← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9878

تيسير العلام شرح عمدة الأحكام

عبد الله البسام

Полный текст (741 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

أمورهم. ويعتبرون هذا من المفاخر الجليلة فجاء الإسلام فزاد من إكرامهم فعسى أن نحتذي هذه الآداب ونقدم لضيوف الرحمن ما يكون في الدنيا ذكراً حسناً، وللآخرة ذخراً طيباً. اختلاف العلماء: اختلف العلماء: هل المبيت واجب، أو مستحب؟. فذهب الجمهور – ومنهم الأئمة، مالك، والشافعي، وأحمد - إلى الوجوب. ووجهه أن تخصيص النبي ﷺ العباس بترك المبيت للسقاية، دليل على عدم الرخصة لغيره، ممن لا يعمل مثل عمله. والدليل الثاني: أن النبي ﷺ بات فيها وقال: " خذوا عني مناسككم". وذهب أبو حنيفة، والحسن: إلى أنه مستحب. واختلفوا في وجوب الدم في تركه وهو مبنيٌّ على الخلاف السابق. فمن أوجبه، أوجب الدم بتركه، ومن استحبه، لم يوجبه. باب جمع المغرب والعشاء في مزدلفة الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: قال: جَمَع النبي ﷺ بَيْنَ الْمَغرِب وَالْعِشَاءِ، بـ"جَمْعٍ" لِكُلٌ وَاحِدَةٍ مِنهُمَا إقَامَة، وَلَمْ يُسَبِّحْ بينهُمَا وَلا عَلَى أثر وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (١) . الغريب: "جمع" بفتح الجيم، وسكون الميم. هي "مزدلفة" سميت جمعاً لاجتماع الناس فيها ليلة يوم النحر. و"الازدلاف" التقرب، فسميت "مزدلفة" أيضاً، لأن الحاج يتزلفون فيها من "عرفة" إلى "منى" وتسمى "المشعر الحرام" لأنها في داخل حدود الحرم لتقابل تسمية عرفة بالمشعر الحلال، لأنها خارج الحرم. لم يسبح بينهما: يراد بالتسبيح – هنا - صلاة النافلة، كما جاء في بعض الأحاديث

стр. 422

تسمية صلاة الضحى بـ" سبحة الضحى" لاشتمال الصلاة على التسبيح من تسمية الكل باسم البعض. المعنى الإجمالي: لما غربت الشمس منٍ يوم عرفة، والنبي ﷺ واقف يشاهد فيها انصرف منها إلى "مزدلفة"، ولم يُصَلِّ المغرب. فلما وصل إلى "مزدلفة" إذا بوقت العشاء قد دخل، فصلَّى بها المغرب والعشاء، جمع تأخير، بإقامة لكل صلاة، ولم يُصَلِّ نافلة بينهما، تحقيقاً لمعنى الجمع ولا بعدهما، ليأخذ حظه من الراحة، استعداداً لأذكار تلك الليلة، ومناسك غدٍ، من الوقوف عند المشعر الحرام، والدفع إلى "منى" وأعمال ذلك اليوم. فإن أداء تلك المناسك في وقتها، أفضل من نوافل العبادات التي ستدرك في غير هذا الوقت. ما يؤخذ من الحديث: ١- مشروعية جمع التأخير بين المغرب والعشاء في "مزدلفة" في ليلتها. ٢- الحكمة في هذا - والله أعلم - التخفيف والتيسير على الحاج، فهم في مشقة من التنقل، والقيام بمناسكهم. ٣- فيؤخذ منه يسر الشريعة وسهولتها، رحمةً من الشارع، الذي علم قدرة الناس وطاقتهم وما يلائمها. ٤- أن يقام لكل صلاة من المغرب والعشاء، إقامة واحدة. ٥- لم يذكر في هذا الحديث، الأذان لهما، وقد صح من حديث جابر ﵁ أنه ﷺ "جمع بينهما بأذان وإقامتين" ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. ٦- أنه لا يشرع التنفل بين المجموعتين ولا بعدهما، فهو من باب التيسير والتخفيف، والاستعداد للمناسك بنشاط، لأن هذه المناسك، ليس لها وقت تشرع فيه إلا هذا، فينبغي التفرغ لها، والاعتناء بها قبل فواتها. ٧- قال شيخ الإسلام: والسنة أن يبيت بمزدلفة إلى أن يطلع الفجر فيصلي بها الفجر في أول الوقت ثم يقف بالمشعر الحرام إلى أن يسفر جداً قبل طلوع الشمس، فإن كان في الضعفة كالنساء والصبيان فإنه يتعجل في مزدلفة إلى منى إذا غاب القمر، ولا ينبغي لأهل القوة أن يخرجوا من مزدلفة حتى يطلع الفجر.

стр. 423

اختلاف العلماء: اختلف العلماء في سبب الجمع بين المغرب والعشاء في "مزدلفة". فبعضهم يرى أنه لعذر السفر، وهم الشافعية والحنابلة. وعلى هذا، فلا يباح لمن لا يباح له الجمع، كأهل مكة. والحنفية والمالكية، يرون أنه لعذر النسك. وهؤلاء يستحبونه لكل أحدٍ سواء كان مسافراً لنسكه أم لا. والأولى، اتباع السنة، وهو الجمع لكل حاج، سواء أكان لهذا أم لغيره. على أنه تقدم لنا أن الصحيح أن السفر لا يقدر بمدة ولا مسافة، وإنما هو كل سفر حُمِلَ له الزاد والمزاد فهو سفر. ولا شك أن الحاج – سواء أكان آفاقيَّاً، أم مكياً - متحمل في حجه ما يتحمله المسافر من المتاعب والمشاق. واختلفوا في الأذان والإقامة لهاتين الصلاتين. فذهب بعضهم- ومنهم سفيان - إلى أنهما تصليان جميعاً، بإقامة واحدة. وذهب بعضهم - ومنهم مالك - إلى أنهما تصليان بأذانين وإقامتين. وذهب بعضهم- ومنهم إسحاق- إلى أنهما تصليان بإقامتين فقط. والصحيح ما ذهب إليه الإمامان الشافعي وأحمد وغيرهما، من أنهما تصليان بأذان واحد وإقامتين. وحجتهم في ذلك ما ذكره جابر بن عبد الله ﵄ في حديثه الطويل، الذي وصف به حجة النبي ﷺ من أولها إلى آخرها لأنه حرص على معرفة أحواله، وتتبع أقواله وأفعاله، فحفظ من هذه الحجة ما لم يحفظ غيره. أما سبب اختلاف العلماء في الأذان والإقامة، فهو تعدد الروايات. فقد صح عن ابن عباس "أن النبي ﷺ صلى صلاتين بالمزدلفة بإقامة واحدة". وروي عن ابن عمر ثلاث روايات، إحداهن: - أنه جمع بينهما فقط، وهي حديث الباب الذي معنا. والثانية: - أنه جمع بينهما بإقامة واحدة لهما. والثالثة: - أنه صلاهما بلا أذان ولا إقامة. وكلها روايات صحيحة الإسناد، وبعضها في الصحيحين، وبعضها في السنن. بما أن القضية واحدة فلا يمكن حمل كل رواية على حال، ولا يمكن النسخ ولا الجمع بين الروايات. فالأحسن الأخذ بما تقدم من رواية جابر الذي نقل حجته ﷺ بلا اضطراب. وتُعَدُّ باقي الروايات مضطربة المتون، فتطرح. وهذا رأي "ابن القيم" رحمه الله تعالى.

стр. 424

باب المحرم يأكل من صيد الحلال الحديث الأول عَنْ أبي قَتَادَةَ الأنْصَارِي ﵁: أنَ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ حَاجًّا فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ - فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ - وَقَالَ: خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْر حَتَّى نَلْتَقِي. فَأخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ، فَلَمَّا انصَرَفُوا أحْرَمُوا كُلُّهُم إلاَّ أبَا قَتَادَةَ لمْ يُحْرِمْ. فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إذْ رَأوْاِ حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ أبو قتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ فَعَقَرَ مِنْهَا أتَاناً، فنَزَلْنَا وَأكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أنَأكُلُ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُون؟!. فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لحْمِهَا، فَأدْرَكَنَا رَسُولُ الله ﷺ فَسَألنَاهُ عَنْ ذلِكَ. فَقَالَ: "مِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أوْ أشَاَرَ إلَيْهَا؟ ". قَالُوا: لا. قال رَسُولُ الله ﷺ : "فكُلوا مَا بَقِيَ مِنْ لحْمِهَا". وفي رواية " هَلْ مَعَكُم منْهُ شَيءٌ؟ " فقلتُ: نَعَمْ. فَنَاوَلتُهُ الْعَضُدَ، فَأكَلَ مِنْهَا، أو "فَأكَلَهَا". الغريب: خرج حاجاً: من المعتمد أن ذلك في "عمرة الحديبية" فأطلق على العمرة الجج، وهو جائز. فإن الحج – لغة القصد، والمعتمر قاصد البيت. حُمر وحش: نوع من الصيد على صفة الحمار الأهلي، ومفردها حمار. ونسبت إلى الوحش، لتوحشها، وعدم استئناسها. أتاناً: هي الأنثى من الحمر. المعنى الإجمالي: خرج النبي ﷺ عام الحديبية، يريد العمرة. وقبل أن يصل إلى محرم المدينة، القريب منها، وهو "ذو الحليفة" بلغه أنَّ عَدُوُّاً أتى من قِبَل ساحل البحر يريده، فأمر طائفة من أصحابه - فيهم أبو قتادة - أن يأخذوا ذات اليمين، على طريق الساحل، ليصدوه، فساروا نحوه. فلما انصرفوا لمقابلة النبي ﷺ في ميعاده، أحرموا إلا أبا قتادة فلم يحرم (١) .

стр. 425

وفي أثناء سيرهم، أبصروا حمر وحش، وتمنوا بأنفسهم لو أبصرها أبو قتادة لأنه حلال. فلما رآها حمل عليهاْ فعقر منها أتاناً، فأكلوا من لحمها. ثم وقع عندهم شك في جواز أكلهم منها وهم محرمون، فحملوا ما بقي من لحمها حتى لحقوا بالنبي ﷺ . فسألوه عن ذلك فاستفسر منهم: هل أمره أحد منهم، أو أعانه بدلالة، أو إشارة؟ قالوا: لم يحصل شيء من ذلك. فَطَمْأَن قلوبهم بأنها حلال، إذ أمرهم بأكل ما بقي منها، وأكل هو ﷺ منها. الحديث الثاني عَن الصَّعْبِ بْنٍ جَثامَةَ الَّلَيْثِيِّ ﵁ أنَّهُ أَهْدَى إلى النَّبِيِّ ﷺ حِمَاراً وَحْشِيَّاً وَهُوَ بِالأبْوَاءِ - أوْبـ "ودَّان " – فَرَدَّهُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَأى مَا في وَجْهِهِ قَالَ: "إنَا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلا أَنَّا حُرُم".

