بَابُ التمتّع
الأنساك ثلاثة: ١- تمتع ٢- وقران ٣- وإفراد
أما التمتع فهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، ثم يفرغ منها، ويحرم بالحج في عامه.
وأما القران: فهو أن يحرم بهما جميعاً، أو يدخل الحج على العمرة، فتتداخل أفعالهما.
وأما الإفراد فهو أن يحرم بالحج مُفْرِداً له عن العمرة.
واختلف العلماء في أفضلها، ويأتي - إن شاء الله - في الأحاديث القادمة.
الحديث الأول
عَنْ أبي جَمْرة نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضَّبْعِيِّ، قال: سَألتُ ابْنَ عَبَّاس عَنِ الْمُتْعَةِ فَأمَرَنِي بِهَا.
وَسَألتُهُ عَنْ الْهَدْيِ، قال: فِيهِ جَزُورٌ أوْ بَقَرَةٌ، أوْ شَاةٌ، أوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ.
قَالَ: وَكَأنَّ أُنَاساً كَرِهُوهَا فَنِمْتُ، فَرَأيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ إنْسَاناً يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ،
وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلةٌ.
فأتَيْتُ ابْنَ عَبَّاس، فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: الله أَكْبَرُ، سُنَّة أَبِي القَاسِمِ ﷺ .
الغريب:
الجزور: هو الذكر أو الأنثى من الإبل.
الشاة: هي الذكر أو الأنثى من الضأن أو المعزى.
شِرْك: أي مشاركة في ذبيحة من البقر أو الإبل.
المعنى الإجمالي:
كان العرب في الجاهلية، يَعُدُّونَ العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور ويقولون: إذا عفا (١) الأثر، وبرئ الدبر (٢) وانسلخ صفر (٣) حلت العمرة لمن اعتمر، حتى جاء الإسلام فأبطل هذه العقيدة بقوله تعالى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ .
وألغاها فعل النبي ﷺ ، إذ اعتمر في أشهر الحج بعمرة مفردة، وجمع بينها وبين حجته، لأنه أحرم قارناً.
ومع هذا فقد بقيت بقية من تلك العقيدة في نفوس بعض المسلمين، من أهل الصدر الأول.
ولهذا سأل أبو حمزة ابن عباس عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فأمره بها، ثم سأله عن الهدي المقرون معها في الآية، فاخبره أنه جزور، وهي أفضله، ثمَّ بقرة، ثم شاة، أو سُبع البدنة أو البقرة مع من اشتركوا فيها للهدي أو الأضحية.
стр. 387
فكأنَّ أحداً عارض أبا حمزة في تمتعه، فرأى هاتفاً يناديه في المنام "حج مبرور، ومتعه متقبلة".
فأتى ابْنَ عباس ليبشره بهذه الرؤيا الجميلة.
ولما كانت الرؤيا الصالحة جزءاً من أجزاء النبوة، فرح ابن عاس بها، واستبشر أن وفقه الله تعالى للصواب، فقال: الله أكبر هي سنة أبى القاسم ﷺ .
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز التمتع والإتيان بالعمرة في أشهر الحج، كما انعقد عليه الإجماع فيما بعد.
٢- أن المراد بالهدي المذكور في قوله تعالى: ﴿فَمَا استَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ البدنة أو البقرة، أو الشرك فيهما أو الشاة.
٣- الاستئناس بالرؤيا فيما يقوم عليه الدليل الشرعي، تأييداً بها، لأنها عظيمة القدر في الشرع، وجزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة. قال ابن دقيق العيد: هذا الاستئناس والترجيح لا ينافي الأصول.
٤- الفرح بإصابة الحق، والاغتباط به، لأنه علامة التوفيق.
الحديث الثاني
عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّها قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، مَا شَأْنُ النَّاس حَلُّوا
مِنَ الْعُمْرَةِ وَلَمْ تَحِلَّ أنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟
فقال: إنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وقَلَّدْتُ هَدْيي، فلا أُحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ".
المعنى الإجمالي:
أحرم النبي ﷺ في حجة الوداع بالعمرة والحج، وساق الهدي وَلَبَّدَ رأسه بما يمسكه عن الانتشار، لأن إحرامه سيطول وأحرم بعض أصحابه كإحرامه، وبعضهم أحرم بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج، وأكثرهم لم يسق الهدي، وبعضهم ساقه.
فلما وصلوا إلى مكة، وطافوا، وسعوا، أمر من لم يسق الهدي من المفردين والقارنين، أن يفسخوا حجهم ويجعلوها عمرة، ويتحللوا.
أما هو ﷺ ، ومن ساق الهدي منهم، فبقوا على إحرامهم ولم يحلوا.
فسألته زوجه "حفصة" لم حل الناس ولم تحل؟ قال: لأني لَبَّدْتُ رأسي، وَقلَّدْتُ هَدْيي وسُقْتُهُ، وهذا مانع لي من التحلل حتى يبلغ الهدي محله، وهو يوم انقضاء الحج يوم النحر.
стр. 388
ما يؤخذ من الحديث:
١- كون النبي ﷺ حج قارناً، كما تقدم تحقيقه.
٢- مشروعية سَوْقِ الهدي من الأماكن البعيدة، وأنه سنة النبي ﷺ .
٣- مشروعية تقليد الهدي، وذلك بأن يوضع في رقابها قلائد من الأشياء التي لم يجر عادة بتقليدها بها، والحكمة في ذلك إعلامها لتحترم فلا يتعرض لها.
٤- مشروعية تلبيد الشعر المرسل في الإحرام، كما هو فعل النبي ﷺ ، وذلك بأن يجعل في الشعر ما يمسكه من الانتفاش.
٥- أن سوق الْهَدْي من الحل، يمنع المحرم من التحلل حتى ينحر هديه يوم النحر.
٦- إذا لم يَسُق الْهَدْيَ، فَيُشرع له فسْخَ حجه إلى عمرة، ويحل منها، ثمَّ يحرم بالحج في وقته.
الحديث الثالث (١)
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁، قال: أُنْزِلَتْ آيةُ الْمُتْعَةِ في كِتَابِ الله فَفَعَلْنَاهَا مَعَ
رَسُولِ الله ﷺ ، وَلمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ بِحُرْمَتِهَا، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ،
فَقالَ رَجُلٌ بِرأْيِهِ مَا شَاءَ.
قالَ البخاري: يُقَالُ: إنَّه عُمَرُ.
ولمسلم: نَزَلَتْ آيةُ الْمُتعَةِ - يعنِي متعةً الحج - وَأَمَرَنَا بِهَا رَسُولُ الله ﷺ ،
ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الحَجِّ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا حَتَّى مَاتَ. ولهما بمعناه.
المعنى الإجمالي:
ذكر" عمران بن حصين" ﵁ المتعة بالعمرة إلى الحج.
فقال: إنها شرعت بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وإجماع أصحابه.
وهذه هي الأصول العظام في الدلالة على الأحكام الشرعية.
فأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْي﴾ .
وأما السنة، ففعل النبي ﷺ لها، وإقراره عليها.
وأما الإجماع، فقد فعلها بعضهم، مع علم من لم يفعلها وسكوته.
стр. 389
وبعد هذا لم ينزِل ما ينسخها، وتوفي النبي ﷺ ، وهي باقية لم تنسخ بعد هذا، فكيف يقول رجل برأيه وينهى عنها؟.
يشير بذلك إلى نَهْي عمر بن الخطاب ﵁ عنها في أشهر الحج، اجتهاداً منه ليكثر زوار البيت في جميع العام، لأنهم إذا جاءوا بها مع الحج، لم يعودوا إليه في غير موسم الحج.
وكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، أولى بالاتباع من قول كل أحد، مهما كان.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية التمتع وثبوته في الكتاب والسنة.
٢- أنه قد توفي النبي ﷺ ، وحكمها باقٍ لم ينسخ.
٣- أنه لا يحل الأخذ برأي أحد يخالف ما ورد عن الله تعالى، أو عن رسول الله ﵊.
٤- قوله: "لم ينزل قرآن يحرمها" دليل على ثبوت النسخ في الشريعة وأن القرآن ينسخ بالقرآن.
٥- قوله: ولم ينه عنها دليل على جواز نسخ القرآن بالسنة.
ووجهته أنه لو لم يكن النسخ ممكناً، لما احتاج إلى الاحتراز في رفع حكم التمتع، الثابت بالقران، من نهي النبي ﷺ .
٦- قوله: "قال رجل برأيه ما شاء" فسره البخاري بعمر بن الخطاب. وروي أيضا عن عثمان ومعاوية ﵃.
وقصدهم أن لا يقتصر الناس على زيارة البيت في أشهر الحج فقط، بل ليقصد في جميع العام.
ولكن كتاب الله تعالى وسنة رسوله مقدمان على كل اجتهاد. والله أعلم بأسرار شرعه.
والآن مع إجماع الناس على جواز التمتع وإتيانهم بالعمرة في أشهر الحج، لَم يَخْلُ البيت من الزوار في كل وقت.
نسأل الله تعالى أن يُعْلِيَ كلمته، وينشر دينه، ويقيم شعائره. آمين.
الحديث الرابع
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ الله ﷺ فِي
حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ، وَأَهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِيْ الحُلَيْفَةَ، وَبَدَأَ رَسُولُ
الله ﷺ ، فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أهَلَّ بِالْحَجِّ.
فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَأَهَلُّ بالْعُمْرَةِ إلَى الْحجِّ.
стр. 390
فَكَانَ مِنَ النَّاس مَنْ تَمَتَّعَ، فَسَاقَ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ.
فَلَمَّا قَدِمَ النَّبيُ ﷺ مَكَّةَ، قَالَ للنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكمْ قَدْ أهْدَى فإنَّهُ
لا يُحِلُّ مِنْ شَيءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أهْدَى فَلْيَطُفْ
بِالْبَيْتِ وبِالصَّفَا والْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيُحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ
هَدْيَاً، فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وسَبَعْةَ إِذا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ".
فَطَافَ رَسُولُ الله ﷺ حِيْنَ قَدِمَ إلى مَكَّة وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ، أَوَّلَ شيءٍ،
ثُمَّ خَبَّ ثَلاثَة أشْوَاطٍ مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَىَ أرْبَعة، وَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بالْبَيْت عِنْدَ
الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَأتَى الصَّفَا، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا والمرْوَةِ سَبْعَةَ أشْواطٍ ثُمَّ لَمْ
يُحِلَّ مِن شَيءٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى قَضَى حَجَّهُ.
وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كلِّ شَيء حَرُمَ عليه.
وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ ، مَنْ أهْدَى فَسَاق الهَدْيَ مِنَ النَّاس.
المعنى الإجمالي:
لما خرج النبي ﷺ إلى ذي الحليفة "ميقات أهل المدينة" ليحج حجته التي ودع فيها البيت ومناسك الحج، وودع فيها الناس، وبلَّغهم برسالته وأشهدهم على ذلك، أحرم النبي ﷺ بالعمرة والحج، فكان قارناً. والقِرَانُ تمتع.
فتمتع الناس مع رسول الله ﷺ .
فبعضهم أحرم بالنسكين جميعاً.
