← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9878

تيسير العلام شرح عمدة الأحكام

عبد الله البسام

Полный текст (741 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

المعنى الإجمالي: تذكر عائشة ﵂ أنه يكون عليها الصوم قضاءً من رمضان. ولمحبة النبي لها وحسن أدبها في مراعاته ومعاشرته، تؤخر صيامها إلى شعبان، لأنه ﷺ كان يكثر الصيام فيه، فيعلم ذلك ويقرها عليه. ما يؤخذ من الحديث: ١- جواز تأخير قضاء رمضان إلى شعبان مع العذر. ٢- أن الأفضل التعجيل مع غير العذر. فعائشة ﵂ قد بيَّنت عذرها في ذلك. ٣- أنه لا يجوز تأخير القضاء إلى رمضان التالي. واختلف العلماء في وجوب الكفارة مع التأخير إلى دخول رمضان الآخر. ومذهب الحنابلة أن عليه الكفارة إذَا أخر لغير عذر. ٤- حسن عشرة عائشة ﵂. رزق الله نساءنا القدوة بها. الحديث السابع عَنْ عَاِئشَةَ ﵂: أنَّ رَسُوْلَ الله قال: "مَنَ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَام صَامَ عَنْه وَلِيُّه". وأخرجه أبو داود وقال: هذَا في النًذْر خاصَّة، وهو قول أحمد بن حنبل (١) . المعنى الإجمالي: الديون التي على الأموات يجب قضاؤها، سواء أكانت لله تعالى كالزكاة والصيام، أم للآدميين، كالديون المالية. وأولى من يتولى ذلك، ورثتهم، ولذا قال ﷺ : "من مات وعليه صيام، صام عنه وليه ". ما يؤخذ من الحديث: ١- ظاهر الحديث وجوب قضاء الصيام عن الميت سواء أكان نذراً، أم واجباً بأصل الشرع، خلافاً لتقييد أبي داود. وذكر ابن دقيق العيد أن إلحاق غير الصوم به هو من باب القياس وليس في هذا الحديث نص عليه. ٢- أن الذي يتولى الصيام، هو وليُّه والمراد به الوارث الذي انتفع بمخلفاته. فمن مقتضى القيام بواجبه قضاء ديون الله عنه.

стр. 317

اختلاف العلماء: اختلف العلماء فيمن مات وعليه صوم هل يقضى عنه؟ على ثلاثة أقوال أحدها: لا يقضى عنه بحال، لا في النذر ولا في الواجب بأصل الشرع. وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي في الجديد. الثاني: يصام عنه النذر دون الواجب بأصل الشرع. وهذا مذهب الإمام أحمد، وأبي عبيد، والليث، وإسحاق، ونصره ابن القيم. الثالث: أنه يصام عن الميت النذر والواجب بأصل الشرع. وهو قول أبي ثور وأصحاب الحديث، ونصره ابن حزم، ورد قول من خالفه، وجماعة من محدثي الشافعية، وهو قول الشافعي في القديم، وعلق القول به على صحة الحديث. قال البيهقي: ولو وقف الشافعي على جميع طرق الأحاديث وتظاهرها لم يخالفها إن شاء الله. واختار هذا القول شيخنا "عبد الرحمن السعدي" وقال: إنه اختيار شيخ الإسلام "ابن تيمية" في جميع الديون التي على الميت لله، أو للآدميين، أوجبها على نفسه، أو وجبت بأصل الشرع. استدل المانعون- مطلقاً- بأدلة. منها: - قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ . وبما روي عن ابن عباس: "لا يُصَلِّ أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد". وروي عن عائشة، نحو ما روي عن ابن عباس، وهما راويان لِحدِيثَي الصيام عن الميت، وخالفاها، فاتبع رأيهما لا روايتهما، لأنهما أعلم بمعنى الحديث. واستدل المجيزون للقضاء- مطلقاً- بحديث الباب، فإنه عام في الواجب بأصل الشرع والواجب بالنذر، وبحديث ابن عباس الآتي بعد هذا الحديث وهو: "جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟. " فقال:، لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ قال نعم. قال: " فدين الله أحق أن يقضى" قال ابن حجر: إن أحمد ومن معه حملوا العموم في حديث عائشة على المقيد في حديث ابن عباس، وليس بينهما تعارض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس صورة منفصلة يسأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة فهو تقرير قاعدة عامة.

стр. 318

أما المفصلون وهم الذين يرون القضاء في النذر دون الواجب بأصل الشرع، فيرون أن حديث الباب، وحديث ابن عباس الذي بعده، مقيدان بالرواية الثانية عن ابن عباس المذكورة في هذا الباب. ونصر "ابن القيم" هذا القول في كتابه "إعلام الموقعين" "وتهذيب السنن" وقال: إنه أعدل الأقوال، وعليه يدل كلام الصحابة. وقال: وتعليل حديث ابن عباس الذي قال فيه: "لا يصوم أحد عن أحد ويطعم عنه" مراده في الفرض الأصلي. وأما النذر فيصام عنه، وما روي عن عائشة في إفتائها في التي ماتت وعليها صوم: أنه يطعم عنها، إنما هو في الفرض لا في النذر. وبهذا يظهر اتفاق الروايات في هذا الباب، وهو مقتضى الدليل والقياس، لأن النذر ليس واجباً بأصل الشرع. وإنما أوجبه العبد على نفسه، فصار بمنزلة الدَّيْنِ الذي استدانه. ولهذا شبهه النبي ﷺ بالدَّيْنِ في حديث ابن عباس. ثم قال أيضاً: وسر الفرق أن النذر التزام المكلف لما شغل به ذمته لا أن الشارع ألزمه به ابتداء، فهو أخف حكماً مما جعله الشارع حقاً له عليه، شاء أم أبى، والذمة تسع المقدور عليه، والمعجوز عنه. بخلاف واجبات الشرع فإنها على قدر طاقة البدن ا. هـ. ملخصاً منه. فائدة: قضاء وَلِيِّه عنه من باب الاستحباب عند جماهير العلماء ماعدا الظاهرية فقد أوجبوه. وقالت الحنابلة: إن كان الميت خلف تركة، وجب القضاء، وإلا استحب وقالوا: إن صام غير الوارث أجزأه. الحديث الثامن عَنْ عَبْدِ الله بِنِ عَبَّاس ﵄ قال: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أمي مَاتَت وَعَلَنهَا صَوْمُ شَهْرٍ: أفأَقضِيهِ عَنْهَا؟ قال: " لَوْ كانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْن أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ ". قال: نعم: قال: " فَدَيْنُ الله أحَقُّ أنْ يُقْضَى".

стр. 319

وفي رواية: جَاءَتْ امْرَأة إلى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، إن أُمِّي مَاتَت وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذرٍ، أَفَأَصُوْمُ عَنْهَا؟ قال: "أَفَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتيِهِ، أَكَانَ يُؤَدَّى ذَلِكَ عَنْهَا؟ قالت: نعم. قال: " فَصُومِي عَنْ أُمِّك". المعنى الإجمالي: وقع في هذا الحديث روايتان، والظاهر من السياق، أنهما واقعتان لا واقعة واحدة. فالأولى: - أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فأخبره أن أمه ماتت وعليها صوم شهر فهل يقضيه عنها. والرواية الثانية: أن امرأة جاءت إليه ﷺ فأخبرته أن أمها ماتت وعليها صوم نذر: فهل تصوم عنها؟ فأفتاهما جميعاً بقضاء ما على والديهما من الصوم، ثم ضرب لهما مثلاً يقرب لهما المعنى؛ ويزيد في التوضيح. وهو: أنه لو كان على والديهما دين لآدمي، فهل يقضيانه عنهما؟ فقالا: نعم. فأخبرهما أن هذا الصوم دين لله على أبويهما، فإذا كان دين الآدمي يقضى، فدين الله أحق بالقضاء. ما يؤخذ من الحديث: ١- عموم الرواية الأولى تفيد أن الصيام يقضى عن الميت، سواء أكان نذراً. أم واجباً أصلياً. ٢- الرواية الثانية تدل على قضاء الصيام المنذور عن الميت. ٣- الظاهر أنهما واقعتان لرجل وامرأة، فتبقى كل منهما على مدلولها، ولا تقيد الأولى بالثانية، بل تبقى على عمومها. ٤- عموم التعليل الذي في الحديث يشمل الديون التي لله، والتي للخلق، والواجبة بنذر، والواجبة بأصل الشرع، بأنها كلها تقضى عن الميت، وهذا ما حكاه شيخنا "عبد الرحمن آل سعدي" عن "تقي الدين ابن تيمية " رحمهما الله تعالى. ٥- فيه إثبات القياس، الذي هو أحد أصول الجمهور في الاستدلال. وقد ضرب لهما النبي ﵊ المثل بما هو معهود لهما، ليكون الفهم أبلغ، وليقربه من أذهانهما، فإن تشبيه البعيد بالقريب، يسهل إدراكه وفهمه. ٦- قوله: " فدين الله أحق بالقضاء" فيه دليل على تقديم الزكاة وحقوق الله المالية إذا تزاحمت حقوقه وحقوق الآدميين في تركة المتوفى. وبعضهم قال بالمساواة بين الحقوق.

стр. 320

الحديث التاسع عَنْ سَهْلِ بِنْ سَعْدٍ السَّاعِدِي ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: " لا يَزَالُ النَّاسُ بَخَيْر مَا عَجَّلُوْا الفِطْرَ وَأَخَّرُّوا السُّحُوْر". المعنى الإجمالي: الشارع الحكيم يحث على تمييز العبادة ووقتها عن غيره، ليتبين النظام والطاعة، في امتثال أوامره، والوقوف بها عند حدودها. ولذا فإنه لما جعل غروب الشمس هو وقت إفطار الصائم، حثَّه على مبادرة الفطر عند أول ذلك الوقت، وأخبر: أن الناس لا يزالون بخير، ما عجلوا الفطر، لأنهم ـ بذلك- يحافظون على السنة. فإذا أخروا الفطر فهو دليل على زوال الخير عنهم لأنهم تركوا السنة التي تعود عليهم بالنفع الديني وهو المتابعة، والدنيوي الذي هو حفظ أجسامهم وتقويتها بالطعام والشراب، اللذين تتوق أنفسهم إليهما. ما يؤخذ من الحديث: ١- استحباب تعجيل الفطر إذا تحقق غروب الشمس برؤية، أو خبر ثقة. ٢- أن تعجيل الفطر، دليل على بقاء الخير عند من عجله، وزوال الخير عمن أجله. ٣- الخير المشار إليه في الحديث، هو اتباع السنة، مع أنه من محبوبات النفوس. ٤- الحديث من معجزات النبي ﷺ . فاٍن تأخير الإفطار عمل به الشيعة، الذين هم إحدى الفرق الضالة. وليس لهم قدوة في ذلك إلا اليهود، الذين لا يفطرون إلا عند ظهور النجم. الحديث العاشر عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَابِ ﵁ قال: قال رَسُولُ الله: "إذَا أَقْبَلَ الْلَيْلُ مِنْ ههُنَا، وَأَدْبَرَ الْنَّهَارُ مِنْ هَهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ". المعنى الإجمالي: تقدم أن وقت الصيام الشرعي، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ولذا فقد أفاد النبي

стр. 321

صلى الله عليه وسلم أمته: أنه إذا أقبل الليل من قبل المشرق، وأدبر النهار من قبل المغرب- بغروب الشمس - فقد دخل الصائم في وقت الإفطار الذي لا ينبغي له تأخيره عنه، بل يعاب بذلك، امتثالاً لأمر الشارع، وتحقيقاً للطاعة، وتمييزاً لوقت العبادة عن غيره، وإعطاء للنفس حقها، من مُتَعِ الحياة المباحة. ما يؤخذ من الحديث: ١-استحباب تعجيل الفطر، إذا تحقق غروب الشمس. ٢-أنه لابد من وجود إقبال الليل الذي يقارنه إدبار النهار للإفطار. فإن مجرد الظُلمة من قبل المشرق مع وجود الشمس، ليس معناه إقبال الليل. فاٍن إقبال الليل حقيقة، مقارن لإدبار النهار، فهما متلازمان. ٣-قوله: " فقد أفطر الصائم " يحتمل معنيين: أ- إما أنه أفطر حكماً بدخول الإفطار ولو لم يتناول مفطراً، ويكون الحث على تعجيل الفطر في بعض الأحاديث معناه الحث على فعل الإفطار حساً ليوافق المعنى الشرعي. ب- وإما أن يكون دخل في وقت الإفطار، كما تقول: أنْجَدَ، لمن دخل "نجد" وأتهمَ لمن دخل "تهامة" ويكون الحث على تعجيل الفطر على بابه وهذا أولى. ويؤيده رواية البخاري "فقد حلَّ الإفطار". ٤-ينبني على هذين المعنيين حكم الوصال. فإن قلنا: معنى " فقد أفطر الصائم" أفطر حكماً، فالوصال باطل، لأنه لا يمكن وإن قلنا: معناه فقد دخل في وقت الفطر، فيكره مع اقترانه بالنَّهي عن الوصال.

