١- نوع يحتاجون إليه من النفقة في الصحة والمرض ونحو ذلك، فالعدل فيه أن يعطى كل واحد ما يحتاج إليه، ولا فرق بين محتاج قليل أو كثير.
٢- ونوع تشترك حاجتهم إليه، من عطية، أو نفقة، أو تزويج. فهذا لا ريب في تحريم التفاضل فيه.
وينشأ من بينهما نوع ثالث، وهو أن ينفرد أحدهم بحاجة غير معتادة، مثل أن يقضى عن أحدهم دينا وجب عليه من أرش (١) جناية، أو يعطى عنه المهر، أو يعطيه نفقة الزوجة، ونحو ذلك، ففي وجوب إعطاء الآخر مثل ذلك نظر" ا. هـ من الاختيارات.
ما يؤخذ من الأحاديث:
١- وجوب العدل بين الأولاد، وتحريم التفضيل أو التخصيص. ذكرهم وأنثاهم سواء.
٢- أن ذلك من الجور والظلم، الذي لا تجوز فيه الشهادة تحملا وأداء.
٣- وجوب رد الزائد أو إعطاء الآخرين، حتى يتساووا.
٤- أن الأحكام التي تقع على خلاف الشرع تبطل، ولا تنفذ، ولا يعتبر عقدها الصوري، لأنه على خلاف المقتضى الشرعي.
بَابُ هِبَة العمرى
الحديث الأول
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رَضىَ الله عَنْهُمَا قال: قَضَى النَّبي ﷺ بالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ.
وفي لفظ: "مَنْ اعمِرَ عُمْرَى فَهِي لَهُ وَلِعَقبِهِ فإنَّهَا لِلَّذِي أعْطِيَها، لا تَرْجِعُ إلَى الَّذِي أعْطاهَا لأنَّهُ عَطَاءٌ وَقَعَتْ فِيهِ الموَارِيثُ".
وقال جابر: إنَّمَا الْعُمْرَى التي أجَازَهَا رَسُولُ الله ﷺ أنْ يَقُولَ: هِي لَكَ وَلِعَقِبِكَ. فَأمَّا إذا قَالَ: هِي لك مَا عِشتَ، فإنَّهَا تَرجِعُ إلَى صَاحِبهَا.
стр. 527
في لفظ لمسلمِ: " امسِكُوا عَلَيْكُمْ أموَالَكمْ وَلا تُفْسِدُوهَا فَإنَّهُ مَنْ أعْمَرَ عُمْرَى فهِي لِلَّذِي اعْمِرَهَا حَيّاً وَمَيْتاً وَلِعَقِبِهِ ".
الغريب:
العمرى: بضم العين المهملة، وسكون الميم، وألف مقصورة. مشتقة من العمر، وهو الحياة. سميت بذلك، لأنهم كانوا في الجاهلية يعطى الرجلُ الرجلَ الدار أو غيرها ويقول: أعمرتك إياها، أي أبحتها لك مدة عمرك وحياتك
أعمر: بضم أوله، وكسر الميم. مبنى للمجهول.
المعنى الإجمالي:
العمرى: - ومثلها " الرقبى " نوعان من الهبة، كانوا يتعاطونهما في الجاهلية، فكان الرجل يعطى الرجل الدار أو غيرها بقوله: أعمرتك إياها أو أعطيتكها عمرك أو عمري.
فكانوا يرقبون موت الموهوب له، ليرجعوا في هبتهم.
فأقر الشرع الهبة، وأبطل الشرط المعتاد لها، وهو الرجوع، لأن العائد في هبته، كالكلب، يقيئ ثم يعود في قيئه، ولذا قضى النبي ﷺ بالعمرى لمن وهبت له ولعقبه من بعده.
ونبههم ﷺ إلى حفظ أموالهم بظنهم عدم لزوم هذا الشرط وإباحة الرجوع فيها فقال: " أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي اعمِرَها، حياً وميتا، ولعقبها ".
هذا ما لم يصرح الواهب بأنها للموهوب له ما عاش فقط، فالمسلمون على شروطهم، ويكون حكمها، حكم العارية.
لكن لا يرجع الواهب فيها ولا بعد وفاة الموهوب له، لأن الوفاء بالوعد واجب، والإخلاف من صفات المنافقين المحرمة.
اختلاف العلماء:
العمرى ثلاثة أنواع:
١- إما أن تؤبد كقوله: لك: لعقبك من بعدك.
٢- أو تطلق كقوله: هي لك عمرك أو عمري.
وجمهور العلماء على صحة هذين النوعين وتأبيدهما وهو مذهب بعض الحنابلة
٣- والنوع الثالث أن يشترط الواهب الرجوع فيها بعد موت أحدهما. فهل يصح الشرط أو يلغى وتكون مؤبدة أيضاً؟
ذهب إلى صحة الشرط، جماعة من العلماء، منهم الزهري، ومالك، وأبو ثور، وداود. وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام وغيره من الأصحاب، لحديث " المسلمون على شروطهم ".
стр. 528
والمشهور من مذهب الإمام أحمد، إلغاء الشرط ولزوم الهبة وتأبيدها.
وشرط الرجوع فيها المختلف في صحته، غير هبتها مدة الحياة فهذه لها حكم العارية بإجماع العلماء.
ما يؤخذ من الحديث:
١- صحة هبة " العمرى " وأنها من منح الجاهلية، التي أقرها الإسلام وهذبها، بمنع الرجوع فيها، لما في الرجوع من الدناءة والبشاعة.
٢- أنها تكون للموهوب له ولعقبه، سواء أكانت مؤبدة أم مطلقة.
أما إذا شرط الواهب الرجوع فيها، فقد تقدم الخلاف في ذلك بين العلماء.
٣- أما إذا كانت الهبة لمدة الحياة فقط، بأن قال: هي لك ما دمت حيا، أو ما عشت، فهذه لها حكم العارية.
٤- إن الشروط الفاسدة غير لازمة في العقد، ولو ظنها العاقد لازمة نافعة له. لكن. قال الفقهاء: ويثبت الخيار في إمضاء البيع أورده لمشتر ظن ما ليس له ضمن عقده.
باَبُ اللُّقَطَة
اللُّقَطَة: - بضم اللام وفتح القاف على المشهور. وهي المال الضائع من ربِّه يلتقطه غيره. وَالمُلْتَقَطُ على ثلاثة أقسام: -
١- فقسم تافِه لا تتبعه همة أوساط الناس، كالسَّوط، والرغيف ونحوهما، فهذا يملك بالالتقاط ولا يلزم تعريفه.
٢- والثاني، ما لا يجوز التقاطه، وهى الأشياء التي تمنع نفسها من صغار السباع لِعَدْوهاَ، كالظباء، أو بقوتها وتحملها، كالإبل، والبقر ونحو ذلك. فهذا يحرم التقاطه.
٣- والنوع الثالث ما عدا ذلك، فهذا هو الذي يشرع التقاطه بقصد الحفظ لصاحبه وفيه الأحكام الآتية: -
الحديث الأول
عَنْ زَيْد بنِ خَالِدٍ الجُهَنيّ ﵁ قَالَ: سُئل رَسُولُ الله ﷺ فَيْ لقَطَةِ الذَهَب أوِ الورِقِ، فقال اعْرِفْ وِكَاءها وَعِفَاصَهَا ثُمً عَرفها سَنةً، فإن لَم تُعْرَف فَاسْتنْفقهَا وَلتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فَإن جَاءَ طَالبُهَا يَوْماً منَ الدهْرِ فَأدهَا إلَيهِ ".
وَسألهُ عَنْ ضَالةِ الإبِلِ فَقَالَ: مَالَكَ وَلَها؟ دَعْهَا، فِإن مَعَهَا حِذَاءها وَسِقَاءها، تَرِدُ المَاءَ وَتَأكُلُ الشجَرَ، حَتى يَجدَهَا رَبُهَا".
стр. 529
وَسَألهُ عَنِ الشاة فَقَالَ: خُذها، فَإنَما هِيَ لَكَ، أوْ لأخِيكَ أوْ لِلذئبِ.
الغريب:
وِكاءها: بكسر الواو ممدود " الوكاء " ما يربط به الشيء.
عفاصها: بكسر العين المهملة، ففاء، وبعد الألف صاد مهملة. هو وعاؤها.
حِذَاءها: بكسر الحاء المهملة، فذال معجمة، هو خفها، لمتانته وصلابته.
سقاءها: بكسر السين، هو جوفها الذي حمل كثيراً من الماء والطعام.
ربها: هو صاحبها الذي ضاعت منه.
المعنى الإجمالي:
سأل رجل النبي ﷺ عن حكم المال الضال عن ربه، من الذهب، والفضة، والإبل، والغنم.
فبين له ﷺ حكم هذه الأشياء لتكون مثالا لأشباهها، من الأموال الضائعة، فتأخذ حكمها.
فقال عن الذهب والفضة: اعرف وكاءها الذي شدت به، ووعاءها الذي جعلت فيه، لتميزها من بين مالك، ولتخبر بعلمك بها من ادعاها.
فإن طابق وصفه صفاتها، أعطيه إياها، وإلا تبين لك عدم صحة دعواه.
وأمره أن يعرفها سنة كاملة بعد التقاطه إياها.
ويكون التعريف في مجامع الناس كالأسواق، وأبواب المساجد. والمجمعات العامة، وفي مكان التقاطها.
ثم أباح له- بعد تعريفها سنة، وعدم العثور على صاحبا- أن يستنفقها، فإذا جاء صاحبها في أي يوم من أيام الدهر، أداها إليه.
وأما ضالة الإبل ونحوها، مما يمتنع بنفسه، فنهاه عن التقاطها.
لأنها ليست بحاجة إلى الحفظ، فلها من طبيعتها حافظ، لأن فيها القوة على صيانة نفسها من صغار السباع، ولها من أخفافها ما تقطع به المفاوز، ومن عنقها ما تتناول به الشجر والماء، ومن جوفها ما تحمل به الغذاء، فهي حافظة نفسها حتى يجدها ربها الذي سيبحث عنها في مكان ضياعها.
وأما ضالة الغنم ونحوها من صغار الحيوان، فأمره أن يأخذها حفظا لها من الهلاك وافتراس السباع، وبعد أخذها يأتي صاحبها فيأخذها، أو يمضي عليها حول التعريف فتكون لواجدها.
ما يستفاد من الحديث:
١- أن من وجد مالا ضائعاْ عن ربه لا يمتنع من حفظ نفسه، استحب له أخذه بقصد الحفظ والصيانة عن الهلاك، والاستحباب هو أرجح الأقوال.
стр. 530
٢- أن يعرف الواجد وكاءها ووعاءها وجنسها ليميزها عن ماله وليعرف صفاتها فيختبر من ادعى ضياعها منه، فذلك من تمام حفظها وأدائها إلى ربها.
٣- أن يعرفها سنة في مجامع الناس كأبواب المساجد والمحافل والأسواق، وفي مكان وجدانها، لأنه مكان بحث صاحبها، ويبلغ الجهات المسؤولة عنها، كدوائر الشرطة.
وفي زمننا يكون نشدانها في الصحف والإذاعات والتلفاز، إذا كانت لقطة خطيرة.
٤- إن لم تعرف في مدة العام، جاز له إنفاقها وبقى مستعدا لإعطاء صاحبها عوضها مثلها، إن كانت مثلية، أو قيمتها إن كانت متقومة.
٥- فإن مضى عليها الحول ولم تعرف، ملكها ملتقطها ملكا قهريا من غير اختيار كالإرث وإذا جاء صاحبها بعد الحول فله عوضها، أو هي بعينها إن كانت موجودة.
٦- إن جاء صاحبها ولو بعد أمد طويل ووصفها. دفعت إليه.