وبعضهم أحرم بالعمرة، ناوياً الحج بعد فراغه منها.
وبعضهم أفرد الحج فقط. فقد خيًرهم بين الأنساك الثلاثة.
وساق ﷺ وبعض أصحابه الْهَدْيَ معهم من ذي الحليفة، وبعضهم لم يسقه.
فلما دَنَوْا من مكة حضَّ من لم يَسُق الهدي من المفردين والقارنين إلى فسخ الحج وجَعْلهَا عمرة.
فلما طافوا وسعوا، أكد عليهم أن يقصروا من شعورهم، وليتحللوا من عمرتهم ثم
стр. 391
يحرموا بالحج ويهدوا، لإتيانهم بنسكين بسفر واحد.
فمن لم يجد الهدي، فعليه صيام عشرة أيامٍ، ثلاثة في أيام الحج، يدخل وقتها بإحرامه بالعمرة، وسبعة إذا رجع إلى أهله.
فلما قدم النبي ﷺ مكة، استلم الركن، وطاف سبعة، خب ثلاثة، لكونه الطواف الذي بعد القدوم، ومشى أربعة، ثم صلى ركعتين عند مقام إبراهيم، ثم أتى إلى الصفا، فطاف بينه وبين المروة سبعا، يسعى بين العلمين، ويمشي فيما عداهما، ثم لم يحل من إحرامه حتى قضى حجه، ونحر هَدْيَه يوم النحر.
فلما خلص من حجه ورمى جمرة العقبة، ونحر هديه وحلق رأسه يوم النحر، وهذا هو التحلل الأول، أفاض في ضحوته إلى البيت، فطاف به، ثم حلَّ من كل شيء حرم عليه حتى النساء، وفعل مثله من ساق الهدي من أصحابه.
ما يؤخذ من الحديث:
١- كون النبي ﷺ أحرم متمتعاً، وهو القران، ويأتي تحقيق الخلاف إن شاء الله تعالى.
٢- مشروعية سوق الهدي من الحل، فهو من فعل النبي ﷺ .
٣- جواز الأنساك الثلاثة: ١- التمتع ٢- والقران ٣- والإفراد، إذ أقر النبي ﷺ أصحابه عليها كلها، ويأتي الخلاف في بيان أفضلها.
٤- مشروعية فسخ الحج إلى العمرة لمن لم يَسُقِ الهدي، وتحلله، وبقاء من ساقه على إحرامه حتى ينتهي من حجه يوم النحر، فيحل. وقال شيخ الإسلام: وهكذا يقولون في كل متمتع ضاق عليه الوقت، فلم يتمكن من الطواف قبل الوقوف بعرفة فإنهم يأمرونه بإدخال الحج على العمرة ويصير قارناً.
ويأتي تحقيق الفسخ: هل هو للوجوب أو للاستحباب؟ إن شاء الله تعالى.
٥- أن فسخ الحج لمن لم يسق الهدي، يكون ولو بعد طواف القدوم والسعي، وينقلبان للعمرة.
٦- أن على من لم يجد الهدي، صيام عشرة أيام، ثلاثة في الحج، وسبعة بعد الرجوع إلى أهله.
فأما الثلاثة، فلا تصح قبل الإحرام بالعمرة بالإجماع، واتفقوا على مشروعيتها بعد الإحرام بالحج.
стр. 392
وهل يجزيء قبله أو لا؟ قولان.
ومذهبنا جوازه، لوجود سببه وهو الإحرام بالعمرة لأن موجب الفدية هنا هو الإتيان بالعمرة والحج في سفر واحد.
والصيام بعد الإحرام بالعمرة شبيه بإخراج كفارة اليمين بعد عقده وقبل الْحِنْث.
٧- مشروعية طواف القدوم لغير المتمتع، الذي لم يسق الهدي، وهو سنة، لأنه تحية المسجد الحرام.
٨- استلام الحجر الأسود في أول الطواف، وتقدم مشروعية ذلك، في كل طوافه، إن سهل.
٩- الرمل في الثلاثة، من طواف القدوم، والمشي في الأربعة الباقية.
١٠- مشروعية ركعتي الطواف، عند مقام إبراهيم.
١١- السعي بين الصفا والمروة بعد طواف القدوم سبعاً، وهو أحد أركان الحج على الصحيح. ورجح الموفق ابن قدامة أنه واجب، وليس بركن.
١٢- المولاة بين الطواف والسعي مستحب، وقيل: شرط.
١٣- أن سائق الهدي يتحلل من حجه يوم النحر بعد الرمي، والنحر للتحلل الأول.
١٤- طواف الإفاضة هو الركن الأعظم للحج.
والسنة والأفضل، أن يكون يوم النحر، بعد الرَّمْي وَالنَّحرِ.
١٥- التحلل الكامل بعد طواف الإفاضة من كل شيء حرم عليه بإحرامه.
١٦- أن هذه الأفعال من النبي ﷺ ، تشريع لأمته.
فكل من أحرم كإحرامه، فعليه مثل ما عليه لحديث "خذوا عني مناسككم".
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء (١) : هل حج النبي ﷺ مُفْرِداً، أو قارناً، أو معتمراً؟
فأما من يرى أنه حج مفرداً، فقد تمسك بأدلة.
منها- ما في الصحيحين عن عائشة: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهلَّ رسول الله
стр. 393
بالحج". وتقسيمها صريح في أن إهلاله بالحج وحده ثم ساق "ابن القيم" أحاديث في الصحيحين وغيرهما كلها تدور على أنه حج "مفرداً" وأنه أهل "بالْحج" وأن حجه لم يكن عمرة.
وذهبت طائفة من العلماء: إلى أنه حج [متمتعاً] فحُجتُهم أنهم سمعوا [أن النبي ﷺ تمتع] و [المتمتع] عندهم من أهل بعمرة مفردة في أشهر الحج، ناوياً الإحرام بعد الفراغ منها بالحج.
وما روي عن معاوية [أنه قصَّر عن رسول الله ﷺ بمشقص في العشر (١) ] .
وذهبت طائفة إلى أن النبي ﷺ حج [قارناً] ، وهذا هو الصحيح الذي يسهل رد الأدلة الصحيحة إليه.
وقد ساق له "ابن القيم" من الأدلة ما يزيد على عشرين حديثاً صحيحة صريحة في ذلك، كثير منها في الصحيحين أو أحدهما.
منها: - ما رواه مسلم من حديث ابن عمر "أنه قرن الحج إلى العمرة، وطاف لهما طوافاً واحداً، ثم قال: هكذا فعل رسول الله ﷺ ".
وما أخرجاه في الصحيحين عن حفصة: قلت للنبي ﷺ "ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ قال: إني قلدت هَدْيِي ولبَّدتُ رأسي، فلا أحل حتى أحل من الحج". وهذا يدل على أنه كان في عمرة معها حج.
وقال ﷺ : " لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولحللت معكم". وهذا صريح في أنه استمر في حجه "ولم يتحلل إلا يوم النحر"، وقد قال ﵊: "سقت الهدي وقرنت".
وقد قال الإمام أحمد: لاشك أن النبي ﷺ كان قارناً.
وشيخ الإسلام "ابن تيمية" ﵀ من الذين يرون أنه حج قارناً،: ويوفق بين الروايات التي ظاهرها الاختلاف فيقول:
والصواب أن الأحاديث في هذا الباب متفقة، إلا باختلاف يسير، يقع مثله في غير ذلك.
فإن الصحابة ثبت عنهم "أنه تمتع" والتمتع عندهم، يتناول القران.
والذين روي عنهم "أنه أفرد" رُوِيَ عنهم أنه تمتع، ويريدون به إفراد أعمال الحج، بحيث لم يسافر للنسكين سفرين، ولم يطف لهما طوافين، وَلَم يَسْعَ لهما سعيين.
стр. 394
فيقال تمتع تَمَتُّعَ قران، وأفرد أعمال الحج، وقرن بين النسكين.
وقد فسر التمتع المذكور في الآية، بما يشمل الأمرين، القران، والتمتع المعروف لدى الفقهاء بشرطه.
واختلفوا: أي الأنساك الثلاثة أفضل.
فالمشهور في مذهب الإمام أحمد، أن التمتع أفضل الثلاثة.
وقد نقل عن الإمام أحمد أنه قال: لا شك أن النبي ﷺ كان قارناً والمتعة أحب إِليَّ، وهو آخر الأمرين من رسول الله قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولحللت معكم".
فهو تأسف على فواته، وأكد على أصحابه أن يفسخوا حجهم إليه.
وممن اختار التمتع، ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وعائشة، والحسن، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، وهو أحد قَوْلَي الشافعي.
وذهب الثوري، وأهل الرأي: إلى اختيار القران، لما في الصحيحين عن أنس سمعت رسول الله ﷺ أهلَّ بهما جميعاً "لبيك عمرة وحجاً".
فهو نسك رسول الله ﷺ ، وما كان الله ليختار لنبيه، إلا أفضل الأنساك.
وهناك مسلك وسط، تجتمع فيه الأدلة، وهو أن التمتع أفضل لمن لم يسق الهدي، كالذين أكد عليهم النبي ﷺ أن يفسخوا حجهم إلى عمرة.
والقران أفضل في حق من ساق الهدي، كما فعل النبي ﷺ .
وهذا القول، رواية عن الإمام "أحمد".
قال "ابن القيم" ﵀: وهذه طريقة شيخنا. يعنى "ابن تيمية" ﵀. وقال: هي التي تليق بأصول أحمد.
أما مذهب مالك، وظاهر مذهب الشافعي، فالإفراد.
ودليلهم "أن النبي ﷺ أفرد الحج" متفق عليه.
وتقدم أن معنى الإفراد في هذا الحديث وأمثاله: أن النبي ﷺ قرن، فدخلت أفعال العمرة في الحج، فقيل: مفرد، والحق أنه قارن، كما صحت بذلك الأحاديث.
стр. 395
بَابُ الهَدْي
الهدي: ما أُهدي إلى البيت الحرام من الإبل، والبقر، والغنم وغيرها.
ويراد بتقديمه إلى البيت، التوسعة والإحسان إلى جيرانه وزائريه، من الفقراء، والمساكين. وهو من أفضل القرب عند الله تعالى.
لأن الصدقة، والإنفاق من أفضل العبادات.
لاسيما إذا كان في البلد الحرام، وعلى المنقطعين لعبادة الله تعالى فيه، والمجاورين لبيته.
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْي رَسُولِ الله ﷺ بِيَدِي،
ثُمَّ أشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا - أو قَلَّدْتُهَا – ثمَّ بَعَثَ بِهَا إلَى الْبَيْتِ، وَأقَامَ بِالْمَدِينَةِ.
فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيءٌ كَانَ لَهُ حَلالاً.
الغريب:
القلائد: جمع قلادة، وهي ما يحاط به العنق، وتكون من الخيوط، والحديد.
والمراد هنا، قلائد الهدي، وتوضع على خلاف العادة.
وكانوا يجعلونها من القِرب، والنعال، وخيوط الصوف، ليعلم أنها هَدْيٌ فتحترم.
أشعرتها: الإشعار، معناه، الإعلام، والعبادات شعائر الله لأنها علامات طاعته.
