الغريب:
السراويل: يذكر ويؤنث، وهو مفرد على صيغة الجمع، وجمعه السراويلات، وهي لفظة أعجمية عُربَتْ.
البرانس: جمع بُرْنس، ثوب رأسه منه، ملتزق به، لباس للنساك في صدر الإسلام. ويلبسه المغاربة الآن.
الخفاف: بكسر الخاء جمع "خف" بضم الخاء، وهو ما يلبس في الرجل، ويكون إلى نصف الساق.
أما الجوارب، فما غطى الكعبين، وحكمهما واحد، ويأتي إنشاء الله. مسه: أصابه.
ورس: بفتح الواو، وإسكان الراء، نبت أصفر، يصبغ به الثياب، وله. رائحة طيِّبة.
الزعفران: نبات بصلي معمر من الفصيلة السوسنية يصبغ به أيضا.
ولا تنتقب: الانتقاب: هو أن تُخَمِّر المرأة وجهها- أي تغطيه بالخمار- وتجعل لعينيها خرقين تنظر منهما.
القفازين: تثنية قُفَّاز وهو شيء يعمل لليدين، من خرق، أو جلود، أو غيرها. يقيها من البرد وغيره، على هيئة ما يجعله حاملو البزاة والصقور.
الكعبين: العظمان الناتئان عند مفصل الساق.
المعنى الإجمالي:
قد عرف الصحابة ﵃ أن للإحرام هيئة تخالف هيئة الإحلال. ولذا سأل رجلٌ النبي ﷺ عن الأشياء المباحة، التي يلبسها المحرم.
ولمّا كان من اللائق أن يكون السؤال عن الأشياء التي يجتنبها، لأنها معدودة قليلة وقد أعْطِي ﷺ جوامع الكلم أجابه ببيان الأشياء التي يجتنبها المحرم ويبقى ما عداها على أصل الحل، وبهذا يحصل العلم الكثير.
فأخذ ﷺ يَعُدُّ عليه ما يحرم على الرجل المحرم من اللباس منها بكل نوع منه، على ما شابهه من أفراده، فقال:
لا يلبس القميص، وكل ما فُصِّل وَخِيطَ على قدر البدن، ولا العمائم، والبرانس، وكل ما يغطى به الرأس، ملاصقاً له، ولا
стр. 352
السراويل، وكل ما غطي به ـ ولو عضواً- كالقفازين ونحوهما، مخيطاً أو مُحِيطاً، ولا الخفاف ونحوهما، مما يجعل بالرجلين ساترين للكعبين، من قطن أو صوف، أو جلد أو غير ذلك.
فمن لم يجد وقت إحرامه نعلين، فَلْيَلْبَسْ الخفين ولْيَقْطَعْهُما من أسفل الكعبيِن، ليكونا على هيئة النعلين.
ثم زاد ﷺ فوائد لم تكن في السؤال، وإنما المقام يقتضيها. فَبيَّن ما يحرم على المحرم مطلقاً من ذكر وأنثى، فقال:
ولا يلبس شيئاً من الثياب، أو غيرها مَخِيطاً أو غير مخيط، إذا كان مطيباً بالزعفران أو الورس، منبهاً بذلك على اجتناب أنواع الطيب.
ثم بيَّن ما يجب على المرأة، من تحريم تغطية وجهها وإدخال كفيها فيما يسترهما، فقال:
"ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين".
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن السؤال ينبغي أن يكون متوجهاً إلى المقصود علمه.
٢- أنه ينبغي للمسئول إذا رأى السؤال غير ملائم أن يعدله ويقيمه إلى المعنى المطلوب، ويضرب صفحاً عن السؤال، كقوله تعالى:﴾ يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قل هِيَ مَوَاقِيْتَ لِلنَّاسِ والْحَجِّ. ﴿
٣- أن الأشياء التي يجتنبها المحرم من الملابس، قليلة معدودة.
وأما الأشياء المباحة فهي الكثيرة، التي تعرف بالجد لأنها على أصل الإباحة.
ولهذا المعنى صرف النبي ﷺ ، سؤال السائل عن ما يلبسه المحرم، إلى بيان ما لا يلبسه.
٤- تحريم هذه الأشياء الملبوسة خاصة بالرجل.
وأمَّا المرأة، فيباح لها لبس المخيط وتغطية الرأس.
٥- منها القميص: وَنَبَّه به على ما في معناه، من كل ما لبس على قدر البدن، مخيطاً أو محِيطاً.
٦- ومنها "البرانس" و"العمائم" ونبه بهما على كل ما يُغَطَّى به الرأس أو بعضه، من مَخِيطٍ أو مُحِيطٍ، من معتاد ونادر. فيدخل القلانس، والطواقي ونحوهما.
٧- ومنها "الْخُفَّان" وما في معناهما من كل ساتر للكعبين، من مخيط أو محيط، سواء كان من جلد، أو صوف، أو قطن، أو غيرها.
٨- إذا لم يجد نعلين ونحوهما مما لا يستر الكعبين، فَليَتَرَخَّصْ بلبس الخفين ولكن لِيَقْطَعْهُمَا من أسفل الكعبين، ليكونا في معنى النعلين.
стр. 353
ويأتي في الحديث الذي بعد هذا، اختلاف العلماء في ذلك، وبيان الراجح منه، إن شاء الله. قال المجد بن تيمية واتفقوا على أن التحريم هنا على الرجل.
٩- تحريم "الورس"، و"الزعفران" وما في معناهما من أنواع الطيب، لكل محرم من ذكر وأنثى.
١٠- تحريم تغطية المرأة وجهها، لأن إحرامها فيه. وتحريم لبس القفازين، على الذكر والأنثى.
١١- هذه الفائدة والتي قبلها، لم تكن في سؤال السائل.
ولكن لما ظن النبي ﷺ جهل السائل بها، بقرينة السؤال، زاده النبي ﷺ لبيان العلم وقتَ الحاجة إليه، وعند مناسبته.
١٢- لهذا اللباس الخاص بالمحرم، حِكَمٌ وأسرار كثيرة.
منها: - أن يكون في حال خشوع وخضوع، بعيداً عن الترفُّه وزينة الدنيا، وليتذكر بهذا اللباس حال الموت، فيكون أقرب إلى المراقبة. قال ابن دقيق العيد: فيه تنبيه النفس على التلبس بهذه العبادة العظيمة بالخروج عن معتادها، وذلك موجب للإقبال عليها والمحافظة على قوانينها وأركانها وشروطها وآدابها.
١٣- قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن ما ذكر في الحديث لا يلبسه المحرم، وأنه نبه بالسراويل والقميص على المخيط، وبالعمائم والبرانس على كل ما يغطى به الرأس، مخيطاً كان أو غيره، وبالخفاف على ما يستر الرجلين.
١٤- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس للمحرم أن يلبس شيئا مما نهى عنه النبي ﷺ إلا لحاجة، والحاجة مثل البرد الذي يخاف أن يمرضه إذا لم يغط رأسه، فيلبس قدر الحاجة، فإذا استغنى عنه نزعه، وعليه أن يفدي إما بصيام ثلاثة أيام أو نسك شاة أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من تمر أو شعير أو مدِّ برٍّ. ويجوز أن يفدي قبل فعل المحظور وبعده.
فائدة:
المراد بالنهي عن لبس المخيط والمحيط، هو اللبس المعتاد. أما ارتداؤه ونحوه، فلا بأس.
стр. 354
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاس ﵄ قال:
سَمِعْتُ النَّبي ﷺ يَخْطُبُ بعَرَفَاتٍ: مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَس خُفَّيْن.
وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارَاً فَلْيَلْبَسْ سَراوِيلَ (للمحرم) .
المعنى الإجمالي:
كان النبي ﷺ يخطب الحجيج بعرفات في حجة الوداع، ويبين أحكام المناسك.
وكان المسلمون في ذلك الوقت، في ضيق من الدنيا.
فَبَيَّن لهم أن من لا يجد نعلين يلبسهما في إحرامه، فليلبس بدلهما خفين ولو سترا الكعبين.
ومن لم يجد إزاراً فليلبس السراويل ولا يشقه، تخفيفاً من الشارع، ورخصةً من الله تعالى، الذي لا يكلف نفساً إلا وسعها.
ما يؤخذ من الحديث:
١- الخطبةْ في عرفة لبيان أحكام الحج وآداب المناسك.
٢- أنه ينبغي تذكير الناس في كل وقت بما يناسبهم.
٣- أن من لم يجد نعلين، فليلبس الخفين.
ظاهره، بلا قطع لهما، ويأتي الخلاف فيه.
٤- أن من لم يجد إزاراً فليلبس السراويل.
ولا فدية مع لبس الخفين والسراويل في هذه الحال.
٥- سماحة هذه الشريعة ويسرها، إذ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
اختلاف العلماء، والتوفيق بين الحديثين:
اختلف العلماء. في حكم المحرم، الذي لا يجد نعلين ووجد خُفَّيْنِ.
فهل يجب عليه قطعهما من أسفل الكعبين؟ وإن لم يفعل أثم وفدى، أو أنه يباح له لبسهما بلا قطع وليس عليه فدية؟
فذهب الجمهور من العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافي، والثوري وإسحاق: إلى الأول. مستدلين بحديث ابن عمر السابق. " فإن لم يجد نعلين فليقطعهما من أسفل الكعبين" لأنه أمر يقتضي الوجوب، فيحمل عليه حديث ابن عباس، على قاعدة "حمل المطلق على المقيد".
وذهب الإمام أحمد في المشهور عنه إلى الثاني، ويروى أيضاً عن عليٍّ، وقال به عطاء وعكرمة. مستدلين بحديث ابن عباس الذي معنا.
стр. 355
وأجابوا عن حديث ابن عمر بأجوبة، أحسنها أنه منسوخ بحديث ابن عباس، الذي خطب به في عرفات بينما حديث ابن عمر قاله في المدينة قبل حجة الوداع.
وأيدوا قولهم في النسخ بما يأتي:
١- أنه أطلق لبس الخفين بلا قطع بـ"عرفات"، على مشهد من أمم لم تحضر كلامه في المدينة، فليس عندهم علم من الحديث الأول ليحملوا هذا عليه، فما كان ليسكت عما يجهلون.
٢- أن حديث ابن عباس في عرفات وهو وقت الحاجة، وتأخير البيان عنها ممتنع.
٣- لم يذكر في حديث ابن عمر السراويل، وذكره في حديث ابن عباس ولم يأمر بفتقه مع أنه لا يوجد شيء يحمل عليه، مما دل على أنه أراد من الخفين والسراويل، مطلق اللبس بلا قطع ولا فتق.
٤- أن القطع نسخ تخفيفاً وإصلاحاً عن الإفساد بإتلاف المال.
ونظائر هذه التخفيفات كثيرة في الشرع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أولاً أمرهم بقطعهما ثم رخص لهم في لبسهما مطلقاً من غير قطع، وهذا هو الذي يجب حمل الحديث عليه. اهـ.
بَابُ التلبيَة
الحديث الأول
َعنْ عَبْدِ الله بْن عُمَرَ ﵄: أنَّ تَلْبيَةَ رَسُولِ الله ﷺ "لَبَّيْكَ
الّلهُمَّ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لبًّيْكَ. إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ. لا شَرِيكَ لكَ".
