← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9878

تيسير العلام شرح عمدة الأحكام

عبد الله البسام

Полный текст (741 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

اختلاف العلماء: ذهب كثير من العلماء، ومنهم الشافعية والحنابلة والظاهرية: إلى أنه لا يجوز بيع العرايا إلا فيما دون خمسة أوسق، لأن الأصل التحريم، وبيع العرايا رخصة، فيؤخذ بما يتحقق فيه الجواز، ويلغى الشك الذي وقع في الحديث [خمسة أوسق أو دون خسة أوسق] وهو شك وقع لأحد رواة الحديث. وهو داود بن الحصين، فلذلك جوزنا " دون خمسة أوسق " لأنه متفق عليها ومنعنا " الخمسة " للشك فيها. والأصل التحريم للنهى عن المزابنة. وذهب بعضهم- ومنهم المالكية- إلى الجواز في الخمسة عملا برواية الشك، وبما روى عن سهل بن أبي حَثْمة [أن العرية ثلاثة أوسق أو أربعة أو خمسة] وهو رواية عن الإمام أحمد، نظر فيها إلى عموم الرخصة، فلا يضر الشك في الزيادة القليلة، واختارها شيخنا " عبد الرحمن آل سعدي " رحمه الله تعالى. باب بيع النخل بعد التأبير الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄: أن رَسولَ الله ﷺ قال: " مَنْ بَاعَ نَخْلا قَدْ أبرت فَثَمَرَتُهَا للْبَائِع، إلا أنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ" ولـ " مسلم " (١) و" مَنْ ابتَاعَ عَبْدا فَمَالُهُ للَّذِي بَاعَهُ إلا أن يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ ". الغريب: أبرت: بتخفيف الباء وتشديدها. فالأول: أبرت النخل أبراً، بوزن أكلت أكلا. والثاني: أبرت النخل تأبيراً، بوزن علمته أعلمه تعليماً. والتأبير: التلقيح، وهو وضع شيء من طلع ذكر النخل، في طلع إناثه. المبتاع: هو المشترى، بقرينة الإشارة إلى البائع ويأتي اللفظ للبائع والمشترى، فهو من الأضداد.

стр. 457

المعنى الإجمالي: أول العمل في ثمرة النخل هو تلقيحه، ولهذا فإن الشارع أناط به الحكم. فمن باع أصول نخل، فإن كانت الثمرة مؤبرة قد عمل بها صاحبها واستشرفت نفسه لها، فهي للبائع مبقاة على أصولها إلى أوان جذاذها. وإن لم تؤبر فهي داخلة في بيع الأصول، فتكون للمشترى. هذا ما لم يشترط المشترى في الصورة الأولى، دخول الثمرة أو بعضها في البيع، أو يستثنى البائع الثمرة أو بعضها في الصورة الثانية، فتكون باقية على أصولها إلى أوان جذاذها، لاًن المسلمين على شروطهم الصحيحة، وهذا منها. وكذلك العبد الذي جعل سيده بيده مالا، فإن باعه فماله لسيده الذي باعه لأن العقد لا يتناوله، إلا أن يشترطه المشترى، أو يشترط بعضه، فيدخل في البيع.. ولو كان المال الذي معه مما يجرى فيه الربا مع الثمن فإنه جائز لأنه تابع غير مقصود لذاته والتابع لا حكم له، لأنه في حكم المتبوع. ما يؤخذ من الحديث: ١- أن من باع نخلا قد أُبّر، فثمرته للبائع، وهذا منطوق الحديث. ٢- أن من باع نخلا لم يؤبر، فثمرته للمشترى، وهذا مفهوم الحديث. ٣- إن استثنى البائع الثمرة التي لم تؤبر، أو بعضها فهي له بشرطه. ٤- إن اشرط المشترى دخول الثمرة المؤبرة بالعقد، فهي له بشرطه. ٥- صحة اشتراط بعض الثمرة مأخوذ من حذف المفعول به من قوله [إلا أن يشترط المبتاع] ، فهو صادق عليه كله، وعلى بعضه. ٦- إن كان بعض ثمره مؤبرا، وبعضه غير مؤبر، فالصحيح أن لكل حكمه، لأن الحكم يدور مع علته وجودا وعدماً. إلا إذا كان التأبير في نخلة واحدة فتكون كل ثمرتها للبائع، لأن باقيها تبع لأولها. ٧- ألحق الفقهاء بالبيع جميع التصرفات: كأن يكون النخل عوض صلح. أو صداقا، أو جعله صاحبه أجرة، أو هبة أو غير ذلك مما فيه نقل الملك. ٨- دخول الثمرة في البيع إذا اشتريت قبل التأبير، أو اشترطها المشترى وهي مؤبرة، يُعَدّ بيعاً للثمر قبل بُدُو صلاحه، لكن رخص فيه لأنه تابع لأصله. ليس مستقلا. والقاعدة العامة " يثبت تبعاً، ما لا يثبت استقلالا " وهذه الصورة منها وبهذا يجمع بين النصين.

стр. 458

٩- أن من باع عبداً، وقد جعل بين يديه مالا يتصرف به، فالمال للبائع إلا أن يشترطه المشترى مع الصفقة، أو يشترط بعضه، فيدخل مع المبيع. وحينئذ يشترط فيه ما يشترط غيره من المبيعات. ١٠- لا يضر أن يكون مع العبد المبيع ما يدخله الربا مع الثمن، كأن يتبعه فضة والثمن ريالات فضية، لأنه تابع. ١١- قال شيخ الإسلام: بيع الزرع بشرط التبقية لا يجوز باتفاق العلماء. وإن اشتراه بشرط القطع جاز بالاتفاق. وإن باعه مطلقا لم يجز عند جماهير العلماء، فإن النبي ﷺ نهى عن بيع الحب حتى يشتد. بَابُ نهي المشتري عن بيع الطعام قبل قبضه الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄: أن رَسُولَ الله ﷺ قال: " مَنِ ابتاعَ طَعَاماً فَلا يَبِعْهُ حَتَى يَسْتَوْفِيَهُ ". وفي لفظ: " حَتَّى يَقْبِضَهُ " وعن ابن عباس.. مثله. الغريب: من ابتاع: يعنى من اشترى. طعاماً- لغة- كل مطعوم، من مأكول ومشروب. وفي الصدر الأول، إذا أطلق الطعام في الحجاز، انصرف إلى الْبُر خاصة. المعنى الإجمالي: لما كان قبض الطعام من متممات العقد، ومكملات الملك، نهى الشارع الحكيم، المشترى عن بيعه حتى يقبضه ويستوفيه، ويكون تحت يده وتصرفه، لأنه- قبل القبض- عرضة للتلف في ضمان البائع، ولأن العقد عليه قبل القبض، ربما سبب فسخ العقد الأول. فاٍن كان بخسارة، حاول المشترى الفسخ، وإن كان بربح، حاوله البائع.

стр. 459

ما يستفاد من الحديث: ١- النهى عن بيع الطعام قبل قبضه. ٢- في لفظ [حتى يستوفيه] ما يشعر بأنه خاص بما يحتاج إلى حق توفية، وهو المكيل والموزون. وفي لفظ [حتى يقبض] ما يفيد عموم النهي عن البيع، في الجزاف والمكيل، والموزون، ويأتي الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى. ٣- جواز بيعه بعد القبض والاستيفاء. ٤- النهى ورد في الحديث بالتصرف فيه بالبيع، ولكن ألحق كثير من العلماء- ومنهم الشافعية، والحنابلة- بعض عقود تدخل تحت مسمى البيع، أو تكون وسيلة إليه كالإجارة، والهبة على عوض، والرهن، والحوالة. ٥- أما ماعدا البيع وما يجرى مجراه، فيجوز التصرف فيه، لأنها عقود يتسامح فيها بالغرر اليسير، ولأنها لم تقصد للربح فمحذور محاولة فسخ العقد المشار إليها خفية. اختلاف العلماء: ذهبت الحنفية والشافعية، إلى المنع من بيع أي شيء قبل قبضه، وهو رواية قوية عن الإمام أحمد، اختارها من أصحابه " ابن عقيل " والشيخ تقي الدين. وقال الشيخ: وعليه تدل أصول أحمد، واختارها " ابن القيم " وصححها، وذكر أن أحاديثها لا تنافي أحاديث الطعام، وأطال القول فيها. لكن الحنفية استثنوا بيع العقار، فيجوز- عندهم- ولو قبل قبضه. وذهبت المالكية في المشهور عنهم، إلى منع ما بيع من الطعام بالكيل والوزن خاصة. وذهبت الحنابلة، في المشهور من مذهبهم: إلى منع ما بيع بكيل، أو وزن أو عد، أو بصفة، أو رؤية متقدمة للعقد. ولا فرق في ذلك بين المطعوم وغيره. وذهب بعض المالكية إلى اختصاص ذلك بالمطعوم، ويستوي في ذلك أن يكون جزافا، أو مكيلا، أو موزوناً أو غيرها. وفي هذا القدر من البيع تجتمع آراء جميع العلماء، ولم ينفرد من فقهاء المذاهب إلا المتقيدون بمشهور مذهب الحنابلة، الذين قصروا المنع على المبيع بالكيل أو الوزن، أو العد، أو الذرع (١) ، مع أنه- هنا- رواية عن الإمام أحمد منع بيع الطعام مطلقاً. مشى عليها " الخِرَقي " وصاحب المغنى، وشارح المقنع.

стр. 460

أدلة هذه الأقوال: استدل الحنفية والشافعية ومن وافقهم، بما رواه أحمد، والنسائي، عن حكيم ابن حزام قال: " قُلْتُ: يَا رَسولَ الله، إني اشتَرِى بيوعا، فَما يَحِل لي منهَا وَمَا يَحرُمُ؟ فقال: إذا اشتريت بيعاً فلا تبْعهُ حَتى تقْبِضَهُ " وفي إسناده مقال للعلماء. وما رواه أبو داود، والدارقطنى، وصححه الحاكم، وابن حبان، عن زيد بن ثابت: " أن النَبي ﷺ نَهَى أن تباع السلَعُ حَيْث تُبتاع حَتى يَحُوزَها التجارُ إلَى رِحَالِهِم "، وظاهر هذين الحديثين، عامُ في كل مبيع. واستدل المالكية، الذين يرون أن المنع في مكيل الطعام وموزونه، بما رواه" مسلمِ " و " أحمد " عن جابر قال: " قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : إذَا ابتعْتَ طَعَامَا فَلا تَبِعْه حَتَى تَستوْفِيَهُ ". والاستيفاء، إنما يكون في الكيل أو الوزن. ومثله في " مسلم " و " أحمد " أيضا عن أبى هريرة: " نَهَى رسُولُ الله ﷺ : أنْ يُشْتَرى الطَّعَامُ ثُمً يُبَاع حَتَّى يُسْتَوْفَى ". ولـ" مسلم ": ثم أنَ النبِي ﷺ قَالَ: "مَنِ اشْترَى طَعَاماً فَلا يَبعْهُ حَتًى يَكْتَالَهُ ". أما الذين لا يفرقون في المطعوم، بين الجزاف وغيرِه، فيستدلون، بما رواه " البخاري، و " مسلم " و " أبو داود " و " النسائي " عن ابن عمر قال: " كانُوا يَبْتَاعُونَ الطعَامَ جُزَافاً بأعْلَى السُّوق فَنَهَاهُمْ رَسُولُ الله ﷺ أن يَبِيعُوهُ حَتَّى يَنْقُلُوهُ ". وفي أحد ألفاظ هذا الحديث: " مَن ابتاعَ طَعَاماً فَلا يَبِعْهُ حتَى يَقْبِضَهُ ". وهذه أحاديث تعُمُّ الجزاف وغيره، مع أن حديث ابن عمر، نص صريح بالجزاف.