стр. 426

وفي لفظ لـ"مسلم": رِجلَ حِمَار. وفي لفظ "شِقَ حِمَار" وفي لفظ: "عَجُزَ حِمَارٍ". قال المصنف: وجه هذا الحديث: أنه ظنّ أنه صِيدَ لأجله، والمحرم لا يأكل ما صِيدَ لأجله. الغريب: الصعب: بفتح الصاد المهملة، وسكون العين المهملة. جثامة: بفتح الجيم والميم، وتشديد الثاء المثلثة. الأبواء، ودان: تقدم ضبط الأبواء، وأنه المكان المعروف بـ"مستورة (١) ". وأما "ودان" فموضع قريب منه، وهو بفتح الواو، وتثقيل الدال المهملة، بعدها ألف ونون. لم نرده: استعمل بفتح الدال، ويجوز ضمها. إنا حرم: بكسر الهمزة وفتحها. فالكسر، على أنها ابتدائية لاستئناف الكلام. والفتح، على حذف لام التعليل. والأصل: "إنا لم نرده عليك إلا لأننا حرم". "وحرم" بضم الحاء، والراء المهملتين، أي محرمون. المعنى الإجمالي: لما خرج النبي ﷺ في حجة الوداع، وبلغ إما الأبواء أو ودان، وأحدهما قريب من الثاني، أهدى إليه "الصعب بن جثامة" حماراً وحشياً. وكان من عادته الكريمة، وتواضعه المعروف، قبول الهدية، مهما قلَّتْ، ومن أيِّ أحد. وقد رده عليه لأنه ظن أنه صاده لأجله، وهو أولى من تورَّع عن المشتبه، وما صاده الحلال للمحرم، فإنه لا يحل له. وأخبره بسبب ردِّه عليه، وهو أنهم محرمون، والمحرمون لا يأكلون مما صيد لهم، لئلا يقع في نفسه شيء من ردِّ هديته. ما يؤخذ من الحديث: ١- قبوله ﷺ الهدية، جبراً لقلوب أصحابها. ٢- رد الهدية إذا وُجد مانع من قبولها، وإخبار المُهْدِي بسبب الرد لتطمئن نفسه، وتزول وساوسه. ٣- تحريم صيد الحلال على المحرم، إذا كان قد صيد من أجله.

стр. 427

اختلاف العلماء: اختلف العلماء في أكل الصيد المصيد للمحرم. فمذهب أبي حنيفة، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، جواز أكل المحرم لما صاده الحلال من الصيد، سواء أصاده لأجله أم لا. وهو مرويٌّ عن جملة من الصحابة، منم عمر بن الخطاب، والزير، وأبو هريرة. وحجة هؤلاء، حديث أبي قتادة المذكور في هذا الباب. فإن النبي ﷺ أكل منه، وأقر رفقة أبي قتادة على أكلهم قبل أن يأتوا إليه، وأمرهم بالأكل منه أيضاً. وذهب طائفة إلى تحريم لحم الصيد على المحرم مطلقاً، سواء صيد لأجله أم لم يصد لأجله.. ومن هؤلاء، على بن أبي طالب، وابن عباس، وابن عمر، ومَرْوِيٌّ عن طاوس، وسفيان الثوري. وحجة هؤلاء عموم قوله تعالى ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَادُمْتُمْ حُرُمَاً﴾ . وحديث "الصعب بن جثامة" الذي معنا، فإن النبي ﷺ رده وعلَّل الرد بمجرد الإحرام. وذهب جمهور العلماء - ومنهم الأئمة، مالك، والشافعي، وأحمد،. وإسحاق وأبو ثور- إلى التوسط بين القولين. فما صاده الحلال لأجل المحرم، حرم على المحرم، وما لم يصده لأجله، حل له. وقد صح هذا التفصيل، عن عثمان بن عفان. وأراد بهذا التفصيل، الجمع بين حديث أبي قتادة، وحديث الصعب بن جثامة، لأن كليهما صحيح، لا يمكن رده. ومما يؤيد هذا الرأي، ما روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : "صيد البر لكم حلال، وأنتم حرم، مالم تصيدوه أو يُصَدْ لكم". وبهذا تجتمع الأدلة، وإعمالها أحسن من إهمال بعضها مع صحتها. وهو جمع مستقيم، ليس فيه تكلُّف أو تعسُّف.

стр. 428

قد يستبعد أن يصيد أبو قتادة الحمار الوحشي لأجله وحده، دون رفقته، وهو إشكال في موضعه. والذي يزيل هذا الإشكال هو أن نفهم أن الصيد عند العرب هواية محببة لديهم، وظرف يتعشقه ملوكهم وكبارهم. فلا يبعد أن أبا قتادة، لما رأى حمر الوحش، شاقه طرادها قبل أن يفكر في أنه سيصيدها ليأكل لحمها هو وأصحابه. أدب الزيارة المسافر إلى المدينة المنورة لقصد العبادة يشرع له أن يقصد بسفره إليها زيارة المسجد النبوي الشريف، وعبادة الله تعالى فيه لأنه المسجد الثاني في الفضل ومضاعفة العبادة، والدليل على ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن الزبير ﵁ إذ قال: قال رسول الله ﷺ : " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" رواه الإمام أحمد وصححه ابن حبان. هذا هو القصد المسنون شرعاً، وليس زيارة قبره الشريف، لأنه نص في الحديث الذي رواه البخاري على أن الزيارة للمسجد، وذلك في قوله: " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام. ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" وقد روى مسلم هذا الحديث أيضاً. وليس النهي عن شد الرحل إلى قبره الشريف استخفافاً بحقه ﷺ ، فإن محبته مقدمة على محبة كل شئ بعد الله. ولكنه امتثال لأمره، وقد قال الله تعالى في حقه: ﴿ما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ . فإذا وصل الزائر إلى المسجد النبوي الشريف استحب له عند الدخول أن يقدم رجله اليمنى، ويقول: " بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، ثم يصلي ركعتين، والأفضل أن يكونا في الروضة الشريفة لقوله ﷺ : "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" ويزور بعد الصلاة قبر الرسول ﷺ وقبري صاحبيه أبي بكر وعمر ﵄، فيقف تجاه القبر مما يلي وجهة الكريم بأدب وخفض صوت ثم يسلم على النبي ﷺ فيقول: " السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته". وذلك لما جاء في سنن أبي داو د عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من

стр. 429

أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇" ولا بأس أن يزيد في السلام بقوله: "السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خير خلق الله، السلام عليك يا سيد المرسلين وإمام المتقين، أشهد أنك بلغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وجاهدت في الله حق جهاده، فجزاك الله عن أمتك خير الجزاء " ثم يصلي على النبي ﷺ فيقول: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد". ثم يمضي الزائر إلى يمينه، قليلاً فيسلم على أبي بكر الصديق ﵁. ثم إلى يمينه أيضاً، فيسلم على عمر بن الخطاب رضى الله عنه. ثم يتوجه إلى القبلة ويدعو الله بما أحب، ولكن الأفضل أن يدعو بالأدعية الشرعية المأثورة، وأن يقدم من الدعاء ما فيه نصر دين الله وإعلاء كلمته، ويدعو لنفسه ولوالديه، ولمشايخه وأقاربه والمسلمين عامة. ويدعوا الله أن يشفع به محمداً ﷺ وبوالديه وذريته وأقاربه ومن له حق عليه من المسلمين. وإذا أراد العودة من المدينة المنورة فعل وقال مثلما تقدم. وتستحب زيارة البقيع والدعاء فيه للموتى بالدعاء المأثور، وهو خاص بالرجال. وكذلك تستحب زيارة مسجد قباء، فقد كان النبي ﷺ يزوره، ويحسن الذهاب إلى أحد لمشاهدة مكان المعركة والدعاء للشهداء والترضي عنهم، ومنهم حمزة بن عبد المطب ﵁. أشياء يجب على الزائر اجتنابها بما أن الزائر قد جاء إلى المدينة المنورة لغاية دينية ـ وهي العبادة – فعليه أن يلتزم باتباع ما شرعه الله ورسوله، وذلك باجتناب ما نهيا عنه. ومن ذلك: - ١- الابتعاد عن التفوه بمطالب توجه إلى الرسول ﷺ ، والله وحده هو القادر عليها، كتفريج الكربات وإبراء المرضى وزيادة الرزق وغير ذلك. أما الشفاعة فتكون بدعاء الله أن يشفع به نبيه المصطفى ﷺ . فإن طلب مالا يقدر عليه إلا الله من غيره لشرك وضلال. ٢- الاتجاه وقت الدعاء إلى القبلة لا إلى القبر الشريف، فإن ذلك أقرب للإجابة.

стр. 430

٣- عدم الطواف والتمسح بالقبر الشريف، فقد أجمع العلماء الأئمة وسلف الأمة على أن الطواف بغير الكعبة لا يجوز بحال. وأنه لا يتمسح إلا بالركن اليماني والحجر الأسود من الكعبة المشرفة. ٤-عدم الإكثار من التردد على القبر الشريف للسلام والزيارةَ، فإن الإكثار غير مشروع، لأنه لم يكن من عادة الصحابة ﵃ ولا من مذهب السلف الصالح. ويكفي المسلم أن يصلي ويسلم على الرسول في أي مكان كان، لأن الصلاة والسلام يبلغانه ولو كان فاعل ذلك في أقصى المعمورة. ٥- ألا يقف الزائر عند القبر أو بعيدا عنه وقد اتخذ هيئة الوقوف في الصلاة جاعلاً يديه على صدره، مسبلاً عينيه، ومرخياً حاجبيه، والرسول ﵊ أهل للاحترام ولكن بغير هذه الوقفة التي هي من خصائص الوقوف بين يدي الله تعالى. ٦- يكره عنده رفع الصوت بالسلام والترحم والدعاء، فقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾ .

стр. 431

كِتَابُ البيوع البيوع: جمع للبيع. والبيع مصدر، والمصادر لا تجمع. لكن جمع لملاحظة اختلاف أنواعه. وتعريفه: لغة- أخذ شيء وإعطاء شيء، فقد أخذوه من البائع الذي يُمَدُّ، إما لقصد الصفقة، أو للتقابض على المعقود عليها من الثمن والمثمن. ولفظ " البيع"، يطلق على الشراء أيضاً، فهو من الأضداد وكذلك (الشراء) فهو من الأضداد. لكن إذا أطلق البائع، فالمتبادر إلى الذهن أنه باذل السلعة. أما تعريفه شرعا: فهو: مبادلة مال بمال، لقصد التملك، بما يدل عليه من صِيَغ القول والفعل. وجوازه ثابت بأصول الأدلة الأربعة: ١- الكتاب ﴿وأحَلَّ الله البَيْعَ﴾ . ٢- والسنة " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " ونصوص الكتاب والسنة فيه كثيرة. ٣- وأجمع المسلمون على جوازه ٤- ويقتضيه القياس، لأن الحاجة داعية إليه، فلا يحصل الإنسان على ما يحتاجه إذا كان بيده غيره، إلا بطريقه. أما الصيغة التي ينعقد بها فالصواب في ذلك ما قاله شيخ الإسلام " ابن تيمية " من أنه ينعقد بكل قول أو فعل، عده الناس بيعا، سواء أكان متعاقباً أم متراخياً لأن الله تعالى لم يُرد أن يتعبدنا بألفاظ معينة، وإنما القصد الدلالة على معناه، وبأي لفظ دل عليه، حصل المقصود. والناس يختلفون في مخاطبتهم واصطلاحاتهم، تبعا لاختلاف الزمان والمكان. فكل زمان ومكان، له لغته واصطلاحاته، والمراد من ذلك المعنى. وينفعنا في هذه (الأبواب منٍ المعاملات) أن نفهم قاعدة جليلة، تحد لنا المعاملات المباحة، وأن نفهم أيضا ضوابط تحيط بجميع المعاملات المحرمة، وترد إليها جميع جزئياتها، وهذه القاعدة