قال: وَكَانَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ (١) فيها: لَبَّيْكَ. لّبَّيْكَ وَسَعْدَيكَ وَالخَيْرُ بِيَدَيْكَ
وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ.
الغريب:
لبيك: مصدر محذوف العامل، جاء على صيغة التثنية، ولم يقصد به التثنية وإنما قصد به التكثير.
стр. 356
واختلفوا في معناه، لاختلافهم في مأخذه.
فهل هي الإجابة بعد الإجابة، أو الانقياد، أو الإقامة في المكان وملازمته أو الحب بعد الحب ... الخ. ولا منافاة بينها بل هي متلازمة لأنها تفيد معنى الإقبال على الشيء والتوجه إليه، فمعنى ألبّ بالمكان: أقام فيه ولزمه.
إن الحمد: بكسر الهمزة وفتحها، والكسر أجود وأشمل معنى، لأن الفتح معناه تعليل الإجابة بسبب الحمد والنعمة فقط، والكسر للاستئناف، فيفيد الإجابة المطلقة عن الأسباب. قال ثعلب: من كسر (الهمزة) كان معناه: الحمد لك على كل حال، ومن فتح قال لبيك لهذا السبب.
سعديك، القول في تصريف لفظه، مثل القول في "لبيك" ومعناه مساعدة في طاعتك بعد مساعدة.
الرغباء: تقال بالمد والقصر، فإن مدت فُتِحَتِ الراء وإن قصرت ضُمَّتْ. وهما من الرغبة كالنعمى والنعماء من النعمة. وقيل: الرغباء: الضراعة والمسألة.
المعنى الإجمالي:
التلبية: شعار الحج وعنوان الطاعة والمحبة، والإقامة والاستجابة الدائمة إلى داعي الله تعالى.
وهي تحتوي على أفضل الذكر من التزام عبادة الله وإجابة دعوته، ومطاوعته في كل الأحوال مقترناً ذلك بمحبته، والخضوع والتذلُّل ببن يديه، ومن إفراده بالوحدانية المطلقة: عن كل شريك في إلهيته وربوبيته وسلطانه، كما تحتوي على إثبات كل المحامد له.
وبإثباتها تنتفي عنه النقائص مع إسناد النعم كلها إليه، دقيقها وجليلها، ظاهرها وباطنها، كما تحتوي على إثبات الملك المطلق.
فهو المتصرف القاهر الذي بقبضته كل شيء، ولا ينازعه أحد في ملكه، بل الجميع خاضع له، ذليل بين يديه.
وإثبات هذه الصفات العُلي، التي فيها الثناء على الله، وإثبات المحامد والوحدانية والتصرف، تفيد وصفه - جل وعلا - بها مفردة، كما أن اجتماعها يفيد معنى زائداً يليق بجلاله الذي هو أهله، وذلك كمال ناشئ عن اقتران صفة بصفة.
فكونه مالكاً، كمال، وكونه الحمد له، كمال. واجتماعهما، كمال زائد على الكمالين. فله الصفات العلي والمحامد الكاملة.
وإثبات هذه الصفات، يوجب للعبد إفراده بالعبادة والمحبة، والتوجه والإقبال، والخوف والرجاء، وغير ذلك من متعلقات العبد بربه ومولاه.
стр. 357
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية التلبية في الحج والعمرة، وتأكدها فيه لأنها شعاره الخاص ويأتي الخلاف: هل هي واجبة أو مستحبة؟ إن شاء الله.
٢- الأفضل أن تكون بهذه الصيغة فقط للاتِّباع، ولما تحتويه هذه الجمل من المعاني العظيمة، ولما فيها من صفات الله تعالى الجليلة. فإن زاد فلا بأس.
٣- أن التلبية شعار الحج كالتكبير شعار الصلاة فيستحب الإكثار منها، لاسيما عند الانتقال من منسك إلى آخر، وارتفاع على نشز، أو هبوط في منخفض، أو التقاء الحجيج، أو فعل محظور. لأن فيها التذكير على الإقامة على طاعة الله والاستجابة لداعيه. قال شيخ الإسلام: لا يزال يلبي في ذهابه من مشعر إلى مشعر حتى يرمي جمرة العقبة، فإذا شرع في الرمي قطع التلبية فإنه حينئذ يشرع في التحلل.
٤- تقدم في المعنى الإجمالي ما تحتويه التلبية من أنواع الذكر، من الإقامة على طاعته، وإثبات الوحدانية المطلقة له، وإثبات المحامد وإسناد النعم إليه،
والإقرار بملكه وقهره وسلطانه المطلق. فهي محتوية على توحيد الإلهية والربوبية، والأسماء والصفات.
٥- مادامت التلبية شعار الحج، فينبغي رفع الصوت بها للرجال.
أما المرأة فتخفض صوتها خشية الفتنة بهذه العبادة الجليلة.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على مشروعية التلبية في الحج، لأنها شعاره.
واختلفوا هل هي ركن، أو واجب، أو سنة؟.
فذهب إلى أنها سنة، الإمامان، الشافعي، وأحمد. ودليلهم أنها ذكر كسائر الأذكار، لا يجب بتركها شيء.
وذهب مالك وأصحابه، إلى أنها واجبة، يأثم تاركها، ويصح حجه، وعليه دم لتركه إياها.
وذهب أبو حنيفة، والثوري، وأهل الظاهر، وعطاء، وطاوس، وعكرمة إلى أنها رُكْن، لا يصح الحج بدونها.
ودليل هؤلاء، أنها شعار الحج، كما أن تكبيرة الإحرام، وتكبير الانتقالات، شعار الصلاة، وأن النبي ﷺ لم يُخِلَّ بها، وكان يقول: " خذوا عني مناسككم"، وهى من أعظم المناسك،
стр. 358
وفي الحديث: "أتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أن آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعوا أَصْوَاتَهُمْ بالإهْلالِ" وهي التلبية. والأمر يقتضي الوجوب.
قلت: وهذا قول جيد، وحجته قوية، وقد التزمها – ولله الحمد - المسلمون جميعاً، فلا تجد محرماً إلا وهو يقولها في نسكه مرات، فمِنْ مُقِلٍ وَمُكثِرِ.
فائدة:
قال شيخ الإسلام ما خلاصته: النية في الحج والعمرة: لا خلاف بين المسلمين في أن الحج والعمرة لا يصحان بدونها. وأصل ذلك أن النية المعهودة في العبادات تشتمل على أمرين هما: قصد العبادة وقصد المعبود، وهو الأصل الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ وأما قصد العبادة فهو قصد عمل خاص يرضي به ربَّه من صيام أو حج أو غيرهما، وهذه النية التي تذكر في كتب الفقه المتأخرة، فالنية الأولى يتميز بها من يريد حرث الآخرة ممن يريد حرث الدنيا ويتميز بها المسلم من الكافر أما الثانية فهي تميز أنواع العبادات.
وقال ﵀: ولا يكون الرجل محرماً بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته فإن القصد مازال في القلب منذ خرج من بلده، ولا بد من قول أو عمل يصير به محرماً، والتجرد من الثياب واجب في الإحرام وليس شرطاً فيه، فلو أحرم وعليه ثيابه صح ذلك بسنة النبي ﷺ وباتفاق أئمة أهل العلم وعليه أن ينزع اللباس المحظور.
стр. 359
بَاب سَفر المَرأة بدُون محْرم
الحديث الأول
عَنْ أَبِي هُرَيْرةَ رَضيَ الله عَنْة قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ
لامْرَأةٍ تُؤمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ أنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلةٍ إلا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ".
وفي لفظ (١) للبخاري: "لا تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ إلا مَعَ ذي مَحْرَم".
المعنى الإجمالي:
المرأة مظنة الشهوة والطمع، وهي لا تكاد تقي نفسها لضعفها ونقصها.
ولا يغار عليها مثل محارمها، الذين يرون أن النَّيْلَ منها نَيْلٌ من شرفهم وعرضهم.
والرجل الأجنبي حينما يخلو بالأجنبية، يكون معرضاً لفتن الشيطان ووساوسه.
لهذه المحاذير، التي هي وسيلة في وقوعٍ الفاحشة وانتهاك الأعراض، حرَّم الشارع على المرأة أن تسافر يوماً، أو يوماً وليلة، إلا ومعها ذو محرم، وهو زوجها ومن تحرم عليه على التأبيد بنسب، كأب، وابن، وأخ، وعم، وخال. أو والد زوجها أو ابنه وإن نزل. أو رضاع. كأبيها، وأخيها منه.
وناشدها الشارع في إيمانها بالله واليوم الآخر.
إن كانت تحافظ على هذا الإيمان وتنفذ مقتضياته، أن لا تسافر إلا مع ذي محرم.
اختلاف العلماء:
وهي تكفي عن الاستنباطات، لأنها تشتمل عليها:
هذه خلافات نجملها ولا نطيل بتفصيلها، لمخالفتها نص الحديث الصحيح.
فقد اختلفوا: هل المرأة مستطيعة الحج بدون المحرم، إذا كانت ذات مال؟ أو أن وجود المحرم شرط في الاستطاعة؟.
الصحيح: أنه لا يحل خروجها بدون محرم لأي سفر، فتكون معذورة غير مستطيعة.
واختلفوا في الكبيرة، التي لا تميل إليها النفس: هل تسافر بدون محرم، أو لابد من المحرم؟.
стр. 360
الصحيح الأخير. لأن الحديث عام في كل امرأة، ولا يخلو الأمر من محذور، فلكل ساقطة لاقطة.
واختلفوا هل يكفي أن تكون مع رفقة أمينة، أو تسافر مع امرأة مسلمة ثقة أم لا؟.
ظاهر الحديث أنه لابد من المحرم، لأن غيرة المحرم ونظره مفقودان.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إذا كانت المرأة من القواعد اللائي لم يحضن، وقد يئست من النكاح، ولا محرم لها فإنه يجوز في أحد قولي العلماء أن تحج مع من تأمنه، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، ومذهب مالك والشافعي.
وقد أجمع المسلمون أنه لا يجوز السفر للمرأة بدون محرم، إلا على وجه تأمن فيه. ثمَّ ذكر كل منهم الأمر الذي اعتقده صائناً لها وحافظاً، من نسوة ثقات، أو رجال مأمونين، ومنعها أن تسافر بدون ذلك، فاشتراط ما اشترطه الله تعالى ورسوله ﷺ أحق وأوجب وحكمته ظاهرة، فالذين خالفوا ظاهر الأحاديث، وأباحوا لها السفر حين تكون آمنة نظروا إلى المعنى المراد وقالوا: إنها مأمورة بالحج على وجه العموم بقوله تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سيلا) .
والذين أخذوا بظاهر حديث المنع من السفر قالوا: إن الحديث مخصص للآية وله نظائر كحديث الغازي الذي خرجت امرأته حاجة، فأمره ﷺ أن يدع الجهاد ويحج مع امرأته، وغيره من الأحاديث.
واختلفوا في تحديد السفر، تبعاً لاختلاف الأحاديث.
فمنها "يوم" و" يومان" و"ثلاث ليال" و"ليلة"، و"بريد".
والأحوط أن يؤخذ بأقلها، لأنه لا ينافي ما فوقه، ويكون ما فوقه قضايا عين، حسب حال السائل. والله أعلم.