والشعيرة: - هنا- ما يهدى إلى البيت من بهيمة الأنعام، فتُعَلَّمُ، وذلك بإزالة شعر أحد جانِبَيْ سنام البدنة أو البقرة، وكشطه حتى يسيل منه الدم، ليعلم الناس أنها مُهْدَاة إلى البيت فلا يتعرضوا لها.
فتلت: لويت.
المعنى الإجمالي:
كان النبي ﷺ يعظم البيت العتيق ويقدسه.
فكان إذا لم يصل إليه بنفسه، بعث إليه الهدي، تعظيماً له، وتوسعة على جيرانه.
وكان إذا بعث الْهَدْيَ أشعرها وقلَّدها، ليعلم الناس أنها هدي إلى البيت الحرام، فيحترموها، ولا يتعرضوا لها بسوء.
فذكرت عائشة ﵂ – تأكيداً للخبر-: أنها كانت تفتل قلائدها.
وكان إذا بعث بها - وهو مقيم في المدينة - لا يجتنب الأشياء التي يجتنبها المحرم من النساء، والطيب، ولبس المخيط ونحو ذلك، بل يبقى محلاً لنفسه كل شيء كان حلالاً له.
стр. 396
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب بعث الهدي إلى البيت الحرام من البلاد البعيدة ولو لم يصحبها المُهْدِي، لأن الإهداء إلى البيت صدقة على مساكين الحرم، وتعظيم للبيت، وتقرب إلى الله تعالى بإراقة الدماء في طاعته.
٢- استحباب إشعار الهدي وتقليده، بالقرب، والنعال، ولحاء الشجر، مما هو خلاف عادة الناس، ليعرفوه فيحترموه.
٣- أن المُهْدِي لا يكون محرماً ببعث الهدي، لأن الإحرام هو نية النسك.
٤- أن المُهْدِي لا يحرم عليه أيضا ما يحرم على المحرم من محظورات الإحرام. قال ابن المنذر: قال الجمهور: لا يصير بتقليد الهدي محرماً، ولا يجب عليه شيء. وقال بعض العلماء: وإلى ذلك ذهب فقهاء الأمصار.
٥- جواز التوكيل في سوقها إلى الحرم، وذبحها وتفريقها.
٦- أن الشرع يكون حيث المصلحة المحضة، أو المصلحة الراجحة. فإن إشعار الإبل والبقر المهداة، فيه تعذيب لها.
ولكن مصلحة إشعارها، لتعظيمها، وإظهار طاعة الله في إهدائها، راجح على هذه المفسدة اليسيرة.
٧- أن الأفضل بعثها مقلدة، من أمكنتها، لا تقليدها عند الإحرام، لتكون محترمة على من تمر به في طريقها، وليحصل التنافس في أنواع هذه القرب المتعدِّي نفعها.
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: أهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً غنَما ً (١) .
المعنى الإجمالي:
أكثر ما كان يهديه النبي ﷺ إلى البيت، الإبل، لكونها أعظم نفعاً، وأكثر أجراً.
وذكرت عائشة ﵂، أنه ﷺ ، أهدى مرةً غنماً.
والإهداء من بهيمة الأنعام ومن غيرها، جائز، ولكن
стр. 397
الأنعام فيها إظهار شعائر الله تعالى، وإراقة الدماء في مرضاته، فهو عبادتان، صدقة، وسفك دم لوجهه الكريم، بعد أن كان يسفك للأصنام والطواغيت.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز إهداء الغنم إلى البيت الشريف.
٢- أن الأكثر من هديه ﷺ أفضل الهدايا والأموال عند العرب، وهي الإبل.
الحديث الثالث
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أنَّ النَّبِيِّ ﷺ رَأىَ رَجُلاً يَسُوقُ بَدَنَةً،
قال: "ارْكَبْهَا" قال: إنَّهَا بَدَنَةٌ، قال: "ارْكبْهَا" فَرَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيِّ صلى الله
عليه وسلم.
وفي لفظ: "قَالَ فِي الثَّانِيَةِ أوِ الثَّالِثَةِ: "ارْكبْهَا، وَيْلَكَ"، أو "وَيْحَكَ".
الغريب:
بدنة: بفتح الباء والدال، تطلق على الإبل، والبقر، لعظم أبدانها وضخامتها.
والمراد هنا، الناقة المهداة إلى البيت، ليستقيم الجواب.
ويلك: من الويل، وهو الهلاك.
وهي كلمة تستعمل للتغليظ على المخاطب، بدون قصد معناها، وإنما تجرى على ألسنة العرب في الخطاب، لمن وقع في مصيبة فغضب عليه.
ويحك: كلمة يؤتى بها للرحمة، والرثاء لحال المخاطب الواقع في مصيبة.
[ويل] و [ويح] ، مصدران، يقدر فاعلهما دائماً.
المعنى الإجمالي:
ما أهدي إلى البيت لا ينتفع منه بشيء مع عدم الحاجة إليه، لأنه أخرج لوجه الله، فلا يرجع إليه.
فإن كان ثَمَّ حاجة إلى ركوبه، أو حلبه، فلا بأس، مادام ذلك لا يضره.
ولهذا لما رأى ﷺ رجلاً يسوق بدنة، هو في حاجة إلى ركوبها، رخص له في ذلك، وأمره به.
ولكون الهدي معظماً عندهم، لا يتعرض له، قال: إنها بدنة مهداة إلى البيت فقال: اركبها وإن كانت مهداة إلى البيت.
فعاوده الثانية والثالثة، فقال: اركبها، مغلظاً له الخطاب.
стр. 398
ما يؤخذ من الحديث:
١- تعظيم العرب لِلْهَدْيِ، واحترامه في قلوبهم. ثم جاء الإسلام فزاد من احترامه.
٢- جواز ركوبه وحَلْبِه مع الحاجة إلى ذلك، بما لا يضره.
وهذا أعدل المذاهب، وفيه تجتمع الأدلة.
٣- إنما قيدناه (بالحاجة وعدم الضرر) لما روى مسلم عن جابر قال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهراً".
٤- أخذ من هذا الحديث البخاري رحمه الله تعالى، جواز انتفاع الواقف بوقفه.
الحديث الرابع
عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَال: أمَرَنِي النَّبِي ﷺ أَنْ أَقُومَ عَلَى
بُدْنِهِ وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا، وأَجِلَّتِهَا، وأَنْ لا أُعْطِيَ الجَزَّارَ مِنْهَا شَيْئاً، وَقَالَ:
"نَحْنُ نُعطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا".
الغريب:
بُذنه: جمع بدنة وتقدم تعريفها وضبطها و"البدن" بالجمع، فيها لغتان، ١- ضم الباء والدال. ٢- وضم الباء، وسكون الدال.
أجلتها: المفرد "جُلٌّ" بضم الجيم، وجمعه "جِلال" بكسرها و"أجلة" جمع الجمع.
و"الجل"هو ما يطرح على ظهر البعير، من كساء ونحوه.
أن لا يعطي الجزار منها شيئا: أي من لحمها عوضاً عن جزارته والجزارة أطراف البعير، كالرأس واليدين والرجلين ثم نقلت إلى ما يأخذه الجزار من الأجرة لأنه كان يأخذ تلك الأطراف عن أجرته.
المعنى الإجمالي:
قدم النبي ﷺ مكة في حجة الوداع ومعه هديه وقدم على بن أبى طالب ﵁ من اليمن، ومعه هَدْيٌ.
فكان هدي النبي ﷺ مائة بدنة، فنحر بيده الشريفة ثلاثاً وستين بدنة،
стр. 399
وأمر علياً أن يقوم على نحر الباقي، وأن يتصدق بلحمها.
ولكونها قدمت لله تعالى، فلم يحب ﷺ استرجاع شيءٍ منها.
ولذا أمره بالتصدق بلحمها، وجلودها وأجلتها.
وبما أنها صدقة للفقراء والمساكين، فليس لمهديها حق التصرف بها، أو بشيء منها على طريقة المعاوضة.
فقد نهاه أن يعطي جازرها منها، معاوضة له على عمله.
وإنما وعده أن يعطيه أجرته من غير لحمها، وجلودها، وأجلتها.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية الهدي، وأنه من فعل النبي ﷺ .
٢- الأفضل كونه كثيراً، عظيم النفع.
فقد أهدى النبي ﷺ مائة بدنة.
٣- أن يتصدق بها، وبما يتبعها، من جلود وأجلة.
وله أن يأكل من هدي التطوع والتمتع والقران الثلث فأقل.
٤- أن لا يعطي جازرها شيئاً منها، على وجه المعاوضة، بل يتصدق عليه ويهدي إليه منها. قال ابن دقيق العيد: والذي يخشى منه في هذا أن تقع المسامحة في الأجرة لأجل ما يأخذه الجازر من اللحم، فيعود إلى المعاوضة في نفس الأمر. قال البغوي: أما إذا أعطي أجرته كاملة، ثم تصدق عليه - إذا كان فقيراً - فلا بأس.
٥- جواز التوكيل في ذبحها والتصدق بها.
الحديث الخامس
عَنْ زَيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ قَدْ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتهُ يَنْحَرُهَا فقال:
ابْعَثْهَا قِيَاماً مُقَيَّدَةً، سُنَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
المعنى الإجمالي:
السنة في البقر والغنم وغيرهما – ماعدا الإبل - ذبحها من الحلق مضجعة على جانبها الأيسر، ومستقبلة القبلة.
وأما الإبل، فالسنة نحرها في لبتها، قائمة معقولة يدها اليسرى، لأن في هذا راحة لها، بسرعة إزهاق روحها.
ولذا لمَّا مَرَّ عبد الله بن عمر، على رجل يريد نحر بدنة مناخة، قال: ابعثها قياماً،
стр. 400
مقيدة، فهي سنة النبي ﷺ ، الذي نهج أدب القرآن في نحرها بقوله (فَإذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهُا) يعنِي، سقطت، والسقوط لا يكون إلا من قيام.
ما يؤخذ من الحديث:
١- سنة النبي ﷺ نَحْرُ الإبل قائمة مقيدة لأنه من إحسان الذبحة، والرفق بالحيوان. وتشير إلى ذلك الآية الكريمة التي سبق ذكرها. وقد أخرج البخاري عن ابن عباس: "صوافَّ قياماً".
قال سفيان بن عيينة: الصواف – بالتشديد - جمع "صافة" أي مصطفة في قيامها.
٢- كراهة ذبحها باركة، لأن فيه تطويلاً في إزهاق روحها.
٣- عادة الناس الآن نحرها باركة معقولة، فإذا كانوا غير قادرين على نحرها قائمة، ويخشى من عدم التمكن من إحسان ذبحها وتطعينها بما يعذبها ولا يريحها، فالأحسن أن تكون باركة حسب القدرة والمستطاع.
٤- رحمة الله تعالى ورأفته بخلقه، حتى في حال إزهاق أرواحه.
وبمثل هذه الأحكام الرحيمة، والحنان العظيم، يعلم أنه دين عطف وشفقة، لا دين وحشية وعسف
فمن ينبئ الذين رَمَوْه بذلك، وهم يقتلون أبرياء بني آدم في عُقْرِ دارهم، لعلهم يفقهون؟.