стр. 461

وهذه الأدلة لا تنافي حديثي ابن عمر، وأبي هريرة، اللذين استدل بهما المالكية، لأن ثبوت وجوب القبض في المكيل والموزون، لا يستلزم عدم ثبوت الحكم في غيره. وأدلة هاتين الطائفتين تدل- بمفهومها- على اختصاص منع البيع في الطعام سواء أكان مكيلا أم موزوناً، كما هو مذهب المالكية، أو هما والجزاف أيضاً، كما هو مذهب الذين بعدهم،: لكنه " مفهوم لقب " وليس بحجة، ولو فرضنا مجيئه، فإنه لا يقاوم منطوق الأحاديث التي استدل بها الحنفية والشافعية. أما أدلة المشهور من مذهب الحنابلة، فهي مفاهيم أحاديث الطعام، أيضا، لأنها نصَّتْ عليه، فدل على أن هذا الحكم مقصور على الطعام، وأن قصره على ما يباع بالكيل والوزن، لأنه هو الجاري- غالباً- في بيعه. ولما روى عن ابن عمر " مَضَتِ السنةُ أن مَا أدرَكهُ الصفْقَةُ حَبا مَجْمُوعا فَهُوَ مِنْ مَال المُبتاعِ " رَواه البخاري تعليقا والمبتاع، هو المشترى. ثم عَدَّوِا هذا الحكم، إلى كل ما يحتاج إلى حق توفية، مما يبيع بكيل، أو وزن، أو عَدد أو ذرْع، أو بيع بصفة، أو رؤية متقدمة على العقد، لأن هذا كله يحتاج إلى حق توفية. فائدتان: الأولى: فقهاء المذاهب يجعلون ضمان التلف في الآفة السماوية-: هي مالا صُنْع لآدمي فيها، كالحر، والبرد، والجراد، ونحو ذلك من الحوادث. فما يصح عندهم تَصرفُ المشترى فيه قبل القبض بالبيع، يكون ضمانه عليه، إذا تلف أو تعيّب. وما لا يصح تصرفه فيه، فمن ضمان البائع على حسب اختلافهم المتقدم في ذلك. الثانية: في صفة قبض المبيعات: يحصل قبض ما يبيع بكيل، بكيله. وما بيع بوزن، بوزنه. وما بيع بعد بعده. وما بيع بذرع بذرعه. وما ينقل بنقله، وما يتناول بتناوله. والعقار والثمر على الشجر، بتخليته، بأن يرفع البائع يده ويضعها المشترى.

стр. 462

بَابُ تحْريم بَيْع الخبائث من صفات النبي ﷺ في الكتب السابقة وعلى ألسنة الأنبياء عليم الصلاة والسلام: أنه الذي يحل الطيبات، ويحرم الخبائث. وهذا تشريع عام في المآكل والمشارب، والملابس، والعادات وغير ذلك. وهذه قاعدة كبيرة تحافظ على كل طيب، وتنفي كل خبيث، كما أنها معتمد لكل ما جدّ وطرأ، ليقاس بمقياسها الصحيح. وهذا من كمال هذه الشريعة، ومن عناصر البقاء والخلود فيها. وتأمل الحديث الآتي تجدْ أن المحرمات فيه عُددَتْ، إشارة إلى أنها نماذج لما يفسد الأديان، والأبدان، والعقول. فيراد بذكرها، التنبيه على أنواعها وأشباهها. والله حكيم عليم. الحديث الأول عَنْ جَابرِ رَضَ الله عَنْهُ: أنَهُ سَمِعَ رَسُول الله ﷺ يقُول عَامَ الفَتْح: " إن الله وَرَسُولَهُ حَرمَ بيعَ الخَمر، وَالمَيتَةِ، وَالخِنزِير، والأصنام ". فقيل: يَا رَسُول الله، أرَأيْتَ شحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإنَّهَا يُطْلَى بِهَا السَّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبحُ بِهَا النَّاسُ؟. فقال: " لَا. هُوَ حَرَام ". ثمَّ قَالَ رَسُولُ الله على عنْدَ ذلِكَ: " قَاتَلَ الله الْيَهُودَ، إنَّ الله لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوه فَأكلُوا ثَمَنَهُ ". جَمَلُوهُ: أذَابُوهُ. الغريب: عام الفتح: هو فتح مكة، وكان في السنة الثامنة من الهجرة في شهر رمضان. حرَّم: بإعادة الضمير إلى الواحد، تأدباً مع الله تعالت عظمته، وتفرد بالإجلال. الميتة: بفتح الميم، ما ماتت حتف أنفها، أو ذُكتْ ذكاة غير شرعية. الأصنام: مفرده " صنم " وهو " الوثن " المتخذ من الأحجار وغيرها، على هيئة مخصوصة للعبادة. أرأيت شحوم الميتة: أخبرني عن حكم بيع شحوم الميتة: فهل يحل مع وجود هذه المنافع فيها؟. يستصبح بها الناس: أي يستضيئون به، حين يجعلونه في المصابيح وهي السرج. هو حرام: الضمير يعود على البيع.

стр. 463

قاتل الله اليهود: لعنهم الله، لما ارتكبوه من هذه الحيلة الباطلة. وفيه تنبيه على علة تحريم بيع هذه الأشياء. جملوه: بفتح الجيم والميم المخففة. أي أذابوه. و " الجميل " الشحم المذاب. المعنى الإجمالي: جاءت هذه الشريعة الإسلامية السامية، بكل ما فيه صلاح للبشر، وحذّرت من كل ما فيه مضرة تعود على العقول والأبدان والأديان. فأباحت الطيبات- وهى أغلب ما خلق الله في الأرض لنا. وحرمت الخبائث. ومن تلك الخبائث المحرمة هذه الأشياء الأربعة المعدودة في هذا الحديث. فكل واحدا منها يشار به إلى نوع من المضار. فالخمر- وهي كل ما أسكر وخامر العقل- هي أم الخبائث، التي بها تزول عن الإنسان نعمة العقل التي كرَّمهْ الله بها. ويأتي في حال سكره ولهوه بأنواع المنكرات والعظائم، وإشاعة العداوة والبغضاء بين المسلمين، والصد عن الخير وعن ذكر الله. ثم ذكر الميتة، التي لم تمت- غالباً- إلا بعد أن تسممت بالمكروبات والأمراض أو احتقن دمها في لحمها، فأفسده، فأكلها مضرة كبيرة على البدن، وهدم للصحة. ومع هذا، فهي جيفة خبيثة نتنة نجسة، تعافها النفوس، ولو أكلت مع إكراهها والتقزز منها، لصارت مرضاً على مرض، وبلاء مع بلاء. ثم ذكر أخبث الحيوانات وأكرهها وأبشعها، وهو الخنزير الذي يحتوى على أمراض وميكروبات، لا تكاد النار تقتلها وتزيلها. فضرره عظيم، ومفاسده متعددة، ومع هذا فهو قذر نجس. ثم ذكر ما فيه الضرر أكبر والمفسدة العظمى، وهى الأصنام التي هي ضلال البشرية وفتنتهم، وهي التي بها حورب الله تعالى وأشركت في عبادته وحقه على خلقه، فهي مصدر الضلال، ومحط الفتنة. وما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب إلا لمحاربتها، وإنقاذ الناس من شرها. فكم فتن بها من خلائق، وكم ضل بها من أمم، وكم استوْجبَتْ النار بها. فهذه الخبائث، عناوين المفاسد والمضار، التي تعود على العقل والبدن والدين. فهي أمثلة لاجتناب كل خبيث، وصيانة لما يفسد العقول والأبدان والأديان. فاجتنابها وقاية من أنواع المفاسد.

стр. 464

ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم بيع الخمر وعمله وما يعينها عليه وشربه، أو التداوي به. ويدخل في مسمى الخمر، كل مسكر، سائلا أو جامداَ أُخذَ من أي شيء، سواء أكان من عنب، أم تمر أم شعير، ومثله الحشيش، والأفيون، والدخان، والقات، فكلها خبائث محرمة. ٢- حرمت لما فيها من المضار الكبيرة والمفاسد العظيمة على العقل، والدين، والبدن، والمال، وما تجره من الشرور والعداوات والجنايات، إلى غير ذلك من مفاسد لا تخفى. ٣- تحريم الميتة، لحمها، وشحمها، ودمها، وعصبها، وكل ما تسري الحياة فيه من أجزائها. وحُرمت، لما فيها من المضرة على البدن، ولما. فيها من الخبث والقذارة والنجاسة، فهي كريهة خبيثة، ومن أجل هذه المضار وانتفاء المصالح، حَرُمَ بيعها. ٤- استثنى جمهور العلماء، الشعر، والوبر، والصوف، والريش من الميتة، لأنه ليس له صلة بها ولا تحله الحياة، فلا يكسب من خبثها. أما جلدها، فهو نجس قبل الدبغ، لكن بعد أن يدبغ دبغا جيدا، ويزيل الدباغ فضلاته الخبيثة، فإنه يحل ويطهر عند الجمهور. وبعضهم يقصر استعماله على اليابسات. والأول أولى، لأن النبي ﷺ قال: " يطهره الماء والقرَظ (١) " ٥- تحريم بيع الخنزير: - ويحرم أكله وملامسته وقربه، فهو من الخبائث التي هي مفسدة محضة، لا مصلحة فيها، فضرره على البدن والعقل عظيم، لأنه يسمم الجسد بأمراضه، ويورث آكله من طباعه الخبيثة، وهو مشاهد في الأمم التي تأكله، فقد عرفوا بالبرودة. ٦- تحريم بيع الأصنام، لما تجره من شر كبير على العقل، والدين، باتخاذها وترويجها، محادة لله تعالى. ومن ذلك الصليب، الذي هو شعار النصارى. والتماثيل التي تصنع للزعماء والوزراء. ومنها أيضا هذه الصور التي تظهر في المجلات والصحف وغطها، لا سيما الصور الخليعة العارية الماجنة، التي فتنت الشباب وأثارت غرائزهم الجنسية. ومنها الأفلام السينمائية، خصوصا المناظر الماجنة السافرة عن الدعارة والفجور. فهذه كلها شر لا خير فيه، ومفسدة لا مصلحة فيها، ولكن ألف الناس المنكر، حتى صار معروفا. فالله المستعان. ٧- أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. لا سيما إذا كانت المفاسد أرجح من

стр. 465

المصالح. فإن مصالح شحوم الميتة، لم تبح بيعها، والمعاملة به، ولذا- لما عددوا له منافعها، لعلها تسوغ بيعها- قال: لا، هو حرام. ٨- استعمال النجاسة على وجه لا يتعدى لا بأس به، فإنه لم ينههم عنه لما أعلموه به. والضمير في قوله: " هو حرام " راجع إلى البيع، لا إلى الاستعمال. ٩- أن التحيل على محارم الله، سبب لغضبه ولعنه، فإن من يأتي الأمر، عالما تحريمه، أخف ممن يأتيه متذرعاً إليه بالحيل. لأن الأول معترف بالاعتداء على حدود الله ويرج له الرجوع والاستغفار. وأما الثاني، فهو مخادع لله تعالى، وبحيلته هذه سيصر على آثامه، فلا يتوب، فيكون محجوبا عن الله تعالى. ١٠- أن الحيل هي سنة اليهود، المغضوب عليهم. ١١- أن حبهم للمادة قديم، حملهم على الحيل ونقض العهود وغشيان المحرمات، ولا يزالون في غيهم يعمهون، شتت الله شملهم. قلما ذكر لهم النبي ﷺ تحريم هذه الأشياء، ذكروا له منافع في شحم الميتة يأتونها، لعله يستثنى تحريمها من هذه الأشياء المحرمة، لهذه المنافع المقصودة، فقال: لا تبيعوها فإن بيعها حرام، لا تسوغه هذه المنافع. ولم ينههم عن استعمالها فيما ذكروه. ثم من كان رأفته ونصحه بأمته، حذرهم مما وقع فيه اليهود من استحلال المحرمات بالحيل الدنيئة السافرة، لئلا يقعوا مثلهم فيما يشبهها، فدعا على اليهود باللعن ليشعر أمته عظيم جريمتهم بارتكاب الحيل. وبين لهم أنه تعالى لما حرم على اليهود الشحوم، عمدوا- من مخادعتهم الله تعالى وعبادتهم للمادة- إلى أن أذابوا الشحم المحرم عليهم كله وباعوه، وأكلوا ثمنه، وزعموا بهذا، أنهم لم ارتكبوا معصية، فهم لم يأكلوا الشحم، وإنما أكلوا ثمن الشحم، وهذا هو التلاعب بأوامر الله تعالى ونواهيه، والاستخفاف بأحكامه وحدوده. ولقد أصابنا ما أصابهم من ارتكاب الحيل، ومخادعة الله تعالى، مصداقاً لقوله ﷺ : " لَتَركبُن سنن مَنْ كَان قبلكُم حَذوَ القُذةِ يالقُذةِ (١) . حَتى لَو دخَلوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلتُمُوهُ " فالله المستعان.