стр. 361
ظاهرة محزنة:
إذا قارنت حال المسلمين اليوم بهذه النصوص الصحيحة، والآداب العالية، والغيرة الكريمة، والشهامة النبيلة، والمحافظة على الفروج والأعراض وحفظ الأنساب، وجدت كثيراً من المسلمين قد نبذوا دينهم وراءهم ظهرياً، ومرقوا منه، وصار التَّصَوُّنُ والحياء ضرباً من الرجعية والجمود.
أما الانحلال الخُلُقيُّ، وخلع رداء الحياء والعفاف، فهو التقدُّم والرُّقيُّ. فإنا لله وإنا إليه راجعون
بَاب الفِديَة
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْن مَعْقِلٍ، قال: جَلَسْتُ إلى كَعْب بْنِ عُجْرَةَ فَسَألتُهُ عَنِ الفِدْيَةِ فقال: نَزَلَتْ
فِيَّ خَاصَّة، وَهِي لَكُمْ عَامَّة:
حُمِلْتُ إلى رَسُولِ الله وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلى وَجْهي فقال:
"مَا كُنْتُ أرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أرى - أو: مَا كُنْتُ أُرَى الْجَهْدَ بَلَغَ مِنْكَ مَا أرَى: -
أتَجدُ شَاةً؟ فَقُلْتُ: لا، قَالَ: فَصُمْ ثَلاَثَةَ أيَّامٍ، أَوْ أطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِيْنَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ
نِصْفُ صَاعٍ.
وفي رواية: أمَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ أنْ يُطْعِمَ فَرَقاً بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أوْ
يُهْدِي شَاةً، أوْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أيامٍ.
لغريب:
نزلت فيَّ: يعني الآية وهي قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُم مَرِيضَاً أوْ به أذَىً مِنْ رَأسِه فَفِدْية مِنْ صِيَامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ .
حملت: بالبناء للمجهول.
ما كنت أُرَى: - بضم الهمزة، بمعنى "أظن".
ما أرى: - بفتح الهمزة، بمعنى "أشاهد".
الجَهد: بفتح الجيم "المشقة" وبضمها بمعنى "الوسع" و"الطاقة" والمراد ـ هنا – الأول.
الفَرَق: بفتح الفاء والراء، مكيال يسع ثلاثة آصع نبوية.
وتقدم في الزكاة تحرير الصاع النبوي ومكاييلنا الحاضرة والمقارنة بينهما.
стр. 362
المعنى الإجمالي:
رأى النب (١) ي ﷺ "كعب بن عجرة" في الحديبية (٢) وهو محرم.
وإذا القمل يتناثر على وجهه من المرض، والأوساخ المتسببة من المرض.
وكان ﷺ بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً، فَرَقَّ لحاله وقال: ما كنت أظن أن المشقة بلغت منك هذا المبلغ، الذي أراه، فأنزل الله ﵎: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أوْ بِهِ أذىً مِنْ رَأْسِهِ﴾ الآية.
فسأل النبي ﷺ : هل يجد أفضل ما يفدي به وهو الشاة؟.
فقال: لا، فقال: إذا لم تجد الشاة فأنت مخير بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع من بر، أو غيره، ويكون ذلك كفارة عن حلق رأسه، الذي اضطر إليه في إحرامه، من أجل ما فيه من هوام، وفي الرواية الأخرى، خيَّره بين الثلاثة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز حلق الشعر للمحرم مع التضرر ببقائه، ويفدي.
٢- تحريم أخذ الشعر للمحرم بلا ضرر، ولو فدى.
٣- أن الأفضل في الفدية، ذبح شاة، وتقسيمها على الفقراء. فإن لم يجد، فصيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع.
وفي الرواية الأخرى التخيير بين الثلاثة ويأتي تحقيقه قريباً إن شاء الله.
٤- كون السنة مفسرة، ومبينة للقرآن.
فإن "الصدقة " المذكورة في الآية مجملة، بيَّنها الحديث.
٥- ظاهر الحديث أن نصف الصاع يخرج، سواء أكان من بر أم غيره.
وهو مذهب مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، وهو الصحيح، لظاهر الحديث.
أما المشهور من مذهب أحمد، فيجزئ مُدٌّ من بُرٍّ، أو نصف صاع من غيره.
٦- ظاهر النصوص، نزول الآية بعد فتوى النبي ﷺ .
فتكون الآية مؤيدة للوحي الذي لا يتلى.
стр. 363
٧- وفيه رأفة النبي ﷺ .
٨- وفيه تفقد الأمير والقائد أحوال رعيته.
٩- ألحق العلماء بحلق الرأس تقليم الأظفار، والطيب، واللبس، بجامع الترفُّه في كل منها، وتسمى "فدية الأذى".
١٠- ورد في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ مرَّ بكعب، وبعضها: أنه حمل إليه.
وجمع بينهما العلماء، بأنه مرَّ به أولاً ثم طلبه فحمل إليه.
١١- يجوز الحلق قبل التكفير وبعده، ككفارة اليمين، تجوز قبل الحنث وبعده.
١٢- سبب نزول الآية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضَاً...﴾ الخ قضية كعب بن عجرة.
ولكنها عامة، لأن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.
تحقيق التخيير في الكفارة:
ظاهر الحديث الذي معنا يفيد تقديم الشاة، فإنْ لم يجدها، فهو مخير بين الصيام والإطعام.
أما الآية وبقية الروايات، فتفيد التخيير بين الثلاثة.
ومنها ما رواه البخاري عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لعله آذَاكَ هَوَامُّكَ؟ ".
قال: نَعَمْ.
فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "احْلِقْ رَأسَكَ، وَصُمْ ثَلاثَةَ أيَّامٍ، أوْ أطْعِمْ سِتَةَ مَسَاكِينَ، أوِ انْسُكْ شَاةً" فهذا وأمثاله، صريح في التخيير.
وقد جمع العلماء بينها، فقال ابن عبد البر: قدم الشاة، إشارةً إلى ترجيح الترتيب، لا إلى إيجابه.
قال النووي: قصد بسؤاله عن الشاة، أن يخبره إن كان عنده شاة، فهو مخير بين الثلاثة، لا أنه لا بجزيء مع وجودها غيرها.
وقال بعضهم: إنه أفتاه في الشاة اجتهاداً، وبعد ذلك نزلت الآية في التخيير بين الثلاثة.
ويؤيد هذا القول ما رواه مسلم عن عبد اللَه بن معقل، عن كعب قال: "أتجد شاة؟ قلت: لا، فنزلت هذه الآية".
والأحاديث الواردة في هذا المعنى، وردت من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة، ومن طريق عبد الله بن معقل، عن كعب أيضاً.
стр. 364
وما روي من طريق عبد الرحمن، موافق لمعنى الآية، من إفادة التخيير بين الثلاثة.
وما ورد من طريق عبد الله بن معقل، يفيد الترتيب.
لهذا فإن ابن حزم، حكم على رواية عبد الله بالاضطراب، وقال في طريق عبد الرحمن: "هذا أكمل الأحاديث وأبينها".
والذي أرى: أن ما ذهب إليه "أبو محمد" هو أحسن جمع، لأن القصة واحدة. فلا يمكن أن يقع فيها إلا صفة واحدة، فلا يمكن الجمع إلا بهذا؛ ولذا قال ابن حجر: وأقرب ما وقفت عليه من طرق حديث الباب إلى التصريح ما أخرجه أبو داود من طريق الشعبي عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة أن النبي ﷺ قال: "إن شئت فانسك شاة، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم".
ورواية مالك في الموطأ "أي ذلك فعلت أجزأ "والله أعلم.
بَابُ حرمَة مَكة
حرمة "مكة" المكرمة مستمدة من هذا البيت المعظم، الذي هو أول بيت وُضِعَ في الأرض لِيَؤمَّه الناس لعبادة الله تعالى كما قال تعِالى ﴿إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ للَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًىً لِلعَالَمِينَ﴾ . وقد بناه إبراهيم الخليل ﵊.
ومازال معظماً مكرماً محجوجاً منذ بُنيَ حتى يفسد الزمان، ويذهب الإيمان.
فما دام الدين قائماً فقد جعله الله ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنَاً﴾ .
وقد عظمه العرب في جاهليتهم، وجاءوا إليه من أقطار الجزيرة ومن ورائها، فأكرمهم سدنته وخدامه من قريش ومن قبلهم.
وجاء الإسلام فزاد من تعظيمه وتقديسه - وقد حماه الله من كل مُعْتَدٍ، وأكبر دليل، قصة أصحاب الفيل المشهورة.
والمجاورة فيه من أفضل العبادات لمن رزق الاستقامة، لأن العمل عنده مضاعف إلى مائة ألف ضعف كما أنَّ المعاصي عنده وفيه، مغلظة لحرمة المكان.
стр. 365
رزقنا الله العمل الصالح المرضي وجهه الكريم، وجنَّبَنَا الزَّيْغَ والضلالَ والْمِحَنَ والفتن، ما ظهر منها وما بطن. آمين.
وتقدم في أول الكتاب شيء من حِكَمِ الحج وأسرارِه.
وكون الحج إلى هذا البيت له حِكَم ومناسبات أخرى، منها أن هذا البيت ومناسكه، هي آثار أبي الأنبياء إبراهيم ﷺ ، وهي ذكريات، وأعياد إسلامية دينية.
ومنها أن هذه البقعة هي مولد النبي ﷺ ومبعثه، ومنها شَعَّ نور الإسلام.
فالمسلمون يجددون بها عهداً وهي عاصمتهم الأولى ومُتَوَجَّه وجوههم ومهوى أفئدتهم.
جمع الله المسلمين على التُّقَى ولَمَّ كلمتهم فيما يُعْلي دينهم، ويرفع شأنهم. آمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله.
الحديث الأول
عَنْ أبِي شُرَيْحٍ خُوَيْلِدِ بْنِ عَمْرو الْخُزَاعِي الْعَدَوِي رَضيَ الله عَنْة:
أَنهُ قَالَ لِعَمْرِو بْن سَعِيدِ بْنِ الْعَاص – وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِيْ أُيُّهَا الأمِيرُ
أنْ أُحَدِّثَكَ قَوْلاً قَالَ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، فَسَمِعَتْهُ
أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأبصَرَتْهُ عَينايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ. أنَّهُ حَمِدَ الله وَأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ:
"إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا الله تعَالَى يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلا يَحِلُّ
لامْرِئ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً ولا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً. فَإنْ أحَدٌ
تَرَخَّصَ بِقِتَال رَسُوْلِ الله ﷺ فَقُوْلُوا: إنَّ الله أذِن لِرسُولِهِ وَلَمْ يَأذَنْ
لَكُمْ، وإنِّمَا أذِنَ لِرَسُولِهِ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرمَتِهَا بالأمْسِ.
فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ.
فقيل لأبي شريح: مَا قَالَ لَكَ عَمْروٌ؟ قَالَ: قَالَ أنَا أعْلَمُ بِذلِكَ مِنْكَ يَا أبَا شُرَيْح، إنَ الْحَرَمَ لا يُعِيْذُ عَاصِياً وَلا فَارَّاً بِدَمٍ، وَلا فَارًّا بِخَرَبَةٍ.
