الحديث الأول
عَنْ عَاِئشةَ رَضىٍ الله عَنْها: أن رَسُولَ الله ﷺ اشْتَرَى مِنْ يَهُوِدي طَعَاماً، وَرَهَنَهُ دِرْعا مِنْ حَدِيدٍ.
المعنى الإجمالي:
زهادة النبي ﷺ في الحياة الدنيا، وتقللهُ منها، وكرمه الذي يبارى الرياح، لم يُبْقِ ما يدخره لقوت نفسه، وقوت أهله، الأيام اليسيرة.
ولهذا فقد آل به الأمر أن اشترى من يهودي طعاماً من شعير، ورهنه ما هو محتاج إليه للجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمته، وهو درعه الذي يلبسه في الحروب، وقاية- بعد الله تعالى- من سلاح العدو، وكيدهم.
ما يستفاد من الحديث:
١- جواز الرهن مع ثبوته في الكتاب العزيز أيضاً.
٢- جواز معاملة الكفار، وأنها ليست من الركون إليهم المنهي عنه. قال الصنعاني: وهو معلوم من الدين ضرورة، فإنه ﷺ وأصحابه أقاموا بمكة ثلاث عشرة سنة يعاملون المشركين، وأقام في المدينة عشراً يعامل هو وأصحابه أهل الكتاب وينزلون أسواقهم.
٣- وفيه جواز معاملة مَنْ أكثر ماله حرام، ما لم يعلم أن عين المتعامل به حرام. قال الصنعاني: وفيه دليل إلى عدم النظر إلى كيفية معاملتهم في أنفسهم، فإنه من المعلوم أنهم يبيعون الخمور ويأكلون السحت ويقبضونه، ولكن ليس لنا البحث عن معاملتهم وعن كيفية دخول المال إلى أيديهم، بل نعاملهم معاملة من في يده ملكه الحلال حتى يتبين لنا خلافه. ومثله الظلمة.
٤- وليس في الحديث دليل على جواز بيع السلاح على الكفار، لأن الدرع ليس من السلاح ولأن الرهن ليس بيعا أيضاً، ولأن الذي رهن عنده النبي ﷺ درعه، في حساب المستأمنين الذين تحت الحماية والحراسة، فلا يُخْشَى منهم سطوة أو خيانة. فإن إعانة الكفار والأعداء بالأسلحة، محرمة وخيانة كبرى.
٥- فيه ما كان عليه النبي ﷺ من الإقلال والزهد، رغبة فيما عند الله وكرما، فَلا يَدَع مالاً يقر عنده.
стр. 492
٦- فيه تسمية الشعير بالطعام، خلافاً لمن قصر التسمية على الحنطة فقد ثبت من بعض الطرق، أنه عشرون أو ثلاثون صاعاً من شعير.
٧- وفيه جواز الرهن في الحضر، فتكون الآية مخرجة مخرج الغالب حينما يعوز الكاتب والشاهد في السفر، وهذا مذهب جمهور العلماء، خلافا لما نقل عن مجاهد، والضحاك، ومذهب الظاهرية: من أن الرهن خاصة في السفر دون الحضر، لمفهوم الآية.
بَابُ الحَوَالة (١)
الحوالة: بفتى الحاء، مأخوذة من التحول، وهو الانتقال.
" فهي نقل دَيْن من ذمة إلى ذمة " فتنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
وهي ثابتة بالسنة كهذا الحديث، وبإجماع العلماء، وبالقياس الصحيح، فإن الحاجة داعية إليها، قال بعضهم: هي من بيع الدين بالدين.
وجاز فيها تأخر القبض من باب الرخصة، فتكون على خلاف القياس، والصحيح خلاف ذاك وأنها من جنس إيفاء الحق، ولهذا أمر بها النبي ﷺ في معرض الوفاء، وأداء الدين.
أما فائدتها، فتسهيل المعاملات بين الناس، لاسيما إذا كان الغريم في بلد، والمحال عليه في بلد آخر، ويسهل على المحال الاستيفاء منه.
وإذا أحال المدين غريمه على من لا دَيْن له عليه، فهو توكيل في الاستقراض والاستيفاء، وليس من الحوالة، وليس له أحكامها.
ومثله: إحالة من لا دين له عليه على من عليه له الدين، فليس بحوالة، وإنما هو توكيل في القبض من المدين.
ولهذا قيد قبولها بكون المحال عليه مليئا. ولو كان الديْن باقياً في ذمة المحيل، لما ضَر كون المحال عليه معسراً.
وانتقال الدين وبراءة ذمة المحيل هو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم.
١١- ولكن هل يرجع المحال لو تبين أن المحال عليه مفلس أو مات أو جحد؟ فيه خلاف وتفصيل يأتي إن شاء الله تعالى.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على اعتبار رضا المحيل في الحوالة، واختلفوا في اعتبار رضا المحال والمحال عليه.
فذهب " أبو حنيفة " إلى اعتبار رضاهما، لأنها معاوضة، يشترط لها الرضا من الطرفين فهما طرف، والمحيل هو الطرف الآخر.
стр. 493
ولكون الرضا معتبراً عندهم، فإنهم لا يرون الحديث على ظاهره، فيفيد الوجوب. وإنما يرون أن الاتباع مستحب ومندوب.
وذهب الإمام أحمد وأتباعه، والظاهرية، وأبو ثور، وابن جرير: إلى أن الأمر للوجوب، إبقاء للحديث على ظاهره، وأنه يتحتم على من أحيل بحقه على مليء أن يحتال.
فإن كانت الحوالة على غير مليء فعند الظاهرية أنها حوالة فاسدة لا تصح، لأنها لم توافق محلها الذي ارتضاه الشارع وهو الملاءة.
وعند الحنابلة تصح، لأن الحق للمحال وقد رضى بذلك.
واختلفوا: هل يرجع المحال على المحيل في ذلك؟ خلافات وتفاصيل.
الحديث الأول
عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁: أن رَسُول الله ﷺ قَالَ: " مَطل الغني ظُلْم، وَإذَا اتْبعَ أحدكم عَلى مليء فَليَتْبع ".
الغريب:
مطل الغنى: أصل " المطل " المد. تقول: مطلت الحديدة أمطلها، إذا مددتها لتطول. والمراد تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر. و" مطل " مصدر مضاف. إلى فاعله، والتقدير: مطل الغنى غريمه، ظلم.
اتبع: بضم الهمزة وسكون التاء وكسر الباء مبنياً للمجهول، بمعنى أحيل..
مليء: بتسكين الياء المهموزة. فأما تعريفه- لغة- فهو الغنى المقتدر على الوفاء. "أما تعريفه عند الفقهاء، فهو المليء بماله، وبدنه، وقوله.
بماله: القدرة على الوفاء.
وبدنه: إمكان إحضاره بمجلس الحكم.
وقوله: أن لا يكون مماطلا.
فليتبع: بفتح الياء التحتية وسكون التاء الفوقية، بمعنى فليحتل.
المعنى الإجمالي:
في هذا الحديث الشريف أدب من آداب المعاملة الحسنة.
فهو ﷺ يأمر المدين بحسن القضاء، كما يرشد الغريم إلى حسن الاقتضاء.
فبين ﷺ أن الغريم إذا طلب حقه، أو فهم منه الطلب بإشارة أو قرينة، فإن تأخير حقه عند الغنى القادر على الوفاء، ظلم له، للحيلولة دون حقه بلا عذر.
وهذا الظلم يزول إذا أحال المدين الغريم على مليء يسهل عليه أخذ حقه منه، فَلْيَقْبَل
стр. 494
الغريم الحوالة حينئذ.
ففي هذا حسن الاقتضاء منه، وتسهيل الوفاء، كما أن فيه إزالة الظلم بما لو بقي الدين بذمة المدين المماطل.
ما يستفاد من الحديث:
١- تحريم مطل الغنىّ، ووجوب وفاء الدين الذي عليه لغريمه.
٢- لفظ " المطل "، يشعر بأنه لا يحرم عليه التأخير ويجب عليه الوفاء، إلا عند طلب الغريم، أو ما يشعر برغبته في الاستيفاء.
٣- التحريم خاص بالغنى المتمكن من الأداء.
أما الفقير، أو العاجز لشيء من الموانع، فهو معذور.
٤- تحريم مطالبة المعسر، ووجوب إنظاره إلى الميسرة، لأن تحريم المطل ووجوب الوفاء، منوطان بالغنى القادر.
أما المعسر فيحرم التضييق عليه، لأنه معذور، وملاحقته بالدين حرام.
٥ - في الحديث حسن القضاء من المدين. بأن لا يماطل الغريم.
وفيه حسن الاقتضاء من الغريم بأن يقبل الحوالة إذا أحاله المدين على مليء.
٦- ظاهر الحديث أنه إذا أحال المدين الغريم على مليء، وجب عليه قبول الحوالة. ويأتي الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى.
٧- مفهومه أنه لا يجب على المحال قبول الحوالة إذا أحاله على غير مليء.
٨- فسر العلماء " المليء " بأنه ما اجتمع فيه ثلاث صفات:
(١) أن يكون قادراً على الوفاء، فليس بفقير.
(٢) صادقا بوعده، فليس بمماطل.
(٣) يمكن جلبه إلى مجلس الحكم، فلا يكون صاحب جاه، أو يكون أباً للمحال، فلا يمكنه الحاكم من مرافعته.
٩- قال العلماء: إن مناسبة الجمع بين هاتين الجملتين أنه لما كان المطل ظلماً من المدين، طلب من الغريم إزالة هذا الظلم بقبول الحوالة على من لا يلحقه منه ضرر وهو المليء.
١٠- ظاهر الحديث، انتقال الديْن من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
والصحيح الذي تطمئن إليه النفس: أن المحال إن احتال برضاه، عالماً بإفلاس المحال عليه، أو موته، أو مماطلته ونحو ذلك من العيوب التي في المحال عليه، ولم يشترط على المحيل
стр. 495
الرجوع عند تعذر أو تعسُّر الاستيفاء، أنه لا يرجع، لأنه رضى بإحالة حقه من ذمة إلى ذمة يعلم مصيره فيها، فهو شبيه بما لو اشترى مبيعاً معيباً يعلم عيبه.
وإن لم يكن راضياً بالحوالة على المعسر ونحوه، أو كان راضيا بالحوالة عليه، لكن يجهل عسره ونحوه أو غرر فيه، شرط الرجوع عند تعذر الاستيفاء، أو تعسره، فالحق أن له الرجوع، لأن عسر المحال عليه عيب لم يعلم به ولم يرض به، فله الرجوع، كما أن له الرجوع عند الشرط لأن المسلمين على شروطهم، والله أعلم.
بَابُ مَنْ وَجَد سلْعَته عند رجل قد أفلس
الحديث الأول
عَنْ أَبي هُرَيْرة رَضِىَ الله عَنْة قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ [أَوْ قَالَ: سَمعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقول] : منْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِه عِندَ رَجُلٍ- أَوْ إنْسَانٍ - قَدْ أَفْلَس فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ ".
المعنى الإجمالي:
من باع متاعه لأحد، أو أودعه، أو أقرضه إياه ونحوه، فأفلس المشترىَ ونحوه، بأن كان ماله لا يفي بديونه، فله أن يأخذ متاعه إذا وجد عينه، بأن كان بحاله لم تتغير فيها صفاته بما يخرجه عن اسمه، ولى يقبض من ثمنه شيئا، ولم يتعلق به حق أحد من مشتر، أو مُتَّهب (١) . أو رهن، أو شفعة أو غير ذلك من عقود المعاوضات.
فحينئذ يكون أحق به من الغرماء المتحاصي (٢) المال، لأنه وجد متاعه بعينه فلا ينازعه فيه أحد.
فإن كان المبيع ونحوه قد تغير بما يخرجه عن اسمه ومسماه، أو كان البائع قد قبض ثمنه أو بعضه، أو قد تصرف فيه المفلس بما تعلق به حق أحد، فلصاحب المتاع- حينئذ أسوة بالغرماء.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن من وجد متاعه عند أحد قد أفلس فله الرجوع فيه بشروط أخذها العلماء من الأحاديث، وأخذوا بعضها من فهمهم لمراد الشارع الحكيم. قال ابن دقيق العيد: دلالته قوية.
стр. 496
قال الإصطخري من أصحاب الشافعي: لو قضى القاضي بخلافه نقض حكمه.
٢- يراد " بصاحب المتاع" في الحديث، البائع وغيره، من مُقْرِض ومودع ونحوهم من أصحاب عقود المعاوضات. فعموم الحديث يشملهم.