стр. 401
بَابُ الغسْل لِلمُحرم
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ حُنَيْنِ: أنَّ عَبْدَ الله بْن عَبَّاسٍ ﵄ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخرَمَةَ
اخْتَلَفا بِالأبْوَاء
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأسَهُ.
قَالَ: فَأرْسَلَنٍي ابْنُ عَبَّاسِ إلَى أَبِي أيّوبَ الأَنْصَارِيِّ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنَيْنِ وَهُوَ
يَسْتَتِرُ بِثَوْبٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هذَا؟.
فَقُلْتُ: أَنَا عَبْد الله بْنُ حُنَيْنُ أرْسَلَنِي إلَيْكَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَسْأَلَكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ الله
ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَه وَهُوَ مُحْرِمٌ؟.
فَوَضَعَ أَبُو أيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثّوْبِ فَطَأطَأهُ حَتَّى بَدَا لِيَ رَأْسُهُ.
ثُمَّ قَالَ لإنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ: أُصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسهِ ثُمَّ حَرَّك رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ، فَأَقبَلَ
بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُم قَالَ: هكَذَا رَأْيْتُه ﷺ يَفْعَلُ.
وفي رواية: فَقَالَ الْمِسْوَر لابْنِ عَبَّاسٍ: لا أُمَارِيكَ بَعْدَهَا أبَدَاً.
القرنان: العمودان اللذان تشد فيهما الخشبة، التي تعلق عليها بكرة البئر.
الغريب:
الأبواء: بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة ممدوداً، موضع بين مكة والمدينة. يقع شرقي قرية مستورة بنحو ثلاثة كيلو مترات. وسيل الأبواء ومستورة واحد. وما تزال الأبواء معروفة بهذا الاسم حتى الآن.
القرنان: بفتح القاف تثنية قرن وهما الخشبتان القائمتان على رأس البر وتمد بينهما خشبة تعلق عليها البكرة أو يجر عليها المستقي الحبل إذا لم يوجد بكرة وتسمى هاتان الخشبتان في نجد الآن "القامة".
طأطأه: أي طامنه يعني الثوب ليرى الرسول رأسه من ورائه.
أماريك: أجادلك.
المعنى الإجمالي:
اختلف عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة ﵃، في جواز غسل المحرم رأسه.
فذهب المسور إلى المنع، خشية سقوط الشعر من أثر الغسل، ولأن في الغسل ترفُّهاً وينبغي للمحرم أن يكون أشعث أغبر.
وذهب ابن عباس إلى الجواز، استصحاباً للأصل، وهو الإباحة، إلا بدليل "وهذا هو الفقه".
فأرسلا عبد الله بن حنين إلى أبي أيوب الأنصاري ﵁ وهم في طريق مكة ليسأله فوجده عبد الله بن حنين – من تسهيل الله وتبيينه الأحكام لخلقه - يغتسل عند فم البئر،
стр. 402
ومستتراً بثوب وهو محرم.
فسلم عليه وأخبره أنه رسول ابن عباس ليسأله: كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم.
فمن حسن تعليم أبي أيوب ﵁، واجتهاده في تقرير العلم، أرخى الثوب وأبرز رأسه، وأمر إنساناً عنده أن يصب الماء على رأسه، فصبه عليه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر.
وقال لعبد الله بن حنين: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يغتسل.
فلما جاء الرسول وأخبرهما بتصويب ما رآه عبد الله بن عباس - وكان رائدهم الحق، وبغيتهم الصواب -، رجعٍ المسور ﵁، واعترف بالفضل لصاحبه، فقال: لا أماريك أبداً.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز غسل المحرم رأسه، ويستوي فيه أن يكون ترفهاً أو تنظفاً أو تبرداً أو عن جنابة.
٢- جواز إمرار اليد على شعر الرأس بالغسل إذا لم ينتف شعراً، ويسقطه.
٣- في الحديث دليل على جواز المناظرة في مسائل الاجتهاد والاختلاف فيها، والرجوع إلى من يظن عنده العلم بها.
٤- قبول خبر الواحد في المسائل الدينية. وأن العمل به سائغ شائع عند الصحابة.
٥- الرجوع إلى النصوص الشرعية عند الاختلاف، وترك الاجتهاد والقياس عندها.
٦- جواز السلام على المتطهر في وضوء أو غسل، ومحادثته عند الحاجة.
٧- استحباب التستر وقت الغسل، فإن خاف من ينظر إليه وجب.
٨- جواز الاستعانة في الطهارة بالغير.
٩- سؤال ابن عباس أبا أيوب، يفيد أن عنده علماً نقلياً عن غسل المحرم، وأن أبا أيوب يعرف ذلك، فقد سأله عن كيفية الغسل، لا عن أصله.
١٠- قال شيخٍ الإسلام: ويستحب الغسل للإحرام، ولو كانت (المحرمة) نفساء أو حائضاً. وإن احتاج (المحرم) إلى التنظيف كتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة، ونحو ذلك، فعل ذلك.
стр. 403
وهذا ليس من خصائص الإحرام، ولكنه مشروع بحسب الحاجة، وهكذا يشرع للجمعة والعيد على هذا الوجه.
قلت: والغسل الذي تجادل فيه ابن عباس والمسور ليس الغسل من أجل الإحرام، وإنما هو الغسل أثناء الإحرام، وهو الذي فعله أبو أيوب.
بَابُ فَسخ الحَج إلى العمْرة
الحديث الأول
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قالَ: أَهَّلَ النَّبِيُّ ﷺ وَأصْحَابُهُ بالحَجِّ وَلَيْس مَعَ
أحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَطَلْحَةَ.
وَقَدِمَ عَلِيٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَال: أهَلَلْتُ بما أهَلَّ بهِ النَّبِيُّ ﷺ فَأَمرَ النَّبِيُّ صلى
الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ أن يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، فَيَطُوفُوا ثمَّ يُقَصِّرُوا وَيُحِلُّوا إلاَّ مَنْ كانَ
مَعَهُ الْهدْيُ.
فَقالُوا: نَنْطَلِقُ إلَى "مِنىً" وَذَكَرُ أحَدِنَا يَقْطُرُ؟
فَبَلَغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فقال: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا استَدْبَرْتُ مَا
أهْدَيْت، وَلَوْلا أَنَّ مَعِي الْهدْيَ لأحَلَلْتُ ". وَحَاضَتْ عَائِشَةُ فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ
أنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ. فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ قالت: يَا رَسُولَ الله تنْطَلِقونَ بِحجَّةٍ
وَعُمْرةٍ وَأنْطَلِقُ بِحَجِّ! فَأمَرَ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنِ أبِى بَكْرٍ بِأن يَخْرُجَ مَعَهَا إلى التَنْعِيمِ،
فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ.
المعنى الإجمالي:
يصف "جابر بن عبد الله" ﵄ حجة النبي ﷺ بأنه وأصحابه أهلُّوا بالحج، ولم يَسُقِ الْهَدْيَ إلا النبي ﷺ وطلحة بن عبيد الله. وكان على بن أبي طالب في اليمن، فقدم، ومن فقهه أحرم وعلَّق إحرامه بإحرام النبي ﷺ .
فلما قدموا مكة، أمرهم النبي ﷺ أن يفسخوا إحرامهم من الحج إلى العمرة، ويكون طوافهم وسعيهم للعمرة، ثم يقصروا ويُحِلُّوا التحلل الكامل. هذا في حق من لم يسق الهدي.
أما من ساقه - ومنهم النبي ﷺ فبقوا - بعد طوافهم وسعيهم - على إحرامهم.
فقال الذين أُمِرُوا بفسخ حجهم إلى عمرة - متعجبين ومستعظمين -: كيف ننطلق إلى "مِنى" مُهِلين بالحج، ونحن حديثو عهد بجماع نسائنا؟.
فبلغ النبيُّ ﷺ مقَالَتَهم واستعظام ذلك في
стр. 404
نفوسهم، فطمأن أنفسهم بما هو الحق وقال:
لو استقبلت من أمري ما استدبرت، ما سُقْتُ الهَدْىَ الذي منعني من التحلل، ولأحللت معكم. فرضيت أنفسهم واطمأنت قلوبهم.
وحاضت عائشة قُرْبَ دخولهم مكة، فصارت قارنة، لاًن حيضها منعها من الطواف بالبيت، وفعلت المناسك كلها غير الطواف والسعي.
فلما طهرت وطافت بالبيت طواف حجها، صار في نفسها شيء، إذ كان أغلب الصحابة – ومنهم أزواج النبي ﷺ قد فعلوا أعمال العمرة وحدها وأعمال الحج. وهي قد دخلت عمرتها في حجها.
فقالت: يا رسول الله، تنطلقون بحج وعمرة وأنطلق بحج؟.
فطيَّب خاطرها، وأمر أخاها عبد الرحمن أن يخرج معها إلى التنعيم، فاعتمرت بعد الحج.
ما يؤخذ من الحديث:
١- كون النبي ﷺ أحرم ومعه الهدي، فهو أفضل وأكمل.
٢- أن ترك سوق الهدي جائز، لأن أكثر الصحابة لم يسقه.
ويأتي تَمَنِّيهِ ﷺ عدم سَوْقِهِ الهدي، وتوجيه ذلك إن شاء الله تعالى.
٣- فقه علي ﵁، فإنه حين لم يعرف أيّ الأنساك أفضل، علَّقه بإحرام النبي ﷺ .
٤- جواز تعليق الإحرام بإحرام الغير.
٥- أن النبي ﷺ أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يفسخوا حجهم إلى عمرة.
فإذا فرغوا من أعمال العمرة حلُّوا، ليحرموا بالحج فيقتضي الأمر فعل ما فعلوه ويأتي الخلاف في ذلك وتحقيقه، إن شاء الله تعالى.
٦- أن من ساق الهدي، منعه ذلك من الإحلال، وبقي على إحرامه، كما صنع النبي ﷺ .
٧- جواز المبالغة في الكلام، لاستيضاح الحقائق، وتبيين الأمور.
٨- تَمنِّي النبي ﷺ ، أنه لم يسق الهدي، وأنه فسخ حجه إلى عمرة منها، وأنه آخر الأمرين من النبي ﷺ .
٩- جواز تمني الأمور الفائتة إذا كانت من مصالح الدين، لأنه رغبة في الخير، وندم عليه. فهو من أنواع التوبة.
١٠- جواز فعل المناسك للحائض، ماعدا الطواف بالبيت، فممنوع. إما لاشتراط الطهارة في الطواف، وإما خشية تلويث المسجد.
١١- أن السعي من شرطه أن يقع بعد طواف نسك. ولذا لم يصح من الحائض السعي،
стр. 405
لا لاشتراط الطهارة فيه، ولكن لأنه لابد أن يقع بعد طواف نسك وهو معدوم في حق الحائض.
١٢- جواز الإتيان بالعمرة من أدنى الحل بعد الحج ولا تسنُّ لأنه لم يقع من الصحابة إلا هذه المرة من عائشة. ولم ينقل عن عائشة أنها فعلتها بعد ذلك.