стр. 432

هي: أن الأصل في المعاملات، وأنواع التجارات والمكاسب، الحل والإباحة. فلا يمنع منها إلا ما حرمه الله ورسوله. فهذا أصل عظيم، يستند إليه في المعاملات والعادات. فمن حرم شيئاً من ذلك، فهو مطالب بالدليل، لأنه على خلاف الأصل. وبهذا يعلم سماحة الشريعة وسعتها، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وتطورها حسب مقتضيات البشر، ومصالح الناس. وهي قاعدة مطردة، مبناها العدل والقسط، ومراعاة مصالح الطرفين. ولا تخرج المعاملة عن هذا الأصل العظيم، من الإباحة إلى التحريم، إلا لما يقترن بها من محذور، يرجع إلى ظلم أحد الطرفين، كالربا، والغرر، والجهالة، والخداع، والتغرير. فهذه معاملات- عند تأملها- نجدها تعود إلى ظلم أحد العاقدين. والمعاملات المحرمة ترجع إلى هذه الضوابط وما حرمت إلا لمفاسدها وظلمها. فإن الشارع الحكيم الرحيم، جاء بكل ما فيه صلاح، وحذر عن كل ما فيه فساد. الحاصل: أن المعاملات المحرمة ترجع إلى ضوابط، أعظمها الثلاثة الآتية: - الأول: الربا بأنواعه الثلاثة، ربا الفضل، وربا النسيئة، وربا القرض. الثاني: الجهالة والغرر، ويدخل فيها جزئيات كثيرة، وصوره متعددة. الثالث: الخداع والتغرير، ويشمل أنواعاً متعددة. هذا مجملها وسيأتي- إن شاء الله تعالى- تفصيلها في الأحاديث الآتية. الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ رَضىَ عنهما عَنْ رسول الله ﷺ أنَّه قَالَ: " إذَا تَبَايَعَ الرجُلانِ فَكُلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفرقَا وَكَانا جَمِيعاً، أو يُخَيَر أحَدُهُمَا الآخر قال: فَإِن خَيّرَ أحَدُهُمَا الآخر فَتَبَايَعَا عَلَى ذلِكَ وَجَبَ البيع ". الحديث الثاني وفي معناه من حديث حَكِيم بن حزام قال: قالَ رسُولُ الله ﷺ : " البيعَانِ بِالخِيَارِ مَا لمْ يَتَفَرَّقَا- أو قال: حَتًى يَتَفرَقَا- فَإنْ صدَقا وبَينا، بُورِكَ لَهُمَا في بَيعِهِمَا- وَإن كَتَمَا وَكَذبَا مُحِقتْ بَرَكة بَيْعِهمَا".

стр. 433

الغريب: بالخيار: بكسر الخاء، اسم مصدر " اختار " من الاختيار أي طلب خير الأمرين من الإمضاء أو الرد. البيعان: بتشديد الياء، يعنى البائع والمشتري أطلق عليهما من باب التغليب. وقد تقدم أن كل واحد من اللفظين يطلق على معنى الآخر. محقت: مبنى للمجهول، معناه: ذهبت وزالت زيادة كسبهما وربحهما أو يخير أحدهما الآخر: أي يقول له: اختر إمضاء البيع. المعنى الإجمالي: لما كان البيع قد يقع بلا تفكر ولا ترو، فيحصل للبائع أو المشترى ندم على فوات بعض مقاصده، جعل له الشارع الحكيم أمداً يتمكن فيه، من فسخ العقد. وهذا الأمد هي مدة مجلس العقد. فما دام العاقدان في مجلس العقد، فلكل منهما الخيار في إمضاء العقد أوفسخه فإذا افترقا بأبدانهما، افتراقا يتعارف الناس عليه، أو عقد البيع على أن لا خيار بينهما، فقد تم العقد، ولا يجوز لواحد منهما الفسخ، إلا بطريق الإقالة. ثم ذكر النبي ﷺ شيئا من أسباب البركة والنماء، وشيئاً من أسباب الخسارة والهلاك. فأسباب البركة والربح والنماء، هي الصدق في المعاملة، وتبين ما في المعقود عليه من عيب أو نقص أو غير ذلك. وأما اً سباب المحق والخسارة، فهي كَتم العيوب، والكذب في المعاملة، والتدليس. وهى أسباب حقيقية لبركة الدنيا بالزيادة والشهرة بحسن المعاملة، وفي الآخرة بالأجر والثواب، وحقيقة لمحق كسب الحياة، من سيئ المعاملة والابتعاد عنه، حتى يفقد ثقة الناس وإقبالهم، وخسارة في الآخرة، لغشه الناس. و " من غشنا، فليس منا " ما يؤخذ من الحديث: ١- إثبات خيار المجلس لكل من البائع والمشترى، من إمضاء البيع أو فسخه. ٢- أن مدته من حين العقد إلى أن يتفرقا من مجلس العقد. ٣- أن البيع يلزم بالتفرق بأبدانهما من مجلس العقد. ٤- أن البائع والمشترى لو اتفقا على إسقاطه بعد العقد وقبل التفرق، أو تبايعا على أن لا خيار لهما، لزم العقد، لأن الحق لهما، وكيفما اتفقا جاز.

стр. 434

٥- الفرق بين حق الله تعالى ومحض حق الآدمي. فما كان لله، لا يكفى لجوازه رضا الآدمي، كعقود الربا. وما كان للآدمي، جاز برضاه المعتبر، لأن الحق لا يعدوه. ٦- لم يحد الشارع للتفرق حداً، فمرجعه إلى العرف. فما عده الناس مفرقا، لزم البيع به. فالخروج من البيت الصغير، أو الصعود إلى أعلاه، والتنحي في الصحراء ونحو ذلك، يعد تفرقاً منها لمدة الخيار، وملزماً للعقد. ٧- حرم العلماء التفرق، خشية الفسخ، لما روى أهل السنن من أن النبي ﷺ قال و" ولا يحل له أن يفارقه صاحبه، خشية أن يستقيله "، ولأنه تحايل لإسقاط حق الغير. ٨- أن الصدق في المعاملة وبيان ما في السلعة سبب للبركة في الدنيا والآخرة. كما أن الغش والكذب والكتمان، سبب محق البركة وزوالها. وهذا شيء محسوس في الدنيا، فإن الذين تنجح تَجارتهم، وتروج سلعهم هم أهل الصدق والمعاملة الحسنة. ما خسرت تجارة وفلست، إلا بسبب الخيانة. وما عند الله لأولئك وهؤلاء أعظم. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في ثبوت خيار المجلس: فذهب جمهور العلماء، من الصحابة والتابعين والأئمة إلى ثبوته. ومن هؤلاء، على بن أبي طالب، وابن عباس، وأبو هريرة، وأبو برزة، وطاوس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن البصري، والشعبي، والزهري، والأوزاعى، والليث، وسفيان بن عيينة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، والبخاري، وسائر المحققين المجتهدين. ودليلهم هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، كحديثي الباب وغيرهما. قال ابن عبد البر وحديث عبد الله بن عمر أثبت ما نقل الآحاد. وذهب أبو حنيفة، ومالك وأكثر أصحابهما إلى عدم ثبوت خيار المجلس. واعتذروا عن العمل بهذه الأحاديث بأعذار ضعيفة، أجاب عنها الجمهور بما أوهاها. ومن تلك الاعتذارات. أولاً: أن الحديث على خلاف عمل أهل المدينة، وعملهم حجة. وردّ بأن كثيراً من أهل المدينة، يرون الخيار، ومنهم الصحابة المتقدم ذكرهم، وسعيد بن

стр. 435

المسيب. قال ابن عبد البر ولا تصح دعوى إجماع أهل المدينة في هذه المسألة، لأن سعيد بن المسيب وابن شهاب- وهما من أجل فقهاء المدينة- روى عنهما منصوصاً العمل به، وقد كان ابن أبى ذئب- وهو من فقهاء المدينة ... معاصر لمالك- ينكر عليه ترك العمل به، فكيف يصح لأحد أن يدعى إجماع أهل المدينة في هذه المسألة؟ هذا لا يصح القول به. أهـ. وعلى فرض أنهم مجمعون، فليس إجماعهم بحجة، لأن الحجة إجماع الأمة، التي ثبتت لها العصمة. قال ابن دقيق العيد: فالحق الذي لا شك فيه أن عمل أهل المدينة وإجماعهم لا يكون حجة فيما طريقه الاجتهاد والنظر لأن الدليل العاصم للأمة من الخطأ في الاجتهاد لا يتناول بعضهم ولا مستند للعصمة سواه. ا. هـ. ثانياْ: أن المراد بـ " المتبايعان " في الحديث، المتساومان. والمراد، بالخيار، قبول المشترى أو رده. وردَ بأن تسمية السائم بائعا مجاز، والأصل الحقيقة. وأيضاً لا يمكن تطبيق الحديث الذي ذكر فيه التفرق، على حال السائمين. قال ابن عبد البر: إذا حمل على المتساومين لا يكون حينئذ في الكلام فائدة إذ من المعلوم أن كل واحد من المتساومين بالخيار على صاحبه ما لم يقع إيجاب بالبيع والعقد والتراضي، فكيف يرد الخبر بما لا يفيد فائدة! وهذا ما لا يظنه ذو لب على رسول اللَه ﷺ . ثالثا: أن المراد بالتفرق، تفرق الأقوال بين البائع والمشترى عند الإيجاب والقبول. ورد بأنه خلاف الظاهر من الحديث، بل خلاف نص بعض الأحاديث وهو " أيمَا رَجل ابتاعَ مِنْ رَجل بيعة، فإنَ كل وَاحدٍ مِنْهُمَا بَالخِيَار، حتى يَتَفَرقا مِنْ مَكانِهِما ". وأيضاً الإيجاب والقبول، لم يحصل بهما افتراق، وإنما حصل بهما إجماع والتئام. وهذه نماذج من محاولتهم رد الحديث، سقت منها هذه الثلاثة ليعلم القاري أنهم لم يستندوا على شيء. وهم المالكيون والحنفيون. كما قال ابن عبد البر. وقد بالغ العلماء بالرد عليهم. حتى نقل عن بعضهم الخشونة على مالك، لرده الحديث الصحيح، وهو من رواته. وقد روى هذا الحديث من وجوه كثيرة عن جماعة من الصحابة، وإن خالف الحكم في هذين الحديثين بعض ظواهر النصوص من تمام البيع بالعقد بدون ذكر التفرق فإن الشرع قد يخرج بعض الجزئيات عن الكليات تعبدا أو لمصلحة تخصها.