ويكفى وصفها بينة على أنها له، فلا يحتاج إلى شهود ولا إلى يمين، لأن وصفها هو بينتها، فبينة كل شيء بحسبه، فإن البينة ما أبان الحق وأظهره، ووصفها كاف في ذلك.
وهذه قاعدة عامة في كل الأحوال، التي يدعيها أحد ولا يكون له فيها منازع، فيكتفي بوصفه إياها.
٧- أما ضالة الإبل ونحوها مما يمتنع بقوته أو بعَدْوه أو بطيرانه، فلا يجوز التقاطها، لأن لها من طبيعتها وتركيب الله إياها، ما يحفظها ويمنعها.
لكن إن وجدت في مهلكة رُدتْ بقصد الإنقاذ، لا التقاط.
٨- أما الشاة، فالأحسن- بعد أخذها- أن يعمل فيها الأصلح من أكلها مقدرا قيمتها، أو بيعها وحفظ ثمنها، أو إبقائها مدة التعريف.
وتركها بدون أخذها، تعريض لها للهلاك.
فإن جاء صاحبها، رجع بها أو بقيمها أو ثمنها، وإن لم يأت، فهي لمن وجدها.
стр. 531
كتَابُ الوَصَايَا
الوصايا: جمع وصية مثل هدايا: جع هدية. قال الأزهري: مأخوذة من" وصيتُ الشيء أصِيه " إذا وصلته. سميت وصية لأن الموصي وصل ما كان له في حياته بما كان بعد مماته. ويقال: وصّى- بالتشديد- وأوصى يوصى أيضاً. وهي- لغة- الأمر قال الله تعالى: ﴿وَوَصّى بها إبراهِيمُ بَنيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ .
وشرعاً: عهد خاص بالتصرف بالمال، أو التبرع به بعد الموت.
وهى مشروعة بالكتاب، لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكم إذَا حَضَرَ أحَدَكُم المَوتُ إن تَرَكَ خَيْراً الوَصِيّة﴾ .
ومشروعة بالسنة لهذه الأحاديث الآتية وإجماع المسلمين في جميع الأعصار والأمصار.
وهى من محاسن الإسلام، إذ جعل لصاحب المال جزءاً من ماله، يعود عليه ثوابه وأجره بعد موته.
وهي من لطف الله بعباده ورحمته بهم، حينما أباح لهم من أموالهم عند خروجهم من الدنيا أن يتزودوا لآخرتهم بنصيب منها.
لهذا جاء في بعض الأحاديث القُدسيةِ قول الله تعالى: " يا ابن آدم جعلت لك نصيباً من مالك حين أخذت بكظمك (١) لأطهِّرَكَ به وأزكِّيَكَ ".
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " مَاحَق امرئ مسلم لَهُ شَيء يُوصي بهِ، يَبِيتُ لَيلَة أو لَيلَتَين إلا وَوَصيتهُ مَكْتُوبَة عنده ".
زاد " مسلم " قال ابن عمر: فَوَ الله مَا مَرتْ عَلَي لَيلَة مُنْذُ سَمِعتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ ذلِكَ إلا وعندي وَصِيتي.
المعنى الإجمالي:
يحض الني ﷺ أمته على المبادرة إلى فعل الخير واغتنام الفرصة قبل فواتها، فأفادهم أنه ليس من الحق والصواب والحزم لمن عنده شيء يريد أن يوصي به ويبينه، أن يهمله حتى تمضى عليه المدة الطويلة.
بل يبادر إلى كتابته وبيانه، وغاية ما يسامح فيه الليلة والليلتان.
فإن المبادرة إلى ذلك، من المسابقة إلى الخيرات والأخذ بالحزم.
стр. 532
فإن الإنسان لا يدري ما مقامه في هذه الحياة؟ كما أن فيه امتثال أمر الرسول ﷺ .
ولذا فإن ابن عمر ﵄ بعد أن سمع هذه النصيحة النبوية- كان يتعاهد وصيته كل ليلة، امتثالا لأمر الشارع، وبيانا للحق، وتأهبا للنقلة إلى دار القرار.
ما يستفاد من الحديث:
١- مشروعية الوصية وعليها إجماع العلماء، وعمدة الإجماع، الكتاب والسنة
٢- أنها قسمان: أ- مستحب ب- وواجب.
فالمستحب، ما كان للتطوعات والقربات.
والواجب في الحقوق الواجبة، التي ليس بينة تثبتها بعد وفاته لأن " ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب ". وذكر ابن دقيق العيد أن هذا الحديث محمول على النوع الواجب.
٣- مشروعية المبادرة إليها، بيانا لها، وامتثالا لأمر الشارع فيها، واستعداداً للموت. وتبصُّراً بها وبمصرفها، قبل أن يشغله عنها شاغل.
٤- أن الكتابة المعروفة تكفى لإثبات الوصية والعمل بها، لأنه لم يذكر شهوداً لها.
والخط إذا عرف، بينة ووثيقة قوية.
٥- فضل ابن عمر ﵁، ومبادرته إلى فعل الخير، واتباع الشارع الحكيم.
٦- قال ابن دقيق العيد: والترخيص في الليلتين والثلاث دفع للحرج والعسر.
الحديث الثاني
عَنْ سَعْدِ بنِ أبي وَقاص ﵁ قَال جَاءَني رَسُولُ الله ﷺ يَعُودُني- عَامَ حَجةِ الوَدَاع منْ وَجَع اشْتَد بي.
فَقُلْتُْ: يَا رسول الله، قَدْ بَلَغَ بي مِن الوَجَعِ مَا تَرى، وَأنَا ذو مال، وَلا يَرِثُني إلا ابنة، أفَأتَصَدق بثُلُثَي مالي؟
قَالَ: " لا " قلْتُ: فَالشطْرُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: " لا "
قُلْتُ: فَالثلُثُ؟.
قَالَ: " الثُّلُثُ " وَالثلثُ كَثِير. إنَكَ أنْ تَذَرَْ وَرَثَتَكَ أغْنِيَاءٍ خَير مِنْ أن تَترَكهُم عَالَةً يَتَكَففُونَ النَّاسَ، وَإنكَ لن تُنْفِقَ نَفَقَة تَبتَغِي بهَا وَجْهَ الله إلا أجرت بِهَا، حَتى مَا تَجْعَلُ في فيّ امْرَأتِكَ ".
قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رسول الله اخَلفُ بَعْدَ أصْحَابي؟
قَالَ: " إنَكَ لَئنْ تخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلا تَبْتَغِي بِهِ وجْهَ الله إلا ازْدَدتَ بِهِ درَجَة وَرفعَةً، وَلَعَلًكَ أن تُخَلَّفَ حتَى ينتَفِعَ
стр. 533
بِكَ أقْوَام وَيُضَر بكَ آخَرُونَ. اللهُم أمْض لأصْحَابي هِجْرَتَهُمُ، وَلا تَرُدهُم عَلَى أعقابهم لكِنَّ البَائسَ سَعدُ بنُ خَوْلَةَ " يَرثي لَهُ رسول الله ﷺ أنْ مَاتَ بِمَكةَ.
الغريب:
الشطر: يجوز جره بالعطف على " ثلثي " وبين الزمخشري أنه يجوز نصبه على تقدير فعل محذوف هو عامل نصبه أي " أعين " ويطلق على معان، منها النصف وهو المراد هنا.
كثير: بالثاء المثلثة في أكثر روايات الحديث وهو المحفوظ.
أن تذر: بفتح الهمزة على التعليل، وبكسرها على الشرطية. قال النووي: هما صحيحان، ورد بعضهم الكسر لعدم صلاحية " خير " جواباً، إذ لا فاء فيها. وابن مالك يرى أن " خير " هي الجواب، والفاء مقدرة. والمعنى فهو خير.
عالة: جمع " عائل " و " العالة " الفقراء من " عال يعيل " إذا افتقر. " والعيلة " الفقر.
يتكففون الناس: مأخوذ من الكف " اليد " أي يسألون الناس بأكفهم.
سعد ابن خولة: نسب إلى أمه وهو قريشي عامري من جماعة أبي عبيدة ابن الجراح. وقيل: فارسي من اليمن حالف بني عامر. بدري من فضلاء الصحابة توفى بمكة في حجة الوداع، كانت تحته سبيعة بنت الحارث، فتوفي عنها وهي حامل. وقد رثى له النبي ﷺ لأنه توفي في البلد التي هاجر منها، فدعا ﷺ لأصحابه أن يتم لهم هجرتهم.
المعنى الإجمالي:
مرض سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه في حجة الوداع مرضاً شديداً خاف من شدته الموت.
فعاده النبي ﷺ كعادته في تفقد أصحابه ومواساته إياهم.
فذكر سعد للنبي ﷺ من الدواعي، ما يعتقد أنها تسوغ له التصدق بالكثير من ماله.
стр. 534
بَاب الفرائض
جمع (فريضة) بمعنى مفروضة و (المفروض) المقدر، لأن (الفرض) التقدير، فكاًن اسمها ملاحظ فيه قوله تعالى: ﴿نصيباً مفروضا﴾ أي مقدراً معلوماً.
وتعريفها شرعا: العلم بقسمة المواريث بين مستحقيها.
والأصل فيها، الكتاب لقوله تعالى: ﴿يوصيِكم الله في أولادِكُمُ﴾ الآيتين.
والسنة، لحديث ابن عباس الآتي: وإجماع الأمة على أحكامها، في الجملة.
ولما كانت الأموال وقسمتها، محطَّ الأطماع، وكان الميراث في معظم الأحيان لضعفاء وقاصرين، تَولى الله ﵎ قسمتها بنفسه في كتابه مبينة، مفصلة، حتى لا يكون فيها مجال للآراء والأهواء، وسواها بين الورثة على مقتضى العدل والمصلحة والمنفعة التي يعلمها.
وأشار إليها بقوله تعالى: ﴿لا تَدْرُون أيُّهُمْ أقْرَبُ لَكُم نَفْعا﴾ فهذه قسمة عادلة مبينة على مقْتضى العدل والمصالح العامة. والإشارة إلى شيء مما فهم من العدل.
والقياس يخرج بنا عن موضوع الكتاب ويطيله علينا.
وتدبر كتاب الله مع الأوضاع البشرية، بهداية ونور، يبين شيئا من أسرار الله الحكيمة.
بعد قسمة (الحكيم الخبير) يأتي دعاة [التجديد] من المستغربين، ليغيروا حكم الله تعالى، ويبدلوا قسمته، بعد أن تمت كلماته صدقا وعدلا، زاعمين أنها أعدل وأحسن من أحكام الله ﴿وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللهّ حُكْماً لِقَوم يُوقِنُون﴾ .
والحق: أنَّ هؤلاء المهووسين، جهلوا القوانين السماوية، والأوضاع الأرضية فنعقوا بما لم يسمعوا.
وهم - في نعيقهم - بين امرأة أحست بمركب نقصها، فأرادت أن تخرج على شريعة الله، وبين متظرف يريد التزين بالإلحاد والزندقة، وبين ناعق بما لا يسمع إن هو إلا دعاء ونداء، فهم لا يعقلون.
وهذا العلم علم شريف جليل.
وقد حث النبي ﷺ ، على تعلمه وتعليمه في أحاديث.
منها: حديث ابن مسعود مرفوعا " تعلموا الفرائض، وعلموها الناس " وقد يراد بالفرائض- هنا - الأحكام عامة.
وقد أفرده العلماء بالتصانيف الكثيرة، من النظم والنثر، وأطالوا الكلام عليه.
стр. 535
ويكفى في تعلم أحكامه فهم الآيات الثلاث من سورة النساء، وحديث ابن عباس الآتي، فقد أحاطت بأمهات مسائله، ولم يخرج عنها إلا النادر.