стр. 322

بَابُ أفضَل الصِّيامِ وَغَيرِه الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قال: نَهَى رَسُولُ الله عَن الْوِصَالِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله إنَكَ تُوَاصِلُ. قال: "إنِّي لَسْتُ كهَيْئَتِكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى". ورواه أبو هريرة، وعائشة، وأنس بن مالك ﵃. ولـ"مسلم" عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ ﵁: " فأَيُّكُمْ أرادَ أَنْ يُواصِلَ فَلْيُوَاصِل إلَى السَّحَرِ (١) " المعنى الإجمالي: الشريعة الإسلامية سمحة مُيَسَّرة لا عَنَتَ فيها ولا مشقة. ومشرعها الحكيم، يكره الغٌلُوُّ والتعمق، لأن في ذلك تعذيباً للنفس وإرهاقاً لها، واللَه لا يكلف نفساً إلا وسعها. ولأن التيسر والتسهيل أبقى للعمل وأسلم من السأم والملل، وفيه العدل الذي وضعه الله في الأرض، وهو إعطاء الله ما طلبه من العبادة، وإعطاء النفس حاجتها من مقوماتها. لهذا نهى النبي ﷺ عن الوصال في الصيام، وهو ترك ما يفطر بالنهار عمداً، في ليالي الصيام. وكان ﷺ لما أعطاه الله ما لم يعطه غيره – يواصل الصيام. فقال الصحابة: إنك تواصل، ولنا فيك قدوة. وذلك قبل أن يعلمهم بميزته عليهم. فقال: إني لست مثلكم، لأني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، وليس لكم هذا، فتقوون على الوصال. وما دمتم راغبين في الوصال، فمن وجد من نفسه قوة عليه، ورغبة فيه فَلْيُوَاصِلْ إلى السحر، لأنه تأخير لعشائه، فيكون طعامه في ليالي الصيام وجْبَة واحدة، ومن حِكَمْ الصيام، التخفف من الطعام. اختلاف العلماء: اختلفوا في الطعام والشراب المذكورين على قولين: أحدهما: - أنه طعام وشراب حسِّيٌ تمسُّكاً باللفظ.

стр. 323

والثاني: - أنه ما يفيض على قلبه من لذيذ المناجاة والمعارف، فإنَّ توارد هذه المعاني الجليلة على القلب، يشغله عن الطعام والشراب فيستغني عنهما. ولو كان طعاماً حسِياً لم يكن مواصلاً، ولم يقل: "لست كهيئتكم" وقد بسط القول فيه "ابن القيم" في الهدي. واختلفوا في حكم الوصال على ثلاثة أقوال: محرم، ومكروه، وجائز مع القدرة. فذهب إلى جوازه مع القدرة، عبد الله بن الزبير وبعض السلف كعبد الرحمن بن أبي نعم، وإبراهيم بن زيد التيمي وأبي الجوزاء. وذهب إلى تحريمه، الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي. وذهب إلى التفصيل في ذلك، الإمام أحمد، وإسحاق. وابن المنذر وابن خزيمة وجماعة من المالكية، فهو عندهم جائز إلى السحر، مع أن الأولى تركه تحقيقاً لتعجيل الإفطار، ومكروه بأكثر من يوم وليلة. استدل المجيزون بأنه ﷺ واصل بأصحابه يومين، فهو تقرير لهم عليه، ولو كان حراماً، لم يقرهم، وبأن عائشة قالت: "نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة بهم". فنهيهم عنه كنهيهم عن قيام الليل، خشية أن يفرض عليهم، ولم ينكر على من بلغه أنه فعله، ممن لم يشق عليه. فإذا كان المواصل لم يرد التشبه بأهل الكتاب، ولا رغب عن السنة في تعجيل الفطر لم يمنع من الوصال. واستدل المحرمون بنهيه ﷺ ، والنَّهْيُ يقتضي التحريم. وأما مواصلته بهم، فلم يقصد به التقرير، وإنما قصد به التنكيل، كما هو مبين في بعض ألفاظ الحديث. فحين نهاهم فلم ينتهوا بل ألحُّوا في الطلب، واصل بهم لتأكيد النَّهي والزجر، وبيان الحكمة في نهيهم، وظهور المفسدة التي نهاهم لأجلها، فبعد بيان هذا يحصل منهم الإقلاع عنه، وهو المطلوب. وأما قول عائشة: "نهى عن الوصال رحمة بهم" فلا يمنع أن يكون النهي للتحريم، بل يؤكده، فإن من رحمته بهم أن حرمه عليهم، وكل الأوامر والنواهي الشرعية مبنية على الرحمة والشفقة.

стр. 324

وأما التفصيل الذي اختاره "أحمد" فذكر "ابن القيم" أنه أعدل الأقوال، لحديث أبي سعيد " لا تواصلوا، وأيكم أراد أن يواصل، فلْيُوَاصِل إلى السحر" رواه البخاري. فهو أعدل الوصال وأسهله، لأنه - في الحقيقة- أخَّر عشاءه. والصائم له ـ في اليوم والليلة- أكلة، ولكن الأحسن والأولى ترك الوصال مطلقاً، ولو لم يكن فيه إلا ترك تعجيل الإفطار المرغب فيه لكفى. ما يؤخذ من الحديث: ١- تحريم الوصال. ٢- جوازه للقادر عليه إلى السحر، وتركه أولى. ٣- رحمة الشارع الحكيم الرحيم بالأمة، إذ حرَّم عليهم ما يضرهم. ٤- النهي عن الغلو في الدين، فإن هذه الشريعة سمحة مقسطة، تعطي الربَّ حقه، والبدن حقه. فإن الواجبات الشرعية وجبت لمصالح تعود إلى العبد في دينه ودنياه، وإن ملاحظة الشارع لتلك المصلحة هي السبب في الإيجاب على العبد. ٥- أن الوصال من خصائص النبي ﷺ لأنه الذي يقدر عليه وحده، ولا يلحقه أحد في هذا المقام. ٦- أن معنى الطعام والشراب بالنسبة إلى النبي ﷺ في هذا الحديث، هو لذة المناجاة وسرور النفس الكبيرة بلقاء محبوبها، وله شواهد في الناس، وهذا المعنى الذي يحصل لخليل الرحمن وحبيبه، محمد صلوات الله وسلامه عليه لا يلحقه فيه أحد. ٧- أن غروب الشمس وقت للإفطار، ولا يحصل به الإفطار- كما تقدم - وإلا لما كان للوصال معنى إذا صار مفطراً بغروب الشمس. ٨- فيه ثبوت الخصائص للنبي ﷺ ، وتكون مخصصة لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ .

стр. 325

الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاص ﵄ قال: أُخْبِرَ النَّبِيُ ﷺ أنِّي أقُوْلُ والله لأَصُوْمَنَّ النًهَارَ ولأَقُوْمَنَّ اللَيْلَ مَا عِشْتُ. فقال رَسُولُ الله ﷺ : أنْتَ الَّذِي قُلْتَ ذَلِكَ؟ " فقلت لَهُ: قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أنْتَ وَأُمِي. قال: " فَإنَكَ لا تَسْتَطِيْعُ ذلِكَ فَصُمْ وأَفْطِرْ، وَنَمْ وَقُمْ، وَصُمْ مِنَ الشًهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فإنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَهْرِ". قُلْتُ: إنِّي لأُطِيْقُ أفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قال: " فَصُمْ يَوْماً وَافطِرْ يَوْمَيْن " قُلْتُ: إنِّي لأُطِيْق أفْضَلَ مِن ذلِكَ. قَالَ: فَصُمْ يَؤماً وَأفْطِر يَؤماً فَذلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَهُوَ أفضَلُ الصِّيَامِ". فَقُلْت: إنِّي لأُطِيْقُ أفْضَلَ مِنْ ذلِكَ. فقال: لا أَفْضَلَ مِنْ ذلِكَ". وفي رواية قال: لا صَوْمَ فَوْقَ صَوْمِ أخِي دَاوُدَ ﵇ شَطْرِ الدَّهْرِ فصُمْ يوماً وَأفطِر يَوْمَاً". المعنى الإجمالي: مجمل معنى هذا الحديث: أن النبي ﷺ أُخْبِرَ أن عبد الله بن عمرو أقسم على أن يصوم فلا يفطر، ويقوم فلا ينام كل عمره، فسأله: هل قال ذلك؟ فقال: نعم. فقال: إن هذا يشق عليك ولا تحتمله، وأرشده إلى الطريق المثلى وهو أن يصوم بعض الأيام، ويفطر بعضها، ويقوم بعض الليل، وينام بعضه، وأن يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، ليكون كمن صام الدهر. فأخبره أنه يطيق أكثر من ذلك، ومازال يطلب الزيادة من الصيام حتى انتهى إلى أفضل الصيام، وهو صيام داود ﵇، وذلك أن يصوم يوماً، ويفطر يوماً. فطلب المزيد لرغبته في الخير ﵁. فقال. لا صوم أفضل من ذلك. ما يؤخذ من الحديث: ١- رغبة عبد الله بن عمرو بن العاص في الخير وقوتِهِ فيه، إذ أقسم على صيام الدهر وقيام كل الليل. ٢- معرفة النبي ﷺ مَدَى القدرة على العمل وعاقبته، إذ أخبره أنه لا يستطيع ذلك، بمعنى أنه سيشق عليه، وقد كان. فإن عبد الله تمنى في آخر أيامه أنه لو قام مع النبي ﷺ على عمل يديمه ويقدر عليه.