ولا ينافي العموم أن يصرح باسم [البائع] في بعض الأحاديث.
٣- أن تكون موجودات المفلس لا تفي بديونه، وهذا الشرط مأخوذ من اسم [المفلس] شرعا.
٤- أن تكون عين المتاع موجودة عند المشترى، هذا الشرط هو نص الحديث الذي معنا وغيره.
٥- أن يكون الثمن غير مقبوض من المشترى. فإن قبض كله أو بعضه، فلا رجوع بعين المتاع.
وهذا الشرط مأخوذ من المعنى المفهوم، ومن بعض ألفاظ الأحاديث.
٦- الذي يفهم من عموم لفظ الحديث، أن الغرماء لو قدموا صاحب المتاع بثمن متاعه، فلا يسقط حقه من الرجوعَ بمتاعه.
قلت: وأرى أننا إذا رجعنا إلى مراد الشارع وهو [حفظ حق صاحب المتاع] فإننا نلزمه بأخذ الثمن، الذي باعه به إذا قدمه الغرماء، خصوصاً إذا كان في أخذه مصلحة لعموم الغرماء، وللمفلس الذي يتشوف الشارع إلى التخفيف من ديونه.
قال " ابن رشد ": تقدر السلعة.
فإن كانت قيمتها مساوية للثمن أو أقل منه، قضى بها للبائع.
وإن كانت أكثر، دفع إليه مقدار ثمنه ويتحاصُون الباقي وبهذاْ القول قال جماعة من أهل الأثر
٧- أن تكون السلعة بحالها لم يتلف منها شيء، ولم تتغير صفاتها بما يزيل اسمها، كنسج الغزاة، وخبز الحب، وجعل الخشب باباً ونحو ذلك.
فإن تغيرت صفاتها، أو تلف بعضها فهو أسوة بالغرماء.
٨- أن لا يتعلق بها حق من شفعة، أو رهن، وأولى من ذلك أن لاتباعَ أو توهب، أو توقف
стр. 497
ونحو ذلك، فلا رجوع فيها ما لم يكن التصرف فيها حيلة على إبطال الرجوع، فإن الحيل محرمة، وليس لها اعتبار.
هذه هي الشروط المعتبرة للرجوع في عين المتاع عند المفلس.
وبعضها أخذ من لفظ الأحاديث، وبعضها من المعنى المفهوم. والله أعلم.
اختلاف العلماء:
ذهبت الحنفية إلى أن البائع غير مستحق لأخذ عين ماله حين يجده عند المفلس، وأن المفلس أحق به. لأن السلعة صارت بالبيع ملكا للمشتري، ومن ضمانه، واستحقاق البائع أخذها منه، نقض لملكه.
وتأولوا الحديث بأنه خبر واحد مخالف للأصول، وحملوه على صورة وهي أن يكون المتاع وديعة، أو عارية أو لقطة عند المفلس وهو حمل مردود.
ولو كان كذلك لما قيد بالإفلاس، فإنه يرجع بهذه الأشياء مع الإفلاس ودونه.
والحق ما ذهب إليه جمهور العلماء من العمل بالحديث.
قال الشوكاني: " والاعتذار بأنه الحديث، مخالف للأصول، اعتذار فاسد، حيث أن السنة الصحيحة من جملة الأصول، فلا يترك العمل بها إلا بما هو أنهض منها، ولم يرد في المقام ما هو كذلك، ا. هـ منه.
قال بعض العلماء: لو حكم الحاكم بخلاف هذا الحديث، نقض حكمه، لأنه لا يقبل التأويل.
ولولا شهرة هذا الخلاف للحنفية ما ذكرته، ولكنى قصدت بذكره التنبيه على ضعفه، وأنه من الآراء التي صودمت بها النصوص.
وقد أذكر في هذا الكتاب بعض الخلافات الضعيفة، لشهرة من يقول بها، وضعف ما تسند إليه، خشية الوقوع فيها تقليدا وثقة بأصحابها، والعصمة لأصحاب الرسالات عليهم الصلاة والسلام.
стр. 498
باَبُ الشفعَة
الشفعة: بضم الشين وسكون الفاء.
والشفع: لغة، الزوج، قسيم الفرد، فإذا ضمت فرداً إلى فرد، فأنت شفعته. ومن هنا اشتقت الشفعة، لأن الشافع يضم حصة شريكه إلى حصته.
والشفعة: تطلق على التملك وعلى الحصة المملوكة فتعريفها- شرعاً- على المعنى الأول: [استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض] . وهى ثابتة بالسنة، بحديث الباب، وبإجماع العلماء. ولما كان موضوعها، العقارات المشتركة.
- وبطبيعة الشراكة والخلطة يحصل أضرار عظيمة ومشاكل جسيمة. وكثير من الخلطاء يبغي بعضهم على بعض. إلا من آتى الشركة حقها، وقليل ما هم- لما كان الأمر هكذا صارت الشفعة على وفق القياس الصحيح أيضا. فإن انتزاع حصة الشريك بثمنه من المشترى، منفعة عظيمة للشريك المنتزع، ودفع للضرر الكبير عنه، بلا مضرة تلحق البائع والمشترى فكل قد أخذ حقه كاملا غير منقوص.
وبهذا تعلم أنها جاءت على الأصل وفق القياس والحكمة، والشرع كله، خير وبركة. فلا يأمر إلا بما تتمحض مصلحته أو تزيد على مفسدته، لا ينهى إلا عما تتمحض مضرته أو تزيد على مصلحته.
ولم يستحق الشفيع (١) نزع الشقص (٢) من يد المشترى بغير رضاه إلا للمصلحة الخالية من المضرة.
فحينئذ تكون ثابتة بالسنة، والإجماع، والقياس، خلافاً لمن توهموا ثبوتها على خلاف الأصل والقياس.
الحديث الأول
عَنْ جَابِرِ بن عَبْدِ الله ﵄ قَالَ. جَعَلَ (٣) (وفي لفظ: - قضى) النبي ﷺ بالشُّفعَةِ فيِ كُل مَال لَم يقسم. فَإذَا وقَعَتِ الحُدودُ وَصرفَتِ الطرقُ فَلا شُفعَة.
الغريب:
وقعت الحدود: عينت. و" الحدود " جمع " حد " وهو _ هنا _ ما تميز به الأملاك بعد القسمة.
صرفت الطرق: بضم الصاد وكسر الراء المثقلة، يتخفف. بمعنى بينت مصارفها وشوارعها.
стр. 499
المعنى الإجمالي:
هذه الشريعة الحكيمة جاءت لإحقاق الحق والعدل ودفع الشر والضر ولها النظم المستقيمة والأحكام العادلة للغايات الحميدة والمقاصد الشريفة، فتصرفاتها حسب المصلحة وفق الحكمة والسداد.
ولهذا فإنه لما كانت الشركة في العقارات يكثر ضررها ويمتد شررها وتشق القسمة فيها، أثبت الشارع الحكيم الشفعة للشريك.
بمعنى أنه إذا باع (١) أحد الشريكين (٢) نصيبه من العقار المشترك بينهما، فللشريك الذي لم يبع أخذ النصيب من المشترى بمثل ثمنه، دفعاً لضرره بالشراكة.
هذا الحق، ثابت للشريك ما لم يكن العقار المشترك قد قسم وعرفت حدوده وصرفت طرقه.
أما بعد معرفة الحدود وتميزها بين النصيبين، وبعد تصريف شوارعها وتشقيقها فلا شفعة، لزوال ضرر الشراكة والاختلاط الذي ثبت من أجله استحقاق انتزاع المبيع من المشترى.
ما يستفاد من الحديث:
١- هذا الحديث أصل في ثبوت الشفعة وهو مستند الإجماع عليها.
٢- صدر الحديث يشعر بثبوت الشفعة في المنقولات وسياقه يخصها بالعقار، ولكن يتبعها الشجر والبناء إذا كانا في الأرض.
٣- تكون الشفعة في العقار المشترك، الذي لم تميز حدوده، ولم تصرف طرقه، لضرر الشراكة التي تلحق الشريك الشفيع.
٤- إذا ميزت حدوده، وصرفت طرقه، فلا شفعة لزوال الضرر بالقسمة، وعدم الاختلاط.
٥- بهذا يعلم أنها لا تثبت للجار، لقيام الحدود وتمييزها.
ويأتي الكلام على الشفعة فيما فيه منفعة مشتركة بين الجارين إن شاء الله تعالى.
٦- استدل بعضهم بالحديث: على أن الشفعة لا تكون إلا في العقار الذي تمكن قسمته دون ما لا تمكن قسمته، أخذاً من قوله: " في كل ما لم يقسم " لأن الذي لا يقبل القسمة، لا يحتاج إلى نفيه. ويأتي الخلاف فيه إن شاء الله.
٧- تثبت الشفعة إزالةً لضرر الشريك، ولذا اختصت بالعقارات لطول مدة الشراكة فيها.
стр. 500
وأما غير العقار، فضرره يسير. يمكن التخلص منه بوسائل كثيرة، من المقاسمة التي لا تحتاج إلى كلفة، أو بالبيع ونحو ذلك.
فائدة:
يرى بعض العلماء- ومنهم الفقهاء المتابعون للمشهور من مذهب الحنابلة- سقوطها إن علم الشفيع ببيع الشقص ولم يشفع على الفور، ولم يجعلوا له مهلة إلا لعمل الأشياء الضرورية، من أكل، وشرب، وصلاة ونحو ذلك، بناء منهم على أن الأصل في المعاملات الرضا.
والشفيع يريد انتزاع الشقص بغير رضا المشترى فحاربوه، واستأنسوا على ذلك بأحاديث ضعيفة كحديث " الشفعة كَحل العِقَال ".
والحق أنه يرجع في ذلك إلى العرف في التحديد، ويعطى مهلة متعارفة للتفكير والمشاورة.
فائدة ثانية:
يحرم التحيل لإسقاط الشفعة ولإبطال حق مسلم، كما قال ذلك الإمام أحمد ﵀.
وقد يعمد من لا يراعى حدود دينه وحقوق إخوانه، إلى محاولة إسقاطها بشيء من الحيل، كأن يعطى الشقص بصورة من الصور، التي لا تثبت فيها،
أو لا يثبتها الحكام فيها، أو يضر الشفيع بإظهار زيادة في الثمن، أو بوقف الشقص، حيلة لإسقاطها.
فهذه حيل لا تسقط فيها الشفعة عند الأئمة الأربعة، كما قال ذلك صاحب الفائق رحمه الله تعالى.
وقال شيخ الإسلام: الاحتيال على إسقاط الشفعة بعد وجوبها لا يجوز بالاتفاق. وإنما اختلف الناس في الاحتيال عليها قبل وجوبها وبعد انعقاد السبب، وهو ما إذا أراد المالك بيع الشقص المشفوع مع أن الصواب أنه لا يجوز الاحتيال على إسقاط حق مسلم، وما وجد من التصرفات لأجل الاحتيال المحرم فهو باطل.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على ثبوت الشفعة في العقارات التي تقسم قسمة إجبار (١)
واختلفوا فيما سوى
стр. 501
ذلك.
فذهب أبو حنيفة وأصحابه، إلى ثبوتها في كل شيء من العقارات والمنقولات.
مستدلين على ذلك بصدر الحديث الذي معنا، قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم.
وبما رواه الطحاوى عن جابر قال: " قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شيء ".
وعندهم، أن الشفعة جاءت لإزالة الضرر الحاصل بالشركة والقسمة، ولذلك كلفة ومؤنة.
وبعض العلماء- كالقاضي عياض وابن دقيق العيد- عَدوا هذا القول من الشواذ.
وذهب مالك، وأهل المدينة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: إلى أنه لا شفعة للجار، ولا للشريك المقاسم، بل تثبت بالعقار الذي لم يقسم.
فإذا وقعت حدوده، وصُرِّفت طرقه، فلا شفعة عندهم.
وهو مروىُ عن عمر، وعثمان، وعلىّ رضى الله عنهم.
واستدلوا على ذلك بحديث الباب " فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة".
قال الإمام أحمد: إنه أصح ما روى في الشفعة.
وفي البخاري عن جابر " إنما جعل رسول الله ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق فلا شفعة ".
وفي سنن أبي داود عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قسمت الأرض وَحُدَّتْ فلا شفعة فيها " إلى غير ذلك من الأحاديث.