ونورد هنا مقدمات تتعلق بهذا المقام، لتكمل الفائدة في هذا الكتاب، فيغني عن المطولات.
فللإرث أسباب ثلاثة:
الأول: النسب، وهي القرابة لقوله تعالى: ﴿وَأولُو الأرحام بَعْضُهُمْ أولَى ببعض﴾ .
الثاني: النكاح الصحيح لقوله: ﴿وَلَكُم نِصْفُ مَا تَرَكَ أزوَاجُكُم﴾ الآية.
الثالث: الولاء، لحديث ابن عمر مرفوعاً "الولاء لحمة كلحمة النسب".
وأما غير هذه الثلاثة، فلا تكون سبباً للإرث على المشهور عند العلماء. فمتى وجد شيء من هذه الثلاثة، حصل التوارث بين الطرفين، حتى في الولاء على الصحيح.
وللإرث موانع، إذا وجدت أو وجد شيء منها، امتنع الإرث، وإن وجد سببه، لأن الأشياء لا تتم إلا باجتماع شروطها وانتفاء موانعها.
وموانع الإرث ثلاثة:
الأول: القتل، فمن قتل مورثه، أو تسبب لقتله بغير حق، فلا يرثه، ولو بغير قصد، من باب (من تعجل شيئا قبل أوانه، عوقب بحرمانه) في حق العامد، ومن باب (سد الذرائع) في حق غيره، لحديث عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ليس للقاتل شيء " رواه مالك في الموطأ.
الثاني: الرق. فلا يرث العبد قريبه، لأنه لو ورث لكان لسيده. وكذلك المملوك، يورث لأنه لا يملك، إذ إن ماله لسيِّده.
الثالث: اختلاف الدين. ويأتي بيانه في حديث أسامة، إن شاء الله تعالى.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بن عَباس ﵄ عَن الَّنبي ﷺ قَالَ: " ألِحقُوا الفراَئِض بأهْلِهَا، فَمَا بَقِي فَلأوْلَى رَجُل ذَكَر".
وفي رواية: "اقسِمُوا المَالَ بَيْنَ أهْلِ الفَرَائِض عَلَى كِتَابِ الله، فَمَا تَرَكَت الفَرَائِضُ فَلأِوْلَى رَجُل ذَكَر (١) ".
المعنى الإجمالي:
يأمر النبي ﷺ القائمين على قسمة تركة أن يوزعوها على مستحقيها بالقسمة العادلة الشرعية كما أراد الله تعالى.
فيعطى أصحاب الفروض المقدرة فروضهم في كتاب الله. وهى الثلثان، والثلث، والسدس، والنصف، والربع، والثمن.
فما بقى بعدها، فإنه يعطى إلى من هو أقرب إلى الميت من الرجال لأنهم الأصل في التعصيب. فيقدمون على ترتيب منازلهم وقربهم من الميت كما يأتي بيانهم قريبا- بعد بيان أصحاب الفروض، إن شاء الله تعالى.
стр. 536
" خلاصة عن الإرث وكيفيته، مسبقاة من القرآن الكريم، ومن هذا الحديث الجليل "
نبدأ بما بدأ الله به من توريث ذوي الفروض الذين نص الله تعالى توريثهم وقدر فرضهم.
حتى إذا علمنا ما لهم، ذكرنا الذين يأخذون ما أبقت الفروض، وهم العصبات.
فالفروض المقدرة في كتاب الله تعالى ستة: ١- النصف ٢- والربع ٣- والثمن ٤- والثلثان ٥- والثلث ٦- والسدس. ولكل فرض صاحبه أو أصحابه.
١- النصف: ويكون للبنت، ولبنت الابن وإن نزل، لقوله تعالى: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ وبنت الابن بنت.
وهذا التوريث بالإجماع، بشرط أن لا يكون معهن غيرهن من الأولاد.
وهو (أي النصف) فرض الزوج أيضا، بشرط أن لا يكون للزوجة ولد من ذكر أو أنثى، لقوله تعالى: " ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد ".
стр. 537
وهو (أي النصف) فرض الأخت الشقيقة، وإن لم توجد، فالأخت لأب مع عدم الفرع الوارث، لقوله تعالى: ﴿إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾ وهذه في ولد الأبوين أو لأب بالإجماع.
٢- الربع: ويكون للزوج مع وجود الفرع الوارث، لقوله تعالى: ﴿فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن﴾ وهو (أي الربع) فرض الزوجة فأكثر، مع عدم الفرع الوارث لقوله تعالى: ﴿ولهنَّ الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد﴾
٣- الثمن: للزوجة فأكثر، مع وجود الفرع الوارث، لقوله تعالى: ﴿فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم﴾
٤- الثلثان: للبنتين ولبنتي الابن، إذا لم يعصَّبن.
ودليل توريثهما الثلثين، حديث امرأة سعد بن الربيع، حين جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما معك يوم (أحد) شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما شيئا من ماله، ولا ينكحان إلا بمال. فقال: يقضى الله في ذلك، ونزلت آية المواريث.
فدعا النبي ﷺ عمهما فقال: " أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك " رواه أبو داود، وصححه الترمذي.
وتأخذان الثلثين بالقياس على الأختين المنصوص عليهما في قوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾ فالبنتان، وبنتا الابن، أولى بالثلثين من الأختين.
وأما الثلاث من البنات، وبنات الابن فلهن الثلثان بنص قوله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك﴾ والثلثان فرض الأختين الشقيقتين فأكثر، وفي حال فقدهما يكون للأختين لأب فأكثر، لقوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾
وبإجماع العلماء، والمراد بالثنتين، بنتا الأبوين، وبنتا الأب. وقاسوا ما زاد على الأختين، عليهما.
стр. 538
٥- والثلث: فرض الأم مع عدم الفرع الوارث للميت، وعدم الجمع من الإخوة.
فدليل الشرط الأول، قوله تعالى: ﴿فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾
ودليل الشرط الثاني، قوله تعالى: ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾
وهو فرض الإخوة لأم، من الاثنين فصاعدا، يستوي ذكرهم وأنثاهم، لقوله تعالى: ﴿وإن كان رحل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾
وأجمع العلماء على أن المراد بالأخ والأخت، ولد الأم.
وقرأ ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص ﴿وله أخ أو أخت من أم﴾
وقد ورد في إرثهم آثار، وشرط إرثهن عدم الأم ويشتركن إذا تساوين ويحجب بعضهن بعضا بالقرب من الميت.
وهو (أي السدس) فرض ولد الأم الواحد، ذكرا كان أو أنثى بإجماع العلماء لقوله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منها السدس﴾ وتقدمت قراءة عبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص.
وهو (أي السدس) فرض بنت الابن فأكثر مع بنت الصلب بإجماع العلماء، لحديث ابن مسعود، وقد سئل عن بنت وبنت ابن فقال: أقضى فيهما قضاء رسول اللَه ﷺ ، للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما بقى فللأخت. رواه البخاري.
وكذا حكم بنت ابن ابن، مع بنت ابن، وهكذا.
ومثل بنت الابن مع البنت، الأخت لأب مع الشقيقة، قياساً عليها.
والسدس: للأب أو للجد عند عدم الأب، ومع وجود الفرع الوارث.
هذه هي الفروض الستة المذكورة في القرآن الكريم، وهؤلاء هم أصحابها وكيفية أخذهم لها.
فإن بقي بعد أصحابها شيء أخذه العاصب عملا بقوله تعالى: ﴿فَإنْ لَم يَكُنْ له وَلَد
стр. 539
ووَرثَهُ أبَوَاهُ فَلأمهِ الثلُث﴾ يعنى والباقي لأبيه تعصيباً. ولقوله ﵊ في حديثنا هذا: "ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فَلأِولى رجل ذكر". وفي إرث أخي سعد بن الربيع "وما بقى فهو لك".
وللتعصيب، جهات بعضها أقرب من بعض، فيرثون الميت بحسب قربهم منه.
وجهات العصوبة، بُنوُّة، ثم أبُوُّة، ثم أخُوُّة وبنوهم، ثم أعمام وبنوهم ثم الولاء، وهو المعتق، وعصباته.
فيقدم الأقرب جهة، كالابن فإنه مقدم على الأب.
فإن كانوا في جهة واحدة، قدم الأقرب منزلة على الميت، كالابن فإنه يقدم على ابن الابن.
فإن كانوا في جهة واحدة واستوت منزلهم من الميت، قدم الأقوى مهم وهو الشقيق على من لأب من إخوة وأبنائهم، أو أعمام، وأبنائهم.
ويحجب الورثة بعضهم بعضا حرماناً ونقصانا.
فالنقصان يدخل على جميعهم. والحرمان لا يدخل على الزوجين والأبوين والولدين لأنهم يدْلون بلا واسطة.
والأب يسقط الجد، والجد يسقط الجد الأعلى منه.
والأم تسقط الجدات، وكل جدة تسقط الجدة التي فوقها.
والابن يسقط ابن الابن وكل ابن ابن أعلى يسقط من تحته من أبناء الأبناء.
ويسقط الإخوة الأشقاء، بالابن، وبالأب، وبالجد على الصحيح.
والإخوة لأب يسقطون بمن تسقط به الأشقاء وبالأخ الشقيق.
وبنو الإخوة يسقطون بالأب، وبكل جد لأب، وبالإخوة. والأعمام يسقطون بالإخوة وأبنائهم.
وأولاد الأم، يسقطون بالفروع مطلقا، وبالأصول من الذكور.
وبنت الابن، تسقط ببنت الصلب فأكثر.
وكل بنت ابن نازل تسقط باثنتين فأكثر ممن فوقها، ما لم يكن مع بنات الابن أو من نزل منهن من يعصبهن، من ولد ابن.
وتسقط الأخوات لأب بالشقيقتين فأكثر، ما لم يكن معهن من يعصبهن من إخوانهن.
هذه خلاصة سقناها لبيان المواريث بمناسبة شرح هذا الحديث الجامع، وقد أطال العلماء الكلام على هذا الباب من أبواب الفقه, وأفردوه بالتصانيف الكثيرة. والله ولي التوفيق.
стр. 540
الحديث الثاني
عن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول الله, أتنزل غدا في دارك بمكة؟
فقال: "هل ترك لنا عقيل من رباع أو دورٍ؟ ".
ثم قال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم".
الغريب:
الرباع: محلات الإقامة، والمراد هنا الدور. والرباع: بكسر الراء.
المعنى الإجمالي:
لما جاء النبي ﷺ لفتح مكة سأله أسامة بن زيد: هل سينزل صبيحة دخوله فيها داره؟
فقال ﷺ : وهل ترك لنا عقيل بن أبي طالب من رباع نسكنها؟
وذلك أن أبا طالب توفي على الشرك، وخلف أربعة أبناء، طالبا، وعقيلا، وجعفر، وعليا.
فجعفر وعلى، أسلما قبل وفاته، فلم يرثاه، وطالب وعقيل بقيا على دين قومهما فورثاه، ففقد طالب في غزوة بدر، فرجعت الدور كلها لعقيل فباعها.
ثم بيَّن حكماً عامًّا يين المسلم والكافر فقال: "لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم".
لأن الإرث مبناه على الصلة والقربى والنفع، وهي منقطعة ما دام الدين مختلفاً لأنه الصلة المتينة، والعروة الوثقى.
فإذا فقدت هذه الصلة، فقد معها كل شيء حتى القرابة، وانقطعت علاقة التوارث بين الطرفين، لأن فصمها أقوى من وصل النسب والقرابة.
جمع الله المسلمين على التقوى، وقوى صلاتهم وعلاقاتهم بالإيمان. إنه سميع الدعاء.
