الصلوات الخمس تأتي في المرتبة الثانية، لأنها عمود الدين. ٧- أن الزكاة تأتى في الدرجة الثالثة. ولم يذكر النبي ﷺ من الأركان إلا ثلاثة مع أنه بعث معاذا بعد فرض الصوم والحج وفى هذا نكتة أجاب عنها العلماء بأن قوله تعالى ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ هو من سورة براءة التي نزلت بعد فرض الصوم والحج قطعا، فكأن الحديث مساوقة لهذه اللفتة القرآنية. هذا مع إجماع العلماء على أن أركان الإسلام خمسة لا يتم إلا بها كلها. ٨- أنه لا ينتقل من دعوة إلى أخرى، حتى يطاع في الأولى. ٩- أن الزكاة مواساة، لأنها تؤخذ من الأغنياء لتعطى الفقراء. ١٠- أنه لا يحل للساعي أن يأخذ من الجيد العالي، بل يأخذ الوسط إلا إذا سمح بذلك رب المال، بلا حياء ولا إكراه، فالحق له وقد بذله. ١١- أن يخشى الساعي من ظلم الناس، فإن ظلمهم سبب في دعائهم عليه الذي لا يرده الله تعالى، لأنه طلب العدل والحكم، والله أعدل العادلين، وأحكم الحاكمين. وفي الحديث دليل على فداحة الظلم. ١٢- مشروعية بعث الإمام السعاة لجبى الزكاة. وأن الذمة تبرأ بدفعها للإمام أو سعاته.

стр. 283

١٣- في الاقتصار على الصلوات الخمس، دليل على عدم وجوب الوتر. ١٤- جواز صرف الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية. ١٥- قوله " على فقرائهم " استدل به على عدم جواز نقل الزكاة من بلد إلى آخر. والصحيح جواز نقلها، لاسيما مع المصلحة، بأن يكون له أقارب فقراء في غير بلد المال، أو إعانة على جهاد أو علم. وكان النبي ﷺ يبعث عماله على الصدقة فيأتون بها المدينة ليفرقها فيها وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد. والمشهور من مذهبه القول الأول. ١٦- ومما يضعف القول بعدم نقلها أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر، فقد وردت مخاطبتهم بالصلاة، لا يختص بهم الحكم قطعاً. الحديث الثاني عَنْ أبى سَعِيدٍ الخُذري ﵁ قَالَ: قالَ رسُولُ الله: "ليسَ فِيمَا دُونَ خَمْس أوَاقٍ صَدَقَة، وَلاَ فَيما دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَة، وَلاَ فِيمَا دُونَ خَمسَةِ أوْسُقٍ صَدَقَة". الغريب: أواق: مفردها أوقية. والأوقية تعادل أربعين درهماً، ويأتي ضبط النصاب بالعملة الحاضرة إن شاء الله. ذَوْد: الذود، ليس له مفرد من لفظه، ويطلق على الثلاث من الإبل إلى العشر. أوسق: " الوسق " بفتح الواو على المشهور. وأصله في اللغة الحمل. والمراد به هنا، ستون صاعا بالصاع النبوى، ويأتي تحديد النصاب في مكيالنا الحاضر. دون: أقل. وقد بينتها رواية مسلم "ليس في حب ولا تمر صدقة حتى تبلغ خمسة أوسق". المعنى الإجمالي: الزكاة، مواساة بين الأغنياء والفقراء، ولذا فإنها لا تؤخذ ممن ماله قليل لا يعد به غنيا. فالشارع بين أدنى حد لمن تجب عليه. وأما من يملك دون الحد الأدنى. فإنه فقير لا يؤخذ منه شيء. فصاحب الفضة، لا تجب عليه حتى يكون عنده خمس أواق، وكل أوقية أربعون درهماً، فيكون نصابه منها مائتى درهم. وصاحب الإبل لا تجب عليه الزكاة حتى يكون عنده خمس

стр. 284

فصاعداً، ومادون ذلك ليس فيها زكاة. وصاحب الحبوب والثمار، لا تجب عليه حتى يكون ما عنده خمسة أوسق، و" الوسق " ستون صاعاً، فيكون نصابه ثلاثمائة صاع. ما يؤخذ من الحديث: ١- وجوب الزكاة على من عنده الأنصبة المذكورة، أو شيء منها وتحديد الأنصبة مواساة بين الأغنياء والفقراء. ٢- عدم وجوبها، على من قصر ماله عن هذه التحديدات. وحكى ابن المنذر الإجماع على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق مما تنبت الأرض. والإمام مالك يسامح بالنقص اليسير. ٣- إذا بلغت الفضة مئتى درهم، ففيها ربع عشرها، وإذا بلغت الإبل - خمساً، ففيها شاة، والعشر شاتان، والخسة عشر، ثلاث شياه، والعشرون أربع شياه. فإذا بلغت خمسا وعشرين، ففيها بنت مخاض من الإبل، وما بين ذلك وقص، ليس فيه زكاة، ثم تؤخذ في أسنان الإبل كما فصل في حديث أنس. وإذا بلغت الحبوب أو الثمار خمسة أوسق، وهو ثلاثمائة صاع بالصاع النبوي. فإن كانت تسقى بكلفة، كالسواني والمكائن، ففيها نصف العشر. وإن كانت تسقى بلا كلفة كالأنهار والعيون الجارية على وجه الأرض، ومثله "الأرتوازي" الذي يفيض ماؤه على وجه الأرض، ففيها العشر. لقوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر، وفيما سقى بالسانية نصف العشر" أخرجه مسلم من حديث جابر. ٤- لم يذكر في الحديث الذهب لأن غالب عملتهم الفضة وأخرج أبو داود عن على مرفوعاً " ليس عليك شيء حتى يكون لك عشرون دينارا" قال ابن حجر: هو حسن وقال ابن عبد البر: الإجماع على أن نصاب الذهب عشرون مثقالاً. ٥- الزكاة تجب في الحبوب والثمار التي تكال وتدخر عن الأئمة، مالك والشافعي وأحمد. أما أبو حنيفة فأوجبها حتى في الخضروات. والقول الأول أرجح، لأن ما يكال ويدخر هو الذي كملت فيه النعمة ولما روى الدارقطني مرفوعا " لا زكاة في الخضروات " وهو حديث ضعيف. إلا أن له ما يعضده.

стр. 285

بيان مقدار زكاة النقدين في عملتنا الحاضرة نصاب الذهب عشرون مثقالا إسلاميا، والمثقال وثلثا المثقال، بوزن، " جنيه إنجليزي" أو "جنيه سعودي". فيكون نصاب الذهب فيهما اثنى عشر جنيها سعودياً أو إنجليزياً لأن وزنهما واحد. ونصاب الفضة، مئتا درهم، وبالريال "الفرنسى" اثنان وعشرون ريالا، وبالريال العربي السعودي، خمسة وخمسون ريالا. بيان مقدار زكاة الحبوب والثمار في مكيالنا الحاضر نصاب الحبوب والثمار خمسة أوسق، والوسق ستون صاعاً نبوياً. فيكون النصاب بالصاع النبوي ثلاثمائة صاع. والصاع النبوي أقل من الكيلة الحجازية والصاع النجدي بالخمس وخمس الخمس. فيكون مقدار نصاب زكاة الحبوب والثمار بالصاع النجدي والكيلة الحجازية، مِئَتيْ صاع وثمانية وعشرين صاعا، ومثاله الكيلة. والله أعلم. لحديث الأول عَنْ أبي هريرة ﵁ أن رَسولَ الله ﷺ قال: "ليس عَلَى المسلم في عبدِهِ وَلاَ فَرَسهِ صَدَقَة". وفي لفظ (١) إِلا زكاة الفطر في الرقيق". المعنى الإجمالي: تقدم أن الزكاة، مبناها على المساواة والعدل، لذا أوجبها الله تعالى في أموال الأغنياء النامية والمعدة للنماء، كالخارج من الأرض، وعروض التجارة. أما الأموال التي لا تنمو- وهي باقية للقنية والاستعمال- فهذه ليس فيها زكاة على أصحابها. وذلك كمركبه، من فرس، وبعير، وسيارة، وكذلك عبده المعد للخدمة، وفرشه وأوانيه المعدة للاستعمال. لكن يستثنى من ذلك زكاة الفطر للعبد، فإنها تجب وإن لم يعدّ للتجارة، لأنها متعلقة بالبدن لا بالمال. ما يؤخذ من الحديث: ١- أن الزكاة لا تجب في العبد الذي للخدمة والفرس المعدة للركوب قال ابن القيم في

стр. 286

تهذيب السنن. إنما سقطت الصدقة عن الخيل والرقيق إذا كانت للخدمة والركوب. فأما ما كان منها للتجارة ففيه الزكاة في قيمتها. ٢- أن زكاة الفطر واجبة للعبد مطلقا، سواء أكان للخدمة أم للتجارة. لأنها متعلقة بعينه لا بقيمته كأموال العروض. ٣- أن كل ما أعد للاستعمال والاقتناء، لا تجب فيه الزكاة، لأنها مبنية على المساواة وإذا لم ينم المال، أكلته الزكاة فيتضرر صاحبه. ٤- ما تقدم من كون الزكاة لا تجب إلا في المال النامي، هو مأخذ الذين لا يوجبون الزكاة في الحُلي المعد للاستعمال، وهو مأخذ جيد. ولكن ورد في الذهب والفضة نصوص توجب قوة القول بوجوب الزكاة في الحُلي مطلقا، لذا فالاحتياط إخراج الزكاة عنه. ٥- بمثل هذه المقارنات الشرعية بين حق الفقير والغنى، تعلم سماحة هذه الشريعة وعدل أحكامها، ونظرها في أحوال الناس بعين المصلحة العامة ﴿وَمَنْ أحْسَنُ مِن الله حُكْماً لِقَوم يوقنُونَ﴾ . الحديث الثاني عَنْ أبي هريرة ﵁: أنَّ رَسُولَ الله قَال: "العَجمَاءُ جُبَار، وَالبِئْرُ جُبار، والمَعْدِنُ جُبَار، وفي الركَازِ الخمس". الجبار: الهدر الذي لاشيء فيه. والعجماء: الدابة البهيم. الغريب: العَجماء: بفتح العين، وإسكان الجيم، ممدودة- وهى البهيمة. سميت" عجماء " لأنها لا تتكلم. المعدن: هو المكان الذي تستخرج منه الجواهر وأمثالها. جبار: بضم الجيم، يعني هدر، لا ضمان فيه. الركاز: بكسر الراء، وتخفيف الكاف، آخره زاى، أي المركوز (المغروز) في الأرض وهو دفن الجاهلية.