ولو كانت العمرة المشروعة، لما تركوها وهم في مكة، سهلة عليهم، ميسرة لهم.
١٣- أن الإحرام بالعمرة لابد أن يكون من خارج الحرم، وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور العلماء، ولم يخالف إلا قلة بخلاف الحج، فإنه من مكة لمن هو فيها.
والفرق بين الحج والعمرة، أن العمرة جميع أعمالها في الحرم، فيخرج للحل للجمع فيها بين الحل والحرم.
وأما الحج فبعض أعماله في الحرم، وبعضها في الحل، وهو الوقوف بعرفة.
١٤- قوله: "أهل بالحج" ظاهره أنه مُفرِد.
وتقدم الجمع بين روايات ما يوهم الإفراد أو التمتع، وأن الصحيح أنه قارن.
اختلاف العلماء، في فسخ الحج إلى عمرة:
أجمع العلماء على أن الصحابة الذين مع النبي ﷺ في حجة الوداع، قد فسخوا حجهم إلى عمرة، بأمر النبي ﷺ .
واختلفوا: هل هذا الفسخ لمن بعدهم أيضاً، أم لهم خاصة في تلك الواقعة؟.
فذهب الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وجمهور العلماء إلى أن هذا الفسخ خاص بالصحابة في تلك السنة، ولا يتعدَّاهم إلى غيرهم.
وذهب الإمام أحمد، وأهل الحديث، والظاهرية. ومن الصحابة ابن عباس وأبو موسى الأشعري: ـ إلى الفسخ.
استدل الأولون بما رواه أبو داود عن "أبي ذر" كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة: "لم يكن ذلك إلا للركب، الذين كانوا مع رسول الله ﷺ " ولـ"مسلم" عن "أبي ذر" كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﷺ .
وبما رواه الخمسة عن الحارث بن بلال، عن أبيه بلال بن الحارث قال: قلت يا رسول الله: فسخ الحج لنا خاصة، أم للناس عامة؟ قال: بل لنا خاصة.
стр. 406
فعند الجمهور أن حديث بلال ناسخ لأحاديث الفسخ، فهو للصحابة خاصة في تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية، من تحريم العمرة في أشهر الحج، ويؤيد ذلك الأثر السابق عن أبي ذر ﵁.
واستدل الآخرون على فسخ الحج بأحاديث صحيحة جيدة قربت من حَدِّ التواتر عن بضعة عشر من الصحابة.
منها حديث جابر، وسراقة بن مالك، وأبي سعيد الخدري، وعَلِيًّ، وابن عباس، وأنس، وابن عمر، والربيع بن سبرة، والبراء بن عازب، وأبي موسى، وعائشة، وفاطمة، وحفصة، وأسماء بنت أبي بكر ﵃ أجمعين.
كل هؤلاء رَوَوْا أحاديث كثيرة ـ وبعضها في الصحيحين – تنص على فسخ الحج إلى العمرة.
ولهذا، لما قال سلمة بن شبيب للإمام أحمد: يا أبا عبد الله، كل شيء منك حسن جميل، إلا خصلة واحدة. فقال: وما هي؟.
قال: تقول بفسخ الحج.
فقال الإمام أحمد: كنت أرى أن لك عقلاً، عندي ثمانية عشر حديثاً صحاحاً جياداً، كلها في فسخ الحج، أتركها لقولك؟
وقد أورد المصنف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب، منها حديثين:
١- حديث جابر، الذي نحن نتكلم عليه الآن
٢- وحديث ابن عباس؛ سيأتي، ونورد معهما
حديثين من تلك الأحاديث المتكاثرة.
الأول: ما رواه "مسلم" عن أبي سعيد الخدري ﵁: "خرجنا
مع رسول الله ﷺ ونحن نصرخ بالحج صراخاً.
فلما قدمنا مكة أمرنا أن نجعلها عمرة، إلا من ساق الهدي، فلما كان يوم التروية، وَرُحْنَا إلى "منى" أهللنا بالحج".
والثاني: ما رواه "مسلم" و"ابن ماجه" عن أسماء بنت أبي بكر ﵄، قالت: "خرجنا محرمين، فقال رسول الله: من كان معه هَدْيٌ فَلْيُقِمْ على إحرامه، ومن لم يكن معه هديٌ، فليحلل، فلم يكن معي هدي، فحللت. وكان مع الزبير هدي، فلم يحلل".
وهذه أحاديث عامة للصحابة ولمن بعدهم، إلى الأبد.
فإن الأحكام الشرعية، لا تكون لجيل دون جيل، ولا لطائفة دون أخرى.
فمن ادّعى الخصوصية، فعليه الدليل.
стр. 407
وكيف ولما سأل سراقة بن مالك النبي ﷺ عن هذا الفسخ "هل هي للصحابة خاصة؟ " فقال: "بل للأمة عامَّة؟ ".
وقد وردت هذه الأحاديث في واقعة متأخرة، لم يأت بعدها ما ينسخها. ومن ادَّعى النسخ، فعليه الدليل.
بل ورد ما يبعد دعوى النسخ، حين قيل للنبي ﷺ "عمرتنا هذه: لعامنا هذا أم للأبد؟ " فقال: "لا. بل لأبد الأبد، ودخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة".
أما دعوى الجمهور النسخ، بحديث بلال بن الحارث، فبعيد كل البعد.
لأن الإمام أحمد قال في حديثه: حديث بلال بن الحارث عندي، ليس بثبت، ولا أقول به. وأحد رواة سنده الحارث بن بلال لا يعرف.
وقال أيضاً: أرأيت لو عرف الحارث بن بلال؟ إلا أن أحد عشر رجلاً من أصحاب النبي ﷺ يرون ما يرون من الفسخ: أين يقع الحارث بن بلال منهم؟!
وأما أثر أبي ذر، فهو رَأيٌ له، وقد خالفه غيره فيه، فلا يكون حجة، لاسيما مع معارضته للأحاديث الصحاح.
وممن اختار الفسخ، شيخ الإسلام "ابن تيمية" قدس الله روحه، وتلميذه "ابن القيم".
وقد أطال "ابن القيم" البحث في الموضوع في كتابه [زاد المعاد] وبيَّن حجج الطرفين، ونصر الفسخ نصراً مؤزراً مبيناً، وردَّ غيره، وفنَّد أدلته بطريقته المقنعة، وعارضته القوية.
ثم اختلف القائلون بالفسخ: أهو للوجوب أم للاستحباب؟
فذهب الإمام أحمد: إلى استحباب الفسخ. قال شيخ الإسلام: أهل مكة وبنو هاشم وعلماء الحديث يستحبونها، فاستحبها علماء سنته، وأهل سنته، وأهل بلدته التي بقربها المناسك وهؤلاء أخص الناس به.
ولعل قصر الإمام "أحمد" لأحاديث الأمر بالفسخ مع التغليظ فيه على الاستحباب، حمله على عدم مبادرة الصحابة إلى امتثال أمره ﷺ .
وذهب ابن عباس في المفهوم من كلامه: إلى أنه فرض من لم يَسُقْ هدي التمتع، حيث قال: " من جاء مُهلاًّ بالحج، فإن الطواف باليت يغيره إلى عمرة، شاء أم أبى".
وذهب "ابن حزم" إلى ما ذهب إليه ابن عباس، حيث يقول في كتابه المحلى:
ومن أراد الحج، فإنه إذا جاء إلى الميقات، فإن كان لا هدي معه، ففرض عليه أن يحرم بعمرة
стр. 408
مفردة ولابد، ولا يجوز له غير ذلك.
فإن أحرم بحج أو بقران حج وعمرة، ففرض عليه أن يفسخ إهلاله ذلك، بعمرة يحل إذا أتمها، لا يجزئه غير ذلك.
وذهب ابن القيم إلى هذا الرأي حيث قال في كتابه زاد المعاد بعد أن ساق حديث البراء بن عازب، ونحن نشهد الله علينا، أنا لو أحرمنا بحج لرأينا فرضاً علينا فسخه إلى عمرة، تفادياً من غضب رسول الله ﷺ ، واتباعاً لأمره.
فوالله ما نسخ هذا في حياته ولا بعده، ولا صح حرف واحد يعارضه، ولا خص به أصحابه، دون مَنْ بعده، بل أجرى الله على لسان سراقة أن يسأله: هل ذلك مختص بهم؟ فأجاب: بأن ذلك كائن لأبد الأبد.
فما ندري ما تقدم على هذه الأحاديث وهذا الأمر المؤكد، الذي غضب رسول الله ﷺ على من خالفه.
فهؤلاء، لما رأوا تكاثر الأحاديث في الأمر به، وغضب الرسول ﷺ من أجله، لم يقنعوا إلا بالقول بوجوبه وفريضته.
وحديث البراء المشار إليه هو ما أخرجه ابن ماجه، والإمام أحمد وصححه، عن البراء بن عازب قال: "خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، قال: فأحرمنا بالحج فلما قدمنا مكة قال: اجعلوا حجكم عمرة".
قال: فقال الناس: يا رسول الله قد أحرمنا بالحج، كيف نجعلها عمرة.
قال: "انظروا ما آمركم به فافعلوا" فردوا عليه القول فغضب.
ثم انطلق حتى دخل على عائشة وهو غضبان، فرأت الغضب في وجهه فقالت: "من أغضبك أغضبه الله؟ ".
قال: "ومالي لا أغضب وأنا آمر بالأمر فلا يُتَّبعُ".
فهذا وأمثاله، متمسك من أوجبوا الفسخ.
الحديث الثاني
عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قالَ: قدِمْنَا مَعَ سُولِ الله ﷺ
وَنَحْنُ نَقُولُ " لَبَّيْكَ بالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ ، فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً.
المعنى الإجمالي:
يقول جابر: قدمنا في حجة الوداع مع رسول الله ﷺ مُهلِّين بالحج ومُلبِّينَ به، لأن
стр. 409
بعضهم أفرد الحج، وبعضهم قرن، وكأنه مُفْرِد وسكت عن المتمتعين، وفيهم قسم متمتع.
فأمر النبي ﷺ من لم يسق الهدي منهم أن يفسخ حجه إلى عمرة متمتعاً بها إلى الحج.
وهذا الحديث، أحد أدلة من يرون فسخ الحج إلى عمرة.
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَال: قَدِمَ رَسُول الله ﷺ
وَأصحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، فَأمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً فَقَالُوا:
يَا رَسُولَ الله أيُّ الْحِلِّ؟ قال: "الحِلُّ كُلُّهُ".
المعنى الإجمالي:
يذكر ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ وأصحابه قدموا مكة في حجة الوداع، صبيحة اليوم الرابع من ذي الحجة، وكان بعضهم محرماً بالحج، ومنهم القارن بين الحج والعمرة.
فأمر من لم يَسُقِ الْهَدْيَ من هاتين الطائفتين بأن يحلوا من حجهم، ويجعلوا إحرامهم بالعمرة.
فكبُر عليهم ذلك ورأوا أنه عظيم أن يتحللوا التحلل الكامل، الذي يبيح الجماع، ثم يحرمون بالحج، ولذا سألوه فقالوا: يا رسول الله: أي الحل؟ فقال ﷺ الحل كله، فيباح لكم ما حرم عليكم قبل الإحرام فامتثلوا ﵃
وهذا من أدلة القائلين بالفسخ أيضاً.
