← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9878

تيسير العلام شرح عمدة الأحكام

عبد الله البسام

Полный текст (741 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وإسحاق. ودليلهم ما رواه داود عن ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن وإذنها صِماتها (١) ". فحيث قسم النساء قسمين، وأثبت لأحدهما الحق، دل على نفيه عن الآخر وهو البكر، فيكون وليها أحق منها. الرواية الثانية عن الإمام أحمد، ليس له إجبارها وهو مذهب الإمام أبي حنيفة والأوزاعى، والثوري، وأبي ثور. واختار هذه الرواية من الأصحاب: أبو بكر، والشيخ تقي الدين ابن تيميه، وابن القيم وصاحب الفائق، وشيخنا (عبد الرحمن آل سعدي) ومال إليه الشيخ عبد الله أبا بطين، مفتى الديار النجدية في زمنه. ودليل هذا القول، حديث الباب، إذ نهى النبي ﷺ عن تزويجها بدون إذنها، ولو لم يكن إذنها معتبراً، لما جعله غاية لإنكاحها. وبما رواه أبو داود، وابن ماجة، عن ابن عباس: أن جارية بكرا أتت النبي ﷺ ، فذكرت أن أباها زوجها وهى كارهة، فخيرها النبي ﷺ . وقال ﷺ : "والبكر تستأذن". ففي حديث الباب النهيُ، وحديث الجارية فيه الحكم بخيارها، وفى الحديث الثالث، الأمر باستئذانها وهو يقتضي الوجوب. وهذا القول هو الذي تقتضيه قواعد الشرع الحكيمة العادلة. فإذا كان أبوها لا يتصرف بالقليل من مالها بدون إذنها، فكيف يكرهها على بَذْل بضعها وَعشرةِ من تكرهه، ولا ترغب في البقاء معه؟. إن إرغامها على الزواج بمن تكره، هو الحبس المظلم لنفسها، وقلبها، وبدنها وعقلها. والقول به، ينافي العدل والحكمة. وما الفرق بينها وبين الثيب، التي عرفوا لها هذا الحق؟. إن التفريق بينهما، من التفريق بين المتماثلين، الذي يأباه القياس. وما استدل به للقول الأول من قوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها" مفهوم، وعلى القول بكونه حجة، فدليل المنطوق مقدم عليه.

стр. 562

تتمة: عقد النكاح، كبير خطير، وضرره ونفعه عائد على الأسرة كلها. لذا أرى العمل بقوله تعالى ﴿وأمرهم شورى بينهم﴾ وهو أن يبحث من أطرافه، ويتدوال الرأي فيه بين جميع أفراد الأسرة المعتبرين، وأن يستخيروا الله تعالى، ويسألوه التسديد والتوفيق، ويعملوا بما يرون أنه الأحسن والأولى. ويكون للزوجة الرأي الأخير بعد تعريفها وتفهيمها. وإذا تم على هذا، فهو أحرى أن يؤدم بين الزوجين والأسرتين. بَابُ لا ينكح مطَلقته ثَلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره عَن عَاِئشَةَ ﵂ قَالَت: جَاءتِ امْرَأةُ رِفَاعَةَ القُرَظِي إلى النَّبي ﷺ فَقَالَت: كُنْتُ عِندَ رِفَاعَةَ القُرَظِي فَطَلقني فَبَتَّ طلاقي فتزوَّجت بَعْدَهُ عَبْدَ الرحمن بنَ الزُّبير وإنَّمَا مَعَهُ مِثلُ هُدْبَةِ الثوبِ. فَتَبَسَّمَ رسول الله ﷺ وَقَالَ: "أتريدين أنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى تَذوقي عُسيلَتَهُ وَيَذُوق عُسَيْلَتك". فَقَالَت: وأبو بَكر عِنْدَه، وخالد بنُ سَعِيدٍ بالبابِ يَنتظِرُ أنْ يُؤذَنَ لَهُ، فنادى: "يَا أبَا بَكْر، ألا تَسْمَعُ إلى هذِهِ مَا تَجْهَرُ بهِ عِنْدَ رَسُول الله ﷺ ؟. الغريب: فبت طلاقي: بتشديد التاء المثناة. أصله: القطع، والمراد طلقها الطلقة الأخيرة من الطلقات الثلاث، كما في صحيح مسلم "فطلقها آخر ثلاث تطليقات (١) . الزبيِر: بفتح الزاي، بعدها باء مكسورة، ثم ياء، ثم راء. هُدْبة: بضم الهاء، وإسكان الدال. بعدها موحدة: هي طرف الثوب الذي لم ينسج، شبهوها بهدب العين. أرادت أن ذَكرَه، يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار. عسَيلته: بضم العين، وفتح السين. تصغير عسلة، وهي كناية عن الجماع. شبه لذته بلذة العسل وحلاوته.

стр. 563

المعنى الإجمالي: جاءت امرأة رفاعة القرظي شاكية حالها إلى النبي ﷺ . فأخبرته أنها كانت زوجاً لرفاعة، فبتَّ طلاقها بالتطليقة الأخيرة، وهي الثالثة من طلقاتها، وأنها تزوجت بعده (عبد الرحمن بن الزبِير) فلم يستطع أن يمسها لأن ذكرَه ضعيف رِخْو، لا ينتشر. فتبسم النبي ﷺ من جهرها وتصريحها بهذا الذي تستحي منه النساء عادة، وفهم أن مرادها، الحكم لها بالرجوع إلِى زوجها الأول رفاعة. حيث ظنت أنها بعقد النكاح من عبد الرحمن قد حلت له. ولكن النبي ﷺ أبى عليها ذلك، وأخبرها بأنه لابد- لحل رجوعها إلى رفاعة- من أن يطأها زوجها الأخير. وكان عند النبي ﷺ أبو بكر، وخالد بن سعيد، بالباب ينتظر الإذن بالدخول فنادى خالد أبا بكر، متذمرا من هذه المرأة التي تجهر بمثل هذا الكلام عند رسول الله ﷺ ، كل هذا، لما له في صدورهْم من الهيبة والإجلال. ﷺ ورضي اللَه عنهم وأرضاهم، ورزقنا الأدب معه، والإتباع له. ما يؤخذ من الحديث: ١- أن المراد ببَت الطلاق هنا، الطلقة الأخيرة من الثلاث، كما بينته الرواية الأخرى كما تقدم في شرح [الغريب] . ٢- أنه لا يحل بعد هذا البت المذكور هنا أن ينكحها زوجها، الذي بت طلاقها إلا بعد أن تتزوج غيره، ويطأها الزوج الثاني، فيكون المراد بقوله تعالى: ﴿حَتى تَنكِح زوجا غَيْرَهُ﴾ الوطء، لا مجرد العقد قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول، فلا تحل له حتى يجامعها الثاني. ٣- المراد بالعسيلية، اللذة الحاصلة بتغيب الحشفة ولو لم يحصل إنزال مَني، وعليه إجماع العلماء، فلابد من الإيلاج لأنه مظنة اللذة. ٤- أنه لابد من الانتشار، وإلا لم تحصل اللذة المشترطة. ٥- أنه لا بأس من التصريح بالأشياء التي يستحي منها للحاجة، فقد أقرها النبي ﷺ على ذلك، وتبسم من كلامها. ٦- حسن خلق النبي ﷺ ، وطيب نفسه. اللهم ارزقنا اتباعه، والإقتداء به. آمين. اختلاف العلماء: موضع ذكر هذا الخلاف هو (باب الطلاق) وبما أن المؤلف لم يأت هناك بما يشير إليه

стр. 564

وجاءت مناسبته هنا، فإني أذكره لقوته، وللحاجة إليه. فقد اختلف العلماء فيمن أوقع الطلاق الثلاث دفعة واحدة، أو أوقعها بكلمات ثلاث لم يتخللها رجعة، فهل تلزمه الطلقات الثلاث، فلا تحل له زوجته إلا بعد أن تنكح زوجا غيره، وتعتد منه، أم أنها تكون طلقة واحدة، له رجعتها مادات في العدة، وبعد العدة يعقد عليها ولو لم تنكح زوجاً غيره؟. اختلف العلماء في ذلك اختلافا طويلا عريضا، وعُذب من أجْل القول بالرجعة بها جماعة من الأئمة والعلماء، منهم شيخ الإسلام، ابن تيميه، وبعض أتباعه. وما ذلك إلا لأن القول بوقوعها، هو المشهور من المذاهب الأربعة. وكأن من خرج عنها لقوة دليل أو لاتباع إمام من سَلَفِ الأمة ليس على الحق. قاتل الله التعصب والهوى، وهى مسألة طويلة. ولكننا -نسوق- هنا- ملخصا فيه الكفاية. ذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة، وجمهور الصحابة والتابعين: إلى وقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة إذا قال (أنت طالق ثلاثا) ونحوه أو (بكلمات) ولو لم يكن بينهن رجعة. ودليلهم حديث ركانة بن عبد الله (أنه طلق امرأته البتة) فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال: " والله ما أردتَ إلا واحدة؟ ". قال ركانة: (والله ما أردتُ إلا واحدة) يستحلفه ثلاثا. وهذا الحديث أخرجه الشافعي، وأبو داود، والترمذي وصححه، وابن حبان، والحاكم. ووجه الدلالة من الحديث، استحلافه ﷺ للمطلق أنه لم يرد بالبتة إلا واحدة، فدل على أنه لو أراد بها أكثر، لوقع ما أراده. واستدلوا أيضا بما في صحيح البخاري عن عائشة " أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت فطلقت". فسئل رسول الله ﷺ : أتحل للأول؟. قال: " لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول" ولو لم تقع الثلاث لم يمنع رجوعها إلى الأول إلا بعد ذوق الثاني عسيلتها.