ما يؤخذ من الحديث:
١- جواز بيع بيوت مكة، فقد أقر النبي ﷺ العقد على حاله. وقد يقال: إنه لم يتعرض لعقود المشركين السابقة، فلا يكون في الحدث دلالة على هذه المسألة.
٢- أن المسلم لا يرث الكافر، ولا الكافر يرث المسلم.
٣- أن الإسلام هو أقوى الروابط، وأن اختلاف الدين، هو السبب في حَل العلاقات والصلات.
٤- قال النووي كلاما مؤداه أن التوارث بين المسلمين
стр. 541
والكفار غير جائز عند جماهير العلماء، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إلا معاذ لن جبل وسعيد بن المسيب فقد أجازا توريث المسلم من الكافر واحتجا بحديث "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" وليس فيه دليل على ما أرادا لأنه في عموم فضل الإسلام وحديث أسامة نص واضح في هذه المسألة، ولعله لم يبلغ معاذًا وسعيدا.
الحديث الثالث
عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أنَّ النبي ﷺ نَهَىَ عَنْ بَيع الولاءِ وَهِبتِهِ.
المعنى الإجمالي:
الوَلاء لحمَة كلحمَةِ النسب، من حيث إن كلا منهما لا يكتسب ببيع ولا هبة ولا غير هما، لهذا لا يجوز التصرف فيه ببيع ولا غيره.
وإنما هو صلة ورابطة بين المعتق والعتيق يحصل بها إرث الأول من الثاني، بسبب نعمته عليه بالعتق الذي هو فَكُّ رَقبته من أسْرِ الرِّقٌ، إلى ظلال الحرية الفسيحة.
ما يستفاد من الحديث:
١- قال ابن دقيق العيد: الولاء حق ثبت بوصف، وهو الإعتاق، فلا يقبل النقل إلى الغير بوجه من الوجوه، لأن ما ثبت بوصف يدوم بدوامه، ولا يستحقه إلا من قام به ذلك الوصف.
٢- النهي عن بيع الولاء، وعن هبته، وعن غيرهما من أنواع التمليكات.
٣- أن العقد باطل لأن النَّفي يقتضي الفساد.
٤- أن هذه العلاقة الباقية التي لا تنفصم، كما لا تنفصم علاقة النسب تسبب الإرث، فيرث المعتق عن عتقه، وكذلك عصبته المتعصبون بأنفسهم، لنعمة العتق عليه.
стр. 542
الحديث الرابع
عَنْ عَاِئشَةَ ﵂ قالت: كانت في بريرةَ ثَلاثُ سنن: خيرتْ عَلَى زَوْجِهَا حِينَ عَتَقَتْ. وأهْديِ لَهَا لَحم، فَدَخَل عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ وَالبرْمَة عَلَى النارِ، فدَعَا بِطَعَام فَأتَى بِخُبْز وأدم مِن أدم البَيْتِ.
فَقَال: "ألم أرَ البرمة عَلَى النارِ فِيهَا لَحم"؟
فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ الله ذلِكَ لحم تصدقَ بِهِ عَلَى بَرِيرةَ فكَرِهْنَا أن نطْعِمَكَ مِنهُ.
فقال: "هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَة، وَهوَ لَنَا مِنْهَا هَدية".
وقال النبي ﷺ فِيهَا: "الولاء لِمَنْ أعْتَقَ".
الغريب:
برمة: قال في القاموس: البرمة- بالضم- قِدْر من حجارة، جمعه برم، بالضم في الباء، وبالفتح في الراء.
المعنى الإجمالى:
تذكر عائشة ﵂ من بركة مولاتها بريرة متيمنة بتلك الصفقة، التي قربتها منها، إذ أجرى الله تعالى من أحكامه الرشيدة في أمرها ثلاث سنن، بقيت تشريعاً عاماً على مر الدهور.
فالأولى: أنها عتقت تحت زوجها الرقيق (مغيث) فخيرت يين الإقامة معه على نكاحهما الأول، وبين مفارقته واختيارها نفسها لأنه أصبح لايكافئها في الدرجة، إذ هي حرة وهو رقيق، والكفائة هنا معتبرة، فاختارت نفسها، وفسخت نكاحها، فصارت سنة لغيرها.
والثانية: أنه تُصدقَ عليها بلحم وهي في بيت مولاتها عائشة فدخل النبي ﷺ واللحم يطبخ في البرمة، فدعا بطعام فأتوه بخبز وأدم من أدم البيت الذي كانوا يستعملونه في عادتهم الدائمة، ولم يأتوه بشيء من اللحم الذي تصدق به على بريرة، لعلمهم أنه لا يأكل الصدقة فقال: ألم أر البرمة على النار فيها لحم، فقالوا: بلى، ولكنه قد تصدق به على بريرة، وكرهنا إطعامك منه.
فقال: هو عليها صدقة، وهو منها لنا هدية.
والثالثة: أن أهلها لما أرادوا بيعها من عائشة، اشترطوا أن يكون ولاؤها لهم فقال النبي ﷺ : (إنما الولاء لمن أعتق) .
стр. 543
ما يستفاد من الحديث:
١- أن الأمة إذا عتقت تحت عبد يكون لها الخيار يين البقاء معه ويين الفسخ من عصمة نكاحه، وجواز ذلك بإجماع العلماء. أما إذا عتقت تحت حر فلا خيار لها عند جهور العلماء، ومنهم الأئمة: مالك والشافعي وأحمد.
٢- فيه يبان اعتبار الكفاءة في النسب بين الزوجين. وأن في موانع التكافؤ بين الزوجين الحرية والرق.
٣- أن الفقر إذا تصدق عليه فأهدى من صدقته إلى من لا تحل له الصدقة، من غنى وغيره، فإهداؤه جائز، لأنه قد ملك الصدقة، فيتصرف بها كيف شاء.
٤- فيه دليل على سؤال صاحب البيت أهله عن شؤون منزله وأحواله.
٥- وفيه انحصار الولاء بالمعتق، فلا يكون لغيره، ولا يخرج عن أحقيته بحال.
٦- أنه ما دام بهذه الصفة من اللصوق، إذ عُدَّ لحمة كلحمة النسب يحصل به إرث المعتق وعصبته من عتيقه، وهذا هو المقصود من ذكر الحديث هنا.
стр. 544
كِتَاب الّنَكَاح (١)
النكاح حقيقته -لغَة- الوطء. ويطلق -مجازاً- على العقد، من إطلاق المسبب على السبب.
وكل ما ورد في القران من لفظ (النكاح) ، فالمراد به العقد إلا قوله تعالى: ﴿فَلا تَحِل لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجا غَيْرَه﴾ فالمراد به الوطء.
والأصل في مشروعيته، الكتاب، والسنة، والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِنَ النسَاءِ﴾ وغيرها من الآيات.
وأما السنة، فآثار كثيرة، قولية، وفعلية، وتقريرية، ومنها حديث الباب "يا معشر الشباب ... إلخ".
وأجمع المسلمون على مشروعيته وقد حث عليه الشارع، الحكيم لما يترتب عليه من الفوائد الجليلة، ويدفع به من المفاسد الجسيمة، فقد قال الله تعالى ﴿وانكحوا الأيَامَى مِنْكُم﴾ وهذا أمر، وقال: ﴿فَلا تَعْضُلوهُنَّ أن يَنْكحنَ أزْوَاجَهُن﴾ وهذا نَهْي.
وقال ﷺ : "النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني" وقال: "تناكحوا تكثروا، فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة"، والنصوص في هذا المعنى كثيرة.
كل هذا لما يترتب عليه من المنافع العظيمة، التي تعود على الزوجين، والأولاد، والمجتمع، والدين، بالمصالح الكثيرة.
فمن ذلك، ما فيه من تحصين فرجي الزوجين: وقصر كل منهما بهذا العهد نظره على صاحبه عن الخلان والخليلات.
ومن ذلك ما في النكاح من تكثير الأمة بالتناسل ليكثر عباد الله تعالى، وأتباع نبيه ﷺ فتتحقق المباهاة ويتساعدوا على أعمال الحياة.
ومنها: حفظ الأنساب، التي يحصل بها التعارف، والتآلف، والتعاون، والتناصر.
ولولا عقد النكاح وحفظ الفروج به، لضاعت الأنساب ولأصبحت الحياة فوضى، لا وراثة، ولا حقوق، ولا أصول، لا فروع.
стр. 545
ومنها: ما يحصل بالزواج من الألفة والمودة والرحمة بين الزوجين.
فإن الإنسان لا بد له من شريك في حياته، يشاطره همومه وغمومه، ويشاركه في أفراحه وسروره.
وفي عقد الزواج سر إلهي عظيم يتم عند عقده- إذا قدّر الله الألفة فيحصل بين الزوجين من معاني الود والرحمة مالا يحصل بين الصديقين أو القريبين إلا بعد الخلطة الطويلة.
وإلى هذا المعنى أشار ﵎ بقوله: ﴿وَمِن آيَاتِهِ أَنْ خَلَق لَكُمْ مِن أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةَ وَرَحْمَةً إِن فِي ذلِكَ لآيات لِقومٍ يتفكرون﴾ .
ومنها: ما يحصل في اجتماع الزوجين من قيام البيت والأسرة، الذي هو نواة قيام المجتمع وصلاحه.
فالزوج يَكِدُّ ويكدح ويتكسب، فينفق ويعول.
والمرأة، تدبر المنزل، وتنظم المعيشة وتربي الأطفال، وتقوم بشئونهم.
وبهذا تستقيم الأحوال، وتنتظم الأمور.
وبهذا تعلم أن للمرأة في بيتها عملا كبيرا، لا يقل عن عمل الرجل في خارجه، وأنها إذا أحست القيام بما نيط بها فقد أدت للمجتمع كله خدمات كبيرة جليلة.
فتبين أن الذين يريدون إخراجها من بياتها ومقر عملها، لتشارك الرجل في عمله، قد ضلوا عن معرفة مصالح الدين والدنيا، ضلالا بعيداً.
وفوائد النكاح، لا تحصيها الأقلام ولا تحيط بها الإفهام، لأنه نظام شرعي إلهي، سُن ليحقق مصالح الآخرة والأولى.
ولكن له آداب وحدود، لابد من مراعاتها والقيام بها من الجانبين، لتتم به النعمة، وتتحق السعادة، ويصفو العيش، وهي أن يقوم كل واحد من الزوجين بما لصاحبه من حقوق، ويراعى ماله من واجبات.
فمن الزوج، القيام بالإنفاق، وما يستحق من كسوة ومسكن بالمعروف، وأن يكون طيب النفس، وأن يحسن العشرة باللطف واللين، والبشاشة والأنس، وحسن الصحبة.
وعليها أن تقوم بخدمته وإصلاح بيته، وتدبير منزله ونفقته، وتحسن إلى أبنائه وتربيهم، وتحفظه في نفسها وبيته وماله، وأن تقابله بالطلاقة والبشاشة
وتهيئ له أسباب راحته، وتدخل على نفسه السرور، ليجد فى بيته السعادة والانشراح والراحة، بعد نَصبَ العمل وتعبه.
فإذا قام كل من الزوجين بما لصاحبه من الحقوق والواجبات، صارت حياتهما سعيدة، واجتماعهما حميداً. ورفرف على بيتهما السرور والحبور، ونشأ الأطفال فى هذا الجو الهادئ الوادع، فشبوا على كرم الطباع، وحسن الشمائل، ولطيف الأخلاق.
وهذا النكاح الذى أتينا على شيء من فوائده، ثم ذكرنا ما يحقق من السعادة، هو النكاح
стр. 546
الشرعي الإسلامي الذى يكفل صلاح البشر، وعمار الكون، وسعادة الدارين.