стр. 436

بَابُ مَا نهى الله عنه من البيوع الحديث الأول عَنْ أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أن رَسُولَ الله ﷺ نهى عَن الْمُنَابَذَةِ وَهِي طَرْحُ الرجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إلَى الرَّجُلِ قبْلَ أنْ يُقَلبَهُ أو يَنْظُرَ إلَيهِ وَنَهى عَنِ الْمُلامَسَةِ وَالْمُلامَسَةِ: لمس الرَّجُلِ الثَّوْبَ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ ". المعنى الإجمالي: نهى النبي ﷺ عن بيع الغَرَر، لما يحصل فيه من مضرة لأحد المتعاقدين، بأن يغبن في بيعه أو شرائه. وذلك كأن يكون المبيع مجهولا للبائع، أو للمشترى، أو لهما جميعاً. ومنه بيع المنابذة، بحيث يطرح البائع الثوب مثلاً، على المشترى، " يعقدان البيع قبل النظر إليه أو تقليبه. ومثله بيع الملامسة، كأن يجعلا العقد على لمس الثوب، مثلا، قبل النظر إليه أو تقليبه. وهذان العقدان يفضيان إلى الجهل والغرر في المعقود عليه. فأحد العاقدين تحت الخطر إما غانما أو غارماً، فيدخلان في (باب الميسر) المنهي عنه. ما يستفاد من الحديث: ١- النهى عن بيع الملامسة: فسرت بتفاسير، الصحيح منها، ما ذكر في هذا الحديث وأشباهه من التفاسير التي تعود إلى جهالة المبيع والغرر فيه. ومن ذلك تفسير الشافعي أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة، فيلمسه المستام فيقول صاحبه: بعتكه بكذا، بشرط أن يقوم لَمسُكَ مقام نظرك. ٢- النهي عن بيع المنابذة وفسرت أيضاً بتفاسير، الصحيح منها ما ذكر في هذا الحديث وأشباهه، مما يعود إلى الجهالة في المبيع. ومنه بيع الحصاة كأن يقول: اً ي ثوب وقعت عليه الحصاة، فعليك بكذا. ٣- أما جعل اللمس أو النبذ بيعاً، أو يجعل البيع معلقاً باللمس أو النبذ مع معرفة المبيع في هذه الصور، فالصحيح أن البيع صحيح، لأنه لا يترتب عليه محذور شرعي، كالبيع بالمعاطاة. ٤- اًن هذين البيعين غير صحيحين، لأن النهى يقتضي الفساد. ٥- المراد بالنهى، المبيعات المختلفة: بصفاتها أو قيمتها.

стр. 437

أما ما كان متفقاً، متساوى القيم، فيصح، لأنه لا تحصل بشرائه على هذه الطرق، الجهالة المحذورة ٦- استدل بذلك على عدم صحة شراء المجهول وعدم صحة شراء الأعمى فيما طريق العلم به النظر، لأن ذلك يفض إلى الغرر. ٧- وأما البيع الغائب فإنه يصح بيعه إذا كان الوصف يحيط به وإذا وصف وصفاً تنتفي معه جهالته كوصف بيع السلم، فإذا لم يجده المشتري على الصفة المشروطة، فإن كان موصوفاً معينا بطل العقد. وإن كان موصوفا في الذمة فالعقد صحيح ويلزم البائع إحضار ما تتم به الصفات المشروطة في العقد. ٨- قال النووي: اعلم أن الملامسة والمنابذة ونحوهما، مما نص عليه، هي داخلة في النهى عن بيع الغرر، ولكن أفردت بالذكر، لكونها من بيعات الجاهلية المشهورة. قال: والنهى عن بيع الغرر أصل عظيم من أصول البيوع، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة. وقال ابن عبد البر: الأصل في هذا الباب كله النهي عن القمار والمخاطرة، وذلك للميسر المنهي عنه. ٩- بهذا تبين أن ما نهى عنه في هذا الحديث، مرجعه إلى الضابط الثاني المتقدم. الحديث الثاني (١) عَن أبي هُرَيرةَ رَضىَ الله عَنْهُ: أنً رَسولَ الله ﷺ قال: " لا تَلَقًوُا الركْبَان، وَلا يَبع بَغضُكُم عَلى بَيْعِ بَعْض، وَلا تَنَاجَشُوا، ولا يبع حَاضرٌ لِبَاد، وَلا تُصَروا (٢) الغَنَمَ، وَمَن ابتاعَهَا فهو بخْيَرِ النّظَرَيْن بَعْدَ أن يَحْلُبَهَا: إنْ رَضِيَهَا، أمسَكَهَا، وإنْ سَخِطَهَا، رَدَّهَا وصاعا مِنْ تمر" وفي لفظ " هُو بِالخِيَارِ ثَلاثاً". الحديث الثالث عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَبَّاس ﵄ قال: نَهى رَسُولُ الله ﷺ أن تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَأنْ يَبِيَع حَاضِر لِبَاد.

стр. 438

قال: فقلت، لابن عباس ما قوله: " حَاضِر لِبَادٍ "؟ قال: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَاراً. الغريب: لا تلقوا الركبان: جمع " راكب " ويراد تلقى القادمين إلى البلاد لبيع سلعهم، فيشتريها منهم قبل وصولهم إلى السوق. وأطلق على الركبان، تغليبا. وإلا فهو شامل للمشاة. ولا تناجشوا: النجش، بفتح النون وإسكان الجيم، وهو الزيادة في السلعة ممن لا يريد شراءها، بل لنفع البائع بزيادة الثمن، أو مضرة المشترى بإغلائها عليه. مأخوذ من " نجش الصيد " وهو استثارته لأن الزائد يثير الرغبة في السلعة، ويرفع ثمنها. قال ابن قتيبة: النجش: الختل والخديعة، ومنه قيل للصائد: ناجش، لأنه يختل الصيد. ولا يبع حاضر لباد والحاضر: هو البلدي المقيم " والبادي " نسبة إلى البادية. والمراد به القادم لبيع سلعته بسعر وقتها. سواء أكان بدويا أم حضرياً، فيقصده الحاضر ليبيع له سلعته بأغلى من سعرها لو كانت مع صاحبها. والسمسار هو البائع أو المشترى لغيره. ولا تُصَروا الغنم: بضم التاء وفتح الصاد، بعدها راء مثقلة مضمومة، ثم واو الجماعة، والفعل مجزوم بلا الناهية، " والغنم " منصوب على المفعولية، من التصرية، وهى الجمع. قال ابن دقيق العيد: تقول: صرّيت الماء في الحوض وصريته- بالتخفيف- إذا جمعته (١) . وتصرية البهائم، حبس اللبن في ضروعها حتى يجتمع. والمنهى عنه، إذا قصد به تغرير المشترى بكثرة لبنها. المعنى الإجمالي: في هذين الحديثين الجليلين، ينهى النبي ﷺ عن خمسة أنواع من البيع المحرم، لما فيها من الأضرار العائدة على البائع أو المشتري أو غيرهما. ١ - فنهى عن تلقى القادمين لبيع سلعهم من طعام وحيوان، فيقصدهم قبل أن يصلوا إلى السوق، فيشترى منهم جَلَبَهمْ. فلجهلهم بالسعر، ربما غبنهم في بيعهم، وحرمهم من باقي رزقهم الذي تعبوا فيه وَطَووْا لأجله المفازات، وتجشموا المخاطر، فصار طعمة باردة لمن لم يكد فيه. ٢- كما نهى أن يبيع أحد على بيع أحد، ومثله في الشراء على شرائه. وذلك بأن يقول في خيار المجلس أو الشرط: أعطيك أحسن من هذه السلعة أو بأرخص من هذا

стр. 439

الثمن، إن كان مشتريا، أو أشتريها منك بأكثر من ثمنها، إن كان بائعا، ليفسخ البيع، ويعقد معه. وكذا بعد الخيارين، نهى عن ذلك، لما يسببه هذا التحريش من التشاحن والعداوة والبغضاء؛ ولما فيه من قطع رزق صاحبه. ٣- ثم نهى عن النجش، الذي هو الزيادة في السلعة لغير قصد الشراء، وإنما لنفع البائع بزيادة الثمن، أو ضرر المشترى بإغلاء السلعة عليه ونهى عنه، لما يترتب عليه من الكذب والتغرير بالمشترين، ورفع ثمن السلع عن طريق المكر والخداع. ٤- وكذلك نهى أن يبيع الحاضر للبادي سلعته لأنه يكون محيطاً بسعرها؛ فلا يبقى منه شيئاً ينتفع به المشترون. والنبي ﷺ يقول: " دعوا الناس، يرزق الله بعضهم من بعض". وإذا باعها صاحبا، حصل فيها شيء من السعة على المشترين. فالنهى عن بيع الحاضر للبادي، فيه التضييق على المقيمين. ٥- ثم نهى عن بيع التغرير والتدليس، وهو ترك اللبن في ضروع بهيمة (١) الأنعام، ليجتمع عند بيعها فيظن المشترى أن هذا عادة لها فيشتريها زائداً في ثمنها مالا تستحقه، فيكون قد نهَى المشترى وظلمه. فجعل الشارع له مدة يتدارك بها ظلامته، وهي الخيار ثلاثة أيام له أن يمسكها، وله أن يردها على البائع بعد أن يعلم (٢) أنها مصراة. فإن كان قد حلب اللبن ردها ورد معها صاع تمر بدلا منه. ما يؤخذ من الحديث: ١- النهي عن تلقى القادمين، لبيع سلعتهم، والشراء منهم، قبل أن يصلوا إلى السوق. فالنهى يفيد التحريم. وسيأتي قريباً أن البيع صحيح أو باطل. ٢- الحكمة في النهي لئلا يخدعوا، فيشترى منهم سلعهم بأقل من قيمتها بكثير (٣) . ٣- تحريم البيع على بيع المسلم وهو أن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: عندى مثلها بتسعة.

стр. 440

ومثله الشراء على شرائه، كأن يقول لمن باع سلعته بتسعة: عندي فيها عشرة، ليفسخ العقد مع الأول، ويعقد معه. ومحل التحريم في زمن خيار المجلس أو خيار الشرط، وكذلك بعد الخيارين لأن فيه ضررا أيضاً من تأسيف العاقد، مما يحمله على محاولة الفسخ، بانتحال بعض الأعذار، أو اضطغانه على البائع أو المشترى منه، وغير ذلك من المفاسد. ومثل المسلم في ذلك، الذمي وإنما خرج مخرج الغالب. وقد قال ابن عبد البر: أجمع الفقهاء على أنه لا يجوز دخول المسلم على الذمي في سومه، إلا الأوزاعى وحده. ٤- مثل البيع في التحريم، خطبة النكاح على الخاطب قبله. وكذلك الوظائف والأعمال، كالمقاولات والإجارات، وغير ذلك من العقود لأن المعنى الموجود في البيع- وهو إثارة العداوة والبغضاء- موجود في الكل. ٥- النهي عن بيع الحاضر للبادي وصفته " أن يقدم من يريد بيع سلعته من غير أهل البلد، فيتولى بيعها له أحد المقيمين في البلد " فتحريمه مخصص لحديث " الدين النصيحة ". ٦- والحكمة في النهى، إغلاء السلعة على المقيمين إذا باعها عليهم أحد منهم بخلاف ما إذا كانت مع القادم، فلجهله بالسعر، لا يستقصي جميع قيمتها، فيحصل بذلك سعة على المشترين. ٧- قيد بعض العلماء التحريم بشروط، أهمها أن يقدم البادي لبيع سلعته، وأن يكون جاهلا بسعر البلد، وأن يكون بالناس حاجة إليها. ٨- النهى عن تصرية اللبن في ضروع بهيمة الأنعام عند البيع. ٩- تحريم ذلك لما فيه من التدليس والتغرير بالمشترى، فهو من الكذب، وأكل أموال الناس بالباطل. وإن كان قد صراها لحاجته أو لغير قصد البيع فذلك جائز على ألا يضر بالحيوان، وإلا فحرام. ١٠- أن البيع صحيح لقوله: " إن رضيها أمسكها " ولكن له الخيار بين الإمساك والرد، إذا علم بالتصرية، سواء أعلمه قبل الحلب، أم بالحلب. ١١- أن خياره يمتد ثلاثة أيام، منذ علم التصرية. ١٢- يفيد هذا الحديث، أن كل بيع يقع فيه التدليس فهو محرم، وأن المدلس عليه بالخيار.