стр. 287

المعنى الإجمالي: يبين النبي ﷺ الأشياء التي يحصل فيها تلف خارج عن قدرة الإنسان وتسببه وإهماله، وأنه ليس عليه- من جراء إتلافها- شيء. وذلك كالبهيمة التي لم يفرط في إرسالها، ولم يكن متصرفا فيها فتتلف زرعاً أو تضر أحداً بعضٍّ أو ضرب بيدها، أو رَمْح برجلها. وكذلك لو أمر إنسانا بدون إكراه له، أو تغرير به، بنزول في بئر، أو عمل، فلا ضمان على الآمر، لأنه لم يحصل منه تَعَد ولا تفريط. أما لو أكرهه على ذلك، أو كان يعلم أن في هذه الأشياء ونحوها خطراً فغره ولم يعلم بذلك، فإن عليه الضمان. ثم ذكر أن من وجد كنزا قليلا أو كثيرا، فعليه إخراج خمسه، لأنه حصله بلا كلفة ولا تعب. فشكرا لله تعالى ومواساةً لإخوانه المسلمين، يجب عليه أن يخرج منه الخمس، لأنه كالفيء الذي يحصل من مال الكفار بلا كلفة. وهكذا تلاحظ الشريعة العدل والإنصاف في أحكامها، فتقدم قدر الزكاة فيما يحتاج إلى كلفة ومشقة ومؤنة، واختلافه حسب ذلك. ما يؤخذ من الحديث ١- أنه لا ضمان في البهيمة إذا لم يكن صاحبها متصرفا فيها، أو لم يرسلها ليلا. فإن تسبب صاحبها بما أتلفت، أو أرسلها ليلا فأفسدت على الناس زرعهم، فعليه الضمان. فقد قيد العلماء إطلاق هذا الحديث بأدلة أخرى، بضمان المتسبب، وهو مذهب الجمهور. وذكر ابن دقيق العيد اختلاف العلماء في عموم الهدر، ووصل إلى القول بأن جناية البهيمة هدر إذا لم يكن ثمة تقصير من المالك أو ممن هي تحت يده. وقال: وينزل الحديث على ذلك. ٢- أنه لا ضمان فيما أتلفت بئره أو معدنه إذا لم يكن مكرها النازل أو العامل أو عالماً بأن في ذلك خطراً فغره ولم يعلمه. فإن أكره أحدا على النزول في بئر، أو الصعود لشجرة أو نحو ذلك، أو لم يكرهه، ولكن فيه خطر ولم يعلمه، فعليه الضمان، لأن التلف حصل بسبب إكراهه، أو من تغريره. ٣- أنه يجب إخراج الخمس مما وجد من الكنوز، قليلا كان الموجود، أو كثيرا. ٤- خصه بعض العلماء بما عليه علامة كفار، بأن يكون من زمن الجاهلية وذكر الصنعاني قيدا ثانيا هو أن يكون في أرض موات أو ملك أحياه الواجد، فإن كان في أرض مملوكة فليس بركاز، وإنما هو لقطة.

стр. 288

٥- أن يخرج الخمس من حين يجده، كما هو ظاهر الحديث فإن النماء فيه متكامل. وما تكامل فيه النماء لا يعتبر فيه الحول، فإن الحول مدة مضروبة لتحصيل النماء. قال النووي: وعدم اشتراط الحول بالركاز إجماع. ٦- الظاهر من الحديث، أنه يخرج منه لا من قيمته، سواء كان من ذهب، أو فضة، أو نحاس، أو حديد، أو غير ذلك. ٧- بهذه الميزات يعلم أن شبهه بالفيء أقرب من شبهه بالزكاة. ولذا قال كثير من العلماء: إن مصرفه مصرف الفيء، يصرف في المصالح العامة، لا مصرف الزكاة الذي يجعل في الأقسام الثمانية. لأن الزكاة قد فارق الزكاة بالأمور الآتية: ١- الزكاة لا تخرج إلا من نصاب محدود، فما فوقه، أما الركاز فيخرج الخمس من قليله أو كثيره. ٢- الركاز يخرج من عينه، أما العروض فتخرج زكاتها نقوداً. ٣- الركاز حوله وجوده، أما الزكاة فلها حول محدد معلوم لا تجب قبله. ٤- مصرف الركاز مصرف الفيء في المصالح العامة، والزكاة تصرف في الأوجه الثمانية المعروفة. ٥- الركاز فيه الخمس، والزكاة أكثر ما فيها العشر وأقل ما فيها ربع العشر. الحديث الثالث عَنْ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: بَعَثَ رَسولُ الله ﷺ عُمَرَ عَلى الصَدَقةِ فَقِيلَ (١) منع ابنُ جَمِيل، وَخَالِدُ بن الوَليدِ، وَالعبَّاسُ عمُّ النبي ﷺ . فقال رَسُولُ الله ﷺ : " مَا يَنْقِمُ ابنُ جَمِيل إلا أنْ كَانَ فَقِيراً فَأغنَاهُ الله تَعَالى. وَأمَّا خَالِد فَإنّكُم تَظْلِمُونَ خالداً، فَقَدِ احْتبسَ أدرَاعَهُ وأعْتَادَهُ في سَبِيلِ الله. وَأمَّا العَبَّاسُ فَهيَ عَلى وَمِثلُهَا ". ثم قال: " يَا عُمَرُ، أمَا عَلِمتَ أنَّ عَمَّ الرجل صِنْوُ أبيهِ ". الغريب: ما ينقم إلا أن كان فقيرا فأغناه الله " ينقم " بكسر القاف: معناه، ما ينكر وهذا السياق معناه عند البلاغيين، تأكيد الذم بما يشبه المدح وهو من لطيف الكلام.

стр. 289

أعتاده: مفرده "عتاد" بفتح العين و" الأعتاد " آلات الحرب من السلاح وغيره. "صنو أبيه ": هذا تشبيه للأخوين فأكثر من أب واحد، وهم فروعه، كالنخلتين فأكثر، تفترقان من أصل واحد، و" الصنو " بكسر الصاد، هو المثل. ابن جميل: بالجيم المفتوحة بعدها ميم مكسورة سماه بعضهم " حسيناً" وبعضهم "عبد الله ". المعنى الإجمالي: بعث النبي صلى الله عليه سلم عمر بن الخطاب ﵁ لجباية الزكاة كعادته في بعث السُّعاة، فجاء عمر إلى العباس بن عبد المطلب، وخالد بن الوليد، وابن جميل،. يريد منهم الزكاة، فمنعوا أدائها. فجاء عمر إلى النبي ﷺ يشتكى هؤلاء الثلاثة. فقال ﷺ : أما ابن جيل، فليس له من العذر في منعها إلا أنة كان فقيراً فأغناه الله فقابل نعمة الله كفراً، وشكر نكراً. وأما خالد فإنكم تظلمونه بقولكم منع الزكاة وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، فكيف يقع منع الزكاة من رجل تقرب إلى الله تعالى بإنفاق ما لا يجب عليه ثم هو يمنع ما أوجبه الله عليه فإن هذا بعيد. وإما لأنه جعلها أدوات قنية يستعملها في الجهاد والأشياء التي للقنية ليس فيها زكاة، لأنها ليست من الأموال النامية بالتجارة وغيرها. وأما العباس، فقد تحملها ﷺ عنه. ويحتمل أن ذلك لمقامه ومنزلته. ويدل عليه قوله: " أما علمت أن عَمَّ الرجل صنوُ أبيه؟ ". وإما لأنه قدم زكاته لعامين فقد تسلمها النبي ﷺ . ويدل عليه ما ورد بسند ضعيف عن ابن مسعود: " أن النبي ﷺ تعجل مِنَ العَباس صَدَقَتَهُ سَنتيْن ". ما يؤخذ من الحديث: ١- مشروعية بعث الإمام السعاة لجباية الزكاة. ٢- جواز شكوى من امتنع من الزكاة إلى من يجبره على أدائها. ومثله في الشكوى كل ممتنع عن واجب، أو فاعل محرماً. ٣- قبح من جحد نعمة الله عليه شرعا، وعقلا. ٤- أن الأشياء الموقوفة في سبيل الله، أو المعدة للاستعمال، ليس فيها زكاة. وذلك على أن عذره في منع الزكاة هو جعلها وقفا في سبيل الله أو على معنى أنه جعلها معدة للاستعمال والقنية.

стр. 290

٥- جواز جعل الأشياء المنقولة وقفا لله تعالى وفى سبيله. ٦- أما الاعتذار عن العباس، فيحتمل إفادة جواز تعجيل الزكاة، ويحتمل إفادة جواز تحمل الزكاة عمن وجبت عليه. ويبعد أن يمنع العباس الزكاة لغير عذر. ٧- تعظيم العم، كبير حقه لأنه بمنزلة الأب. الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ الله بن زَيد بن عَاصِمٍ المَازِني ﵁ قال: لما أفَاء الله عَلَى نَبِيهِ ﷺ يَوْمَ "حُنَيْن " قسَمَ في الناس وَفي الْمُؤَلَّفةِ قُلُوُبهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الأنْصَار شَيْئاً. فَكَأنَّهم وَجَدُوا في أنْفُسِهِمْ، إِذْ لَم يَصِبْهُمْ مَا أصَابَ الناسَ، فَخَطَبَهُمْ فقال: يَا مَعْشَرَ الأنصَارِ، ألم أجِدكم ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمُ الله بي؟ وَكُنْتُمْ متَفَرقِينَ فَألَّفَكُمُ الله بي؟ وَعَالَةً فَأغنَاكُمُ الله؟. كُلمَا قالَ شَيئاً، قَالوا: الله وَرَسُولُهُ أمَنُّ. قال: "مَا يَمنَعُكم أنْ تُجِيبُوا رَسولَ الله؟ " قالوا: الله وَرَسُولُهُ أمَنُّ. قال: لَو شئْتمْ لقلْتم: جئتَنَا بِكَذَا وَبكَذَا، ألا تَرْضَوْنَ أنْ يَذْهَبَ الناسُ بالشاةِ والبعيِرِ، وَتَذْهَبُونَ بالنبيِّ إِلى رِحَالِكُم؟ لَولاَ الهجرة لَكُنتُ أمرأ مِنَ الأنصَارِ، وَلو سَلَكَ النَاسُ وَاديا أو شعْبا، لَسَلَكتُ وادِيَ الأنصَارِ وَشِعْبَهَا. الأنصَارُ شِعَارٌ. والناس دِثَار. إِنَّكُم ستَلْقَونَ بَعْدِي أثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْني عَلى الحَوض". الغريب: حنين: واد في طريِق مكة- الطائف- المتجه مع السيل الكبير وحنين واقع بين الشرائع وقرية الزيمة ويسمى الآن وادي يدعان. وقد وقعت فيه معركة ضارية بين النبي ﷺ وبين " هوازن " ومعهم " ثقيف " في شوال من السنة الثامنة من الهجرة. المؤلفة قلوبهم: هم قوة يتألفون على الإسلام، بإعطائهم من الغنائم أو الصدقات، ليتمكن الإسلام من قلوبهم، أو لكونهم زعماء ذوى نفوذ وأتباع يسلمون بإسلامهم، أو ليدفعوا بجاههم وقوتهم عن الإسلام. عالة: فقراء. أمن: أفعل تفضيل من المنّ: معناه أكثر منة علينا وأعظم. وما أظن التفضيل مقصودا، وإنما هو صفة مشبهة باسم الفاعل. شعار: هو الثوب الذي يلي الجسد، وهو بكسر السين المعجمة.