فإن لم يحقق المطلوب، فإن النظم الإلهية التي أمر بها وحث عليها لم تراع فيه، وبهذا تدرك سُمُّو الدين، وجليل أهدافه ومقاصده.
الحديث الأول
عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الشباب، مَن استطاع مِنْكُمُ البَاعَةَ فلْيَتزَوج، فَإنه أغض لِلبَصَرِ، وَأحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يستطع فعَليهِ بالصوم، فَإنَّهُ لَهُ وِجَاء".
الغريب:
معشر الشباب: المعشر، هم الطائفة الذين يشملهم وصف.
الباءة: فيها لغات، أشهرها بالمد والهاء، اشتقت للنكاح من المباءة " وهى المنزل للملازمة بينهما، لأن من تزوج امرأة بَوّأها منزلا.
فعليه بالصوم: قيل إنه من قبيل إغراء الغائب وسهل ذلك فيه أن المُغْرى به تقدم ذكره في قوله: "من استطاع منكم الباءة" فصارَ كالحاضر. وقيل: إن الباء زائدة، ويكون معنى الحديث، الخبر، لا الأمر.
الوِجاء: بكسر الواو والمد هو رض عروق الخصيتين حتى تنفضخا، فتذهب بذهابهما شهوة الجماع، وكذلك الصوم، فهو مُضعِف لشهوة الجماع، ومن هنا تكون بينهما المشابهة.
المعنى الاجمالي:
بما أن التحصن والتعفف واجب، وضدهما محرم، وهو آتٍ من قبل شدة الشهوة مع ضعف الإيمان، والشباب أشد شهوة، خاطبهم النبى ﷺ مرشدا لهم إلى طريق العفاف، وذلك أن من يجد منهم مؤنة النكاح من المهر والنفقة والسكن، فليتزوج لأن الزواج يغض البصر عن النظر المحرم ويحصن الفرج عن الفواح! ق وأغرى من لم يستطع منهم مؤنة النكاح وهو تائق إليه- بالصوم، ففيه الأجر، وقمع شهوة الجماع وإضعافها بترك الطعام والشراب، فتضعف النفس وتنسد مجارى الدم التي ينفذ معها الشيطان، فالصوم يكسر الشهوة كالوجاء للبيضتين اللتين تصلحان المنى فتهيج الشهوة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- حث الشباب القادر على مؤنة النكاح [المهر والنفقة] حثه على النكاح لأنه مظنة القوة وشدة الشهوة.
стр. 547
٢- قال شيخ الإسلام: واستطاعة النكاح هو القدرة على المؤنة وليس هو القدرة على الوطء، فإن الخطاب إنما جاء للقادر على الوطء, ولذا أمر من لم يستطع بالصوم، فإنه له وجاء.
٣- من المعنى الذي خوطب لأجله الشباب، يكون الأمر بالنكاح لكل مستطيع لمؤنته وقد غلبته الشهوة، من الكهول والشيوخ.
٤- التعليل في ذلك أنه أغض للبصر وأحصن للفرج عن المحرمات.
٥- إغراء من لم يستطع مؤنة النكاح بالصوم، لأنه يضعف الشهوة، لأن الشهوة تكون من الأكل، فتركه يضعفها.
٦- قال شيخ الإسلام: ومن لا مال له هل يستحب له أن يقترض ويتزوج فه نزاع في مذهب الإمام أحمد وغيره، وقد قال تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله﴾ .
الحديث الثاني
عن أنس بن مَالِكٍ ﵁ أن نَفَرا مِنْ أصحَابِ النَبي ﷺ سألوا أزوَاجَ النَبي ﷺ عَنْ عَمَلِهِ في السِّرِّ.
فَقالَ بَعضُهُم: لا أتَزَوجُ النسَاءَ، وقَالَ بعضهم: لا آكل اللحْمَ، وَقَالَ بَعْضُهُم ْ: لا أنَام عَلَى فِرَاش.
فَبَلَغَ النَبي ﷺ ذلِكَ، فَحَمِدَ الله وأثنى عليه وقَالَ: "مَا بَالُ أقواَم قالُوا: كَذَا وكَذا؟ وَلكني أصَلي وأنَامُ، وَأصُومُ وأفْطر، وأتَزَوجُ النسَاء، فَمَن رَغِبَ عَنْ سنتي فَليسَ مِني (١) ﴾ .
المعنى الإجمالي:
بنيت هذه الشريعة السامية على السماح واليسر، وإرضاء النفوس بطيبات الحياة وملاذِّها المباحة به، وكرهها للعنت والشدة والمشقة على الفس، وحرمانها من خيرات هذه الدنيا.
ولذا فإن نفرا من أصحاب النبي ﷺ حملهم حب الخير والرغبة فيه إلى أن يذهبوا فيسألوا عن عمل النبي ﷺ في السر الذي لا يطلع عليه غير أزواجه فلما أعلمنهم به استقلوه، وذلك من نشاطهم على الخير وَجَدهم فيه.
فقالوا: وأين نحن من رسول الله ﷺ ، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟!
стр. 548
فهو- في ظنهم- غير محتاج إلى الاجتهاد في العبادة.
فعول بعضهم على ترك النساء، ليفرغ للعبادة.
وعول بعضهم على ترك أكل اللحم، زهادةً في ملاذ الحياة
وصمم بعضهم على أنه سيقوم الليل كله، تَهَجُّدا أو عبادة.
فبلغت مقالتهم من هو أعظمهم تقوى، وأشدهم خشية، وأعرف منهم بالأحوال والشرائع.
فخطب الناس، وحمد الله، وجعل الوعظ والإرشاد عاما، جريا على عادته الكريمة.
فأخبرهم أنه يعطى كل ذي حق حقه، فيعبد الله تعالى، ويتناول ملاذ الحياة المباحة، فهو ينام ويصلى، ويصوم ويفطر، ويتزوج النساء، فمن رغب عن سنته السامية، فليس من أتباعه، وإنما سلك سبيل المبتدعين.
ما يؤخذ من الحديث:
١- حب الصحابة ﵃ للخير، ورغبتهم فيه وفى الإقتداء بنبيهم ﷺ .
٢- سماح هذه الشريعة ويسرها، أخذاً من عمل نبيها ﷺ وهديه.
٣- أن الخير والبركة فى الإقتداء به، وإتباع أحواله الشريفة.
٤- أن أخذ النفس بالعنت والمشقة والحرمان، ليس من الدين في شيء، بل هو من سنن المبتدعين المتنطعين، المخالفين لسنة سيد المرسلين ﷺ .
٥- أن ترك ملاذ الحياة المباحة، زهادة وعبادةً، خروج عن السنة المطهرة واتباع لغير سبيل المؤمنين.
٦- في مثل هذا الحديث الشريف بيان أن الإسلام ليس رهبانية وحرمانا، وإنما هو الدين الذي جاء لإصلاح الدين والدنيا، وأنه أعطى كل ذي حق حقه.
فلله ﵎ حق العبادة والطاعة بلا غُلُو ولا تنطع.
وللبدن حقه من ملاذ الحياة والراحة.
بهذا تعلم أن الدين أنزل من لدن حكيم عليم، أحاط بكل شيء علما.
علم أن للإنسان ميولا، وفيه غرائز ظامئة، فلم يحرمه من الطيبات، وعلم طاقته في العبادة، فلم يكلفه شططاً وعسرا.
٧- السنة هنا تعنى الطريقة، ولا يلزم من الرغبة عن السنة- بهذا المعنى- الخروج من الملة لمن كانت رغبته عنها لضرب من التأويل يعذر فيه صاحبه.
٨- الرغبة عن الشيء تعني الإعراض عنه. والممنوع أن يترك ذلك تنطعا ورهبانية، فهذا مخالف للشرع. وإذا كان تركه من باب التورع لقيام شبهة فى حله، ونحو ذلك من المقاصد المحمودة لم يكن ممنوعا.
стр. 549
الحديث الثالث
عَنْ سَعد بْنِ أبى وَقاص ﵁ قَالَ: رَدّ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى عُثْمانَ بْنِ مَظعُون التَبَتلَ، وَلَوْ أذنَ لَهُ لاخْتَصيْنَا.
التبتل: ترك النكاح، ومنه قيل لمريم ﵍: البتول.
الغريب:
التبتل: أصل التبتل القطع والإبانة، والمراد- هنا- الانقطاع عن النساء للعبادة.
المعنى الاجمالى:
روى سعد بن أبي وقاص ﵁: أن عثمان بن مظعون من شدة رغبته في الإقبال على العبادة، أراد أن يتفرغ لها ويهجر ملاذَ الحياة.
فاستأذن النبي ﷺ في أن ينقطع عن النساء ويقبل على طاعة الله تعالى فلا يأذن له، لأن ترك ملاذ الحياة والانقطاع للعبادة، من الغُلو في الدين والرهبانية المذمومة.
وإنما الدين الصحيح هو القيام بما لله من العبادة مع إعطاء النفس حظها من الطيبات.
ولذا فإن النبي ﷺ لو أذن لعثمان، لاتبعه كثير من المُجدّين في العبادة. وتقدم معنى الحديث، في الذي قبله.
فائدة:
في حاشية الصنعاني على شرح العمدة ما يلي:
أخاف على الزاهد أن تكون شهوته انقلبت إلى الترك، فصار يشتتهي ألا يتناول. وللنفس في هذا مكر خفي رياء دقيق، فإن سلمت من الرياء للخلق كانت إلى خير.
ولقد دخل المتزهدون في طرق لم يسلكها النبي ﷺ ولا أصحابه من إظهار التخشع الزائد عن الحد، وتخشين الملبس، وأشياء صار العوام يستحسنونها، وصارت لأقوام كالمعاش، يجتنون من ثمراتها تقبيل اليد والتوقير، وأكثر في خلوته على غير حالته في جلوته، يتناول في خلوته الشهوات، ويعكف على اللذات ويرى الناس أنه متزهد، وما تزهد إلا القميص، وإذا نظرت إلى أحواله فعنده كبر فرعون.
стр. 550
باب المحرمات من النكاح
المحرمات من النكاح قسمان:
١- قسم يحرم إلى الأبد ٢- وقسم يحرم إلى أمد.
فالأول: سبع من النسب هن:
١- الأمهات وإن علون.
٢- والبنات وإن نزلن.
٣- والأخوات من أبوين، أو أب، أو أم.
٤- وبناتهن.
٥- وبنات الإخوة.
٦- والعمات.
٧- والخالات.
ودليل تحريم هؤلاء قوله تعالى ﴿حرمت عليكم أمهاتكم ... إلخ﴾ .
ويحرم ما يماثلهن من الرضاعة، لقوله ﷺ : "يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب".
ويحرم أربع بالمصاهرة وهن:
١- أمهات الزوجات وإن علون.
٢- وبناتهن وإن نزلن إن كان قد دخل بهن.
٣- وزوجات الآباء والأجداد وإن عَلَوا.
٤- وزوجات الأبناء وإن نزلوا.
ويحرم ما يماثلهن من الرضاع، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وَأمهَاتُ نِسَائِكُم....﴾ الخ.
أما المحرمات إلى أمد، فهن أخت الزوجة، وعمتها وخالتها، والخامسة للحر الذي عنده أربع زوجات، والزانية حتى تتوب، ومطلقته ثلاثا حتى تنكح زوجاً غيره، والمُحْرمة بنسك حتى تحل، والمعتدة من غيره. حتى تنقضي عدتها.
وماعدا هؤلاء فهو حلال، كما قال تعالى- حين عدد المحرمات- ﴿وأحِل لَكُم ما وراء ذلِكُم﴾ .