стр. 565

واستدلوا أيضا بعمل الصحابة، ومنهم عمر بن الخطاب ﵃ على إيقاع الثلاث بكلمة واحدة ثلاثا، كما نطق بها المطلق. وكفى بهم قدوة وأسوة. ولهم أدلة غير ما سقْنَا، ولكن ما ذكرنا، هو الصريح الواضح لهم. وذهب جماعة من العلماء: إلى أن موقع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، أو بكلمات لم يتخللها رجعة، لا يقع عليه إلا طلقة واحدة. وهو مروي عن الصحابة، والتابعين، وأرباب المذاهب. فمن الصحابة القائلين بهذا القول، أبو موسى الأشعري، وابن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام. ومن التابعين، طاوس، وعطاء، وجابر بن زيد، وغالب أتباع ابن عباس، وعبد الله بن موسى، ومحمد بن إسحاق. ومن أرباب المذاهب، داود وأكثر أصحابه، وبعض أصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك، وبعض أصحاب أحمد، منهم المجد عبد السلام بن تيميه، وكان يفتي بها سرا، وحفيده شيخ الإسلام (ابن تيميه) يجهر بها ويفتي بها في مجالسه، وقد عذِّبَ من أجل القول بها، هو وكثير من أتباعه. ومنهم ابن القيم الذي نصرها نصرا مؤزرا في كتابيه [الهدى] و [أعلام الموقعين] فقد أطال البحث فيها، واستعرض نصوصها، وردَ على المخالفين بما يكفى ويشفى. واستدل هؤلاء بالنص، والقياس. فأما النص، فما رواه مسلم في صحيحة [أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وفي صدر من إمارة عمر؟ قال: نعم] وفي لفظ [ترد إلى واحدة؟ قال: نعم] . فهذا نص صحيح صريح، لا يقبل التأويل والتحويل. وأما القياس، فإن جَمْعَ الثلاث محرم وبدعة، والنبي ﷺ يقول: [من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد] وإيقاع الثلاث دفعة واحدة ليس من أمر الرسول، فهو مردود مسدود.

стр. 566

وأجاب هؤلاء عن أدلة الجمهور بما يأتي. أما حديث ركانة، فقد ورد في بعض ألفاظه (أنه طلقها ثلاثا) وفى لفظ (واحدة) وفى لفظ (البتة) ولذا قال البخاري: إنه مضطرب. وقال الإمام أحمد: طرقه كلها ضعيفة، وقال بعضهم: في سنده مجهول، وفيه من هو ضعيف متروك. قال شيخ الإسلام: وحديث ركانة ضعيف عند أئمة الحديث، ضعفه أحمد والبخاري وأبو عبيد وابن حزم بأن رواته ليسوا موصوفين بالعدل والضبط. وأما حديث عائشة فالاستدلال به غير وجيه، إذ من المحتمل مرادها بالثلاث نهاية ما للمطلق من الطلقات الثلاث، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، وهو مجمل يحمل على حديث ابن عباس المبين كما جاء في الأصول. وأما الاستدلال بعمل الصحابة، فما أولاهم بالاقتداء والاتباع. ونحن نقول: إنهم يزيدون عن مائة ألف، وكل هذا الجمع الغفير- وأولهم نبيهم- يعدون الثلاث واحدة حتى إذا توفى ﷺ وهي على ذلك، وجاء خليفته الصديق فاستمرت الحال على ذلك حتى توفى، وخلفه عمر ﵁، فمضى صدر خلافته والأمر كما هو على عهد النبي ﷺ وعهد الصديق، بعد ذلك جعلت الثلاث واحدة كما بَينا سببه وبيانه. فصار جمهور الصحابة ممن قضى نحبه قبل خلافة عمر، أو نزحت به الفتوحات فبل مجلسه الذي عقده لبقية الصحابة المقيمين عنده في المدينة. فعلمنا -حينئذ- أن الاستدلال بعمل الصحابة منقوض بما يشبه إجماعهم في عهد الصديق على خلافه. وعمل عمر بن الخطاب رضي اللَهْ تعالى عنه حاشاه وحاشا من معه أن يعملوا عملا يخالف ما كان على عهد النبي ﷺ وإنما رأى أن الناس تعجلوا، وأكثروا من إيقاع الطلاق الثلاث وهو بدعة محرمة، فرأى أن يلزمهم بما قالوه، تأديبا وتعزيرا على ما ارتكبوا من إثم، وما أتوه عن ضيق هم في غنى عنه ويسر وسعة. وهذا العمل من عمر ﵁ اجتهاد من اجتهاد الأًئمة، وهو يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ولا يستقر تشريعاً لازما لا يتغير، بل المستقر اللازم هو التشريع الأصلي لهذه المسألة. قال شيخ الإسلام ﵀: وإن طلقها ثلاثا في طهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات،

стр. 567

مثل (أنت طالق ثلاثا) أو (أنت طالق وطالق وطالق) أو (أنت طالق ثم طالق ثم طالق) أو يقول: أنت طالق، ثم يقول: أنت طالق، ثم يقول: أنت طالق. أو عشر طلقات، أو مائة طلقة، ونحو ذلك من العبارات. فهذا للعلماء من السلف والخلف فيه ثلاثة أقوال، سواء كانت مد خولا بها أو غير مدخول بها. أحدها: أنه طلاق مباح لازم، وهو قول الشافعي وأحمد في الرواية القديمة عنه، اختارها الخرقي. الثاني: أنه طلاق محرم لازم، وهو. قول مالك وأبي حنيفة وأحمد، اختارها أكثر أصحابه، وهذا القول منقول عن كثير من السلف والخلف من الصحابة والتابعين. الثالث: أنه محرم ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة، وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف من الصحابة، وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد. وهذا القول (الثالث) هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة. وليس في الكتاب والسنة مايو جب الإلزام بالثلاث بمن أوقعها جملة بكلمة أو كلمات بدون رجعة أو عقد. بل إنما في الكتاب والسنة الإلزام بذلك من طلق الطلاق الذي أباحه الله ورسوله. وعلى هذا يدل القياس والاعتبار بسائر أصول الشرع ... (و) لا نزاع بين المسلمين أن الرسول ﷺ معصوم فيما يبلغه عن الله تعالى، فهو معصوم فيما شرعه للأمة بإجماع المسلمين، وكذلك الأمة أيضا معصومة أن تجتمع على ضلالة. وقال رحمه الله تعالى في موضع آخر: والفرق ظاهر بين الطلاق والحلف به، وبين النذر والحلف بالنذر، فإذا كان الرجل يطلب من الله حاجة فقال: إن شفى الله مريضي أو قضى دينيٍ أو خلصني من هذه الشدة فلله علي أن أتصدق بألف درهم أو أصوم شهرا أو أعتق رقبة، فهذا تعليق نذر يجب عليه الوفاء به بالكتاب والسنة والإجماع. وإذا علق النذر على وجه اليمين فقال: إن سافرت معكم أو إن زوجت فلانا فعلي الحج، أو فمالي صدقة، فهذا عند الصحابة وجمهور العلماء هو حالف بالنذر ليس بناذر، فإذا لم يف بما الزمه أجزأه كفارة يمين. هذه خلاصة سقناها في بيان هذه المسألة الشهيرة الطويلة الأطراف. وعلى كلا القولين، فالقول به لا يوجب هذه الثورات التي قسمت المسلمين طالما أنها مسألة فرعية خلافية. والله أعلم.

стр. 568

باَبُ عشرَة النسَاء في هذا الباب يتكلم العلماء على معاشرة كل واحد من الزوجين لصاحبه. فيبينون شيئا من حقوق الرجل، وبعضا من حقوق المرأة على زوجها، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك في مقدمة [كتاب النكاح] . وخلاصة ما نقوله هنا: أن لكل من الزوجين على صاحبه حقوقا، فليحرص كل منهما على أداء ما عليه، تاما غير منقوص. ومع هذا فالأولى أن لا يشدد صاحبها باستيفائها واستقصائها. فإذا راعى كل واحد منهما هذه المعاملة الرشيدة الحكيمة، استقامت أمورهم وصلحت أحوالهم. وإن تشدد كل منهما في طلب حقه كاملا، وتساهل من عليه الحق في أدائه، فثمرة ذلك العيش النكد، والعشرة المُرة، التي يعقبها الفراق، وتفكك الأسر، وينزع عنهم الرحمة، التي سألها النبي ﷺ لمن هو (سمح إذا قضى، سمح إذا اقتضى) . الحديث الأول عَنْ أنَس بن مالك ﵁ قَالَ: مِن السنةِ إذَا تزَوَّجَ البِكْرَ عَلى الثيب أقَامَ عِنْدَهَا سبعا ثم قَسَمَ. وإذَا تَزَوج الثيبَ أقام عِنْدَهَا ثَلاثاً ثُم قَسَم. قَالَ أبو قِلابَة: ولَو شئتُ لقُلْتُ: إنَ أنَسا رفَعَهُ إلى النبي ﷺ . المعنى الإجمالي: العدل في القسم بين الزوجات واجب، والميل إلى إحداهن ظلم. ومن مال جاء يوم القيامة وشِقه مائل، وذلك من جنس عمله. فيجب العدل بينهن فيها هو من مُكْنة الإنسان وطاقته. وما لا يقدر عليه -مما هو في غير استطاعته كالوطء ودواعيه مما يكون أثر المحبة- فهذا خارج عن طوقه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. ومن القَسْمِ الواجب، ما ذكر في هذا الحديث، من أنه إذا تزوج البكر على الثيب، أقام عندها سبعا يؤنسها، ويزيل وحشتها وخجلها، لكونها حديثة عهد بالزواج، ثم قسم لنسائه بالسوية. وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا، لكونها أقل حاجة إلى هذا من الأولى. وهذا الحكم الرشيد، جَاء في هذا الحديث الذي له حكم الرفع، لأن الرواة إذا قالوا: من السنة، فلا يقصدون إلا سنة النبي ﷺ .

стр. 569

الحديث الثاني عَنِ ابنِ عباس ﵄ قَال: قال رسول الله ﷺ : "لو أن أحَدَكُم إذَا أرَادَ أن يأتي أهْلَهُ قَال: بسْمِ الله، اللَّهمَّ جنبنا الشيطان وجَنبِ الشيطَانَ ما رزقتنا فَإنهُ إن يقدر بَينهُمَا وَلَدْ في ذلك لم يضره الشيطان أبَدَاً". المعنى الإجمالي: يبين النبي ﷺ في هذا الحديث الشريف شيئا من آداب الجماع، وهو أنه ينبغي للرجل إذا أراد جماع زوجته أو أمته أن يقول: "بسم الله" فإن كل أمر لا يبدأ فيه بـ "بسم الله" فهو أبتر. وأن يقول الدعاء النافع "اللَّهُم جَنبْنَا الشيطان وَجَنب الشيطان مَا رَزَقْتَنَا" فإن قدر الله تعالى لهما ولدا من ذلك الجماع، فسَيكون -ببركة اسم الله تعالى وهذا الدعاء المبارك- في عصمة، فلا يضره الشيطان. وبمثل هذه الآداب الشريفة تكون عادات الإنسان عبادات، حينما تقترن بالآداب الشرعية، والنية الصالحة في إتيان هذه الأعمال. تنبيه: ذكر القاضي عياض: أنه لم يحمل هذا الحديث على العموم في جميع الضرر والوسوسة والإغواء. ذكر (ابن دقيق العيد) أنه يحتمل حمله على عموم الضرر، حتى الديني، ويحتمل أن يؤخذ خاصا بالنسبة للضرر البَدَني، وقال: هذا أقرب، وإن كان التخصيص على خلاف الأصل، لأننا لو حملناه على العموم، اقتضى ذلك أن يكون. معصوما من المعاصي كلها، وقد لا يتفق ذلك، ولابد من وقوع ما أخبر به ﷺ . وأحسن ما يقال في هذا المقام وأمثاله: أن الشارع جعل لكل شيء أسبابا ومواقع. فإن وُجِدَت الأسباب، وانتفت الموانع، وُجدَ المسبب الذي رتب عليه. وإن لم توجد الأسباب، أو وجِدَتْ، ولكن حصلت معها الموانع، لم يقع. فهنا قد يُسَمي المجامع، ويستعيذ، ولكن توجد موانع تقتضي إبطال السبب أو ضعفه، فلا تحقق المطلوب. وبهذا يندفع الإشكال الذي تحير فيه (تقي الدين بن دقيق العيد) في هذه المسألة.