стр. 291

دثار: هو الثوب الذي فوق الشعار، وهو بكسر الدال المهملة. أثرة: بفتح الهمزة والثاء، والأثرة الاستئثار بالشيء المشترك. ومعناه: أنه سيأتي من يستأثر بالدنيا عنكم مع حقكم فيها، فاصبروا. الشَّعْب: اسم لما انفرج بين جبلين. المعنى الإجمالي: التقى المسلمون بالمشركين في "حنين " فكانت الهزيمة على المشركين، فغنم المسلمون أموالهم. وكان قد صحب النبي ﷺ في هذه الغزاة، قوم من سادات العرب، الذين أسلموا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم. فأعطاهم ﷺ من الغنيمة عطية جزلة ليتألفهم على الإسلام فينكف- بسبب ذلك شر كبير عن المسلمين وليرغبوا في الإسلام، فيدخل معهم عشائرهم. ولم يعط الأنصار شيئا منها، اتكالا إلى ما زين الله به قلوبهم من الإيمان، الذي لا يزيده عطاء الدنيا، ولا ينقصه الحرمان منها. ولكن محبة ما أبيح لهم منها، وما حصلوه بسيوفهم وجهادهم، أوجد في قلوبهم شيئاً، إذ رأوا غنائمهم تقسم على غيرهم، ولا يعطون منها، ولم يفطنوا للحكمة الرشيدة المقصودة. فلما علم النبي ﷺ ما في نفوسهم جمعهم فخطبهم وقال: يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟. وكلما قال شيئا قالوا: الله ورسوله أمنّ. فلما ذكرهم نعمته التي جاءتهم على يده من الهداية التي هي أعظم مطلوب، والألفة بعد حروبهم الطاحنة، ومشاجراتهم المهلكة، ونعمة الغنى بعد الفقر، وذلك بالغنائم، وعمار أسواق المدينة ذلك بالتجارة والزراعة لأنها صارت عاصمة الإسلام وذلك بعد الفقر، الذي كانوا فيه أيام الجاهلية.. ومن كرم خلقه ﷺ وحبه للعدل، ذكرهم بما لهم من أياد بيض على الإسلام والمسلمين، إذ آووا المهاجرين، ونصروهم بعد أن عاداهم وتجهَّم لهم أقرب الناس إليهم، وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم، فوجدوا عندهم المأوى والنصرة، وكرم الضيافة، حتى أنسوهم- بمواساتهم- بلادهم وأهليهم. ثم أراد ﷺ أن يسليهم عن حطام الدنيا، بما فيه خير الدنيا والآخرة فقال: ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبوا برسول الله ﷺ إلى رحالكم؟. فما كان منهم " رضى الله عنهم " إلا أن رضوا وأعينهم مغرورقة بدموع الفرح بهذا الفضل الكبير والبشارة العظمى، وبدموع الندم والعتب على أنفسهم وتلاقت أرواحهم الصافية بروح نبيهم الطاهرة.

стр. 292

ثم أراد النبي ﷺ أن يطمئن قلوبهم، ويشرح صدورهم، ويعلن على الناس فضائلهم ومناقبهم الكريمة، لِمَا لهم من فضل السَّبْقِ بالإيمان والإيواء والنصرة لرسول الله ودين الله فقال: لولا الهجرة لكنتُ امْرَأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا أو شعْبا، لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار بالنسبة للرسول والدين، والناس من ورائهم، دثار، فهم أولى به. وبهذه الموعظة البليغة، والشرف العظيم، الذي نوّه به في حق الأنصار، علموا وعلم غيرهم من الناس أن النبي ﷺ لم يحرمهم من الغنائم ويُعطهَا من هو دونهم إيمانا وسابقة وفضلا، إلا اتكالا على ماوقر في قلوبهم من الإيمان الراسخ، وإيثار الآخرة على الدنيا. ثم ذكر علامة من علامات النبوة، وهي أنه سيستأثر بالدنيا عليهم غيرهم، فلا يهيجهم ذلك، ويثير حفائظ نفوسهم، فإن متاع الدنيا قليل وليصبروا حتى يلاقوه على الحوض، فإن الصبر الجميل من أسباب وروده مع النبي ﷺ وقد تحققت هذه المعجزة النبوية بعد انتهاء عهد الراشدين. اللهم ألحقنا بهم ووالدينا ومشايخنا وأقاربنا والمسلمين. برحمتك وفضلك يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين. ما يؤخذ من الحديث: ١- إعطاء المؤلفة قلوبهم من الغنيمة، بحسب رأى الإمام واجتهاده. ٢- جواز حرمان من وثق بدينه، تبعاً للمصلحة العامة. ٣- أن الرغبة في الأشياء الدنيوية لاتخل بإيمان الراغب وإخلاصه، إذا كان لم يعمل لأجل الدنيا فقط. فالنبي ﷺ لم يؤنبهم على رغبتهم. ٤- مشروعية الموعظة والخطبة في المناسبات وتبيين الحق. ٥- أن القائد، والأمير، وأصحاب الولايات، لا يتصرفون في الشؤون العامة، من غير أن يبينوا للرعية مقصدهم فيها. ٦- كون النبي ﷺ رحمة وبركة على الأمة، لاسيما الأنصار. ٧- ما للأنصار ﵃ من فضل الإيمان والنصرة لله ورسوله، أوجبت استئثارهم بالنبي ﵇، كما أوجبت محبته لهم وتقديمهم على غيرهم. ٨- علامة من علامات النبوّة، فإٍن ما ذكره مما سيقع على الأنصار، وقع من بعض الملوك الذين لم يعرفوا لهم حرمة وسابقة. ٩- أن الصبر الجميل على المصائب، من أسباب ورود الحوض مع النبي ﷺ .

стр. 293

فائدة: لم يظهر لي مناسبة واضحة لإيراد المؤلف هذا الحديث في كتاب الزكاة. ولعل ذلك متابعة لمسلم حيث أخرجه في باب الزكاة من صحيحه. أو لعله أراد أن يبينَ أن النبي ﷺ في آخر أيام رسالته، وبعد ما أعز الله الإسلام وقواه، أعطى المؤلفة قلوبهم من الغنيمة. فيقاس على الغنيمة أن يعطوا من الزكاة خلافا لمن يرى من العلماء سقوط نصيبهم من الزكاة بعد أن أعز الله الإسلام، كأبي حنيفة وأصحابه. والصحيح، جواز إعطائهم تأليفا لهم إذا دعت الحاجة إلى ذلك وهو المشهور من مذهب الإمام " أحمد " وهو من مفردات مذهبه. وليس عند المسقطين لسهمهم ما يعارضون به فعل النبي ﷺ وآية " براءة " التي هي من آخر القرآن نزولا.

стр. 294

بَابُ صدقة الفِطر نسبت إلى "الفطر" من باب نسبة المسبب إلى سببه، وقد أجمع العلماء على وجوبها، وشرعها الله تعالى لحكم عظيمة وفوائد كثيرة. منها: - أنها طهرة للصائم. وشكر لله تعالى على أن منّ عليه بتكميل صيام شهر رمضان، وشكراً له أيضاً على أن متعه بدوران الحول عليه، ونعمه تتوالى عليه، التي أعظمها نعمة الإسلام والإيمان. ومنها: - أنها مواساة دين الفقراء والأغنياء، إذا أعطوهم شيئاً من أموالهم اغتنوا في ذلك اليوم عن الاشتغال بطلب قوتهم، وترفعوا عن مذلة السؤال في يوم يحب كل الناس فيه التظاهر بالغني، ويشاركونهم في الأفراح المباحة- والله لطيف بعباده وهو الحكيم الخبير. الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: قال فَرَضَ النبي ﷺ صَدَقةَ الفِطرِ- أو قال: رمضان- عَلَى الذَّكر وَالأنثى وَالحُرِّ والمملوك، صَاعاً من تمر، أوْ صَاعا مِن شَعِير. قال: فَعدَلَ الناسُ بِهِ نِصْفَ صَاع من بُرٍّ عَلَى الصغِيرِ وَالكبَير. وفي لفظ: أنْ تؤَدَّى قبْلَ خُرُوج الناس إلَى الصلاَة، الحديث الثاني عَنْ أبي سَعِد الخدْرِيِّ رضي الله عَنْة قال: كُنا نعطيهَا في زَمَن النبي ﷺ ، صَاعاً مِنْ طَعَام أو صَاعاً مِنْ تَمر، أو صَاعا مِنْ شَعِير، أو صَاعاً مِنْ أقطٍ، أوْ صَاعاً مِنْ زَبِيبٍ. فَلِمَّا جَاءََ معاوِية وَجَاءت السَّمْرَاءُ قال: أرَى مُدّاً مِنْ ِ هذه يعدل مُدَّيْنِ. (١) قال أبو سعيد: أما أنا فَلاَ أزَال أخْرجُهُ كَمَا كُنْتُ أخْرجُهُ عَلى عَهدِ رَسول الله ﷺ . الغريب: الأقط: مثلث الهمزة، وهو يعمل من اللبن المخيض يطبخ حتى يتبخر ماؤه ثم يجفف، وأحسنه ما كان من لبن الغنم. السمراء: يريد بها الحنطة.

стр. 295

المعنى الإجمالي: أوجب النبي ﷺ صدقة الفطر على جميع المسلمين الذين تفضل الصدقة عن قوتهم في ذلك اليوم، كبيرهم، وصغيرهم، ذكرهم وأنثاهم، حر هم وعبدهم، أن يخرجوا صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير. فلما وردت على المدينة الحنطة السمراء في زمن معاوية، وقدم المدينة حاجاً، قال: أرى أن مُدّاً من الحنطة عن مدين من غيرها يغنى لجودتها ونفعها. فأما أبو سعيد الخدري رضى الله عنه فهو يقول: كنا نعطيها في زمن النبي ﷺ صاعاً من طعام، والطعام- عندهم- هو الحنطة، وكذلك صاعاً من أقط، وصاعاً من زبيب فلا أزال أخرج الصاع من الحنطة وغيرها كما كنت أخرجه في عهد النبي ﷺ ، إيثاراً للاتِّباع. وليحصل بالصدقة الإغناء المطلوب، أمر أن تؤدى إلى الفقير قبل خروج الناس إلى الصلاة. ما يؤخذ من الحديث: ١- وجوب زكاة " الفطر " وهو إجماع المسلمين لقوله: (فرض) . ٢- أن تخرج عن كل مسلم صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو عبد. ٣- أنها لا تجب عن الجنين، واستحب كثير من العلماء إخراجها عنه. فقد ورد عن الصحابة أنه كان يعجبهم إخراجها عن الحمل. وكان عثمان يخرجها عن الحمل أيضاً. ٤- ظاهر الحديث، تحديد الإخراج من الأشياء المذكورة. والمشهور من مذهب الإمام أحمد: أنه لا يجزئ غير هذه الأشياء مع وجود شيء منها. واختار شيخ الإسلام " ابن تيمية " جواز إخراجها من قوت بلده، ولو قدر على الأصناف المذكورة، وهو رواية عن الإمام أحمد وقول أكثر العلماء. وأفضل هذه الأصناف وغيرها من أنواع الأطعمة، أنفعها للمتصدَّق عليه، لأنه الذي يحصل به الإغناء المطلوب في ذلك اليوم. ٥- ظاهر حديث أبي سعيد، أن الواجب صاع، سواء أكان من الحنطة أم من غيرها. وهو مذهب " مالك " و " الشافعي " و" أحمد " والجمهور. وذهب أبو حنيفة، إلى أنه يجزيء من الحنطة نصف صاع، و" ابن القيم " يميل في " الهدى " إلى تقوية أدلته. واختار هذا القول شيخ الإسلام " ابن تيمية "