стр. 441

١٣- إذا علم التصرية، وردها بعد حلبها، رد معها صاعاً من تمر بدلاً من اللبن. سواء كانت المصراة من الغنم، أو الإبل، أو البقر، قل اللبن أو كثر. وتقديره من الشارع بمقدار من التمر لا يزيد ولا ينقص روعي فيه قطع الخصام والنزاع لو ترك تقدير ذلك إليهما، بادعاء زيادة اللبن أو نقصه أو اختلاطه باللبن الحادث في الضرع. وتقدير ذلك بالتمر أفضل لأن كلا من التمر والحليب قوت ذلك الزمان، ولأن كليهما مكيل. وهذا التمر مقابل اللبن الذي اشتريت وهو في ضرعها. أما الحادث بعد، فلا يرد عنه شيئاً، لأن الخراج بالضمان. ١٤- النهى عن النجش، وهو زيادة من لا يريد شراء السلعة في ثمنا، وذلك لنفع البائع أو الإضرار بالمشترى، وربما قصد الإضرار بكليهما، وهو محرم، لأن النهي يقتض التحريم. وإذا كان قد تواطأ مع البائع على النجش فهما شريكان في الإثم وهو مثبت للخيار في البيع. اختلاف العلماء: مذهب جمهور العلماء صحة شراء مُتلَفي الركبان، بل حكى عن جميع العلماء. والدليل على ذلك ما رواه مسلم وغيره " لا تَلَقوا الجلب، فمن تَلَقى فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق، فهو بالخيار". كما أن النهي في الحديث لا يعود إلى نفس العقد، ولا إلى ركن أو شرط منه، وإنما هو، لأجل الإضرار بالركبان، ولا يقدح في نفس البيع، بل يمكن تداركه. واختلفوا في ثبوت الخيار، فذهب الشافعي، وأحمد: إلى ثبوته، إذا غبن البائع غَبْناً خارجاً عن العادة والعرف عند التجار. ودليلهم، الحديث المتقدم، ولأن هذا ضرر نزل بالبائع، ولا يمكن تداركه بغير الخيار. وذهب الحنفية إلى عدم الخيار، والقول الأول هو الصحيح. واختلفوا في صحة بيع من باع على بيع أخيه. فذهب الإمام أحمد في المشهور عنه، والظاهرية: إلى أن البيع غير صحيح، فلا ينعقد، للنهي عنه، والنهي يقتض الفساد. وذهب الأئمة " الثلاثة " إلى صحة البيع لأن النهى لا يعود إلى نفس العقد، بل إلى أمر

стр. 442

خارج عنه. وما يقال في البيع على البيع، يقال مثله في الشراء على الشراء لأن المعنى واحد فيهما، ولأن الشراء يسمى بيعا أيْضاً. واختلفوا في صحة بيع الحاضر للبادي. فالمشهور في مذهب الإمام أحمد، البطلان بشروط أربعة: ١- أن يكون بالناس حاجة إلى السلعة. ٢- وأن يقدم البائع، لبيع سلعته بسعر يومها. ٣- وأن يكون جاهلا بسعرها. ٤- وأن يقصده الحاضر لبيعها له. فإن اختل شرط منها صح البيع. ودليلهم أن النهى يقتضي الفساد. وذهب الجمهور إلى صحة البيع مع التحريم، لمخالفته النهي. وذهب جمهور العلماء- ومنم الأئمة الثلاثة، مالك، والشافعي، وأحمد: إلى رد صاع من تمر، عن لبن المصراة عند ردها إلى البائع، كما هو نص الحديث الصحيح. وذهب الحنفية: إلى أنه لا يرد شيئا، وللمشترى اللبن بدل علفها. وحاولوا رد نص الحديث بدعوى النسخ بقوله تعالى: ﴿وَإن عَاقَبتمْ فَعَاقِبُوا بمثْل ما عُوقِبْتم به﴾ وإن فرضنا تأخر الآية عن الحديث، فما فيها حجة، لأنها في باب العقوبات، وليس موضوعنا منها. واعتذارهم الثاني عن الأخذ بالحديث، أنه مخالف لقياس الأصول، وهو " أن اللبن مثلى، فيقتضى الضمان بمثله، والضمان يكون بقدر المثل، وهذا ضمن بصاع مطلقاً، قلّ أو كَثُرَ ". وما أشبه ذلك من اعتراضات، أجاب عنها العلماء. ويكفى للجواب عنها أن نقول: إن خبر الشارع الثابت مقدم على قياس الأصول، لأنه أصل بنفسه، واجب الاعتبار بل إن الأصول لا تستند ولا تؤصل، إلا من نصوص الشارع. فلا يمكن أن ندع حديثا صحيحاً واضحا بلا معارض راجح، يقدم عليه. قال الخطابي في (معالم السنن) : والأصل أن الحديث ثبت عن رسول الله ﷺ ، وجب القول به، وصار أصلا في نفسه. والأصول إنما صارت أصولا لمجيء الشريعة بها وخبر المصراة قد جاء به الشرع من طرق جياد، فالقول به واجب، وليس تركه لسائر الأصول بأولى من تركها له- ا. هـ كلامه.

стр. 443

فائدتان: الأولى: إذا تأملت ما تقدم من " الاستنباطات" و "خلاف العلماء" وجدت أن بعضهم مستمسك بظاهر الحديث، وآخذ بما دل عليه لفظه وبعضهم الآخر قد قيده ببعض القيود، تخصيصاً أو تعميماً. وهذا- كما قال تقي الدين " ابن دقيق العيد ": دائر بين اتباع المعنى، واتباع اللفظ. والأحسن أن ينظر في المعنى إلى الظهور والخفاء، فحيث يظهر ظهورا كثراً، فلا بأس باتباعه. وتخصيص النص به أو تعميمه على قواعد القياس، وحيث يخفى أو لا يظهر ظهوراً قوياً، فاتباع اللفظ أولى على أني لم أذكر إلا قليلا مما لم يدل عليه ظاهر الحديث، وذلك حين يقوى الأخذ بالمعنى جدا، كتقييد إطلاق بيع البائع للبادي بتلك الشروط الثلاثة، فإنها- عند تأمل معنى الحديث، ومقصود النهى منه- معتبرة، وكذلك تعمل الحكم في تصرية بهيمة الأنعام مع أن الوارد في هذا الحديث الغنم، لأن المعنى مفهوم وظاهر عمومه في جميعها. وكذلك تقييد " خيار الجالب " بالغبن عادة، رجوعاً إلى المعنى الواضح في ذلك، وهو إزالة الضرر عنه. وأعرضت عن شيئين هما: ١- إما تمسك حرفي متقيد باللفظ، كمن جمد على قصر حكم التصرية في الغنم خاصة، لأنها المنصوص عليها، وغفل عن المعنى الواضح المقصود. ٢- وإما ابتعاد عن ظاهر الحديث إلى معنى بعيد، كمن شرط في بطلان بيع الحاضر للبادي، أن يقصده الحاضر، فإن لم يقصده بل قصده البادي، فلا تحريم، والبيع صحيح، على أني ذكرته عن مذهب الحنابلة لبيان المذهب فقط. وبهذا أرى أني توسطت بين الوجهتين، وسلكت طريقاْ متوسطة مرضية. الثانية: في تحريم تَلَقِّي الركبان، وبيع الحاضر للبادي يعلم كيف أن الإسلام يراعى المصالح العامة على المصالح الخاصة، كما هو مقتضى العقل الصحيح. فإن انتفاع أهل البلد بشرائهم السلع رخيصة، قُدمَ على انتفاع الواحد ببيعه سلعته غالية. كذلك منعت مصلحة فرد، يتلقى الركبان، لأجل مصلحة أهل البلد الذين لهم الحق في أن ينتفعوا جميعاً بالشراء من الجالب مباشرة، مع ما فيه من دفع الضرر عن الجالب أيضاً.

стр. 444

الحديث الرابع عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أن رَسُولَ الله ﷺ نَهى عن بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلةِ. وَكَان بَيْعاً يَتَبَايَعُهُ أهْلُ الْجَاهِلِيةِ. كَانَ الرَّجُلُ يَتَبَايَعُ الْجزُورَ إلَى أنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ثُمَّ تنتج التي في بَطْنِهَا. قيل: إنه كان يبيع الشارِفَ- وهي الكبيرة الْمُسِنَّةُ بنتاج الجنينِ، الذي في بطنِ نَاقَتِهِ. الغريب: حَبَل الحَبَلة: بفتح الحاء والباء فيهما. و" الحبلة " جمع " حابل " كظالم وظلمة، وكاتب وكَتبة، واكثر استعمال الحبَل للنساء خاصة، والحمل لهن ولغيرهن، من إناث الحيوان. الجزور: هو البعير ذكراً كان أو أنثى، وجمعه، جزر، وجزائر. تنتج: بضم التاء الأولى وإسكان النون وفتح التاء الثانية، وبعدها جيم معناه، تلد. وهو آت على صيغة المبنى للمجهول دائما. وقد أسند إلى الناقة. الجاهلية: يطلق هذا الاسم، على الزمن الذي قبل الإسلام وأهله، مشتق من الجهل، لغلبته عليهم تنتج التي في بطنها: يريد بيع نتاج النتاج، أي بيع أولاد أولادها. وذلك بأن ينتظر أن تلد الناقة، فإذا ولدت أنثى ينتظر حتى تشب، ثم يرسل عليها الفحل، فتلقح فله ما في بطنا. المعنى الإجمالي: أشهر تفاسير هذا البيع تفسيران (١) ١- فإما أن يكون معناه التعليق، وذلك بأن يبيعه الشيء بثمن مؤجل بمدة تنتهي بولادة الناقة، ثم ولادة الذي في بطنها، ونُهيَ عنه لما فيه من جهالة أجل الثمن، والأجل له وقع في الثمن في طوله وقصره. ٢- وإما أن يكون معناه بيع المعدوم المجهول، وذلك بأن يبيعه نتاج الحمل الذي في بطن الناقة المسنة، ونُهي عنه لما فيه من الضرر الكبير والغرر، فلا يعلم: هل يكون أنثى، وهل هو واحد أو اثنان، وهل هو حي أو ميت؟

стр. 445

ومجهولة مدة حصوله- وهذه من البيعات المجهولة، التي يكثر ضررها وعذرها، فتفضي إلى المنازعات. ما يؤخذ من الحديث: ١- النهى عن هذا البيع على كلا التفسيرين، لأنه إن كان على الأول، فَلِمَا فيه من جهالة الأجل وإن كان على الثاني، فَلِمَا فيه، من فقدان المبيع، وجهالته. ٢- النص على هذا النوع من البيع، لأنه من بيعات الجاهلية، وإلا فهو عام في كل بيع يحصل فيه جهالة وغرر. ٣- حكمة النهى، أنه من بيع الغرر المفضي إلى الميسر والقمار، وأكل المال بالباطل، مع ما يحصل في ذلك من الشجار والخصام، والعداوة والبغضاء. قاعدة في المعاملات المحرمة ملخصة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية الأصل في ذلك أن الله حرم في كتابه أكل أموالنا بيننا بالباطل، وذم الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، وذم اليهود على أخذهم الربا وقد نهوا عنه، وهذا يعم كل ما يؤكل بالباطل في المعاوضات والتبرعات وما يؤخذ بغير رضا المستحق. وأكل أموال الناس بالباطل في المعاوضات نوعان ذكرهما الله في كتابه هما: الربا والميسر. فقد تحرم الربا الذي هو ضد الصدقة في سورة البقرة وآل عمران والروم والمدثر والنساء، وذكر تحريم الميسر في سورة المائدة. ثم إن رسول الله ﷺ فصل ما أجمله الله في كتابه، فنهى عن بيع الغرر، وهو المجهول العاقبة، لاًن بيعه من الميسر، وذلك مثل بيع العبد إذا أبق، أو الفرس والبعير إذا شرد. أما الربا فتحريمه في القرآن أشد، وذكره النبي ﷺ في الكبائر، لأنه لا يضطر إليه إلا المحتاج، فيأخذ ألفا معجلة ليدفع ألفا ومائتينِ مؤجلات، والموسر لا يفعل ذلك، فيكون في هذه الزيادة ظلم للمحتاج.