وفي هذين الحديثين الآتيين في هذا الباب، الإشارة إلى بعض ما تقدم
الحديث الأول
عَنْ أم حَبِيبَةَ بنْتِ أبي سُفْيَانَ ﵄ أنَهَا قَالَتْ: يا رسول الله، أنكح أختي ابنةَ أبي سُفيَانَ، فقال: " أوَ تُحِبينَ ذلِكَ "؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأحَبُ مَنْ شَارَكَنِي في خَيْر، أختي.
فَقَالَ النبي ﷺ : "إن ذلِكَ لاَ يَحِلُّ لي ".
قالت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال: "بنت أم سلمة"؟ قلت:
стр. 551
نعم، فقال: "إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن".
قال (١) عروة: وثوبية مولاة لأبي لهب، كان أبو لهب أعتقها، فأرضعت النبي ﷺ .
فلما مات أبو لهب رآه بعض أهله بشر حيبة، فقال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم خيرا، غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثوبية.
الحيبة، بكسر الحاء: الحالة.
الغريب:
بمخلية: بضم الميم، وسكون الخاء المعجمة، وكسر اللام. اسم فاعل من "أخلى يخلى" أي لست بمنفردة بك، ولا خالية من ضرة.
نحدث: بضم النون وفتح الخاء، بالبناء للمجهول.
بنت أم سلمة: استفهام قصد به التثبت لرفع الاحتمال في إرادة غيرها.
ربيبتي في حجري: الربيبة مشتقة من الرب وهو الإصلاح، لأنه يقوم بأمرها.
والحجر بفتح الحاء وكسرها، وليس له مفهوم، بل لمجرد مراعاة- لفظ الآية.
ثويبة: بالمثلثة المضمومة، ثم واو مفتوحة، ثم ياء التصغير، ثم باء موحدة ثم هاء.
بشر حيبة: بكسر الحاء المهملة، وسكون الياء التحتية، ثم باء موحدة. أي بسوء حال. ووقع مضبوطاً في بعض نسخ البخاري بالخاء المعجمة.
المعنى الإجمالي:
أم حبيبة (٢) بنت أبي سفيان هي إحدى أمهات المؤمنات رضى الله عنهن وكانت حظية وسعيدة بزواجها من رسول الله ﷺ -وحق لها ذلك- فالتمست من النبي ﷺ أن يتزوج أختها.
فعجب ﷺ ، كيف سمحت أن ينكح ضرة (٣) لها، لما عند النساء من الغيرة الشديدة في ذلك، ولذا قال -مستفهما متعجبا-: أو تحبين ذلك؟ فقالت: نعم أحب ذلك.
ثم شرحت له السبب الذي من أجله طابت نفسها بزواجه من أختها، وهو أنه لابد لها من
стр. 552
مشارك فيه من النساء، ولن تنفرد به وحدها، فإذا فليكن المشارك لها في هذا الخير العظيم هو أختها.
وكأنها غير عالمة بتحريم الجمع بين الأختين، ولذا فإنه أخبرها ﷺ أن أختها لا تحل له (١) .
فأخبرته أنها حدثت أنه سيتزوج بنت أبي سلمة.
فاستفهم منها متثبتاً: تريدين بنت أم سلمة؟ قالت: نعم.
فقال: مبينا كذب هذه الشائعة: - إن بنت أم سلمة لا تحل لي لسببين.
أحدهما: أنها ربيبتي التي قمت على مصالحها في حجري، فهي بنت زوجتي.
والثاني: أنها بنت أخي من الرضاعة، فقد أرضعتني، وأباها أبا سلمة، ثويبة -وهي مولاة لأبي لهب- فأنا عمها أيضاً، فلا تعرضْنَ علي بناتِكن وأخواتكن، فأنا أدرى وأولى منكن بتدبير شأني في مثل هذا.
ما يؤخذ من الحديث:
١- تحريم نكاح أخت الزوجة، وأنه لا يصح.
٢- تحريم نكاح الربيبة، وهى بنت زوجته التي دخل بها. والمراد بالدخول- هنا- الوطء، فلا يكفي مجرد الخلوة.
٣- ليس (الحجر) -هنا- مرادا، وإنما ذكر لقصد التبشيع والتنفير.
٤- تحريم بنت الأخ من الرضاعة، لأنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب.
٥- أنه ينبغي للمفتي- إذا سئل عن مسألة يختلف حكمها باختلاف أوجهها- أن يستفصل عن ذلك.
٦- أنه ينبغي توجيه السائل ببيان ما ينبغي له أن يعرض عنه وما يقبل عليه، لاسيما إذا كان ممن تجب تربيته وتعليمه، كالولد والزوجة.
٧- الظاهر أن أم حبيبة فهمت إباحة أخت الزوجة للرسول ﷺ من باب الخصوصية له. ذلك أنه لا قياس بين أخت الزوجة والربيبة، وإنما- لما سمعت أنه سيتزوج بربيبته وهي محرمة عليه بنص الآية التي حرم فيها الجمع بين الأختين- ظننت الخصوصية من هذا العموم.
стр. 553
الحديث الثاني
عَنْ أبي هريرة ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : " لا يُجْمَعُ بين المرأة وعمتها، ولا بَيْنَ المرأة وَخَالتِهَا ".
المعنى الإجمالي:
جاءت هذه الشريعة المطهرة بكل ما فيه الخير والصلاح وحاربت كل فيه الضرر والفساد ومن ذلك أنها حثت على الألفة والمحبة والمودة، ونهت عن التباعد، والتقاطع، والبغضاء.
فلما أباح الشارع تعدد الزوجات لما قد يدعو إليه من المصالح، وكان- غالبا- جمع الزوجات عند رجل، يورث بينهن العداوة والبغضاء، لما يحصل من الغيرَةِ، نهى أن يكون التعدد بين القريبات، خشية أن تكون القطيعة بين الأقارب.
فنهى أن تنكح الأخت على الأخت، وأن تنكح العمة على بنت الأخ وابنة الأخت على الخالة وغيرهن، مما لو قدر إحداهما ذكرا والأخرى أنثى، حرم عليه نكاحها في النسب. فإنه لا يجوز الجمع والحال هذه.
وهذا الحديث يخصص عموم قوله تعالى: ﴿وأحِلَّ لكم ما وَرَاءَ ذلِكم﴾ وأدمجنا أحكامه، فلا حاجة إلى تفصيلها، لوضوحها من المعنى الإجمالي.
فائدة:
الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، قال ابن المنذر. لست أعلم في ذلك خلافا اليوم، واتفق أهل العلم على القول به، ونقل ابن عبد البر وابن حزم والقرطبي والنووي الإجماع. قال ابن دقيق العيد. وهو مما أخذ من السنة، وإن كان إطلاق الكتاب يقتضي الإباحة لقوله تعالى. ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ إلا أن الأئمة من علماء الأمصار خصصوا ذلك العموم بهذا الحديث، وهو دليل على جواز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
قال الصنعاني: ليس المراد بالواحد الفرد، بل ماعدا المتواتر، فالحافظ ابن حجر ذكر أن هذا الحديث رواه من الصحابة ثلاثة عشر نفراً، وعدهم، ففيه رد على من زعم أنه لم يروه إلا أبو هريرة.
стр. 554
فائدة ثانية:
نكاح الكتابية جائز بآية المائدة، وهو مذهب جماهير السلف والخلف من الأئمة الأربعة وغيرهم. فإن قيل: فقد وصفهم (أي أهل الكتاب) بالشرك بقوله: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ... ﴾ قيل: إن أهل الكتاب ليس في أصل دينهم شرك، وحيث وصفوا بأنهم أشركوا فلأجل ما ابتدعوا من الشرك. فأصل دينهم اتباع الكتب المنزلة التي جاءت بالتوحيد لا بالشرك اهـ من كلام شيخ الإسلام ابن تيميه.
بَابُ الشروط في النكاح
الشروط في النكاح قسمان:
١- صحيح وهو: مالا يخالف مقتضى العقد، وأن يكون للمشترط من الزوجين غرض صحيح، ويأتي شيء من أمثلته.
٢- وباطل وهو: ما كان مخالفا لمقتضي العقد.
والميزان في هذه الشروط ونحوها، قوله ﷺ : "المسلمون على شروطهم، إلا شرطاً حرم حلالا أو أحل حراماً" ولا فرق بين أن يقع اشتراطها قبل العقد أو معه.
الحديث الأول
عَنْ عُقْبَةَ بن عَامِر قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إن أحق الشروط أن تُوفُوا بِهِ مَا استحللتم بِهِ الفرُوج".
المعنى الإجمالي:
لكل واحد من الزوجين مقاصد وأغراض في إقدامه على عقد النكاح.
فيشترط على صاحبه شروطاً ليتمسك بها ويطلب تنفيذها، عدا ما هناك من شروط هي من مقتضيات عقد النكاح.
لأن شروط النكاح عظيمة الحرمة، قوية اللزوم -لكونها استحق بها استحلال الاستمتاع بالفروج- فقد حث الشارع الحكيم العادل على الوفاء بها، فقال: إن أحق شرط يجب الوفاء به وأولاه، هو ما اسْتحِل به الفرج- وبُذِلَ من أجله البضع.
ما يؤخذ من الحديث:
١- وجوب الوفاء بالشروط التي التزم بها أحد الزوجين لصاحبه، وذلك كاشتراط زيادة
стр. 555
في المهر أو السكنى بمكان معين من جانب المرأة، وكاشتراط البكارة والنسب، من جانب الزوج.
٢- أن وجوب الوفاء، شامل للشروط التي هي من مقتضى العقد، والتي من مصلحة أحد الزوجين.
٣- يقيد عموم هذا الحديث بوجوب الوفاء بالشروط، بمثل حديث [لا يحل لامرأة تسأل طلاق أختها] .
٤- أن الوفاء بشروط النكاح آكد من الوفاء بغيرها، لأن عوضها استحلال الفروج.
٥- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والصحيح الذي عليه أكثر نصوص أحمد وعليه أكثر السلف أن ما يوجب العقد لكل واحد من الزوجين على الآخر كالنفقة والاستمتاع والمبيت للمرأة وكالاستمتاع للزوج ليس بمقدر، بل المرجع في ذلك إلى العرف، كما دل عليه الكتاب في مثل قوله تعالى: ﴿ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف﴾ والسنة في مثل قوله ﷺ لهند "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف" وإذا تنازع الزوجان فرضه الحاكم باجتهاده.
الحديث الثاني
عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أن رَسُولَ الله ﷺ نَهى عَنْ نِكاحِ الشغَارِ.
وَالشغَارُ: أنْ يُزَوجَ الرَّجُلُ ابنتَهُ عَلى أنْ يُزَوجَهُ الآخر ابنتهُ وَلَيس بيَنَهُمَا صَدَاقٌ.
الغريب:
الشغار: بكسر الشين المعجمة والغين المعجمة، أصله -في اللغة- الرفع، فأخذ منه صورة هذا النكاح لرفع كل واحد من الولييِن عن موليته لصاحبه بلا صداق ولا نفع يعود عليها.
المعنى الإجمالي:
الأصل في عقد النكاح أنه لا يتم إلا بصداق للمرأة، يقابل ما تبذله من بضعها.
ولهذا فإن النبي ﷺ نهى عن هذا النكاح الجاهلي، الذي يظلم به الأولياء مولياتهم، إذ
стр. 556
يزوجونهن بلا صداق يعود نفعه عليهن، وإنما يبذلونهن بما يرضى رغباتهم وشهواتهم، فيقدمونهن إلى الأزواج، على أن يزوجوهم مولياتهم بلا صداق.
فهذا ظلم وتصرف في أبضاعهن بغير ما أنزل الله. وما كان كذلك فهو محرم باطل.
ما يؤخذ من الحديث:
١- النهى عن نكاح الشغار، والنهى يقتضي الفساد، فهو غير صحيح.