стр. 296

وقال: " هو قياس قول أحمد في الكفارات". قلت: والأحوط، المذهب الأول. ٦- والأفضل إخراجها فجر يوم العيد قبل الصلاة، وهو قول فقهاء المذاهب الأربعة. فإن أخرجها بعد الصلاة فعند الحنابلة يكره يوم العيد ويحرم بعده عند الحنابلة، وعند غيرهم من جماهير الفقهاء. وعند " ابن حزم " تحريم تأخيرها عن الصلاة لما روي البخاري: - " وَأمَرَ بِهَا أن تؤَدَّى قبْل خُرُوج الناس إِلَى الصَّلاَةِ ". ولما روى أبو داود وابن ماجه " فَمنْ أدَّاها قبل الصلاة، فَهِيَ زَكاة مَقْبُولَة وَمَنْ أدَّاهَا بَعدَ الصَّلاَة فَهيَ صَدَقَة مِنَ الصدَقاتِ، والحق أن أبا محمد أسعدهم بإصابة الدليل والقول به. ٧- وهل يجوز تقديمها قبل صلاة العيد؟. ذهب أبو حنيفة: إلى جواز تقديمها لِحَول أو حولين، قياسا على زكاة المال. وذهب " الشافعي " إلى جواز تقديمها من أول رمضان. وذهب " مالك" إلى أنه لا يجوز تعجيلها مطلقا، كالصلاة قبل وقتها. وذهب الحنابلة إلى جواز تعجيلها قبل العيد بيومين. لما روى البخاري: (كَانوا يُعطُونَ قبلَ الفِطر بيوم أو يومين) يريد بذلك الصحابة. ولأنه لا يحصل الإغناء في ذلك اليوم إلا إذا قدمت للفقير بنحو يوم أو يومين، ليعدها ليوم العيد، ولأنه إذا أخرها إلى قبيل الصلاة يخشى أن لا يجد صاحبها الذي يستحقها فيفوت وقتها المطلوب. ولهذه الاعتبارات الصحيحة فإن شيخنا العلامة " عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي" رحمه الله تعالى، يرى استحباب تقديمها بيوم أو يومين.

стр. 297

كِتاب الصيَام أصله في اللغة: الإمساك. وفي الشرع: الإمساك عن المفطرات مع النية، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وصيام شهر رمضان، هو الركن الثالث من أركان الإسلام. والصيام من أفضل العبادات، لأنه تجتمع فيه أنواع الصبر الثلاثة: ١- الصبر على طاعة الله ٢- والصبر عن معاصي الله ٣- والصبر على أقدار الله المؤلمة. ولأن الله تعالى نسب الصوم إلى نفسه، ووعد بالجزاء عليه من قِبَلِه سبحانه. ولأنه سرٌّ بين الرب وببن عبده، فهو من أعظم الأمانات. أما حِكَمه وأسراره فليس في مقدور هذه النبذة المختصرة أن تبين ذلك. وإنما أشير إلى قليل من كثير، ليعلم القارئ شيئاً من أسرار الله في شرعه، فيزداد إيماناً ويقيناً في وقت تزعزعت فيه العقائد، وتضعضع فيه الإيمان. فإنا لله، وإنا إليه راجعون. فمن تلك الحكم السامية عبادة الله، والخضوع له، ليكون الصائم مُقْبلاً على الله تعالى، خاضعاً خاشعاً بين يديه، حينما ينكر سلطان الشهوة. فإن القوة تغرى بالطغيان والبطر ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسانَ لَيَطْغَى أنْ رآهُ استغنى﴾ . فليعلم أنه ضعيف فقير، بين يدي الله حينما يرى ضعفه وعجزه فينكر في نفسه الكبر والعظمة، فيستكين لربه، ويلين لخلقه. ومنها، حكم اجتماعية، من اجتماعهم على عبادة واحدة، في وقت واحد، وصبرهم جميعاً، قويهم وضعيفهم، شريفهم ووضيعهم، غنيهم وفقيرهم، على معاناتها وتحملها، مما يسبب ربْطَ قلوبهم وتآلف أرواحهم، وَلَمِّ كلمتهم. وليس شيء أقوى من هذه الإرادة المتينة، التي لا تحكمها أقوى الدعايات.

стр. 298

كما أنه سبب عطف بعضهم على بعض، ورحمة بعضهم بعضاً، حينما يُحِس الغنَي ألم الجوع ولَدْغَ الظَّمأ. فيتذكر أن أخاه الفقير يعاني هذه الآلام دَهْرَه كله، فيجود عليه من ماله بشيء يزيل الضغائن والأحقاد، ويحل محلها المحبة والوئام، وبهذا يتم السِّلْمُ بين الطبقات. ومنها، حكم أخلاقية تَربوِية، فهو يعلِّم الصبر والتحمل، ويقوي العزيمة والإرادة، ويُمَرِّن على ملاقاة الشدائد وتذليلها، والصعاب وتهوينها. ومنها حكم صِحَّيَّة، فإن المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء. ولابد للمعدة أن تأخذ فترة استراحة واستجمام، بعد تعب توالي الطعام عليها، واشتغالها بإصلاحه. هذه نبَذة يسيرة إلى شيء من حكم الله تعالى وأسراره. واستقصاء ما يحيط به العقل البشري يحتاج إلى تصانيف مستقلة، وفضلاً عما لا يعلمه إلا الله تعالى من الأسرار الحكيمة الرشيدة. الحديث الأول عَنْ أبي هُريرة ﵁ قال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَقَدَّمُوا رَمَضَان بِصَومْ يوم أوْ يَوْمَئن، إِلا رَجلاً كانَ يَصُومُ صَوماً فَلْيَصُمْهُ". الغريب: لا تَقَدَّموا: بفتح التاء والدال، على حذف تاء المضارعة، لأن أصله لا تتقدموا.. المعنى الإجمالي: الشارع الحكيم يريد التمييز بين العبادات والعادات، ويريد أن يميز بين فروض العبادات ونوافلها ليحصل الفرق ببن هذا وذاك. لذا فإنه نهى عن تقدم شهر رمضان بصيام يوم أو يومين أو نحو ذلك ليكون مفطراً مستعداً لصيام شهر رمضان، إلا من كان له عادة من صوم كيوم الخميس أو الاثنين أو قضاء تضايق وقته، أو نذر لزمه، فليصمه لأنه تعلق بسببه. بخلاف نفل الصيام المطلق فأقل ما فيه الكراهة. ما يؤخذ من الحديث: ١- النهي عن تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين. ٢- الرخصة في ذلك لمن صادف قبل رمضان له عادة صيام، كيوم الخميس والاثنين.

стр. 299

٣- من حكمة ذلك- والله أعلم- تمييز فرائض العبادات من نوافلها، والاستعداد لرمضان بنشاط ورغبة، وليكون الصيام شعار ذلك الشهر الفاضل المميز به. الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقول: " إذا رَأَيْتمُوه فَصُومُوا، وَإذا رَأَيْتُمُوه فَأفْطِروُا، فَإنْ غُمَّ عَليْكم فاقْدُرُوا لَهُ". الغريب: غم عيكم: بالبناء للمجهول استتر عليكم بحاجب، من غيم وغيره (غم) بضم الغين المعجمة، وتشديد الميم. فاقدروا له: يعني قدروا له في الحساب، فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً. وقيل: معناه "اقدروا" ضيقوا، بأن يضيق على شعبان، فيجعل تسعاً وعشرين يوماً. وعلى هذين التفسيرين، حصل الخلاف الآتي: ويجوز الضم والكسر في (دال) - اقدروا له. قوله: "فصوموا" يريد أن ينوى الصيام وتبيت تلك النية إلى الغد. وكذلك في قوله: "فأفطروا". المعنى الإجمالي: أحكام الشرع الشريف تبني على الأصل، فلا يعدل عنه إلا بيقين. ومن ذلك أن الأصل بقاء شعبان، وأن الذمة بريئة من وجوب الصيام، مادام أن شعبان لم تكمل عدته ثلاثين يوماً، فيعلم أنه انتهى، أو يرى هلال رمضان، فيعلم أنه دخل. ولذا فإن النبي ﷺ ، أناط صيام شهر رمضان، وفطره برؤية الهلال. فإن كان هناك مانع من غيم، أو قتر، أو نحوهما، أمرهم أن يقدروا حسابه. وذلك بأن يتموا شعبان ثلاثين، ثم يصوموا. لأن هذا بناء على أصل "بقاء ما كان على ما كان". اختلاف العلماء: اختلف العلماء في حكم صيام يوم الثلاثين من شعبان إذا كان في مغيب الهلال غيم، أو قتر، أو نحوهما من الأشياء المانعة لرؤيته.

стр. 300

فالمشهور في مذهب الإمام "أحمد" الذي قال كثير من أصحابه: إنه مذهبه- هو وجوب صومه من باب الظن والاحتياط، واستدلوا على ذلك بقوله: "فاقدروا له" وفسروها بمعنى: ضيقوا على شعبان، فقدروه تسعة وعشرين يوماً. وهذه الرواية عن الإمام "أحمد" من المفردات، وهي مروية عن جملة من الصحابة، منهم أبو هريرة، وابن عمر، وعائشة، وأسماء. وذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة "أبو حنيفة " و"مالك" و"الشافعي" إلى أنه لا يجب صومه، ولو صامه عن رمضان لم يجزئه. واختار هذا القول، شيخ الإسلام "ابن تيمية" وقال: المنقولات الكثيرة المستفيضة عن أحمد، على هذا. وقال صاحب "الفروع": لم أجد عن أحمد صريح الوجوب ولا أمر به ولا يتوجه إضافته إليه. واختار هذه الرواية من كبار أئمة المذهب "أبو الخطاب"، و"ابن عقيل". ودليل هذا القول ما رواه الشيخان عن أبي هريرة مرفوعاً: " صُومُوا لِرُؤيتهِ، وأفْطِروُا لِرؤيتهِ، فَإن غُمَّ عَلَيكم فَأكْمِلوا عِدَّةَ شعْبَانَ ثَلاِثين يَوماً". وهذا الحديث وأمثاله يبين أن معنى " فاقدروا له، يعني قدروا حسابه بجعل شعبان ثلاثين يوماً. وقد حقق " ابن القيم" هذا الموضوع في كتابه "الهدي" ونصر قول الجمهور، ورد غيره، وبين أنه لم يثبت عن أحد من الصحابة قول صريح، إلا عن ابن عمر الذي مذهبه الاحتياط والتشديد. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن إيجاب صوم يوم الشك لا أصل له في كلام أحمد، ولا كلام أحد من أصحابه وإن كان بعضهم قد اعتقد أن من مذهبه إيجاب صومه. ومذهبه الصريح المنصوص عليه هو جواز فطره وجواز صومه وهو مذهب أبي حنيفة ومذهب كثير من الصحابة والتابعين. وأصول الشريعة كلها مستقرة على أن الاحتياط ليس بواجب ولا محرم. واختلفوا فيما إذا رُئي الهلال ببلد، فهل يلزم الناس جميعاً الصيام أم لا؟. فالمشهور عن الإمام، "أحمد" وأتباعه، وجوب الصوم على عموم المسلمين في أقطار الأرض، لأن رمضان ثبت دخوله، وثبتت أحكامه، فوجب صيامه، وهو من مفردات مذهب أحمد، وهو مذهب أبي حنيفة أيضاً.