стр. 570

فائدة: قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وأما العزل فقد حرمه طائفة من العلماء، لكن مذهب الأئمة الأربعة أنه يجوز بإذن المرأة. فائدة ثانية: وقال أيضا: المرأة إذا تزوجت كان زوجها أملك بها من أبويها، وطاعة زوجها عليها أوجب، فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه، سواء أمرها أبوها أو أمها باتفاق الأئمة. وإذا أراد الرجل أن ينتقل بها من مكان إلى مكان آخر مع قيامه بما يجب عليه وحفظ حدود الله فيها ونهاها أبوها عن طاعته في ذلك، فعليها أن تطيع زوجها دون أبويها، فإن الأبوين هما ظالمان، ليس لهما أن ينهياها عن طاعة مثل هذا الزوج. بَابُ النّهي عن الخلْوَة بِالأجنبية عَنْ عُقْبَةَ بن عَامِر: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إياكم وَالدُّخُولَ عَلَى النسَاءَ ". فَقَالَ رجل مِنَ الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الْحَموَ؟ قَالَ: "الحموُ الْمَوتُ". ولـ (مسلم) عن أبى الطَّاهِرِ عنِ ابن وهْبٍ قَالَ: سمعت الليثَ يَقُولُ: الحَمْوُ أخو الزَّوْجِ وَمَا أشبهه مِن أقَارِب الزوْج، ابن الْعَمٌ وَنَحْوه. الغريب: إياكم: مفعول بفعل مضمر، تقديره، اتقُوا الدخول. نصب على التحذير، وهو: - تنبيه المخاطب على محذور، ليتحرز عنه. وتقدير الكلام: قوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء،: النساء أن يدخلن عليكم. و (الدخول) معطوف على المنصوب. أرأيت الحمو: يعنى أخبرنا عن حكم خلوة الحمو. والحمو: بفتح الحاء وضم الميم وبعدها واو لم يهمز، هو: قريب الزوج، من أخ، وابن عم، ونحوهما. قال النووي: اتفق أهل اللغة على أن الأحماء أقارب زوج المرأة، كأبيه وعمه وأخيه وابن عمه ونحوهم.

стр. 571

الحمو الموت: شبه (الحمو) بالموت، لما يترتب على دخوله الذي لا ينكر، من الهلاك الديني. قال في فتح الباري: والعرب تصف الشيء المكروه بالموت. المعنى الإجمالي: يحذر النبي ﷺ من الدخول على النساء الأجنبيات، والخلوة بهن، فإنه ماخلا رجل بامرأة، إلا كان الشيطان ثالثهما فإن النفوس ضعيفة، والدوافع إلى المعاصي قوية، فتقع المحرمات، فنهى عن الخلوة بهن ابتعادا عن الشر وأسبابه. فقال رجل: أخبرنا يا رسول الله، عن الحمو الذي هو قريب الزوج، فربما احتاج، إلى دخول بيت قريبه الزوج وفيه زوجته، أما له من رخصة؟. فقال ﷺ : الحمو الموت، لأن الناس قد جروا على التساهل بدخوله، وعدم استنكار ذلك، فيخلو بالمرأة الأجنبية، فربما وقعت الفاحشة وطالت على غير علم ولا ريبه، فيكون الهلاك الديني، والدمار الأبدي، فليس له رخصة، بل احذروا منه ومن خلواته بنسائكم، إن كنتم غيورين. ما يستفاد من الحديث: ١- النهي عن الدخول على الأجنبيات والخلوة بهن، سدا لذريعة وقوع الفاحشة. ٢- أن ذلك عام في الأجانب من أخي الزوج وأقاربه، الذين ليسوا محارم للمرأة. قال ابن دقيق العيد: ولا بد من اعتبار أن يكون الدخول مقتضيا للخلوة، أما إذا لم يقتض ذلك فلا يمتنع. ٣- التحريم -هنا- من باب تحريم الوسائل، والوسائل لها أحكام المقاصد. ٤- الابتعاد عن مواطن الزلل عامة، خشية الوقوع في الشر. ٥- قال شيخ الإسلام: كان عمر بن الخطاب يأمر العزاب ألا يسكنوا بين المتأهلين، وألا يسكن المتأهل بين العزاب، وهكذا فعل المهاجرون لما قدموا المدينة على عهد النبي ﷺ .

стр. 572

بَابُ الصَّدَاق هو العِوَضُ الذي في النكاح أو بعده، للمرأة. بمقابل استباحة الزوج بضعها وله عدة أساء، وفيه عدة لغات. وهو مشروع فْي الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَآتوا النِّسَاءَ صَدُقاتهِن نِحْلَة﴾ وغيرها من الآيات. وأما السنة، ففعله، وتقريره، وأمره. كقوله: "التمس ولو خاتما من حديد". وأجمع العلماء على مشروعيته، لتكاثر النصوص فيه. وهو مقتضي القياس، فإنه لابد من الاستباحة بالنكاح، ولابد لذلك من العوض. ولم يجعل الشرع حدا لأكثره ولا لأقله، إلا أنه يستحب تخفيفه لقوله ﷺ : "أعظم النساء بركة، أيسرهن مؤنة". ولما رواه الخمسة عن عمر بن الخطاب قال: "ما أصدق رسول الله ﷺ امرأة من نسائه "، ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية". والصالح العام يقتضي تخفيفه، فإن في ذلك مصلحة كبيرة للزوجين وللمجتمع. فكم من نساء جلسن بلا أزواج، وكم من شبان، قعدوا بلا زوجات. بسبب المغالاة في المهور والنفقات، التي خرجت إلى حَد السرف والتبذير. وجلوس الجنسين بلا زواج، يحملهم على ارتكاب الفواحش والمنكرات. وكم من مفاسد وأضرار، تولدت عن هذا السرف، فمنها الاجتماعية، والأخلاقية، والمالية وغيرهما. وإذا بلغت الحال إلى ما نرى ونسمع، فالذي نعتقد أنه لابد من تدخل الحكومات في هذه المسألة، لِحَل هذه الأزمة، وإلزام الناس بطرق عادلة مستقيمة، والله ولي التوفيق.

стр. 573

الحديث الأول عَن أنَس بن مَالِكٍ رَضي الله عَنْة أن النبي ﷺ أعتَقَ صَفيةَ وَجَعَل عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. المعنى الإجمالي: كانت صفية بنت حُيي، أحد زعماء بنى النضير وكانت زوجة كنانة بن أبي الحقيق فقتل عنها يوم خيبر. وقد فتح النبي ﷺ (خيبر) عنوة، فصار النساء والصبيان أرقاء للمسلمين بمجرد السبي. ووقعت صفية في قسم دِحْيةَ بن خليفة الكلبي، فعوضه عنها غيرها واصطفاها لنفسه، جبراً لخاطرها، ورحمة بها لعزها الذاهب. ومن كرمه إنه لم يكتف بالتمتع بها أمة ذليلة، بل رفع شأنها، بإنقاذها من ذُل الرقِّ وجعلها إحدى أمهات المؤمنين. وذلك: أنه أعتقها، وتزوجها، وجعل عتقها صداقها. ما يؤخذ من الحديث: ١- جواز عتق الرجل أمته، وجعل عتقها صداقاً لها، وتكون زوجته. ٢- أنه لا يشترط لذلك إذنها ولا شهود، ولا ولي، كما لا يشترط التقيد بلفظ الإنكاح، ولا التزويج. ٣- فيه دليل على جواز كون الصداق منفعة دينية أو دنيوية: ٤- وفي مثل هذه القصة في زواج النبي ﷺ ، ما يدل على كمال رأفته وشفقته وعمله بما يقول، حيث قال: "ارحموا عزيز قوم ذل". فهذه أرملة فقدت أباها مع أسرى بني قريظة المقتولين، وزوجها في معركةْ خيبر وهما سيدا قومهما، ووقعت في الأسر والذل. وبقاؤها تحت أحد أتباعه زوجة أو أمة، ذل لها وكسر لِعزها، ولا يرفع شأنها، ويجبر قلبها إلا أن تنقل من سيد إلى سيد، فكان هو أولى بها. وبهذا تعلم أن هذا التعدد الذي وقع له ﷺ في الزوجات، ليس إرضاء لرغبة جنسية، كما يقول أعداء هذا الدين والكائدون له، وإلا لقصد إلى الأبكار الصغار، ولم يكن زواجه من ثيبات انقطعن لفقد أزواجهن. ولو استعرضنا قصة زواجه بهن، واحدة واحدة، لوجدنها لا تخرج عن هذه المقاصد الرحيمة النبيلة، فحاشاه وما أبعده عما يقول المعتدون الظالمون!! وقد صنف في هذا الموضوع عدد من الكتاب المحدثين مثل عباس محمود العقاد وبنت الشاطئ.