ولأن الشفعة إنما أثبتها الشارع لإزالة الضرر اللاحق بشراكة العقارات التي تطول ويصعب التخلص منها بالقسمة، وتستوجب أعمالا وتغييرات، ولها
مرافق وحقوق، وكل هذا مدعاة إلى جلب الخصام والشجار، فثبتت لإزالة هذه الأضرار.
أما غير العقارات المشتركة، فلا توجد فيها إلا نسبة قليلة من الضرر يمكن التخلص منها بالقسمة، أو البيع، أو التأجير.
والجار ليس عنده هذه الأضرار مادام غير مشارك، ولو أثبتنا للجار لشاعت القضية فما من أحد إلا وله جار.
وذهب بعض العلماء- ومنهم الحنفية- إلى ثبوتها للجار مطلقاً، سواء كان له مع جاره شركة في زقاق، أو حوش، أو بئر ونحو ذلك، أو لم يكن.
стр. 502
ويستدلون على ذلك بما رواه البخاري عن أبي رافع قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الجار أحق بصقبِه ".
وبما رواه أبو داود، والنسائي، والترمذى عن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : " جار الدار أحق بالدار ".
وروى أصحاب السنن الأربعة عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحدا " وهذا حديث صحيح.
وقالوا: إن الضرر الذي قصد الشارع رفعه، هو ضرر الجوار، فإن الجار قد يسيء إلى جاره بِتَعْلِيَةِ جداره وتَتَبُعِ عوراته والتطلَع على أحواله، فجعل له الشارع هذا الحق، ليزيل به الضرر عن نفسه وحرمه وماله.
وللجار حرمة وحق، حث الله عليهما ورسوله.
فأمر بإكرامه، ونَفَى الإيمان عمن أساء إليه.
فنظر قوم إلى أدلة كل من الفريقين. فرأوا أن كلا منهما معه أثر لا يُرَدُّ، ونظر لا يُصَد. فمع كل منهما أحاديث صحيحة وتعليلات قويه مقبولة. وقد علموا أن سنة النبي ﷺ لا تتضارب، بل ينظر بعضها إلى بعض وتتلاحظ بعين التوافق والالتئام، لأنها من عند من ﴿لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ .
لذا فقد توسطوا بين القولين، وجمعوا بين الدليلين فقالوا:
إن منطوق حديث " فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق " ونحوه، انتفاء الشفعة عند معرفة كل واحد حده واختصاصه بطريقه.
وإن منطوق حديث: " الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها، وإن كان غائباً، إذا كان طريقهما واحداً " إثبات الشفعة بالجوار عند الاشتراك في الطريق وانتفائها عند تصريف الطريق، فتوافق المفهوم والمنطوق.
وممن يرى هذا الرأي، علماء البصرة، وفقهاء المحدثين. وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام " ابن تيمية " " وابن القيم " وشيخنا عبد الرحمن آل سعدي. قال شيخ
стр. 503
الإسلام: وقد تنازع الناس في شفعة الجار على ثلاثة أقوال، أعدلها القول بأنه إن كان شريكا في حقوق الملك ثبتت له الشفعة وإلا فلا ا. هـ
قلت: وهو قول وسط، تجمع فيه الأدلة، ويزول به كثير من الأضرار الكبيرة الطويلة.
أما إثباتها في المنقول أو للجار الذي ليس له شركة في مرفق، فلا يعتضد بشيء من الأدلة، ولا يكفى أنه يوجد في ذلك قليل من الضرر، الذي يمكن إزالته بسهولة ويسر. والله أعلم.
بَابُ أحْكام الجوَار (١)
المؤلف ﵀ ذكر بعد هذا الحديث المتعلق بـ " الشفعة " أربعهَ أحاديث تتعلق ب " الوقف " و " الهبة ".
ثم ذكر بعدهن ثلاثة أحاديث تتعلق ب " المزارعة ". ثم ذكر بعدهن حديثاً في " الهبة " أيضاً.
ثم ذكر أحاديث تتعلق " بالغصب " و " أحكام الجوار "، ثم ذكر أحاديث " الوصايا ".
فلا أعلم، ما وجه هذا الترتيب عنده؟.
وبما أن أحاديث " الوقف" و " الهبة "و " الوصايا " كلها من جنس واحد، لأنها عقود تبرعات، وأحكامها متقاربة، ومسائلها متناظرة، عمدت إلى جعلها متوالية، وأخرتها ليكون بعدها " باب الفرائض " لوجود المناسبة بينها أيضاً.
وقدمت هذه الأحاديث المتعلقة ب " المزارعة "، و " والغصب " و" أحكام الجوار " ليحسن الترتيب، وتجتمع المسائل المتناسبة.
الحديث الأول (٢)
عَن أبي هُرَيرةَ رضىَ الله عَنْهُ: أن رَسولَ الله ﷺ قال: " لا يَمْنَعَن جَار جَارَهُ أن يَغْرزَ خَشَبَةً في جدَارهِ ".
ثم يقول أبو هريرة: مَا لي أراكم عَنْهَا مُعْرضِينَ؟ والله لأرْمِيَن بِهَا بَين أكتافكم.
الغريب:
لا يمنعن: لا: - ناهية، والفعل بعدها مجزوم بها، وحرك بالفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة.
خشبة: بالإفراد، وقد روى بالجمع، والمعنى واحد، لأن المراد بالواحد الجنس
عنها، بها: الضمير فيهما راجع إلى السنة المذكورة في مقالته.
стр. 504
بين أكتافكم: بالتاء المثناة الفوقية جمع " كتف ". وقد ورد في بعض الروايات بالنون. و " أكناف " جمع " كنف " بفتح الكاف والنون، هو الجانب.
المعنى الإجمالي:
للجار على جاره حقوق تجب مراعاتها، فقد حث النبي ﷺ على صلة الجار، وذكر أن جبريل مازال يوصيه به حتى ظن أنه سيورثه من جاره، لعظم حقه، وواجب بره.
فلهذا تجب بينهم العشرة الحسنهَ، والسيرة الحميدة، ومراعاة حقوق الجيزة، وأن يكف بعضهم عن بعض الشر القولي والفعلي. فلا يؤمن بالله تعالى من لا يأمن جاره بوائقه.
ومن حسن الجوار، ومراعاة حقوقه، أن يبذل بعضهم لبعض، المنافع التي لا تعود عليهم بالضرر الكبير مع نفعها للجار.
ومن ذلك أن يريد الجار، أن يضع خشبة في جدار جاره.
فإن لم يكن ثَم حاجة إلى ذلك، ينبغ لصاحب الجدار أن يأذن له، مراعاة لحق الجار.
وإن كان ثَم حاجة لصاحب الخشب، وليس على صاحب الجدار ضرر من وضع الخشب، فيجب على صاحب الجدار أن يأذن له في هذا الانتفاع، الذي ليس عليه منه ضرر مع حاجة جاره إليه. ويجبره الحاكم على ذلك إن لم يأذن.
فإن كان ثَم ضرر، أو ليس هناك حاجة، فالضرر لا يزال بالضرر.
والأصل في حق المسلم المنع، ولذا فإن أبا هريرة رضى الله عنه، لما علم مراد المشرع الأعظم من هذه السنة الأكيدة، استنكر منهم إعراضهم في العمل بها، وتوعدهم بأن يلزمهم بالقيام بها، فإن للجار حقوقا فرضها اللَه تعالى تجب مراعاتها والقيام بها.
ما يستفاد من الحديث:
١- النهْىُ عن منع الجار أن يضع خشبة على جدار جاره، إذا لم يكن عليه ضرر من وضعها، وكان في الجار حاجة إلى ذلك.
٢- قيد وضع الخشب بعدم الضرر على صاحب الجدار، وبحاجة صاحب الخشب، لأن التصرف في مال الغير ممنوع إلا بإذنه.
فلا يجوز إلا لحاجة من عليه له الحق وهو الجار، كما أنه لا يوضع مع تضرره لأًن الضرر لا يزال بالضرر.
٣- هل النَهْىُ على وجه التحريم أو الكراهة؟ يأتي بيان ذلك إن شاء الله.
٤- فهم أبو هريرة رضى اللَه عنه أن الجار متحتم عليه بَذْلُ ذلك لجاره، ولذلك فإنه استنكر عليهم إعراضهم عن هذه السنة. وتهددهم بالأخذ بها.
стр. 505
٥- هذا من حقوق الجار الذي حضً الشارع على بره والإحسان إليه، فنعلم من هذا عِظَمَ حقوقه ووجوب مراعاتها.
ولهذا فإنه يقاس على وضع الخشب غيره، من الانتفاعات، التي يكون في الجيران حاجة إليها، وليس على مالك نفعها مضرة كبيرة في بذلها، فيجب بذلها ويحرم منعها.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على المنع من وضع خشب الجار على جدار جاره مع وجود الضرر إلا بإذنه لقوله ﵊: " لا ضرر ولا ضرار ".
واختلفوا فيما إذا لم يكن على صاحب الجدار ضرر، وكان بصاحب الخشب حاجة إلى ذلك، بأن لا يمكنه التسقيف إلا به.
ذهب الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة،: مالك، والشافعي في المشهور عنهم إلى أنه لا يجوز وضع الخشب على حائط الجار إلا بإذن صاحب الجدار وإن لم يأذن، فلا يجبر عليه.
مستدلين على ذلك بأصل المنع من حق الغير إلا برضاه كحديث " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه " وحديث " إن أموالكم وأعراضكم عليكم حرام " ونحو ذلك من الأدلة.
وذهب الإمام أحمد، وإسحاق وأهل الحديث إلى وجوب بذل الجدار لصاحب الخشب مع حاجة الجار إليه وقلة الضرر على صاحب الجدار وإجباره على ذلك مع الامتناع.
وقال بهذا القول، بعض المالكية، وهو قول لأبي حنيفة، ومذهب الشافعي في القديم. والدليل على ذلك ما يأتي:
١- ظاهر هذاَ الحديث الذي معنا، فإنه ورد بصيغة النهي، والنهي يقتضي التحريم، وإذا كان المنع حراماً، فإن البذل واجب.
٢- أبو هريرة الذي روى الحديث، استنكر عدم الأخذ به، وتوعد على ذلك، وهذا يقتضي فهمه لوجوب البذل وتحريم المنع، وراوي الحديث، أعرف بمعناه.
стр. 506
٣- ورد مثل هذه القضية في زمن عمر فقد روى مالك بسند صحيح أن الضحاك بن خليفة، سأله محمد بن مسلمة أن يسوق خليجا له فيجريه في أرض محمد بن مسلمة، فامتنع.
فكلمه عمر في ذلك فأبى. فقال: والله ليمرن به ولو على بطنك.
ولم يعلم لعمر مخالف في هذه القضية من الصحابة، فكان اتفاقاً منهم على ذلك.
٤- أن الشارع عظم حقوق الجار وأكد حرمته، فله على جاره حقوق فإذا لم يبذل له ما ليس عليه فيه مضرة، فأين رَعْىُ الحقوق والحرمة؟
أما العمومات التي يستدلون بها على عدم الوجوب، فلا يبعد أن تكون مخصصة بهذا الحديث، للمصالح
بَابُ الغصْبِ
مصدر " غصبه يغصبه " أخذه ظلماً.
والغصب شرعاً: هو الاستيلاء على مال غيره بغير حق.
وهو من الظلم المحرم في الكتاب، والسنة، والإجماع.
ويجب على الغاصب رد ما غصبه، لأنه من رد المظالم إلى أهلها.
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ رَضى الله عَنْهَا: أنَ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " من ظَلَمَ قِيدَ شِبْر مِنَ الأرْض طُوقَهُ مِنْ سَبْعِ أرْضِينَ ".
الغريب:
قيد شبر: بكسر القاف وسكون الياء، أي قدر. وذكر " الشبر"، إشارة إلى استواء القليل والكثير.
طوقه: بضم الطاء وتشديد الواو المكسورة، مبنى للمجهول، بمعنى أن يجعل طوقاً في عنقه.
أرضين: بفتح الراء ويجوز إسكانها.
الظلم: لغة وضع الشيء في غير محله. وشرعا التصرف في حق الغير بدون إذنه.
المعنى الإجمالي:
مال الإنسان على الإنسان حرام، فلا يحل لأحد أخذ شيء من حق أحد، إلا بطيبة نفسه، وأشد ما يكون ذلك، ظلم الأرض، لطول مدة استمرار الاستيلاء عليها- ظلماً.
стр. 507
ولذا فإن النبي ﷺ أخبر أن من ظلم قليلا أو كثيراً من الأرض جاء يوم القيامة بأشد ما يكون من العذاب، بحيث تغلظ رقبته، وتطول، ثم يطوق الأرض التي غصبها وما تحتها، إلى سبع أرضين، جزاء له على ظلمه صاحب الأرض بالاستيلاء عليها.