стр. 466

ونسأل الله تعالى العصمة والهداية، وأن يرينا الحق حقا وارزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. ١٢- تحريم الحيل، وأنها لا تغير الحقائق، ولو سميت الأشياء بغير أسمائها وأزيلت بعض صفاتها. ١٣- أن الشرع جاء. بكل ما فيه الخير والحذر من كل ما فيه شر أو رجح شره على خيره. ١٤- أن المحرمات المعدودة في الحديث نماذج لأنواع الخبائث المحرمة، التي يعود ضررها على الدين، أو العقل، أو البدن، أو الطباع والأخلاق. فكأن هذا الحديث سيق لبيان أنواع الخبائث (١) . بابُ السَّلَم السلم: - هو السلف، وزنا ومعنى، وسمى سلما، لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفا، لتقديمه. وتعريفه شرعا: عقد على موصوف في الذمة، مؤجل بثمن مقبوض بمجلس العقد. وبهذا التعريف يعلم أنه نوع من البيع. والأصل في جوازه، الكتاب، والسنة، والإجماعِ، والقياس الصحيح. فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أيهَا الذي آمَنُوا إذا تداينتم بدين إلَى أجَل مُسَمى فَاكْتُبُوهُ﴾ قال ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مُسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية. وأما السنة، فمنها حديث الباب الآتي. وإما الإجماع، فلم ينقل عن أحد من العلماء منعه. قال الشافعي: أجمعت الأمة على جواز السلم فيما علمت. وهو على وفق القياس والمصلحة للبائع والمشترى. فالبائع ينتفع بشراء السلعة بأقل من قيمتها حاضرة. والمشترى ينتفع بتوسعه بالثمن. وقد اشترطت فيه الشروط، التي تحقق فيه المصلحة، وتبعده عن الضرر والغرر. حيث شرط قبض الثمن بالمجلس لتحصل الفائدة من التوسعة، وشرطه العلم بالعوضين والأجل، وضبط المسلم فيه بمعايير الشرعية، لإبعاد النزاع والمخاصمات. ولا فرق بين تأجيل الثمن وتأجيل المثمن، فكلاهما وفق القياس والمصلحة، والشرع لا يأتي إلا بالخير.

стр. 467

وقد ظن بعض العلماء خروجه عن القياس، وعدوه من " باب بيع ما ليس عندك " المنهي عنه في حديث حكيم بن حزام، وليس منه في شيء. فإن حديث حكيم يحمل على بيع عين معينة ليست في ملكه، وإنما ليشتريها من صاحبها فيعطيها المشترى، فهذا غرر، وعقد على غير مقدور عليه. أو يحمل على السلم، الذي يظن المسلم أنه لا يتمكن من تحصيله وقت حلول الأجل. فأما السلم الذي استوفى شروطه، فليس من الحديث في شيء، لأن متعلقه الذمم لا الأعيان. فهو على وفق القياس. والحاجة داعية إليه. وقد ذكر النبي ﷺ أن ثلاثا فيهن البركة، ذكر منها [البيع إلى أجل] والسلم منه. الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسِ رَضىَ الله عَنْهُمَا قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ الْمَدِينة وَهمْ يُسْلِفون في الثّمَارِ السنةَ والسنتين وَا لثَّلاثَ. فقال: " مَنْ أسلَفَ في شَيءٍ فَلْيُسْلِفْ في كَيْل مَعْلُوم، وَوَزْنٍ مَعْلُوم، إلَى أجل مَعْلُوم ". المعنى الإجمالي: قدم النبي ﷺ مهاجرا، فوجد أهل المدينة- لأنهم أهل زروع وثمار- يسلفون. وذلك بأن يقدموا الثمن ويؤجلوا المثمن في الثمار، مدة سنة، أو سنتين، أو ثلاث سنين، فأقرهم ﷺ على هذه المعاملة ولم يجعلها من باب بيع ما ليس عند البائع المفضي إلى الغرر، لأن السلف متعلقه الذمم لا الأعيان. ولكن بين ﷺ لهم في المعاملة أحكاما تبعدهم عن المنازعات والمخاصمات التي ربما يجرها طول المدة في الأجل فقال: من أسلف في شيء فليضبط قدره بمكياله وميزانه، الشرعيين المعلومين، وليربطه بأجل معلوم، حتى إذا عرف قدره وأجله، انقطعت الخصومة والمشاجرة، واستوفى المشترى حقه بسلام. ما يستفاد من الحديث: يشترط في السلم ما يشترط في البيع، لأنه أحد أنواعه. فلابد أن يكون العقد من جائز التصرف، مالك للمعقود عليه، أو مأذون له فيه، ولابد فيه من الرضا، وأن يكون المسلم فيه مما يصح بيعه، ولابد فيه من القدرة عليه وقت حلوله، وأن يكون الثمن والمثمن معلومين. ويزيد السلم على هذه الشروط شروطاً ترجع إلى زيادة ضبطه وتحريره، لئلا تفضي المعاملة إلى الشجار والمخاصمة، ونأخذ أهم هذه الشروط من الحديث الذي معنا.

стр. 468

١- أن يبين قدر المسلم فيه بمكياله أو ميزانه الشرعيين، إن كان مكيلا أو موزوناً، أو بذرعه، إن كان مما يُذْرَعُ، أو بِعَدّهِ إن كان مما يُعَد، ولا يختلف المعدود بالكبر أو الصغر أو غيرهما، اختلافاً ظاهراً. ٢- أن يكون مؤجلا، ولابد في الأجل أن يكون معلوما، فلا يصح حالاُّ، ولا إلى أجل مجهول. ٣- أن يقبض الثمن بمجلس العقد، وهذا مأخوذ من قوله: "فَلْيُسْلِفْ " لأن السلف هو البيع، الذي عُجلَ ثمنه وأجلِ مثمنه. ٤- أن يسلم في الذمة لا في الأعيان، وهذا هو الذي سوَغ العقد، وإن كان وفاؤه من شيء غير موجود عند البائع، وإنما يستوفى من ثمار أو زروع لم توجد وقت العقد. وبهذا تبين أن السلم لم يتناوله النهى في قوله " ولا تبع ما ليس عندك " وأن العقد عليه وفق القياس. هذه أهم شروطه المعتبرة. وقد شدد فيه بعض الفقهاء بذكر قيود وحدود، ليس عليها دليل واضح. بَابُ الشروط في البَيْع والأصل في الشروط، الصحة، والتزامها لمن شرطت عليه، لقوله ﷺ : " الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ إلا شَرْطاً أحَلَّ حَرَاماً أوْ حَرّمَ حَلالا ". الحديث الأول عَنْ عَائِشَةَ رَضِ الله عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْني بَريرةُ فَقَالَت: كاتَبْتُ أهلي عَلَى تِسْعِ أوَاقٍ. في كُل عَام أوقيةٌ، فَأعِينِيِي. فَقُلْتُ: إنْ أحَبَّ أهْلُكِ أنْ أعُدّهَا لَهُمْ وَوَلاؤكِ لي، فَعَلْتُ. فَذَهَبَتْ بَرِيرَة إلى أهْلِهَا فَقَالَتْ لَهُمْ، فَأبَوْا علَيْهَا. فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِهِمْ وَرَسُولُ الله ﷺ جَالِس. فَقَالَتْ: إني عَرَضْتُ ذلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأبَوْا إلا أنْ يَكُونَ لَهُم الْوَلاءُ. فَأخْبَرَتْ عَائِشَةُ النَّبي ﷺ فَقَالَ: " خُذِيهَا واشتَرِطِي لَهُمُ الوَلاء، فَإنمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ ". فَفَعَلَتْ عَائِشَةُ. ثُم قَامَ رَسولُ الله ﷺ فِي الناس. فَحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ،

стр. 469

ثُمَّ قَالَ: " أمّا بَعْدُ، فَمَا بَال رِجَال يَشترِطُونَ شرُوطاً لَيسَتْ فِي كِتَابِ الله؟ مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيسَ فِي كِتَاب الله فَهُوَ بَاطِل، وإن كانَ مِائَةَ شرْط. قَضَاءُ الله أحَق، وَشرْط الله أوْثقُ، وَإنَمَا الوَلاءُ لمَنْ أعْتَقَ. الغريب: كاتبت: مشتقة من الكتب، وهو الجمع، لأن نجوم أقساطها جمعت على العبد أواق: الأوقية أربعون درهماً، وتقدم ضبطها بالعملة الحاضرة في الزكاة. وولاؤك لي: الولاء، هو النصرة، لكن خص في الشرع بالعتق الذي هو تحرير الرقبة، وتخليصها من الرق. فما بال: حال. في كتاب الله: أي في شرعه الذي كتبه على العباد وحكمه العام. وإن كان مائة شرط: لم يقصد بالمائة التحديد، وإنما قصد التوكيد والمبالغة للعموم، ويدل على ذلك قوله: "من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل، قضاء اللَه أحق وشرط الله أوثق ". أحق وأوثق: جاءا على صيغة التفضيل وليسا علىٍ بابهما بمعنى أن في كل من الجانبين حقاً ووثاقه، وإنما جاءت الصيغتان مرادا بهما "أن قضاء اللَه هو الحق، وشرط الله هو القوى". فهما صفتان مشبهتان. المعنى الإجمالي: هذا حديث جليل عظيم، لما اشتمل عليه من الأحكام، ولما حوى من الفوائد. ولقد أفرده بعض العلماء بالتصنيف، واستخرجوا منه ما يزيد على أربعمائة حكم وفائدة. ونحن نجمل أهم الأحكام التي يدل عليها. فملخص القصة، أن أمة لأحد بيوت أهل المدينة يقال لها (بريرة) كاتبت أهلها، بمعنى اشترت نفسها من سادتها بتسع أواق من فضة، تسلم لهم كل عام أوقية واحدة، وكانت تخدم عائشة، ولها بها صلة ومعرفة. فجاءتها تستعينها على وفاء كتابتها لتخلص من الرق، لأن المكاتب رقيق، ما بقى عليه درهم واحد. فمن رغبة عائشة رضى اللَه عنها في الخير، وكبير مساعدتها في طرق البر، قالت لبريرة: اذهبي إلى سادتك فأخبريهم أني مستعدة أن أدفع لهم أقساط كتابتهم مرة واحدة ليكون ولاؤك لي خالصاً. فأخبرت بريرة سادتها بما قالته عائشة، فأبوا ذلك إلا أن يكون لهم الولاء، لينالوا به الفخر حينما انتسب إليهم الجارية وربما حصلوا به نفعا مادياَ، من إرث ونصرة وغيرهما. فأخبرت عائشة النبي ﷺ باشتراطهم، فقال: اشتريها منهم،

стр. 470

واشترطي لهم الولاء، فهذا اشتراط باطل لن ينفعهم، فإنما الولاء لمن أعتق. وهم قد أقدموا على هذا الاشتراط طمعا في حطام الحياة الدنيا غير مبالين بالحدود والأحكام الشرعية. فاشترتها عائشة على هذا. فقام النبي ﷺ فخطب في الناس فحمد الله وأثنى عليه- كعادته في الأمور الهامة والخطب- ثم انتقل من الثناء على الله تعالى بقوله: " أما بعد " إلى زجر الناس عن الشروط المحرمة المخالفة لكتاب الله تعالى فقال: ما بال رجال يشترطون شروطا ليست من أحكام الله وشرعه، وإنما هي من دافع الطمع والجشع، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، مهما كثر وَأكد ووُثق، فإن قضاء اللَه تعالى أحق بالاتباع، لأنه الذي على وفق الحق والعدل، وهو يأتي بمصالح العباد ويدفع مضارهم، وشرط اللَه الذي ارتضاه لخلقه هو القوىُ، وما سواه واه ضعيف، وإنما الولاء لمن أعتق، وليس للبائع ولا لغيره. ما يستفاد من الحديث: ١- مشروعية مكاتبة العبد، لأنها طريق إلى تخليصه من الرق وفك رقبته، خصوصاً مع قوة العبد على الكسب وصلاحه، وحسن تصرفه، ففيها أجر كبير. قال تعالى: ﴿فَكاتبوهم إنْ عَلِمتُم فيهم خَيْراً﴾ . ٢- أن الكتابة تكون مؤجلة على أقساط يدفعها العبد شيئا فشيئا. لأنه حين عقد الكتابة- لا يملك شيئا، فصار التأجيل فيها لازما، ومن هنا أخذ بعض العلماء معناها. ٣- جواز تعجيل تسليم الأقساط المؤجلة لتخليص المكاتب من الرق عاجلا، وهو مأخوذ من استعانة " بريرة " بعائشة على ذلك. ٤- جاز بيع المكاتب، لأن النبي ﷺ أذن لعائشة في شرائها، وبريرة لم تأت عائشة إلا لطلب العون. وقد منعه بعض العلماء، ويحتاجون إلى جواب عن هذا الحديث، ولا جواب عندهم يكفي للعدول عنه. وممن قال بجواز بيعه، الإمام أحمد رحمه الله تعالى ٥- أن شرط الولاء في البيع باطل، لأن الولاء للمعتق لا للبائع، فهو لحمة كلحمة النسب، يعد نفعه على من أنعم على العتيق بالعتق، لا على من باعه وأحذ ثمنه، فهذا من تمام عدل الله في أحكامه. وأما البيع فصحت، لأن النبي ﷺ لم يبطل العقد بما اشترطه أولياء بريرة على عائشة، وإنما أفاد أن الشرط باطل. ٦- أخذ العلماء من هذا الحديث أن البائع إذا اشترط على المشترى عتق العبد الجميع فإن الشرط صحيح، ويجب على المشتري أن يعتقه فإن لم يفعل أعتقه الحاكم، لأن العتق حق الله تعالى، وهو متشوف إلى عتق الرقاب.