стр. 446

وقد حرم الرسول ﷺ أشياء يخفي فيها الفساد، لأنها مفضية إلى الفساد المحقق، مثل ربا الفضل فإن الحكمة فيه قد تخفى. ومفسدة الغرر أقل من الربا فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه. كبيع العقار ولم تعلم الأساسات، وبيع الدابة الحامل والمرضع. وإن لم يعلم الحمل واللبن، وبيع الثمرة بعد بدو صلاحها، وإن كانت الأجزاء التي يكمل بها الصلاح لم تتحقق بعد، فظهرا أنه يجوز من الغرر اليسير ضمنا وتبعا ما لا يجوز في غيره. أما الربا فإنه لما احتاج الناس إلى العرايا أرخص في بيعها بالخرص، ولم يجوز المفاضلة المتيقنة، بل سوغ المساواة بالخرص في القليل الذي تدعو إليه الحاجة وهو قدر النصاب، أي خمسة أوسق ومادون. وأصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره، والإمام أحمد موافق لمالك في الغالب منها، فإنهما يحرمان الربا، ويشددان فيه حق التشديد، حتى يسدا الذرائع المفضية إليه وإن لم تكن حيلة. وفي الجملة فإن أهل المدينة وفقهاء الحديث مانعون من أنواع الربا منعاً محكما مراعون لمقصود الشريعة وأصولها، وقولهم في ذلك هو الذي يؤثر فعله عن الصحابة وتدل عليه معاني الكتاب والسنة. وأما الغرر فمن أشد ما قيل فيه قولا أبي حنيفة والشافعي، فإنه يدخل في هذا الاسم من الأنواع مالا يدخله غيره من الفقهاء. مثل الحب والثمر في قشره، كالباقلاء والجوز واللوز في قشره، وكالحب في سنبله، فإن القول الجديد عنده أن ذلك لا يجوز. وأما مالك فمذهبه أحسن المذاهب في هذا، فيجوز عنده بيع هذه الأشياء وبيع جميع ما تدعو الحاجة إليه أو يقل غرره، حتى إنه يجوز عنده بيع المقاثي جملة وبيع المغيبات في الأرض كالجزر والفجل. وأحمد قريب منه، فقد خرج ابن عقيل عنه وجهين فيها، الثاني منهما أنه يجوز كمذهب مالك، وهذا القول هو قياس أصول أحمد.

стр. 447

باب النهي عن بيع الثمرة قبل بُدُوِّ صلاحها (١) الحديث الأول عَنْ عَبْدِ اللَه بْن عُمَرَ رَضىَ الله عَنْهُمَا: ان رَسُول الله ﷺ نهى عَنْ بَيْعِ الثًمَرَةِ حَتَى يَبدو صَلاحُهَا، نَفى البَاِئعَ وَالمُشتَرِيَ. الحديث الثاني عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله ﷺ : نهى عن بيع الثمار حتى تُزْهَى. قِيلَ: وَمَا تُزْهَى؟ قال: حَتَى تَحْمَرًا أوْ تَصْفر. قال: " أرَأيتَ إذَا مَنَعَ الله الثًمَرَةَ بمَ يَسْتَحِق أحَدُكمْ مَال أخِيهِ؟. الغريب: تزهى: بضم التاء من " أزهى يزهى " والإزهاء في الثمر، أن يحمر أو يصفر، لبدء الطيب فيه. حتى يبدو: قال النووي: هو بمعنى يظهر، وهو بلا همز. المعنى الإجمالي: كانت الثمار مُعَرضة لكثير من الآفات قبل بُدُو صلاحها، وليس في بيعها مصلحة للمشترى في ذلك الوقت. فنهى النبي البائع والمشترى عن بيعها حتى تزهى، وذلك بُدُو الصلاح، الذي دليله في تمر النخل، الاحمرار أو الاصفرار. ثم علل الشارع المنع من تبايعها، بأنه لو أتت عليها آفة، أو على بعضها، فبماذا يحل لك- أيها البائع- مال أخيك المشترى، كيف تأخذه بلا عوض ينتفع به؟ ما يؤخذ من الحديثين: ١- النهْيُ عن بيع الثمار قبل بُدُو صلاحها. ٢- النهى يقتضي الفساد، فيكون بيعها غير صحيح. ٣- جواز بيعها بعد بُدُو صلاحها. وكذلك لو باعها قبل بدو صلاحها بشرط القطع في الحال. وهو قول الجمهور. ٤- أن دليل الصلاح في ثمر النحل، الاحمرار أو الاصفرار، ولو في بعض الثمرة. فصلاح

стр. 448

بعض الثمرة في شجرة دليل على صلاحها جميعها، وينسحب هذا على سائر ذلك النوع في البستان الواحد وقد ذكر في التمر الاحمرار أو الاصفرار أما غيره من الثمر فصلاحه أن يطيب كله ويظهر نضجه والصلاح في الحب اًن يشتد. ٥- الحكمة في النهى، هو أنها قبل بُدو الصلاح، معرضة لكثر من الآفات. فإذا تلفت، أو تضررت صار ذلك في ملك المشترى، الذي لم ينتفع منها، فيكون من أكل الأموال بالباطل. كما أن بيعها قبل بُدوِّ الصلاح، ليس له فائدة لعدم الانتفاع بها. وكذلك فيه قطع للتخاصم والتنازع بين المتعاملين، وإزالة لأسباب العداوة والبغضاء بينهم. ٦- فيه تحريم أكل أموال الناس بغير حق، ولو بما فيه صورة رضا من الطرفين. الحديث الثالث عَنْ عَيْدِ الله بن عُمَرَ ﵄ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَن الْمُزَابَنَةِ. وهي أن يَبِيعَ ثمَرَ حَائِطِهِ إنْ كان نَخْلا بِتَمْر كَيْلًا، وَإنْ كان كَرْماً أنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيب كيْلا، وإنْ كَانَ زَرْعا أنْ يَبِيعَهُ بِكَيلِ طَعَاما، نَهَى عَنْ ذلِكَ كُلهِ. الغريب: المزابنة: بضم الميم، وفتح الزاى، والباء، والنون، على وزن المفاعلة. وهى مأخوذة من " الزبن " وهو: الدفع الشديد، كأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه. المعنى الإجمالي: نهى النبي ﷺ عن المزابنة، التي هي بيع المعلوم بالمجهول من جنسه، لما في هذا البيع من الضرر، ولما فيه من الجهالة بتساوي المبيعين المفضية إلى الربا وقد ضربت لها أمثلة توضحها وتبينها. وذلك، كأن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلا، بتمر كيلا، وإن كان كرماً أن يبيعه بزبيب كيلا. أو زرعاً، أن يبيعه بكيل طعام من جنسه، نهى عن ذلك كله، لما فيه من المفاسد، والأضرار. الاختلاف في معنى المزابنة: أجمع العلماء على أن هذه الصورة المذكورة في الحديث مزابنة.

стр. 449

ولكن الإمام الشافعي، جعل هذه الصور، أصل المزابنة، وألحق بها كل بيع مجهول بمجهول، أو بمعلوم يجرى فيه الربا، بناء منه على أن تفاسير المزابنة في أحاديثها، مرفوعة إلى النبي ﷺ . وعلى فرض أنها تفاسير رواتها من الصحابة، فهم أعلم بما رووا، فقولهم مقدَّمٌ على قول غيرهم. أما الإمام مالك، فمعنى المزابنة عنده، أنها بيع كل شيء، لا يعلم كيله، أو وزنه، أو عدده، بشيء من جنسه. سواء أكان ربوياً أم غيره، لأن سبب النهى، ما فيه من المخاطرة. وقد رجع في تفسيرها إلى أصلها اللغوي، وقد تقدمت الإشارة إليه في [الغريب] . ويترجح- عندي- تفسير مالك، لأنه جامع لكثير من المنهيات تحت أصل واحد. وأما التفاسير المذكورة، فلا تنافي، لأن عادة السلف، اً نهم يفسرون الشيء بمثاله، وهو جزء منه. ولا يريدون به حصره في هذا النوع، وإنما يريدون به المثال. ما يؤخذ من الحديث: ١- النهى عن المزابنة. ٢- تعريفها بهذه الصور، التي توضح أصلها. ٣- أن بيوعاتها فاسدة، لأن النهي يقتضي الفساد. ٤- حكمة النهي عنها، ما فيها من المخاطرة والقمار، لأنها بيع معلوم بمجهول. ولما فيها من بيع النوعين الربويين المجهولين، لأنه لابد في صحة بيعهما من العلم بالتساوي. فأما مع الجهل بتساويهما، فهو مظنة الربا الراجحة، فيحرم. ٥- فيه دليل على تحريم بيع الرطب بادر، لعدم العلم بالتساوي ولو تحرى في تساويهما، بل يدل على تحريم بيع كل نوعين ربويين، جهل تساويهما إما لكونهما اختلفا في الرطوبة، أو اليبوسة، وإما لكون أحدهما حبا والآخر طحيناً، أو أحدهما مطبوخا، والآخر نيئا، أو غير ذلك مما لا يعلم معه التساوي بينهما. الحديث الرابع عَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله ﵄ قال: نَهَى النبي ﷺ عَنِ الْمُخَابَرَةِ، والْمُحَاقَلَةِ، وَعِنِ الْمُزَابَنَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، وَأنْ لا تُبُاعَ إلا بِالدينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إلا الْعَرايَا ". المحاقلة: - بيع الحنطة في سنبلها.

стр. 450

الغريب: المخابرة: على وزن المفاعلة، مأخوذة من " الخبار " وهي الأرض اللينة القابلة للزرع، أو من " الخبير " وهو من يحسن حرث الأرض. المحاقلة: مأخوذة من " الحقل" وهو الزرع وموضعه، فاشتقت منه. والمراد بها- هنا- ييع الحنطة بسنبلها، بحنطة صافية من التبن. المزابنة، تقدمت، و" العرايا ": ويأتي الكلام عليها مفصلا في موضعه، إن شاء الله تعالى. المعنى الإجمالي: تقدم أن الأصل في المعاملات الحل والجواز، وأنها باقية على أصل الإباحة والبراءة الأصلية. وما ورد عن الشارع الحكيم، من النهى عن بعض المعاملات التي يرجع إلى قاعدة الربا المحرمة المستقبحة شرعاً وعقلا وغير هاتين من قواعد الفساد الذي حاربه الشارع يشمله النهى من باب أولى. ومن تلك المعاملات الراجعة إلى الجهالة وإلى الربا أيضا، المخابرة، والمحاقله، التي هي عبارة عن بيع الحب في سنبله، بحب من جنسه. فهنا جهل أحد العوضين، لأنه مستور بأوراقه وتبنه، والجهل بذلك يوقعنا في ربا الفضل، لأن الجهل بالتماثل، كالعلم بالتفاضل في الحكم. ومثل المحاقلة، المزابنة: التي هي بيع التمر على رؤوس النخل بتمر مثله. فما يقال في الأول، يقال في هذا. واستثنى من ذلك، مسألة " العرايا " بشروطها، للحاجة إليها. وتأتي إن شاء الله تعالى. كما نهى عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، حفظا للحقوق، ولئلا يأخذ البائع الثمن بلا مقابل ينتفع به المشترى. ما يستفاد من الحديث: ١- النهى عن المخابرة، والمحاقلة، والمزابنة. ٢- استثنى من المزابنة، العرايا، للحاجة. ٣- النهى عن هذه. لما فيها من الجهل بتساوي العوضين، والجهل بذلك يفضي بنا إلى الربا. ٤- من باب أولى يحرم البيع إذا علم التفاضل بين العوضين، الربويين من جنس واحد. ٥- النهي عن بيع الثمر قبل بُدو صلاحه، لأمن العاهة.