ما يؤخذ من الحديث:
١- تحريم الغصب، لأنه من الظلم الذي حرمه الله على نفسه، وجعله بيننا محرماً.
٢- أن الظلم حرام، في القليل والكثير، وهنا فائدة ذكر الشبر
٣- أن العقار يكون مغصوبا بوضع اليد، ويكون مستولى عليه. قال القرطبي: ومن الحديث إمكان غصب الأرض وأنه من الكبائر.
٤- أن من ملك ظاهر أرض، ملك باطنها إلى تخومها.
فلا يجوز أن ينقب أحد من تحته، أو يجعل نفقا أو سرباً ونحو ذلك إلا بإذنه، ويكون مالكا لما فيها من أحجار مدفونة، أو معادن، وله أن يحفر ما شاء. كما أن العلماء قالوا: إن الهواء تابع للقرار، فمن ملك أرضا ملك ما فوقها.
٥- قال شيخ الإسلام: إذا اختلط الحرام بالحلال، كالمقبوض غصبا والربا والميسر، فإذا اشتبه بغيره واختلط لم يحرم الجمع، فإذا علم أن في البلد شيئاً من هذا لا يعلم عينه لم يحرم على الناس الشراء من ذلك البلد. لكن إذا كان كثر مال الرجل حراما هل تحرم معاملته أو تكره؟ (فالجواب) على وجهين، وإن كان الغالب على ماله الحلال لم تحرم معاملته.
٦َ وقال أيضاً: المال إذا تعذر معرفة مالكه صرف في مصالح المسلمين عند جماهير العلماء، فإذا كان بيد الإنسان غصوب أو عواريّ أو ودائع أو رهون قد يئس من معرفة أصحابها فإنه يتصدق بها عنهم، أو يصرفها في مصالح المسلمين، أو يسلمها إلى عدل يصرفها في مصالح المسلمين.
فائدة:
قال في المغني: وما كان في الشوارع والطرقات والرحبات بين العمران فليس لأحد إحياؤه، سواء كان واسعا أو ضيقا، وسواء ضيق على الناس بذلك أو لم يضيق، لأن ذلك يشترك فيه المسلمون، وتتعلق به مصلحتهم، فأشبه مساجدهم، ويجوز الارتفاق بالقعود
стр. 508
في الواسع من ذلك للبيع والشراء على وجه لا يضيق على أحد، ولا يضر بالمارة، لاتفاق أهل الأمصار في جميع الأعصار على إقرار الناس على ذلك من غير إنكار، ولأنه ارتفاق بمباح من غير إضرار، فلم يمنع، كالاجتياز.
بَابُ المساقاة والمزارعة
المساقاة: مأخوذة من أهم أعمالها، وهو السقي.
وهى شرعاً: دفع شجر لمن يسقيه ويعمل عليه، بجزء معلوم من ثمره.
و" المزارعة " مأخوذة من الزراعة: وهي دفع أرض لمن يزرعها بجزء معلوم مما يخرج منها
و" المساقاة " و " المزارعَة " من عقود المشاركات، التي مبناها العدل بين الشريكين، فإن صاحبى الشجر والأرض، كصاحب النقود، التي دفعها للمضارب في التجارة.
والمساقي، والمزارع، كالتاجر الذي يتجر بالمال، فهما داخلتان في أبواب المشاركات، فالغنم بينهما، والغرم عليهما.
وبهذا يعلم، أنهما أبعد عن الغرر والجهالة، من الإجارة، وأقرب منها إلى القياس والعدل، ولذا فإنهما جاءتا على الأصل.
لا كما قال بعضهم: أنهما على خلاف القياس لظنهم أنهما من باب الاجارات، التي يشترط فيها العلم بالعمل والأجرة، فهذا وهم منهم.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄: أنَّ النَّبي ﷺ عَامَلَ أهْلَ خَيْبَرَ عَلى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أو زَرْع.
الغريب:
شطر ما يخرج منها: الشطر، يطلق على معان، منها النصف، وهو المراد هنا.
من ثمر: بالثاء المثلثة، عام لثمر النخل والكرم وغيرهما.
المعنى الإجمالي:
بلدة " خيبر " بلدة زراعية، كان يسكنها طائفة من اليهود.
فلما فتحها النبي ﷺ في السنة السابعة من الهجرة، وقسم أراضيها ومزارعها بين الغانمين، وكانوا مشتغلين عن الحراثة والزراعة بالجهاد في سبيل الله والدعوة إلى الله تعالى، وكان يهود " خيبر " أبصر منهم بأمور الفلاحة أيضاً، لطول معاناتهم وخبرتهم فيها، لهذا أقر النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 509
أهلها السابقين على زراعة الأرض وسقْي الشجر، ويكون لهم النصف، مما يخرج من ثمرها وزرعها، مقابل عملهم ونفقتهم، وللمسلمين النصف الآخر، لكونهم أصحاب الأصل.
فما زالت هذه المعاملة سائرة بينهم زمن النبي ﷺ وخلافة أبي بكر الصديق، حتى جاء عمر بن الخطاب وأجلاهم عن بلدة خيبر.
ما يستفاد من الحديث:
١- جواز المزارعة والمساقاة، بجزء مما يخرج من الزرع: الثمر.
٢- ظاهر الحديث، أنه لا يشترط أن يكون البذر من رب الأرض، وهو الصحيح، خلافا للمشهور من مذهبنا في اشتراطه.
٣- أنه إذا علم نصيب العامل، أغنى عن ذكر نصيب صاحب الأرض أو الشجر، لأنه بينهما.
٤- جواز الجمع بين المساقاة والمزارعة في بستان واحد، بأن يساقيه على الشجر، بجزء معلوم وزراعة الأرض بجزء معلوم.
٥- جواز معاملة الكفار بالفلاحة، والتجارة، والمقاولات على البناء والصنائع، ونحو ذلك من أنواع المعاملات.
اختلاف العلماء في المساقاة والمزارعة:
تقدم أن طائفة من العلماء يرون أن المساقاة والمزارعة جاءتا على خلاف الأصل والقياس، لهذا اختلف العلماء في حكمهما، مع ورود النص فيهما. فأما " المساقاة " فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تجوز بحال، لأنها إجارة بثمرة لم تخلق، أو بثمرة مجهولة، فهي راجعة إلى التصرف بالثمرة قبل بدو صلاحها أو راجعة إلى جهالة العوض، وكلاهما ممنوع.
فعمدته في رد النص فيها، مخالفتها للأصول.
وذهب الظاهرية، إلى أنها لا تجوز إلا في النخل خاصة، لورود الخبر فيها.
وذهب الشافعي إلى جوازها في النخل والكرم خاصة، لاشتراكهما في كثير من الأحكام، ومنها وجوب الزكاة فيهما خاصة من سائر الثمار وذلك عنده.
وهؤلاء تحرزوا من امتداد الحكم إلى سائر الشجر المقصود. المنتفع به، بناء منهم على أن هذا الحكم الثابت في هذا الخبر، إنما جاء على خلاف الأصل فلا يتعدى به محل النص.
стр. 510
وذهب الإمام " أحمد " إلى جوازها في كل ماله ثمر مأكول، بل ألحق كثير من أصحابه، ما له ورق أو زهر منتفع به مقصود.
وذهب " مالك " إلى جوازها في كل ما له أصل ثابت، فهي رخصة عنده عامة في كل ذلك.
والحق الذي لأشك فيه أن الحكم شامل لكل ما فيه نفع مقصود من الأشجار، لأن الحديث ورد بالثمر، وهو عام في كل ثمر، ومن خصصه فعليه الدليل، ولأن هذين العقدين من عقود المشاركة التي جاءت على الأصل المقيس، فهي معلومة العمل والجزاء عليه.
وتقدم أن رد النصوص الصحيحة بدعوى مخالفتها للأصول، دعوى باطلة لأن الحديث هو الأصل في الأحكام، فكيف يمكن لأحد يعظم نبيه ﷺ أن يبيح لنفسه رد كلامه لأصل يدعيه، وهذا عمله وعمل خلفائه من بعده، لم ينسخ ولم يغير حكم الله فيه؟!.
واختلفوا في " المزارعة " فذهب الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، إلى عدم جوازها.
ودليلهم على ذلك. أحاديث رويت عن رافع بن خديج.
منها كنا نخابر (١) علي عهد رسول الله ﷺ فذكر أن بعض عمومته أتاه، فقال: نهى رسول الله ﷺ عن أمر كان لنا نافعاً، وطواعية رسول الله ﷺ أنفع.
قال: قلنا: ما ذاك؟ قال: قال رسول الله ﷺ : من كانت له أرض فليزرعها ولا يكرها بثلث ولا ربع ولا بطعام مسمى] .
وعن ابن عمر قال: [ما كنا نرى بالمزارعة بأسا، حتى سمعنا رافع بن خديج يقول: نهى رسول الله ﷺ عنها] متفق عليهما.
ولمسلم عن حنظلة بن قيس قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق فقال: لا بأس به إنما كان الناس يؤجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات (٢) والجداول وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا ولم يكن للناس كراء إلا هذا، ولذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به.
وكذلك صح عن جابر أن النبي ﷺ قال: [من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يزرعها فليزُرِعْها أخاه] .
стр. 511
وما روى أحمد ومسلم عن جابر أيضاً قال: [كنا نخابر على عهد رسول الله ﷺ فنصيب من القِصرى (١) ومن كذا. فقال رسول الله ﷺ من كانت له أرض فليزرعها أو ليحرثها أخاه وإلا فليدعها] .
فهذه الأحاديث هي حجة الذين يذهبون إلى عدم جواز المزارعة، ويرون أنها محرمة باطلة.
وهذه الأحاديث تؤيد أصلهم الذي استندوا عليه في الحرمة، وهو أن المزارعة من نوع الإجارة، والإجارة لابد أن يكون الأجر فيها معلوما، لأنها كالثمن، والمزارعة عوضها مجهول، فتحرم ولا تصح.
وذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى إلى جوازها وأنها من العقود الصحيحة الثابتة.
وسبق الإمام أحمد إلى القول بجوازها، طائفةْ من الصحابة، عملوا بها.
منهم على بن أبي طالب، وسعد بن مالك، وعبد الله بن مسعود رضى الله عنهم.
كما سبقه طائفة كبيرة من أئمة التابعين، منهم عمر بن عبد العزيز، والقاسم ابن محمد، وعروة بن الزبير، وابن سرين، وسعيد بن المسيب، وطاوس، والزهري، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. كما وافق الإمام فقهاء المحدثين، ومنهم أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، صاحبا أبي حنيفة، وإسحاق بن راهويه، وأبو بكر بن أبي شيبة، وسفيان الثوري، والإمام البخاري، وأبو داود.
ومن المحدثين المتأخرين، ابن المنذر، وابن خزيمة، وابن سريج، والخطابي، كما ذهب إلى هذا القول من ذوى المذاهب المستقلة، الظاهرية، وأصحاب أبى حنيفة. قال النووي: وهو الراجح المختار. والمسلمون في جميع الأمصار والأعصار جارون على العمل بالمزارعة. وقد صنف ابن خزيمة كتابا في جواز المزارعة وأجاد.
وتابع الإمام أحمد على جوازها، فقهاءُ الحنابلة، المحققون منهم والمقلدون.
وتمسك هؤلاء بمعاملة النبي ﷺ ليهود خيبر، فإنها قضية مشهورة لا تقبل الرد ولا التأويل.
ولذا فقد استمرت هذه المعاملة منذ عقدت، حتى أجلاهم عمر عن خيبر في خلافته، وبهذا يتحقق أنها لم تنسخ ولم تبدل.
стр. 512
أما أحاديث رافع بن خَديج، التي استدل بها المانعون، فقد تكلم فيها العلماء، وذلك لاضطرابها وتلونها فإنه تارة يروى المنع عن عمومته، وتارة أخرى عن رافع بن ظهير، وثالثة عن سماعه هو ثم يروى النهى عن [كراء الأرض] .
وحينا [ينهى عن الجعل] . ورابعة [عن الثلث والربع والطعام المسمى]
وبهذا حصل الاضطراب، وشك فيها، حتى قال الإمام أحمد. [حديث رافع، ألوان وضروب] ، وقد أنكره الصحابة، ولم يعلم به عبد الله بن عمر، إلا في خلافة معاوية.