الخربة: بالخاء المعجمة، والراء المهملة. قيل: الخيانة، وقيل: البلية. وقيل: التهمة.
وأصلها في سرقة الإبل قال الشاعر:
والخارِبُ الِّلصُّ يُحِبُّ الخارِبا
الغريب:
ايذن لي: أصله "إأذن لي" بهمزتين فقلبت الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها.
стр. 366
أن يسفك بها دماً: - بكسر الفاء وضمها - قال الهروي:
لا يستعمل السفك إلا في الدم
ساعة من نهار: هي ما بين طلوع الشمس وصلاة العصر.
لا يعيذ: لا يجير ولا يعصم.
لا يعضد بها شجرة: هو مثل ضرب يضرب - بكسر الضاد ـ ومعناه يقطع.
المعنى الإجمالي:
لما أراد عمرو بن سعيد بن العاص، المعروف بالأشدق، أن يجهز جيشاً إلى مكة المكرمة وهو – يومئذ - أمير ليزيد بن معاوية على المدينة المنورة لقتال عبد الله بن الزبير ﵄، جاءه أبو شريح، خويلد بن عمرو الخزاعي، لينصحه عن ذلك.
ولكون المنصوح كبيراً في نفسه، تلطَّف أبو شريح معه في الخطاب، حكمة منه ورشداً، ليكون أدعى إلى قبول النصيحة وسلامة العاقبة، فاستأذنه ليلقي إليه نصيحة في شأن بعثه الذي هو ساعٍ فيه، وأخبره أنه متأكد من صحة هذا الحديث الذي سيلقيه عليه، وواثق من صدقه إذ قد سمعته أذناه ووعاه قلبه، وأبصرته عيناه حين تكلم به النبي ﷺ ، فأذن له عمرو بن سعيد في الكلام.
فقال أبو شريح: إن النبي ﷺ صبيحة فتح مكة "حمد الله وأثنى عليه ثم قال: "إن مكة حرمها الله يوم خلق السماوات والأرض" فهي عريقة بالتعظيم والتقديس، ولم يحرمها الناس كتحريم الحمى المؤقت والمراعي والمياه، وإنما الله الذي تولَّى تحريمها، ليكون أعظم وأبلغ.
فإذا كان تحريمها قديماً ومن الله "فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر - إن كان يحافظ على إيمانه - أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة.
فإن أحد ترخص بقتالي يوم الفتح، فقولوا: إنك لست كهيئة رسول الله ﷺ ، فقد أُذِنَ له ولم يُؤذن لك.
على أنه لم يحل القتال بها دائماً، وإنما هي ساعة من نهار، بقدر تلك الحاجة، وقد عادت حرمتها كما كانت، فليبلغ الشاهد الغائب.
لهذا بلغتك أيها الأمير، لكوني شاهداً هذا الكلام، صبيحة الفتح، وأنت لم تشهده.
فقال الناس لأبي شريح: بماذا أجابك عمرو؟ فقال: أجابني بقوله: " أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فارًا بخربة"
وهذه محاولة منه باطلة، فإنه متوجه لقتال من هو أفضل منه وأولى بالخلافة.
стр. 367
وقد سلط عليه عبد الملك بن مروان، فقد قتله غدراً صبراً. وقد هزم جيشه وقتل أميره عليه، وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
ما يؤخذ من الحديث:
١- إفادة العلم وقت الحاجة إليه، وهي مناسباته، لأنه أبلغ.
٢- نصح ولاة الأمور، وأن يكون ذلك بلطف ولين، لأنه أنجح في المقصود.
٣- تأكيد الخبر بما يثبته ويؤيده، من بيان الطرق الوثيقة، التي وصل منها، لكونه سمعه بنفسه، أو تكرر عليه، أو شاهد الحادث، أو نقله عن ثقة، ونحو ذلك.
٤- البداءة بالحمد والثناء على الله تعالى، في الخطب والمخاطبات، والرسائل وغيرها، من الكلام المهم.
٥- تحريم الله لمكة منذ خلق السماوات والأرض، مما يدل على أنها لم تفضل لمناسبات مؤقتة. وإنما هي عريقة أصيلة في التعظيم والتقديس.
أما تحريم إبراهيم ﵇، فهو إظهار لتحريم الله.
٦- أن الإيمان الصحيح هو الرادع عن محارم الله وتعدِّي حدوده.
٧- تحريم سفك الدماء في مكة، وظاهره التحريم مطلقاً. ويأتي بحثه إن شاء الله تعالى في الحديث الذي بعد هذا.
٨- تحريم قطع شجرها، ظاهره سواء أن يكون قد نبت بنفسه أو غرسه آدمي. ويأتي بحثه إن شاء الله، في الحديث الذي بعد هذا.
٩- أنه لا يحل لأحد أن يترخص بقتال رسول الله ﷺ ، فيقاتل في مكة.
١٠- أنها أبيحت للنبي ﷺ ساعة، لم تبح قبلها، ولن تباح بعدها.
١١- أن النبي فتح مكة عَنْوَةً لقوله" فإن أحد ترخص بقتال رسول الله".
١٢- وجوب تبليغ العلم لمن يعلمه، لاسيما عند الحاجة إليه. وهذا ما حمل أبا شريح على نصيحة عمرو بن سعيد.
١٣- قال ابن جرير: وفيه دليل على قبول خبر الواحد لأنه معلوم أن كل من شهد الخطبة قد لزمه الإبلاغ.
تنبيه:
بحوث هذا الحديث الخلافية، أخرناها إلى الحديث الذي بعد هذا، لأن معنى الحديثين متقارب.
стр. 368
تنبيه آخر:
قال شيخ الإسلام: ولا يقطع شيء من شجر الحرم ولا من نباته، إلا الإزخر وما غرسه الناس أو زرعوه، فهو لهم.
ثم قال ﵀: وأما زيارة المساجد التي بنيت بمكة غير المسجد الحرام: كمسجد الصفا، وكمسجد المولد، وغيره، فليس قصد شيء من ذلك من السنة، ولا استحبه أحد من الأئمة. وإنما المشروع إتيان المسجد الحرام خاصة، وكذلك قصد الجبال والبقاع التي حول مكة كجبل حراء فإنه ليس من سنة النبي ﷺ زيارة شيء من ذلك، بل هو بدعة.
تنبيه ثالث:
حينما هم عمرو بن سعيد بمحاربة عبد الله بن الزبير بأمر من يزيد بن معاوية وجه إليه من المدينة جيشاً بقيادة عمرو بن الزبير ـ أخي عبد الله ـ وكانت بين الأخوين عداوة. فسار الجيش من المدينة، وحينما اقترب من مكة أخرج له عبد الله بن الزبير فرقتين من الجيش المرابط معه في مكة، فصارت الهزيمة على الجيش الأموي، وأسر عمرو بن الزبير، فحبسه أخوه وضربه بالسياط إلى أن مات.
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ
فَتْحِ مَكَّةََ.
"لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلكِنْ جِهَاد وَنِيَّة. وَإذَا اسْتُنْفِرْتُم فَانْفِرُوا".
وقال يوم فتح مكة: " إنَّ هذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ فَهُوَ حَرَامٌ
بحُرْمَةِ الله إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأحدٍ قَبْلِي، ولم يَحِلَّ لِي إلاَّ سَاعَةً مِنْ
نَهَار ـ وهي ساعتي هذه - فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ الله إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، ولا
يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، ولا يُخْتَلَى خَلاهُ"
فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ الله إلاَّ الإذْخِرَ فَإنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبيُوتِهِمْ، فَقَال: " إلاَّ الإذْخِرَ".
القين: الحدّاد.
الغريب:
استنفرتم فانفروا: "نفر" خرج بسرعة. يعني إذا طلب خروجكم للحرب بسرعة فاخرجوا كما طلب منكم.
لا يعضد شوكه: العضد: القطع.
لا ينفر صيده: لا يزعج من مكانه ويذعر.
стр. 369
لا يختلى خلاه: "الخلا" بالقصر هو الرطب من الكلأ واختلاؤه قطعه.
الإذخر: يجوز فيه الرفع بدلاً مما قبله، ونصبه لكونه مستثنى بعد النفي.
واختار ابن مالك النصب، لكون الاستثناء وقع متراخياً عن المستثنى منه.
و"الإذخر" نبت أصله ماضٍ في الأرض، وقضبانه دقاق، ورائحته طيبة.
وهو كثير في أرض الحجاز، وكانوا يسقفون به، فيجعلونه تحت الطين، وفوق الخشب ليسد الخلل، فلا يسقط الطين، وكذا يجعلونه في القبور.
لقينهم: بفتح القاف وسكون الياء، بعدها نون: هو الحداد، وحاجته لها، ليوقد بها النار.
المعنى الإجمالي:
بُعِثَ النبي ﷺ في مكة المكرمة، ودعا أهلها إلى الإسلام، فآمن به قليل منم فآذاهم المشركون في مكة فوسَّع الله لهم بالهجرة منها إلى الحبشة، ثم إلى المدينة. فهاجر النبي ﷺ وهاجر معه أصحابه، وصارت الهجرة وَاجَبة منها، لأن المسلم لا يتمكن أن يظهر فيها إسلامه.
فلما فتحها النبي ﷺ وصارت بلدة إسلامية، انقطعت الهجرة منها، لأنه زال موجبها، وبقي الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمته، ونصر دينه قائماً، إلي يوم القيامة، باللسان، والسلاح، والنية الصالحة، بإخلاص الأعمال لله تعالى.
ثم ذكر ﷺ بعد ذكر الجهاد، وجوب الخروج بسرعة ونشاط إذا استنفرهم وَلِيُّ الأمر للقتال.
ثم ذكر تحريم الله تعالى لمكة، أنه قديم بقدم خلق السماوات والأرض.
لأن الله هو الذي حرمها، ومن تلك المدة فهي حرام إلى يوم القيامة، فلا يحل فيها القتال تأسِّياً بقتال النبي ﷺ فيها.
فقد أحلت له خاصة، ساعة من نهار، ثم رجعت حرمتها إليها مطلقاً إلى يوم القيامة.
ثم ذكر أن حرمة هذا البيت، شملت ما حوله من شجر، فلا يقطع، ومن صيد فلا يزعج وَيُنفَّر من مكانه، فما بالك بقتله؟ كما حرَّم لقطة الحرم إلا من أخذها لِيُعَرِّفها دائماً.
فلما حرم النبي ﷺ قطع النبات، قال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر، فهم في حاجة إليه لتسقيف بيوتهم وسَدِّ خلل قبورهم، وَإيقاد نيرانهم.
فقال ﷺ : إلا الإذخر، فإنه مباح.
стр. 370
ما يؤخذ من الحديث:
١- انقطاع الهجرة من مكة إلى غيرها، لأنها ـ ولله الحمد- بلاد إسلامية.
أما الهجرة من غيرها، فهي باقية، من كل بلد لا يقيم الإنسان فيه دينه.
٢- أن الجهاد باقٍ، واجب عند وجوده، ونيته عند عدمه.
وكذلك النية الصالحة، ركن أساسي في قبول الأعمال، وعليها المدار.