الحديث الرابع
عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّيَيْرِ قال: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَنَا جَالِس: كَيْفَ كانَ رَسُولُ الله صلى الله
عليه وسلم يَسِيرُ حِينَ دَفَعَ؟
فقال: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ.
العنق: انبساط السير، و"النص" فوق ذلك.
الغريب:
العنق والنص: " العنق" بفتح العين والنون. و"النص" بفتح النون وتشديد الصاد. وهما ضربان من السير، والنص أسرعهما.
الفجوة: بفتح الفاء، المكان المتسع.
стр. 410
المعنى الإجمالي:
كان أسامة بن زيد رضى الله عنهما رديف النبي ﷺ من عرفة إلى مزدلفة.
فكان أعلم الناس بسير النبي ﷺ فسئل عن صفته فقال:
كان يسير العنق، وهو انبساط السير ويسره في زحمة الناس، لئلا يؤذي به، وليكون بعد انصرافه من هذا الموقف العظيم وإقباله على المشعر الحرام
خاشعاً خاضعاً، عليه السكينة والوقار، راجياً قبول عمله، شاكراً على نعمه التي من أجلها عزَّ الإسلام، وذلَّ الشرك. فإذا وجد فرجة ليس فيها أحد من الناس حرك دابته، فأسرع قليلاً، وخشوعه وخضوعه لا يفارقانه ﷺ في كل حركة وسكون.
ما يؤخذ من الحديث:
١- كون أسامة بن زيد رديف النبي ﷺ ، من دفع عرفة إلى مزدلفة، فهو أعلم الناس بسيره.
٢- كان سيره ﷺ انبساطاً لا تباطُؤَ فيه، ولا خفة ولا سرعة، فيؤذي بهما، ويذهب معهما خشوعه.
٣- إذا وجد فجوة ليس فيها أحد، حرك دابته مع ما هو فيه من الخشوع والخضوع لله تعالى، ومراقبته الله، وتعظيمه لمناسكه ومشاعره.
٤- أن ما عليه الناس اليوم من الطيش، والخفة، والسرعة، والسباق على السيارات مناف للسنة، وهيبة الحج، وسكينته ووقاره.
ويحدث من جراء هذه السرعة ما ينافي الشرع من المبادرة بالخروج من حدود عرفة قبل الغروب، فيحصل التشبه بالمشركين، ويحصل أضرار تلحق الراكبين ومراكبهم، ويحصل من الشجار والنزاع ما ينافي آداب الحج. إلى غير ذلك من المفاسد المترتبة على هذه العجلة، التي في غير موضعها.
стр. 411
باب حكم تقديم الرمي (١)
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله (٢)
بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄: أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه
وسلم وَقَفَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلونَهُ.
فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أشْعُرْ، فحَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ، قالَ: اذْبَحْ ولا حَرَجَ. وَقَالَ الآخَرُ: لَمْ
أشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أنْ أرْمِي، فقال: "اِرْمِ، ولا حَرَجَ".
فَمَا سئلَ- يَوْمَئِذٍ - عَنْ شيءٍ قُدِّمَ وَلا أُخِّرَ إِلاَّ قَالَ: "افْعَلْ وَلا حَرَجَ".
المعنى الإجمالي:
اليوم العاشر من ذي الحجة هو يوم النحر ويوم الحج الأكبر، وهو من أفضل الأيام وأسعدها، لما يقع فيه من الأعمال الجليلة، لاسيما من الحاج الذي يؤدي فيه أربع عبادات جليلات وهن:
١- الرمي ٢- والنحر ٣- والحلق أو التقصير ٤- والطواف بالبيت العتيق.
والمشروع أن يأتي بهن على هذا الترتيب، اقتداءً بالنبي ﷺ وإتيانا بأعمال المناسك على النسق اللائق.
فيبدأ برمي جمرة العقبة، لأن رميها تحية "منى"، ثم ينحر هديه، مبادرةً بإراقة الدماء، لما فيه من الخضوع والطاعة، ولما فيه من نفع الفقراء والمساكين، ومشاركتهم الناس في فرحهم عيدهم.
ثم يحلق، أو يقصر ابتداء بالتحلل من الإحرام، وتأهباً بالزينة والهيئة الحسنهَ للطواف بالبيت.
هذا ما يشرع للحاج، وهذا ما فعله النبي ﷺ وقال بعده: "خذوا عني مناسككم".
ولكن الشارع رحيم عليم.
فإذا قدم أحد بعض هذه اْلأعمال على بعض، جهلاً بالحكم أو نسياناً، فلا يلحقه شيء من إثم أو جزاء.
стр. 412
ولذا فإن النبي ﷺ وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه.
فقال رجل: لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح. قال: اذبح ولا حرج.
وجاء آخر فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي. قال: ارم ولا حرج.
قال الراوي: فما سئل ﷺ عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج" سماحة في هذا الدين ويسراً.
ما يؤخذ من الحديث:
١- وقوف العالم في أيام المناسك لإفتاء الناس وإرشادهم في أمر حجهم.
٢- جواز تقديم كل من الرمي، والنحر، والحلق أو التقصير، والإفاضة بعضها على بعض من الناسي والجاهل.
ويأتي الخلاف في العامد إن شاء الله.
٣- بدء يوم النحر برمي جمرة العقبة. ومن حكمة الرمي طرد الشيطان، فهو شبيه بتقديم الاستعاذة في الصلاة، وهذه مقارنة عنت لي ولم أر أحداً من العلماء قد ذكرها. وربما قالها أحدهم ولم أطلع على ذلك. فإذا كانت صوابا فهي من الله، وإذا كانت خطأ فهي مني.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على مشروعية ترتيب الرمي والنحر والحلق أو التقصير والإفاضة هكذا، كما رتبها النبي ﷺ .
فيبدأ بالرمي، ثم ينحر الهدي، ثم الحلق أو التقصير، ثم الإفاضة إلى البيت.
واختلفوا في جواز تقديم بعضها على بعض بالنسبة للعامد.
فذهب الشافعي والإمام أحمد في المشهور عنه: إلى جواز ذلك مستدلين بما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو قال: يا رسول الله حلقت قبل أن أذبح. قال: "اذبح ولا حرج" وقال آخر: ذبحت قبل أن ارمي. قال: "ارمي ولا حرج".
وهذا أحد طرق الحديث الذي معنا في الباب، وفي بعض طرقه "فما سئل عن شئ قُدِّم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج".
стр. 413
قال الطبري: لم يسقط النبي ﷺ الحرج إلا وقد أجزأ الفعل، إذ لو لم يجزئ، لأمره بالإعادة لأن الجهل والنسيان لا يضعان عن المكلف الحكم الذي يلزمه في الحج.
كما لو ترك الرمي ونحوه، فإنه لم يأثم بتركه ناسياً أو جاهلاً، ولكن تجب عليه الإعادة.
وما ذهب إليه الإمامان، الشافعي، وأحمد، هو مذهب الجمهور من التابعين والسلف، وفقهاء الحديث لما تقدم من الأدلة وغيرها.
وذهب بعض العلماء: إلى أن رفع الإثم يكون بحال النسيان والجهل، لقول السائل في الحديث: "لم أشعر" فيختص الحكم بهذه الحال ويبقى العامد على أصل وجوب اتباع النبي ﷺ في الحج لحديث "خذوا عني مناسككم" هذا هو الخلاف المتقدم في الإثم وعدمه.
أما الإجزاء فقد قال الشيخ "ابن قدامة" في كتابه "المغني": "ولا نعلم خلافاً بينهم في أن مخالفة الترتيب لا تخرج هذه الأفعال عن الإجزاء ولا يمنع وقوعها موقعها" ا. هـ.
واختلفوا في وجوب الدم على من قدم المؤخر من هذه المناسك الأربعة.
فذهب الجمهور من السلف، وفقهاء الحديث، ومنهم الإمامان الشافعي وأحمد، وعطاء، وإسحاق: إلى عدم وجوب الدم من العامد وغيره، بناء على جواز الفعل وسقوط الإثم، ولقوله ﷺ للسائل "لا حرج" فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية معاً، لأن اسم الضيق يشملهما.
ووجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجباً حينئذ لبينه النبي ﷺ لأنه وقت الحاجة، وتأخيره عنها لا يجوز.
وذهب بعض العلماء - ومنهم سعيد بن جبير وقتادة - إلى وجوب الدم على العامد بقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤوسَكُم حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّه﴾ .
ولأن النبي ﷺ رتبها وقال: خذوا عني مناسككم، وهو رواية عن الإمام أحمد.
فقد قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل حلق قبل أن يذبح. فقال: إن كان جاهلاً، فليس عليه دم، فأما مع التعمد، فلا، لأن النبي ﷺ سأله رجل فقال "لم أشعر".
وقال ابن دقيق العيد - بعد أن نقل كلام الإمام أحمد: وهذا القول في سقوط الدم عن الجاهل والناسي، دون العامد قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع أفعال الرسول ﷺ في الحج بقوله: "خذوا عني مناسككم".
стр. 414
وهذه الأحاديث المرخصة في التقديم لما وقع السؤال عنه، إنما قرنت بقول السائل: "لم أشعر" فيخصص الحكم بهذه الحال وتبقى حالة العمد على أصل وجوب اتباع الرسول في أعمال الحج. ا. هـ.
قال الصنعاني: هذا حسن إلا أن إيجاب الدم لم ينهض دليله. وقال أيضاً: اعلم أن إيجاب الدم في هذه الأفعال والتروك في الحج، لم يأت به نص نبوي، وإنما روي عن ابن عباس، ولم يثبت عنه: أن من قدم شيئاً على شئ فعليه دم. وبه قال سعيد بن جبير والحسن والنخعي وأصحاب الرأي. وقال الصنعانى أيضاً: والعجب إطباق المفرعين على إيجاب الدم في محلات كثيرة، والدليل كلام ابن عباس، وعلى أنه لم يثبت عنه.
باب كيف ترمى جمرة العقبة
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الرحْمَنِ بْنِ يَزِيِدَ النَّخَعِي أنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ فَرَآهُ يَرْمِي الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى
بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَجَعَل البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، و"مِنىً" عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: هذَا مَقَامُ الَّذِي
أُنْزلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ ﷺ .
المعنى الإجمالي:
رمي الجمار في يوم النحر وأيام التشريق عبادة جليلة، فيها معنى الخضوع لله تعالى، وامتثال أوامره والاقتداء بإبراهيم الخليل ﵊، واستعادة ذكريات قصته الرائعة مع ابنه في صدق الإيمان وطاعة الرحمن حين عرض له الشيطان محاولاً وسوسته عن طاعة ربه فحصبه في تلك المواقف، بقلب المؤمن وعزيمة الصابر ونفس الراضي بقضاء ربه.
فنحن نرمى الشيطان متمثلاً في تلك المواقف إحياء للذكرى وإرغاماً للشيطان الذي يحاول صدنا عن عبادة ربنا.