стр. 471

٧- أشكل على العلماء إذْنُ النبي ﷺ لعائشة بشراء بريرة من أهلها، مع موافقتهم على اشتراط الولاء لهم وهو شرط باطل مع اتفاق العلماء على تكريم النبي ﷺ عن قصد تغريرهم، فذهبت في تأويل ذلك مذاهب كثيرة. وأحسنها أن يقال: إن سياق القصة يفهم منه: أن النبي ﷺ قد بين هذا الحكم، وأن الولاء للمعتق لا لغيره. فأراد هؤلاء البائعون أن يشترطوا الولاء طمعاً به، لما يعود به عليهم من النفع. ولعل الذي سوَّغ لهم الإقدام عليه، أن عقد الكتابة قد تم، وقد سلم بعض نجومه. فتوهموا أن هذا يُخَوّل لهم اشتراط الولاء، ولكن النبي ﷺ غضب أن يُتَلاعَبَ بكتاب الله وأحكامه بأدنى الشبهِ. فقام ووعظ الناس، وبين لهم أن كل شرط ليس في شرع الله، فهو باطل مهما كَثُرَ، ومهما أكد، لأن الخير والعدل في اتباع شرعه، والشر والظلم في الابتعاد عنه. وفقنا الله لاتباعه. اعتراض: قد يرد على هذا التخريج فيقال: إذا كان هذا شرطا باطلا معلوم البطلان، قد غضب النبي ﷺ من اشتراطه، فكيف اشترطت عليهم عائشة أن الولاء لها؟. ولعَل الجواب أن الحكم قد اشتبه عليها مع وجود الكتابة وتسليم بعض الأقساط، فأرادت أن تحتاط لنفسها باشتراط ما تظن أن الشارع ملكها إياه. وحين أبوا أخبرت النبي ﷺ بإبائهم، فكان الغضب منصبا على الذين يريدون شرطا مخالفا لحكم الله، مع أنه ربما كان قد وقع منهم بتأويل بعيد. ولم أر هذا الاعتراض وجوابه لأحد، فالله أعلم. ٨- استحباب تبيين الأحكام عند المناسبات، وأن يكون في المجامع الحافلة. ٩- افتتاح الخطب، بحمد الله، والثناء عليه، لتحل بها البركة، ولتكون أولى بالقبول، من إيرادها جافة. ١٠- استحباب إتيان الخطيب" أما بعد" لأنها تشعر بانتقال الخطيب من موضوع إلى آخر، وتزيد الكلام حلاوة وطلاوة ١١- أنه يراد بكتاب الله، أحكامه وشرعه. ١٢- أن كل شرط لم يأذن الله به فهو باطل مردود، وإن كثرَ وأكدَ. ١٣- ليس المقصود بالمائة الشرط، التحديد فإن زيد عليها جازت الشروط.

стр. 472

وإنما المراد المبالغة والتعظيم كقوله تعالى في حق المنافقين الذين لن يغفر لهم ﴿استغفرْ لَهم أولا تَستغفرْ لَهُم إنْ تَستغفِرْ لَهُم سَبْعِينَ مَرة فَلن يَغفِرَ الله لهُم﴾ . ١٤- أن أقضية الله وأحكامه، وشروطه، وحدوده، هي المتبعة. وما عداها فلا يتبع ولا يركن إليه، لأنه على خلاف الحق والعدل. ١٥- أن الولاء للمعتق خاصة، فهو لحمة كلحمة النسب، يحصل بها التوارث والتناصر والتقارب. ١٦- أن العتق سبب الولاء بأي طريق كان، سواء أكان لمكاتبة، أم لكفارة أم مقصودا به البر الإحسان. ١٧- أن الشروط التي على خلاف مقتضى العقد، فاسدة بنفسها، غير مفسدة للعقد. فإن عقد البيع يقتضي أن يكون الولاء للمشترى الذي أعتق، فشرط الولاء لغير المعتق خلاف مقتضى العقد، فيكون فاسدا. ملخص من كلام ابن تيمية حول الشروط الصحيحة، والفاسدة: ذكر ﵀ أن الذي يمكن ضبطه منها قولان: أحدهما أن يقال: الأصل في العقود والشروط فيها الحظر، إلا ما ورد الشرع بإجازته، وهو قول أهل الظاهر وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا، كثير من أصول الشافعي، وأصول طائفة من أصحاب مالك وأحمد، فإن أحمد قد يعلل أحيانا بطلان العقد بكونه لم يرد فيه أثر ولا قياس، وكذلك طائفة من أصحابه قد يعللون فساد الشروط بأنها تخالف مقتضى العقد، ويقولون: ما خالف مقتضى العقد فهو باطل. أما أهل الظاهر فلم يصححه لا عقداً ولا شرطا إلا ما ثبت جوازه بنص أو إجماع. وأما أبو حنيفة فأصوله تقتضي ألا يصح في العقود شروط يخالف مقتضاها في المطلق. والشافعي يوافقه على أن كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل، لكنه يستثنى مواضع للدليل الخاص، وطائفة من أصحاب أحمد يوافقون الشافعي على معاني هذه الأصول، لكنهم يستثنون أكثر مما يستثنيه الشافعي. وهؤلاء الفرق الثلاث يخالفون أهل الظاهر ويوسعون في الشروط أكثر منهم، لقولهم بالقياس، ولما يفهمونه من معاني النصوص التي يتفردون بها عن أهل الظاهر وحجة هؤلاء ما

стр. 473

جاء في قصة بريرة " ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" فكل شرط ليس في القرآن ولا في الإجماع فهو مردود. والحجة الثانية أنهم يقيسون جميع الشروط التي تنافي موجب العقد على اشتراط الولاء، لأن العلة فيه كونه مخالفا لمقتضى العقد، لأن العقود توجب مقتضياتها بالشرع. فيعتبر تغييرها تغييرا لما أوجبه الشرع، بمنزلة تغيير العبادات، وهذه نكتة القاعدة: وهى أن العقود مشروعة على وجه، فاشتراط ما يخالف مقتضاها تغير للمشروع. والقول الثاني: أن الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة ولا يحرم منها ويبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصا أو قياسا، ونصوص أحمد المنصوص عنه أكثرها تجري على هذا القول، ومالك قريب منه، لكن أحمد أكثر تصحيحا للشروط منه. وعامة ما يصححه أحمد من العقود والشروط يثبته بدليل خاص من أثر أو قياس، ولا يعارض بكونه شرطا يخالف مقتضى العقد أو لم يرد به نص، وكان قد بلغه من الآثار عن النبي ﷺ والصحابة ما تجده عند غيره من الأئمة بهذا الخصوص. وقد جاء في الكتاب والسنة الأمر بالوفاء بالعهود والمواثيق والشروط والعقود وأداء الأمانة ورعاية ذلك، وإذا كان جنس الوفاء ورعاية العهد مأمورا به علم أن الأصل صحة العقود والشروط، إذ لا معنى للتصحيح إلا ما ترتب عليه أثره، وحصل به مقصوده، ومقصود العقد هو الوفاء به، وقد روى أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَه ﷺ " الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما، أو حرم حلالا، والمسلمون على شروطهم " قال الترمذى: حديث حسن صحيح. وهذا المعنى هو الذي يشهد له الكتاب والسنة، وهو حقيقة المذهب. والمشترط له أن يوجب بالشرط ما لم يكن واجبا بدونه، فمقصود الشروط وجوب ما لم يكن واجبا ولا حراما، فما كان مباحا بدون الشرط فالشرط يوجبه، والقياس المستقيم في هذا الباب الذي عليه أصول أحمد وغيره من فقهاء الحديث أن اشتراط الزيادة على مطلق القيد واشتراط النقص جائز ما لم يمنع منه الشرع.

стр. 474

الحديث الثاني عَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ الله ﵄: أنهُ كَانَ يَسِيُر عَلَى جَمَل فَأعْيَا، فأرَادَ أن يُسَيبهُ. قال: فَلَحَقَني النبي ﷺ فَدعَا لي، وَضَرَبهُ فَسارَ سيْراً لَم يَسِرْ مِثلَهُ قَطْ، فقالَ: " بعْنِيهَ بأوقِية " قُلْتُ: لا. ثم قال: " بعْنِيه " فَبِعْتُهُ بأوقِيةٍ، وَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلانَهُ إلَى أهلي. فَلَما بَلَغْتُ، أتَيتهُ بَالجَمَلِ، فَنَقَدَني ثمَنَهُ. ثُم رَجَعْتُ. فَأرْسل في أثرِي فَقَالَ: " أتراَني مَاكَستكَ لآخُذَ جَمَلَكَ؟ خذْ جَمَلَكَ وَدرَاهِمَكَ، فهُوَ لَكَ". الغريب: فأعيا: أعيا الرجل أو البعير، إذا تعب وَكَل من الَمشي، يستعمل لازما ومتعدياً، تقول: أعيا الرجل، وأعياه الله. أن يسيبه: أن يطلقه، ليذهب على وجهه. حُمْلانه: بضم الحاء وسكون الميم، أي حمله البائع. أتراني: بضم التاء، أي أتظنني. ماكستك: المماكسة: - المكالمة في البيع والشراء، لطلب الزيادة، أو النقص في الثمن. المعنى الإجمالي: كان جابر بن عبد الله رضى الله عنهما مع النبي ﷺ في إحدى غزواته، وكان راكباً على جمل قد هزل فأعيا عن السير ومسايرة الجيش حتى إنه أراد أن يطلقه فيذهب لوجهه، لعدم نفعه. وكان النبي ﷺ من رأفته بأصحابه وبأمته- يمشى في مؤخرة الجيوش، رِفْقاً بالضعيف، والعاجز، والمنقطع. فلحق جابراً وهو على بعيره الهزيل، فدعا له وضرب جمله، فصار ضربه الكريم الرحيم قوةً وعوناً للجمل العاجز، فسار سيراً لم يسر مثله. فأراد ﷺ من كرم خلقه ولطفه- تطييب نفس جابر ومجاذبته الحديث المعين على قطع السفر، فقال: بعنيه بأوقية. فطمع جابر رضى الله عنه بفضل الله وعلم أن لا نقص على دينه من الامتناع من بيعه للنبي ﷺ لأن هذا لم يدخل في الطاعة الواجبة، إذ لم يكن الأمر على وجه الإلزام. ومع هذا فإن النبي ﷺ أعاد عليه الطلب فباعه إياه بالأوقية واشترط أن يركبه إلى أهله في المدينة، فقبل ﷺ شرطه. فلما وصلوا، أتاه بالجمل، وأعطاه النبي ﷺ الثمن. فلما رجع أرسل في أثره فرجع إليه وقال له: أتظنني بايعتك طمعا في جملك لآخذه منك؟ خذ جملك ودراهمك فهما لك. وليس هذا بغريب على كرمه وخلقه ولطفه، فله المواقف العظيمة ﷺ .