стр. 574

اختلاف العلماء: اختلف العلماء في جواز جعل العتق صداقا. فذهب الإمام أحمد وإسحاق: إلى جوازه، عملا بقصة زواج صفية، وبأنه القياس الصحيح، لأن السيد مالك لرقبة أمَته ومنفعتها ومنفعة وطئها. فإذا أعتقها واستبقى شيئا من منافعها، التي هي تحت تصرفه، فما المانع من ذلك، وما هو المحذور؟ وذهب الأئمة الثلاثة: إلى عدم جواز ذلك. وتأولوا الحديث بما يخالف ظاهره، أو حملوه على الخصوصية للنبي ﷺ . وحمل الحديث على خلاف ظاهره أو جعله خاصا، يحتاج إلى بيان ودليل، لأن الأصل بقاء الحديث على الظاهر، كما أن الأصل في الأحكام، العموم. ولو كان خاصا، لنقِل. الحديث الثاني عَنْ سَهل بن سَعدٍ الساعِدِي: أن النبي ﷺ أعتَقَ صَفيةَ وَجَعَل عِتْقَهَا صَدَاقَهَا. أن رَسُولَ الله ﷺ جَاءَتهُ امرَأة فَقَالت: إني وَهَبْت نَفْسي لَكَ، فَقَامَتْ طَوِيلا. فقال رَجُل: يا رسول الله، زوجنيها إنْ لَم يَكُنْ لَك بِهَا حَاجَة. فَقَالَ: "هَلْ عِنْدَكَ مِِن شيء تُصْدِقُهَا"؟ فقال: مَا عِنْدِي إلا إزاري هذَا. فَقَال رسول الله ﷺ : " إنْ أعطَيتَهَا إزَارَكَ جَلستَ وََلا إزارَ لكَ، فَالتمس ِ شيئَاً". قالَ: مَا أجِدُ، قالَ: (التمس ولو خاتما مِنْ حديد) . فَالتمس فََلم يَجِد شَيئاً. فَقَال رسول الله ﷺ : " هَل مَعَكَ شيء مِنَ القُرآنِ "؟ قال: نعم. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "زَوجتُكَهَا بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآن". المعنى الإجمالي: خُص النبي ﷺ بأحكام ليست لغيره. منها: تزوجه من تهب نفسها له بغير صداق، كما في آية الأحزاب ﴿وامرأةً مُؤمنَة إن وَهبتْ نَفْسَهَا للنبي إن أرَادَ النبي أن يسَتنْكِحَهَا خالصة لَك مِنْ دونِ المُؤمِنينَ﴾ فجاءت هذه المرأة واهبة نفسها، لعلها تكون إحدى نسائه. فنظر إليها فلم تقع في نفسه، ولكنه لمْ يردها، لئلا يخجلها، فأعرض عنها، فجلست، فقال رجل: يا رسول الله، زَوجْنيهَا إن لم يكون لك بها حاجة. وبما أن الصداق لازم في النكاح، قال له: هل عندك من شيء تصدقها؟. فقال: ما عندي إلا إزاري. إذا أصدقها إزاره يبقى عريانا لا إزار له، فلذلك قال له: "التمس، ولو خاتَماً

стр. 575

من حديد". فلما لم يكن عنده شيء قال: "هل معك شيء من القرآن؟ " قال: نعم. قال ﷺ : زوجتكها بما معك من القرآن، تعلمها إياه، فيكون صداقها. ما يستفاد من الحديث: ١- جواز عرض المرأة نفسها، أو الرجل ابنته، على رجل من أهل الخير والصلاح. ٢- جواز نظر من له رغبة في الزواج إلى المرأة التي يريد الزواج منها، والحكمة في ذلك، ما أشار إليه ﷺ بقوله: "انظر إليها، فهو أحرى أن يؤدم بينكما". والمسلمون -الآن- بين طَرَفَيْ نقيض. فمنهم: المتجاوزون حدود الله تعالى، بتركها به خطيبها في المسارح، والمتنزهات، وا لمرحلات، والخلوات. ومنهم: المقضرون الذين يُكِنونَها فلا يصل إلى رؤيِتها من يريد الزواج. وسلوك السبيل الوسط هو الحق كما قال تعالى: ﴿وَكَان بَيْنَ ذلِكَ قَوَاماً﴾ . ٣- ولاية الإمام على المرأة التي ليس لها ولي من أقربائها. ٤- أنه لابد من الصداق في النكاح، لأنه أحد العوضين. ٥- يجوز أن يكون يسيرا جداً للعجز لقوله: "ولو خاتما من حديد". على أنه يستحب تخفيفه للغني والفقير. لما في ذلك من المصالح الكثيرة وقد تقدم بيات ذلك. ٦- الأولى ذكر الصداق في العقد ليكون، أقطع للنزاع، فإن لم يذكر، صح العقد، ورجع إلى مهر المثل. وجرت العادة الآن، أن يرسله الرجل إلى المرأة قبل العقد، فترضى به المرأة وأهلها، وبعد الرضا يكون العقد، فحينئذ لا يكون ثم حاجة إلى ذكره في العقد. ٧- أن خطبة العقد لا تجب، حيث لم تذكر في هذا الحديث. ٨- أنه يصح أن يكون الصداق منفعة، كتعليم قرآن، أو فقه، أو أدب، أو صنعة، أو غير ذلك من المنافع. ومنع بعضهم إصداق تعليم القرآن، بدعوى الخصوصية لهذا الرجل، أو التأويل، بأن تزويجه بها لكونه من أهل القرآن. وليس بشيء لأن الأصل أن الأحكام عامة وأنه قد ورد في ألفاظ الحديث" فَعَلمْهَا من القرآن". ٩- أن النكاح ينعقد بكل لفظ دال عليه. والدليل على ذلك، ألفاظ الحديث. فقد ورد بلفظ "زوجتكها" وبلفظ "مَلَّكْتُكَهَا" وبلفظ "أمكَناكَهَا". والذين قيدوا العقد بلفظ خاص، يرجحون لفظ التزويج على غيره.

стр. 576

قال ابن حجر: الذي تحرر مما قدمته أن الذين رووه بلفظ التزويج أكثر عددا ممن رووه بغير لفظ التزويج ولا سيما وفيهم من الحفاظ مثل ذلك. وما دام ورد في ألفاظ الحديث -وهو محتمل- فليس هناك مانع من أن الألفاظ الثلاثة وقعت بمناسبة سياق الكلام. والمحاورة مع الخاطب وألفاظ العقود والفسوخ في جميع المعاملات، ليست ألفاظاً مقيداً بها، كالأذان وتكبير الصلاة، وإنما جاءت ليستدل بها على معانيها. فأي لفظ أدَّى المعنى المراد، فهو صالح. وهو قول الحنفية والمالكية واختيار شيخ الإسلام (ابن تيميه) و (ابن القيم) . ١٠- في الحديث حسن خلقه ولطفه ﷺ ، إذ لم يردها حين لم يرغب فيها، بل سكت حتى طلبها منه بعض أصحابه. ١١- قال بعض العلماء: لا دلالة بحديث الكتاب على جواز لبس خاتم الحديد، لأنه لا يلزم من جواز الاتخاذ جواز اللبس، وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ وعليه خاتم من حديد، فقال: مالي أرى عليك حلية أهل النار؟ فطرحه. وقد أخرج هذا الحديث أصحاب السنن. الحديث الثالث عَنْ أنَس بن مالِكٍ ﵁: أنَ رَسُولَ الله ﷺ رَأى عبد الرحمن بن عَوف وَعَلَيْهِ ردع زعفران، فَقالَ النبي ﷺ (مَهْيَم) ؟. فَقَالَ يا رسول الله، تَزَوَّجْتُ امْرَأةً. فَقَالَ: "مَا أصْدَقْتَهَا"؟ قالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهبَ. قَالَ ﷺ : " بَارَكَ الله لَكَ، أولم وَلَو بشاة ". الغريب: ردع: بفتح الراء، ودال مهملة، ثم عين مهملة. وقال الزركشي. ولو قرىء بالمعجمة لصح من جهة المعنى، وهو أثر الزعفران وخضابه قال في القاموس. و (الردع، الزعفران أو لطخ منه وأثر الطيب في الجسد) . ْمَهْيَمْ: بفتح الميم، وسكون الهاء، بعدها ياء مفتوحة، ثم ميم ساكنة، اسم فعل أمر بمعنى (أخبرني) عند ابن مالك. وقال الخطابي: (كلمة يمانية، معناها: مالك وما

стр. 577

شأنك) ؟. وكأنه أنكر عليه الصفرة التي عليه، والطيب الذي يظهر أثره، فيليق بالنساء، فلما علم أنه أصابه من زوجه، رَخص له. وزن نواة من ذهب. معيار للذهب معروف لديهم. قالوا: إنه وزن خمسة دراهم. أولم: فعل أمر، مشتق من الوليمة، وهو طعام الإملاك. المعنى الإجمالي: رأى النبي ﷺ على (عبد الرحمن بن عوف) شيئاً من أثر الزعفران، وكان الأولى بالرجال أن يتطيبوا بما يظهر ريحه، ويخفي أثره. فسأله- بإنكار- عن هذا الذي عليه. فأخبره أنه حديث عهد بزواج، وقد أصابه من زوجه، فرخص له في ذلك. ولما كان ﷺ حَفِيا بهم، عطوفاً عليهم، يتفقد أحوالهم ليقرهم على الحسن منها، وينهاهم عن القبيح، سأله عن صداقه لها. فقال: ما يعادل وزن نواة من ذهب. فدعا الله له ﷺ بالبركة، وأمره أن يولم من أجل زواجه ولو بشاة. ما يؤخذ من الحديث: ١- كراهة التطيب بالزعفران وما يظهر أثره من الطيب، للرجال. ٢- تفقد الوالي والقائد لأصحابه، وسؤاله عن أحوالهم وأعمالهم.، التي تعنيه وتعنيهم. ٣- استحباب تخفيف الصداق. فهذا عبد الرحمن بن عوف، لم يصدق زوجته إلا وزن خمسة دراهم من ذهب. ٤- الإشارة إلى أصل الصداق في النكاح، بناء على مقتضي الشرع والعادة. ٥- الدعاء للمتزوج بالبركة. وقد ورد الدعاء للمتزوج بهذا الدعاء "بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما بخير". ٦- مشروعية الوليمة من الزوج، وأن لا تقل عن شاة إذا كان من ذوى اليسار. قال ابن دقيق العيد: الوليمة: الطعام المتخذ لأجل العرس، وهو من المطلوبات شرعا ولعل من فوائده إشهار النكاح باجتماع الناس للوليمة.

стр. 578

٧- أن يدعي إليها أقارب الزوجين، والجيران، والفقراء، وأهل الخير ليحصل التعارف والتآلف، والبركة، وأن يجتنب السرف، والمباهاة، والخيلاء. ٨- قال شيخ الإسلام: أجمع العلماء على جواز عقد النكاح بدون فرض الصداق، وتستحق مهر المثل إذا دخل بها بإجماعهم. ٩- وقال أيضا: وإذا أصدقها ديناَ كثيرا في ذمته، وهو ينوي ألا يعطيها إياه كان ذلك حراماً عليه. وما يفعله بعض أصحاب الخيلاء والكبرياء من تكثير المهر للرياء والفخر، وهم لا يقصدون أخذه من الزوج، وهو ينوي ألا يعطيهم إياه، فهذا منكر قبيح مخالف للسنة، خارج عن الشريعة. وإن قصد الزوج أن يؤديه، وهو في الغالب لا يطيقه، فقد حمل نفسه وشغل ذمته وتعرض لنقص حسناته، وأهل المرأة قد آذوا صهرهم وضروه.