٣- قوله "وإذا استنفرتم فانفروا" أي: إذا طلبتم للجهاد فأجيبوا ففيه وجوب النفر من المسلم إذا طلبه الإمام لقتال عدو، إما بتنفير عام، أو تعيين. فمن عَيَّنه الإمام، خرج.
٤- تحريم القتال في مكة، فلا يحل لأحد إلى يوم القيامة.
٥- أن حلها للنبي ﷺ خاصة من خصائصه، وأنها أحلت له ساعة، ثم عادت حرمتها كما كانت منذ خلقت السماوات والأرض.
٦- تحريم قطع الشوك في حَرَمِهَا، وتحريم قطع الشجر الذي ليس فيه شوك من باب أولى، وكذلك الكلأ.
٧- تحريم تنفير صيده، وحبسه وقتله أشد حرمة بطريق الأولى. والصيد، هو الحيوان المأكول، المتوحش أصلاً.
٨- تحريم أخذ اللقطة فيها، إلا لمن أخذها لِيُعَرِّفها دائماً.
٩- استثناء "الإذخر" من الكلأ، للحاجة الشديدة إليه. فيجوز أخذه رطباً أو يابساً.
١٠- أن بعض السُنَّة، تكون بفهم يلقيه الله على نبيه ﷺ .
كما قال تعالى: ﴿وأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الذكْرَ لِتُبيِّنَ لِلنَاسِ ما نُزِّل إلَيْهِمْ﴾ .
١١- أن الفصل اليسير الذي لا يُعَدُّ قاطعاً للكلام، لا يضر بين المستثنى والمستثنى منه.
١٢- أن مكة فتحها النبي ﷺ عَنْوَةً، ويأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على تحريم قطع شجر الحرم وَكَلَئِهِ الْبَرِّيِّ الذي لم ينبته الآدمي.
كما أجمعوا على إباحة أخذ "الإذخر" وما أنبته الآدمي، من الزروع والبقول، أخذاً بالأحاديث الصحيحة المتقدمة وغيرها.
واختلفوا في قطع الشجر الذي أنبته الآدمي، فالجمهور على جواز قطعه، كالزرع الذي ينبته الآدمي.
وذهب الشافعية إلى تحريمه، أخذاً بعموم الحديث، ومال الشيخ "الموفق ابن قدامة" في "المغني" إلى هذا.
стр. 371
واختلفوا في جواز قتل من وجب عليه القتل فلجأ إلى الحرم.
فذهب إلى تحريمه جمهور التابعين، والإمام أبو حنيفة، وأصحابه من الفقهاء، والإمام أحمد، وبعض المحدِّثين وقالوا: يعالج حتى يخرج منه من وجب عليه حَدُّ القتل في غيره ثمَّ لجأ إليه.
وذهب مالك، والشافعي: إلى أنه يستوفى منه الْحَدُّ في الحرم.
ودليل مالك، والشافعي، ومن تبعهم، عمومات النصوص الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل زمان ومكان. وأن النبي ﷺ أمر بقتل ابن خطل وهو معلق بأستار الكعبة، وقاسوه أيضاً على من أتى في الحرم بما يوجب القتل.
واستدل الأولون بمثل قوله تعالى: ﴿ومَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنَاً﴾ ، ﴿أوَ لَمُ نُمكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِنَاً﴾ ونحوهما من الآيات، ولو لم يكن للتخصيص فائدة، لما ذكر.
وأجابوا عن أدلة المعارضين، بأنَّ العمومات لا تتناوله، لأن لفظها لا يدل عليه، لا بالوضع، ولا بالتضمن، فهو مطلق بالنسبة إليها.
ولو فرض تناولها له، لكانت مخصصة بالأدلة الواردة في وضع إقامة الحد فيه؟ لئلا يبطل موجبها.
أما قتل "ابن خطل" فليس فيه دليل لأنه قتل في الساعة التي أحل فيها الحرم للنبي ﵊.
وأما قياسه على من فعل ما يوجب القتل في الحرم، فلا يستقيم، لأن الجاني فيه هتك حرمته، وحرمة الله تعالى، فهما مفسدتان، ولو لم يقم الحد على الجناة فيه، لَعَمَّ الفساد، وعظم الشر في حرم الله.
بخلاف الذي أتى ما يوجب القتل خارجه، فذنبه أخف كثيراً، وهو - بلجوئه إلى الحرم – كالتائب من الذنب، النادم على فعله، فلا يناسب حاجته.
قال ابن حجر في "فتح الباري" فأما القتل، فنقل بعضهم الاتفاق على جواز إقامة حد القتل فيها على من أوقعه فيها، وخص الخلاف بمن قتل في الحل، ثم لجأ إلى الحرم.
وممن نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر.
قلت: نصر ابن حزم في "المحلى" أن القصاص وأنواع الحدود، لا تقام في الحرم مطلقاً.
وقال: من أتى فيه بما يوجب القتل والحد، فليُخْرَج، ثم يقام عليه.
ونقل عمومات عن بعض الصحابة، ظاهرها معه.
стр. 372
واختلفوا: هل فتح النبي ﷺ مكة صلحاً أو عنوة؟.
ذهب الأكثرون من العلماء – ومنهم الإمامان أبو حنيفة وأحمد في المشهور عنه ـ إلى أنها عنوة.
وذهب الشافعي إلى أنها فتحت صلحاً، واستدلوا على ذلك بأنها لو فتحت عَنْوَةً لقسمها النبي ﷺ بين الغانمين كـ"خيبر" ولملك الغانمون دورها، وكانوا أحق بها من أهلها، ولو كانت عنوة لم يؤمِّن أهلها.
واستدل الجمهور بقوله ﷺ : "إن الله أحلها ليِ ساعة من نهار".
وبقوله: " فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لك".
واستدلوا أيضاً، بأن النبي ﷺ دخلها في حالة حرب وتعبئة.
فقد جعل للجيش ميمنة، وميسرةً، ومقدمة، ومؤخرة، وَقَلْباً، ودخلها، وعلى رأسه المغفر غير محرم، وحصل القتال بين خالد بن الوليد وبينهم، حتى قتل منهم جماعة.
وقال ﷺ للأنصار: "أترون أوباش قريش وأتباعهم، احصدوهم حصداً" حتى قال أبو سفيان: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد اليوم.
فقال: "من أغلق بابه فهو آمن" وغير ذلك من الأدلة الواضحة الصحيحة.
وأجابوا عن أدلة المعارضين:
فأما كونه لم يقسِّم أرضها بين الغانمين، فلأن الأرض غير داخلة في الغنائم التي تقسم، وهذا عمل الخلفاء الراشدين في الأرض العنوة التي يأخذونها، لا يقسمونها، وإنما يجعلونها فيئاً على المسلمين أولهم وآخرهم.
على أن النبي ﷺ مَنَّ على أهل مكة، فَأمَّنَهمْ، ومِنْ تأمينهم، ترك ما بأيديهم.
مع أن هناك خلافاً بين العلماء: هل تملك رباع مكة ودورها؟.
وقد رجح كثير من العلماء عدم تملكها. وقالوا: إنه يستوي فيها المسلمون كالمساجد.
وأما تأمينه أهلها، فبعد القتال مَنَّ عليهم بذلك لكونهم جيران بيت الله تعالى. وبعد أن رأوا أن لا طاقة لهم في القتال طلبوا الأمان، فأجابهم لطفاً بهم ورحمة.
стр. 373
بَابُ مَا يجُوز قَتْله
هذه الترجمة فيها بيان ما يجوز قتله، بعد ذكر تحريم القتل، وتنفير الصيد. فهي كالاستثناء مما قبلها، أو دفع ما يتوهم دخوله.
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال:
"خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتلْنَ فِي الحَرَم:
١:- الْغُرَابُ، ٢:- والحِدَأَةُ، ٣:- والعَقْرَبُ ٤:- والفَأْرَة،: - وَالْكَلْبُ العَقُورُ".
ولمسلمٍ: " يُقْتَلُ خَمْسُ فَوَاسِقَ في الحِلِّ وَالُحَرَم (١) "
المعنى الإجمالي:
من الحيوان ما هو مؤذ بطبعه، فهذا يقتل في الحل، والحرم، والإحرام.
ومنها هذه المؤذيات الخمس، التي نبه بها الشارع على ما شابهها من الفواسق.
وهن، "الغراب" الذي يفسد الثمار، و"الحدأة" التي تخطف الثياب والحلي، و"العقرب" التي تلسع، و"الفأرة" التي تثقب وتخرب، و"الكلب العقور" الذي يعتدي على الناس.
فهذه خمسة أنواع من الحيوانات، وصفت بالفسق، وهو خروجها بطبعها عن سائر الحيوانات، بالتعدي والأذى.
ونبه بها معدودة، لاختلاف أذاها، فيلحق بها ماشاكلها في فسقها من سائر الحيوانات، فتقتل لأذيتها واعتدائها، فإن الحرم لا يجيرها والإحرام لا يعيذها.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء: هل يتعدى القتل من هذه المذكورة إلى غيرها من الحيوانات أو لا؟.
فـ"أبو خيفة" يرى أن حكمها لا يتعداها إلى غيرها، وذلك أن حكمها عُلِّقَ بألقابها، واللقب لا يقتضي مفهوماً عند جمهور الأصوليين.
وذهب الجمهور إلى تعديتها إلى غيرها.
واختلفوا في المعنى الذي لأجله يُعدَّى حكمها إلى
стр. 374
غيرها.
فالشافعي يرى أنه كونهن مما لا يؤكل، فكل مالا يؤكل يجوز قتله بلا فدية.
وذهب الإمامان، مالك، وأحمد: إلى أن المعنى الجامع لهن ولغيرهن هو طبيعة الإيذاء.
وهذا قياس جيد، لأنه تعليل مفهوم من نص الشارع، وهو وصف الأصل بالفسق فإذا وجِدَ بالفرع، تم القياس، والحكم يدور مع علته، وجوداً وعدماً.
وأما تعديدها- مع أن الأذى واحد- فلينبه به الشارع على أنواعه ومفرداته الموجودة في كل نوع من هذه الفواسق ومثيلاتها.
تكميل:
الحيوانات على أربعة أقسام:
١- الحيوان المستأنس، كبهيمة الأنعام، والدجاج، يباح تذكيته في كل حال.
٢- الحيوان الذي لا يؤكل وليس فيه أذى، فيكره قتله، وإن قتل فليس فيه فداء.
٣- الحيوان المؤذي، كهذه المذكورة في الحديث وما في معناها، فيشرع قتلها في الحل، والإحرام، والحرم. وليس في قتلها شيء.
٤- الحيوان الْبَرِّيُ المأكول؛ فهذا هو الصيد. في قتله في الحرم وفي الإحرام، الجزاء.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية قتل هذه الحيوانات المعدودة في الحديث، في الحل والحرم.
٢- أن قتلها لما فيها من الفسق والأذى، فيلحق بها ما شابهها من الحيوان.
٣- أن الأذى ليس نوعاً واحداً، فكل ما فيه مضرة على النفس أو المال أو غير ذلك، فهو الأذى الذي ليس لصاحبه حرمة، لذا نَبَّهَ على تعدد الأذى بتعديد هذه الحيوانات. والله هو الحكيم في خلقه، العدل في حكمه.