٢- أن العلة في تحريمه وفساده، هو خلوه من الصداق المسمى، ومن صداق المثل، وأشار إليه بقوله: [وليس بينهما صداق] .
٣- وجوب النصح للمولية. فلا يجوز تزويجها بغر كفء، لغرض الوَلي ومقصده.
٤- بما أنهم جعلوا العلة في إبطال هذا النكاح، هي خُلُوُّهُ من الصداق، فإنه يجوز أن يزوجه موليته على أن يزوجه الآخر موليته بصداق غير قليل مع الكفاءة بين الزوجين والرضا منهما.
٥- قوله: [والشغار: أن يزوج الرجل.. إلخ] قال ابن حجر: اختلفت الروايات عن مالك فيمن ينسب إليه تفسير الشغار، فالأكثر لم ينسبوه لأحد، وبهذا قال الشافعي، فقد قال: لا أدرى التفسير عن النبي ﷺ أو عن ابن عمر أو عن نافع أو عن مالك وجعله بعضهم من تفسير نافع وليس خاصا بالابنة، بل كل مولية. وقال القرطبي: تفسير الشغار صحيح موافق لما ذكر أهل اللغة، فإن كان مرفوعا فهو المقصود. وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضا لأنه أعلم بالمقال وأفقه بالحال.
٦- أجمع العلماء على تحريم هذا النكاح، واختلفوا في بطلانه. فعند أبي حنيفة أن النكاح يصح ويفرض لها مهر مثلها.
وعند الشافعي وأحمد. أن النكاح غير صحيح، لأن النهيَ يقتضي الفساد.
وحكى في الجامع رواية عن الإمام أحمد بطلانه ولو مع صداق، اختارها (الخِرَقي) لعموم ما روى الشيخان عن ابن عمر. "أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار" ومثله في مسلم عن أبي هريرة.
ولأن أبا داود جعل التفسير وهو قوله " وليس بينهما صداقط من كلام نافع.
واختار هذا القول العلامة الأثري (الشيخ عبد العزيز بن باز) حفظه الله في رسالة له في الأنكحة الباطلة. والله أعلم.
стр. 557
الحديث الثالث
عَنْ عَلى بْنِ أبي طالب ﵁: أن النبي ﷺ نهى عن نكاح المتعة يوم خيبر، وعن لحوم الحمر الأهلية.
المعنى الإجمالي:
سَن الشارع النكاح لقصد الاجتماع والدوام، والألفة، وبناء الأسرة، وتكوينها.
ولذا كان أبغض الحلال إلى الله الطلاق، لكونه هدما لهذا البناء الشريف.
وكل قصد أو شرط يخالف هذه الحكمة من النكاح، فهو باطل.
ومن هنا حرم نكاح (المتعة) ، وهو أن يتزوج الرجل المرأة إلى أجل، بعد أن كان مباحا في أول الإسلام لداعي الضرورة.
ولكن ما في هذا النكاح من المفاسد، من اختلاط في الأنساب؛ واستئجار للفروج، ومجافاة للذوق السليم والطبيعة المستقيمة، هذه المفاسد ربَتْ على ما فيه من لذة قضاء الشهوة.
ما يؤخذ من الحديث:
١- تحريم نكاح المتعة وبطلانه، وعليه أجمع العلماء. قال ابن دقيق العيد: وفقهاء الأمصار كلهم على المنع، وأكثر الفقهاء على الاقتصار في التحريم على العقد المؤقت.
٢- كان مباحا في أول الإسلام للضرورة فقط، ثم جاء التأكيد والتأبيد لتحريمه ولو عند الضرورة.
٣- نهى الشارع الحكيم عنه، لما يترتب عليه من المفاسد، منها: اختلاط الأنساب، واستباحة الفروج بغير نكاح صحيح.
٤- النهي عن أكل لحوم الحمر الأهلية فهي رجس، بخلاف الحمر الوحشية، فهي حلال بالإجماع.
فائدة:
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن رجل يسير في البلاد، ويخاف أن يقع في المعصية، فهل له أن يتزوج في مدة إقامته في تلك البلدة فإذا سافر طلق من تزوجها؟
стр. 558
فأجاب بأن له أن يتزوج، ولكن على أن ينكح نكاحا مطلقا، يمكنه من إمساكها أو تطليقها إن شاء، وإن نوى طلاقها حتما عند انقضاء سفره كره في مثل ذلك، وفي صحة النكاح نزاع.
ثم ببن ﵀ رأيه في نكاح المنعة، فقال: إن قصد أن يستمتع بها إلى مدة ثم يفارقها، مثل المسافر إلى بلد يقيم به مدة فيتزوج وفي نيته إذا عاد إلى وطنه أن يطلقها، ولكن النكاح عقده عقداً مطلقا فهذا فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد.
١- قيل: هو نكاح جائز، وهو اختيار الموفق وقول الجمهور.
٢- وقيل: إنه نكاح تحليل لا يجوز، وروى عن الأوزاعي ونصر القاضي وأصحابه.
٣- وقيل مكروه وليس بمحرم.
والصحيح أن هذا ليس بنكاح متعة ولا يحرم، وذلك أنه قاصد للنكاح وراغب فيه، بخلاف المحلل، لكن لا يريد دوام المرأة معه وهذا ليس بشرط، فإن دوام المرأة معه ليس بواجب، بل له أن يطلقها، فإذا قصد أن يطلقها بعد مدة فقد قصد أمرا جائزا بخلاف نكاح المتعة، فإنه مثل الإجارة تنقضي فيه بانقضاء المدة، ولا ملك له عليها بعد انقضاء الأجل، وأما هذا فملكه ثابت مطلق، وقد تتغير بنية فيمسكها دائما، وذلك جائز له، كما لو تزوج بنية إمساكها دائماً، ثم بدا له طلاقها جاز ذلك.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على تحريم هذا النكاح وبطلانه.
واختلفوا في الوقت الذي حرم فيه، تبعا للآثار التي وردت في تحريمه.
فبعضهم يرى أن التحريم كان يوم (خيبر) مستدلا بحديث الباب، ثم أنها أبيحت، ثم حرمت يوم فتح مكة.
وبعضهم يرى أنها لم تحرم إلا يوم الفتح، وقبله كانت مباحة، ويقولون: إن علياً ﵁ لم يرد في هذا الحديث أن تحريم المتعة وقع مع تحريم لحوم الحمر الأهلية يوم (خيبر) وإنما قرنهما جميعا ردا على ابن عباس الذي يجيز المتعة للضرورة ويبيح لحوم الحمر الأهلية. وهذا القول أولى.
قال النووي: الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعا مرتين فكانت مباحة قبل خيبر، ثم حرمت فيها، ثم أبيحت عام الفتح، وهو عام أوطاس، ثم حرت تحريما مؤبدا. قال: ولا مانع من تكرير الإباحة (١) .
стр. 559
بَابُ ما جاء في الاستئمار وَالاستئذان
عَنْ أبي هريرة ﵁ أنَ رَسُولَ الله صلى لله عليه وسلم قَال: "لا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتى تستأمر، وَلا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتًى تُستأذَن، قالُوا: يا رسول الله، وَكيفَ إذنها؟ قَال: أن تسكت".
الغريب:
الأيم: بفتح الهمزة وتشديد الياء التحتية المثناة، بعدها ميم، أشهر وأكثر ما تستعمل، في المرأة المفارقة من زوجها، وهو متعين هنا، لمقابلتها للبكر.
تستأمر: أصل الاستئمار: طلب الأمر. فالمعنى لا يعقد عليها إلا بعد طلب الأمر منها، وأمرها به.
لا تنكح: برفع الفعل المضارع بعد لا النافية، وإن كان الغرض النهي وهذا أسلوب معروف من أساليب البلاغة العربية.
المعنى الإجمالي:
عقد النكاح عقد خطير، يستبيح به الزوج أشد ما تحافظ عليه المرأة،: هو بضعها.
وتكون بهذا العقد أسيرة عند زوجها، يوجهها حيث يشاء ويريد، لهذا جعل لها الشارع العادل الرحيم الحكيم الأمر، في أن تختار شريك حياتها، وأن تصطفيه بنظرها. فهي التي تريد أن تعاشره، وهى أعلم بميولها ورغبتها.
فلهذا نهى النبي ﷺ أن تزوج الثيب حتى يؤخذ أمرها فتأمر.
كما نهى عن تزويج البكر حتى تستأذن في ذلك أيضا فتأذن.
بما أنه يغلب الحياء على البكر، اكتفى منها بما هو أخف من الأمر، وهو الإذن، كما اكتفى بسكوتها، دليلا على رضاها.
ما يؤخذ من الحديث:
١- النهي عن نكاح الثيب قبل استئمارها وطلبها ذلك وقد ورد النهى بصيغة النفي، ليكون أبلغ، فيكون النكاح بدونه باطلا.
٢- النهْيُ عن نكاح البكر قبل استئذانها، ومقتضى طلب إذنها، أن نكاحها بدونه باطل أيضا.
стр. 560
٣- يفيد طلب إذنها: أن المراد بها البالغة، وإلا لم يكن لاستئذانها فائدة، لو كان المراد الصغيرة. قال ابن دقيق العيد: الاستئذان إنما يكون في حق من له إذن، ولا إذن للصغيرة فلا تكون داخلة تحت الإرادة، ويختص الحديث بالبوالغ، فيكون أقرب إلى التأكد وقال الشافعي في القديم: أستحب ألا تزوج البكر الصغيرة حتى تبلغ وتستأذن
٤- عبر عن البكر بالاستئذان لغلبة الحياء عليها، فلا تكون موافقتها بأمر كالثيب.
٥- يكفى في إذنها السكوت لحيائها -غالبا- عن النطق. والأحسن أن يجعل لموافقتها بالسكوت أجلا، تعلم به أنها بعد انتهاء مدته يعتبر سكوتها إذنا منها وموافقة.
٦- لا يكفي في استئمار الثيب واستئذان البكر مجرد الإخبار بالزواج، بل لا بد من تعريفها بالزوج تعريفا تاما، عن سنه، وجماله، ومكانته، ونسبه، وغناه، وعمله، وضد هذه الأشياء، وغير ذلك مما فيه مصلحة لها.
٧- قال شيخ الإسلام: من كان لها ولي من النسب وهو العصبة فهذه يزوجها الولي بإذنها، ولا يفتقر ذلك إلى حاكم باتفاق العلماء. وأما من لا ولي لها فإن كان في القرية أو المحلة نائب حاكم زوجها، وهو أمير الأعراب ورئيس القرية وإذا كان فيهم إمام مطاع زوجها أيضا بإذنها. والله أعلم.
٨- وقال شيخ الإسلام الإشهاد على إذن المرأة ليس شرطا في صحة العقد عند جماهير العلماء، وإنما فيه خلاف شاذ في مذهب أحمد والشافعي، والمشهور من المذهبين كقول الجمهور وأن ذلك لا يشترط والذي ينبغي لشهود النكاح أن يشهدوا على إذن الزوجة قبل العقد لوجوه ثلاثة، ليكون العقد متفقا على صحته، وللأمان من الجحود، وخشية أن يكون الولي كاذبا في دعوى الاستئذان.
اختلاف العلماء:
ليس هناك نزاع بين العلماء، في أن البالغة العاقلة الثيب لا تجبر على النكاح ودليل ذلك واضح.
وليس هناك نزاع أيضا في أن البكر التي دون التسع، ليس لها إذن، فلأبيها تزويجها بلا إذنها ولا رضاها بكفئها. قال شيخ الإسلام فإن أباها يزوجها ولا إذن لها.
ودليلهم زواج عائشة ﵂ من النبي ﷺ وهى ابنة ست. واختلفوا في البالغة.