стр. 475

ما يستفاد من الحديث: ١- أن الأحسن للقائد والأمير أن يكون في مؤخرة الجيش والقافلة، انتظارا للعاجزين والمنقطعين. وكما في الحديث " الضعيف أمير الركب ". ٢- رحمة النبي ﷺ ، ورأفته بأمته. فحين رأى جابراً على هذه الحال، أعانه بالدعاء، وضَرْبِ الجمل الذي صار قوة له على السير بإذن الله تعالى. ٣- معجزة كبرى من معجزاته ﷺ ناطقة بأنه رسول الله حقا، إذ يأتي على هذا الجمل العاجز المتخلف، فيضربه فيسير على إثر الضرب هذا السير الحسن ويلحق بالجيش. ٤- جواز البيع والشراء من الإمام لرعيته. ٥- أن الامتناع على النبي ﷺ في مثل هذه القصة، لا يُعَد إثما وعقوقاً وتركا لطاعته، فإن هذه عنه، ليست على وجه الإلزام والتحتيم، وإنما على وجه التخيير والترغيب. ومثلها قصة بريرة، حين شفع إليها أن ترجع إلى زوجها " مغيث " فقد سألته: أتأمرني بذلك؟ فقال: بل شافع. فقالت: لا حاجة لي به. فقد فهم الصحابة رضى الله عنهم أن مثل هذه الأشياء لا تلزم الإجابة، وإلًا لكانوا أسرع الناس إلى الامتثال. ٦- أخذ من هذا الحديث " ابن رجب " ﵀، قاعدة عامة وهى: أنه يجوز للإنسان نقل الملك في شيء، واستثناء نفعه، المعلوم، مدة معلومة. وهذا يعم كل شيء من إجارة، وهبة، ووقف، ووصية، إلا بُضْعَ الأًمَة فلا يجوز استثناؤه، لأنها منفعة لا تحل إلا بالزوجية أو ملك اليمين. ٧- جواز البيع واستثناء نفع المبيع، إذا كان النفع المستثنى معلوما. وهذه المسألة جزء من القاعدة السابقة. وفى هذا خلاف يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. اختلاف العلماء: اختلف العلماء: - هل يجوز للبائع أن يشترط نفعا معلوما في المبيع- كسكنى الدار المبيعة شهراً؟ وهل يجوز- أيضا- للمشترى أن يشترط على البائع نفعه المعلوم في المبيع، كأن يشترط عليه حمل ما اشتراه منه إلى موضع معين، أو خياطة الثوب المبيع ونحو ذلك؟ فذهب الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي. إلى عدم صحة العقد والشرط- إلا أن " مالكا " أجاز شرط الحمل على الدابة إلى المكان القريب.

стр. 476

وذهب الإمام " أحمد " إلى جواز شرط واحد فقط، ووافقه على رأيه إسحاق، وابن المنذر، والأوزاعى، وإن جمع في العقدين شرطين بطل البيع. وعن الإمام أحمد رواية أخرى: أن البيع صحيح مع الشروط العائدة للبائع من منافع معلومة في المبيع، أو عائدة للمشترى من منافع معلومة في المبيع من البائع. واختار هذه الرواية شيخ الإسلام والمسلمين أبو العباس (ابن تيمية) ، وتلميذه شمس الدين " ابن القيم ". ونصرها وأكدها شيخنا العلامة المحقق " عبد الرحمن بن ناصر آل سعدي"، ﵏ جميعاً والمسلمين. وهذا ما أعتقد صحته، كما يأتي تبيين أدلة العلماء، رحمهم الله تعالى، ومآخذهم. أدلة المذاهب السابقة: استدل الأئمة الثلاثة على ما ذهبوا إليه، بما رواه الخمسة عن جابر أن النبي ﷺ " نهى عن الثنيَا إلا أن يعلم ". وبما رواه الترمذى وصححه، والنسائي، وابن ماجة، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ قال: " لا يحل شرطان في بيع ". وقد روى أبو حنيفة أن النبي ﷺ " نهى عن بيع وشرط " وفسروا الشرطين في البيع، والشرط فيه بمثل هذه الشروط، التي يشترطها البائع أو المشترى على الآخر مما فيه مصلحة المبيع، أو منفعة البائع، كاشتراط خياطة الثوب، أو تفصيله، أو تكسير المشترى الحطب، أو حمله، أو استثناء نفع معلوم في المبيع للبائع، كسكنى الدار المبيعة، أو حمل الدابة ونحو ذلك. وأجابوا عن حديث جابر الذي معنا، بأن المبايعة ليست حقيقية، وإنما أراد كلية أن ينفع جابراً بالهبة، فاتخذ بيع الجمل ذريعة إلى ذلك بدليل ذلك قوله: " أتراني ماكستك لاَخذ جملك؟ " وأجاب بعضهم إلى أن اختلاف الرواة في ألفاظ حديث جابر، مما يمنع الاحتجاج به على هذا المطلب، فإن بعض ألفاظه " بعته واشترطت حملانه إلى أهلي " وفى لفظ " أن النبي ﷺ أعاره ظهره إلى المدينة ". وفى لفظ قال: " بعت النبي ﷺ جملا فأفقرني ظهره إلى المدينة " والإفقار إعارة الظهر. أما أدلة الذين يرون جواز اشتراط البائع المنافع المعلومة في البيع، أو اشتراط المشترى على البائع المنافع العائدة على المبيع، فكثيرة.

стр. 477

منها: قوله ﵊: " المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحلَّ حراماً، أو حرم حلالا " وهذه ليست مما يحل حراماً، ولا مما يحرم حلالا. ومنها: أنه ﷺ " نهى عن الثنيا إلا أن يعلم "، وهذه شروط واستثناءات معلومة، فتكون غير داخلة في النهى. ومنها- حديث جابر، الذي معنا، إذ شرط على النبي ﷺ ظهر جمله إلى المدينة. وليس في هذه الشروط شيء من المحاذير، كالربا، والغرر، والضرر، والظلم. فكيف تكون محرمة والأصل في المعاملات الإباحة، والسعة؟ وكما أنه لا مفسدة فيها، فليست- أيضا- وسيلة إلى المفسدة. وأجابه عن أدلة المفسدين للعقد مع الشرط، بأن حديث " نهى النبي عن الثنيا إلا أن يعلم" مفهومه دليل من أدلتنا، فهو رد عليكم. وأما حديث نهى عن بيع وشرط، فلم يصح، وإنما الوارد " لا يحل شرطان في بيع ". اختلاف العلماء: واختلف العلماء في تفسير الشرطين. وأحسن ما فُسرا به، أن المراد بذلك "مسألة العينة". وهى أن يقول: " خذ هذه السلعة بعشرة نقداً، وآخذها منك بعشرين نسيئة ". فهذا هو المعنى المطابق لمعنى الحديث، وهو نظير البيعتين في ييعة، الذي قال فيه ﷺ : " من باع بيعتين في بيعة، فله أوكسُهُماَ، أو الربا " وقد فسر ببيع العينة. ولا يحتمل حديث الشرطين في بيع، غير هذا المعنى. والمراد بالشرطين: الأول: العقد نفسه، فإنه عهد تشارطا على الوفاء به. والثاني: - ما صحبه من شرط العقد مرة أخرى بأزيد من الثمن الأول. وأما حديث جابر، فلا يرد عليه أنه قصد به الهبة، لا البيع حقيقة. فإننا لو فرضنا أن النبي ﷺ لم يقصد البيع حقيقة، فلم يكن معلوما لـ" جابر " وهو الذي ابتدأ شرط ظهر الجمل، فكأن هذا الشيء معلوم جوازه لديهم. وأيضاً فإن النبي ﷺ أقره على شرطه، وهو لا يقر على باطل، لا في جد، ولا في هَزْلٍ. وأما الاعتراض على الحديث باختلاف الرواة في ألفاظه، فقد أجاب عن ذلك العلامة " ابن دقيق العيد " بما نصه: " هذا صحيح لكن بشرط تكافؤ الروايات أو تقاربها. أما إذا كان الترجيح واقعا لبعضها- لأن رواته أكثر وأحفظ- فينبغي العمل بها، إذ الأضعف لا يكون مانعاً من العمل بالاًقوى، والمرجوح لا يدفع التمسك بالراجح. فتمسك بهذا الأصل، فإنه نافع في مواضيع عديدة" ا. هـ.

стр. 478

وأما دليل مشهور مذهب الحنابلة، فالاقتصار في الاستدلال بحديث [ولا شرطان في بيع] . والصحيح الذي تطمئن إليه النفس، ويرتاح له الضمير، الرواية التي اختارها شيخا الإسلام، ورجحها شيخنا "السعدي" لقوة أدلتها النقلية والقياسية، وعدم ما يعارضها. والله الموفق للصواب. فائدة: الشروط في البيع قسمان. أحدهما: ما هو منفعة في المبيع يستثنيها البائع، أو نفع من البائع في المبيع، يشترطه المشترى. وهذه هي مواطن الخلاف بين العَلماء، يتقدم الكلام فيها. والقسم الثاني: ما هو من مقتضى العقد، كالتقابض، وحلول الثمن. أو من مصلحة العقد، كاشتراط تأجيل الثمن، أو الرهن، أو الضمين. أو صفة في المبيع مقصودة، ككون العبد كاتباً أو صانعاً، أو الأمة بكراً، أو خياطة ونحو ذلك. فهذه الشروط لا خلاف في جوازها، كثرت أو قَلتْ. الحديث الثالث عن أبي هُرَيرةَ ﵁ قالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أن يبيع حَاضِر لِبَادٍ، وَلا تَنَاَجَشُوا، وَلا يَبع الرجُلُ عَلَى بيع أخيه. وَلا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أخِيهِ، وَلا تَسْأل المَرأة طَلاقَ أخْتِهَا لِتُكفِىءَ مَا في إنَاِئهَا (١) " ما يستفاد من الحديث: الكلام على بيع الحاضر للبادي، والنجش، وبيع الرجل على بيع أخيه، تقدم مفصلا في الحديثين رقم [٢٥٢ و ٢٥٣] ، بما أغنى عن إعادتها ههنا. وفيه من الفوائد الزوائد ما يأتي: ١- تحريم خطبة النكاح على خطبة أخيه، حتى يعلم أن الخاطب رُد عن طلبه، ولم يُجَبْ، لما تسبب الخِطْبة على خِطبةْ الغير من العداوة والبغضاء، والتعرض لقطع الرزق. ٢- تحريم سؤال المرأة زوجها أن يطلق ضرتها، أو توغير صدره عليها، أو الفتنة بينهما، ليحصل بينهما الشر، فيفارقها، فهذا حرام، لما يحتوى عليه من المفاسد الكبيرة، من توريث العداوات، وجلب الإحن، وقطع رزق المطلقة، الذي كنى عنه بِكَفْءِ ما في إنائها من الخير، الذي سببه النكاح، وما يوجبه من نفقة وكسوة وغيرها من الحقوق الزوجية. فهذه أحكام جليلة وآداب سامية، لتنظيم حال المجتمع، وإبعاده عما يسبب الشر والعداوة والبغضاء، ليحل محل ذلك المحبة والمودة والوئام والسلام.

стр. 479

بَابُ الرِّبا والصَّرْف الربا في اللغة: الزيادة، ومنه قوله تعالى: ﴿فإذا أنزلنَا عَلْيَها المَاءَ اهتزت وَرَبَتْ﴾ يعنى زادت. وفى الشرع: الزيادة في أشياء مخصوصة. وهو محرم بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح. فأما الكتاب فمثل قوله تعالى ﴿وَحرّمَ الربا﴾ والسنة، في مثل الحديث، الذي لعن به ﷺ [آكل الربا وموكله، وشاهده، وكاتبه] وهو متفق عليه. وقد أجمعت الأمة على تحريم الربا في الجملة (١) لما استندت عليه من النصوص. وتحريمه: - مقتضى العدل والقياس، لأن التعامل به ظلم أو ذريعة إليه. والكون لا يقوم إلا بالعدل، الذي أوجبه المولى على نفسه، وألزم به خلقه ومضار الرِّبا ومفاسده لا تحصى. منها: - تضخم المال بطريق غير مشروعة، لأنه تضخم على حساب سلب مال الفقير وضمه إلى كنوز الَغنى، وحسبك بهذا داء فتاكا في المجتمعات، وسبباً في الخصومات والعداوات، وهو أداة هدامة للنشاط والعمل الشريف، واستثمار الأرض، وإخراج طيباتها. وحدث لدينا معاملات في البنوك، وصناديق البريد، تجاسروا فيها على تعاطى الربا، وسموه بغير اسمه. وهذا مصداق للحديث النبوي الشريف "يأتي على الناس زمان يشربون الخمر ويسمونها بغير اسمها". وبسط هذه البحوث والرد عليها، له كتب غير هذا. أما الصرف: فمادته تدور على التقلب والتغير في الأشياء. قال في اللسان: "الصرف بيع الذهب بالفضة وبالعكس، أنه يتصرف به عن جوهر إلى جوهر" فهو بيع الأثمان بعضها ببعض. الحديث الأول عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخطَابِ رَضىَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : " الذًهَبُ بالذًهَبِ رِباً، إلا هَاءَ وَهَاءَ، وَالفِضةُ بِالفِضةِ رِباً، إلا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُر بِالبُر رِباً، إلا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشعِيرُ بِالشعِير رِباً، إلا هَاءَ وَهَاءَ. "