стр. 579

كتاب الطلاق الطلاق: في اللغة: حل الوثاق. مشتق من الإطلاق، وهو الترك والإرسال. وفي الشرع: حَل عقدة التزويج، والتعريف الشرعي فَرْد من معناه اللغوي العام. قال إمام. الحرمين: هو لفظ جاهلي ورد الشرع بتقريره. وحكمه ثابت في الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح. فأما الكتاب فنحو ﴿الطلاقُ مَرتَانِ﴾ وعيرها من الآيات. وأما السنة، فقوله ﷺ : ﴿أبغض الحلال إلى الله الطلاق﴾ وغيره من فعله وتقريره ﷺ . والأمة مجمعة عليه، والقياس يقتضيه. فإذا كان يتم النكاح بالعقد لمصالحه وأغراضه فإنه يفسخ ذلك العقد بالطلاق، للمقاصد الصحيحة. والأصل في الطلاق، الكراهة، للحديث المتقدم، ولأنه حَل لِعُرى النكاح، الذي رغَّب فيه الشارع، وحث عليه، وجعله سبباً لكثير من مصالح الدين والدنيا. لذا فإن الطلاق سبب في إبطال هذه المصالح وإفسادها، والله لا يحب الفساد. فمن هنا كرهه الشارع، لكنه عند الحاجة إليه نعمة كبيرة، وفضل عظيم، إذ يحصل به الخلاص من العشرة المُرة، وفراق من لا خير في البقاء معه، إما لضعف في الدين، أو سوء في الأخلاق، أو غير ذلك مما يسبب قلق الحياة ونكد الاجتماع. والله حكيم عليم واسع الرحمة. وبهذا تعرف جلال هذا الدين، وسُمُو تشريعاته، وأنها الموافقة للعقل الصحيح، والمتمشية مع مصالح الناس وبشرع الطلاق على الكيفية الآتية في وسط الأحكام وقوام للأمور، خلافا لليهود والمشركين، الذين يطلقون ويراجعون بلا عد، ولا حد. وخلافا للنصارى، الذين لا يبيحون الطلاق، فتكون الزوجة غلا في عنق زوجها وإن لم توافقه، أو لم تحقق مصالح النكاح، ولذا أخذت به أوربا وأمريكا لما رأوا مصالحه، ومنافعه. والله حكيم عليم.

стр. 580

ولو قدم هذا الدين وتشريعاته السمحة إلى الناس كما هي، بعيدة عن أكاذيب المفترين، وخرافات المتنطعين، لأخذ به كل منصف، ولأصبح الدين هو النظام العام، وتحققت رسالته العامة الحديث الأول عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ ﵄: أنَهُ طَلق امْرَأتهُ وَهي حَاِئض، فَذَكرَ ذلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ الله ﷺ ، فتَغَيظ مِنْهُ رسُول الله ﷺ ، ثم قالَ: "ليراجعها ثم يمسكها حَتى تَطْهرَ، ثم تَحِيض فَتَطْهُر، فَإن بَدَا له أن يُطلقَهَا فَليُطلقهَا قَبْل أن يمسها، فَتِلك العدة كمَا أمر الله ". وفي لفظ " حَتى تحِيضَ حَيْضَةَ مستقبلة، سوى حيضتها الَّتي طَلقَهَا فِيهَا ". وفي لفظ: فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاقِهَا، وَرَجَعَهَا عَبْد الله كَمَا أمَرَهُ رسول الله ﷺ . المعنى الإجمالي: طلق عبد الله بن عمر ﵄ امرأته وهي حائض، فذكر ذلك أبوه للنبي ﷺ ، فتغيظ غضبا، حيث طلقها طلاقا محرما، لم يوافق السنة. ثم أمره بمراجعْتها وإمساكها حتى تطهر من تلك الحيضة ثم تحيض أخرى ثم تطهر منها. وبعد ذلك- إن بدا له طلاقها ولم ير في نفسه رغبة في بقائها- فليطلقها قبل أن يطأها. فتلك العدة، التي أمر الله بالطلاق فيها لمن شاء. ومع أن الطلاق في الحيض محرم ليس على السنة، فقد حسبت عليه تلك الطلقة من طلاقها، فامتثل ﵁ أمر نبيه، فراجعها. ما يؤخذ من الحديث: ١- تحريم الطلاق في الحيض، وأنه من الطلاق البِدعِي الذي ليس على أمر الشارع. ٢- أمره ﷺ ابن عمر برجعتها، دليل على وقوعه. ووجهته أن الرجعة لا تكون إلا بعد طلاق، ويأتي الخلاف في ذلك إن شاء الله. والأمر برجعتها يقتضي الوجوب، وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد والأوزاعي، وحمله بعضهم على الاستحباب وذهب إليه الشافعي ورواية عن أحمد واحتجوا بأن ابتداء النكاح ليس بواجب فاستدامته كذلك. ٣- الأمر بإرجاعها إذا طلقها في الحيض، وإمساكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر.

стр. 581

٤- قوله [قبل أن يمسها] دليل على أنه لا يجوز الطلاق في طُهْر جامعَ فيه. ٥- الحكمة في إمساكها حتى تطهر من الحيضة الثانية، هو أن الزوج ربما واقعها في ذلك الطهر، فيحصل دوام العشرة، ولذا جاء في بعض طرق الحديث [فإذا طهرت مسها] . وقال (ابن عبد البر) الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا بالوطء لأنه المقصود في النكاح. وأما الحكمة في المنع من طلاق الحائض، فخشية طول العدة. وأما الحكمة في المنع من الطلاق في الطهر المجامع فيه فخشية أن تكون حاملا، فيندم الزوجان أو أحدهما. ولو علما بالحمل لأحسنا العشرة، وحصل الاجتماع بعد الفرقة والنفرة. وكل هذا راجع إلى قوله تعالى ﴿فَطَلقوهُن لعدتهن﴾ ولله في شرعه حكم وأسرار، ظاهرة وخفية. اختلاف العلماء: ذهب جمهور العلماء- ومنهم الأئمة الأربعة ﵃: إلى وقوع الطلاق في الحيض. ودليلهم على ذلك أمره ﷺ ابن عمر بارتجاع زوجته حين طلقها حائضاً. ولا تكون الرجعة إلا بعد طلاق سابق لها، ولأن في بعض ألفاظ الحديث "فحسبت من طلاقها". وذهب بعض العلماء- ومنهم شيخ الإسلام (ابن تيميه) وتلميذه (ابن القيم) إلى أن الطلاق لا يقع فهو لاغ. واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود والنسائي [أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهى حائض، قال عبد الله: فردها علي ولم يرها شيئا] . وهذا الحديث في (مسلم) بدون قوله: [ولم يرها شيئا] . وقد استنكر العلماء هذا الحديث، لمخالفته الأحاديث كلها. وأجاب (ابن القيم) عن أدلة الجمهور بأن الأمر برجعتها، معناه إمساكها على حالها الأولى، لأن الطلاق لم يقع في وقته المأذون فيه شرعا فهو ملغى، فيكون النكاح بحاله. وأما الاستدلال بلفظ " فحسبت من طلاقها" فليس فيه دليل، لأنه غير مرفوع إلى النبي ﷺ . وأطال (ابن القيم) النقاش في هذا الموضع في كتاب [تهذيب السنن] على عادته في الصولات والجولات، ولكن الأرجح ما ذهب إليه جمهور العلماء. والله أعلم.

стр. 582

الحديث الثاني عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قيْس: أنً أبَا عَمْرِو بْن حَفْص طَلقهَا ألبته وَهُو غَائِب. وفي رواية: طلَقَهَا ثلاثا فأرسل إلَيْهَا وَكِيلَة بِشَعِير، فَسَخِطَته فَقَالَ: والله مَالَكِ عَلَينا منْ شيء. فَجَاءت رَسُول الله ﷺ فَذَكرَتْ ذلِكَ لَهُ، فقالَ: " ليْسَ لكَ عَلَيْهِ نَفَقَة" وفي لفظ "وَلا سكْنَى". فَأمَرَهَا أن تَعتَدً في بَيْتِ أم شَريكٍ، ثم قالَ: " تِلكَ امرَأة يَغشَاهَا أصحابي، اعتدي عنْدَ ابنِ أم َمكتوم، فَإنَهُ رَجُل أعمَى، تَضَعِينَ ثِيابَكِ عِنْدَهُ، فَإذا حللتِ فآذنيني ". قَالتْ: فَلَمَا حلَلتُ ذكرت لَهُ أن مُعَاوِيَةَ بنَ أبي سُفْيَانَ وأبَا جَهْم خَطَبَاني. فقال رسول الله ﷺ : " أما أبو جَهْم فلا يَضَعَُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهٍ، وأما مُعَاوِيَة فصعلوك لا مَالَ له، انكحِي أسامة بنَ زَيد " فَكَرِهَتْهُ. ثم قَالَ: " انكحِي أسامة بنَ زيد " فنكحته، فَجَعَلَ الله فِيهِ خيْرا وَاغْتَبَطْتُ بهِ (١) . الغريب: ألبتة: البت: القطع. قال في (المصباح) (بت الرجل طلاق امرأته، فهي مبتوتة، والأصل مبتوت طلاقها) والمراد- هنا- أنه طلقها طلاقا بائنا لا رجعة فيه. فسخطته: السخط: ضد الرضا، قال في (مختار الصحاح) : أسخطه: أغضبه، وتسخط عطاءه، استقله. فالمراد -هنا- أنها استقلت النفقة. "أم شريك: بفتح الشين وكسر الراء، بعدها ياء، ثم كاف: إحدى فضليات نساء الصحابة ﵃. يغشاها أصحابي: يراد بغشيانهم، كثرة ترددهم إلا، لصلاحها وفضلها. فآذنيني: بمد الهمزة، أي أعلميني. فلا يضع عصاه عن عاتقه: العاتق ما بين العنق والمنكب، وهو مكان وضع العصا. وهذا التعبير، كناية عن شدته على النساء، وكثرة ضربه لهن ويفسر هذا المعنى روايتا (مسلم) . الأولى: "وأما أبو جهم فرجل ضَراب للنساء". والثانية: "وأبو جهم فيه شدة على النساء". و"جهم" مفتوح الجيم، ساكن الهاء. فصعلوك: بضم الماد، التصعلك، هو الفقر، والصعلوك هو الفقير. انكحي أسامة: بكسر الهمزة، ضبطه المطرزي.