стр. 301

وذهب بعضهم إلى عدم وجوبه، وأن لكل أهل بلد رؤيتهم، وهو مذهب القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وإسحاق. لما روى كريب: قال قدمت الشام، واستهل رمضان وأنا بالشام، فرأينا الهلال ليلة الجمعة. ثم قدمت المدينة في آخر الشهر. فسألني ابن عباس، ثم ذكر الهلال فقال: متى رأيتم الهلال؟ فأخبرته. فقال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه؟. فقال: لا. "هكذا أمرنا رسول ﷺ " رواه مسلم. وذهب الشافعي في المشهور عنه إلى التفصيل. وهو أنه، إن اختلفت المطالع، فلكل قوم حكم مطلعهم. وإن اتفقت المطالع، فحكمهم واحد في الصيام والإفطار، وهذا اختيار شيخ الإسلام "ابن تيمية". وذكر الشيخ محمد بن عبد الواهب ابن المراكشي في كتابه "العذب الزلال في مباحث رؤية الهلال" أنه إذا كان البعد بين البلدين أقل من ٢٢٢٦ من الكيلو مترات فهلالهما واحد، وإن كان أكثر فلا. ما يؤخذ من الحديث: ١- أن صيام شهر رمضان معلق برؤية الناس أو بعضهم للهلال، وردَّ ابن دقيق العيد تعليق الحكم به على حساب المنجمين وبين الصنعاني أنه لو توقف الأمر على حسابهم لم يعرفه إلا قليل من الناس. والشرع مبني على ما يعرفه الجماهير. ٢- وكذلك الفطر معلق بذاك. ٣- أنه إن لم يُرَ الهلال لم يصوموا إلا بتكميل شعبان ثلاثين يوماًً. وكذلك لم يفطروا إلا بتكميل رمضان ثلاثين يوماً. ٤- إنه إن حصل غيم أو قتر، قدروا عدة شعبان تمام ثلاثين يوماً. وقال الصنعاني: جمهور الفقهاء وأهل الحديث على أن المراد من "فاقدروا له"، إكمال عدة شعبان ثلانين يوماً كما فسره في حديث آخر. ٥- أنه يجب الصيام يوم الثلاثين من شعبان، مع الغيم ونحوه.

стр. 302

الحديث الثالث عَنْ أنس ْبنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسول اللهِ ﷺ : "تَسَحًرُوا فَإن في السَّحُور بَرَكَةً" الغريب: سحور بفتح السين، ما يتسحر به، وبضمها الفعل. والبركة مضافة إلى كل من الفعل وما يتسحر به جميعاً. المعنى الإجمالي: يأمر النبي ﷺ بالتسحر، الذي هو الأكل والشرب وقت السحر، استعداداً للصيام، ويذكر الحكمة الإلهية فيه، وهى حلول البركة، والبركة تشمل منافع الدنيا والآخرة. فمن بركة السحور، ما يحصل به من الإعانة على طاعة الله تعالى في النهار. فإن الجائع والظامئ، يكسل عن العبادة. ومن بركة السحور أن الصائم إذا تسحر لا يمل إعادة الصيام، خلافاً لمن لم يتسحر، فإنه يجد حرجاً ومشقة يثقلان عليه العودة إليه. ومن بركة السحور، الثواب الحاصل من متابعة الرسول ﵊. ومن بركته أيضاً، أن المتسحر يقوم في آخر الليل، فيذكر الله تعالى، ويستغفره، ثم يصلي صلاة الفجر جماعة. بخلاف من لم يتسحر. وهذا مشاهد. فإن عدد المصلين في صلاة الصبح مع الجماعة في رمضان أكثر من غيره من أجل السحور. ومن بركة السحور، أنه عبادة، إذا نوي به الاستعانة على طاعة الله تعالى، والمتابعة للرسول ﷺ ، ولله في شرعه حكم وأسرار. ما يؤخذ من الحديث: ١- استحباب السحور وامتثال الأمر الشرعي بفعله. ٢- لما يحصل فيه من البركة، فلا ينبغي تركه، والبركة تُحْمَلُ على الفعل وعلى المتسحر به. ولا يعدُّ هذا من باب حمل اللفظ الواحد على معنيين مختلفين وإنما يستفاد من صيغتي الفتح والضم. ٣- ظاهر الأمر الوجوب، ولكن ثبوت الوصال عن النبي ﷺ يصرف الأمر إلى الاستحباب. ٤- يرى الصوفية أن مدة تناول السحور كمدة لإفطار، وهذا مخل بالحكمة من الصوم

стр. 303

وهي كسر شهوتي الطعام والنكاح، ولا يمكن ذلك إلا بتقليل الغذاء. وأجاب عليهم الآخرون بأن حكمة الصوم ليست منوطة بتقليل الطعام والشراب بل بامتثال أمر الله تعالى. الحديث الرابع عَنْ انس بْنِ مَالِكٍ عَنْ زيْد بْن ثَابِتٍ ﵄ قال: تَسَحَّرْنَا مَع رَسُولِ الله ﷺ ثُمَّ قَامَ إلى الصَّلاةِ. قال أنس: قُلْتُ لِزيْدٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأذَانِ وَالسُّحُورِ؟ قال: قَدْرُ خَمْسِينَ آيةٍ. الغريب: الأذان: يريد به. الإقامة. ويبين ذلك ما في الصحيحين عن أنس عن زيد قال: تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة. قلت: كم كان بينهما؟ قال: قدر خمسين آية. المعنى الإجمالي: يروي أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت ﵄: أن زيداً تسحر مع رسول الله ﷺ فكان من سنته ﷺ أن يتسحر قبيل الصبح. ولذا فإنه ـ لما تسحر- قام إلى صلاة الصبح، فسأل أنس زيداً: كم كان بين الإقامة والسحور؟ قال: قدر خمسين آية. ما يؤخذ من الحديث: ١- أفضلية تأخير السحور إلى قبيل الفجر. ٢- المبادرة بصلاة الصباح، حيث قربت من وقت الإمساك. ٣- أن وقت الإمساك هو طلوع الفجر، كما قال الله تعالى: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيَّنَ لكُمُ الخَيْطٌ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ بهذا نعلم أن ما يجعله الناس من وقتين، وقت للإمساك، ووقت لطلوع الفجر، بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما هي وسوسة من الشيطان، ليلبس عليهم دينهم، وإلا فإن السنة المحمدية أن الإمساك يكون على أول طلوع الفجر. الحديث الخامس عَنْ عَائِشَةَ وَأمُّ سَلَمَةَ ﵄: أنً رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُدْركُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنٌبٌ مِنْ أهلِهِ. ثُمَّ يَغتَسِلُ وَيصُومُ. المعنى الإجمالي: كان النبي ﷺ بجامع في الليل، وربما أدركه الفجر وهو جنب لم يغتسل، ويتم صومه ولا يقضي. وهذا الحكم في رمضان وغيره، وهذا مذهب جمهور العلماء، ولم يخالفهم إلا قليل ممن لا يعتد بخلافهم، وقد حكى بعضهم الإجماع على هذا القول. ما يؤخذ من الحديث: ١- صحة صوم من أصبح جنباً، من جماع في الليل. ٢- يقاس على الجماع الاحتلام بطريق الأولى، لأنه إذا كان مرخصاً فيه من المختار، فغيره أولى. ٣- أنه لا فرق بين الصوم الواجب والنفل، ولا بين رمضان وغيره. ٤- جواز الجماع في ليالي رمضان، ولو كان قبيل طلوع الفجر.

стр. 304

وأخذ بعضهم جواز الصيام من الجنب من قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُم لَيْلَةَ الصِيَامِ الرَفَثُ إلى نِسَائِكم﴾ لأن الآية تقتضي جواز الجماع في ليل الصيام كله. ومن جملته، الجزء الذي قبيل الفجر. بحيث لا يتسع للغسل، فمن ضرورته الإصباح جنباً، وهذه دلالة الإشارة عند الأصوليين. ٥- فضل نساء النبي ﷺ وإحسانهن إلى الأمة. فقد نقلن عن النبي ﷺ من العلم الشيء الكثير النافع، لا سيما الأحكام الشرعية المنزلية التي لا يطلع عليها إلا هن من أعمال النبي ﷺ فرضي الله عنهن وأرضاهن. الحديث السادس عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ نَسيَ وهُوَ صَاِئمٌ فَأكَلَ أوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فإنَّمَا أطعَمَهُ الله وَسَقَاهُ ". المعنى الإجمالي: بنيت هذه الشريعة على اليسر والسهولة، والتكليف بقدر الطاقة، وعدم المؤاخذة بما يخرج

стр. 305

عن الاستطاعة أو الاختيار. ومن ذلك أن من أكل أو شرب. أو فعل مفطراً غيرهما في نهار رمضان أو غيره من الصيام، فليتم صومه، فإنه صحيح، لأن هذا ليس من فعله المختار، وإنما هو من الله الذي أطعمه وسقاه. اختلاف العلماء: الجمهور من العلماء على أن الأكل والشرب من الناسي لا يفسد الصيام. والخلاف بينهم في الجماع: هل له حكم الأكل والشرب بعدم الإفساد أم لا؟. فذهب الإمام " أحمد" وأتباعه إلى أن الجماع مفسد للصيام، ولو كان من الجاهل أو الناسي. وإذا كان في نهار رمضان فهو موجب للكفارة، وهو من مفردات مذهب أحمد. ودليلهم على ذلك مفهوم الحديث الذي اقتصر على الأكل والشرب دون الجماع، مما يدل على مخالفته لهما. ولأن النسيان في الجماع بعيد، بخلاف الأكل والشرب. وذهب الأئمة، أبو حنيفة، والشافعي، وداود، وابن تيمية وغيرهم، إلى أنه لا يفسد الصيام. واستدلوا على ذلك بما يأتي: أولاً: لما روى الحاكم من حديث أبي هريرة ﵁: "من أفطر في رمضان ناسياً فلا قضاء عليه ولا كفارة" قال ابن حجر: "وهو صحيح". والإفطار عام في الجماع وغيره. ثانياً: العمومات الواردة في مثل قوله تعالى: ﴿ربَّنَا لا تُؤاخِذْنَا إن نسينا أو أخطأنا﴾ "وعفي لأمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ثالثاً: أن المخالفين في صحة الصوم يوافقون على سقوط الإثم عنه. وإذا كان معذوراً فإن العذر شامل، ولا وجه للتفريق. وأجابوا عن دليل الحنابلة بأن تعليق الحكم في الأكل والشرب من باب تعليق الحكم باللقب، فلا يدل على نفيه عما عداه. ما يؤخذ من الحديث: ١- صحة صوم من أكل أو شرب أو جامع ناسياً.