فكيف مثل هذا الحكم يخفى عليهم وهم يتعاطونه؟!.
وعلى فرض انسجامها وصحة الأخذ بها، فقد أجاب العلماء عنها، وعن حديث جابر بأجوبة مقنعة.
وأحسنها الجمع بينها وبين أحاديث خيبر، وذلك بأن تحمل أحاديث النهي عن المزارعة، على المزارعة الفاسدة التي دخلها شيء من الغرر والجهالة، وصار فيها شبه من الميسر والمغالبات.
وهو حمل وجيه، بل قد صرح بذلك في بعض طرق أحاديثه.
ولهذا قال شمس الدين " ابن القيم ": [إن من تأمل حديث رافع بن خديج وجمع طرقه، واعتبر بعضها ببعض، وحمل مجملها على مفسرها، ومطلقها على مقيدها، علم أن الذي نهى عنه النبي ﷺ من ذلك، أمر بين الفساد وهو المزارعة الظالمة الجائرة فإنه قال [كنا نكرى الأرض، على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه] .
وفي لفظ له [كان الناس يؤجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع] .
وقوله: [ولم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه. أما بشيء معلوم مضمون، فلا باًس] وهذا من أبين ما في حديث رافع وأصحه وما فيه من مجمل أو مطلق أو مختصر، فيحمل على هذا المفسر المبين المتفق عليه لفظاْ وحكماً، ا. هـ كلام " ابن القيم " رحمه الله تعالى.
وقال الليث بن سعد: " الذي نهى عنه رسول الله ﷺ أمر إذا نظر إليه ذو البصيرة بالحلال والحرام علم أنه لا يجوز، لما فيه من المخاطرة ".
وقال ابن المنذر: قد جاءت أخبار رافع بعلل تدل على أن النهى كان لتلك العلل.
قال الخطابي: إنما صار هؤلاء (أبو حنيفة ومالك والشافعي) إلى ظاهر الحديث من رواية رافع بن خديج ولم يقفوا على علته كما وقف عليها أحمد.
ثم قال الخطابي أيضاً: فالمزارعة على النصف والثلث
стр. 513
والربع، وعلى ما تراضى عليه الشريكان جائزة، إذا كانت الحصص معلومة، والشروط الفاسدة معدومة. وهى عمل المسلمين في بلدان الإسلام وأقطار الأرض، شرقها وغربها، لا أعلم أني رأيت أو سمعت أهل بلد أو صقع من نواحي الأرض التي يسكنها المسلمون يبطلون العمل بها.
ثم قال الخطابي ﵀ عن حديث رافع في الإجارة بالماذيانات وأقبال الجداول قال: فقد أعلمك رافع في هذا الحديث: أن المنهي عنه هو المجهول منه دون المعلوم، وأنه كان من عادتهم أن يشترطوا شروطاً فاسدة وأن يستثنوا من الزرع ما على السواقى والجداول، فيكون خاصاً لرب المال.
والمزارعة شركة، وحصة الشريك لا يجوز أن تكون مجهولة وقد يسلم ما على السواقى ويهلك سائر الزرع، فيبقى المزارع لا شيء له، وهذا غرر وخطر.
وإذا اشترط رب المال على المضارب دراهم لنفسه زيادة على حصة الربح المعلومة، فسدت المضاربة، وهذا وذاك مواء.
وأصل المضاربة في السنة المزارعة والمساقاة، فكيف يجوز أن يصح الفرع، ويبطل الأصل؟! ا. هـ. كلام الخطابي قدس الله روحه. وهو توجيه جليل، بلفظ قليل. وقال شيخ الإسلام والمقصود أن النبي ﷺ نهى عن المشاركة التي هي كراء الأرض بالمعنى العام إذا اشترط لرب الأرض منها زرع مكان بعينه. والأمر في ذلك كما قال الليث بن سعد؛ فقد بين أن الذي نهى عنه النبي ﷺ شيء إذا نظر فيه ذو بصيرة بالحلال والحرام علم أنه حرام.
وبهذا تبين أن المزارعة والمساقاة، عقدان صحيحان جائزان، وأن القول بجوازهما هو مذهب جمهور الأمة، سلفا وخلفا، وأنه عمل المسلمين، قديماً وحديثاً.
فائدة:
قال شيخ الإسلام:
الجمهور يقولون: الشركة نوعان: شركة أملاك، وشركة عقود. وشركة العقود أصلا لا تفتقر إلى شركة الأملاك، كما أن شركة الأملاك لا تفتقر إلى شركة العقود، وإن كانا قد يجتمعان.
والمضاربة شركة عقود بالإجماع، والمساقاة والمزارعة. وإن كان من الفقهاء من يزعم أنهما من باب الإجارة، وأنهما على خلاف القياس- فالصواب أنهما أصل مستقل، وهو من باب المشاركة، لا من باب الإجارة وهي على وفق قياس المشاركات.
стр. 514
بَاب في جَواز كراء الأرض بالشيء المعْلوم
والنهي عن الشروط الفاسدة
الحديث الأول (١)
عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج قَالَ: كُنَّا أكثرَ الأنصار حَقْلا، وَكُنَّا نَكْرِي الأرض عَلى أن لَنَا هذِه وَلَهُمْ هَذِهِ، وَرُبَّمَا أخْرَجَتْ هذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ هذِهِ، فَنَهانَا عَنْ ذلِكَ. فأما الوَرقُ فَلَمْ يَنْهَنَا.
الحديث الثاني
ولـ " مسلم " عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْس قال: سَالتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيج عَنْ كِرَاءِ الأرْضِ بِالذَّهَبِ وَالْوَرِق، فقال: لا بَأسَ بِهِ، إنَّمَا كَان النَّاسُ يُؤَاجِرُونَ عَلى عَهْدِ النَّبي ﷺ بِمَا عَلَى الْمَاذِيَانَاتِ وَأقْبَالِ الْجَدَاوِلِ وَأشْيَاءَ مِنَ الزَرْعِ، فَيهْلِكُ هذَا، وَيَسْلَمُ هذَا، وَلَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ كِرَاء إلا هذَا، فَلِذلِكَ زَجَرَ عَنْهُ، فَأمَّا شَيء مَعْلُوم مَضْمُون فَلا بَأسَ بِهِ..
الماذيانات: اْلأنهار الكبار. والجدول: النهر الصغير.
الغريب:
حقلا: بفتح الحاء المهملة، وسكون القاف، منصوب على التمييز. الأصل في الحقل القراح الطيب، ثم أطلق على الزرع، واشتق منه المحاقلة.
الماذيانات: بذال معجمة مكسورة، ثم ياء مثناة، ثم ألف ونون، ثم بعدها ألف أيضاً. قال الخطابي: هي من كلام العجم (٢) فصارت دخيلا في كلام العرب.
أقبال الجداول: بفتْح الهمزة، فقاف فباء. والأقبال، الأوائل. والجداول جمع "جدول" وهو النهر الصغير.
المعنى الإجمالي:
في هذين الحديثين، بيان وتفصيل لإجارة الأرض الصحيحة، وإجارتها الفاسدة.
فقد ذكر رافع بن خديج أن أهله كانوا أكثر أهل المدينة مزارع وبساتين.
فكانوا يكارون الأرض كراء جاهلياً، فيعطون الأرض لتزرع، على أن لهم جانباً من الزرع، وللمزارع، الجانب الآخر، فربما جاء هذا، وتلف ذاك.
وقد يجعلون لصاحب الأرض، أطايب الزرع، كالذي ينبت على الأنهار والجداول،
стр. 515
فيهلك هذا، ويسلم ذاك، أو بالعكس.
فنهاهم النبي ﷺ عن هذه المعاملة، لما فيها من الغرر والجهالة والمخاطرة، فإنها باب من أبواب الميسر، وهو محرم لا يجوز، فلابد من العلم بالعوض، كما لابد من التساوي في المغنم والمغرم.
فإن كانت جزء منها، فهي شركة مبناها العدل والتساوي في غنْمِهَا وغُرْمِهَا.
وإن كانت بعوض، فهي إجارة لابد فيها من العلم بالعوض.
وهى جائزة سواء أكانت بالذهب والفضة، أم بالطعام مما يخرج من الأرض (١) أو من جنسه أو من جنس آخر، لأنها إيجار للأرض ولعموم الحديث [فأما شيء معلوم مضمون، فلا بأس به] .
ما يستفاد من الحديث:
١- جواز إجارة الأرض للزراعة، وقد أجمع عليه العلماء في الجملة.
٢- أنه لابد أن تكون الأجرة معلومة، فلا تصح بالمجهول.
٣- عموم الحديث يفيد أنه لا بأس أن تكون الأجرة ذهباً أو فضة أو غيرهما، حتى ولو كان من جنس ما أخرجته الأرض، أو مما أخرجته بعينه.
٤- النهى عن إدخال شروط فاسدة فيها: "ذلك كاشتراط جانب معين من الزرع وتخصيص ما على الأنهار ونحوها لصاحب الأرض أو الزرع، فهي
مزارعة أو إجارة فاسدة، لما فيها من الغرر والجهالة والظلم لأحد الجانبين، يجب أنْ تكون مبنية على العدالة والمواساة.
فإما أن تكون بأجر معلوم للأرض، وإما أن تكون مزارعة يتساويان فيها مغنما ومغرماً.
٥- بهذا يعلم أن جميع أنواعَ الغرر والجهالات والمغالبات، كلها محرمة باطلة، فهي من القمار والميسر، وفيهما ظلم أحد الطرفين.
والشرع إنما جاء بالعدل والقسط والمساواة بين الناس، لإبعاد العداوة والبغضاء، وجلب المحبة والمودة.
اختلاف العلماء:
ذهب عامة العلماء إلى جواز الإجارة بالذهب والفضة والعروض غير الطعوم.
واختلفوا في جوازها في الطعام.
فإن كان معلوماً غير خارج منها، فذهب إلى جوازها أكثر أهل العلم، ومنهم الشافعية، والحنفية، والحنابلة. سواء أكان الطعام من جنس الخارج منها، أم من غير جنسه، للحديث العام، ولأنه ليس فيه ذريعة إلى الربا، فجاز، كالنقود.
ومنعه الإمام مالك، محتجاً بحديث [فلا يكريها بطعام] .
وإن كان بجزء مما يخرج منها، فلا يجوز عند الأئمة الثلاثة.
وما نقل عن الإمام أحمد في جوازها، فمحمول على إرادته للمزارعة، بلفظ الإجارة.
стр. 516
بَابُ الوَقف
قال ابن فارس في [مقاييس اللغة] : الواو والقاف والفاء، أصل يدل على تمكث ثم يقاس عليه. ثم قال: ولا يقال: أوقف.
قلت: ومن أصل التمكث يؤخذ الوقف الشرعي فإنه ماكث الأصل.
وتعريفه شرعاً: حبس مالكٍ مالَهُ المنتفع به مع بقاء عينه عن التصرفات برقبته، وتسبيل منفعته على شيء من أنواع القُرب ابتغاء وجه الله تعالى.
وحكمه: الاستحباب. وقد ثبت بالسنة، لأحاديث كثيرة.
منهاِ حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: " إذا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلا مِنْ ثلاثٍ، صدقة جارية.. الخ ".
وإجماع الصدر الأول من الصحابة والتابعين على جوازه ولزومه.
قال الشافعي: ولم يحبس أهل الجاهلية فيما علمته. وإنما حبس أهل الإسلام وهذا إشارة إلى أنه حقيقة شرعية.
وقال الترمذي: " لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافاً في جواز وقف الأرضين " إلا أنه نقل عن شريح القاضي أنه أنكر الْحُبُسَ.
ومثل هذا لا يعطى حكم الوقف من اللزوم والثواب والفضل والأحكام.
وقال أبو حنيفة: لا يلزم، وخالفه جميع أصحابه.
قال جابر بن عبد الله: " لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ذا مقدرة، إلا وقف ".
وبهذا يعلم إجماع القرن المفضل عليه، فلا يلتفت إلى خلاف بعدَه.
أما فضله، فهو من أفضل الصدقات التي حث الله عليها، ووعد عليها، بالثواب الجزيل، لأنه صدقة ثابتة دائمة في وجوه الخير.
وقد ورد في فضله آثار خاصة، لحديث عمر، وخالد، وعمل الصحابة رضى الله عنهم أجمعين.
وهذه الأحاديث الواردة في أصله وفضله.