стр. 583

المعنى الإجمالي: بَت أبو عمرو بن حفص طلاق زوجته فاطمة بنت قيس. والمبتوتة ليس لها نفقة على زوجها، ولكنه أرسل إليها بشعير، فظنت أن نفقتها واجبة عليه ما دامت في العدة، فاستقلت الشعير وكرهته، فأقسم أنه ليس لها عليه شيء. فشكته إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرها أنه ليس لها نفقة عليه ولا سكنى، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك. ولما ذكر ﷺ أن أم شريك يكثر على بيتها تردد الصحابة، أمرها أن تعتد عند ابن أم مكتوم لكونه رجلا أعمى، فلا يبصرها إذا وضعت ثيابها، وأمرها أن تخبره بانتهاء عدتها. ولعله أرادها لأسامة بن زيد، فخشى أن تعتد فتتزوج قبل أن يعلم. فلما اعتدت خطبها (معاوية) و (أبو جهم) فاستشارت النبي ﷺ في ذلك. بما أن النصح واجب -لا سيما للمستشير- فإنه لم يُشرْ عليها بواحد منهما. ولم يرده لها لأن أبا جهم شديد على النساء وسيئ الخلق، ومعاوية فقير ليس عنده مال، وأمرها بنكاح أسامة، فكرهته لكونه مَوْلَى. ولكنها امتثلت أمر النبي ﷺ ، فقبلته، فاغتبطت به، وجعل الله فيه خيراً كثيراً. ما يؤخذ من الحديث: ١- قوله: "طلقها ثلاثا" ليس معناه، تكلم بهن دفعة واحدة، فهذا محرم غضب منه النبي ﷺ وقال: " أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ ". ولكنه -كما قال النووي-: (كان قد طلقها قبل هذا اثنتين) . وكما ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث في (مسلم) [أنه طلقها طلقة كانت بقيت لها من طلاقها] . ٢- أن المطلقة طلاقاً باتا، ليس لها نفقة ولا سكنى في عدتها، ما لم تكن حاملا. ٣- جواز التعريض بخطبة المعتدة البائن، حيث قال: " فإذا حللت فآذنيني". ٤- ذكر الغائب بما يكره على وجه النصح، ولا يكون- حينئذ- غيبة محرمة. ٥- جواز نكاح غير المكافئ في النسب، إذا رضيت به الزوجة والأولياء فـ (أسامة) قد مسه الرق، وفاطمة قرشية. ٦- وجوب النصح لكل أحد لا سيما المستشير. فمن استشارك فقد ائتمنك، وأداء الأمانة واجب. ٧- تستر المرأة عن الرجال، وابتعادها عن أمكنتهم ومجتمعاتهم. ٨- ليس في أمرها بالاعتداد في بيت ابن أم مكتوم دليل على جواز نظر المرأة إلى الرجل، فقد أمرها بالابتعاد عن الرجال عند هذا الأعمى مع أمرها يغض بصرها عنه؟ قال الله تعالى: ﴿وقلْ لِلْمُؤمنَاتِ يغضضن من أبصارهِن﴾ .

стр. 584

وكما أمر ﷺ أم سلمة وميمونة بالاحتجاب حين دخل ابن أم مكتوم، فقالتا: إنه أعمى. فقال: "أفعمياوان أنتما فليس تبصرانه؟ " حديث حسن في السنن. قال النووي: الصحيح الذي عليه الجمهور وأكثر أصحابنا أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي، كما يحرم نظره إليها. ثم استدل بالآية وقال: إن الفتنة مشتركة، كما يخاف الافتتان بها، يخاف الافتتان به. ويدل عليه من السنة حديث أم سلمة. ٩- جواز الخطبة على خطبة الغيرِ إذا لم يعلم بالخاطب، وعلم أنه لم يُجب ١٠- أن امتثال أمر النبي ﷺ خير وبركة، سواء أحبه الإنسان أو لا. اختلاف العلماء: اختلف العلماء هل للبائن نفقة وسكنى، زمن العدة، أو لا؟ فذهب الإمام أحمد: إلى أنه ليس لها نفقة، ولا سكنى، وهو قول علي، وابن عباس، وجابر. وبه قال عطاء، وطاوس، والحسن، وعكرمة، وإسحاق، وأبو ثور وداود، مستدلين بحديث الباب. وذهب الحنفية إلى أن لها النفقة والسكنى، وهو مروى عن عمر، وابن مسعود وقال به ابن أبى ليلى، وسفيان الثوري، مستدلين بما روى عن عمر: (لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة) . وذهب مالك، والشافعي، إلى أن لها السكنى دون النفقة، وهو مذهب عائشة، وفقهاء المدينة السبعة، ورواية عن أحمد، مستدلين بقوله تعالى: ﴿أسكنوهن مِنْ حَيثُ سكنتم مِنْ وجدكم﴾ . والصحيح، هو القول الأول، لقوة الدليل وعدم المعارض. فأما القول الثاني فضعيف، لأن هذه الكلمة التي استدلوا بها، لم تثبت عن عمر. فقد سئل الإمام أحمد: أيصح هذا عن عمر؟ قال: لا. وعلى فرض صحتها، فصريح كلام النبي ﷺ مقدم كل اجتهاد كل أحد. وأما أصحاب القول الثالث، فلا يستقيم لهم الاستدلال بالآية، لأنها جاءت في حكم الرجعية، لا في حكم البائن. ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿لا تَدري لَعَل الله يحدث بَعدَ ذلِكَ أمرا﴾ . وإحداث الأمر، معناه تغيره نحو الزوجة ورغبته فيها في زمن العدة، وهو مستحيل في البائن.

стр. 585

بَابُ العِدَّة العدة: بكسر العين المهملة مأخوذ من "العدد" بفتح الدال، لأن أزمنة العدة محصورِة. وهي تربص المرأة المحدود شرعا، عن التزويج، بعد فراق زوجها. والأصَل فيه، الكتاب والسنة، والإجماع. فأما الكتاب، فمثل قوله تعالى: ﴿والمُطَلقَاتُ يتربصن بِأنفُسِهِنَّ﴾ الآية وغيرها. وأما السنة، فكثيرة جدا، منها ما تقدم، من أمره ﷺ فاطمة "أن تعتد في بيت أم شريك". وأجمع العلماء عليها، استنادا إلى نصوص الكتاب والسنة الكثيرة. وقد جعل الله ﵎ هذه العدة تتربص فيها المفارقة لحكم وأسرار عظيمة. وهذه الحكم، تختلف باختلاف حال المفارقة. فمنها، العلم ببراءة الرحم، لئلا يجتمع ماء الواطئين في رحم واحد، فتختلط الأنساب، وفى اختلاطها، الشر والفساد. ومنها، تعظيم خطر عقد النكاح، ورفع قدره، وإظهار شرفه. ومنها، تطويل زمن الرجعة للمطلق، إذ لعله يندم، فيكون عنده زمن يتمكن فيه من الرجعة. وهذه الحكمة ظاهرة في عدة الرجعية وأشار إليها القرآن: ﴿لا تدري لَعَل اللَه يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِك أمرا﴾ . وفيه قضاء حق الزوج، وإظهار التأثر لفقده، وهذا في حق المتوفى عنها. ولها حكم كثيرة، لحق الزوج والزوجة، وحق الولد، وحق الله قبل ذلك كله بامتثال أمره. فمجرد اتباع أوامره، سر عظيم من أسرار شرعه، والله الموفق. عَنْ سُبَيِعَة الأسلمية: أنهَا كَانَتْ تَحْتَ سعد بن خَوَلَةَ وهُوَ مِنْ بنى عامِرِ بْنِ لؤَي، وكانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدراً، فتوُفِّى عنها في حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِي حَامِل، فَلَمْ تنشَبْ (تَلبث) أن وَضَعَت حملها بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَا تجمَّلت مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ. فَدَخل عليها أبو السنابل بن بعكك- رجل من بني عبد الدار- فَقَالَ لَهَا: مَالي أراك مُتَجَمِّلة، لَعَلكِ تُرَجَّين للنكَاح؟ والله مَا أنت بِنَاكحٍ حَتَى تَمُر عَلَيْكِ أربَعَةُ أشْهُر وَعَشر.

стр. 586

قَالَت سُبَيْعَةُ: فَلَمَا قَالَ لي ذلِكَ جمعت عَلَىَّ ثِيَابي حِين أمسيْتُ فَأتَيْتُ رسول اللَه ﷺ فَسَألتُهُ عن ذلِكَ، فأفتاني بِأني قَدْ حَلَلتُ حين وَضَعْتُ حَمْلي، وأمرني بالتَّزوِيج إن بَدَا لي. وقال ابنُ شِهَاب: وَلا أرى بِأساً أنْ تَتَزوجَ حِينَ وضعت، وإن كَانَت في دمِهَا، غَير لا يقربها زوجُهَا حَتى تَطهُرَ. الغريب: سُبَيْعَة: بضم السين، وفتح الباء الموحدة. فلم تنشب: بفتح الشين، أي لم تمكث طويلا. تعلت من نفاسها: بفتح العين وتشديد اللام. معناه، ارتفع نفاسها وطهرت من دمها. بعكك: بفتح الباء الموحدة، ثم عين ساكنة، ثم كافين الأولى مفتوحة. المعنى الإجمالي: توفي سعد بن خولة عن زوجته سبيعة الأسلمية وهي حامل. فلم تمكث طويلا حتى وضعت حملها. فلما طِهرت من نفاسها، وكانت عالمة أنها بوضع حملها قد خرجت من عدتها وحلَّت للأزواج، تجملَت. فدخل عليها أبو السنابل، وهى متجملة، فعرف أنها متهيئة للخطاب. فأقسم -على غلبة ظنه- أنه لا يحل لها النكاح حتى يمر عليها أربعة أشهر وعشر، أخذا من قوله تعالى: ﴿والذِين يُتَوَفوْن منكم ويذرون أزْواجاً يتَرَبصْنَ بِأنفُسِهن أربعة أشهُر وعشراً﴾ وكانت غير متيقنة من صحة ما عندها من العلم، والداخل أكَد الحكم بالقسم. فأتت النبي ﷺ ، فسألته عن ذلك، فأفتاها بحلها للأزواج حين وضعت الحمل، فإن أحبت الزواج، فلها ذلك، عملا بقوله تعالى ﴿وَأولاتُ الأحمال أجلُهُن أن يضَعْنَ حَمْلَهُن﴾ . ما يؤخذ من الحديث: ١- وجوب العدة على المتوفى. عنها زوجها. ٢- أن عدة الحامل، تنتهي بوضع حملها. ٣- عموم إطلاق الحمل، يشمل ما وضع، وفيه خلق إنسان.