стр. 326

٣- تقدير النبي ﷺ العمل بقدرة صاحبه، إذ قصر عبد الله أولاً على ثلاثة أيام من كل شهر، فلما طلب المزيد ورأى النبي ﷺ فيه الرغبة والقدرة، قال: "فصم يوماَ وأفطر يومين". فلما أظهر الرغبة في طلب الزيادة، أرشده إلى أفضل الصيام فقال: "فصم يوماً وأفطر يوماً". ٤- أن آخر حد للصيام الفاضل، هو صيام يوم، وفطر يوم، وهو صيام داود ﵇. ٥- كراهة صيام الدهر، لأنه مخالفة لقوله ﵊ " فصم وأفطر" ولحديث "لا صام من صام الأبد (١) " ٦- سماحة هذه الشريعة، حيث يكره فيها التعمق والتنطع، ويطلب فيها السهولة واليسر، لأنه أنشط على العمل، وأدوم عليه. الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْن العَاصْ ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَ أحَبَّ الصِّيَامِ إلى الله صِيَامُ دَاوُدَ، وَأحَبَّ الصَّلاةِ إلَى الله صلاةَ دَاوُدَ، كانَ يَنَامُ نِصْفَ الْلَيْلِ وَيَقوُمُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وكانَ يَصُومُ يَوْماً ويُفطِرُ يَؤماً". المعنى الإجمالي: تقدم ذكر سماحة هذه الشريعة ويسرها، فإن الذي خلق الثقلين لعبادته أحب أن يعبدوه بما يسهل عليهم بلا كُلفَةٍ ولا مشقة. فإن أحب الصيام إليه والصلاة، ما كان النبي داود ﵊ يتعبد بهما، وذلك أنه كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان ينام النصف الأول من الليل، ليقوم نشيطاً خفيفاً على العبادة، فيصلي ثلثه، ثم ينام سدسه الأخير ليكون نشيطا لعبادة أول النهار، وهذه الكيفية هي التي رغبها المشرع الحكيم. ما يؤخذ من الحديث: ١- أن صيام يوم وفطر يوم، هو أفضل الصيام بما فيه صيام الدهر. ٢- أن نوم النصف الأول من الليل، وقيام ثلثه، ثم نوم سدسه، أفضل القيام، لما فيه من أخذ النفس حاجتها من الراحة أولا، ثم القيام وقت النزول الإلهي، ثم نوم السدس الأخير ليكون أنشط لصلاة الصبح وأذكاره.

стр. 327

٣- أن العبادة قسط وعدل، فلا يغفل عن عبادته، لا يغلو فيها؛ لأن لربك عليك حقا، ولأهلك عليك حقاً، فآت كل ذي حق حقه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الشرع جاء بالعدل في كل شيء والإسراف في العبادات من الجور الذي نهى عنه الشارع، وأمر بالاقتصاد في العبادات، ولهذا أمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور، ونهى عن الوصال، فالعدل في العبادات من أكبر مقاصد الشرع، والأمر المشروع المسنون جميعه مبناه على العدل والاقتصاد والتوسط الذي هو خير الأمور وأعلاها. ٤- أن الله ﵎ يتعبدك بأنواع كثيرة من العبادات. فإذا أوغلت في نوع منها، تركت الباقي، فينبغي إبقاء شيء من القوة لسائر العبادات. كما أن العبادات التي على الإنسان من معاشرة أهله، وزيارة أصدقائه، وطلبه الرزق في الدنيا، ومحادثة أولاده ونومه، إذا نوى بذلك الأجر وأداء الحقوق، كانت هذه العادات عبادات. ففضل الله واسع، وبِرِّه كبير. الحديث الرابع عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أوْصَانِي خليلي بثلاث صيام ثلاثة أَيَّام مِنْ كُل شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأن أوْتِرَ قَبْلَ أن أنَامَ. المعنى الإجمالي: اشتمل هذا الحديث الشريف على ثلاث وصايا نبوية كريمة: الأولى: الحث على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، لأن الحسنة بعشر أمثالها، فيصير صيام ثلاثة الأيام كصيام الشهر كله. والأفضل أن تكون الثلاثة، الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. كما ورد في بعض الأحاديث، وفي تخصيصها بهذه الأيام فوائد طبية. الثانية: أن يصلي الضحى، وأقلها ركعتان، لاسيما في حق من لا يصلي من الليل، كأبي هريرة الذي اشتغل بدراسة العلم أول الليل. وأفضل وقتهما، ارتفاع الضحى حين ترمض الفصال (١) كما جاء في حديث آخر.

стр. 328

الثالثة: أن من لا يقوم آخر الليل، فليوتر قبل أن ينام، كيلا يفوت وقته وكانت هذه الوصية في حق أبي هريرة وأمثاله، ممن ينامون عن الوتر آخر الليل. ما يؤخذ من الحديث: ١- استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. والأولى أن تكون الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر. وقد ورد في تعيينها حديث قتادة بن ملحان الذي أخرجه أهل السنن قال: "كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم أيام البيض ثالث عشرة ورابع عشرة وخامس عشرة، وقال: هي كهيئة الدهر". ٢- استحباب صلاة الضحى والمواظبة عليها لمن لم يقم لصلاة الليل، لئلا تفوته صلاة الليل والنهار. ٣- الوتر قبل النوم في حق من يغلب على ظنه أنه لا يقوم آخر الليل. آما من غلب على ظنه القيام، فيؤخره إليه، وإن فاته بنوم أو نسيان، فالمستحب أن يقضيه. ٤- أن هذه الأحكام الثلاثة المذكورة، من وصايا النبي ﷺ الغالية، التي ينبغي أن يعتنى بها ويحرص عليها، لأنها عظيمة النفع، جليلة القدر. الحديث الخامس عَنْ محمَّد بْنِ عبَّاد بن جَعْفَر قال: سَألتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله: أنَهَى النَّبِي ﷺ عن صَوْم الجُمُعَةِ؟ قال: نَعَمْ. وزاد مسلم (وَرَبِّ الْكَعْبَة) . الحديث السادس عَنْ أبي هُريرة ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُول: "لا يَصُومَنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إلاَّ أنْ يَصُومَ يَوْماً قَبْلَهُ أو يَوْمَاً بَعْدَهُ". المعنى الإجمالي: لما كان يوم الجمعة عيد الأسبوع، كما أن عيد الفطر وعيد الأضحى، عيد السنة والعيد فيه

стр. 329

الفرح وإظهار السرور، وفيه إعلان شكر الله على نعمه، وطلب المزيد، كان الأولى في هذا اليوم أن يكون الإنسان مفطرا، ليقوى على أدائها. فشرع إفطار يوم الجمعة، ولكن يبيحه، ويزيل كراهة صومه، أن يقرن به صوم يوم قبله أو بعده، أو يكون ضمن صوم معتاد، لئلا يظن العامة أيضاً تخصيص يوم الجمعة بزيادة عبادة على غيره، فيعتقدوها ـ لفضل ذلك اليوم - واجبة. ما يؤخذ من الحديثين: ١- النهى عن صوم يوم الجمعة. ٢- جواز صومه إذا قرن بصيامٍ قبله أو بعده، أو كان في صوم معتاد. ٣- يحمل النهي في صومه على التنزيه، لأن النبي ﷺ كان يصومه في جملة صومه الذي يصوم. ورخص بصومه إذا قرن بغيره، ولو كان حراماً ما صيم، كعيد الفطر والنحر. الحديث السابع عَنْ أبي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أزْهَرَ، وَاسْمُهُ سَعْدُ بْنُ عُبيْدِ، قَال: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْن الْخطَّابِ ﵁ فَقَالَ: هذَانِ يَوْمَانِ (١) نَهَى رَسُوْل الله ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يَوْم فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَاليَوْم الآخَرُ اَّلذي تَأكُلُوْنَ فِيهِ مِنْ نسُكِكُمْ (٢) . المعنى الإجمالي: عيد الفطر وعيد النحر، هما العيدان الإسلاميان، اللذان جعلهما الشارع الحكيم الكريم يوْمَيْ فرح وسرور، وبهجة وحبور، يأتي فيهما المسلمون أنواع المتع المباحة من الأكل والشراب واللباس والزينة وغيرهما. وقد حرم صومهما، لأن الفطر هو تحليل الصيام، كالسلام للصلاة، ولأن الأضحى يوم الأكل من الضحايا والهدايا، التي أمر الله تعالى بالأكل منهما. فالخلق في هذين اليومين أضياف الله، فلْيقبلوا ضيافته، وليفطروا فيهما.

стр. 330

ما يؤخذ من الحديث: ١- تحريم صوم يَوْمَيْ الفطر والأضحى. ٢- أن الصوم فيهما لا ينعقد، فلا يصح، سواء كان لقضاء أو نفل أو نذر. ٣- حكمة النهي عن صومهما، ما أشار إليه في الحديث، من أن عيد الفطر هو اليوم الذي انتهى بدخوله شهر رمضان، فلتميز ولتعرف حدود الصوم الواجب بالفطر. كما نهى عن صيام يوم أو يومين قبله، تمييزاً له عن غيره. وأما الأضحى، فلأنه يوم النسك الذي أمر بالأكل منه، فليبادر إلى امتثال أمره، بالتناول من طيبات رزقه، فليس من الأدب واللياقة، الإعراض عن ضيافة الكريم. ٤- أنه يستحب للخطيب أن يذكر في خطبته ما يتعلق بوقته من الأحكام ويتحرى المناسبات. الحديث الثامن عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله عَنْ صَوم يوْمَيْن: النَّحْرِ، والْفِطْرِ وَعَن اشْتِمَالِ الصَّمَّاء وَأَنْ يَحْتَبِيَ الرَّجُلُ في الْثَّوْبِ الوَاحِدِ وَعَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ والْعَصْرِ. أخرجه "مسلم " بتمامه، وأخرج "البخاري" الصوم فقط (١) . الغريب: الاحتباء: هو أن يقعد الرجل على إليتيه وينصب ساقيه يدير عليهما ثوباً واحداً. الصماء: هو أن يرد الرجل الكساء من قبل ميمنته على يده اليسرى، وعاتقه الأيسر ثم يرده ثانية من خلفه على يده اليمنى وعاتقه الأيمن فيغطيهما جميعاً بثوب ليس له منافذ. المعنى الإجمالي: نهى النبي ﷺ في هذا الحديث، عن صيام يومين، وعن لبستين، وعن صلاتين. فأما اليومان المحرم صومهما، فيوم الفطر، ويوم النحر وتقدم شيء منْ حكمة تحريم الصيام فيهما.

стр. 331

وأما اللبستان، فاشتمال الثوب الأصم، الذي ليس له منافذ، فإن لبسه يضر بالصحة، لعدم المنافذ المهوية فيه، ولأنه عنوان الكسل والبطالة، فلبسه يشل الحركة والعمل المطلوبين. وأما الاحتباء بثوب واحد، فلأنه يخشى معه انكشاف العورة. وأما الصلاتان، فالصلاة بعد صلاة الصبح، والصلاة بعد صلاة العصر. فإن الوقتين اللذين بعدهما، وقتا عبادة المشركين، وقد تقدم الكلام عليهما. ما يؤخذ من الحديث: ١- النهي عن هذه الأشياء المعدودة في الحديث. ٢- النهي عن صيام العيدين، وعن الصلاة بعد الصبح والعصر، من باب التحريم. والنهي عن اللبستين، للكراهة، ما لم يغلب على الظن انكشاف العورة، فيحرم. ٣- مراعاة الشارع مصالح العباد في كل شيء. الحديث التاسع عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " مَنْ صَامَ يَوْماً في سبيل الله بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفاً". المعنى الإجمالي: الصيام من العبادات البدنية الشاقة، والجهاد من العبادات المالية والبدنية الصعبة. فمن قوي عليهما جميعأ، فقام بهما في آن واحد، فهذا من الذين تركوا راحة الحياة والتلذذ بنعيمها، رغبة فيما عند اللَه تعالى من النعيم، وهرباً من عذابه الأليم، فجزاؤه عند الله تعالى أن يبعده بصوم اليوم الواحد في سبيل اللَه عن النار سبعين سنة. وإبعاده عن النار، يقتضي تقريبه من الجنة، إذ ليس هناك إلا طريق للجنة وطريق للسعير. ما يؤخذ من الحديث: ١- فضل الصيام إبَّانَ الجهاد في سبيل الله تعالى، وما يترتب عليه من الثواب العظيم. ٢- يقيد استحباب الصيام في سبيل الله بعدم الإضعاف عن الجهاد. فإن أضعفه فالمستحب له تركه، لأن الجهاد من المصالح العامة، والصوم مصلحة مقصورة على الصائم، وكلما عمت مصلحة العبادة، كانت أولى.