وهذا الفضل الجزيل المترتب عليه، هو إذا كان وقفاً شرعياً حقيقياً واقعاً في موقعه، مقصوداً به وجه الله تعالى، موجهة مصارفه إلى وجوه القرب وأبواب البر والإحسان، من بناء المساجد والمدارس النافعة، والمشاريع الخيرية وصرفه إلى أهله من ذوى القرب والرحم، والفقراء والمساكين، والعاجزين، والمنقطعين، ومساعدة أهل الخير والصلاح، ونحو ذلك.
стр. 517
أما أن يحجر على أولاده وورثته باسم الوقف حتى لا يبيعوه، أو تكثر عليه الديون فيقف عقارَه خشية أن يباع لأصحاب الحقوق، أو يقفه على أولاده، فيحرم بعضهم ويحابى بعضهم، كأن يجعل نصيب البنات لهن ما دمن على قيد الحياة، أو يفضل بعض الأولاد على بعض لغير قصد صحيح أو يقفه على جهة من الجهات التي لا بِر فيها ولا قربة، ونحو ذلك. فهذا كله ليس بوقف صحيح، بل هو تحجير باسم الوقف.
وبهذا يدخل في أبواب الظلم، بدلا من أبواب البر، لأنه ليس على مراد الله، وكل ما أحدث في غير أمر الله فهو رد. أي مردود.
وبما تقدم تعرف الحكمة الجليلة من الوقف، فهو إحسان إلى الموقوف عليهم وبِرّ بهم، وهم أولى الناس بالبر والإحسان، وذلك إما لحاجتهم كالفقراء والأيتام والأرامل والمنقطعين، أو للحاجة إليهم كالمجاهدين والمعلمين والمتعلمين والعاملين- تبرعاً- في خدمة الصالح العام.
وفيه إحسان كبير وبِرّ عظيم للواقف إذ يتصدق بهذه الصدقة المؤبدة التي يجرى عليه ثوابها بعد انقطاع أعماله وانتهاء آماله، بخروجه من دنياه إلى أخراه.
الحديث الأول (١)
عَنْ عَبْدِ الله بنٍ عُمَرَ قال: أصاب عُمَرُ أرضا بِخَيْبَرَ فأتى النَبي صَلًى الله عَلَيْهِ ومسَلّمَ يَسْتَأمِرُهُ فِيهاَ، فقال: يَا رَسَوُلَ الله، إني أصبت أرْضاً بِخَيْبَرَ لَمْ أصِبْ مَالا قَط هُوَ أنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ فَماَ تَأمُرُني بِهِ؟
قال: " إنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أصْلَهَا وَتَصَدقْتَ بِهَا ".
قال: فَتَصَدقَ بِهَا عُمَرُ، غَيْرَ أنَهُ لا يُباعُ أصلُهَا وَلا يُورَث.
قال: فَتَصَدقَ بهَا عُمَرُ في الفُقَرَاء، وفي القُربَى، وَفي الرقَابِ، وَفي سَبيلِ الله، وَابن السبيلِ، وَالضيفِ، لا جُنَاح عَلَى مَن وَلِيَهَا أن يَأكلَ مِنْهَا بالمعرُوفِ، أوْ يُطْعِمَ صَدِيقاً، غيرَ مُتَمَول فِيهِ. وفي. لفظ: غيْرَ مُتَأثل.
الغريب:
أرضا بخيبر: بلاد شمالي المدينة تبعد عنها ١٦٠كم لا تزال عامرة بالمزارع والسكان، وكانت مسكنا لليهود حتى فتحها النبي ﷺ عام سبع فأقرهم على فلاحتها حتى أجلاهم عمر في خلافته. وأرض عمر هذه، اسمها " تَمغ " بفتح فسكون اشتراها من أرض خيبر.
يستأمره: يستشيره في التصرف بها.
стр. 518
قط: ظرف زمان للماضي، مشدد الطاء، مبنى على الضم:
أنفس منه: يعني أجود منه، والنفيس: الشيء الكريم الجيد المغتبط به.
لا جناح: لا حرج ولا إثم.
غرِ متمول، غير متأثل: المتمول: اتخاذ المال أخذا أكثر من حاجته. و" التأثل " اتخاذ أصل المال وجمعه حتى كأنه قديم عنده.
المعنى الإجمالي:
أصاب عمر بن الخطاب رضى الله عنه أرضا بخيبر، قدرها مائة سهم، هي أغلى أمواله عنده، لطيبها وجودتها: كانوا- رضى الله عنهم- يتسابقون إلى الباقيات الصالحات.
- فجاء ﵁ إلى النبي ﷺ طمعاً في البر المذكور في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالوا البِرً حَتًى تُنْفِقُوا مِمًا تُحِبونَ﴾ - يستشيره في صفة الصدقة بها لوجه الله تعالى. لثقته بكمال نصحه.
فأشار عليه بأحسن طرق الصدقات، وذلك بأن يحبس أصلها ويقفه فلا يتصرف به ببيع، أو إهداء، أو إرث أو غير ذلك من أنواع التصرفات، التي من شأنها أن تنقل الملك، أو تكون سببا في نقله، ويصدق بها في الفقراء والمساكين، وفى الأقارب والأرحام، وأن يَفُكً منها الرقاب بالعتق من الرق، أو بتسليم الديات عن المستوجبين، وأن يساعد بها المجاهدين في سبيل الله لإعلاء كلمته ونصر دينه، وأن يطعم المسافر الذي انقطعت به نفقته في غير بلده، ويطعم منها الضيف أيضا، فإكرام الضيف من الإيمان بالله تعالى.
بما أنها في حاجة إلى من يقوم عليها ويتعاهدها بالري والإصلاح، فقد رفع الحرج والإثم عمن وليها أن يأكل منها بالمعروف، فيأكل ما يحتاجه، ويطعم منها صديقا غير متخذ منها مالا زائدا عن حاجته، فهي لم تجعل إلا للإنفاق في طرق الخير والإحسان، لا للتمول والثراء.
ما يستفاد من الحديث:
١- يؤخذ من قوله: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" معنى الوقف الذي هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.
٢- يؤخذ من قوله: "غير أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث" حكم التصرف في الوقفة، فإنه لا يجوز نقل الملك فيه، ولا التصرف الذي يسبب نقل الملك، بل يظل باقيا لازما، يعمل به حسب شرط الواقف الذي لا حيف فيه ولا جنف.
٣- مكان الوقف، وأنه العين التي تبقى بعد الانتفاع بها.
فأما ما يذهب بالانتفاع به، فهو صدقة، وليس له موضوع الوقف ولا حكمه.
стр. 519
٤- يؤخذ من قوله: "فتصدق بها عمر في الفقراء.. الخ" مصرف الوقف الشرعي، وأنه الذي يكون في وجوه البر والإحسان العام أو الخاص، كقرابة الإنسان. وفك الرقاب، والجهاد في سبيل الله، والضيف، والفقراء، والمساكين وبناء المدارس والملاجئ والمستشفيات ونحو ذلك.
٥- يؤخذ من قوله: " لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف" صحة شرط الواقف الشروط التي لا تنافى مقتضى الوقف وغايته، والتي ليس فيها إثم ولا ظلم.
فمثل هذه الشروط لا بأس بها لأن للواقف فيها منفعة بلا جور على أحد. فإذا شرطت مثل هذه الشروط نفذت، ولولا أنها تنفذ، لم يكن في اشتراط عمر فائدة.
٦- في قوله: " لا جناح على من وليها.. الخ" جواز أكل ناظر الوقف منه بالمعروف بحيث يأكل قدر كفايته وحاجته، غير متخذ منه مالا، وكذلك له أن يطعم منه الصديق بالمعروف.
٧- فيه فضيلة الوقف، وأنه من الصدقات الجارية والإحسان المستمر.
٨- وفيه أن الأفضل أن يكون من أطيب المال وأنفسه، طمعاً في بر الله وإحسانه الذي جعله للذين ينفقون مما يحبون.
٩- وفيه مشاورة ذوى الفضل. وهم أهل الدين والعلم، وكل عمل له أرباب يعلمونه.
١٠- وفيه أن الواجب على المستشار أن ينصح بما يراه الأفضل والأحسن، فالدين النصيحة.
١١- وفيه فضيلة الإحسان والبر بذوي الأرحام، فإن الصدقة عليهم، صدقة وصلة.
١٢- يؤخذ من الحديث أن الشروط في الوقف لابد أن تكون صحيحة على مقتضى الشرع؛ فلا تكون مما يخالف مقتضى الوقف من البر والإحسان، ومن العدل والبعد عن الجور والجنف والظلم.
ونسوق هنا خلاصة ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك فقد ذكر حديث عائشة " من نذر أن يطع الله فليطعه ... " وحديث بريدة " كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ... والمسلمون على شروطهم ... " ثم قال:
من اشترط في الوقف أو العتق أو الهبة اً والبيع أو النكاح أو الإجارة أو النذر أو غير ذلك شروطا تخالف ما كتبه الله على عباده، بحيث
стр. 520
تتضمن تلك الشروط الأمر بما نهى الله عنه، أو النهي عما أمر الله به، أو تحليل ما حرمه، أو تحريم ما حلله، فهذه الشروط باطلة باتفاق المسلمين في جميع العقود، الوقف وغيره، ولكن تنازعوا في العقود والمباحات كالبيع والإجارة والنكاح هل معنى الحديث من اشترط شرطاً لم يثبت أنه خالف فيه الشرع، أو من اشترط شرطاً يعلم أنه مخالفا لما شرعه الله.
هذا فيه تنازع، لأن قوله آخر الحديث " كتاب الله أحق وشرط الله أوثق " يدل على أن الشرط الباطل ما خالف ذلك.
وقوله: " من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل " قد يفهم منه ما ليس بمشروع، وصاحب القول الأول يقول: ما لم ينه عنه من المباحات فهو ما أذن فيه فيكون مشروعاً بكتاب الله، وأما ما كان من العقود التي يقصد بها الطاعات كالنذر، فلا بد أن يكون المنذور طاعة، فمتى كان مباحا لم يجب الوفاء به.
ثم تحدث شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن البدعة، وبين أنها جميعاً مذمومة في الشرع، وبين أن ما فعل بعد وفاة الرسول ﷺ من جمع المصحف، وجمع الناس على قارئ واحد في قيام رمضان، وطرد اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ليس بدعة، وإنما هو شرعة، لأن أقل ما يقال فيه أنه من سنة الخلفاء الراشدين ﵃.
وعقب على ذلك بقوله: وبالجملة فلا خلاف بين العلماء أن من وقف على صلاة أو صيام أو نحو ذلك من غير الشرعي لم يصح وقفه والخلاف في المباحات. وهذا أصل عظيم وهو التفريق بين المباح الذي يفعل لأنه مباح وبين ما يتخذ دينا وعبادة وطاعة وقربة، فمن جعل ما ليس مشروعا دينا وقربة، كان ذلك حراما باتفاق المسلمين.
ثم قال رحمه الله تعالى: القسم الثالث عمل مباح مستوى الطرفين فهذا قال بعض العلماء بوجوب الوفاء به، والجمهور من أهل المذاهب المشهورة وغيرهم على أن شرطه باطل، فلا يصح عندهم أن يشرط إلا ما كان قربة إلى الله تعالى، وذلك لأن الإنسان ليس له أن يبذل ماله إلا لما له فيه منفعة في الدين والدنيا، فما دام الإنسان حياً فله أن يبذل ماله في تحصيل الأغراض المباحة، - لأنه ينتفع بذلك، فأما الميت فما بقي بعد الموت ينتفع من أعمال الأحياء إلا بعمل صالح قد أمر به أو أعان عليه أو أهدى إليه ونحو ذلك، فأما الأعمال التي ليست طاعة لله ورسوله فلا ينتفع بها الميت فإذا اشترط الموصي أو الواقف عملا أو صفة لا ثواب فيها كان السعي في تحصيلها سعياً فيما لا ينتفع به في دنياه ولا في آخرته، ومثل هذا لا يجوز.
стр. 521
اختلاف العلماء:
شذ الإمام أبو حنيفة ﵀ فأجاز بيع الوقف ورجوع الواقف فيه.
ومذهبه مخالف لنص الحديث ولذا قال صاحبه أبو يوسف: لو بلغ أبا حنيفة هذا الحديث (حديث عمر) لقال به، ورجع عن بيع الوقف.
وقال القرطبي: الرجوع في الوقف مخالف للإجماع فلا يلتفت إليه.
وذهب مالك والشافعي: إلى لزوم الوقف وعدم جوازه وصحة بيعه بحال، أخذاً بعموم الحديث " غير أنه لا يباع أصلها. الخ ".