فالمشهور من مذهب الإمام أحمد أن لأبيها إجبارها، وهو مذهب مالك، والشافعي،
стр. 561
وإسحاق.
ودليلهم ما رواه داود عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن وإذنها صِماتها (١) ". فحيث قسم النساء قسمين، وأثبت لأحدهما الحق، دل على نفيه عن الآخر وهو البكر، فيكون وليها أحق منها.
الرواية الثانية عن الإمام أحمد، ليس له إجبارها وهو مذهب الإمام أبي حنيفة والأوزاعى، والثوري، وأبي ثور.
واختار هذه الرواية من الأصحاب: أبو بكر، والشيخ تقي الدين ابن تيميه، وابن القيم وصاحب الفائق، وشيخنا (عبد الرحمن آل سعدي) ومال إليه الشيخ عبد الله أبا بطين، مفتى الديار النجدية في زمنه.
ودليل هذا القول، حديث الباب، إذ نهى النبي ﷺ عن تزويجها بدون إذنها، ولو لم يكن إذنها معتبراً، لما جعله غاية لإنكاحها.
وبما رواه أبو داود، وابن ماجة، عن ابن عباس: أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ ، فذكرت أن أباها زوجها وهى كارهة، فخيرها النبي ﷺ . وقال ﷺ : "والبكر تستأذن".
ففي حديث الباب النهيُ، وحديث الجارية فيه الحكم بخيارها، وفى الحديث الثالث، الأمر باستئذانها وهو يقتضي الوجوب.
وهذا القول هو الذي تقتضيه قواعد الشرع الحكيمة العادلة.
فإذا كان أبوها لا يتصرف بالقليل من مالها بدون إذنها، فكيف يكرهها على بَذْل بضعها وَعشرةِ من تكرهه، ولا ترغب في البقاء معه؟.
إن إرغامها على الزواج بمن تكره، هو الحبس المظلم لنفسها، وقلبها، وبدنها وعقلها.
والقول به، ينافي العدل والحكمة.
وما الفرق بينها وبين الثيب، التي عرفوا لها هذا الحق؟.
إن التفريق بينهما، من التفريق بين المتماثلين، الذي يأباه القياس.
وما استدل به للقول الأول من قوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها" مفهوم، وعلى القول بكونه حجة، فدليل المنطوق مقدم عليه.
стр. 562
تتمة:
عقد النكاح، كبير خطير، وضرره ونفعه عائد على الأسرة كلها. لذا أرى العمل بقوله تعالى ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ وهو أن يبحث من أطرافه، ويتدوال الرأي فيه بين جميع أفراد الأسرة المعتبرين، وأن يستخيروا الله تعالى، ويسألوه التسديد والتوفيق، ويعملوا بما يرون أنه الأحسن والأولى.
ويكون للزوجة الرأي الأخير بعد تعريفها وتفهيمها. وإذا تم على هذا، فهو أحرى أن يؤدم بين الزوجين والأسرتين.
بَابُ لا ينكح مطَلقته ثَلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره
عَن عَاِئشَةَ ﵂ قَالَت: جَاءتِ امْرَأةُ رِفَاعَةَ القُرَظِي إلى النَّبي ﷺ فَقَالَت: كُنْتُ عِندَ رِفَاعَةَ القُرَظِي فَطَلقني فَبَتَّ طلاقي فتزوَّجت بَعْدَهُ عَبْدَ الرحمن بنَ الزُّبير وإنَّمَا مَعَهُ مِثلُ هُدْبَةِ الثوبِ.
فَتَبَسَّمَ رسول الله ﷺ وَقَالَ: "أتريدين أنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى تَذوقي عُسيلَتَهُ وَيَذُوق عُسَيْلَتك".
فَقَالَت: وأبو بَكر عِنْدَه، وخالد بنُ سَعِيدٍ بالبابِ يَنتظِرُ أنْ يُؤذَنَ لَهُ، فنادى: "يَا أبَا بَكْر، ألا تَسْمَعُ إلى هذِهِ مَا تَجْهَرُ بهِ عِنْدَ رَسُول الله ﷺ ؟.
الغريب:
فبت طلاقي: بتشديد التاء المثناة. أصله: القطع، والمراد طلقها الطلقة الأخيرة من الطلقات الثلاث، كما في صحيح مسلم "فطلقها آخر ثلاث تطليقات (١) .
الزبيِر: بفتح الزاي، بعدها باء مكسورة، ثم ياء، ثم راء.
هُدْبة: بضم الهاء، وإسكان الدال. بعدها موحدة: هي طرف الثوب الذي لم ينسج، شبهوها بهدب العين. أرادت أن ذَكرَه، يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار.
عسَيلته: بضم العين، وفتح السين. تصغير عسلة، وهي كناية عن الجماع. شبه لذته بلذة العسل وحلاوته.
стр. 563
المعنى الإجمالي:
جاءت امرأة رفاعة القرظي شاكية حالها إلى النبي ﷺ .
فأخبرته أنها كانت زوجاً لرفاعة، فبتَّ طلاقها بالتطليقة الأخيرة، وهي الثالثة من طلقاتها، وأنها تزوجت بعده (عبد الرحمن بن الزبِير) فلم يستطع أن يمسها لأن ذكرَه ضعيف رِخْو، لا ينتشر.
فتبسم النبي ﷺ من جهرها وتصريحها بهذا الذي تستحي منه النساء عادة، وفهم أن مرادها، الحكم لها بالرجوع إلِى زوجها الأول رفاعة. حيث ظنت أنها بعقد النكاح من عبد الرحمن قد حلت له.
ولكن النبي ﷺ أبى عليها ذلك، وأخبرها بأنه لابد- لحل رجوعها إلى رفاعة- من أن يطأها زوجها الأخير.
وكان عند النبي ﷺ أبو بكر، وخالد بن سعيد، بالباب ينتظر الإذن بالدخول فنادى خالد أبا بكر، متذمرا من هذه المرأة التي تجهر بمثل هذا الكلام عند رسول الله ﷺ ، كل هذا، لما له في صدورهْم من الهيبة والإجلال. ﷺ ورضي اللَه عنهم وأرضاهم، ورزقنا الأدب معه، والإتباع له.
ما يؤخذ من الحديث:
١- أن المراد ببَت الطلاق هنا، الطلقة الأخيرة من الثلاث، كما بينته الرواية الأخرى كما تقدم في شرح [الغريب] .
٢- أنه لا يحل بعد هذا البت المذكور هنا أن ينكحها زوجها، الذي بت طلاقها إلا بعد أن تتزوج غيره، ويطأها الزوج الثاني، فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿حَتى تَنكِح زوجا غَيْرَهُ﴾ الوطء، لا مجرد العقد قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول، فلا تحل له حتى يجامعها الثاني.
٣- المراد بالعسيلية، اللذة الحاصلة بتغيب الحشفة ولو لم يحصل إنزال مَني، وعليه إجماع العلماء، فلابد من الإيلاج لأنه مظنة اللذة.
٤- أنه لابد من الانتشار، وإلا لم تحصل اللذة المشترطة.
٥- أنه لا بأس من التصريح بالأشياء التي يستحي منها للحاجة، فقد أقرها النبي ﷺ على ذلك، وتبسم من كلامها.
٦- حسن خلق النبي ﷺ ، وطيب نفسه. اللهم ارزقنا اتباعه، والإقتداء به. آمين.
اختلاف العلماء:
موضع ذكر هذا الخلاف هو (باب الطلاق) وبما أن المؤلف لم يأت هناك بما يشير إليه
стр. 564
وجاءت مناسبته هنا، فإني أذكره لقوته، وللحاجة إليه.
فقد اختلف العلماء فيمن أوقع الطلاق الثلاث دفعة واحدة، أو أوقعها بكلمات ثلاث لم يتخللها رجعة، فهل تلزمه الطلقات الثلاث، فلا تحل له زوجته إلا بعد أن تنكح زوجا غيره، وتعتد منه، أم أنها تكون طلقة واحدة، له رجعتها مادات في العدة، وبعد العدة يعقد عليها ولو لم تنكح زوجاً غيره؟.
اختلف العلماء في ذلك اختلافا طويلا عريضا، وعُذب من أجْل القول بالرجعة بها جماعة من الأئمة والعلماء، منهم شيخ الإسلام، ابن تيميه، وبعض أتباعه.
وما ذلك إلا لأن القول بوقوعها، هو المشهور من المذاهب الأربعة. وكأن من خرج عنها لقوة دليل أو لاتباع إمام من سَلَفِ الأمة ليس على الحق. قاتل الله التعصب والهوى، وهى مسألة طويلة.
ولكننا -نسوق- هنا- ملخصا فيه الكفاية.
ذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة، وجمهور الصحابة والتابعين: إلى وقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة إذا قال (أنت طالق ثلاثا) ونحوه أو (بكلمات) ولو لم يكن بينهن رجعة.
ودليلهم حديث ركانة بن عبد الله (أنه طلق امرأته البتة) فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال: " والله ما أردتَ إلا واحدة؟ ".
قال ركانة: (والله ما أردتُ إلا واحدة) يستحلفه ثلاثا.
وهذا الحديث أخرجه الشافعي، وأبو داود، والترمذي وصححه، وابن حبان، والحاكم.
ووجه الدلالة من الحديث، استحلافه ﷺ للمطلق أنه لم يرد بالبتة إلا واحدة، فدل على أنه لو أراد بها أكثر، لوقع ما أراده.
واستدلوا أيضا بما في صحيح البخاري عن عائشة " أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت فطلقت".
فسئل رسول الله ﷺ : أتحل للأول؟.
قال: " لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول" ولو لم تقع الثلاث لم يمنع رجوعها إلى الأول إلا بعد ذوق الثاني عسيلتها.
стр. 565
واستدلوا أيضا بعمل الصحابة، ومنهم عمر بن الخطاب ﵃ على إيقاع الثلاث بكلمة واحدة ثلاثا، كما نطق بها المطلق. وكفى بهم قدوة وأسوة.
ولهم أدلة غير ما سقْنَا، ولكن ما ذكرنا، هو الصريح الواضح لهم.
وذهب جماعة من العلماء: إلى أن موقع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، أو بكلمات لم يتخللها رجعة، لا يقع عليه إلا طلقة واحدة. وهو مروي عن الصحابة، والتابعين، وأرباب المذاهب.
فمن الصحابة القائلين بهذا القول، أبو موسى الأشعري، وابن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام.
ومن التابعين، طاوس، وعطاء، وجابر بن زيد، وغالب أتباع ابن عباس، وعبد الله بن موسى، ومحمد بن إسحاق.
ومن أرباب المذاهب، داود وأكثر أصحابه، وبعض أصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك، وبعض أصحاب أحمد، منهم المجد عبد السلام بن تيميه، وكان يفتي بها سرا، وحفيده شيخ الإسلام (ابن تيميه) يجهر بها ويفتي بها في مجالسه، وقد عذِّبَ من أجل القول بها، هو وكثير من أتباعه.
ومنهم ابن القيم الذي نصرها نصرا مؤزرا في كتابيه [الهدى] و [أعلام الموقعين] فقد أطال البحث فيها، واستعرض نصوصها، وردَ على المخالفين بما يكفى ويشفى.
واستدل هؤلاء بالنص، والقياس.
فأما النص، فما رواه مسلم في صحيحة [أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وفي صدر من إمارة عمر؟ قال: نعم] وفي لفظ [ترد إلى واحدة؟ قال: نعم] .
فهذا نص صحيح صريح، لا يقبل التأويل والتحويل.
وأما القياس، فإن جَمْعَ الثلاث محرم وبدعة، والنبي ﷺ يقول: [من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد] وإيقاع الثلاث دفعة واحدة ليس من أمر الرسول، فهو مردود مسدود.