стр. 332

بَابُ لَيلَة القَدْرِ الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عمَرَ ﵄: أنً رِجَالاً مِنْ أصْحَابِ النَّبِي ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ في المنام. في السْبعِ الأوَاخِرِ. فقال رَسُوْلُ الله ﷺ : "أرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأًتْ في السَّبْعِ الأوَاخِرِ، فمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَحَرِّيَها فَلْيَتَحَرًهَا في السَّبْع الأوَاخِرِ". الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ قال: "تَحَّرَُوْا ليْلَةََ الْقَدْرِ فَي الوِتْرِ (١) مِنَ الْعَشْرِ الأوَاخِرِ". الغريب: ١- أروا فعل ماضٍ مبني للمجهول من الرؤية. ٢- ليلة القدر ليلة مباركة من ليالي رمضان سميت "ليلة القدر" لعظيم قدرها وشرفها. وقيل: لأن للطاعات فيها قدراً، والمعنيان متلازمان. ٣- العشر الأواخر: يعني الليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان، لأن لها فضلاً ومزية. ٥- قد تواطأت: أصله أن يطأ الرجل برجله مكان وطئه من قبْله فنقلت هنا إلى معنى موافقة رؤيا الرجل، لرؤيا الآخر. فتواطأت: مثل توافقت لفظاً ومعنى. المعنى الإجمالي: ليلة القدر، ليلة شريفة عظيمة، فيها تضاعف الحسنات وتكفر السيئات، وتقدر الأمور. ولما علم الصحابة ﵃ فضلها وكبير منزلتها، أحبوا الاطلاع على وقتها. ولكن الله بحكمته ورحمته بخلقه - أخفاها عنهم ليطول تلمسهم لها في الليالي، فيكثروا من العبادة التي تعود عليهم بالنفع. فكان الصحابة يرونها في المنام، واتفقت رؤاهم على أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان فقال النبي ﷺ : أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر، فمن كان متحرياً فليتحرها في العشر الأواخر، خصوصاً في أوتار تلك العشر، فإنها أرجى.

стр. 333

وأرجاها وأكثرها علامات ودلالات هي ليلة سبع وعشرين من رمضان. فليحرص على رمضان، وعشره الأخير أكثر، وليلة سبع وعشرين أبلغ. وفقنا الله لنفحاته الكريمة. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في تعيين ليلة القدر، وحكى فيها الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" سبعة وأربعين قولاً. وقد قصد بذلك المشاركة في إبهامها وتعميقها، ولكنه رجح منها أنها في أوتار العشر الأخيرة من رمضان. وقال الإمام أحمد: أرجاها ليلهَ سبع وعشرين. وهذا القول أرجحها دليلاً. ما يؤخذ من الحديث: ١- فضل ليلة القدر، لما ميزها الله تعالى من ابتداء نزول القرآن، وتقدير الأمور، وتنزيل الملائكة الكرام فيها. فصارت في العبادة عن ألف شهر، لمزيد المضاعفة. ٢- أن الله ﵎ من حكمته ورحمته- أخفاها لِيَجِدَّ الناس في العبادة، طلباً لها، فيكثر ثوابهم. ٣- أنها في رمضان وفي العشر الأخير أقرب. خصوصاً، ليلة سبع وعشرين. ١- أن الرؤيا الصالحة حقٌّ، يعمل بها إذا لم تخالف القواعد الشرعية. فإنَّ النبي ﷺ جعل تواطؤ رؤياهم على أنها في العشر الأخير، دليلاً على كونها فيها. ٥- استحباب طلبها، والتعرض فيها لنفحات الله تعالى. فهذه ليلة مباركة تضاعف فيها الأعمال، ويستجاب فيها الدعاء، ويسمع النداء. والمحروم، من حرم طلبها والتعرض لرحمة الله في مظانها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان والليالي العشر إلا واحداً من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة. قال ابن القيم: إذ تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافيا كافيا فإنه ليس من أيامٍ العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة. وأما ليالي عشر رمضان فهي الليالي التي كان النبي ﷺ يحييها كلها. فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة.

стр. 334

الحديث الثالث عَنْ أبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: أَنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فاعْتَكَفََ عَاماً حَتَّى (١) إِذا كَانَتْ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ - وَهِيَ الْلَيْلَةُ الْتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيْحَتِهَا مِنَ اعْتِكَافِهِ- قَالَ: مَنِ اعْتَكَفَ معِي فَلْيَعْتَكِفْ في العَشْرِ الأوَاخِرِ. فَقَدْ أُرِيْتُ هذِهِ الْليْلةَ ثُمَّ أنْسِيتهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِيْنٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ، والْتَمِسُوهَا فِي كُل وِتْرٍ. قَال: فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلكَ الْلَيْلَةَ، وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلى عَرِيشٍ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَأبْصَرَتْ عَيْنَايَ رَسُولِ الله ﷺ وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ المَاءِ وَالطِّين مِنْ صُبْحِِ إحْدَى وَعشْرِيْنَ. الغريب: في العشر الأوسط: قياسه "الوسطى" لأن العشر مؤنثة، وتوجيه صحته أنه أراد اليوم. فوكف المسجد: أي قطر من سقفه، ومنه: وكف الدمع. أريت هذه الليلة ثم أنسيتها: معناه أخبرت في موضعها ثم نسيت كيف أخبرت لحكمة إلهيَّةٍ لا أنه رآها عياناً. المعنى الإجمالي: كان النبي ﷺ يعتكف في العشر الوسطى من شهر رمضان ابتغاء ليلة القدر وتحرياً لمصادفتها لأنه يظن أنها في تلك العشر. فاعتكف عاماً- كعادته- حتى إذا كانت ليلة إحدى وعشرين، وهي الليلة التي كان يخرج في صبيحتها من اعتكافه، علم أن لليلة القدر في العشر الأواخر، فقال لأصحابه: من اعتكف معي في العشر الوسطى، فليواصل اعتكافه وليعتكف العشر الأواخر. فقد رأيت في المنام هذه الليلة وأنسيتها وقد رأيتني فيها في المنام أسجد في ماء وطين، وهي رؤيا حق ولم يأت تأويلها، فلابد أنها أمامكم في العشر الأواخر فالتمسوها فيها. فصدق الله رؤيا نبيه ﷺ . فمطرت السماء تلك الليلة. وكان مسجده ﷺ مبنيا كهيئة العريش، عمده من جذوع النخل، وسقفه من جريدها، فوكف المسجد من أثر المطر، فسجد ﷺ صبيحة إحدى وعشرين، في ماء وطين.

стр. 335

ما يؤخذ هن الحديث: ١-كون النبي ﷺ يعتكف العشر الوسطى، طلباً لليلة القدر، قبل علمه أن وقتها في العشر الأواخر. ٢- هذا الحديث من أدلة الذين يرونها في ليلة إحدى وعشرين. ٣- يدل هذا الحديث على أنها في العشر الأواخر، وفي أوتارها آكد. ٤- أن الرؤيا حق لا سيما رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ٥- صفة مسجد النبي ﷺ في زمنه، وكونه عريشاً قد سقف بالجريد الملبد بالطينِ، وحيطانه بعسبان النخل، وسواريه بجذوع النخل. فعمارتهم المساجد، بالطاعة فيها، لا بالتشييد والزخرفة. بَاب الاعتِكَاف الاعتكاف: في اللغة، لزوم الشيء وحبس النفس عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿يَعْكُفُوْنَ عَلَى أصْنَامٍ لَهُمْ﴾ أي يلازمونها ويقيمون عليها. وهو في الشرع: "المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة لطاعة الله". أما حكمه: فقد أجمع العلماء على مشروعيته، وأجمعوا أيضاً على أنه مستحب ليس بواجب. وأما حكمته وفائدته: - فقد قال "ابن القيم " في "الهدى" لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفاً على جمعيته على الله ولمِّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، شرع الاعتكاف الذي مقصوده وروحه، عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها ويصير الهم كله به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله، بدلاً عن أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور، حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه. فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم.

стр. 336

وذكر عقيب الصيام لمناسبتين: الأولى: أن جملة الكلام على الصيام سيتناول صيام شهر رمضان، وهو الذي يتأكد استحباب الاعتكاف فيه، لما يرجى فيه من ليلة القدر. الثانية: اتفاق العلماء على مشروعية الصيام مع الاعتكاف لأن تمام قطع العلائق عن الدنيا يكون بالصيام. وقد اشترط الحنفية والمالكية لصحة الاعتكاف، الصيام. ورد عليهم الصنعاني بأنه لا دليل لهم إلا أن النبي ﷺ لم يعتكف إلا صائماً. والفعل المجرد لا يكون دالاً على الشرطية. وقد اعتكف في شوال ولم ينقل أنه صام أيام اعتكافه. الحديث الأول عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ رَسُولَ اللَه ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ حَتًى تَوَفَّاهُ الله تَعَالى. ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدَهُ. وفي لفظٍ: "كَانَ رَسُولُ الله يَعْتَكِفُ في كلِّ رَمَضَانَ، فَإذَا صلَّى الْغَدَاةَ، جَاءَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيْهِ". المعنى الإجمالي: كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان، طلباً لليلة القدر، بعد أن علم أنها في تلك العشر، واستمر يعتكفهن كل سنة، حتى توفاه الله تعالى. ثم اعتكف أزواجه ﵅، من بعده يطلبن ما طلب. وإذا صلى الصبح دخل معتكفه، وهو ما يحتجزه من المسجد للخلوة وقطع العلائق عن الخلائق. ما يؤخذ من الحديث: ١- مشروعية الاعتكاف، وأنه من سنة النبي ﷺ ، التي يحرص عليها. ٢- فائدته وثمرته: هي أن يقطع المعتكِف علائقه عن الدنيا وما فيها، ويخلو بربه، ويتلذذ بمناجاته وجمعه نفسه وخواطره وأفكاره، عليه وعلى عبادته. ٣- أن اعتكاف النبي ﷺ استقر- أخيراً- على العشر الأواخر من رمضان، لما يُرجَى فيهن من ليلة القدر. ٤- أن الاعتكاف سنة مستمرة لم تنسخ إذ اعتكف أزواجه ﷺ بعده.