стр. 375
بَاب دُخول مَكةَ والبيت (١)
الحديث الأول
عَنْ أنسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ مَكَةَ عَامَ
الْفَتْحِ وَعَلَى رَأسِهِ الْمِغفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ابْنُ خَطلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأسْتَارِ الْكَعْبَةِ.
فقال: "اقْتُلُوهُ".
الغريب:
المغفر: بوزن مِنْبَر، زرد ينسج من حديد على قدر الرأس، وقاية له من وقع السيف.
"ابن خطل" بالخاء المعجمة والطاء المهملة المفتوحتين، اختلف في اسمه. قيل: هلال، وقيل غير ذلك، وقاتله أبو برزة الأسلمي.
المعنى الإجمالي:
كان بين النبي ﷺ وبين كفار قريش حروب كثيرة مما أوغر صدورهم.
فلما كان فتح مكة، دخلها ﷺ في حالة حيطة وحذر، فوضع على رأسه المغفر.
وكان ﷺ قد حض على أناس من المشركين أن يُقْتَلُوا، ولو وُجِدُوا في أستار الكعبة، وسمى منهم "ابن خطل" الذي أسلم، ثم قتل مسلماً وارتد عن الإسلام وذهب إلى الكفار، فجعل جواريه يغنين بهجاء النبي ﷺ .
فلما وضعت الحرب أوزارها ذلك اليوم، وأمَّن أهل مكة، واستأمن منهم ووضع المغفر، وجد بعض الصحابة "ابن خطل" متعلقاً بأستار الكعبة، عائذاً بحرمتها من القتل، لما يعلم من سوء صنيعه، وقبح سابقته، فتحرجوا من قتله قبل مراجعة النبي صلى الله عليه. فلما راجعوه قال: اقتلوه، فقتل بين الحجر والمقام.
ما يؤخذ من الحديث:
١- كون النبي ﷺ دخل مكة غير محرم، إذ دخل وعلى رأسه المغفر، وعليه أيضاً عمامة سوداء، كما في صحيح مسلم، فيجوز دخولها في مثل هذه الحال بلا إحرام.
٢- تقديم الجهاد على النسك، لأن مصالح الأَوَل أعم وأنفع.
стр. 376
٣- كون مكة فتحت عنوة، كما هو مذهب الأئمة الثلاثة، لا صلحاً كما هو مذهب الشافعي.
٤- جواز فعل الأسباب المباحة الواقية، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله تعالى. ٥- فيه جواز إقامة الحدود في الحرم ولو بالقتل، لأن قتل ابن خطل، كان بعد انتهاء القتال الذي أبيح في ساعة الدخول. والله أعلم.
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ
مِنْ كَدَاء مِنْ الثَّنِيَّة الْعُلْيَا التي بِالْبَطْحَاءِ، وَخَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلى.
الغريب:
كداء: بفتح الكاف والمد، اسم للثنية، التي في أعلى مكة وهي (ريع الحجون) وتقول العامة: (الحجول) وهو تحريف.
الثنية السفلى: الثَّنِيَّة، هي الطريق بين الجبلين.
والمراد بها، الطريق الذي خرج من المحلة المسماة (حارة الباب) وتسمى الثنية الآن (ريع الرسام) . وتسمى الثنية السفلى: كُدى - بضم القاف وقصر الألف.
المعنى الإجمالي:
حِج النبي ﷺ حجة الوداع، فبات ليلة دخوله بـ"ذي طوى"لأربع خَلوْنَ من ذي الحجة.
وفي الصباح دخل مكة من الثنية العليا، التي تأتي من بيت مقابر مكة، لأنه أسهل لدخوله، إذ أتى من المدينة.
فلما فرغ من مناسكه خرج من مكة إلى المدينة من أسفل مكة، وهي الطريق التي تأتي على "جرول".
ولعل في مخالفة الطريقين تكثيراً لمواضع العبادة، كما فعل ﷺ في الذهاب إلى عرفة والإياب منها، ولصلاة العيد والنفل، في غير موضع الصلاة المكتوبة، لتشهد الأرض على عمله عليها يوم تحدث أخبارها. أو لكون مدخله ومخرجه مناسبين لمن جاء من المدينة، وذهب إليها. والله أعلم.
стр. 377
الحديث التاسع عشر بعد المائتين
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄:
دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ الْبَيْتَ وَأسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَبِلالُ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ
فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَلَمَّا فَتَحُوا البَابَ كُنْتُ أوَّلَ مَنْ وَلَجَ، فَلَقِيتُ بِلالاً فَسَألتُهُ: هَلْ
صَلَّى فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: نَعَمْ، بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِييْنِ.
المعنى الإجمالي:
لما فتح الله ﵎ مكة، وطهر بيته من الأصنام والتماثيل والصُّوَرِ، دخل النبي ﷺ الكعبة المشرفة، ومعه خادماه، بلال، وأسامة، وحاجب البيت، عثمان بن طلحة.
فأغلقوا عليهم الباب لئلا يتزاحم الناس عند دخول النبي ﷺ فيها ليروا كيف يتعبد، فيشغلوه عن مقصده في هذا الموطن، وهو مناجاة ربِّه وشكره على نعمه؛ فلما مكثوا فيها طويلاً، فتحوا الباب.
وكان عبد الله بن عمر حريصاً على تتبع آثار النبي ﷺ ، والأمكنة التي يأتيها ولو لغير عبادة، ولذا فإنه كان أول داخل لما فتح الباب.
فسأل بلالاً: هل صلى فيها رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين.
وكانت الكعبة المشرفة – إذ ذاك – على ستة أعمدة، فجعل ثلاثة خلف ظهره، واثنين عن يمينه، وواحداً عن يساره، وجعل بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع، فصلى ركعتين، ودعا في نواحيها الأربع.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب دخول الكعبة المشرفة، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها. وذكر ابن تيمية أن دخولها ليس فرضاً ولا سنة، ولكنه حسن.
٢- أن دخولها ليس من مناسك الحج، وإنما هي فضيلة في ذاتها.
ولهذا فإن النبي ﷺ لم يدخلها في حجته، وإنما دخلها في عام الفتح.
وهذا هو التحقيق، في أنه لم يدخلها إلا مرة واحدة.
اختلاف العلماء:
الجمهور على جواز صلاة النافلة في الكعبة المشرفة وفوقها، إلا ما حكي عن ابن عباس.
وإنما الخلاف في جواز الفرض فيها. وفوق سطحها، ومثلها الحِجْر.
стр. 378
فذهب الإمام أحمد، ومالك في المشهور عنه إلى أنها لا تصح، مستدلين بقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ والمصلي فيها أو على سطحها، غير مستقبل لجهتها. وأما النافلة فمبناها على التخفيف. فتجوز فيها وعليها.
وبما روي عن ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى أن يصلى في سبع:
١- المزبلة ٢- والمجزرة ٣- والمقبرة ٤- وقارعة الطريق.
٥- والحمام ٦- ومعاطن الإبل ٧- وفوق ظهر بيت الله..
رواه الترمذي.
وذهب الإمامان، أبو حنيفة، والشافعي: إلى صحة الفريضة فيها وفوقها، وكذلك في الحِجْر. ودليلهم على ذلك صلاة النبي ﷺ فيها.
وما ثبت في حق النفل، يثبت في حق الفرض بلا فرق إلا بدليل، ولا دليل.
ولو سلم استدلالهم بالآية، على عدم صحة الفرض، لكان دليلاً على عدم النافلة أيضا.
وأما حديث ابن عمر، فلو صح، لكان عاماً للفريضة والنافلة، ولكن ضعفه مخرجه، وهو الترمذي. وقال البخاري: فيه رجل متروك.
واستدلوا بحديث "جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِداً وَطَهوُراً"، والكعبة المشرفة أولى الأرض بذلك. والله أعلم.
стр. 379
بَابُ الطَّواف وأدَبه (١)
الحديث الأول
عَنْ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ جَاءَ إلى الحَجَرِ الأسْوَدِ وَقبَّلَهُ وَقَالَ: إنِّي لأعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ لا
تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وَلَوْلا أنِّي رَأَيْتُ النَّبِي ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قبَّلْتُك.
المعنى الإجمالي:
الأمكنة والأزمنة وغيرها من الأشياء، لا تكون مقدسة معظمة تعظيم عبادة الله لذاتها، وإنما يكون لها ذلك بشرع.
ولهذا جاء عمر بن الخطاب ﵁ إلى الحجر الأسود وقبَّله بين الحجيج، الذين هم حديثو عهد بعبادة الأصنام وتعظيمها، وبيَّن أنه ما قَبَّلَ هذا الحجر وعظمه من تلقاء نفسه، أو لأن الحجر يحصل منه نفع أو مضرة، وإنما هي عبادة تلقاها من المشرع ﷺ فقد رآه يُقبِّله فَقَبَّله، تأسِّياً واتِّباعاً، لا رأياً وابتداعاً.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعيه تقبيل الحجر الأسود للطائفين عندما يحاذونه، إن أمكن بسهولة.
٢- أن تقبيله ليس لنفعه أو ضرره، وإنما هو عبادة لله تعالى، تلقيناها عن النبي ﷺ .
٣- أن العبادات توقيفية، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله.
ومعنى هذا أن العبادات لا تكون بالرأي والاستحسان، وإنما تتلقى عن المشرع، وهذه قاعدة عظيمة نافعة، تؤخذ من كلام المحدَّث الملهم، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وأرضاه.
٤- تبيين ما يوهم العامة من مشاكل العلم، حتى لا يعتقدوا غير الصواب.
٥- أن فعل النبي ﷺ من سنته المتبعة، فليس هناك خصوصية إلا بدليل
٦- أنه إذا صح عن الشارع عبادة، عمل بها ولو لم تعلم حكمتها، على أن إذعان الناس وطاعتهم في القيام بها من الحكم المقصودة.
٧- قال شيخ الإسلام: ويستحب للطائف أن يذكر الله تعالى ويدعوه بما يشرع من الأدعية والأذكار، وإن قرأ سراً فلا بأس. وليس للطواف
стр. 380
ذكر محدود عن النبي ﷺ لا بأمره ولا بقوله ولا بتعليمه بل يدعو فيه بسائر الأدعية الشرعية. وما يذكره كثير من الناس من دعاء معين تحت الميزاب ونحو ذلك فلا أصل له. وكان ﷺ يختم طوافه بين الركنين بـ"ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ
وَأصْحَابُهُ مَكَّةَ، فقَالَ المشركون: إنِّهُ يَقْدِمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأمَرَهُمْ
النَّبِيُّ ﷺ أن يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ الثّلاثَةََ، وَأن يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ،
وَلَمْ يَمْنَعْهُم أنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كلَّهَا إلا الإبْقَاءُ عَلَيْهِمْ.
الغريب:
وَهَنَتهم: بتخفيف الهاء، أي أضعفتهم.
يثرب: من أسماء المدينة النبوية في الجاهلية.
أن يرملوا: بضم الميم "الرَّمَل" هو الإسراع في المشي مع تقارب الخطا.
الأشواط: بفتح الهمزة، جمع شوط بفتح الشين، وهو الجرية الواحدة إلى الغاية. والمراد هنا، الطوفة حول الكعبة.