стр. 480

الغريب: إلا هاء وهاء: فيهما لغات، أشهرها المد وفتح الهمزة فيهما، ومعناه التقابض. المعنى الإجمالي: يبين النبي ﷺ في هذا الحديث، كيفية البيع الصحيح بين هذه الأنواع، التي يجرى فيها الربا، وهو أنه من باع ذهبا بفضة أو بالعكس، فلا بد من الحلول والتقابض في مجلس العقد، وإلا لما صح العقد، لأن هذه مصارفة، يشترط لدوام صحتها التقابض. كما أن من باع- برا بِبُر، أو شعيرا بشعير، فلابد من التقابض بينهما، في مجلس العقد لما بين هذه الأنواع من علة الربا المفسدة للعقد، إذا حصل التفرق قبل القبض. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم بيع الذهب بالفضة أو العكس، وفساده إذا لم يتقابض المتبايعان قبل التفرق من مجلس العقد، وهذه هي المصارفة. ٢- تحريم بيع البر بالبر، أو الشعير بالشعير. وفساده، إذا لم يتقابض المتبايعان قبل التفرق من مجلس العقد. ٣- صحة العقد إذا حصل القبض في المصارفة. أو بيع البر بالبر، أو الشعير بالشعير، في مجلس العقد. ٤- يراد بمجلس العقد مكان التبايع، سواء أكانا جالسين، أم ماضيين، أم راكبين. ويراد بالتفرق ما يُعَد تفرقا عرفا، بين الناس. الحديث الثاني عَنْ أبي سَعيد الخُدرِىّ ﵁: أنَ رَسولَ الله ﷺ قَالَ: " لا تَبِيعُوا الذهَبَ بالذهَبِ، إلا مِثْلا بمثل، وَلا تُشِفوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْض. وَلا تَبِيعُوا الورِقِ بِالوَرِقِ إلا مِثْلا بِمِثْلٍ وَلا تُشفوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْض وَلَا تَبِيعُوا مِنْها غَائباً بنَاجِز ". وفى لفظ: " إلا يَداً بيدٍ ". وفي لفظ: " إلا (١) وَزْناً بِوَزْنٍ مِثلا بِمثْلى سَواءً بِسَواء".

стр. 481

الغريب: ١- الورق: هو الفضة مضروبة أو غير مضروبة. ٢- ولا تُشفُّوا بعضها على بعض: بضم أوله، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الفاء. أي لا تفضلوا بعضها على بعض. وهو رباعي من " أشف " و " الشف " بالكسر، الزيادة، ويطلق على النقص أيضاً، فهو من الأضداد. المعنى الإجمالي: في هذا الحديث الشريف ينهى النبي ﷺ عن الربا بنوعيه: الفضل، والنسيئة. فهو ينهى عن بيع الذهب بالذهب، سواء أكانا مضروبين، أم غير مضروبين، إلا إذا تماثلا وزناً بوزنْ، وأن يحصل التقابض فيهما، في مجلس العقد، إذ لا يجوز بيع أحدهما حاضراً، والآخر غائبا. كما نهى عن بيع الفضة بالفضة، سواء أكانت مضروبة أم غير مضروبة، إلا أن تكون متماثلة وزناً بوزن، وأن يتقابضا بمجلس العقد. فلا يجوز زيادة أحدهما عن الآخر، ولا التفرُّق قبل التقابض. ما يستفاد من الحديث: ١- النهى عن بيع الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، سواء أكانت مضروبة، أم غير مضروبة، أم مختلفة، ما لم تكن مماثلة بمعيارها الشرعي وهو الوزن، وما لم يحصل التقابض من الطرفين في مجلس العقد. ٢- النهى عن ذلك يقتضي تحريمه وفساد العقد. ٣- التماثل والتقابض بمجلس العقد، مشروط بين جميع الأموال الربوية، ويأتي بيان ما يجمعها إن شاء الله. ٤- قال شيخ الإسلام ابن تيمية في رجل يداين الناس كل مائة بمائة وأربعين ويجعل سلفا على حرير: هذا هو عين الربا الذي أنزل فيه القرآن، وذكر أنه لا يستحق إلا ما أعطاهم أو نظيره أما الزيادة فلا يستحق شيئا منها. أما ما قبضه بتأول فيعفى عنه: وأما ما بقى في الذمم فهو ساقط لقوله تعالى: ﴿وذروا ما بقى من الربا﴾ .

стр. 482

اختلاف العلماء: أجمع العلماء على تحريم التفاضل (١) والنساء في جنس واحد من الأجناس، التي نص عليها حديث عبادة بن الصامت قال: " سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عيناً بعين، فمن زاد، أو ازداد، فقد أربى ". رواه مسلم. فهو نص في منع التفاضل في الجنس الواحد من هذه الأعيان المذكورة. وأما منع النسيئة، فيستفاد من مثل حديث عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللَه ﷺ : " الذهب بالذهب رباً، إلا هاء وهاء، والبر بالبر رباً، إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر رباً، إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير رباً، إلا هاء وهاء". ويجوز بيع الجنس الواحد من هذه الستة بالجنس الآخر نَساء لبقية حديث عبادة " فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد " وكل هذا مجمع عليه عند العلماء، إلا في الشعير مع البر، فقد رأى بعضهم أنَهما جنس واحد، والصحيح أنهما جنسان. وقد ذهبت الظاهرية إلى أن الربا لا يتعدى هذه الأجناس الستة لنفيهمُ القياس. وأما جمهور العلماء فقد عَدّوا الحكم إلى غيرها من الأشياء. واختلفوا في الأشياء الملحقة، تبعاً لاختلافهم في فهم العلة المانعة من التفاضل والنِّساء، وقد اتفق العلماء على أن العلة في الذهب والفضة، غير العلة في الأربعة الباقية وأن لكل منهما علة واحدة. ثم اختلفوا في العلة. فالرواية المشهورة عن الإمام أحمد، في الذهب والفضة كونهما موزوني جنس وفى الأربعة الباقية، كونها مكيلة جنس، فيلحق بهما ما شابهما في العلة. وبهذا القول قال النخعي، والزهري، والثوري، وإسحاق والحنفية. فعلى هذا يجرى الربَا في كل موزون، أو مكيل بيع بجنسه، سواء أكان مطعوماً، كالحبوب، والسكر، والأدهان. أم غير

стр. 483

مطعوم، كالحديد، والصفر والنحاس، والأشنان ونحو ذلك. وغير المكيل أو الموزون لا يجرى فيه، وأن كان مطعوما، كالفواكه المعدودة. ويستدلون على ثبوت هذا التعليل عندهم، بما رواه أحمد عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: " لا تبيعوا الدينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين، ولا الصاع بالصاعين ". وما رواه الدارقطنى عن أنس: أن النبي ﷺ قال: " ما وُزِنَ مثلا بمثل، نوعاً واحدا. وما كيل، فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان، فلا بأس به ". فاعتبر، هنا، الكيل، أو الوزن في الجنس الواحد، لتحقق العلة. وذهب الشافعي إلى أن العلة، الطعم والجنس، والعلة في الذهب والفضة، كونهما ثمنين للأشياء، فيختص الحكم بهما. والدليل على ذلك، ما رواه مسلم، عن معمر بن عبد الله: أن النبي ﷺ " نهى عن بيع الطعام بالطعام، إلا مثلا بمثل ". فقد علَّق الحكم باسم الطعام، فدل على العلة واشتقاقها. ووافق الإمام مالك الشافعي في النقدين، أم غيرهما، فالعلة عنده فيه ترجع إلى الجنس والادخار، والاقتيات. وكذلك ما يصلح الطعام من التوابل. ويرون أن الأصناف الأربعة المذكورة في الحديث جاءت للتنبيه على ما في معناها، ويجمعها كلها الاقتيات والادخار. فالبر، والشعير، لأنواعْ الحبوب. والتمر لأنواع الحلويات، كالسكر والعسل، والملح، لأنواع التوابل. وهناك رواية أخرى عن الإمام أحمد هي مذهب الإمام الشافعي في القديم، وقال بها سعيد بن المسيب. وهى أن العلة في الأربعة المذكورة في الحديث: الطعم، والكيل أو الوزن فلا يجرى الربا في مطعوم لا يكال ولا يوزن، كالرمان والحض، والبطيخ. كما لا يجرى في مكيل أو موزون لا يطعم. فلابد من اعتبار الأمرين، لأن الكيل وحده، أو الوزن وحده، لا يقتضي وجوب المماثلة، كما أن الطعم وحده لا تتحقق به المماثلة، لعدم المعيار الشرعي فيه، وإنما تتحقق المماثلة في المعيار الشرعي الذي هو الكيل والوزن.

стр. 484

وبهذا القول تجتمع الأحاديث الواردة في هذه المسألة، ويقيد كل حديث منها بالآخر. وقد اختار هذا القول [صاحب المغنى] والشارح عبد الرحمن بن أبي عمر، وشيخ الإسلام " ابن تيمية " رحمهم الله تعالى. تلخيص: قال في المغنى: فالحاصل إن ما اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم من جنس واحد، ففيه الربا. رواية واحدة كالأرز، والدخن والقطنيات، والدهن. وهذا قول أكثر أهل العلم وعلماء الأمصار في القديم والحديث. وما يعدم فيه الكيل، والوزن والطعم، واختلف جنسه، فلا ربا فيه رواية واحدة. وهو قول أكثر العلماء، وذلك كالتين والنوى. وما وجد فيه الطعم وحده، أو الكيل والوزن من جنس واحد، فيه روايتان. واختلف أهل العلم فيه، والأولى- إن شاء الله- حِله، إذ ليس في تحريمه دليل موثوق به، ولا معنى يقوى التمسك به، وهى- مع ضعفها- يعارض بعضها بعضا. فوجب إخراجها، أو الجمع بينها، والرجوع إلى أصل الحل، الذي يقتضيه الكتاب، والسنة، والاعتبار. الحديث الثالث عَن أبي سَعِيدٍ الخُدري رَضىَ الله عَنْهُ قَالَ: جَاءَ بلال إلى النَّبي ﷺ بِتَمْر بَرْنى، فَقَالَ لَهُ النبي ﷺ : " مِنْ أين هذَا؟ ". قَالَ بلال: كانَ عِنْدَنَا تَمْر رَدِيء، فَبِعتُ مِنْهُ صَاعَيْن بصَاع، لِيَطْعَمَ النًّبي ﷺ . فَقَالَ النَّبي ﷺ عِنْدَ ذِلكَ " أوّهِ أوَّه، عَينُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا، لا تَفْعَلْ، وَلكِنْ إذَا أرَدْتَ أنْ تَشْتَرِيَ فبعِ التَّمْرَ بِبَيْع آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بهِ ". الغريب: بَرْني: من تمر المدينة الجيد، وهو معروف بها إلى الآن، بسره أصفر، فيه طول. أوه أوه: كلمة يؤتى بها للتوجع، أو التفجع. المعنى الإجمالي: جاء بلال إلى النبي ﷺ بتمر برني جيد، فتعجب النبي ﷺ من جودته وقال: من

стр. 485

أين هذا؟ قال بلال: كان عندنا تمر، فبعت الصاعين من الردي بصاع من هذا الجيد، ليكون مطعم النبي ﷺ منه. فعظم ذلك على النبي ﷺ وتأوه، لأن المعصية عنده هي أعظم المصائب. وقال: عملك هذا، هو عين الربا المحرم، فلا تفعل، ولكن إذا أردت استبدال رديء، فبع الرديء بدراهم، ثم اِشتر بالدراهم تمرا جيدا. فهذه طريق مباحة تعملها، لاجتناب الوقوع في المحرم. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم ربا الفضل بالتمر، بأن يباع بعضه ببعض، وأحدهما أكثر من الأخر. ٢- استدل بالحديث على جواز [مسألة العينة] وهى أن يبيع سلعة نسيئة، ثم يشتريها من المشترى بنقد أقل من ثمنها الأول، ويأتي الخلاف في ذلك وتحقيقه إنْ شاء الله تعالى. ٣- استدل بالحديث على جواز [مسألة التورق] ، وهى أن يشترى ما يساوى مائة ريال، بمائة وعشرين مؤجلة لا لينتفع به بل ليبيعه وينتفع بثمنه، ويأتي تحقيق ذلك، إن شاء الله تعالى. ٤- عظم المعصية، كيف بلغت من نفس النبي ﷺ . ٥- لم يذكر في الحديث أن النبي ﷺ أمره برد البيع. والسكوت عن الرد، لا يدل على عدمه. وقد ورد في بعض الطرق أنه قال: [هذا الربا فرِده] وقد قال تعالى: ﴿فإنْ تُبتم فَلَكُم رُؤوس أمْوَاِلكُم لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُون﴾ . ٦- جواز الترفه في المأكل والمشرب، ما لم يصل إلى حد التبذير، والسرف المنهي عنه، فقد قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرمَ زِينَةَ الله التي أخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَيباتِ مِنَ الرِّزْقِ؟ قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَيَاةِ الدُّنيا﴾ . ٧- فيه بيان شيء من أدب المفتى. وهو أنه إذا سئل عن مسألة محرمة، ونهى عنها المستفتى، أن يفتح أمامه أبواب الطرق المباحة، التي تغنيه عنها. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في حكم المسألة العينة، التي تقدم شرحها. فذهب الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، وأحمد وأتباعهم: إلى تحريمها. وهو مروى عن ابن عباس، وعائشة، والحسن، وابن سنين، والشعبي، والنخعى، وهو مذهب الثوري، والاوزاعى.