стр. 337

٥- أن وقت دخول المعتكِف مكان اعتكافه، يكون بعد صلاة الصبح. ٦- أنه لا بأس من أن يحتجز المعتكف ما يخلو به إذا لم يضيق على المصلين. لما أخرج الشيخانْ عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف أمر بضرب خبائه فضرب. ٧- يؤخذ من معنى الاعتكاف، ومن مقصده أن المعتكف يجتنب الجماع ودواعيه، والخروج من معتكفه لغير حاجة، ويجتنب أعمال الدنيا من المعاوضات والصنائع ونحوها، وأن يُقِلَّ من مخالطة الناس لغير اجتماع في ذكر أو قرآن، لأن هذه الأشياء وأشباهها، منافية للاعتكاف. ٨- أن شرط الاعتكاف أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعة لقوله تعالى: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ لئلا يفضي اعتكافه إلى ترك الجماعة، أو إلى تكرار الخروج إليها كثيراً. الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّها كَانَتْ ترَجِّلُ النَّبِي ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ، وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ، وهِيَ فِي حُجْرَتِهَا، يُنَاوِلُهَا رَأسَهُ. وفي رواية: "وَكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلاَّ لِحَاجَةِ الإنْسَانِ". وفي رواية: " أنَ عَائِشَةَ قَالَتْ: إني كُنْت لا أدْخُلُ الْبَيْتَ إلاَّ لِلْحَاجَةِ والْمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إلاَّ وَأَنَا مَارَّة. الترجيل: تسريح الشعر. المعنى الإجمالي: اليهود يتشددون في أمر الحائض فيجتنبون منها ما أباحه الله، من المباشرة والمضاجعة، بل يعتزلونها ويرونها رجساً نجساً. والنصارى على نقيضيهم، فلا يتحاشون عنها، بل يعاملونها معاملة الطاهرة. أما الإسلام دين السماح واليسر، ودين العدل والتوسط، فيراها طاهرة في بدنها وعرقها وثوبها. فالمؤمن لا ينجس، لا حيا ولا ميتاً فلا بأس من مباشرتها للأشياء الرطبة واليابسة. بل لا بأس من أن يباشرها زوجها بما دون الفرج. أما الجماع فيحرمه لما فيه من الخبث، الذي يعود بالضرر على المجامع وعلى الولد إن قُدِّر في ذاك الجماع. لذا كانت عائشة ﵂ تصلح رأس النبي ﷺ وهى حائض. فكان اعتكافه لا يمنعه من ترجيل شعره، وتنظيف بدنه، وكان لا يخرج من المسجد لذلك،

стр. 338

بل يناولها رأسه وهو في المسجد وهي في بيتها. فقد كان اعتكافه يمنعه من الخروج إلا لما فيه حاجته من طعام أو شراب، أو قضاء حاجة ونحو ذلك. فالاعتكاف لزوم المسجد. والخروج ينافيه، لذا حكت عائشة عن نفسها أنها لا تدخل البيت إلا لحاجةٍ إذا اعتكفت. ومن اهتمامها بسرعة الرجوع، يكون المريض في طريقها فلا تقف لتواسيه، بل تسأل عنه وهي في طريقها بالذهاب أو الإياب إلى المسجد. ما يؤخذ من الحديث: ١- أن الاعتكاف لا يمنع من ترجيل الشعر وغسله وأنواع التنظيف. ٢- أنه لا بأس من ملامسة الحائض ومباشرتها للأشياء. ٣- أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد. ٤- أن المعتكف لا يخرج من المسجد إلا لحاجة، كالطعام والشراب. ٥- أن إخراج بعض البدن من المسجد، لا يعد خروجا. ٦- أن الحائض لا تمكث في المسجد، لئلا تلوثه. ٧- أن من خرج لقضاء حاجة فَلْيَعُدْ إليه سريعاً، ولا يشتغل بغير حاجته التي أباحت له الخروج. ٨- أن لمس المرأة لغير شهوة، لا يضر في الاعتكاف. الحديث الثالث عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطًابِ ﵁ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ في الجَاهِلية ِ أَنْ أعْتَكِفََ لَيْلَةً "وفي رواية: يَوْمَاً فِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ". قال: " فَأوْفِ بِنَذْرِكَ " ولم يذكر بعض الرواة "يوماً" ولا "ليلة". المعنى الإجمالي: نذر عمر بن الخطاب في الجاهلية أن يعتكف يوماً وليلة في المسجد الحرام، فسأل النبي عن حكم نذره. فلما كان مطالباً بوفائه، سواء عقده في حال كفره أو إسلامه، أمره أن يوفي بنذره، لأنه وإن كان عقده مكروهاً إلا أن الوفاء به واجب. ما يؤخذ من الحديث: ١- وجوب الوفاء بالنذر، ولو عقد في حال الكفر.

стр. 339

٢- إذا عيَّن لاعتكافه المسجد الحرام تعيَّن، فإن عيَّن ما دونه من المساجد أجزأه عنها، وكل مسجد فاضل يجزئ عما دونه بالفضل. ٣- أن الاعتكاف يجب بالنذر، ويلزم الوفاء به. ٤-ورد في الحديث نذر " ليلة " وورد "يوماً" وورد مطلقاً. فمن أخذ برواية الليل أجزأه الاعتكاف بدون صوم. ومن جعل المراد بالليل أو اليوم ما يشملهما جميعاً، اشترط الصوم في الاعتكاف، وهما قولان للعلماء، والأحوط الصيام معه. الحديث الرابع عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُييٍّ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُوْل الله ﷺ مُعْتَكِفاً في المَسْجِدِ، فَأَتَيْتُهُ أَزُورَهُ لَيْلاً، فَحَدَّثْتُهُ. ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي - وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي بَيْتِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. فَمَرّ رَجُلانِ مِنَ الأنْصَارِ، فَلَمَّا رأَيَا رَسُوْلَ الله ﷺ أسْرَعَا في المَشْي. فَقَالَ ﷺ : (عَلَى رِسْلِكُمَا، إنًهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) . فَقَالا: سُبْحَانَ الله يَا رَسُولَ الله. فَقَالَ: "إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ وَإنِّي خِفْتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا شَرَّاً (أو قال: شَيْئاً) . وفي رواية: أنَّهَا جَاءَتْ تَزُورُهُ في اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فتَحدََّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِي ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا. حَتَّى إذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عَنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَة" ثُمَّ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ. الغريب: حُيي: بضم الحاء. هو ابن أخطب اليهودي زعيم بني النضير قتل مع بني قريظة صبراً. ليقلبني: بفتح الياء وسكون القاف، ليردني ويرجعني إلى منزلي. في بيت أسامة: نسب البيت إلى أسامة بن زيد، فإنه صار له بعد ذلك. على رسلكما: بكسر الراء: أي على هينتكما، أي تمهلا ولا تسرعا. فقالا: سبحان الله، تسبيحٌ وردَ مورد التعجب. المعنى الإجمالي: كان النبي ﷺ معتكفاً في العشر الأواخر من رمضان. وكان ينقطع في معتكفه عن الناس إلا قليلاً للمصلحة. ولذا فإن زوجه صفية ﵂ زارته في إحدى الليالي فحدثته ساعة، ثم قامت إلى بيتها. فلِمَا جبله الله عليه من كرم الأخلاق واللطف العظيم، وجبر القلوب، قام

стр. 340

معها ليشيعها ويؤنسها من وحشة الليل. وفي أثناء سيره معها، مرَّ رجلان من الأنصار، فاستحييا أن يسايرا النبي ﷺ ومعه أهله، فأسرعا في مشيهما. فقال لهما: تمهلا ولا تسرعا، فإن التي معي زوجي صفية. فتعجبا وكبر عليهما ذلك وقالا: سبحان الله! كيف تظن يا رسول الله أننا نظن شيئاً؟! فأخبرهما أنه لم يظن بهما ذلك، وإنما أخبرهما أن الشيطان حريص على إغواء بني آدم، وله قدرة عليهم عظيمة فإنه يجري منهم مجرى الدم من لطف مداخله، وخَفِيِّ مسالكه. أعاذنا الله منه، بحمايته آمين. ما يؤخذ من الحديث: ١- مشروعية الاعتكاف، لاسيما في العشر الأواخر من رمضان. ٢- أن المحادثة اليسيرة لا تنافي الاعتكاف، خصوصاً لمصلحة، كمؤانسة الأهل مثلاً. ٣- وفيه حسن خلقه ولطفه ﷺ ، إذ آنسها، ثم قام ليشيعها إلى بيتها. فكذا ينبغي أن يتحلَّى المسلمون بمثل هذه الأخلاق النبوية الكريمة. ٤- وفيه أنه ينبغي أن يريل الإنسان ما يلحقه من تهمة، لئلا يظن به شيء هو بريء منه، أي ينبغي التحرز مما يسبب التهمة. ٥- أن الشيطان له قدرة وتمكن قَوِيٌّ من إغواء بني آدم، فهو يجري منهم مجرى الدم. قال "ابن دقيق العيد": وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يقتدى بهم. ٦- وفيه شفقة النبي ﷺ على أمته: فإنه يعلم من ظاهر الحال أن الرجلين لم يظنا شيئا، وإنما علم كيد الشيطان الشديد، فخاف عليهما أن يوسوس لهما بشيء يكون سبب هلاكهما ٧- قال بعض العلماء: ومنه ينبغي للحاكم أن يبيِّن للمحكوم عليه وجه الحكم، إذا كان خافياً عليه، نفياً للتهمة. ٨- جواز خلوة المعتكف بزوجه ومحادثتها، إذا لم يُثِرْ ذلك شهوته المنافية للاعتكاف. ٩- قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دليل على هجوم خواطر الشيطان على النفس. وما كان من ذلك غير مقدور على دفعه لا يؤاخذ به لقوله تعالى ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ . قال الصنعاني: الوساوس تطرق القلب، فإن استرسل العبد معها قادته إلى الشك، وإن قطعها بالذكر والاستعاذة ذهبت عنه.

стр. 341

كِتَابِ الحَجّ الحج: لغة، القصد: وشرعاً: القصد إلى البيت الحرام، لأعمال مخصوصة، في زمن مخصوص. وابتدأ المصنف بـ "الصلاة" لأنها أهم أركان الدين بعد الشهادتين. وثَنَّى بـ "الزكاة" لأنها قرينتها في آيات القرآن الكريم. وثلَّث بـ "الصيام"، لكونه يجب كل سنة، ويطيقه ويقوم به الجمهور من المسلمين. وأخَّر "الحج"، لأنه لا يجب إلا مرة في العمر، ولا يجب إلا على القادرين، وهم أقل من العاجزين. وقد ثبت بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، فوجوبه معلوم من الدين بالضرورة. وفرض سنة تسع من الهجرة، ولم يحج النبي ﷺ إلا مرة واحدة، سنة عشر، بعد أن طهَّر البيت من آثار الشرك. أما فضله فقد وردت فيه النصوص الكثيرة الصحيحة ومنها "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (١) . أما حِكَمُهُ وأسراره، فأكثر من أن تحصى، ولا يوفيها -بياناً- إلا التصانيف المستقلة في الأسفار المطولة. وَلْنُلِمَّ بنُبْذَةٍ منها ليقف القارئ على قُلٍّ من كُثْرٍ من أسرار شريعته الرشيدة وأهدافها الحميدة، فيرى أن له ديناً يهدف – بعباداته - إلى صلاح الدين والدنيا. فهذا المؤتمر الإسلامي العظيم، وهذا الاجتماع الحاشد، فيه من المنافع الدينية والدنيوية والثقافية والاجتماعية والسياسية، ما يفوت الحصر والعدِّ. أما الدينية، فما يقوم به الحاج من هذه العبادة الجليلة، التي تشتمل على أنواع من التذلل والخضوع، بين يدي الله تعالى. فمنها تقحُّم الأسفار وإنفاق الأموال، والخروج من ملاذ الحياة، بخلع الثياب واستبدالها بإزار ورداء، حاسر الرأس، وترك الطيب والنساء، وترك الترفُّه بأخذ الشعور والأظفار ثم التنقل