стр. 306

٢- أنه ليس عليه إثم في أكله وشرابه، لأنه ليس له اختيار. ٣- معنى إطعامه من الله تعالى وسقيه، أنه وقع من غير اختيار، وإنما الله الذي قدر له ذلك بنسيانه صيامه. الحديث السابع عَنْ أبي هُريرة ﵁ قَال: بَينماَ نَحن جُلُوسْ عِنْدَ النبي ﷺ إذ جَاءه رَجلٌ فقَالَ: يَا رَسولَ الله، هَلَكتُ. فقال: "ما أهلَكَكَ؟ " أو مَالكً؟. قال: وَقَعْتُ على امْرَأْتِي، وأنا صائمٌ " وفي رواية: أصبتُ أهلي في رَمَضَانَ". فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تعتقها؟ " قال: لا. قال: "فهل تستطِعُ أن تصوم شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعْين؟ " قال: لا. قال: "فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ " قال: لا. قال: فَسَكَتَ النبي ﷺ . فبينما نَحْنُ على ذلك إذْ أُتي النبي ﷺ بِعَرَق فيهِ تَمرٌ" والعرق: المَكْتَلُ.. قال: "أَيْنَ السَّائِلُ؟ " قالَ: أنا. قال: " خُذْ هذَا فتصَدَّق بِهِ، فقال: أعلى أفقَرَ منِّي يَا رَسُولَ الله؟ فَوَ الله مَا بَيْنَ لا بَتَيْها ـ يريد الحَرَّتَيْنِ ـ أهْلُ بَيْتٍ أفْقَر مِنْ أهل بَيْتي. فَضَحِكَ النَّبِي ﷺ حتى بَدَتْ أنيابُهُ، ثمَّ قَالَ: "أطْعِمْهُ أهْلَكَ". الحَرَّةُ: الأرْضُ، َتَرْكَبُهَا حجارة سود. الغريب: بينما: ظرف زمان يغلب أن يضاف إلى جملة اسمية. بعرق: "العرق" بفتحتين: هو الزنبيل، يعمل من سعف النخل، وقدروها- هنا- بما يسع خمسة عشر صاعاً. اللابة: هي الحرة: وهي الأرض التي تعلوها حجارة سود. والمدينة النبوية بين حرتين، شرقية وغربية. المِكْتَل: القفة من الخوص وهي قفص من ورق النخل. المعنى الإجمالي: جاء سلمة بن صخر البياضي إلى النبي ﷺ خائفاً فقال: هلكت. فقال له: ما أهلكك؟ قال: إنه وقع على امرأته وهو صائم في نهار رمضان فلم يعنِّفْه

стр. 307

رسول الله ﷺ . وقال: هل تجد رقبة تعتقها كفارة لما وقع منك؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع صيام شهرين متتابعين؟ قال: لا، وهل أصابني ما أصابني إلا من صيام (١) ، لأن به شبقاً لا يقدر معه على ترك الجماع وهو نوع مرض. قال: فهلِ تجد طعام ستين مسكيناً، لكل مسكين مُدٌّ مِنْ بُرٍّ أو غيره؟ قال: لا. فسكت عنه النبي ﷺ ومكث، وإذا بأحد من الصحابة - على عادتهم ـ جاء إلى النبي ﷺ بزنبيل من تمر، يسع خسة عشر صاعاً ليتصدَّق به النبي ﷺ : فقال أين السائل؟ فقال: أنا. فقال: خذ هذا التمر فتصدق به ليكون كفارة على ما اقترفت من الإثم. فما كان من الرجل الذي جاء خائفاً مبهوتاً- بعد أن وجد عند رسول الله الأمن والطمأنينة - إلا أن طمع في فضل الله تعالى، على يد أرحم الناس بالناس، فقال: أأتصدق به على أفقر مني يا رسول الله؟. ثم أقسم أنه ليس في المدينة أحد أفقر منه لما يراه من شدة الضيق عليه. عند ذلك تعجب النبي ﷺ من حاله، كيف جاء خائفاً يلتمس السلامة فرجع آمناً، معه ما يطعمه أهله، ثم أذن له بإنفاقه على أهله. فصلوات الله وسلامه عليه. اختلاف العلماء: يرى عامة العلماء، وجوب الكفارة على من جامع متعمداً. واختلفوا في الناسي، وتقدم أن الصحيح أنه ليس عليه كفارة. واختلفوا: هل وجوب الكفارة على التخيير أو الترتيب؟. فذهب مالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنهما: إلى أنها على التخيير لما في الصحيحين عن أبي هريرة: "أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره النبي ﷺ أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً" وأوجب تخييره. وذهب الجمهور من العلماء، كالشافعي وأبي حنيفة، والمشهور من مذهب أحمد، والثوري والأوزاعي: إلى أنها على الترتيب، مستدلين بحديث الباب وجعلوا حديث التخيير مجملاً، يبينه حديث الترتيب ليحصل العمل بهما جميعاً. ولو أخذ بحديث التخيير لم يمكن العمل بحديث الترتيب مع أن كليهما صحيح. واختلفوا هل تسقط الكفارة مع العجز عنها، كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو أحد قَولي الشافعي، لأن النبي ﷺ رخص للرجل أن يطعم التمر أهله. ولو كان كفارة عنه ما جاز ذلك. وذهب الجمهور إلى أنها لا تسقط بالإعسار، لأنه ليس في الحديث ما يدل على

стр. 308

ذلك، بل ظاهره عدم سقوطها لأنه لما سأله عن أنزل درجات الكفارة ـ وهي الإطعام وقال: لا أجد- سكت ولم يبرئ ذمته منها، والأصل أنها باقية وقياساً لهذه الكفارة على سائر الكفارات والديون، من أنها لا تسقط بالإعسار. أما الترخيص له في إطعامه أهله، فقد قال بعض العلماء: إن المكفر إذا كفر عنه غيره، جاز أن يأكل منه ويطعم أهله. لأحكام المأخوذة من الحديث: ١- أن الوطء في نهار رمضان من الفواحش المهلكات، لأن النبي ﷺ أقرَّه على قوله: "هلكت" ولم يكن كذلك، لهوَّن عليه الأمر. ٢- أن الواطئ عمداً يجب عليه الكفارة، وهي على الترتيب، عتق رقبة فإن لم يجد، فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع، فإطعام ستين مسكيناً. ٣- أن الكفارة لا تسقط مع الإعسار، لأن النبي ﷺ لم يسقطها عنه بفقره، وليس في الحديث ما يدل على السقوط. ٤- جواز التكفير عن الغير ولو من أجنبي. ٥- أن له الأكل منها وإطعامها أهله ما دامت مخرجة من غيره. ٦- ظاهر الحديث أنه لا فرق في الرقبة بين الكافرة والمؤمنة، وبهذا أخذ الحنفية. والصحيح الذي عليه الجمهور: أنه لابد من إيمانها، ويكون الحديث مقيَّداً بالنصوص التي فيها كفارة القتل، فإنه ذكر فيها الإيمان. ٧- حسن خلق النبي ﷺ ، وكرم الوفادة عليه فقد جاءه هذا الرجل خائفاً وجلاً، فراح فرحاً، معه ما يطعم منه أهله. ٨- أن من ارتكب معصية لا حدَّ فيها، ثم جاء تائباً نادماً، فإنه لا يعزر. خلاصة فوائد من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. قال: يُفطِّر بالنص والإجماع الأكلُ والشربُ والجماعُ. وثبت بالسنة والإجماع أن دم الحيض ينافي الصوم، فلا تصوم الحائض، ولكن تقضي الصيام. وقال ﷺ : "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما" فدل على أن نزول الماء من الأنف يفطر الصائم. فال الخطابي: لا أعلم خلافا بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، وفي أن من استقاء عامداً فعليه القضاء،

стр. 309

ومن احتلم بغير اختياره، كالنائم لم يفطر بالاتفاق، وأما من استمنى فأنزل فإنه يفطر. قد ثبت بدلالة الكتاب السنة أن من فعل محظوراً مخطئاً أو ناسياً لم يؤاخذه الله بذلك، ويكون بمنزلة من لم يفعله، فلا يكون عليه إثم، ومثل هذا لا تبطل عبادته، فالصائم إذا أكل أو شرب أو جامع ناسياً أو مخطئاً فلا قضاء عليه، وهو قول طائفة من السلف والخلف. وأما الكحل والحقنة وما يقطر في الإحليل، ومداواة المأمومة والجائفة، فهذا مما تنازع فيه أهل العلم: فمنهم من لم يفطر بشيء من ذلك، ومنهم من فطر بالجميع. والأظهر أنه لا يفطر بشيء من ذلك، فإن الصيام من دين المسلمين الذي يحتاج إلى معرفته الخاص والعام، فلو كانت هذه الأمور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ويُفْسَدُ الصوم بها لكان هذا مما يجب بيانه على الرسول، ولو ذكر ذلك لعلِمَهُ الصحابة وبلغوه الأمة كما بلغوا سائر شرعه، فلما لم ينقل أحد من أهل العلم عن النبي ﷺ في ذلك لا حديثاً صحيحاً ولا ضعيفاً ولا مسنداً ولا مرسلا علم أنه لم يذكر شيئاً من ذلك والحديث المروي في الكحل ضعيف. والذين قالوا: إن هذه الأمور تفطر لم يكن معهم حجة إلا القياس، وأقوى ما احتجوا به "بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" وهو قياس ضعيف، وذلك أن من نشق الماء بمنخريه ينزل الماء إلى حلقه وإلى جوفه فحصل له بذلك ما يحصل للشارب بفمه، ويغذي بدنه من ذلك الماء، ويزيل العطش، فلو لم يرد النص بذلك لعلم بالعقل أن هذا من جنس الشرب. فالصائم نهي عن الأكل والشرب لأن ذلك سبب التقوِي، وليس كذلك الكحل والحقنة، ومداواة الجائفة والمأمومة، فإنها لا تغذي البتة. أما الجماع فإنه إحدى الشهوتين، فجرى مجرى الأكل والشرب، وقد قال تعالى في الحديث القدسي: "يدع شهوته وطعامه من أجلى" فترك الإنسان شهوته عبادة مقصودة يثاب عليها، وإنزال المني يجري مجرى الاستفراغ، فالصائم قد نهي عن أخذ ما يقويه ويغذيه من الطعام والشراب، فينهى عن إخراج ما يضعفه ويخرج مادته التي بها يتغذى، وكونه يضعف البدن يجعل إفساده للصوم أعظم من إفساده الأكل. والعلماء متنازعون في الحجامة هل تفطر أو لا؟ والأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في قوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" كثيرة قد بينها الأئمة الحفاظ. وقد كره غير واحد من الصحابة الحجامة للصائم، والقول بأنها تفطر مذهب أكثر فقهاء الحديث، وهؤلاء أخص الناس