الإبقاء عليهم: بكسر الهمزة والمد، الرفق بهم، والشفقة عليهم.
المعنى الإجمالي:
جاء النبي ﷺ سنة ست من الهجرة إلى مكة معتمراً، ومعه كثير من أصحابه.
فخرج لقتاله وصده عن البيت كفار قريش، فحصل بينهم صلح، من مواده أن النبي ﷺ وأصحابه يرجعون هذا العام، ويأتون في العام القابل معتمرين، ويقيمون في مكة ثلاثة أيام.
فجاءوا في السنة السابعة لعمرة القضاء.
فقال المشركون، بعضهم لبعض - تَشَفِّيَاً وشماتة ـ: إنه سيقدم عليكم قوم، وقد وهنتهم وأضعفتهم حُمَّى يثرب.
فلما بلغ النبي ﷺ قالتهم، أراد أن يرد قولهم ويغيظهم.
فأمر أصحابه أن يسرعوا إلا فيما بين الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود فيمشوا، رفقاً بهم وشفقة عليهم، حين
стр. 381
يكونون بين الركنين لا يراهم المشركون، الذين تسلقوا جبل" قعيقعان (١) " لينظروا إلى المسلمين وهم يطوفون فغاظهم ذلك حتى قالا: إن هم إلا كالغزلان.
فكان هذا الرمل سنة متبعة في طواف القادم إلى مكة، تذكراً لواقع سلفنا الماضين، وتأسِّياً بهم في مواقفهم الحميدة، ومصابرتهم الشديدة، وما قاموا به من جليل الأعمال، لنصرة الدين، وإعلاء كلمة الله. رزقنا الله اتباعهم واقتفاء أثرهم.
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن النبي ﷺ وأصحابه، رملوا في الأشواط الثلاثة الأول ماعدا ما بين الركنين، فقد رخص لهم في تركه، إبقاء عليهم، وذلك في عمرة القضاء.
ويأتي استحبابه في كل الثلاثة وتحقيق البحث في الحديث الذي بعد هذا إن شاء الله تعالى.
٢- استحباب الرمل في كل طواف وقع بعد قدوم، سواء أكان لنسك أم لا ففي صحيح مسلم: "كان ذلك إذا طاف الطواف الأول".
٣- إظهار القوة والجلد أمام أعداء الدين، إغاظة لهم، وتوهيناً لعزمهم، وفتَّاً في أعضادهم.
٤- أن من الحكمة في الرمل الآن تذكر حال سلفنا الصالح، في كثير من مناسك الحج، كالسعي، وَرَمْي الجمار والهَدْي وغيرها.
٥- الرمل مختص بالرجال دون النساء، لأنه مطلوب منهن الستر.
٦- لو فات الرمل في الثلاثة الأول، فإنه لا يقضيه، لأن المطلوب في الأربعة الباقية، المشي. فلا يخلف هيئتهن، فتكون سنة فات محلها.
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ حِينَ
يَقْدَمَ مَكَّة إذَا اسْتَلَمَ الرُكْنَ الأَسْوَدَ أوَّلَ مَا يَطُوفُ، يَخُبُّ ثَلاثَةَ أشْوَاطٍ".
الغريب:
يَخُبُّ- الخَبَب: نوع من الْعَدْوِ، وقيل، هو الرَّمَلُ، وعلى هذا فهما مترادفان.
стр. 382
المعنى الإجمالي:
كان ابن عمر ﵄ من الحريصين على تتبع أفعال النبي ﷺ ومعرفتها، والبحث عنها، ولذا فإنه يصف طواف النبي ﷺ الذي يكون بعد قدومه بأنه يرمل في الأشواط الثلاثة كلها بعد أن يستلم الحجر الأسود، الذي هو مبتدأ كل طواف، تذكراً لحالهم السابقة، يوم كانوا يفعلونه إغاظَةً للمشركين.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب الخبب، وهو الرمل، في الأشواط الثلاثة الأولِ كلها، في طواف القدوم.
٢- المشي في الأربعة الباقية منها، ولو فاته بعض الرمل أو كله في الثلاثة الأول، لأنها سنة فات محلها. فالأربعة الأخيرة لا رمل فيها.
٣- الخبب في الأشواط الثلاثة الأول كلها، هو فعل النبي ﷺ بعد عمرة القضاء، فيكون ناسخاً للمشي بين الركنين في عمرة القضاء، لأنه متأخر، ولأن الضعف المانع من الرمل فيها، قد زال.
٤- رمل النبي ﷺ بعد زوال سببه، لتذكر تلك الحال التي كانوا عليها.
فنحن نرمل إحياء لتلك الذكرى.
٥- استلام الحجر الأسود في ابتداء كل طواف، وعند محاذاته في كل طوفة لمن سهل عليه ذلك، وتقدم مشروعية تقبيله.
الحديث الرابع
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قال: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ في حَجةِ
الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنْ.
والمحجن: "عَصا مَحْنِيَّةُ الرَّأْسِ".
الغريب:
المِحْجَن. بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم، عصاً محنية الرأس.
المعنى الإجمالي:
طاف النبي ﷺ في حجة الوداع، وقد تكاثر عليه الناس.
стр. 383
منهم: - من يريد النظر إلى صفة طوافه.
ومنهم: - من يريد النظر إلى شخصه الكريم، فازدحموا عليه.
ومن كمال رأفته بأمته ومساواته بينهم: أن ركب على بعير فأخذ يطوف عليه ليتساوى الناس في رؤيته، وكان معه عصاً محنية الرأس، فكان يستلم بها الركن ويقبل الحجر كما جاء في رواية مسلم لهذا الحديث.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز الطواف راكباً مع العذر لأن المشي أفضل، وإنما ركب رسول الله ﷺ للمصلحة. قال ابن دقيق العيد: وهو أن الشيء قد يكون راجحاً بالنظر.
إلى محله، فإذا عارضه أمر آخر أرجح منه قدم على الأول من غير أن تزول فضيلة الأول. فإذا زال المعارض الراجح عاد الحكم الأول.
٢- استحباب استلام الركن باليد إن أمكن، وإلا فَبِعَصَا ونحوها، بشرط ألا يؤذي به الناس.
٣- جاء في مسلم زيادة "ويقبل المحجن" وأخرج مسلم عن ابن عمر مرفوعاً: "أنه استلم الحجر بيده ثم قبلها" قال في فتح الباري: وبهذا قال الجمهور إن السنة أن يستلم الركن ويقبل يده وإذا لم يستطع أن يستلمه بيده استلمه بشيء وقبل ذلك الشيء.
٤- إظهار العالم أفعاله مع أقواله لتحصل به القدوة الكاملة والتعليم النافع.
٥- قال ابن دقيق العيد: واستدل بالحديث على طهارة بول ما يؤكل لحمه، من حيث إنه لا يؤمن بول البعير في أثناء الطواف في المسجد.
ولو كان نجساً، لم يعرض النبي ﷺ المسجد للنجاسة، وقد منع - لتعظيم المساجد – ما هو أخف من هذا. والأصل الطهارة إلا بدليل، والدليل هنا أيد الأصل.
٦- قال شيخ الإسلام: والإكثار من الطواف بالبيت من الأعمال الصالحة فهو أفضل من أن يخرج الرجل من الحرم ويأتي بعمرة مكية فإن هذا لم يكن من أعمال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ولا رغَّب فيه النبي ﷺ .
стр. 384
الحديث الخامس
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قال: لَمْ أَرَ النَّبيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ
الْبَيْتِ إلا الرُّكْنَيْنِ اليَمَانِييْنِ.
الغريب:
اليمانيين: نسبة إلى اليمن تغليباً، كالقمرين، للشمس، والقمر، والعمرين لأبي بكر وعمر، والأبوين للأب والأم.
والمراد بهما، الركن اليماني، والركن الشرقي، الذي فيه الحجر الأسود.
المعنى الإجمالي:
للبيت أربعة أركان، فللركن الشرقي منها فضيلتان:
١- كونه على قواعد إبراهيم ﵇ ٢- وكون الحجر الأسود فيه.
والركن اليماني له فضيلة واحدة، وهو كونه على قواعد إبراهيم.
وليس للشامي والعراقي شيء من هذا، فإن تأسيسهما داخل عن أساس إبراهيم حيث أخرج الحجر من الكعبة من جهتهما.
ولهذا فإنه يشرع استلام الحجر الأسود وتقبيله، ويشرع استلام الركن اليماني بلا تقبيل.
ولا يشرع في حق الركنين الباقيين، استلام ولا تقبيل.
والشرع مبناه على الاتباع، لا على الإحداث والابتداع. ولله في شرعه حكم وأسرار.
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب استلام الركنين اليمانيين.
والمستحب في حق الطائف، استلام وتقبيل الحجر الأسود إن أمكن بلا مشقة، فإن لم يمكن، استلمه فقط بيده، وَقَبَّلَ يَده، وإن لم يمكن استلمه بعَصاً ونحوها، وقبَّل ما استلمه به.
فإن آذى وشقَّ على نفسه أو غيره، أشار إليه ولم يُقَبِّل يده.
والركن اليماني إن تمكن من استلامه استلمه، وإن لم يتمكن لم يُشِرْ إليه لأنه لم يرد، والشرع في العبادات نقل وسماع.
قال شيخ الإسلام: أما الركن اليماني فلا يقبل على الصحيح. وأما سائر جوانب البيت والركنان الشاميان ومقام إبراهيم فلا يقبل ولا يتمسح به
стр. 385
باتفاق المسلمين المتبعين للسنة المتواترة عن النبي ﷺ واتفقوا على أنه لا تقبل الحجرة النبوية ولا يتمسح بها لئلا يضاهي بيت المخلوق بيت الخالق. فإذا كان هذا في قبر النبي ﷺ فقبر غيره أولى لا يقبل ولا يستلم، وأما الطواف بشيء من ذلك فهو من أعظم البدع المحرمة.
٢- عدم مشروعية استلام غير الركنين اليمانيين من أركان الكعبة ولا غيرها من المقدسات، كمقام إبراهيم، وجبل الرحمة في "عرفة" والمشعر الحرام في "مزدلفة" وروضة النبي ﷺ الشريفة، وصخرة بيت المقدس وغيرها.
فإن الشرع يؤخذ عن الشارع بلا زيادة ولا غُلُوّ، ولا نقصان ولا جفاء.
ومن شرع عبادة لم يشرعها الله ورسوله، فقد كذَّب الله سبحانه في قوله ﴿الْيَوْمَ أكْمَلتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ واستدرك على رسالة محمد ﷺ الذي يقول: "تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها".
وإننا لنرى من يُخِلُّ بصلاة الفرض، فيسلم مع الإمام أو قبله ليكون الأول في تقبيل الحجر الأسود. وكل هذا من آثار الجهل وقلة الناصحين والمرشدين.
فلقد انصرفنا إلى حب الدنيا، الذي هو رأس كل خطيئة، وتركنا أوامر الله تعالى وراء ظهورنا. فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 386
بَابُ التمتّع
الأنساك ثلاثة: ١- تمتع ٢- وقران ٣- وإفراد
أما التمتع فهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يفرغ منها، ويحرم بالحج في عامه.