стр. 342

بين هذه المشاعر. كل هذا بقلوب خاشعة، وأعين دامعة، وألسنة مكبرة ملبية. قد حدا بهم الشوق إلى بيت ربهم، ناسين- في سبيل ذلك ـ الأهل والأوطان والأموال، والنفس والنفيس، فما ترى ثوابهم عند ربهم؟ أما الثقافية، فقد أمر الله بالسير في الأرض، للاستبصار والاعتبار. ففيه من معرفة أحوال الناس، والاتصال بهم، والتعرف على شئون الوفود، التي تمثل أصقاع العالم كله، ما يزيد الإنسان بصيرة وعلماً، إذا تحاكَّ بعلمائهم، واتصل بنبهائهم، فيجد لكل علمٍ وفنٍ طائفة تمثله. أما الاجتماعية والسياسية، فإن الحج مؤتمر عظيم، يضم وفوداً متنوعة العلوم، مختلفة الثقافات، متباينة الاتجاهات والنزعات، فإذا اجتمع كل حزب بحزبه، وكل طائفة بشبيهتها، ومثلوا "لجان الحكومة الواحدة" ودرسوا وضعهم الغابر والحاضر والمستقبل، ورأوا ما الذي أخرهم، وما الذي يقدمهم، وما هي أسباب الفرقة بينهم، وما أسباب الائتلاف والاجتماع، وتوحيد الكلمة. وبحثوا شئونهم الدينية، والسياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، على أساس المحبة والوئام، وبروح الوحدة والالتئام. أصبحوا يداً واحدة ضد عدوهم، وقوة مرهوبة في وجه المعتدي عليهم. وبهذا يصير لهم كيان مستقل خاص، له مميزاته وأهدافه ومقاصده. يسمع صوته ويصغى إلى كلمته، ويحسب له ألف حساب. وبهذا يعود للمسلمين عزَّهم، ويرجع إليهم سؤددهم، ويبنون دولة إسلامية، دستورها كتاب الله وسنة رسوله، وشعارها العدل والمساواة، وهدفها الصالح العام، وغايتها الأمن والسلام. حينئذٍ تتجه إليهم أنظار الدنيا، وتسلم الزمام إليهم، فيمسكونه بأيديهم، ويُقَوِّضُونَ مجالس بُنِيتْ على الظلم والبَغْي، ويبنون على أنقاضها العدل والإحسان. وبهذا يقر السلام، ويستتب الأمن، وتتجه المصانع التي تصنع للموت الذريع أسلحة الدمار والخراب، إلى أن تخترع المعدات التي تساعد على التثمير والتصنيع، وإخراج خيرات الأرض، فتحقق حكمة الله بخلقه، ويحل الخصب والرخاء، والأمن والسلام مكان الجدب والغلاء، والخوف والدماء. ولكن لابد لكمال تحقق أعمال هذا "المؤتمر" من لغة موحدة، يتفاهمون بها. وأولى اللغات بذلك "لغة القرآن".

стр. 343

كما أنه لابد من التنظيم، والتنسيق، والرعايا من الحاكمين. وإذا علمت ثمرات هذه الاجتماعات الإسلامية، فهمت جيداً - أيها المسلم المؤمن - أن لك ديناً عظيماً، جليل القدر، يقصد منه - بعد عبادة الله - صلاح الكون واتساقه، لأن الاجتماع هو أعظم وسيلة لجمع الأمة وتوحيد الكلمة. ولذا فإنه عُنِيَ بالاجتماعات عناية عظيمة، تحقيقاً للمقاصد الكريمة. ففرض على أهل المحلة الاجتماع في مسجدهم كل يوم خمس مرات. وفرض على أهل البلد عامة الاجتماع للجمعة في كل أسبوع. وفرض على المسلمين الاجتماع في كل عام. وهذا موضوع خطير طويل، نكتفي منه بهذه الإشارة. نسأل اللَه تعالى أن يُعْلِيَ كلمته، ويظهر دينه، وينصر أولياءه، ويذل أعداءه. إنه قوي عزيز. باب المواقيت المواقيت: جمع ميقات. وهي زمانية ومكانية. فالزمانية، أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. والمكانية: ما ذكرت في هذين الحديثين. وجعلت هذه المواقيت تعظيماً للبيت الحرام، وتكريماً، ليأتي إليه الحجاج والزوار من هذه الحدود، معظمين خاضعين خاشعين. ولذا حرم ما حوله من الصيد، وقطع الشجر، لأن في ذلك استخفافاً بحرمته، وحطاً من كرامته. والله ، جعله مثابة للناس وأمناً، ورزق أهله من الثمرات، لعلهم يشكرون. الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بْن عَبَّاس ﵄: أنَ رَسُولَ الله وَقَّتَ لأهْلِ الْمَدِينةِ "ذا الْحُلَيْفَةِ"، ولأهلِ الشام "الجُحْفَة" ولأهلِ نَجْدٍ "قَرْنَ الْمَنَازِلِ"، ولأهل الْيَمَن "يَلَمْلَمَ" وقال: " هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أتَي عَلَيْهِنَ مِنْ غَيْرِ أهْلِهِنَّ لِمَن أرَادَ الحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ وَمَنْ كَان دُوْنَ ذلِكَ فمِنْ حَيْثُ أنْشَأ، حَتَى أهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ".

стр. 344

الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "يُهِلُّ أهْلُ المدِيِنَةِ مِنْ "ذِي الْحُلَيْفَة" وأهْلُ الشام مِنَ"الجُحْفَةِ" وأهْلُ نجدٍ مِنْ "قَرْن الْمَنَازِلِ". قال عبد الله: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "وَيُهِلُّ أهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَم". المواقيت المكانية: ذو الحليفة: بضم الحاء وفتح اللام تصغير الحلفاء نبت معروف ينبت بتلك المنطقة. وتسمى الآن – آبار علي – ويكاد عمران المدينة المنورة – الآن - يصل إليها وتبلغ المسافة من ضفة وادي الحليفة إلى المسجد النبوي ثلاثة عشر كيلاً. ومن تلك الضفة إلى مكة المكرمة عن طريق- وادي الجموم – أربعمائة وثمانية وعشرين كيلاً والحليفة ميقات أهل المدينة ومن أتى عن طريقهم. الجحفة: بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء بعدها هاء قرية بينها وبين البحر الأحمر عشرة أكيال. وهي الآن خراب ويحرم الناس من: رابغ: مدينة كبيرة فيها الدوائر والمرافق والمدارس الحكومية وتبعد عن مكة المكرمة عن طريق وادي الجموم- مائة وستة ثمانين كيلاً. ويحرم من رابغ أهل لبنان وسوريا والأردن وفلسطين ومصر والسودان وحكومات المغرب الأربع وبلدان أفريقيا وبعض المنطقة الشمالية في المملكة العربية السعودية. يلملم: بفتح الياء المثناة التحتية فلام فميم فلام أخرى بعدها ميم أخرى ويقال ألملم - وسكان تلك المنطقة الآن يقولون لملم ولما سفلتت حكومتنا الطريق الآتي من ساحل المملكة العربية الجنوبي إلى مكة المكرمة والمار بوادي يلملم من غير مكان الإحرام القديم المسمى – السعدية - كنت أحد أعضاء لجنة شكلت لمعرفة مكان الإحرام مع الطريق الجديد فذهبنا إليه ومعنا أهل الخبرة والعارفون بالمسيات واجتمعنا بأعيان وكبار السن من سكان تلك المنطقة وسألناهم عن مسمى يلملم هل هو جبل أم واد فقالوا إن يلملم هو هذا الوادي الذي أمامكم وإننا لا نعرف جبلاً يسمى بهذا الاسم وإنما الاسم خاص بهذا الوادي، وسيوله تنزل من جبال السداة ثم تمده الأودية في جانبيه وهو يعظم حتى صار هذا الوادي الفحل الذي تشاهدونه وإن مجراه ممتد من الشرق إلى الغرب حتى يصب في البحر الأحمر عند مكان في الساحل يسمى- المجيرمة.

стр. 345

وإنه من سفوح جبال السداة حتى مصبه في البحر الأحمر يقدر بنحو مائة وخمسين كيلاً ونحن الاَن في السعدية في نحو نصف مجراه وبعد التجول في المنطقة والمشاهدة وتطبيق كلام العلماء وسؤال أهل الخبرة والسكان تقرر لدينا أن مسمى يلملم الوارد في الحديث الشريف ميقاتاً لأهل اليمن ومن أتى عن طريقهم هو كل هذا الوادي المعترض لجميع طرق اليمن الساحلي وساحل المملكة العربية السعودية وأن الاسم عليه من فروعه في سفوح جبال السداة إلى مصبه في البحر الأحمر وأنه لا يحل لمن أراد نسكاً ومرَّ به أن يتجاوزه بلا إحرام من أي جهة من جهاته وطريق من طرقه. وقد كان الطريق يمر بالسعدية وهي قرية فيها بئر السعدية وفيها إمارة ومدرسة ومسجد قديم جدد الآن ينسب إلى معاذ بن جبل. والسعدية تبعد عن مكة المكرمة اثنين وتسعين كيلاً. أما الطريق الذي سفلتته حكومتنا فهو يقع عن السعدية غرباً بنحو عشرين كيلاً يمر على وادي يلملم وعند ممره إلى يلملم يكون وادي يلملم عن مكة مائة وعشرين كيلاً. ونحن بينا للمسئولين جواز الإحرام من الطريق القديم والطريق الجديد وغيرهما مما يمر في هذا وذلك حج عام ١٤٠١هـ وأنا الآن اكتب هذه الأسطر في ربيع ثاني من عام ١٤٠٢هـ فلا أدري هل يعاد الطريق من السعدية حيث الممر الأول أو يبقى هذا الطريق الجديد ويعد على ضفة الوادي أمكنة للإحرام، ودورات مياه للمحرمين. ويحرم من يلملم اليمن الساحلي وسواحل المملكة السعودية وإندونيسيا وماليزيا والصين والهند وغيرهم من حجاج جنوب آسيا والآَن أصبح الحج غالبه عن طريق الطائرات أو البواخر التي لا ترسو إلا على مواني جدة. قرن المنازل: بفتح القاف وسكون الراء وقد يقال قرن الثعالب لوجود أربع روابي صغار تسكنها الثعالب وقد أزيلت إحدى تلك الروابي لتوسعة طريق مكة – الطائف، وبقي الآن منها ثلاث أما الثعالب فمع توسع العمران هربت عن المنطقة. والقرن هو الجبل الصغير. وهذا الميقات اشتهر اسمه الآن بالسيل الكبير ومسافته من بطن الوادي إلى مكة المكرمة ثمانية وسبعون كيلاً ومن المقاهي والأمكنة التي اعتاد الناس أن يحرموا منها خمسة وسبعون كيلاً - والسيل الكبير الآن قرية كبيرة فيها محكمة وإمارة وجميع الدوائر والمرافق والخدمات والمدارس المنوعة. ويحرم من قرن المنازل- أهل نجد وحاج الشرق كله من أهل الخليج والعراق وإيران وغيرهم. وادي محرم: هذا هو أعلى "قرن المنازل" وهو قرية عامرة فيها مدرسة وكان لا يحرم منه