стр. 310

باتباع محمد ﷺ والذين لم يروا إفطار المحجوم احتجوا بما ثبت في الصحيح من أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم. وأحمد وغيره طعنوا في هذه الزيادة وهي قوله: "وهو صائم" وقالوا: الثابت أنه احتجم وهو محرم، وبأنه بأي وجه أراد إخراج الدم فقد أفطر. والسواك جائز بلا نزاع، لكن اختلف العلماء في كراهيته بعد الزوال، ولكن لم يقم على تلك الكراهية دليل شرعي يصلح أن يخصص عموم نصوص السواك. وذوق الطعام يكره لغير حاجة، لكن لا يفطر. وأما للحاجة فلا يكره. بَاب الصَّوم في السَّفر جاءت هذه الشريعة بالأحكام الميسرة السمحة تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُم في الدِّيْنِ مِنْ حَرَج﴾ وقوله: ﴿يُرِيدُ الله بِكُم اليسر ولا يُريِدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ . فلما كان السفر- غالباً- فيه مشقة وصعوبة، وأنه قطعة من العذاب، خفف فيه. ومن تلك التخفيفات، الرخصة في الفطر في نهار رمضان. وهي رخصة مستحبة، لقوله ﷺ : " لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ". وهى رخصة، تعم الذي يناله بالسفر مشقة، وغيره ممن تكون أسفارهم راحة ومتعة، لأن الحكم للغالب. وبمثل هذه الأحكام اللطيفة نعلم مدى ما تراعيه هذه الشريعة الكريمة من تخفيف ورحمة وملاءمة للأوقات والظروف، بمطالبة الناس بقدر ما يستطيعون. رضينا بالله ربا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد ﷺ نبياً. الحديث الأول عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرو الأسلمي، قال للنبي ﷺ : أأصُوْمُ في السًفَرِ (وكان كثير الصيام) . قال: " إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإنْ شِئْتَ فَأَفْطِر". المعنى الإجمالي: علم الصحابة ﵃ أن الشارع الرحيم، ما رخص في الفطر في السفر إلا رحمة بهم وإشفاقاً

стр. 311

عليهم. فكان حمزة الأسلمي عنده جَلَدٌ وقوة على الصيام، وكان محباً للخير، كثير الصيام ﵁. فسأل رسول الله: "أيصوم في السفر؟ ". فخيَّره النبي ﷺ بين الصيام والفطر، فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر. ما يؤخذ من الحديث: ١-الرخصة في الفطر في السفر، لأنه مظنة المشقة. ٢- التخيير بين الصيام والفطر، لمن عنده قوة على الصيام. والمراد بذلك صوم رمضان، ويوضحه ما أخرجه أبو داود والحاكم من أن حمزة بن عمرو، قال: يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه، أسافر وأكريه، وربما صادفني هذا الشهر ـ يعني رمضان – وأنا أجد القوة عليه وأجدني أن أصوم أهون على من أن أؤخره، فيكون ديناً على. فقال: "أي ذلك شئت يا حمزة". الحديث الثاني عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ ﵁ قال: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى المُفطِرِ، وَلا الْمُفطِرُ عَلَى الصًائِمِ. المعنى الإجمالي: كان الصحابة يسافرون مع النبي ﷺ فيفطر بعضهم، ويصوم بعضهم، والنبي ﷺ يقرهم على ذلك، لأن الصيام هو الأصل والفطر رخصة، والرخصة ليس في تركها إنكار، ولذا فإنه لا يعيب بعضهم على بعض في الصيام أو الفطر. ما يؤخذ من الحديث: ١- جواز الفطر في السفر. ٢- إقرار النبي ﵊ أصحابه على الصيام والفطر في السفر، مما يدل على إباحة الأمرين.

стр. 312

الحديث الثالث عَنْ أبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قال: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ في شَهْرِ رَمضَانَ في حَرِّ شَدِيدٍ، حَتَّى إنْ كَانَ أحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَه عَلَى رَأسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، ومَا فِيْنَا صَائِمٌ إلا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم، وعبْدُ الله بْنُ رَوَاحَة. المعنى الإجمالي: خرج النبي ﷺ بأصحابه في رمضان، في أيام شديدة الحر. فمن شدة الحر، لم يصم منهم إلا النبي ﷺ ، وعبد الله بن رواحة الأنصاري ﵁. فهما تحمَّلا الشدة وصاما، مما يدل على جواز الصيام في السفر وإن كان ذلك مع المشقة التي لا تصل إلى حَدِّ التهلكة. الحديث الرابع عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَه ﵁ قال: كانَ رَسُوْلُ الله ﷺ فِي سَفَرٍ، فرَأى زِحَاماً، ورَجُلاً قَدْ ظُلِّل عَلَيْهِ، فَقَالَ: "ما هذا؟ " قالوا: صائم. قال: لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصيامُ في السَّفَرِ". وفي لفظٍ لمسلم "عَلَيْكُم بِرُخْصَةِ الله الَّتي رَخَصَ لَكُمْ". المعنى الإجمالي: كان رسول الله ﷺ في أحد أسفاره، فرأى الناس متزاحمين ورجلا قد ظلل عليه، فسألهم عن أمره. قالوا: إنه صائم وبلغ به الظمأ هذا الحد. فقال الرحيم الكريم ﷺ : إن الصيام في السفر ليس من البر، ولكن عليكم برخصة الله التي رخص لكم. فهو لم يرد منكم بعبادته تعذيب أنفسكم. ما يؤخذ من الحديث: ١- جواز الصيام في السفر. وجواز الأخذ بالرخصة بالفطر. ٢- أن الصيام في السفر ليس براً، وإنما يجزئ ويسقط الواجب. ٣- أن الأفضل إتيان رخص اللَه تعالى، التي خفف بها على عباده. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في صوم رمضان في السفر.

стр. 313

فشدد بعض السلف، كالزهري، والنخعي: وذهبوا إلى أن صيام المسافر لا يجزئ عنه، وهو مروي عن عبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وابن عمر، وهو مذهب الظاهرية. وذهب جماهير العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة، إلى جواز الصيام والفطر. واحتج الأولون بقوله تعالى: ﴿فَمّنْ شَهِدَ مِنكُمُ الْشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيْضَاً أوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ . وَوَجْهُهُ: أن الله لم يفرض الصوم إلا على من شهده، وفرض على المريض والمسافر، في أيام أخر. وما رواه مسلم عن جابر: أن النبي ﷺ خرج عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: "أؤلئك العصاة، أؤلئك العصاة" فنسخ قوله: "أؤلئك العصاة" لصيامه. وما رواه البخاري عن جابر: "لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ في السَّفَرِ". واحتج الجمهور بحجج قوية، منها أحاديث الباب. الأول: حديث حمزة الأسلمى: "إن شِئْتَ فَصُم، وَإنْ شِئْتَ فَأفْطِر". الثاني: حديث أنس: ثم كُنًا نُسَافِر مَعَ رَسُول الله فَلَمْ يَعِبِ الصَّائمُ عَلَى الُمُفطِرِ ولا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّاِئمِ". الثالث: حديث أبي الدر داء، فيه صيام رسول الله، وعبد الله بن رواحة. وأجابوا عن أدلة الأولين بما يأتي: أما الآية: فالذي أُنْزِلَتْ عليه، صام بعد نزولها، وهو أعلم الخلق بمعناها فيتحتم أن معناها غير ما ذكرتم. وأكثر العلماء ذكروا أن فيها مُقَدَّراً تقديره: "فأَفْطَرَ". أما قول: "أولئك العصاة" فهي واقعة عين لأناس شقَّ عليهم الصيام، فأفطر هو ﵊ ليقتدوا به، فلم يفعلوا فقال: "أولئك العصاة" لعدم اقتدائهم به ﵊. وأما حديث "ليس من البر الصيام في السفر" فمعناه أن الصيام في السفر ليس من البر الذي يتسابق إليه ويتنافس فيه.

стр. 314

فقد يكون الفطر أفضل منه، إذا كان هناك مشقة، أو كان الفطر يساعد على الجهاد، والله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتي معاصيه. والجمهور الذين يرون جواز الصيام في السفر، اختلفوا، أيهما أفضل، الصيام أم الفطر؟. فذهب الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي،: إلى أن الصوم أفضل لمن لا يلحقه مشقة. وذهب الإمام أحمد إلى أن الفطر في رمضان أفضل ولو لم يلحق الصائم مشقة. ويقول باستحباب الفطر أيضاً، سعيد بن المسيب، والأوزاعي وإسحاق. استدل الأئمة الثلاثة بأحاديث: منها ما رواه أبو داود عن سلمة بن المحبق، عن النبي ﷺ قال: "من كانت له حُمُوْلَةٌ يأوي إلى شبع، فليصم رمضان حيث أدركه" "والحمولة" بالضم: الأحمال التي يسافر بها صاحبها. أما أدلة الحنابلة، فمنها حديث "ليس من البر الصيام في السفر" متفق عليه. وحديث " إن الله يحب أن تؤتى رخصه ". فائدة: أما مقدار السفر الذي يباح فيه الفطر وقصر الصلاة، فقد اختلف العلماء في تحديده. والصحيح أنه لا يفيد بهذه التحديدات التي ذكروها، لأنه لم يرد فيه شيء عن الشارع. فالمشرع أطلق السفر، فنطلقه كما أطلقه. فما عُدَّ سفراً، أبيح فيه الرخص السفرية، وتقدم بأبسط من هذا في "صلاة أهل الأعذار". الحديث الخامس عَن أنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قال: كُنَّا مَعَ رَسُول الله ﷺ في سَفر، فمِنَا الصَّائِمُ وَمِنَا الْمُفْطِرُ. قال: فَنَزَلْنَا مَنْزِلاً في يَوْمٍ حَارٍّ وَأكْثَرُنَا ظِلاَّ صَاحِبُ الكساء وَمِنًا مَنْ يَتقى الشَّمْسَ بِيَدِه. قال: فَسَقَطَ الصُّوَّمُ وَقَامَ الْمُفْطِرُون، فَضَرَبوُا الأَبْنَيَة وَسَقُوا الركابَ. فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : " ذَهَبَ المفْطِرُون اليوْمَ بالأجر"

стр. 315

المعنى الإجمالي: كان الصحابة مع النبي ﷺ في أحد أسفاره، فبعضهم مفطر، وبعضهم صائم. والنبي ﷺ يقر كلا منهم على حاله. فنزلوا في يوم حار ليستريحوا من عناء السفر وحر الهاجرة. وكانوا ﵃ متقشفين، لا يجد أكثرهم ما يظله عن الشمس إلا أن يضع يده على رأسه أو أن يضع كساء فوق عود أو شجرة فيستظل به. فلما نزلوا في هذه الهاجرة، سقط الصائمون من الحر والظمأ فلم يستطيعوا العمل. وقام المفطرون، فضربوا الأبنية بنصب الخيام والأخبية، وسقوا الإبل، وخدموا إخوانهم الصائمين. فلما رأى النبي ﷺ فعلهم وما قاموا به من خدمة الجيش شجعهم، وبين فضلهم وقال: " ذهب المفطرون اليم بالأجر" ما يؤخذ من الحديث: ١-جواز الإفطار والصيام في السفر، لأن النبي ﷺ أقر كلاً على ما هو عليه. ٢-ما كان عليه الصحابة ﵃ من رقة الحال في الدنيا، ومع ذلك لم تمنعهم رقة الحال من ارتكاب الصعاب في الجهاد في سبيل الله تعالى. ٣-فضل خدمة الإخوان والأهل، وأنها من الدين ومن الرجولة التي سبقنا فيها صفوة هذه الأمة، خلافاً لفعل كثير من المترفعين المتكبرين. ٤-أن الفطر في السفر أفضل لا سيما إذا اقترن بذلك مصلحة من التقوي على الأعداء ونحوه. فإن فائدة الصوم تلزم صاحبها، أما فائدة الإفطار في مثل ذلك اليوم فإنها تتعدى المفطر إلى غيره. ومن هنا كان الإفطار أولى. ٥-حث الإسلام على العمل وترك الكسل، فقد جعل للعامل نصيباً كبيراً من الأجر، وفضله على المنقطع للعبادة وأين هذه من الناعقين الذين يرونه ديناً عائقاً عن العمل والتقدم والرقي؟ قبحهم الله، فإنهم يهرفون بما لا يعرفون. الحديث السادس عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كانَ يَكُونُ عَلَيَّ الْصَّوْمُ في رَمَضَان فَمَا أسْتَطِيعُ أَنْ أقْضِيَ إلا في شَعْبَانَ (١) .