وذهب الإمام أحمد إلى قول وسط، وهو أنه لا يجوز بيعه ولا الاستبدال به إلا أن تتعطل منافعه بالكلية، ولم يمكن الانتفاع به، ولا تعميره وإصلاحه،
فإن تعطلت منافعه، جاز بيعه واستبداله بغيره. استدل على ذلك بفعل عمر حينما بلغه أن بيت المال الذي بالكوفة نقب.
فكتب إلى سعد: " أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصلى".
وكان هذا العمل بمشهد من الصحابة، فلم يُنْكَر. فهو كالإجماع.
وشبهه بالهَدْىِ الذي يعطب قبل بلوغه مَحله، فإنه يذبح بالحال، وتترك مراعاة المَحِل، لافضائها إلى فوات الانتفاع بالكلية.
قال ابن عقيل رحمة الله: "الوقف مؤبد، فإذا لم يمكن تأبيده على وجه تخصيصه، استبقينا الغرض وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، وإيصال الأبدال جرى مجرى الأعيان، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض"
قال شيخ الإسلام " ابن تيميهَ " ﵀: "ومع الحاجة يجب إبدال الوقف بمثله، وبلا حاجة يجوز بخير منه، لظهور المصلحة".
وذكر ﵀ أنه يجوز إبدال الوقف، ولو كان مسجدا بمثله أو خير منه، وكذلك إبدال الهدي والأضحية والمنذور، وذلك بأن يعوض فيها بالبدل، أو تباع ويشترى بثمنها، إلا المساجد الثلاثة فما يجوز تغيير عرصتها وإنما يجوز الزيادة فيها، وإبدال البناء بغيره، كما دلت عليه السنة وإجماع الصحابة.
وذكر شيخنا عبد الرحمن آل سعدي ﵀ أنه إذا نقص الموقوف أو قلت منافعه، وكان
стр. 522
غيره أصلح منه وأنفع للموقوف عليهم ففيه عن الإمام أحمد روايتان، أشهرهما المنع، أي منع بيعه واستبداله
والثانية، الجواز، وهى اختيار شيخ الإسلام. وعليها العمل في محاكم المملكة العربية السعودية فإذا ثبت عند القاضي أن في بيعه واستبدال غبطة أو مصلحة أجازه، وأذن لناظره بذلك. وإلا فلا.
ولكن في هذه الحال لا ينبغي أن يستقل الناظر في بيعه، بل يرفع الأمر للحاكم، ويجتهد في الأصلح، لأنه في هذه الحال يدخلها من الهدى والخطأ، ما يحتاج إلى رفعه، ورفع المسئولية عنه بالحاكم. والله أعلم- ا. هـ.
وهذا هو الجاري في محاكم المملكة، فإنه لا يباع وقف إلا بإذن من الحاكم الشرعي، بل حتى تطلع هيئة القضاء في محكمة التمييز على حكم القاضي وتراه موافقا للوجهة الشرعية، فتجيزه، وبدون هذا فإن الوقف لا يُتَصرف فيه بما ينقل الملك.
باَبُ الهِبَة
الهبة: - بكسر الهاء وتخفيف الباء. وهى- شرعا- تمليك في الحياة بلا عوض. ولفظ الهبة يشمل أنواعا كثيرة:
منها: - الهدية المطلقة، والإبراء من الدين، والصدقة، والعطية، وهبة الثواب. ولكنْ بينها فروق.
فالهبة المطلقة: - ما قصد بها التودد إلى الموهوب له.
والصدقة: - ما قصد بها محض ثواب الآخرة.
والعطية: - هي الهبة في مرض الموت المخوف، وتشارك الوصية في أكثر أحكامها.
وهبة الدين: - هي إبراء المدين من الدين.
وهبة الثواب: - وهى ما قصد بها أخذ عوضها، وهى من أنواع البيع ولها أحكامه.
ولكن إذا أطلقت الهبة، فالمراد بها الأولى من هذه الأنواع.
ولها فوائد وحكم كثيرة، من إسداء المعروف، والتعاون، والتودد، وجلب المحبة، ففي الحديث " تهادوا تحابوا " لا سيما إذا كانت على قريب، أو جار، أو من بينك وبينه عداوة.
فهنا تحقق من المصالح والمنافع الشيء الكثير، وتكون من أنواع العبادات الجليلة التي أزالت ما في الصدور، ووثقت عرى القرابة والجوار. والشرع يهدف إلى كل ما فيه الخير والصلاح.
стр. 523
الحديث الأول
عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: حَمَلْت عَلَى فَرس فِي سَبيلِ الله، فَأضَاعَهُ الذي كان عِنْدَهُ، فَأرَدْتُ أن أشْتَريَهُ وَظَنَنتُ أنَهُ يَبيعُهُ بِرُخْص، فَسألتُ النَبي ﷺ فقال: "لا تَشترِهِ ولا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ وَإن أعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإنَ العَائِدَ في هِبَتِهِ كالعَائِدِ فِي قيئهِ ".
وفي لفظ: " فَإنَّ الذِي يَعُودُ فِي صَدَقتِهِ كالكَلْبِ يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قيْئِهِ ".
الحديث الثاني
وَعَنِ ابْن عَباس ﵄: أنَ رَسُولَ الله ﷺ قال:
" العائِدُ في هِبَتِهِ كالعَائِد فِي قيئهِ ".
المعنى الإجمالي:
أعان عمر بن الخطاب ﵁ رجلا على الجهاد في سبيل الله.
فأعطاه فرسا يغزو عليه، فقصر الرجل في نفقة ذلك الفرس، ولم يحسن القيام عليه، وأتعبه حتى هزل وضعف.
فأراد عمر أن يشتريه منه وعلم أنه سيكون رخيصاً لهزاله وضعفه، فلم يقدم على شرائه حتى استشار النبي ﷺ عن ذلك، ففي نفسه من ذلك شيء لكونه من الملهَمين.
فنهاه النبي ﷺ عن شرائه ولو بأقل ثمن، لأن هذا شيء خرج لله تعالى فلا تتبعه نفسك ولا تعلق به، ولئلا يحابيك الموهوب له في ثمنه، فتكون راجعاً ببعض صدقتك. ولأن هذا خرج منك، وكفر ذنوبك، وأخرج منك الخبائث والفضلات، فلا ينبغي أن يعود إليك. ولهذا سمى شراءه عوداً في الصدقة.
ثم ضرب مثلا للتنفير من العود في الصدقة بأبشع صورة وهى أن العائد فيها، كالكلب الذي يقىء ثم يعود إلى قيئه فيأكله مما يدل على بشاعة هذه الحال وخستها، ودناءة مرتكبها.
ما يستفاد من الحديثين:
١- استحباب الإعانة على الجهاد في سبيل الله، وأن ذلك من أجل الصدقات، فقد سماه النبي ﷺ صدقة.
٢- أن عمر تصدت على ذلك المجاهد بالفرس ولم يجعلها وقفا عليه، أو وقفا في سبيل الله على الجهاد، وإلا لما جاز للرجل بيعه. فالمراد حمل تمليك لا حمل توقيف.
٣- النهى عن شراء الصدقة، لأنها خرجت لله، فلا ينبغي أن تتعلق بها النفس. وشراؤها دليل على تعلقه بها، ولئلا يحابيه البائع فيعود عليه شيء من صدقته.
стр. 524
٤- يحرم العود في الصدقة، وهو مذهب جمهور العلماء.
٥- التنفير من ذلك بهذا المثل الذي هو الغاية في البشاعة والدناءة.
٦- استثنى جمهور العلماء من تحريم العودة في الهبة ما يهبه الوالد لولده، فإن له الرجوع في ذلك، عملا بما رواه أحمد وأصحاب السنن، عن ابن عمر، وابن عَباس، عن النبي ﷺ أنه قال: " لا يحل لرجل مسلم أن يعطى العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطى ولده " صححه الترمذي والحاكم.
بَابُ العَدل بَيْن الأولاد في العطِية (١)
الحديث الأول
عَن النَعْمَانِ بْنِ بَشِير قال: تَصَدق عَليَّ أبي بِبعْضِ مَالِهِ فَقَالَتْ أمي عَمرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لا أرضى حَتًى يَشْهَدَ رَسُولُ الله ﷺ .
فَانطَلَقَ أبى إلى رَسُولِ الله ﷺ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صدَقَتي.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : أفَعَلْتَ هذا بوَلَدِك كُلهِمْ "؟ قال: لا. قَالَ: " اتقوا الله وَاعْدِلُوا بَينَ أولادكم ".
فَرَجَع أبي، فَرَدَّ تِلْكَ الصًدَقَةَ.
وفي لفظ قال: " فَلا تُشْهِدْني إذاً، فإني لا أشْهَدُ عَلَى جَورٍ".
وفي لفظ: " فَأشْهِد عَلَى هذَا غَيْرِي ".
المعنى الإجمالي:
ذكر النعمان بن بشير الأنصاري: أن أباه خصه بصدقة من بعض ماله فأرادت أمه أن توثقها بشهادة النبي ﷺ إذ طلبت من أبيه أن يشهد النبي ﷺ عليها.
فلما أتى به أبوه إلى النبي ﷺ ليتحمل الشهادة، قال له النبي ﷺ : أتصدقت مثل هذه الصدقة على ولدك كلهم؟ قال: لا.
وبما أن تخصيص بعض الأولاد دون بعض، أو تفضيل بعضهم على بعض عمل مناف للتقوى
стр. 525
وأنه من الجور والظلم، لما فيه من المفاسد، إذ يسبب قطيعة المفضل عليهم لأبيهم وابتعادهم عنه، ويسبب عداوتهم وبغضهم لإخوانهم المفضلين.
لما كانت هذه بعض مفاسده قال النبي ﷺ له: " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ولا تشهدني على جور وظلم " ووبخه ونفَّره عن هذا الفعل بقوله: أشهد على هذا غيري.
فما كان من بشير رضى اللَه عنه إلا أن رجع بتلك الصدقة كعادتهم في الوقوف عند حدود الله تعالى.
اختلاف العلماء
أجمع العلماء على مشروعية التسوية بين الأولاد في الهبة، حتى كان السلف يسوون بينهم في القبل (١) لما في ذلك من العدل وإشعارهم جميعاْ بالمودة، وتصفية قلوبهم وإبعاد البغض والحقد والحسد عنهم.
ولكن اختلف العلماء في وجوب المساواة بينهم في الهبة.
فذهب الإمام أحمد، والبخاري، وإسحاق، والثوري، وجماعة إلى وجوبها وتحريم التفضيل بينهم، أو تخصيص بعضهم دون بعض، أخذاً بظاهر الحديث.
وذهب الجمهور إلى أنها مستحبة فقط، وأطالوا الاعتذار عن هذا الحديث بما لا مقنع فيه.
والحق الذي لاشك فيه، وجوب المساواة، لظاهر الحديث، ولما فيه من المصالح، وما في ضده من المضار.
كما أن ظاهر الحديث، التسوية بين الذكر والأنثى، لقوله لبشير " سَوِّ بينهم " وهو قول الجمهور ومنهم الأئمة الثلاثة، ورواية عن االإمام أحمد، اختارها من أصحابه " ابن عقيل " والحارثي.
وأما المشهور من مذهب الإمام أحمد، فهو أن يقسم بينهم على قدر إرثهم للذكر مثل حظ الأنثيين وهو اختيار شيح الإسلام " ابن تيمية ".
فائدة:
ذكر وجوِب العدل بين الأولاد في الهبة، وتحريم التخصيص أو التفضيل، ما لم يكن ثَمَ سبب موجب لذلك.
فإن كان هناك ما يدعو إلى التفضيل أو التخصيص، فلا بأس، كأن يكون أحدهم مريضاً، أو أعمى، أو زمنا (٢) ، أو كان ذا أسرة كبيرة أو طالب علم، ونحو ذلك من الأسباب، فلا بأس، بتفضيله لشيء من هذه المقاصد.
وقد أشار إلى ذلك الإمام أحمد بقوله- في تخصيص بعضهم بالوقف-: لا بأس إذا كان لحاجة، وكرهه إذا كان على سبيل الأثرة.
وقال شيخ الإسلام " ابن تيمية ": والحديث والآثار تدل على وجوب العدل ... ثم هنا نوعان.
стр. 526
١- نوع يحتاجون إليه من النفقة في الصحة والمرض ونحو ذلك، فالعدل فيه أن يعطى كل واحد ما يحتاج إليه، ولا فرق بين محتاج قليل أو كثير.