стр. 346

إلا قلة حتى فتحت حكومتنا طريق الطائف - مكة المار بالهدا وجبل الكرى فصار محرماً هاماً مزدحماً فبنت فيه الحكومة مسجداً كبيراً جداً له طرقه المسفلتة الداخلة والخارجة ومواقف السيارات ومكان الراحة وأمكنة الاغتسال ودورات المياه بأحدث تصميم وبناء لهذا المحرم الهام. وهو لا يعتبر ميقاتاً مستقلاً من حيث الاسم لأنه فرع قرن المنازل ويبعد عن مكة بخمسة وسبعين كيلاً. ولولا كثرة تعرجات جبل كرا لكان عن مكة نحو ستين كيلاً فقط. ويحرم منه من يحرم من الميقات الذي في أسفله ويزيد بحجاج الطائف وحجاج جنوب المملكة الحجازي وحجاج اليمن الحجازي. تكميل: ذات عرق: بكسر العين وسكون الراء بعدها قاف سمي بذلك لأن فيه عرقاً وهو الجبل الصغير. ويسمى الآن- الضريبة - قال ياقوت: الضريبة وادي حجازي يدفع سيله في - ذات عرق- والضريبة بفتح الضاد المعجمة بعدها راء مكسورة ثم ياء مثناة تحتية ثم باء موحدة تحتية ثم هاء واحدة الضراب وهى الجبال الصغار وهذا الميقات لم يرد في حديث الصحيحين ولكن ورد في بعض السنن أن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق. وقد ضعف بعض أهل العلم هذا الحديث. قال في فتح الباري. والذي في البخاري عن ابن عمر قال لما فتحت الكوفة والبصرة أتوا عمر فقالوا يا أمير المؤمنين إن رسول الله حدَّ لأهل نجد قرناً وهو جور عن طريقنا قال: فانظروا حذوها في طريقكم فحدَّ لهم - ذات عرق - قال الشافعي: لم يثبت عن النبي ﷺ أنه حد ذات عرق وإنما أجمع عليه الناس وهذا يدل على أن ذات عرق ليس منصوصاً عليه وبه قطع الغزالي والرافعي في شرح المسند والنووي في شرح مسلم وكذا وقع في المدونة لمالك. وصحح الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية أنه منصوص وقد وقع ذلك في حديث جابر عند مسلم إلا أنه مشكوك في رفعه. وقد وقع في حديث عائشة وحديث الحارس السهمي كلاهما عند أحمد وأبي داود والنسائي وهذا يدل على أن للحديث أصلاً فلعل من قال إنه غير منصوص عليه لم يبلغه أو رأى ضعف الحديث اهـ ملخصاً من فتح الباري. قلت: وعلى كل فقد صح توقيته عن عمر ﵁ فإن كان منصوصاً عليه وجهله فهو من موافقاته المعروفة وإن لم يكن نُصَّ عليه فقد قال

стр. 347

صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي". وقد أجمع المسلمون على أنه أحد مواقيت الحج ولله الحمد. وقد قمت بشهر محرم في عام ١٤٠٢ هـ من مكة المكرمة إلى هذا الميقات ومعي الشريف: محمد بن فوزان الحارثي وهو من العارفين بتلك المنطقة ومن المطلعين على التاريخ وقصدي بحث طريق الحج من الضريبة إلى مكة على الإبل فوجدت الميقات المذكور شعباً بين هضاب طوله من الشرق إلى الغرب ثلاثة أكيال وعرضه من الجنوب إلى الشمال نصف كيلاً ويحده من جانبيه الشمالي والجنوبي هضابه ويحده من الشرق – ريع انخل- ويحده من الغرب وادي الضريبة الذي يصب في وادي مرّ ويعتبر هذا الميقات من الحجاز فلا هو من نجد ولا من تهامة ولكنه حجاز منخفض يكاد يكون حرة فليس فيه جبال عالية. ويقع عنه شرقاً بنحو عشرة أكيال وادي العقيق ثم يلي العقيق شرقاً ـ صحراء ركبة - الواسعة حيث تبتدئ بلاد نجد. ويحرم من العقيق- الشيعة - مخالفة لعمر ﵁ الذي جعل ذات عرق ميقاتاً. والمسافة من ميقات ذات عرق حتى مكة مائة كيلاً. وأشهر الأمكنة التي يمر بها الطريق- مكة الرقة - وفيها آثار وبِرْكَة عظيمة قديمة من آثار بني العباس ثمَّ وادي نخلة الشامية - ثم المضيق - ثم البرود ثم شرائع المجاهدية ثم العدل وهذا الميقات مهجور الآن فلا يحرم منه أحد لأن الطرق المسفلتة في نجد وفي الشرق لا تمر عليه وإنما تمر على الطائف والسيل الكبير ـ قرن المنازل. ملاحظة: جميع مواقيت الإحرام أودية عظام ولذا فإن الاحتياط أن يحرم الحاج أو المعتمر من الضفة التي لا تلي مكة من الوادي لئلا يعتبر متجاوزاً للميقات. فائدة: جاء في قرار مجلس كبار العلماء رقم ٥٧٣٠ تاريخ ٢١/١٠/١٣٩٩ هـ وهو ما خلاصته: بعث الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية والشئون الدينية بقطر إلى الملك خالد بن عبد العزيز آل سعود رسالة تتضمن جواز جعل جدة ميقاتاً لركاب الطائرات الجوية والسفن البحرية. وقد أحيلت إلى المجلس فاستعرض تلك الفتوى وأصدر ما يلي: أن المجلس بعد دراسة الأمور التي وردت في الرسالة يرى أن المسوغات التي استند إليها مردودة بالنصوص الشرعية وإجماع سلف الأمة وأنه بعد الرجوع إلى الأدلة وما ذكر أهل العلم عن المواقيت المكانية ومناقشة الموضوع من جميع جوانبه فإن المجلس يقرر بالإجماع ما يلي: أولاً: أن الفتوى الصادرة من فضيلة الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم

стр. 348

الشرعية والشئون الدينية بقطر الخاصة بجواز جعل جدة ميقاتاً لركاب الطائرات الجوية والسفن البحرية فتوى باطلة لعدم استنادها إلى نص من كتاب الله أو سنة رسوله وإجماع سلف الأمة ولم يسبقه إليها أحد من علماء المسلمين الذين يعتد بأقوالهم. ثانياً: لا يجوز لمن مر بميقات من المواقيت المكانية أو حاذى واحداً منها جواً أو بحراً أن يتجاوزه من غير إحرام كما تشهد لذلك الأدلة وكما قرره أهل العلم رحمهم الله تعالى هذا وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد. اهـ الخلاصة من القرار وبهذا انتهى بحثي عن المواقيت المكانية وهو بحث قل أن تجده في غير هذا الكتاب لأنه كتب عن مشاهدة وتطبيق وتحديد على الطبيعة ونسأل الله تعالى التوفيق والعصمة وهو حسبنا ونعم الوكيل. المعنى الإجمالي: لهذا البيت الحرام، التكريم، والتعظيم، والتقديس، والإجلال. ومن ذلك أن جُعِل له حدود، لا يتجاوزها قاصده، بحج، أو عمرة إلا وقد أحرم وأتى في حال خشوع وخضوع، وتقديس وإجلال، عبادة لله واحتراماً لهذا البيت المطهر. ومن رحمة الله بخلقه، أنه لم يجعل لهم ميقاتاً واحداً في إحدى جهاته، بل جعل لكل جهة محرماً وميقاتاً، لئلا تلحقهم المشقة بقصدهم ميقاتاً ليس في طريقهم، حتى جعل ميقات مَنْ داره دون المواقيت مكانه الذي هو فيه، حتى أهل مكة يحرمون بالحج من مكة، فلا يلزمهم الخروج إلى الحل كفعلهم بالعمرة. ما يؤخذ من الحديث: ١- جعل هذه الأمكنة المذكورة مواقيت، لا يحل لمن أراد نسكاً تجاوزها بدون إحرام. ٢- أن ميقات من دون المواقيت من مكانه الذي هو ساكن فيه. ٣- أن ميقات أهل مكة منها، وهذا في الحج. أما العمرة، فلا بد من الخروج إلى الحل وهو قول الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة. وقال المحب الطبري: "لا أعلم أحداً جعل مكة ميقاتاً للعمرة". وقصة عائشة مشهورة ثابتة فلا يقاومها مفهوم الحديث. ٤- يدل قوله: "ممن أراد الحج والعمرة" أن من أراد دخول مكة لغير حج أو عمرة، بل لتجارة أو زيارة قريب ونحوه، أنه لا يجب عليه الإحرام. ثم إن تجدد له عزم على الإحرام أحرم من حيث عزم على أداء النسك ولو داخل المواقيت أو من مكة في الحج.

стр. 349

وفي هذه المسألة خلاف بين العلماء، ويأتي تحقيقه قريباً إن شاء الله تعالى. رحمة من الله تعالى بخلقه، حيث جعل لكل جهة ميقاتاً يكون في طريق سالكه إلى مكة، سواء أكان من أهل تلك الجهة أم لا. ولو جعل الميقات في جهة واحدة، لَشقَّ على من لم يأت منه مشقة كبيرة. ٦- في تقدير النبي ﷺ هذه المواقيت وتحديدها، معجزة من معجزاته الدالة على صدق نبوته. فقد حددها، ووقتها، وأهلها لم يسلموا، إشعاراً منه بأن أهل تلك الجهات سيسلمون، ويحجون، ويحرمون منها، وقد كان، ولله الحمد والمنة. ٧- تعظيم هذا البيت وتقديسه، إذ جعل له هذا الحمى، الذي لا يتجاوزه من قصده بنسك، إلا وجاء منه معظماً، مكرماً، خاشعاً، خاضعاً، بهذه الهيئة الخاصة. اختلاف العلماء: أجمع العلماء على مشروعية الإحرام لمن أراد دخول الحرم، سواء أكان دخوله لنسك أم غيره. وأجمعوا على وجوب الإحرام لمن أراد دخوله للنسك. واختلفوا في وجوبه على من أراد الدخول لغير نسك، كدخوله لتجارة، أو سكن، أو غير ذلك. فذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: إلى وجوب الإحرام على من دخله، سواء أكان لنسك أم غيره، مستدلين بقوله ﷺ في مكة: "إنَّهَا حَرَامٌ بِحُرْمَةِ الله إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلِي، وَلا تَحِلُّ لأحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ كَحُرمَتِهَا بِالأمْسِ". واستدلوا بحديث ابن عباس عند البيهقي بلفظ: "لا يَدْخُلُ أحَدٌ مَكَّةَ إلاَّ مُحْرِماً". قال ابن حجر: إسناده جيد. وذهب الإمام الشافعي في المشهور عنه: إلى جواز الدخول بلا إحرام لمن لم يرد الحج أو العمرة، وهو مذهب الظاهرية، ونصره ابن حزم في "المحلى" وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام "ابن تيمية"، وأبو الوفاء بن عقيل، قال ابن مفلح، في الفروع: وهي ظاهرة. واستدلوا على ذلك بقوله في هذا الحديث: "ممن أراد الحج والعمرة".

стр. 350

وأجابوا عن الدليل الأول للموجبين بأن الحديث ليس له دخل في الإحرام، وإنما هو في تحريم القتال في مكة. وأجابوا عن حديث ابن عباس، بأنه موقوف من طريق البيهقي ولا يحتج به فيما عداها من الطرق. والموقوف ليس بحجة. ولم يوجب الله الحج والعمرة إلا مرة واحدة في العمر، والأصل براءة الذمة إلا بدليل موجب. فائدة: ما ذكر من الخلاف، في حق غير المتردد إلى الحرم لجلب الحطب أو الفاكهة ونحوهما، أو له بستان في الحل يتردد عليه، أو له وظيفة أو عمل في مكة، وأهله في "جدة" أو بالعكس. فهؤلاء ونحوهم، لا يجب عليهم الإحرام عند عامة العلماء، فيما اطَّلَعْتُ عليه من كلام فقهاء المذاهب، إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة من التحريم على كل داخل إلى مكة بغير إحرام. والعمل على خلافه. بَابُ مَا يَلبسُه المحْرم من الثياب ذكر المؤلف رحمه اللَه تعالى في هذا الباب أربعة أحاديث. الأول والثاني: في بيان ما يلبسه المحرم من الثياب، وما يجتنبه. والثالث: في بيان التلبية، وسأُفْرِدُهُ بباب. والرابع: في بيان حكم سفر المرأة بلا محرم، وسأفرده بباب أيضاً، ليتبين من تعدد التراجم ما في الأحاديث من الأحكام. والمؤلف أخذ الترجمة من السؤال، الذي في الحديث. الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ رَجُلاً قالَ: يَا رَسُولَ الله. مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثيابِ؟. قال ﷺ : "لا يَلْبَسُ القَمِيصَ، وَلا العَمَائِمِ، وَلا السَّرَاوِيلاتِ، وَلا الْبَرَانِسَ، وَلا الْخِفَافَ إلا أحَدٌ لا يَجِدُ نَعْلَيْن فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلا يَلْبَسْ مِنَ الثيابِ شيئاً مَسَّهُ زَعْفَران أوْ وَرْسٌ". وللبخاري: " وَلا تَنْتَقِبُ الْمَرأةُ، وَلا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ".