стр. 587

٤- أن عدة المتوفى عنها -غير حامل- أربعة أشهر وعشر للحرة وشهران وخمسة أيام للأمة. ٥- يباح لها التزويج، ولو لم تطهر من نفاسها، لما روت (فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي.. الخ) رواه ابن شهاب الزهري. ٦- قال شيخ الإسلام: والقرآن ليس فيه إيجاب العدة بثلاثة قروء إلا على المطلقات، لا على من فارقها زوجها بغير طلاق، ولا على من وطئت بشبهة، ولا على المزني بها. توفيق بين آيتين: عموم قوله تعالى: ﴿وَأوَلاتُ الأحْمَال أجلهن أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ يفيد أن كل معتدة بطلاق أو موت، تنتهي عدتها، بوضع حملها. وعموم ِقوله تعالى: ﴿والَذِينَ يُتَوَفَوْنَ منكم ويذرون أزواجا يَتَربصْنَ بأنفُسِهِن أربعَةَ أشْهر وَعَشْر﴾ يفيد أن عدة كل متوفًّى عنها، أربعة أشهر وعشر، سواء كانت حاملا، أو حائلا. ولهذا التعارض، ذهب بعض العلماء- وهم قلة- إلى أن عدة المتوفى عنها أبعد الأجلين، بالأشهر أو الحمل. فإن كان حملها أكثر من أربعة أشهر وعشر، اعتدت به. وإن وضعت قبلهن، اعتدت بالأشهر، خروجا من التعارض. ولكن جمهور العلماء، ومنهم الأئِمة الأربعة، ذوو المذاهب الخالدة- ذهبوا إلى تخصيص آية ﴿والَّذِينَ يُتَوَفْوْنَ منكم﴾ الآية. بحديث سُبَيْعة، الذي معنا، فتكون الآية هذه، خاصة في غير ذوات الأحمال، وأبقوا الآية الأولى على عمومها بأن وضع الحمل غاية كل عدة في حياة أو وفاة. وبهذا التخصيص، تجتمع الأدلة، ويزول الإشكال. ويقصد هذا التخصيص، أن أكبر حكم العدة، هو العلم ببراءة الرحم، وهو ظاهر بوضع الحمل. فائدة: سئل شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن رجل ترك زوجته ست سنين ولم يترك لها نفقة، ثم بعد ذلك تزوجت رجلا ودخل بها، ثم حضر الزوج. فأجاب: إن النكاح الأول فسد لتعذر النفقة من جهة الزوج، وانقضت عدتها، ثم تزوجت الثاني فنكاحه صحيح، وإن كانت تزوجت الثاني قبل فسخ نكاح الأول فنكاحه باطل.

стр. 588

بَابُ تحريم إحداد المَرْأة أكثر من ثلاثة إلا على زوج الإحداد: في اللغة: المنع، فاشتق من هذه المادة إحداد المرأة، لأن الزوجة المتوفى عنها ممنوعة من الزينة، والطيب، والزواج، شرعا. وقد أجمع العلماء عليه، بعد استنادهم على النصوص الصحيحة الصريحة في مشروعيته. وله فوائد كثيرة، أكبرها أداء المرأة حق زوجها الذي هو أعظم الناس حقا عليها، وذلك بإظهار التأثُّر لفراقه. وتحيط نفسها أيضا بحمى من ترك الزينة عن أعين الخُطَّاب، صيانة لحرمة الزوج مدة التربص. عَنْ زَينبَ بِنْتِ أم سَلمَةَ قَالَت: تُوُفي حَمِيمٌ لأم حَبيبة، فدَعَتْ بِصُفرَةٍ فمسحَتْ بِذِراعَيْهَا فَقَالَتْ: إنَّما أصْنَعُ هذَا لأنِّي سمِعْتُ رسُول الله ﷺ يقول: "لا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤمِن بالله واليَوم الآخِر أن تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْق ثَلاثٍ إلا عَلَى زوْج أربَعَةَ أشْهُر وَعَشْرا" الحميم: القرابة. الغريب: حميم: القريب. وجاء في بعض روايات الصحيحين أن المتوفى أبوها، أبو سفيان. بصفرة: بضم الصاد وسكون الفاء، طيب فيه زعفران أو ورْس. أن تحد: بضم التاء وكسر الحاء، رباعي ماضيه (أحَد) . ويجوز فتح التاء وضم الحاء، يقال: أحدت المرأة، وحدَّث فهي مُحِدٌّ وحَادٌّ، ولا يقال حادة بالهاء. المعنى الإجمالي: توفى والد أم حبيبة،: كانت قد سمعت النهْيَ عن الإحداد فوق ثلاث إلا على زوج. فأرادت تحقيق الامتثال، فدعت بطيب مخلوط بصفرة، فمسحت ذراعيها، وبيَّنت سبب تطيبها، وهو أنها سمعت النبي ﷺ يقول: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً". ما يؤخذ من الحديث: ١- تحريم الإحداد على ميت أكثر من ثلاثة أيام، إلا المرأة على زوجها. ٢- إباحة الثلاث على غير الزوج، تخفيفا للمصيبة، وترويحاً للنفس بإبدائها شيئاً من التأثر على الحبيب المفارق.

стр. 589

٣- وجوب إحداد المرأة على زوجها المتوفى، أربعة أشهر وعشراً وعموم الحديث يفيد وجوبه على كل زوجة، مسلمة كانت أو ذمية، كبيرة أو صغيرة. ٤- قوله: " تؤمن بالله واليوم الأخر " سيق للزجر والتهديد. ٥- الحكمة في تحديد المدة بأربعة أشهر. عشر، أنها المدة التي يتكامل فيها تخليق الجنين، وتنفخ فيه الروح إن كانت حاملا، وإلا فقد برئ رحمها براءة واضحة، لا ريبة فيها. ٦- والإحداد: هو اجتنابها كل ما يدعو إلي جماعها ويرغب في النظر إليها، من الزينة والطيب وسيأتي بيانه إن شاء الله. بَابُ مَا تجتنبه الحَاد (١) الحديث الأول عَنْ أمِّ عَطِيَّةَ ﵂ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لا تُحِدُّ امْرَأةٌ عَلَى مَيِّتٍ فوْق ثَلاثٍ، إلاَّ عَلَى زَوْج، أرْبعَةَ أشهر وعشراً، وَلا تَلْبِسُ ثَوْباً مَصْبوغاً إلا ثَوْبَ عَصب، وَلا تَكْتَحِلُ: ولا تَمسُّ طِيباً وَلا شَيْئاً إِلاَّ إذَا طَهُرَتْ: نُبْذَةً مِنْ قُسْطِ أو أظْفَار". العصب: ثياب من اليمن، فيها بياض وسواد. والنبذة: الشيء اليسير. والقسط: العود أو نوع من الطيب تُبخَر به النُّفَسَاء. والأظفار: جنس من الطيب لا واحد له من لفظه. وقيل: هو عطر أسود، القطعة منه تشبه الظفر. الغريب: عصب: بفتح العين ثم صاد ساكنة مهملتين، ثم باء موحدة، هو ثوب من بُرُود اليمن، يسوى غزله ثم ينسج مصبوغا، فيخرج مُوَشَّي مختلف الألوان. نُبْذَة: بضم النون وسكون الباء، بعدها ذال معجمة. أي قطعة. ويطلق على الشيء اليسير. قُسْط: بضم القاف وسكون السين المهملة أظفار: بفتح الهمزة. (والقسط) و (الأظفار) نوعان من البخور.

стр. 590

المعنى الإجمالي: في هذا الحديث نهى النبي ﷺ المرأة أن تحد على ميت فوق ثلاث لأن الثلاث كافية للقيام بحق القريب والتفريج عن النفس الحزينة. ما لم يكن الميت زوجها، فلا بد من الإحداد عليه أربعة أشهر وعشراً، قياما بحقه الكبير، وتصوُّنا في أيام عدته. ومظهر الإحداد، هو ترك الزينة من الطيب، والكحل، والحلي، والثياب الجميلة، فلا تستعمل شيئا من ذلك. أما الثياب المصبوغة لغير الزينة، فلا بأس بها من أي لون كان. وكذلك تجعل في فرجها إذا طهرت قطعة يسيرة من الأشياء المزيلة للرائحة الكريهة، وليست طيبا مقصوداً في هذا الموضع الذي ليس محلا للزينة. ما يؤخذ من الحديث: ١- النهي عن إحداد المرأة على ميت فوق ثلاث، غير زوجها. ٢- إباحة الثلاث فما دون، تفريجا عن النفس. ٣-وجوب إحداد المرأة على زوجها أربعة أشهر وعشراً، ما لم تكون حاملاً فبوضع الحمل، وتقدم. ٤- الإحداد. معناه: ترك الزينة وما يدعو إلى نكاحها. فعليه تجتنب كل حلي، وكل طيب، وكحل، وتجتنب الثياب التي تشهرها من أي نوع ولون. ٥- يباح لها الثوب المصبوغ لغير الزينة. والتجمل وضده، راجعان إلى عُرْف كل زمان ومكان، فهو ذوق، فلا يتقيد بنوع من الثياب والهيئة. فقد قال شيخ الإسلام: (المعتدة عن وفاة) تتربص أربعة أشهر وتجتنب الزينة والطيب في بدنها وثيابها، وتلزم منزلها، فلا تخرج بالنهار إلى لحاجة ولا بالليل إلا لضرورة ولا تلبس الحلي ولا تختضب بحناء ولا غيره، ولا يحرم عليها عمل من الأعمال المباحة ويجوز لها سائر ما يباح في غير العدة، مثل كلام من تحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت مسترة، وهذا الذي ذكرته هو سنة رسول الله ﷺ الذي يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن. اهـ. ٦- يباح أن تضع في فرجها بعد الطهر، هذا المشابه للطيب، لقطع الرائحة الكريهة.