стр. 451

الحديث الخامس عَنْ أبي مَسْعُودٍ الأنصاري رَضىَ الله عَنْهُ: أنً رَسُول الله ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، ومَهْرِ البَغِي، وَحُلْوانِ الْكَاهِنِ. الغريب: مهر البغي: البغي: بفتح الباء الموحدة، وكسر الغين المعجمة، وتشديد الياء. وهو فعيل، بمعنى فاعلة، يعنى الباغية، والبغاء: الطلب، وكثرة استعماله في الفساد. ومهرها، ما تعطاه على الزنا، سمى مهراً، من باب التوسع. حُلوان الكاهن: الحُلوان بضم الحاء، مصدر " حلوته " إذا أعطيته. قال في فتح الباري: وأصله من " الحلاوة " شبه بالشيء الحلو، من حيث إنه يؤخذ سهلا بلا مشقة. وأما الكاهن: فهو الذي يدعى علم الأشياء المغيبة المستقبلة. وفي معناه " العراف" و " المنجم " ونحوهما من المشعوذين والدجالين. المعنى الإجمالي: لطلب الرزق طرق كريمة شريفة طيبة، جعلها الله عوضا عن الرزق الخبيثة الدنيئة. فلما كان في الطرق الأولى كفاية عن الثانية، ولما كانت مفاسد الثانية عظيمة لا يقابلها ما فيها من منفعة، حرم الشرع الطرق الخبيثة التي من جملتها، هذه المعاملات الثلاث. ١- بيع الكلب: فإنه خبيث رجس، ثمنه خبيث لا يحوز أكله واستحلاله. ٢- وكذلك ما تأخذه الزانية مقابل فجورها، الذي به فساد الدين والدنيا. ٣- ومثله ما يأخذه أهل الدجل والتضليل، ممن يدعون معرفة الغيب والتصرف في الكائنات، ويخيلون على الناس- بباطلهم- ليسلبوا أموالهم، فيأكلوها بالباطل. كل هذه طرق خبيثة محرمة، لا يجوز فعلها، ولا تسليم العوض فيها، وقد أبدلها اللَه بطرق مباحة شريفة. ما يستفاد من الحديث ١- النهى عن بيع الكلب، تحريم ثمنه، ولا فرق بين المعلم وغيره، وكلب الزرع والماضية وغيره، وإنما يجوز اقتناؤه فقط بهذه الأشياء الثلاثة.

стр. 452

٢- تحريم البغاء وتحريم ما يؤخذ عليه، سواء كان من حُرَةٍ أو أمة، فهو خبيث من عمل خبيث في جميع طرقه. ٣- تحريم " الكهانة " ونحوها من العرافة، والتنجيم، وضرب الحصى، وتحضير الجن، وتحريم أخذ شيء على هذه الأعمال الخرافية الشيطانية. ٤- من هذه المنهيات وغيرها، يعلم أن الشريعة نهى عن كل ما فيه مضرة وما يترتب عليه من مكاسب. الحديث السادس عَنْ رَافِعِ بْن خَديج: أنً رسُولَ اللَه ﷺ قَالَ: " ثَمَنُ الْكَلب خبيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغي خبِيثٌ، وَكَسْبُ الَحجّام خَبِيثُ (١) المعنى الإجمالي: يبين لنا النبي ﷺ المكاسب الخبيثة والدنيئة لتجنبها، إلى المكاسب الطيبة الشريفة. ومنها ثمن الكلب، وأجرة الزانية على زناها، وكسب الحجام، فهي مكاسب دنيئة كريهة سافلة، يجتنبها ذو الكرامة والمروءة. ما يستفاد من الحديث: ١- النهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، واجتناب ما يؤدى إليهما. ٢- النهى عن كسب الحجام، لأنها مهنه زرية، مخلة بالكرامة والشرف، فمكسبها خبيث. ٣- قال شيخ الإسلام إذا عرف الحرام بعينه لم يؤكل حتما، وإن لم يعرف عينه لم يحرم الأكل منه، لكن إذا كثر الحرام يترك ورعا. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في كسب الحجام. فذهبت طائفة من العلماء إلى أنه محرم لهذا الحديث، ولما روى أبو هريرة من أنه ﷺ " نهى عن كسب الحجام " رواه أحمد.

стр. 453

وروى أحمد أيضا عن مُحَيصَة بن مسعود: " أنه كان له غلام حجام، فزجره النبي ﷺ عن كسبه فقال: ألا أطعمه أيتاما لي؟ قال: لا. قال: أفلا أتصدق به؟ قال: لا فرخص له أن يعلفه ناضحه " (١) ذهب بعض العلماء: إلى أنه حلال، لأن أحاديث النهى منسوخة بإعطاء النبي ﷺ أجره، ولكن النسخ يحتاج إلى معرفة المتأخر من الأدلة. وأحسن ما يجمع به أدلة الفريقين، أن يقال: إن لفظ " الخبيث " كما يطلق على المحرم، يطلق أيضا على الشيء الرديء والكسب الدنيء، كقوله تعالى: ﴿ولا تَيَمّموا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقون﴾ وسمى الشارع الثوم والبصل خبيثين. فتسمية كسب الحجام خبيثا من هذا الباب، لأنه مكسب دنيء، من مهنة زرية. والشارع يرغب في معالي الأمور، والمكاسب الطيبة الشريفة. فيكون كسب الحجام خبيثا من جانب الآخذ، مع أنه حلال له. باَب الْعرَايا (٢) هذا الباب يذكر فيه ما جاء في جواز بيع العارية- ويأتي تعريفها-: وهى مسألة مستثناة من تحريم "بيع المزابنة " الذي تقدم الكلام عليه في الحديث رقم [٢٥٧] ، ويأتي توضيح ذلك وتوجيهه إن شاء الله تعالى. الحديث الأول عَنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ ﵁: أن رَسولَ الله ﷺ رَخَصَ لصاَحب الْعَريَّةِ أنْ يَبيعَها بخَرْصِهَا. ولـ " مسلم " بِخَرْصِهَا تمْراً، يَأكُلُونَهَا رُطباً. الغريب: العرية: فعيلة بمعنى مفعولة. وجمعها عرايا مثل مطية ومطايا. قال في مختار الصحاح:

стр. 454

وإنما أدخلت فيها الهاء، لأنها أفردت فصارت في عداد الأسماء، كالنطيحة، والأكيلة. وسميت " عرية " لانفرادها بالرخصة عن أخواتها. المعنى الإجمالي: تقدم أن بيع التمر على رؤوس النخيل بتمر مثله محرم، لأنه بيع المزابنة المنهي عنه، لما فيه من الجهل بتساوي النوعين الربويين. وأشد حالاته إذا باعه على رؤوسه وهو رطب، بتمر جاف، فقد خفى تساويه من وجهتين ١:- كونهما بيعاً خرصا ٢: - وكون أحدهما رطبا، والآخر جافاً، فهذا البيع أحد صور " ربا الفضل ". كانت الأثمان قليلة في الزمن الأول، فيأتي الرطب في المدينة والتفكه به، والناس محتاجون إليه، وليس عند بعضهم ما يشترى به من النقود، فرخص لهم أن يشتروا مايتفكهون به من الرطب بالتمر الجاف ليأكلوها رطبة مراعين في ذلك تساويهما لو آلت ثمار النخل إلى الجفاف. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم بيع التمر على النخل بتمر مثله، لأنه بيع المزابنة المنهي عنه، ومأخذه في هذا الحديث لفظ " رخص ". ٢- جواز بيع العرية- وتقدم شرحها لغة وشرعا-: هو مستثنى من التحريم السابق في المزابنة. ٣- أن الرخصة لمن احتاج إلى أكل الرطب خاصة. ٤- أن يقدر الرطب على النخلة تمرا بقدر التمر الذي جعل ثمنا له. فائدتان: الأولى: تقدم التحريم في بيع المزابنة الذي هو إحدى صور الربا المحرم، واستثنى من هذا التحريم مسألة " العرايا ". فلما جاءت على خلاف الأصل، اشترط العلماء للرخصة فيها شروطا، بعضها مأخوذ من أحاديثها، وبعضها باق على أصل معاملة الربا. ١- أن تخرص النخلة بما تؤول إليه تمراً لطلب المماثلة. ٢- أن تكون لمحتاج إلى الرطب ليأكله رطبا. والمشهور من مذهبنا المنع في عكس هذه المسألة: وهو أن يشترى المحتاج إلى التمر برطبة تمراً وفى وجه يجوز، لأنه إذا جاز لمن يريد التفكه بالرطب، فكيف لا يجوز لمن احتاج إلى التمر ليأكل؟!

стр. 455

٣- أن لا يكون معه نقود يشترى بها. ٤- أن يتقابضا قبل التفرق، فالتمر بكيله، والنخلة بتخليتها. ٥- أن لا تزيد عن خمسة أوسق، ويأتي في الحديث الذي بعد هذا. ٦- إذا اشترى اثنان فأكثر من الرطب لكل واحد خمسة أوسق من رجل واحد صح، ولو اشترى شخص من بائعين فأكثر خمسة أوسق صح أيضاً. أما إذا اشترى من اثنين فأكثر أزيد من خمسة أوسق فلا يصح. الفائدة الثانية: الجمهور من العلماء يقصرون الجواز على النخل خاصة، ورخص به طائفة من العلماء ومنهم شيخ الإسلام في سائر الثمار، لأن الرطب فاكهة المدينة ولكل بلد فاكهة، والحكمة المرخصة موجودة فيها كلها، والرخصة عامة. الحديث الثاني عَنْ أبي هريرةَ ﵁: أنَ النبي ﷺ رَخَّصَ في بَيْع العَرَايَا في خَمْسَةِ أوْسُق، أو دون خَمْسَةِ أوْسقٍ. المعنى الإجمالي: لما كانت مسألة "العرايا" مباحة للحاجة من أصل محرم، اقتصر على القدر المحتاج إليه غالباً، فرخص فيما قدره خمسة أوسق فقط أو ما دون ذلك، لأنه في هذا القدر تحصل الكفاية للتفكه بالرطب. ما يستفاد من الحديث: ١- الرخصة في بيع العرايا للحاجة إلى التفكه بالرطب. ٢- أن تكون الرخصة بقدر الكفاية، لأن الرخصة لا يتجاوز بها قدر الحاجة. ٣- الوسق بسكون السين- ستون صاعا نبويا، فيكون ثلاثمائة صاع. وتقدم أن الصاع النبوي، ينقص عن صاعنا الحاضر (وكيلتنا) الخمس وخمس الخمس، وهذا هو الحد الأعلى للجواز.