٢- ونوع تشترك حاجتهم إليه، من عطية، أو نفقة، أو تزويج. فهذا لا ريب في تحريم التفاضل فيه.
وينشأ من بينهما نوع ثالث، وهو أن ينفرد أحدهم بحاجة غير معتادة، مثل أن يقضى عن أحدهم دينا وجب عليه من أرش (١) جناية، أو يعطى عنه المهر، أو يعطيه نفقة الزوجة، ونحو ذلك، ففي وجوب إعطاء الآخر مثل ذلك نظر" ا. هـ من الاختيارات.
ما يؤخذ من الأحاديث:
١- وجوب العدل بين الأولاد، وتحريم التفضيل أو التخصيص. ذكرهم وأنثاهم سواء.
٢- أن ذلك من الجور والظلم، الذي لا تجوز فيه الشهادة تحملا وأداء.
٣- وجوب رد الزائد أو إعطاء الآخرين، حتى يتساووا.
٤- أن الأحكام التي تقع على خلاف الشرع تبطل، ولا تنفذ، ولا يعتبر عقدها الصوري، لأنه على خلاف المقتضى الشرعي.
بَابُ هِبَة العمرى
الحديث الأول
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رَضىَ الله عَنْهُمَا قال: قَضَى النَّبي ﷺ بالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ.
وفي لفظ: "مَنْ اعمِرَ عُمْرَى فَهِي لَهُ وَلِعَقبِهِ فإنَّهَا لِلَّذِي أعْطِيَها، لا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أعْطاهَا لأنَّهُ عَطَاءٌ وَقَعَتْ فِيهِ الموَارِيثُ".
وقال جابر: إنَّمَا الْعُمْرَى التي أجَازَهَا رَسُولُ الله ﷺ أنْ يَقُولَ: هِي لَكَ وَلِعَقِبِكَ. فَأمَّا إذا قَالَ: هِي لك مَا عِشتَ، فإنَّهَا تَرجِعُ إلَى صَاحِبهَا.
стр. 527
في لفظ لمسلمِ: " امسِكُوا عَلَيْكُمْ أموَالَكمْ وَلا تُفْسِدُوهَا فَإنَّهُ مَنْ أعْمَرَ عُمْرَى فهِي لِلَّذِي اعْمِرَهَا حَيّاً وَمَيْتاً وَلِعَقِبِهِ ".
الغريب:
العمرى: بضم العين المهملة، وسكون الميم، وألف مقصورة. مشتقة من العمر، وهو الحياة. سميت بذلك، لأنهم كانوا في الجاهلية يعطى الرجلُ الرجلَ الدار أو غيرها ويقول: أعمرتك إياها، أي أبحتها لك مدة عمرك وحياتك
أعمر: بضم أوله، وكسر الميم. مبنى للمجهول.
المعنى الإجمالي:
العمرى: - ومثلها " الرقبى " نوعان من الهبة، كانوا يتعاطونهما في الجاهلية، فكان الرجل يعطى الرجل الدار أو غيرها بقوله: أعمرتك إياها أو أعطيتكها عمرك أو عمري.
فكانوا يرقبون موت الموهوب له، ليرجعوا في هبتهم.
فأقر الشرع الهبة، وأبطل الشرط المعتاد لها، وهو الرجوع، لأن العائد في هبته، كالكلب، يقيئ ثم يعود في قيئه، ولذا قضى النبي ﷺ بالعمرى لمن وهبت له ولعقبه من بعده.
ونبههم ﷺ إلى حفظ أموالهم بظنهم عدم لزوم هذا الشرط وإباحة الرجوع فيها فقال: " أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي اعمِرَها، حياً وميتا، ولعقبها ".
هذا ما لم يصرح الواهب بأنها للموهوب له ما عاش فقط، فالمسلمون على شروطهم، ويكون حكمها، حكم العارية.
لكن لا يرجع الواهب فيها ولا بعد وفاة الموهوب له، لأن الوفاء بالوعد واجب، والإخلاف من صفات المنافقين المحرمة.
اختلاف العلماء:
العمرى ثلاثة أنواع:
١- إما أن تؤبد كقوله: لك: لعقبك من بعدك.
٢- أو تطلق كقوله: هي لك عمرك أو عمري.
وجمهور العلماء على صحة هذين النوعين وتأبيدهما وهو مذهب بعض الحنابلة
٣- والنوع الثالث أن يشترط الواهب الرجوع فيها بعد موت أحدهما. فهل يصح الشرط أو يلغى وتكون مؤبدة أيضاً؟
ذهب إلى صحة الشرط، جماعة من العلماء، منهم الزهري، ومالك، وأبو ثور، وداود. وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام وغيره من الأصحاب، لحديث " المسلمون على شروطهم ".
стр. 528
والمشهور من مذهب الإمام أحمد، إلغاء الشرط ولزوم الهبة وتأبيدها.
وشرط الرجوع فيها المختلف في صحته، غير هبتها مدة الحياة فهذه لها حكم العارية بإجماع العلماء.
ما يؤخذ من الحديث:
١- صحة هبة " العمرى " وأنها من منح الجاهلية، التي أقرها الإسلام وهذبها، بمنع الرجوع فيها، لما في الرجوع من الدناءة والبشاعة.
٢- أنها تكون للموهوب له ولعقبه، سواء أكانت مؤبدة أم مطلقة.
أما إذا شرط الواهب الرجوع فيها، فقد تقدم الخلاف في ذلك بين العلماء.
٣- أما إذا كانت الهبة لمدة الحياة فقط، بأن قال: هي لك ما دمت حيا، أو ما عشت، فهذه لها حكم العارية.
٤- إن الشروط الفاسدة غير لازمة في العقد، ولو ظنها العاقد لازمة نافعة له. لكن. قال الفقهاء: ويثبت الخيار في إمضاء البيع أورده لمشتر ظن ما ليس له ضمن عقده.
باَبُ اللُّقَطَة
اللُّقَطَة: - بضم اللام وفتح القاف على المشهور. وهي المال الضائع من ربِّه يلتقطه غيره. وَالمُلْتَقَطُ على ثلاثة أقسام: -
١- فقسم تافِه لا تتبعه همة أوساط الناس، كالسَّوط، والرغيف ونحوهما، فهذا يملك بالالتقاط ولا يلزم تعريفه.
٢- والثاني، ما لا يجوز التقاطه، وهى الأشياء التي تمنع نفسها من صغار السباع لِعَدْوهاَ، كالظباء، أو بقوتها وتحملها، كالإبل، والبقر ونحو ذلك. فهذا يحرم التقاطه.
٣- والنوع الثالث ما عدا ذلك، فهذا هو الذي يشرع التقاطه بقصد الحفظ لصاحبه وفيه الأحكام الآتية: -
الحديث الأول
عَنْ زَيْد بنِ خَالِدٍ الجُهَنيّ ﵁ قَالَ: سُئل رَسُولُ الله ﷺ فَيْ لقَطَةِ الذَهَب أوِ الورِقِ، فقال اعْرِفْ وِكَاءها وَعِفَاصَهَا ثُمً عَرفها سَنةً، فإن لَم تُعْرَف فَاسْتنْفقهَا وَلتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإن جَاءَ طَالبُهَا يَوْماً منَ الدهْرِ فَأدهَا إلَيهِ ".
وَسألهُ عَنْ ضَالةِ الإبِلِ فَقَالَ: مَالَكَ وَلَها؟ دَعْهَا، فِإن مَعَهَا حِذَاءها وَسِقَاءها، تَرِدُ المَاءَ وَتَأكُلُ الشجَرَ، حَتى يَجدَهَا رَبُهَا".
стр. 529
وَسَألهُ عَنِ الشاة فَقَالَ: خُذها، فَإنَما هِيَ لَكَ، أوْ لأخِيكَ أوْ لِلذئبِ.
الغريب:
وِكاءها: بكسر الواو ممدود " الوكاء " ما يربط به الشيء.
عفاصها: بكسر العين المهملة، ففاء، وبعد الألف صاد مهملة. هو وعاؤها.
حِذَاءها: بكسر الحاء المهملة، فذال معجمة، هو خفها، لمتانته وصلابته.
سقاءها: بكسر السين، هو جوفها الذي حمل كثيراً من الماء والطعام.
ربها: هو صاحبها الذي ضاعت منه.
المعنى الإجمالي:
سأل رجل النبي ﷺ عن حكم المال الضال عن ربه، من الذهب، والفضة، والإبل، والغنم.
فبين له ﷺ حكم هذه الأشياء لتكون مثالا لأشباهها، من الأموال الضائعة، فتأخذ حكمها.
فقال عن الذهب والفضة: اعرف وكاءها الذي شدت به، ووعاءها الذي جعلت فيه، لتميزها من بين مالك، ولتخبر بعلمك بها من ادعاها.
فإن طابق وصفه صفاتها، أعطيه إياها، وإلا تبين لك عدم صحة دعواه.
وأمره أن يعرفها سنة كاملة بعد التقاطه إياها.
ويكون التعريف في مجامع الناس كالأسواق، وأبواب المساجد. والمجمعات العامة، وفي مكان التقاطها.
ثم أباح له- بعد تعريفها سنة، وعدم العثور على صاحبا- أن يستنفقها، فإذا جاء صاحبها في أي يوم من أيام الدهر، أداها إليه.
وأما ضالة الإبل ونحوها، مما يمتنع بنفسه، فنهاه عن التقاطها.
لأنها ليست بحاجة إلى الحفظ، فلها من طبيعتها حافظ، لأن فيها القوة على صيانة نفسها من صغار السباع، ولها من أخفافها ما تقطع به المفاوز، ومن عنقها ما تتناول به الشجر والماء، ومن جوفها ما تحمل به الغذاء، فهي حافظة نفسها حتى يجدها ربها الذي سيبحث عنها في مكان ضياعها.
وأما ضالة الغنم ونحوها من صغار الحيوان، فأمره أن يأخذها حفظا لها من الهلاك وافتراس السباع، وبعد أخذها يأتي صاحبها فيأخذها، أو يمضي عليها حول التعريف فتكون لواجدها.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن من وجد مالا ضائعاْ عن ربه لا يمتنع من حفظ نفسه، استحب له أخذه بقصد الحفظ والصيانة عن الهلاك، والاستحباب هو أرجح الأقوال.
стр. 530
٢- أن يعرف الواجد وكاءها ووعاءها وجنسها ليميزها عن ماله وليعرف صفاتها فيختبر من ادعى ضياعها منه، فذلك من تمام حفظها وأدائها إلى ربها.
٣- أن يعرفها سنة في مجامع الناس كأبواب المساجد والمحافل والأسواق، وفي مكان وجدانها، لأنه مكان بحث صاحبها، ويبلغ الجهات المسؤولة عنها، كدوائر الشرطة.
وفي زمننا يكون نشدانها في الصحف والإذاعات والتلفاز، إذا كانت لقطة خطيرة.
٤- إن لم تعرف في مدة العام، جاز له إنفاقها وبقى مستعدا لإعطاء صاحبها عوضها مثلها، إن كانت مثلية، أو قيمتها إن كانت متقومة.
٥- فإن مضى عليها الحول ولم تعرف، ملكها ملتقطها ملكا قهريا من غير اختيار كالإرث وإذا جاء صاحبها بعد الحول فله عوضها، أو هي بعينها إن كانت موجودة.
٦- إن جاء صاحبها ولو بعد أمد طويل ووصفها. دفعت إليه.
ويكفى وصفها بينة على أنها له، فلا يحتاج إلى شهود ولا إلى يمين، لأن وصفها هو بينتها، فبينة كل شيء بحسبه، فإن البينة ما أبان الحق وأظهره، ووصفها كاف في ذلك.
وهذه قاعدة عامة في كل الأحوال، التي يدعيها أحد ولا يكون له فيها منازع، فيكتفي بوصفه إياها.
٧- أما ضالة الإبل ونحوها مما يمتنع بقوته أو بعَدْوه أو بطيرانه، فلا يجوز التقاطها، لأن لها من طبيعتها وتركيب الله إياها، ما يحفظها ويمنعها.
لكن إن وجدت في مهلكة رُدتْ بقصد الإنقاذ، لا التقاط.
٨- أما الشاة، فالأحسن- بعد أخذها- أن يعمل فيها الأصلح من أكلها مقدرا قيمتها، أو بيعها وحفظ ثمنها، أو إبقائها مدة التعريف.
وتركها بدون أخذها، تعريض لها للهلاك.
فإن جاء صاحبها، رجع بها أو بقيمها أو ثمنها، وإن لم يأت، فهي لمن وجدها.