стр. 486

لما روى أحمد، وأبو داود عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالعِينَةِ، وَأخَذتُمْ أذنابَ البَقَرِ، ورَضيتُمْ بِالزَرعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلطَ الله عَلَيْكُم ذُلا لا يَنْزِعُهُ عنكم حَتى تَرْجِعُوا إلَى دِينكُم ". وما رواه أحمد أيضاً [أن أم ولد زيد بن أرقم، أخبرت عائشة: أنها باعت غلاما من زيد، بثمانمائة إلى العطاء، ثم اشترته منه بستمائة درهم، فقالت لها عائشة: بئس ما شريت، وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدا بن أرقم أنه قد بطل جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب] . والظاهر أنها لا تقول مثل هذا باجتهاد منها، لأن هذا التغليظ لا يكون إلا بتوقيف من النبي ﷺ . وأجاز الشافعي بيع العينة، أخذاً بعموم ما رواه البخاري ومسلم، عن أبي سعيد، وأبى هريرة [أن رسول الله ﷺ استعمل رجلا على خيبر، فجاء بتمر جنيب [طيب] فقال رسول الله ﷺ : أكُلَ تَمْرِ خَيبرَ هكَذَا؟ فَقالَ: لا والله، إنّا لَنَأخذُ الصَّاعَ مَن هذَا بِالصاعَيْن، وَالصَّاعَيْن بِالثَّلَاثَةِ] . فقال النبي ﷺ : " لا تَفْعَلْ، بع الجَمعَ [التمر الرديء] ثُم ابتعْ بالدراهم جنيباً ". فعموم هذا الحديث يدل على أنه لا بأس أن يكون الذي اشترى منه التمر الرديء بدراهمه، هو الذي باع عليه التمر الطيب فعادت دراهمه إليه، لأنه لم يفعل. وعند الأصوليين [أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال] . أما [مسألة التورق] التي معناها، أن يشتري السلعة نسيئة لغير قصد الانتفاع بها، وإنما ليبيعها بثمنها، فالمشهور عند أصحابنا جوازها. وكان شيخنا " عبد الرحمن السعدي " يجيزها، ويرى عموم هذا الحديث يتناولها بالحل. وقال في أحد كتبه: "لأن المشترى لم يبعها على البائع عليه، وعموم النصوص تدل على

стр. 487

جوازها، وكذلك المعنى لأنه لا فرق بين أن يشتريها ليستعملها في أكل أو شرب، أو استعمال، أو يشتريها لينتفع بثمنها، وليس فيها تحيل على الربا بوجه من الوجوه، مع دعاء الحاجة إليها، وما دعت إليها الحاجة، وليس فيه محذور شرعي، لم يحرمه الشارع على العباد". والرواية الثانية عن الإمام أحمد، التحريم، واختارها شيخ الإسلام " ابن تيمية ". وقال ابن القيم "وكان شيخنا- ابن تيمية- ﵀ يمنع من مسألة التورق وسئل عنها مراراً وأنا حاضر فلم يرخص فيها. وقال: المعنى الذي لأجله حرم الربا، موجود فيها بعينه، مع زيادة الكلفة بالشراء والبيع والخسارة فيها". والمانعون من "العينة" جعلوها من باب الذرائع المحرمة، وجعلوا الحديث من باب المطلق الذي يقيد بِصُوَر البيع الصحيح، وليس من باب العام، الذي يشمل كل صورة للبيع، حتى ولو كانت مع البائع. وهكذا إطلاقات الشارع تدل على ما أذن فيه وأباح. فإن قوله: "بع الجمع" مطلق، يقيد بالعقود الصحيحة، وليس بعام ليدخل فيه الصورة التي تعقد مع مشترى "الجمع" في هذا الحديث. وبهذا تبين فساد قول الذين يحاولون الاستدلال على وجود الحيل في الشرع فإن الشارع لما نهاه عن معاملة محرمة، فتح أمامه الباب إلى معاملة غيرها مباحة، لا علاقة بينهما بوجه من الوجوه. ومن أراد بسط هذا، فعليه ب " إعلام الموقعين " لابن القيم، رحمه لله تعالى. الحديث الرابع عَنْ أبي المِنْهَالِ قال: سَالتُ البَرَاءَ بنَ عازِب وَزَيْدَ بنَ أرْقمَ عَنِ الصرفِ، فَكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُولُ: هذَا خَير مِنىٍ وَكِلاهُما يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ بيع الذَهَبِ بِالوَرِقِ دَيْنا. المعنى الإجمالي: سأل أبو المنهال، البراء بن عازب، وزيد ين أرقم، عن حكم الصرف، الذي هو بيع الأثمان بعضها ببعض. فمن ورعهما رضى الله عنهما، أخذا يتدافعان الفتوى، ويحتقر كل واحد منهما نفسه بجانب صاحبه. ولكنهما اتفقا على حفظهما: أن النبي ﷺ نهى عن بيع الذهب بالفضة

стр. 488

دَيناً، لاجتماعهما في علة الربا، فحينئذ لابد فيهما من التقابض في مجلس العقد، وإلا لما صح الصرف، وصار ربا بالنسيئة. ما يستفاد من الحديث: ١- النهى عن بيع الذهب بالفضة، أو الفضة بالذهب، وهما أو أحدهما غائب، فلابد من التقابض في مجلس العقد. ٢- صحة البيع مع التقابض في مجلس العقد، لأنه صرف. ٣- المفسد للعقد إذا لم يحمل تقابض في المجلس، هو ما اجتمع فيه النقدان، من علة الربا. ٤- ما كان عليه السلف رضى الله عنهم من الورع، وتفضيل بعضهم بعضا. الحديث الخميس عَنْ أبي بَكْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الْفِضةِ بِالْفِضَّةِ. وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ: إِلا سَوَاءً بِسَواءٍ. وَأمرَنَا أنْ نَشْتَريَ الْفِضَّةَ بِالذَّهَبِ كيف شِئْنَا وَنَشْتَرِيَ الذًهَبَ بِالْفِضةِ كَيْفَ شِئْنَا. قال: فسأله رَجل فَقَالَ: يَداً بيد؟ فَقَالَ: هكَذَا سَمِعْتُ المعنى الإجمالي: لما كان بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، متفاضلا رباً، نهى عنه ما لم يكونا متساويين، وزناً بوزن أما بيع الذهب بالفضة، أو الفضة بالذهب، فلا بأس به، وإن كانا متفاضلين على أنه لابد في صحة ذلك من التقابض في مجلس العقد، وإلا كان ربا النسيئة المحرم، لأنه لما اختلف الجنس جاز التفاضل، وبقى شرط التقابض، لعلة الربا الجامعة بينهما. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، متفاضلين، لاجتماع الثمن والمثمن، في جنس واحد من الاجناس الربوية ٢- إباحة بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، بشرطين: الأول: التماثل منهما، فلا يزيد أحدهما على الآخر. والثاني: التقابض في مجلس العقد بينهما. وما يقال في الذهب والفضة، يقال في جنس واحد من الأجناس الربوية، حينما يباع بعضه ببعض، كالبر بالشعير.

стр. 489

٣- جواز بيع الذهب بالفضة، أو الفضة بالذهب متفاضلين، ْ لكون كل واحد منهما من جنس غر جنس الآخر. وكذا يقال في كل جنس بيع بغير جنسه من الأجناس الربوية، فلا بأس من التفاضل بينهما. ٤- لابد في بيع الذهب بالفضة، أو الفضة بالذهب، من التقابض بينهما في مجلس العقد. فإن تفرقا قبل القبض، بطل العقد، لاجتماعهما في العلة الربوية. وكذا كل جنسين اتفقا فى العلة الربوية، وهى الكيل، أو الوزن مع الطعم، فلابد من التقابض بينهما في مجلس العقد. اختلاف العلماء في (الأوراق البنكية) : في هذه الأزمان الأخيرة، أخذ الناس يتعاملون بدل الذهب والفضة بالأوراق البنكية (الأنواط) . فجعلوا لكل نقد (فئة) تقابلها، تحمل اسمها وقيمتها. فاختلف الناس في حكمها وإليك الإشارة إلى أقوالهم، بطريق الإيجاز والاختصار. فمنهم: من يرى أنها من بيع السندات والديون والصكوك، فحرم المعاملات بها إطلاقاً. ومنهم: من يرى أنها عروض من عروض التجارة، فلا يجرى فيها الربا بنوعيه. وهذا القول بتساهله مقابل للقول الذي قبله بشدته، الثاني يرى جواز بيع بعضها ببعض، وبيعها بأحد النقدين متفاضلة ونسيئة، وأنه لا مانع من ذلك، لأنه لا يجرى فيها الربا. وهذان القولان في غاية الضعف. فأما الأول: ففيه تشديد، وحرج وضيق، وطبع ديننا السماح، واليسر، خصوصاً في العادات والمعاملات. والثاني: فيه فتح لباب شر كبير، وهو الربا بأنواعه، مع أنه لا يستند إلى شيء من تعليل صحيح. ومنهم: من يرى أن حكمها، حكم النقدين، يجرى فيها ما يجرى فيهما من الأحكام. وهذا له وجه من الصحة، لقوة مأخذه، ويستدلون على ذلك بأن البدل له حكم المبدل في كل شئ. وأحسن الأقوال في ذلك وأعدلها وأقربها للصواب، هو أن نجعل حكمها حكم الفلوس. فنجرى فيها ربا النسيئة، ولا نجرى عليها ربا الفضل. فيجوز بيع بعضها ببعض، أو بأحد النقدين متفاضلة والمفاضلة هنا فيما تمثل من القيمة النقدية، أما المفاضلة في ذاتها فأمر لا يتضرر، ولا يجوز ذلك نسيئة.

стр. 490

وهذا قول وسط في الموضوع، وفيه توسعة على الناس، الذين اضطروا إلى التعامل بها، كما أن فيه أيضا سدا لباب ربا النسيئة، الذي هو أعظم أنواع الربا. وبسط الموضوع يحتاج إلى بحث مستقل، لأنه حصل بها مجادلات طويلة. ولشيخنا " عبد الرحمنٍ بن ناصر آل سعدي " رسالة في هذا البحث، نشرت في الصحف، ونشرت أيضا وحدها برسالة مستقلة، وهو يرجح القول الأخير. بَابُ الرَّهن (١) الرهن: بفتح الراء وسكون الهاء، وهو، لغة: - الثبوت والدوام. فأخذ معناه الشرعي من هذا، لبقائه واستقراره عند المرتهن. "تعريفه شرعا: جَعْلُ مال، توثقةً، بدين يستوفى منه، أو من ثمنه، إن تعذر الاستيفاء من ذمة الغريم. وهو جائز بالكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِنْ كنْتُمْ عَلَى سَفَر ولَمْ تَجِدُوا كَاتِباً فِرِهَان مَقْبوضَةٌ﴾ . "أما السنة، فكثيرة، ومنها ما في البخاري عن أنس قال: " ولقد رهن النبي ﷺ درعه بشعير " وفيها حديث الباب، وغيرهما كثير. وأجمع المسلمون على جوازه، وإن اختلفوا في بعض مسائله. كما أن الحاجة داعية إليه في كثير من المعاملات، إذ به يحصل التوثقة والاستيفاء.. أما فائدته، فكبيرة. لأنه من الوثائق التي يحصل منها الاستيفاء عند تعذر ذلك من الذٌمم، ويؤمن به من غدر المدين، ويحصل به الاطمئنان للدائن من مدينه. وأكمل التوثق إذا قبض الرهن عند المرتهن، أو العدل الذي يرضى الراهن والمرتهن بقاءه بيده. فإن لم يحصل قبضه، فالرهن صحيح لازم، ولكنه ناقص الفائدة، قليل الثمرة. وقد أرشد الله إلى أكمل الحالات وأوثقها فقال: ﴿فَرِهَان مقبوضة﴾ .