وأول ما يبدأ به الحاج يوم النحر هو رمي الجمرة الكبرى لتكون فاتحة أعمال ذلك اليوم الجليلة.
стр. 415
فيقف منها موقف النبي ﷺ حيث الكعبة المشرفة عن يساره ومني عن يمينه واستقبلها ورماها بسبع حصيات يكبر مع كل واحدة كما وقف ابن مسعود ﵁ هكذا وأقسم أن هذا هو مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، ﷺ .
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية رمي جمرة العقبة (١) وحدها يوم النحر.
٢- أن يرميها بسبع حصيات، واحدة بعد أخرى، ولا يجزئ رميها دفعة واحدة، وهو مفهوم من الحديث.
٣- يجوز رميها من أي مكان بإجماع العلماء.
ولكن الأفضل أن يجعل البيت عن يساره و"منى" عن يمينه، ويستقبلها.
٤- أن هذا هو موقف الرسول ﷺ . وقد ذكر ابن مسعود سورة البقرة، لأن فيها كثيراً من أحكام الحج.
٥- جواز إضافة السورة إلى البقرة، خلافاً لمن منع ذلك.
فابن مسعود أعلم الناس بالقرآن.
٦- تسمية هذه المواقف بـ"الجمرات" لا ما يفوه به جهال العامة من تسميتها بـ"الشيطان الكبير" أو" الشيطان الصغير".
فهذا حرام، لأن هذه مشاعر مقدسة محترمة، تعبدنا الله تعالى برميها، والذكر عندها.
وأعظم من ذلك ما يسبونها به من ألفاظ قبيحة منكرة، وما يأتون عندها مما ينافي الخشوع والخضوع والوقار، من رميها بأحجار كبيرة، أو رصاص، أو نعال.
كل هذا حرام مناف للشرع، لما فيه من الغلو والجفاء، ومخالفة الشارع.
стр. 416
باب فضل الحلق وجواز التقصير
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال:
"اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ. قالوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُول الله؟ قال: "الَّلهُمَّ ارْحَم
الْمحَلِّقِينَ. قالوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: الَّلهُمَّ ارْحَمِ المُحلِّقِينَ، قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ
يَا رَسُولَ الله قال: "وَالمُقَصِّرِينَ".
المعنى الإجمالي:
الحلق والتقصير من مناسك الحج والعمرة الجليلة.
والحلق أفضل من التقصير لأنه أبلغ في التعبد، والتذلل لله تعالى، باستئصال شعر الرأس في طاعة الله تعالى.
ولذا فإن النبي ﷺ دعا للمحلقين بالرحمة ثلاثاً (١) .
والحاضرون يذكرونه بالمقصرين فيعرض عنهم، وفي الثالثة أو الرابعة أدخل المقصرين معهم في الدعاء، مما يدل على أن الحلق في حق الرجال هو الأفضل.
هذا ما لم يكن في عمرة التمتع، ويضيق الوقت بحيث لا ينبت الشعر لحلق الحج، فليقصر، فهو في حقه أفضل.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية الحلق أو التقصير. والصحيح أنَّ أحدهما واجب للحج والعمرة.
٢- فضل الحلق على التقصير في حق الرجال، وهو مجمع عليه.
وهذا ما لم يكن في عمرة متمتعاً بها إلى الحج، ويضيق الوقت، بحيث لا ينبت قبل حلق الحج، فحينئذ يكون التقصير أولى.
٣- المراد بالحلق استئصال شعر الرأس بأي شي، والتقصير الأخذ من أطرافه، بقدر أنملة.
٤- المشروع، هو الاكتفاء بالحلق أو التقصير، لا الإتيان بهما جميعاً.
٥- استدل بتفضيل الحلق على التقصير، بأنهما نسكان من مناسك الحج، وليسا لاستباحة المحظور فقط. وإلا لما فضل أحدهما على الآخر.
وهذا هو الأصحّ من قولي العلماء، وهو ما ذهب إِليه الجمهور، وهو مذهب الأئمة الأربعة
стр. 417
٦- الذي يفهم من الحلق في هذا الحديث، هو أخذ جميع شعر الرأس.
وهو الصحيح الذي يدل عليه الكتاب والسنة من قول النبي ﷺ وفعله، وهو مذهب الإمامين، مالك، وأحمد.
باب طواف الإفاضة والوداع
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ فَأفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ فأراد النَّبِيُّ ﷺ مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إنَّهَا حَائِضٌ، فقالَ: " أحَابِسَتُنَا هِي؟ " فقالوا: يَا رَسُولَ الله، إنَّهَا قَدْ أفَاضَتْ يَوْمَ النَحْرِ. قال "اخْرُجُوا".
وفي لفظ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ "عَقْرَى حَلْقَى، أَطافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ قيل: نَعَمْ. قال "فَانْفِرِي".
الغريب:
أفضنا يوم النحر: فاض الماء، سال. وسمي طواف الزيارة بطواف الإفاضة لزحف الناس ودفعهم بكثرة في بطاح مكة، إلى البيت الحرام.
أحابستنا: الاستفهام للإنكار والإشفاق مما يتوقع.
عقري حلقي: بفتح الأول منهما وسكون الثاني، والقصر بغير تنونين. هكذا يرويه الأكثرون بوزن غضبى لأنه جاء على المؤنث. والمعروف في اللغة التنوين مثل سقياً ورعياً هكذا قال سيبويه وأبو عبيد. ومعناه الدعاء علها بالعقر وهو مثل الجرح في جسدها. والدعاء عليها بوجع الحلق أيضاً. وخرج الزمخشري معناه على أنهما صفتان للمرأة المشؤومة أي أنها تعقر قومها وتستأصلهم ويحتمل أن يكونا مصدرين مثل الشكوى. ولم يقصد منهما حقيقة الدعاء وإنما هما لفظان يجريان على لسان العرب، كـ"تربت يداك" و" ثكلتك أمك".
فانفري: بكسر الفاء وضمها، والكسر أفصح، وبه جاء القرآن "انْفِرُوا خفافاً وَثِقَالاً" ومعناه: اخرجي.
стр. 418
المعنى الإجمالي:
ذكرت عائشة ﵂: أنهم حجوا مع النبي ﷺ في حجة الوداع.
فلما قضوا مناسكهم أفاضوا ليطوفوا بالبيت العتيق، ومعهم زوجه صفية ﵂.
فلما كان ليلة النفر، حاضت "صفية" فجاء النبي ﷺ يريد منها ما يريد الرجل من أهله، فأخبرته عائشة أنها حاضت.
فظن ﷺ أنه أدركها الحيض فلم تطف طواف الإفاضة.
لأن هذا الطواف ركن لا يتم الحج بدونه، قال ﷺ :
أحابستنا هي هنا حتى تنتهي حيضتهاْ وتطوف لحجها؟.
فأخبروه أنها قد طافت طواف الإفاضة قبل حيضها.
فقال: فلتنفر، إذ لم يبق عليها إلا طواف الوداع، وهي معذورة في تركه.
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، لا يسقط بحال.
٢- أن على أمير الحج ورئيس الرفقة ونحوهما انتظار من حاضت حتى ينتهي حيضها، وتطوف طواف الحج.
٣- أن طواف الوداع غير واجب على الحائض، وأنها تخرج، وليس عليها فداء، لتركها الطواف.
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أُمِر النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ، إلاَّ أَنَّهُ خففَ عَنِ الْمَرأةِ الْحَائِض.
المعنى الإجمالي:
لهذا البيت الشريف تعظيم وتكريم، فهو رمز لعبادة الله والخضوع والخشوع بين يديه فكان له في الصدور مهابة، وفِى القلوب إجلال وتعلق، ومودة.
ولذا شرع للقادم عليه أن يحييه بالطواف به قبل كل عبادة، لأن الطواف ميزته، ولدى السفر أن يكون آخر عهده به ليتفرغ لتلك الساعة الرهيبة، التي تتقطع فيها القلوب، وتذرف فيها الدموعٍ، عند مفارقة هذا البيت الذي تهفو إليه الأفئدة وتحن للقرب منه القلوب شوقاً إلى رحابه المقدسة، ومشاعره المعظمة، حيث تنزلت وحلَّت البركات، وهبطت الرحمات، وشعَّت الأنوار.
وهذا الطواف الأخير، وتلك الوقفة الحزينة بين الركن والباب في حق كل راحل من مقام هذا البيت، سواء كان حاجَّا أو غيره. إلا المرأة الحائض، فلكونها تلوث المسجد بدخولها سقط عنها الطواف بلا فداء.
стр. 419
ما يؤخذ من الحديث:
١- وجوب طواف الوداع في حق كل مسافر من مكة، سواء كان حاجَّاً أم غيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وطواف الوداع ليس من تمام الحج، ولكن كل من خرج مِن مكة عليه أن يودع، ولهذا من أقام بمكة لا يودع على الصحيح، فوجوبه ليكون آخر عهد الخارج بالبيت.
٢- أن الحائض ليس عليها طواف للوداع، ولا دم بتركه.
٣- أن طواف الوداع يكون آخر شئون المسافر، لأن هذا معنى الوداع، ومثل شراء بعض الأشياء في طريقه إلى السفر، أو انتظار الرفقة، أو نحو ذلك من التأخر اليسير، لا يضر.
اختلاف العلماء:
ذهب مالك إلى استحباب طواف الوداع دون وجوبه على كل أحد لسقوطه عن الحائض. ولو كان واجباً لما سقط بحال.
وذهب الجمهور- ومنهم الأئمة الثلاثة - إلى وجوبه على غير الحائض. لظاهر الأمر به. قال ابن المنذر: قال عامة فقهاء الأمصار: ليس على الحائض التي أفاضت طواف وداع.
стр. 420
باب وجوب المبيت بمنى (١)
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ قال: اسْتأذَنَ العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب رَسُولَ الله
ﷺ أنْ يَبِيْتَ بِمكَةَ لَيَالِي "مِنَىً" مِنْ أَجْلِ سِقَايَتهِ، فًأذِنَ لَهُ.
الغريب:
سقايته: المراد بها سقاية الحجيج؛ فخدمة الحجاج، والبيت مقسمة بين قريش.
فكان لعبد مناف، السقاية.
فكانوا قبل حفر زمزم يأتون بالماء بالقرب ونحوها، فلما حفرها عبد المطلب،
أخذ يسقي الحاج منها، فوصلت بالوراثة إلى ابنه العباس، فأقَّره النبي ﷺ عليها.
المعنى الإجمالي:
المبيت بـ"منى" ليالي التشريق، أحد واجبات الحج التي فعلها النبي ﷺ .
فإن الإقامة بـ"منى" تلك الليالي والأيام، من المرابطة على طاعة الله تعالى، في تلك الفجاج المباركة.
ولما كانت سقاية الحجيج من القُرَبِ المفضلة، لأنها خدمة لحجاج ببيته وأضيافه؟ رخص لعمه العباس ـ لكونه قائماً عليها – بترك المبيت بـ"منى" ليقوم بِسَقْي الحجاج، مما دلَّ على أن غيره، ممن لا يعمل مثل عمله، ليس له هذه الرخصة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- وجوب المبيت بـ"منى" ليالي أيام التشريق.