стр. 316

المعنى الإجمالي: تذكر عائشة ﵂ أنه يكون عليها الصوم قضاءً من رمضان. ولمحبة النبي لها وحسن أدبها في مراعاته ومعاشرته، تؤخر صيامها إلى شعبان، لأنه ﷺ كان يكثر الصيام فيه، فيعلم ذلك ويقرها عليه. ما يؤخذ من الحديث: ١- جواز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان مع العذر. ٢- أن الأفضل التعجيل مع غير العذر. فعائشة ﵂ قد بيَّنت عذرها في ذلك. ٣- أنه لا يجوز تأخير القضاء إلى رمضان التالي. واختلف العلماء في وجوب الكفارة مع التأخير إلى دخول رمضان الآخر. ومذهب الحنابلة أن عليه الكفارة إذَا أخر لغير عذر. ٤- حسن عشرة عائشة ﵂. رزق الله نساءنا القدوة بها. الحديث السابع عَنْ عَاِئشَةَ ﵂: أنَّ رَسُوْلَ الله قال: "مَنَ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَام صَامَ عَنْه وَلِيُّه". وأخرجه أبو داود وقال: هذَا في النًذْر خاصَّة، وهو قول أحمد بن حنبل (١) . المعنى الإجمالي: الديون التي على الأموات يجب قضاؤها، سواء أكانت لله تعالى كالزكاة والصيام، أم للآدميين، كالديون المالية. وأولى من يتولى ذلك، ورثتهم، ولذا قال ﷺ : "من مات وعليه صيام، صام عنه وليه ". ما يؤخذ من الحديث: ١- ظاهر الحديث وجوب قضاء الصيام عن الميت سواء أكان نذراً، أم واجباً بأصل الشرع، خلافاً لتقييد أبي داود. وذكر ابن دقيق العيد أن إلحاق غير الصوم به هو من باب القياس وليس في هذا الحديث نص عليه. ٢- أن الذي يتولى الصيام، هو وليُّه والمراد به الوارث الذي انتفع بمخلفاته. فمن مقتضى القيام بواجبه قضاء ديون الله عنه.

стр. 317

اختلاف العلماء: اختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم هل يقضى عنه؟ على ثلاثة أقوال أحدها: لا يقضى عنه بحال، لا في النذر ولا في الواجب بأصل الشرع. وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي في الجديد. الثاني: يصام عنه النذر دون الواجب بأصل الشرع. وهذا مذهب الإمام أحمد، وأبي عبيد، والليث، وإسحاق، ونصره ابن القيم. الثالث: أنه يصام عن الميت النذر والواجب بأصل الشرع. وهو قول أبي ثور وأصحاب الحديث، ونصره ابن حزم، ورد قول من خالفه، وجماعة من محدثي الشافعية، وهو قول الشافعي في القديم، وعلق القول به على صحة الحديث. قال البيهقي: ولو وقف الشافعي على جميع طرق الأحاديث وتظاهرها لم يخالفها إن شاء الله. واختار هذا القول شيخنا "عبد الرحمن السعدي" وقال: إنه اختيار شيخ الإسلام "ابن تيمية" في جميع الديون التي على الميت لله، أو للآدميين، أوجبها على نفسه، أو وجبت بأصل الشرع. استدل المانعون- مطلقاً- بأدلة. منها: - قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ . وبما روي عن ابن عباس: "لا يُصَلِّ أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد". وروي عن عائشة، نحو ما روي عن ابن عباس، وهما راويان لِحدِيثَي الصيام عن الميت، وخالفاها، فاتبع رأيهما لا روايتهما، لأنهما أعلم بمعنى الحديث. واستدل المجيزون للقضاء- مطلقاً- بحديث الباب، فإنه عام في الواجب بأصل الشرع والواجب بالنذر، وبحديث ابن عباس الآتي بعد هذا الحديث وهو: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟. " فقال:، لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال نعم. قال: " فدين الله أحق أن يقضى" قال ابن حجر: إن أحمد ومن معه حملوا العموم في حديث عائشة على المقيد في حديث ابن عباس، وليس بينهما تعارض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس صورة منفصلة يسأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة.

стр. 318

أما المفصلون وهم الذين يرون القضاء في النذر دون الواجب بأصل الشرع، فيرون أن حديث الباب، وحديث ابن عباس الذي بعده، مقيدان بالرواية الثانية عن ابن عباس المذكورة في هذا الباب. ونصر "ابن القيم" هذا القول في كتابه "إعلام الموقعين" "وتهذيب السنن" وقال: إنه أعدل الأقوال، وعليه يدل كلام الصحابة. وقال: وتعليل حديث ابن عباس الذي قال فيه: "لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه" مراده في الفرض الأصلي. وأما النذر فيصام عنه، وما روي عن عائشة في إفتائها في التي ماتت وعليها صوم: أنه يطعم عنها، إنما هو في الفرض لا في النذر. وبهذا يظهر اتفاق الروايات في هذا الباب، وهو مقتضى الدليل والقياس، لأن النذر ليس واجباً بأصل الشرع. وإنما أوجبه العبد على نفسه، فصار بمنزلة الدَّيْنِ الذي استدانه. ولهذا شبهه النبي ﷺ بالدَّيْنِ في حديث ابن عباس. ثم قال أيضاً: وسر الفرق أن النذر التزام المكلف لما شغل به ذمته لا أن الشارع ألزمه به ابتداء، فهو أخف حكماً مما جعله الشارع حقاً له عليه، شاء أم أبى، والذمة تسع المقدور عليه، والمعجوز عنه. بخلاف واجبات الشرع فإنها على قدر طاقة البدن ا. هـ. ملخصاً منه. فائدة: قضاء وَلِيِّه عنه من باب الاستحباب عند جماهير العلماء ماعدا الظاهرية فقد أوجبوه. وقالت الحنابلة: إن كان الميت خلف تركة، وجب القضاء، وإلا استحب وقالوا: إن صام غير الوارث أجزأه. الحديث الثامن عَنْ عَبْدِ الله بِنِ عَبَّاس ﵄ قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أمي مَاتَت وَعَلَنهَا صَوْمُ شَهْرٍ: أفأَقضِيهِ عَنْهَا؟ قال: " لَوْ كانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْن أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ ". قال: نعم: قال: " فَدَيْنُ الله أحَقُّ أنْ يُقْضَى".

стр. 319

وفي رواية: جَاءَتْ امْرَأة إلى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذرٍ، أَفَأَصُوْمُ عَنْهَا؟ قال: "أَفَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتيِهِ، أَكَانَ يُؤَدَّى ذَلِكَ عَنْهَا؟ قالت: نعم. قال: " فَصُومِي عَنْ أُمِّك". المعنى الإجمالي: وقع في هذا الحديث روايتان، والظاهر من السياق، أنهما واقعتان لا واقعة واحدة. فالأولى: - أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فأخبره أن أمه ماتت وعليها صوم شهر فهل يقضيه عنها. والرواية الثانية: أن امرأة جاءت إليه ﷺ فأخبرته أن أمها ماتت وعليها صوم نذر: فهل تصوم عنها؟ فأفتاهما جميعاً بقضاء ما على والديهما من الصوم، ثم ضرب لهما مثلاً يقرب لهما المعنى؛ ويزيد في التوضيح. وهو: أنه لو كان على والديهما دين لآدمي، فهل يقضيانه عنهما؟ فقالا: نعم. فأخبرهما أن هذا الصوم دين لله على أبويهما، فإذا كان دين الآدمي يقضى، فدين الله أحق بالقضاء. ما يؤخذ من الحديث: ١- عموم الرواية الأولى تفيد أن الصيام يقضى عن الميت، سواء أكان نذراً. أم واجباً أصلياً. ٢- الرواية الثانية تدل على قضاء الصيام المنذور عن الميت. ٣- الظاهر أنهما واقعتان لرجل وامرأة، فتبقى كل منهما على مدلولها، ولا تقيد الأولى بالثانية، بل تبقى على عمومها. ٤- عموم التعليل الذي في الحديث يشمل الديون التي لله، والتي للخلق، والواجبة بنذر، والواجبة بأصل الشرع، بأنها كلها تقضى عن الميت، وهذا ما حكاه شيخنا "عبد الرحمن آل سعدي" عن "تقي الدين ابن تيمية " رحمهما الله تعالى. ٥- فيه إثبات القياس، الذي هو أحد أصول الجمهور في الاستدلال. وقد ضرب لهما النبي ﵊ المثل بما هو معهود لهما، ليكون الفهم أبلغ، وليقربه من أذهانهما، فإن تشبيه البعيد بالقريب، يسهل إدراكه وفهمه. ٦- قوله: " فدين الله أحق بالقضاء" فيه دليل على تقديم الزكاة وحقوق الله المالية إذا تزاحمت حقوقه وحقوق الآدميين في تركة المتوفى. وبعضهم قال بالمساواة بين الحقوق.

стр. 320

الحديث التاسع عَنْ سَهْلِ بِنْ سَعْدٍ السَّاعِدِي ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: " لا يَزَالُ النَّاسُ بَخَيْر مَا عَجَّلُوْا الفِطْرَ وَأَخَّرُّوا السُّحُوْر". المعنى الإجمالي: الشارع الحكيم يحث على تمييز العبادة ووقتها عن غيره، ليتبين النظام والطاعة، في امتثال أوامره، والوقوف بها عند حدودها. ولذا فإنه لما جعل غروب الشمس هو وقت إفطار الصائم، حثَّه على مبادرة الفطر عند أول ذلك الوقت، وأخبر: أن الناس لا يزالون بخير، ما عجلوا الفطر، لأنهم ـ بذلك- يحافظون على السنة. فإذا أخروا الفطر فهو دليل على زوال الخير عنهم لأنهم تركوا السنة التي تعود عليهم بالنفع الديني وهو المتابعة، والدنيوي الذي هو حفظ أجسامهم وتقويتها بالطعام والشراب، اللذين تتوق أنفسهم إليهما. ما يؤخذ من الحديث: ١- استحباب تعجيل الفطر إذا تحقق غروب الشمس برؤية، أو خبر ثقة. ٢- أن تعجيل الفطر، دليل على بقاء الخير عند من عجله، وزوال الخير عمن أجله. ٣- الخير المشار إليه في الحديث، هو اتباع السنة، مع أنه من محبوبات النفوس. ٤- الحديث من معجزات النبي ﷺ . فاٍن تأخير الإفطار عمل به الشيعة، الذين هم إحدى الفرق الضالة. وليس لهم قدوة في ذلك إلا اليهود، الذين لا يفطرون إلا عند ظهور النجم. الحديث العاشر عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ ﵁ قال: قال رَسُولُ الله: "إذَا أَقْبَلَ الْلَيْلُ مِنْ ههُنَا، وَأَدْبَرَ الْنَّهَارُ مِنْ هَهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ". المعنى الإجمالي: تقدم أن وقت الصيام الشرعي، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ولذا فقد أفاد النبي
следующие страницы →