стр. 456

اختلاف العلماء: ذهب كثير من العلماء، ومنهم الشافعية والحنابلة والظاهرية: إلى أنه لا يجوز بيع العرايا إلا فيما دون خمسة أوسق، لأن الأصل التحريم، وبيع العرايا رخصة، فيؤخذ بما يتحقق فيه الجواز، ويلغى الشك الذي وقع في الحديث [خمسة أوسق أو دون خسة أوسق] وهو شك وقع لأحد رواة الحديث. وهو داود بن الحصين، فلذلك جوزنا " دون خمسة أوسق " لأنه متفق عليها ومنعنا " الخمسة " للشك فيها. والأصل التحريم للنهى عن المزابنة. وذهب بعضهم- ومنهم المالكية- إلى الجواز في الخمسة عملا برواية الشك، وبما روى عن سهل بن أبي حَثْمة [أن العرية ثلاثة أوسق أو أربعة أو خمسة] وهو رواية عن الإمام أحمد، نظر فيها إلى عموم الرخصة، فلا يضر الشك في الزيادة القليلة، واختارها شيخنا " عبد الرحمن آل سعدي " رحمه الله تعالى. باب بيع النخل بعد التأبير الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أن رَسولَ الله ﷺ قال: " مَنْ بَاعَ نَخْلا قَدْ أبرت فَثَمَرَتُهَا للْبَائِع، إلا أنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ" ولـ " مسلم " (١) و" مَنْ ابتَاعَ عَبْدا فَمَالُهُ للَّذِي بَاعَهُ إلا أن يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ". الغريب: أبرت: بتخفيف الباء وتشديدها. فالأول: أبرت النخل أبراً، بوزن أكلت أكلا. والثاني: أبرت النخل تأبيراً، بوزن علمته أعلمه تعليماً. والتأبير: التلقيح، وهو وضع شيء من طلع ذكر النخل، في طلع إناثه. المبتاع: هو المشترى، بقرينة الإشارة إلى البائع ويأتي اللفظ للبائع والمشترى، فهو من الأضداد.

стр. 457

المعنى الإجمالي: أول العمل في ثمرة النخل هو تلقيحه، ولهذا فإن الشارع أناط به الحكم. فمن باع أصول نخل، فإن كانت الثمرة مؤبرة قد عمل بها صاحبها واستشرفت نفسه لها، فهي للبائع مبقاة على أصولها إلى أوان جذاذها. وإن لم تؤبر فهي داخلة في بيع الأصول، فتكون للمشترى. هذا ما لم يشترط المشترى في الصورة الأولى، دخول الثمرة أو بعضها في البيع، أو يستثنى البائع الثمرة أو بعضها في الصورة الثانية، فتكون باقية على أصولها إلى أوان جذاذها، لاًن المسلمين على شروطهم الصحيحة، وهذا منها. وكذلك العبد الذي جعل سيده بيده مالا، فإن باعه فماله لسيده الذي باعه لأن العقد لا يتناوله، إلا أن يشترطه المشترى، أو يشترط بعضه، فيدخل في البيع.. ولو كان المال الذي معه مما يجرى فيه الربا مع الثمن فإنه جائز لأنه تابع غير مقصود لذاته والتابع لا حكم له، لأنه في حكم المتبوع. ما يؤخذ من الحديث: ١- أن من باع نخلا قد أُبّر، فثمرته للبائع، وهذا منطوق الحديث. ٢- أن من باع نخلا لم يؤبر، فثمرته للمشترى، وهذا مفهوم الحديث. ٣- إن استثنى البائع الثمرة التي لم تؤبر، أو بعضها فهي له بشرطه. ٤- إن اشرط المشترى دخول الثمرة المؤبرة بالعقد، فهي له بشرطه. ٥- صحة اشتراط بعض الثمرة مأخوذ من حذف المفعول به من قوله [إلا أن يشترط المبتاع] ، فهو صادق عليه كله، وعلى بعضه. ٦- إن كان بعض ثمره مؤبرا، وبعضه غير مؤبر، فالصحيح أن لكل حكمه، لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدماً. إلا إذا كان التأبير في نخلة واحدة فتكون كل ثمرتها للبائع، لأن باقيها تبع لأولها. ٧- ألحق الفقهاء بالبيع جميع التصرفات: كأن يكون النخل عوض صلح. أو صداقا، أو جعله صاحبه أجرة، أو هبة أو غير ذلك مما فيه نقل الملك. ٨- دخول الثمرة في البيع إذا اشتريت قبل التأبير، أو اشترطها المشترى وهي مؤبرة، يُعَدّ بيعاً للثمر قبل بُدُو صلاحه، لكن رخص فيه لأنه تابع لأصله. ليس مستقلا. والقاعدة العامة " يثبت تبعاً، ما لا يثبت استقلالا " وهذه الصورة منها وبهذا يجمع بين النصين.

стр. 458

٩- أن من باع عبداً، وقد جعل بين يديه مالا يتصرف به، فالمال للبائع إلا أن يشترطه المشترى مع الصفقة، أو يشترط بعضه، فيدخل مع المبيع. وحينئذ يشترط فيه ما يشترط غيره من المبيعات. ١٠- لا يضر أن يكون مع العبد المبيع ما يدخله الربا مع الثمن، كأن يتبعه فضة والثمن ريالات فضية، لأنه تابع. ١١- قال شيخ الإسلام: بيع الزرع بشرط التبقية لا يجوز باتفاق العلماء. وإن اشتراه بشرط القطع جاز بالاتفاق. وإن باعه مطلقا لم يجز عند جماهير العلماء، فإن النبي ﷺ نهى عن بيع الحب حتى يشتد. بَابُ نهي المشتري عن بيع الطعام قبل قبضه الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄: أن رَسُولَ الله ﷺ قال: " مَنِ ابتاعَ طَعَاماً فَلا يَبِعْهُ حَتَى يَسْتَوْفِيَهُ ". وفي لفظ: " حَتَّى يَقْبِضَهُ " وعن ابن عباس.. مثله. الغريب: من ابتاع: يعنى من اشترى. طعاماً- لغة- كل مطعوم، من مأكول ومشروب. وفي الصدر الأول، إذا أطلق الطعام في الحجاز، انصرف إلى الْبُر خاصة. المعنى الإجمالي: لما كان قبض الطعام من متممات العقد، ومكملات الملك، نهى الشارع الحكيم، المشترى عن بيعه حتى يقبضه ويستوفيه، ويكون تحت يده وتصرفه، لأنه- قبل القبض- عرضة للتلف في ضمان البائع، ولأن العقد عليه قبل القبض، ربما سبب فسخ العقد الأول. فاٍن كان بخسارة، حاول المشترى الفسخ، وإن كان بربح، حاوله البائع.

стр. 459

ما يستفاد من الحديث: ١- النهى عن بيع الطعام قبل قبضه. ٢- في لفظ [حتى يستوفيه] ما يشعر بأنه خاص بما يحتاج إلى حق توفية، وهو المكيل والموزون. وفي لفظ [حتى يقبض] ما يفيد عموم النهي عن البيع، في الجزاف والمكيل، والموزون، ويأتي الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى. ٣- جواز بيعه بعد القبض والاستيفاء. ٤- النهى ورد في الحديث بالتصرف فيه بالبيع، ولكن ألحق كثير من العلماء- ومنهم الشافعية، والحنابلة- بعض عقود تدخل تحت مسمى البيع، أو تكون وسيلة إليه كالإجارة، والهبة على عوض، والرهن، والحوالة. ٥- أما ماعدا البيع وما يجرى مجراه، فيجوز التصرف فيه، لأنها عقود يتسامح فيها بالغرر اليسير، ولأنها لم تقصد للربح فمحذور محاولة فسخ العقد المشار إليها خفية. اختلاف العلماء: ذهبت الحنفية والشافعية، إلى المنع من بيع أي شيء قبل قبضه، وهو رواية قوية عن الإمام أحمد، اختارها من أصحابه " ابن عقيل " والشيخ تقي الدين. وقال الشيخ: وعليه تدل أصول أحمد، واختارها " ابن القيم " وصححها، وذكر أن أحاديثها لا تنافي أحاديث الطعام، وأطال القول فيها. لكن الحنفية استثنوا بيع العقار، فيجوز- عندهم- ولو قبل قبضه. وذهبت المالكية في المشهور عنهم، إلى منع ما بيع من الطعام بالكيل والوزن خاصة. وذهبت الحنابلة، في المشهور من مذهبهم: إلى منع ما بيع بكيل، أو وزن أو عد، أو بصفة، أو رؤية متقدمة للعقد. ولا فرق في ذلك بين المطعوم وغيره. وذهب بعض المالكية إلى اختصاص ذلك بالمطعوم، ويستوي في ذلك أن يكون جزافا، أو مكيلا، أو موزوناً أو غيرها. وفي هذا القدر من البيع تجتمع آراء جميع العلماء، ولم ينفرد من فقهاء المذاهب إلا المتقيدون بمشهور مذهب الحنابلة، الذين قصروا المنع على المبيع بالكيل أو الوزن، أو العد، أو الذرع (١) ، مع أنه- هنا- رواية عن الإمام أحمد منع بيع الطعام مطلقاً. مشى عليها " الخِرَقي " وصاحب المغنى، وشارح المقنع.

стр. 460

أدلة هذه الأقوال: استدل الحنفية والشافعية ومن وافقهم، بما رواه أحمد، والنسائي، عن حكيم ابن حزام قال: " قُلْتُ: يَا رَسولَ الله، إني اشتَرِى بيوعا، فَما يَحِل لي منهَا وَمَا يَحرُمُ؟ فقال: إذا اشتريت بيعاً فلا تبْعهُ حَتى تقْبِضَهُ " وفي إسناده مقال للعلماء. وما رواه أبو داود، والدارقطنى، وصححه الحاكم، وابن حبان، عن زيد بن ثابت: " أن النَبي ﷺ نَهَى أن تباع السلَعُ حَيْث تُبتاع حَتى يَحُوزَها التجارُ إلَى رِحَالِهِم "، وظاهر هذين الحديثين، عامُ في كل مبيع. واستدل المالكية، الذين يرون أن المنع في مكيل الطعام وموزونه، بما رواه" مسلمِ " و " أحمد " عن جابر قال: " قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إذَا ابتعْتَ طَعَامَا فَلا تَبِعْه حَتَى تَستوْفِيَهُ ". والاستيفاء، إنما يكون في الكيل أو الوزن. ومثله في " مسلم " و " أحمد " أيضا عن أبى هريرة: " نَهَى رسُولُ الله ﷺ : أنْ يُشْتَرى الطَّعَامُ ثُمً يُبَاع حَتَّى يُسْتَوْفَى ". ولـ" مسلم ": ثم أنَ النبِي ﷺ قَالَ: "مَنِ اشْترَى طَعَاماً فَلا يَبعْهُ حَتًى يَكْتَالَهُ ". أما الذين لا يفرقون في المطعوم، بين الجزاف وغيرِه، فيستدلون، بما رواه " البخاري، و " مسلم " و " أبو داود " و " النسائي " عن ابن عمر قال: " كانُوا يَبْتَاعُونَ الطعَامَ جُزَافاً بأعْلَى السُّوق فَنَهَاهُمْ رَسُولُ الله ﷺ أن يَبِيعُوهُ حَتَّى يَنْقُلُوهُ ". وفي أحد ألفاظ هذا الحديث: " مَن ابتاعَ طَعَاماً فَلا يَبِعْهُ حتَى يَقْبِضَهُ ". وهذه أحاديث تعُمُّ الجزاف وغيره، مع أن حديث ابن عمر، نص صريح بالجزاف.
следующие страницы →