٢- المراد بالمبيت، الإقامة بـ"منى" أكثر الليل.
٣- الرخصة في ترك المبيت لسقاة الحاج، وألحقوا بهم الرعاة.
وبعضهم ألحق أيضاً أصحاب الحاجات الضرورية، كمن له مال يخاف ضياعه، أو مريض ليس عنده من يمرضه.
٤- ما كان عليه أهل مكة في جاهليتهم من إكرام الحجاج والقيام بخدمتهم
وتسهيل
стр. 421
أمورهم. ويعتبرون هذا من المفاخر الجليلة فجاء الإسلام فزاد من
إكرامهم فعسى أن نحتذي هذه الآداب ونقدم لضيوف الرحمن ما يكون في الدنيا
ذكراً حسناً، وللآخرة ذخراً طيباً.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء: هل المبيت واجب، أو مستحب؟.
فذهب الجمهور – ومنهم الأئمة، مالك، والشافعي، وأحمد - إلى الوجوب.
ووجهه أن تخصيص النبي ﷺ العباس بترك المبيت للسقاية، دليل على عدم الرخصة لغيره، ممن لا يعمل مثل عمله.
والدليل الثاني: أن النبي ﷺ بات فيها وقال: " خذوا عني مناسككم".
وذهب أبو حنيفة، والحسن: إلى أنه مستحب.
واختلفوا في وجوب الدم في تركه وهو مبنيٌّ على الخلاف السابق.
فمن أوجبه، أوجب الدم بتركه، ومن استحبه، لم يوجبه.
باب جمع المغرب والعشاء في مزدلفة
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: قال: جَمَع النبي ﷺ بَيْنَ
الْمَغرِب وَالْعِشَاءِ، بـ"جَمْعٍ" لِكُلٌ وَاحِدَةٍ مِنهُمَا إقَامَة، وَلَمْ يُسَبِّحْ بينهُمَا وَلا عَلَى
أثر وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (١) .
الغريب:
"جمع" بفتح الجيم، وسكون الميم. هي "مزدلفة" سميت جمعاً لاجتماع الناس فيها ليلة يوم النحر.
و"الازدلاف" التقرب، فسميت "مزدلفة" أيضاً، لأن الحاج يتزلفون فيها من "عرفة" إلى "منى" وتسمى "المشعر الحرام" لأنها في داخل حدود الحرم لتقابل تسمية عرفة بالمشعر الحلال، لأنها خارج الحرم.
لم يسبح بينهما: يراد بالتسبيح – هنا - صلاة النافلة، كما جاء في بعض الأحاديث
стр. 422
تسمية صلاة الضحى بـ" سبحة الضحى" لاشتمال الصلاة على التسبيح من تسمية الكل باسم البعض.
المعنى الإجمالي:
لما غربت الشمس منٍ يوم عرفة، والنبي ﷺ واقف يشاهد فيها انصرف منها إلى "مزدلفة"، ولم يُصَلِّ المغرب.
فلما وصل إلى "مزدلفة" إذا بوقت العشاء قد دخل، فصلَّى بها المغرب والعشاء، جمع تأخير، بإقامة لكل صلاة، ولم يُصَلِّ نافلة بينهما، تحقيقاً لمعنى الجمع ولا بعدهما، ليأخذ حظه من الراحة، استعداداً لأذكار تلك الليلة، ومناسك غدٍ، من الوقوف عند المشعر الحرام، والدفع إلى "منى" وأعمال ذلك اليوم.
فإن أداء تلك المناسك في وقتها، أفضل من نوافل العبادات التي ستدرك في غير هذا الوقت.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية جمع التأخير بين المغرب والعشاء في "مزدلفة" في ليلتها.
٢- الحكمة في هذا - والله أعلم - التخفيف والتيسير على الحاج، فهم في مشقة من التنقل، والقيام بمناسكهم.
٣- فيؤخذ منه يسر الشريعة وسهولتها، رحمةً من الشارع، الذي علم قدرة الناس وطاقتهم وما يلائمها.
٤- أن يقام لكل صلاة من المغرب والعشاء، إقامة واحدة.
٥- لم يذكر في هذا الحديث، الأذان لهما، وقد صح من حديث جابر ﵁ أنه ﷺ "جمع بينهما بأذان وإقامتين" ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
٦- أنه لا يشرع التنفل بين المجموعتين ولا بعدهما، فهو من باب التيسير والتخفيف، والاستعداد للمناسك بنشاط، لأن هذه المناسك، ليس لها وقت تشرع فيه إلا هذا، فينبغي التفرغ لها، والاعتناء بها قبل فواتها.
٧- قال شيخ الإسلام: والسنة أن يبيت بمزدلفة إلى أن يطلع الفجر فيصلي بها الفجر في أول الوقت ثم يقف بالمشعر الحرام إلى أن يسفر جداً قبل طلوع الشمس، فإن كان في الضعفة كالنساء والصبيان فإنه يتعجل في مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر، ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر.
стр. 423
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء في سبب الجمع بين المغرب والعشاء في "مزدلفة".
فبعضهم يرى أنه لعذر السفر، وهم الشافعية والحنابلة.
وعلى هذا، فلا يباح لمن لا يباح له الجمع، كأهل مكة.
والحنفية والمالكية، يرون أنه لعذر النسك. وهؤلاء يستحبونه لكل أحدٍ سواء كان مسافراً لنسكه أم لا.
والأولى، اتباع السنة، وهو الجمع لكل حاج، سواء أكان لهذا أم لغيره.
على أنه تقدم لنا أن الصحيح أن السفر لا يقدر بمدة ولا مسافة، وإنما هو كل سفر حُمِلَ له الزاد والمزاد فهو سفر.
ولا شك أن الحاج – سواء أكان آفاقيَّاً، أم مكياً - متحمل في حجه ما يتحمله المسافر من المتاعب والمشاق.
واختلفوا في الأذان والإقامة لهاتين الصلاتين.
فذهب بعضهم- ومنهم سفيان - إلى أنهما تصليان جميعاً، بإقامة واحدة.
وذهب بعضهم - ومنهم مالك - إلى أنهما تصليان بأذانين وإقامتين.
وذهب بعضهم- ومنهم إسحاق- إلى أنهما تصليان بإقامتين فقط.
والصحيح ما ذهب إليه الإمامان الشافعي وأحمد وغيرهما، من أنهما تصليان بأذان واحد وإقامتين.
وحجتهم في ذلك ما ذكره جابر بن عبد الله ﵄ في حديثه الطويل، الذي وصف به حجة النبي ﷺ من أولها إلى آخرها لأنه حرص على معرفة أحواله، وتتبع أقواله وأفعاله، فحفظ من هذه الحجة ما لم يحفظ غيره.
أما سبب اختلاف العلماء في الأذان والإقامة، فهو تعدد الروايات.
فقد صح عن ابن عباس "أن النبي ﷺ صلى صلاتين بالمزدلفة بإقامة واحدة".
وروي عن ابن عمر ثلاث روايات، إحداهن: - أنه جمع بينهما فقط، وهي حديث الباب الذي معنا.
والثانية: - أنه جمع بينهما بإقامة واحدة لهما.
والثالثة: - أنه صلاهما بلا أذان ولا إقامة.
وكلها روايات صحيحة الإسناد، وبعضها في الصحيحين، وبعضها في السنن.
بما أن القضية واحدة فلا يمكن حمل كل رواية على حال، ولا يمكن النسخ ولا الجمع بين الروايات.
فالأحسن الأخذ بما تقدم من رواية جابر الذي نقل حجته ﷺ بلا اضطراب.
وتُعَدُّ باقي الروايات مضطربة المتون، فتطرح. وهذا رأي "ابن القيم" رحمه الله تعالى.
стр. 424
باب المحرم يأكل من صيد الحلال
الحديث الأول
عَنْ أبي قَتَادَةَ الأنْصَارِي ﵁: أنَ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ
حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ - فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ - وَقَالَ: خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْر
حَتَّى نَلْتَقِي. فَأخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انصَرَفُوا أحْرَمُوا كُلُّهُم إلاَّ أبَا قَتَادَةَ لمْ يُحْرِمْ.
فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إذْ رَأوْاِ حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ أبو قتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا أتَاناً،
فنَزَلْنَا وَأكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أنَأكُلُ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُون؟!.
فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لحْمِهَا، فَأدْرَكَنَا رَسُولُ الله ﷺ فَسَألنَاهُ عَنْ ذلِكَ.
فَقَالَ: "مِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أوْ أشَاَرَ إلَيْهَا؟ ".
قَالُوا: لا. قال رَسُولُ الله ﷺ : "فكُلوا مَا بَقِيَ مِنْ لحْمِهَا".
وفي رواية " هَلْ مَعَكُم منْهُ شَيءٌ؟ " فقلتُ: نَعَمْ. فَنَاوَلتُهُ الْعَضُدَ، فَأكَلَ مِنْهَا، أو
"فَأكَلَهَا".
الغريب:
خرج حاجاً: من المعتمد أن ذلك في "عمرة الحديبية" فأطلق على العمرة الجج، وهو جائز.
فإن الحج – لغة القصد، والمعتمر قاصد البيت.
حُمر وحش: نوع من الصيد على صفة الحمار الأهلي، ومفردها حمار.
ونسبت إلى الوحش، لتوحشها، وعدم استئناسها.
أتاناً: هي الأنثى من الحمر.
المعنى الإجمالي:
خرج النبي ﷺ عام الحديبية، يريد العمرة.
وقبل أن يصل إلى محرم المدينة، القريب منها، وهو "ذو الحليفة" بلغه أنَّ عَدُوُّاً أتى من قِبَل ساحل البحر يريده، فأمر طائفة من أصحابه - فيهم أبو قتادة - أن يأخذوا ذات اليمين، على طريق الساحل، ليصدوه، فساروا نحوه.
فلما انصرفوا لمقابلة النبي ﷺ في ميعاده، أحرموا إلا أبا قتادة فلم يحرم (١) .
стр. 425
وفي أثناء سيرهم، أبصروا حمر وحش، وتمنوا بأنفسهم لو أبصرها أبو قتادة لأنه حلال.
فلما رآها حمل عليهاْ فعقر منها أتاناً، فأكلوا من لحمها.
ثم وقع عندهم شك في جواز أكلهم منها وهم محرمون، فحملوا ما بقي من لحمها حتى لحقوا بالنبي ﷺ .
فسألوه عن ذلك فاستفسر منهم: هل أمره أحد منهم، أو أعانه بدلالة، أو إشارة؟ قالوا: لم يحصل شيء من ذلك.
فَطَمْأَن قلوبهم بأنها حلال، إذ أمرهم بأكل ما بقي منها، وأكل هو ﷺ منها.
الحديث الثاني
عَن الصَّعْبِ بْنٍ جَثامَةَ الَّلَيْثِيِّ ﵁ أنَّهُ أَهْدَى إلى النَّبِيِّ ﷺ
حِمَاراً وَحْشِيَّاً وَهُوَ بِالأبْوَاءِ - أوْبـ "ودَّان " – فَرَدَّهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَأى مَا في وَجْهِهِ قَالَ:
"إنَا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلا أَنَّا حُرُم".