وأما القران: فهو أن يحرم بهما جميعاً، أو يدخل الحج على العمرة، فتتداخل أفعالهما.
وأما الإفراد فهو أن يحرم بالحج مُفْرِداً له عن العمرة.
واختلف العلماء في أفضلها، ويأتي - إن شاء الله - في الأحاديث القادمة.
الحديث الأول
عَنْ أبي جَمْرة نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضَّبْعِيِّ، قال: سَألتُ ابْنَ عَبَّاس عَنِ الْمُتْعَةِ فَأمَرَنِي بِهَا.
وَسَألتُهُ عَنْ الْهَدْيِ، قال: فِيهِ جَزُورٌ أوْ بَقَرَةٌ، أوْ شَاةٌ، أوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ.
قَالَ: وَكَأنَّ أُنَاساً كَرِهُوهَا فَنِمْتُ، فَرَأيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ إنْسَاناً يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ،
وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلةٌ.
فأتَيْتُ ابْنَ عَبَّاس، فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: الله أَكْبَرُ، سُنَّة أَبِي القَاسِمِ ﷺ .
الغريب:
الجزور: هو الذكر أو الأنثى من الإبل.
الشاة: هي الذكر أو الأنثى من الضأن أو المعزى.
شِرْك: أي مشاركة في ذبيحة من البقر أو الإبل.
المعنى الإجمالي:
كان العرب في الجاهلية، يَعُدُّونَ العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور ويقولون: إذا عفا (١) الأثر، وبرئ الدبر (٢) وانسلخ صفر (٣) حلت العمرة لمن اعتمر، حتى جاء الإسلام فأبطل هذه العقيدة بقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ .
وألغاها فعل النبي ﷺ ، إذ اعتمر في أشهر الحج بعمرة مفردة، وجمع بينها وبين حجته، لأنه أحرم قارناً.
ومع هذا فقد بقيت بقية من تلك العقيدة في نفوس بعض المسلمين، من أهل الصدر الأول.
ولهذا سأل أبو حمزة ابن عباس عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فأمره بها، ثم سأله عن الهدي المقرون معها في الآية، فاخبره أنه جزور، وهي أفضله، ثمَّ بقرة، ثم شاة، أو سُبع البدنة أو البقرة مع من اشتركوا فيها للهدي أو الأضحية.
стр. 387
فكأنَّ أحداً عارض أبا حمزة في تمتعه، فرأى هاتفاً يناديه في المنام "حج مبرور، ومتعه متقبلة".
فأتى ابْنَ عباس ليبشره بهذه الرؤيا الجميلة.
ولما كانت الرؤيا الصالحة جزءاً من أجزاء النبوة، فرح ابن عاس بها، واستبشر أن وفقه الله تعالى للصواب، فقال: الله أكبر هي سنة أبى القاسم ﷺ .
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز التمتع والإتيان بالعمرة في أشهر الحج، كما انعقد عليه الإجماع فيما بعد.
٢- أن المراد بالهدي المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ البدنة أو البقرة، أو الشرك فيهما أو الشاة.
٣- الاستئناس بالرؤيا فيما يقوم عليه الدليل الشرعي، تأييداً بها، لأنها عظيمة القدر في الشرع، وجزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة. قال ابن دقيق العيد: هذا الاستئناس والترجيح لا ينافي الأصول.
٤- الفرح بإصابة الحق، والاغتباط به، لأنه علامة التوفيق.
الحديث الثاني
عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّها قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، مَا شَأْنُ النَّاس حَلُّوا
مِنَ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟
فقال: إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وقَلَّدْتُ هَدْيي، فلا أُحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ".
المعنى الإجمالي:
أحرم النبي ﷺ في حجة الوداع بالعمرة والحج، وساق الهدي وَلَبَّدَ رأسه بما يمسكه عن الانتشار، لأن إحرامه سيطول وأحرم بعض أصحابه كإحرامه، وبعضهم أحرم بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج، وأكثرهم لم يسق الهدي، وبعضهم ساقه.
فلما وصلوا إلى مكة، وطافوا، وسعوا، أمر من لم يسق الهدي من المفردين والقارنين، أن يفسخوا حجهم ويجعلوها عمرة، ويتحللوا.
أما هو ﷺ ، ومن ساق الهدي منهم، فبقوا على إحرامهم ولم يحلوا.
فسألته زوجه "حفصة" لم حل الناس ولم تحل؟ قال: لأني لَبَّدْتُ رأسي، وَقلَّدْتُ هَدْيي وسُقْتُهُ، وهذا مانع لي من التحلل حتى يبلغ الهدي محله، وهو يوم انقضاء الحج يوم النحر.
стр. 388
ما يؤخذ من الحديث:
١- كون النبي ﷺ حج قارناً، كما تقدم تحقيقه.
٢- مشروعية سَوْقِ الهدي من الأماكن البعيدة، وأنه سنة النبي ﷺ .
٣- مشروعية تقليد الهدي، وذلك بأن يوضع في رقابها قلائد من الأشياء التي لم يجر عادة بتقليدها بها، والحكمة في ذلك إعلامها لتحترم فلا يتعرض لها.
٤- مشروعية تلبيد الشعر المرسل في الإحرام، كما هو فعل النبي ﷺ ، وذلك بأن يجعل في الشعر ما يمسكه من الانتفاش.
٥- أن سوق الْهَدْي من الحل، يمنع المحرم من التحلل حتى ينحر هديه يوم النحر.
٦- إذا لم يَسُق الْهَدْيَ، فَيُشرع له فسْخَ حجه إلى عمرة، ويحل منها، ثمَّ يحرم بالحج في وقته.
الحديث الثالث (١)
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، قال: أُنْزِلَتْ آيةُ الْمُتْعَةِ في كِتَابِ الله فَفَعَلْنَاهَا مَعَ
رَسُولِ الله ﷺ ، وَلمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ بِحُرْمَتِهَا، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ،
فَقالَ رَجُلٌ بِرأْيِهِ مَا شَاءَ.
قالَ البخاري: يُقَالُ: إنَّه عُمَرُ.
ولمسلم: نَزَلَتْ آيةُ الْمُتعَةِ - يعنِي متعةً الحج - وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ الله ﷺ ،
ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الحَجِّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ. ولهما بمعناه.
المعنى الإجمالي:
ذكر" عمران بن حصين" ﵁ المتعة بالعمرة إلى الحج.
فقال: إنها شرعت بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع أصحابه.
وهذه هي الأصول العظام في الدلالة على الأحكام الشرعية.
فأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي﴾ .
وأما السنة، ففعل النبي ﷺ لها، وإقراره عليها.
وأما الإجماع، فقد فعلها بعضهم، مع علم من لم يفعلها وسكوته.
стр. 389
وبعد هذا لم ينزِل ما ينسخها، وتوفي النبي ﷺ ، وهي باقية لم تنسخ بعد هذا، فكيف يقول رجل برأيه وينهى عنها؟.
يشير بذلك إلى نَهْي عمر بن الخطاب ﵁ عنها في أشهر الحج، اجتهاداً منه ليكثر زوار البيت في جميع العام، لأنهم إذا جاءوا بها مع الحج، لم يعودوا إليه في غير موسم الحج.
وكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، أولى بالاتباع من قول كل أحد، مهما كان.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية التمتع وثبوته في الكتاب والسنة.
٢- أنه قد توفي النبي ﷺ ، وحكمها باقٍ لم ينسخ.
٣- أنه لا يحل الأخذ برأي أحد يخالف ما ورد عن الله تعالى، أو عن رسول الله ﵊.
٤- قوله: "لم ينزل قرآن يحرمها" دليل على ثبوت النسخ في الشريعة وأن القرآن ينسخ بالقرآن.
٥- قوله: ولم ينه عنها دليل على جواز نسخ القرآن بالسنة.
ووجهته أنه لو لم يكن النسخ ممكناً، لما احتاج إلى الاحتراز في رفع حكم التمتع، الثابت بالقران، من نهي النبي ﷺ .
٦- قوله: "قال رجل برأيه ما شاء" فسره البخاري بعمر بن الخطاب. وروي أيضا عن عثمان ومعاوية ﵃.
وقصدهم أن لا يقتصر الناس على زيارة البيت في أشهر الحج فقط، بل ليقصد في جميع العام.
ولكن كتاب الله تعالى وسنة رسوله مقدمان على كل اجتهاد. والله أعلم بأسرار شرعه.
والآن مع إجماع الناس على جواز التمتع وإتيانهم بالعمرة في أشهر الحج، لَم يَخْلُ البيت من الزوار في كل وقت.
نسأل الله تعالى أن يُعْلِيَ كلمته، وينشر دينه، ويقيم شعائره. آمين.
الحديث الرابع
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ الله ﷺ فِي
حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِيْ الحُلَيْفَةَ، وَبَدَأَ رَسُولُ
الله ﷺ ، فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أهَلَّ بِالْحَجِّ.
فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَهَلُّ بالْعُمْرَةِ إلَى الْحجِّ.
стр. 390
فَكَانَ مِنَ النَّاس مَنْ تَمَتَّعَ، فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ.
فَلَمَّا قَدِمَ النَّبيُ ﷺ مَكَّةَ، قَالَ للنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكمْ قَدْ أهْدَى فإنَّهُ
لا يُحِلُّ مِنْ شَيءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أهْدَى فَلْيَطُفْ
بِالْبَيْتِ وبِالصَّفَا والْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيُحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ
هَدْيَاً، فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وسَبَعْةَ إِذا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ".
فَطَافَ رَسُولُ الله ﷺ حِيْنَ قَدِمَ إلى مَكَّة وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ، أَوَّلَ شيءٍ،
ثُمَّ خَبَّ ثَلاثَة أشْوَاطٍ مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَىَ أرْبَعة، وَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بالْبَيْت عِنْدَ
الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأتَى الصَّفَا، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا والمرْوَةِ سَبْعَةَ أشْواطٍ ثُمَّ لَمْ
يُحِلَّ مِن شَيءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى قَضَى حَجَّهُ.
وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كلِّ شَيء حَرُمَ عليه.
وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ ، مَنْ أهْدَى فَسَاق الهَدْيَ مِنَ النَّاس.
المعنى الإجمالي:
لما خرج النبي ﷺ إلى ذي الحليفة "ميقات أهل المدينة" ليحج حجته التي ودع فيها البيت ومناسك الحج، وودع فيها الناس، وبلَّغهم برسالته وأشهدهم على ذلك، أحرم النبي ﷺ بالعمرة والحج، فكان قارناً. والقِرَانُ تمتع.
فتمتع الناس مع رسول الله ﷺ .
فبعضهم أحرم بالنسكين جميعاً.
وبعضهم أحرم بالعمرة، ناوياً الحج بعد فراغه منها.
وبعضهم أفرد الحج فقط. فقد خيًرهم بين الأنساك الثلاثة.
وساق ﷺ وبعض أصحابه الْهَدْيَ معهم من ذي الحليفة، وبعضهم لم يسقه.
فلما دَنَوْا من مكة حضَّ من لم يَسُق الهدي من المفردين والقارنين إلى فسخ الحج وجَعْلهَا عمرة.
فلما طافوا وسعوا، أكد عليهم أن يقصروا من شعورهم، وليتحللوا من عمرتهم ثم