стр. 351

الغريب: السراويل: يذكر ويؤنث، وهو مفرد على صيغة الجمع، وجمعه السراويلات، وهي لفظة أعجمية عُربَتْ. البرانس: جمع بُرْنس، ثوب رأسه منه، ملتزق به، لباس للنساك في صدر الإسلام. ويلبسه المغاربة الآن. الخفاف: بكسر الخاء جمع "خف" بضم الخاء، وهو ما يلبس في الرجل، ويكون إلى نصف الساق. أما الجوارب، فما غطى الكعبين، وحكمهما واحد، ويأتي إنشاء الله. مسه: أصابه. ورس: بفتح الواو، وإسكان الراء، نبت أصفر، يصبغ به الثياب، وله. رائحة طيِّبة. الزعفران: نبات بصلي معمر من الفصيلة السوسنية يصبغ به أيضا. ولا تنتقب: الانتقاب: هو أن تُخَمِّر المرأة وجهها- أي تغطيه بالخمار- وتجعل لعينيها خرقين تنظر منهما. القفازين: تثنية قُفَّاز وهو شيء يعمل لليدين، من خرق، أو جلود، أو غيرها. يقيها من البرد وغيره، على هيئة ما يجعله حاملو البزاة والصقور. الكعبين: العظمان الناتئان عند مفصل الساق. المعنى الإجمالي: قد عرف الصحابة ﵃ أن للإحرام هيئة تخالف هيئة الإحلال. ولذا سأل رجلٌ النبي ﷺ عن الأشياء المباحة، التي يلبسها المحرم. ولمّا كان من اللائق أن يكون السؤال عن الأشياء التي يجتنبها، لأنها معدودة قليلة وقد أعْطِي ﷺ جوامع الكلم أجابه ببيان الأشياء التي يجتنبها المحرم ويبقى ما عداها على أصل الحل، وبهذا يحصل العلم الكثير. فأخذ ﷺ يَعُدُّ عليه ما يحرم على الرجل المحرم من اللباس منها بكل نوع منه، على ما شابهه من أفراده، فقال: لا يلبس القميص، وكل ما فُصِّل وَخِيطَ على قدر البدن، ولا العمائم، والبرانس، وكل ما يغطى به الرأس، ملاصقاً له، ولا

стр. 352

السراويل، وكل ما غطي به ـ ولو عضواً- كالقفازين ونحوهما، مخيطاً أو مُحِيطاً، ولا الخفاف ونحوهما، مما يجعل بالرجلين ساترين للكعبين، من قطن أو صوف، أو جلد أو غير ذلك. فمن لم يجد وقت إحرامه نعلين، فَلْيَلْبَسْ الخفين ولْيَقْطَعْهُما من أسفل الكعبيِن، ليكونا على هيئة النعلين. ثم زاد ﷺ فوائد لم تكن في السؤال، وإنما المقام يقتضيها. فَبيَّن ما يحرم على المحرم مطلقاً من ذكر وأنثى، فقال: ولا يلبس شيئاً من الثياب، أو غيرها مَخِيطاً أو غير مخيط، إذا كان مطيباً بالزعفران أو الورس، منبهاً بذلك على اجتناب أنواع الطيب. ثم بيَّن ما يجب على المرأة، من تحريم تغطية وجهها وإدخال كفيها فيما يسترهما، فقال: "ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين". ما يؤخذ من الحديث: ١- أن السؤال ينبغي أن يكون متوجهاً إلى المقصود علمه. ٢- أنه ينبغي للمسئول إذا رأى السؤال غير ملائم أن يعدله ويقيمه إلى المعنى المطلوب، ويضرب صفحاً عن السؤال، كقوله تعالى:﴾ يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قل هِيَ مَوَاقِيْتَ لِلنَّاسِ والْحَجِّ. ﴿ ٣- أن الأشياء التي يجتنبها المحرم من الملابس، قليلة معدودة. وأما الأشياء المباحة فهي الكثيرة، التي تعرف بالجد لأنها على أصل الإباحة. ولهذا المعنى صرف النبي ﷺ ، سؤال السائل عن ما يلبسه المحرم، إلى بيان ما لا يلبسه. ٤- تحريم هذه الأشياء الملبوسة خاصة بالرجل. وأمَّا المرأة، فيباح لها لبس المخيط وتغطية الرأس. ٥- منها القميص: وَنَبَّه به على ما في معناه، من كل ما لبس على قدر البدن، مخيطاً أو محِيطاً. ٦- ومنها "البرانس" و"العمائم" ونبه بهما على كل ما يُغَطَّى به الرأس أو بعضه، من مَخِيطٍ أو مُحِيطٍ، من معتاد ونادر. فيدخل القلانس، والطواقي ونحوهما. ٧- ومنها "الْخُفَّان" وما في معناهما من كل ساتر للكعبين، من مخيط أو محيط، سواء كان من جلد، أو صوف، أو قطن، أو غيرها. ٨- إذا لم يجد نعلين ونحوهما مما لا يستر الكعبين، فَليَتَرَخَّصْ بلبس الخفين ولكن لِيَقْطَعْهُمَا من أسفل الكعبين، ليكونا في معنى النعلين.

стр. 353

ويأتي في الحديث الذي بعد هذا، اختلاف العلماء في ذلك، وبيان الراجح منه، إن شاء الله. قال المجد بن تيمية واتفقوا على أن التحريم هنا على الرجل. ٩- تحريم "الورس"، و"الزعفران" وما في معناهما من أنواع الطيب، لكل محرم من ذكر وأنثى. ١٠- تحريم تغطية المرأة وجهها، لأن إحرامها فيه. وتحريم لبس القفازين، على الذكر والأنثى. ١١- هذه الفائدة والتي قبلها، لم تكن في سؤال السائل. ولكن لما ظن النبي ﷺ جهل السائل بها، بقرينة السؤال، زاده النبي ﷺ لبيان العلم وقتَ الحاجة إليه، وعند مناسبته. ١٢- لهذا اللباس الخاص بالمحرم، حِكَمٌ وأسرار كثيرة. منها: - أن يكون في حال خشوع وخضوع، بعيداً عن الترفُّه وزينة الدنيا، وليتذكر بهذا اللباس حال الموت، فيكون أقرب إلى المراقبة. قال ابن دقيق العيد: فيه تنبيه النفس على التلبس بهذه العبادة العظيمة بالخروج عن معتادها، وذلك موجب للإقبال عليها والمحافظة على قوانينها وأركانها وشروطها وآدابها. ١٣- قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في الحديث لا يلبسه المحرم، وأنه نبه بالسراويل والقميص على المخيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى به الرأس، مخيطاً كان أو غيره، وبالخفاف على ما يستر الرجلين. ١٤- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس للمحرم أن يلبس شيئا مما نهى عنه النبي ﷺ إلا لحاجة، والحاجة مثل البرد الذي يخاف أن يمرضه إذا لم يغط رأسه، فيلبس قدر الحاجة، فإذا استغنى عنه نزعه، وعليه أن يفدي إما بصيام ثلاثة أيام أو نسك شاة أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من تمر أو شعير أو مدِّ برٍّ. ويجوز أن يفدي قبل فعل المحظور وبعده. فائدة: المراد بالنهي عن لبس المخيط والمحيط، هو اللبس المعتاد. أما ارتداؤه ونحوه، فلا بأس.

стр. 354

الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاس ﵄ قال: سَمِعْتُ النَّبي ﷺ يَخْطُبُ بعَرَفَاتٍ: مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَس خُفَّيْن. وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارَاً فَلْيَلْبَسْ سَراوِيلَ (للمحرم) . المعنى الإجمالي: كان النبي ﷺ يخطب الحجيج بعرفات في حجة الوداع، ويبين أحكام المناسك. وكان المسلمون في ذلك الوقت، في ضيق من الدنيا. فَبَيَّن لهم أن من لا يجد نعلين يلبسهما في إحرامه، فليلبس بدلهما خفين ولو سترا الكعبين. ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل ولا يشقه، تخفيفاً من الشارع، ورخصةً من الله تعالى، الذي لا يكلف نفساً إلا وسعها. ما يؤخذ من الحديث: ١- الخطبةْ في عرفة لبيان أحكام الحج وآداب المناسك. ٢- أنه ينبغي تذكير الناس في كل وقت بما يناسبهم. ٣- أن من لم يجد نعلين، فليلبس الخفين. ظاهره، بلا قطع لهما، ويأتي الخلاف فيه. ٤- أن من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل. ولا فدية مع لبس الخفين والسراويل في هذه الحال. ٥- سماحة هذه الشريعة ويسرها، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. اختلاف العلماء، والتوفيق بين الحديثين: اختلف العلماء. في حكم المحرم، الذي لا يجد نعلين ووجد خُفَّيْنِ. فهل يجب عليه قطعهما من أسفل الكعبين؟ وإن لم يفعل أثم وفدى، أو أنه يباح له لبسهما بلا قطع وليس عليه فدية؟ فذهب الجمهور من العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافي، والثوري وإسحاق: إلى الأول. مستدلين بحديث ابن عمر السابق. " فإن لم يجد نعلين فليقطعهما من أسفل الكعبين" لأنه أمر يقتضي الوجوب، فيحمل عليه حديث ابن عباس، على قاعدة "حمل المطلق على المقيد". وذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى الثاني، ويروى أيضاً عن عليٍّ، وقال به عطاء وعكرمة. مستدلين بحديث ابن عباس الذي معنا.

стр. 355

وأجابوا عن حديث ابن عمر بأجوبة، أحسنها أنه منسوخ بحديث ابن عباس، الذي خطب به في عرفات بينما حديث ابن عمر قاله في المدينة قبل حجة الوداع. وأيدوا قولهم في النسخ بما يأتي: ١- أنه أطلق لبس الخفين بلا قطع بـ"عرفات"، على مشهد من أمم لم تحضر كلامه في المدينة، فليس عندهم علم من الحديث الأول ليحملوا هذا عليه، فما كان ليسكت عما يجهلون. ٢- أن حديث ابن عباس في عرفات وهو وقت الحاجة، وتأخير البيان عنها ممتنع. ٣- لم يذكر في حديث ابن عمر السراويل، وذكره في حديث ابن عباس ولم يأمر بفتقه مع أنه لا يوجد شيء يحمل عليه، مما دل على أنه أراد من الخفين والسراويل، مطلق اللبس بلا قطع ولا فتق. ٤- أن القطع نسخ تخفيفاً وإصلاحاً عن الإفساد بإتلاف المال. ونظائر هذه التخفيفات كثيرة في الشرع. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أولاً أمرهم بقطعهما ثم رخص لهم في لبسهما مطلقاً من غير قطع، وهذا هو الذي يجب حمل الحديث عليه. اهـ. بَابُ التلبيَة الحديث الأول َعنْ عَبْدِ الله بْن عُمَرَ ﵄: أنَّ تَلْبيَةَ رَسُولِ الله ﷺ "لَبَّيْكَ الّلهُمَّ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لبًّيْكَ. إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ. لا شَرِيكَ لكَ". قال: وَكَانَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ (١) فيها: لَبَّيْكَ. لّبَّيْكَ وَسَعْدَيكَ وَالخَيْرُ بِيَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ. الغريب: لبيك: مصدر محذوف العامل، جاء على صيغة التثنية، ولم يقصد به التثنية وإنما قصد به التكثير.
следующие страницы →