стр. 491

الحديث الأول عَنْ عَاِئشةَ رَضىٍ الله عَنْها: أن رَسُولَ الله ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُوِدي طَعَاماً، وَرَهَنَهُ دِرْعا مِنْ حَدِيدٍ. المعنى الإجمالي: زهادة النبي ﷺ في الحياة الدنيا، وتقللهُ منها، وكرمه الذي يبارى الرياح، لم يُبْقِ ما يدخره لقوت نفسه، وقوت أهله، الأيام اليسيرة. ولهذا فقد آل به الأمر أن اشترى من يهودي طعاماً من شعير، ورهنه ما هو محتاج إليه للجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمته، وهو درعه الذي يلبسه في الحروب، وقاية- بعد الله تعالى- من سلاح العدو، وكيدهم. ما يستفاد من الحديث: ١- جواز الرهن مع ثبوته في الكتاب العزيز أيضاً. ٢- جواز معاملة الكفار، وأنها ليست من الركون إليهم المنهي عنه. قال الصنعاني: وهو معلوم من الدين ضرورة، فإنه ﷺ وأصحابه أقاموا بمكة ثلاث عشرة سنة يعاملون المشركين، وأقام في المدينة عشراً يعامل هو وأصحابه أهل الكتاب وينزلون أسواقهم. ٣- وفيه جواز معاملة مَنْ أكثر ماله حرام، ما لم يعلم أن عين المتعامل به حرام. قال الصنعاني: وفيه دليل إلى عدم النظر إلى كيفية معاملتهم في أنفسهم، فإنه من المعلوم أنهم يبيعون الخمور ويأكلون السحت ويقبضونه، ولكن ليس لنا البحث عن معاملتهم وعن كيفية دخول المال إلى أيديهم، بل نعاملهم معاملة من في يده ملكه الحلال حتى يتبين لنا خلافه. ومثله الظلمة. ٤- وليس في الحديث دليل على جواز بيع السلاح على الكفار، لأن الدرع ليس من السلاح ولأن الرهن ليس بيعا أيضاً، ولأن الذي رهن عنده النبي ﷺ درعه، في حساب المستأمنين الذين تحت الحماية والحراسة، فلا يُخْشَى منهم سطوة أو خيانة. فإن إعانة الكفار والأعداء بالأسلحة، محرمة وخيانة كبرى. ٥- فيه ما كان عليه النبي ﷺ من الإقلال والزهد، رغبة فيما عند الله وكرما، فَلا يَدَع مالاً يقر عنده.

стр. 492

٦- فيه تسمية الشعير بالطعام، خلافاً لمن قصر التسمية على الحنطة فقد ثبت من بعض الطرق، أنه عشرون أو ثلاثون صاعاً من شعير. ٧- وفيه جواز الرهن في الحضر، فتكون الآية مخرجة مخرج الغالب حينما يعوز الكاتب والشاهد في السفر، وهذا مذهب جمهور العلماء، خلافا لما نقل عن مجاهد، والضحاك، ومذهب الظاهرية: من أن الرهن خاصة في السفر دون الحضر، لمفهوم الآية. بَابُ الحَوَالة (١) الحوالة: بفتى الحاء، مأخوذة من التحول، وهو الانتقال. " فهي نقل دَيْن من ذمة إلى ذمة " فتنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. وهي ثابتة بالسنة كهذا الحديث، وبإجماع العلماء، وبالقياس الصحيح، فإن الحاجة داعية إليها، قال بعضهم: هي من بيع الدين بالدين. وجاز فيها تأخر القبض من باب الرخصة، فتكون على خلاف القياس، والصحيح خلاف ذاك وأنها من جنس إيفاء الحق، ولهذا أمر بها النبي ﷺ في معرض الوفاء، وأداء الدين. أما فائدتها، فتسهيل المعاملات بين الناس، لاسيما إذا كان الغريم في بلد، والمحال عليه في بلد آخر، ويسهل على المحال الاستيفاء منه. وإذا أحال المدين غريمه على من لا دَيْن له عليه، فهو توكيل في الاستقراض والاستيفاء، وليس من الحوالة، وليس له أحكامها. ومثله: إحالة من لا دين له عليه على من عليه له الدين، فليس بحوالة، وإنما هو توكيل في القبض من المدين. ولهذا قيد قبولها بكون المحال عليه مليئا. ولو كان الديْن باقياً في ذمة المحيل، لما ضَر كون المحال عليه معسراً. وانتقال الدين وبراءة ذمة المحيل هو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم. ١١- ولكن هل يرجع المحال لو تبين أن المحال عليه مفلس أو مات أو جحد؟ فيه خلاف وتفصيل يأتي إن شاء الله تعالى. اختلاف العلماء: أجمع العلماء على اعتبار رضا المحيل في الحوالة، واختلفوا في اعتبار رضا المحال والمحال عليه. فذهب " أبو حنيفة " إلى اعتبار رضاهما، لأنها معاوضة، يشترط لها الرضا من الطرفين فهما طرف، والمحيل هو الطرف الآخر.

стр. 493

ولكون الرضا معتبراً عندهم، فإنهم لا يرون الحديث على ظاهره، فيفيد الوجوب. وإنما يرون أن الاتباع مستحب ومندوب. وذهب الإمام أحمد وأتباعه، والظاهرية، وأبو ثور، وابن جرير: إلى أن الأمر للوجوب، إبقاء للحديث على ظاهره، وأنه يتحتم على من أحيل بحقه على مليء أن يحتال. فإن كانت الحوالة على غير مليء فعند الظاهرية أنها حوالة فاسدة لا تصح، لأنها لم توافق محلها الذي ارتضاه الشارع وهو الملاءة. وعند الحنابلة تصح، لأن الحق للمحال وقد رضى بذلك. واختلفوا: هل يرجع المحال على المحيل في ذلك؟ خلافات وتفاصيل. الحديث الأول عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " مَطل الغني ظُلْم، وَإذَا اتْبعَ أحدكم عَلى مليء فَليَتْبع ". الغريب: مطل الغنى: أصل " المطل " المد. تقول: مطلت الحديدة أمطلها، إذا مددتها لتطول. والمراد تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر. و" مطل " مصدر مضاف. إلى فاعله، والتقدير: مطل الغنى غريمه، ظلم. اتبع: بضم الهمزة وسكون التاء وكسر الباء مبنياً للمجهول، بمعنى أحيل.. مليء: بتسكين الياء المهموزة. فأما تعريفه- لغة- فهو الغنى المقتدر على الوفاء. "أما تعريفه عند الفقهاء، فهو المليء بماله، وبدنه، وقوله. بماله: القدرة على الوفاء. وبدنه: إمكان إحضاره بمجلس الحكم. وقوله: أن لا يكون مماطلا. فليتبع: بفتح الياء التحتية وسكون التاء الفوقية، بمعنى فليحتل. المعنى الإجمالي: في هذا الحديث الشريف أدب من آداب المعاملة الحسنة. فهو ﷺ يأمر المدين بحسن القضاء، كما يرشد الغريم إلى حسن الاقتضاء. فبين ﷺ أن الغريم إذا طلب حقه، أو فهم منه الطلب بإشارة أو قرينة، فإن تأخير حقه عند الغنى القادر على الوفاء، ظلم له، للحيلولة دون حقه بلا عذر. وهذا الظلم يزول إذا أحال المدين الغريم على مليء يسهل عليه أخذ حقه منه، فَلْيَقْبَل

стр. 494

الغريم الحوالة حينئذ. ففي هذا حسن الاقتضاء منه، وتسهيل الوفاء، كما أن فيه إزالة الظلم بما لو بقي الدين بذمة المدين المماطل. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم مطل الغنىّ، ووجوب وفاء الدين الذي عليه لغريمه. ٢- لفظ " المطل "، يشعر بأنه لا يحرم عليه التأخير ويجب عليه الوفاء، إلا عند طلب الغريم، أو ما يشعر برغبته في الاستيفاء. ٣- التحريم خاص بالغنى المتمكن من الأداء. أما الفقير، أو العاجز لشيء من الموانع، فهو معذور. ٤- تحريم مطالبة المعسر، ووجوب إنظاره إلى الميسرة، لأن تحريم المطل ووجوب الوفاء، منوطان بالغنى القادر. أما المعسر فيحرم التضييق عليه، لأنه معذور، وملاحقته بالدين حرام. ٥ - في الحديث حسن القضاء من المدين. بأن لا يماطل الغريم. وفيه حسن الاقتضاء من الغريم بأن يقبل الحوالة إذا أحاله المدين على مليء. ٦- ظاهر الحديث أنه إذا أحال المدين الغريم على مليء، وجب عليه قبول الحوالة. ويأتي الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى. ٧- مفهومه أنه لا يجب على المحال قبول الحوالة إذا أحاله على غير مليء. ٨- فسر العلماء " المليء " بأنه ما اجتمع فيه ثلاث صفات: (١) أن يكون قادراً على الوفاء، فليس بفقير. (٢) صادقا بوعده، فليس بمماطل. (٣) يمكن جلبه إلى مجلس الحكم، فلا يكون صاحب جاه، أو يكون أباً للمحال، فلا يمكنه الحاكم من مرافعته. ٩- قال العلماء: إن مناسبة الجمع بين هاتين الجملتين أنه لما كان المطل ظلماً من المدين، طلب من الغريم إزالة هذا الظلم بقبول الحوالة على من لا يلحقه منه ضرر وهو المليء. ١٠- ظاهر الحديث، انتقال الديْن من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه. والصحيح الذي تطمئن إليه النفس: أن المحال إن احتال برضاه، عالماً بإفلاس المحال عليه، أو موته، أو مماطلته ونحو ذلك من العيوب التي في المحال عليه، ولم يشترط على المحيل

стр. 495

الرجوع عند تعذر أو تعسُّر الاستيفاء، أنه لا يرجع، لأنه رضى بإحالة حقه من ذمة إلى ذمة يعلم مصيره فيها، فهو شبيه بما لو اشترى مبيعاً معيباً يعلم عيبه. وإن لم يكن راضياً بالحوالة على المعسر ونحوه، أو كان راضيا بالحوالة عليه، لكن يجهل عسره ونحوه أو غرر فيه، شرط الرجوع عند تعذر الاستيفاء، أو تعسره، فالحق أن له الرجوع، لأن عسر المحال عليه عيب لم يعلم به ولم يرض به، فله الرجوع، كما أن له الرجوع عند الشرط لأن المسلمين على شروطهم، والله أعلم. بَابُ مَنْ وَجَد سلْعَته عند رجل قد أفلس الحديث الأول عَنْ أَبي هُرَيْرة رَضِىَ الله عَنْة قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ [أَوْ قَالَ: سَمعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقول] : منْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِه عِندَ رَجُلٍ- أَوْ إنْسَانٍ - قَدْ أَفْلَس فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ". المعنى الإجمالي: من باع متاعه لأحد، أو أودعه، أو أقرضه إياه ونحوه، فأفلس المشترىَ ونحوه، بأن كان ماله لا يفي بديونه، فله أن يأخذ متاعه إذا وجد عينه، بأن كان بحاله لم تتغير فيها صفاته بما يخرجه عن اسمه، ولى يقبض من ثمنه شيئا، ولم يتعلق به حق أحد من مشتر، أو مُتَّهب (١) . أو رهن، أو شفعة أو غير ذلك من عقود المعاوضات. فحينئذ يكون أحق به من الغرماء المتحاصي (٢) المال، لأنه وجد متاعه بعينه فلا ينازعه فيه أحد. فإن كان المبيع ونحوه قد تغير بما يخرجه عن اسمه ومسماه، أو كان البائع قد قبض ثمنه أو بعضه، أو قد تصرف فيه المفلس بما تعلق به حق أحد، فلصاحب المتاع- حينئذ أسوة بالغرماء. ما يستفاد من الحديث: ١- أن من وجد متاعه عند أحد قد أفلس فله الرجوع فيه بشروط أخذها العلماء من الأحاديث، وأخذوا بعضها من فهمهم لمراد الشارع الحكيم. قال ابن دقيق العيد: دلالته قوية.
следующие страницы →