стр. 591

الحديث الثاني عَنْ أم سَلَمَة ﵂ قَالَت: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن ابنتي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوجهَا، وقد اشتكت عَيْنَها أفنكْحُلُهَا؟ فقال رسول الله ﷺ : " لا " مرتين أو ثَلاثَاً، كل ذلك يقول: "لا". ثم قال: " إنَّمَا هِي أربَعَةُ أشهر وعشر، وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَ في الْجَاهِلَيَّةِ تَرْمِي بالبَعْرَةِ عَلى رأس الْحَوْل ". فَقَالَتْ زَينبُ: كَانَتِ المرأة إذَا توفي عَنْهَا زوْجُهَا دَخَلَتْ حِفشا وَلبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا وَلْم تَمس طِيباً وَلا شَيْئاً حَتَّى تَمُرُّ عَلَيْهَا سَنَةٌ، ثم تؤتَي بِدَابَّةٍ -حمار أو طَيْر أو شاةٍ- فَتَفْتضُّ بهِ، فَقَلًمَا تَفْتَضُّ بِشَيء إلا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فتعْطَي بَعْرَة فتَرْمِي بِهَا، ثم تُرَاجِعُ بَعْد مَا شَاءَتْ مِنْ طِيب أوْ غيْرِهِ. الغريب: البعرة: بفتح العين وإسكانها. حِفْشا: بكسر الحاء المهملة وإسكان الفاء، ثم شين معجمة. هو البيت الصغير الحقير. فتفتضُّ به: بفاء، ثم مثناة، ثم فاء ساكنة، ثم مثناة مفتوحة، ثم ضاد معجمة مثقلة. معناه: أنها تتمسح به فتنقي به درنها ووسخها الذي تراكم عليها، طيلة هذه المدة. وهي عادة من عاداتهم في الجاهلية. أفنكحُلها: بضم الحاء. المعنى الإجمالي: جاءت امرأة تستفتى النبي ﷺ ، فتخبره أن زوج ابنتها توفى فهي حاد عليه، والحادُّ تجتنب الزينة، ولكنها اشتكت وجعا في عينيها فهل من رخصة فنكحُلها؟. فقال ﷺ : لا- مكرراً ذلك، مؤكدا. ثم قلَّل ﷺ المدة، التي تجلسها حاداً لحرمة الزوج وهي أربعة أشهر وعشر، أفلا تصبر هذه المدة القليلة التي فيها شيء من السعة. وكنتن في الجاهلية، تدخل الحاد منكن بيتاً صغيراٍ كأنه زرب وحش، فتتجنب الزينة، والطيب، والماء، ومخالطة الناس، فتراكم عليها أوساخها وأقذارها، معتزلة الناس، سنة كاملة. فإذا انتهت منها أعطيت بعرة، فرمت بها، إشارة إلى أن ما مضى عليها من ضيق وشدة وحرج لا يساوي -بجانب القيام بحق زوجها- هذه البعرة. فجاء الإسلام فأبدلكن بتلك الشدة نعمة، وذلك الضيق سعة، ثم لا تصبر عن كحل عينها، فليس لها رخصة، لئلا تكون سُلَّماً إلى فتح باب الزينة للحادِّ.

стр. 592

ما يؤخذ من الحديث: ١- وجوب الإحداد أربعة أشهر وعشراً، على المتوفى عنها زوجها. ٢- أن تجتنب كل زينة، من لباس، وطيب، وحلي، وكحل وغيرها. ومن الزينة هذه المساحيق والأصباغ، التي فُتِنَ بها الناس أخيرا، من (بودرة) و (منا كير) ونحو ذلك. فالمقصود بذلك جمع الزينة بأنواع مظاهرها وأشكالها، من كل ما يدعو إلى الرغبة في المرأة. ٣- أن تجتنب الكحل الذي يكون زينة في العين ولو لحاجة إليه. ولا بأس بالتداوي، بما ليس فيه زينة، من كحل ليس له أثر و (قطرة) ونحوها. فالمدار في ذلك على الزينة والجمال. ٤- يُسرُّ هذه الشريعة وسماحتها، حيث خففت آثار الجاهلية وأثقالها. ومن ذلك ما كانت تعانيه المرأة بعد وفاة زوجها، من ضيق، وحرج، ومحنة، وشدة، طيلة عام. فخفف الله تعالى هذه المدة، بتقصيرها إلى نحو ثلثها، وبإبطال هذا الحرج الذي ينال هذه المرأة المسكينة. فأباح لها النظافة، في جسمها، وثوبها، ومسكنها، وأباح لها مخالطة أقاربها ونسائها في بيتها. وحفظ للزوج حقه، باجتنابها ما يشهرها، من زينة، ويرغب بها في مدة، هي من حقوقه. والله حكيم عليم.

стр. 593

كِتَابُ اللِّعَان اللعان: مشتق من اللعن، وهو الطرد والإبعاد. فيكون هذا الكتاب سمى (كتاب اللعان) إما مراعاة للفظ، لأن الرجل يلعن نفسه في الخامسة من الشهادات على صدق دعواه. واشتق من دعاء الرجل باللعن لا من دعاء المرأة (بالغضب) لتقدم اللعن على الغضب في الآيات. وإما مراعاة للمعنى -وهو الطرد والإبعاد- لأن الزوجين يفترقان بعد تمامه، فُرْقَةً لا اجتماع بعدها. وتعريفه شرعاً: أنه شهادات مؤكدات بأيْمَانٍ من الزوجين، مقرونة بلعن أو غضب، والأصل فيه، الكتاب والسنة، والإجماع. فأما الكتب فقوله تعالى: ﴿وَالًذِينَ يَرْمُونَ أزْوَاجَهُمْ وَلم يَكُنْ لهم شهداء إلا أنْفُسُهُمْ﴾ الآية. وأما السنة، فمثل حديث الباب. وقد أجمع عليه العلماء في الجملة. حكمته التشريعية: الأصل أنه من قذف محصنا بالزنا صريحا فعليه إقامة البينة، وهي أربعة شهود. وإن لم يأت بهؤلاء الشهود، فعليه حَدُّ القذف، ثمانون جلدة، كما قال تعالى: ﴿والَّذِينَ يَرمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَم يَأتوا بأربعة شُهَدَاءَ فَاجْلِدوهُمْ ثَمَانِينَ جَلدَة﴾ استثنى من هذا العموم إذا قذف الرجل زوجته بالزنا، فعليه إقامة البينة -أربعة شهود- على دعواه. فإن لم يكن لديه أربعة شهود، فَيدْرَأ عنه حدَّ القذف أن يحلف أربع مرات: إنه لمن الصادقين فيما رماها به من الزنا، وفي الخامسة، يلعن نفسه، إن كان من الكاذبين. وذلك أن الرجل إذا رأى الفاحشة في زوجه، فلا يتمكن من السكوت، كما لو رآه من الأجنبية، لأن هذا عار عليه، وفضيحة له، وانتهاك لحرمته. ولا يقدم على قذف زوجه إلا من تحقق، لأنه لن يقدم على هذا إلا بدافع الغَيرَة الشديدة، إذ أن العار واقع عليهما، فيكون هذا مقويا لصحة دعواه.

стр. 594

الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أنَّ فلانَ بنَ فُلانٍ قَال: يا رسول الله، أرأيت لَو وَجَدَ أحدنا امْرَأتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ، كَيفَ يَصْنَعُ؟ إن تَكَلَّم، تَكَلَّم بِأمْر عَظِيمٍ، وَإنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْل ذلِكَ؟ قَالَ: فَسَكَتَ النبي ﷺ فَلَمْ يُجِبْهُ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذلِكَ أتاه فَقَالَ: "إنَّ الذِي سألتك عَنْهُ قَدِ ابتلِيتُ بِهِ، فَأنزلَ الله هؤُلاءِ الآيات في سورة "النُّور". ﴿والذين يَرْمُونَ أزواجهم﴾ فَتَلاهُنَّ عَلَيْهِ، وَوَعَظَهُ، وَذَكَرهَُ، وَأخْبَرَهُ أن عَذَابَ الدنيا أهوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخرة. فقال: َلا-والذي بَعَثَكَ بِالحقً نَبياً- مَا كَذَبتُ عَليْهَا. ثُمً دَعَاهَا، وَوَعَظَهَا، وَأخْبَرَهَا أن عَذَابَ الدنيا أهون من عَذَابِ الآخِرَةِ. فَقَالَتْ: لا، والذِي بعثك بالحق إنه لكاذب: فَبَدَأ بِالرجُل فَشَهِدَ أربع شهادات بالله، إنه لمن الصادقين والخامسة: أن لَعنَةَ الله عليه إن كَانَ مِنَ الكَاذِبِينِ. ثم ثَنى بالمَرْأةِ، فَشهِدَتْ أربعَ شهادات بالله، إنهُ لَمِنَ الكاذبين والخَامِسَةِ: أن غَضبً الله عَلَيْهَا إن كان مِنْ الصادِقينَ. ثُم فَرقَ بَينهمَا. ثُم قَالَ: "الله يَعْلَمُ إن أحدَكُمَا كَاذِب، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِب؟ " ثلاثاً. وفي لفظ: " لا سَبِيل لك عَلَيهَا" قالَ: يا رسول الله: مالي؟. قالَ: "لا مال لك" إن كنت صدقت عليها فهو بما استحلت من فرجها، وإنْ كُنْتَ كَذَبتَ عَليْهَا فهو أبعد لَكَ منها. المعنى الإجمالي: صاحب هذه القصة كأنه أحسَّ من زوجه ريبةً، وخاف أن يقع منها على فاحشة، فحار في أمره، لأنه إن قذفها ولم يأت ببينة، فعليه الحد، وإن سكت فهي الدياثة والعار، وأبدى هذه الخواطر للنبي ﷺ ، فلم يجبه كراهة لسؤال قبل أوانه، ولأنه من تعجل الشر والاستفتاح به، بالإضافة إلى أن الرسول ﷺ لم ينزل عليه في ذلك شيء. بعد هذا رأى هذا السائل الفاحشة التي خافها فأنزل الله في حكمه وحكم زوجه، هذه الآيات من سورة النور ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أزواجهم﴾ (١) الآيات.

стр. 595

فَتلاهن عليه النبي ﷺ ، وذكَّره ووعظه بأن عذاب الدنيا- وهو حَد القذف- أهون من عذاب الآخرة. فأقسم أنه لم يكذب بِرَمْيهِ زوجه بالزنا. ثم وعظ الزوجة كذلك وأخبرها أن عذاب الدنيا - وهو حدُّ الزنا بالرَّجم- أهون من عذاب الآخرة. فأقسمت أيضا: إنه لمن الكاذبين. حينئذ بدأ النبي ﷺ بما بدأ الله به، وهر الزوج، فشهد أربع شهادات بالله: إنه لمن الصادقين فيما رماها به، وفي الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله، إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين في دعواه. ثم فرق بينهما فرقة مؤبدة. بما أن أحدهما كاذب، فقد عرض عليهما النبي ﷺ التوبة. فطلب الزوج صداقه، فقال: ليس لك صداق، فإن كنت صادقا في دعواك زناها، فالصداق بما استحللت من فرجها، فإن الوطء يقرر الصداق. وإن كنت كاذبا عليها، فهو أبعد لك منها، إذ رميتها بهذا البهتان العظيم. ما يؤخذ من الحديث: ١- بيان اللعان وصفته، وهو: أن من قذف زوجه بالزنا ولم يُقِم البينة، فعليه الحد، إلا أن يشهد على نفسه أربع مرات: إنه لمن الصادقين في دعواه. وفي الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. فإن نكلت الزوجة، أقيم عليها حَدُّ الزنا، وإن شهدت بالله أربع مرات: إنه لمن الكاذبين في رَمْيها بهذه الفاحشة، وفي الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، درَأتْ عنها حدَّ الزنا. ٢- إذا تم اللعان بينهما. بشروطه فُرِّق بينهما فراق مؤبَّدة. لا تحل له، ولو بعد أزواج. ٣- أن يوعظ كل من الزوجين عند إرادة اليمين، لعله يرجع إن كان كاذبا، وكذلك بعد تمام اللعان، تعرض عليهما التوبة، ليتوب فيما بينه وبين الله تعالى. ٤- خالف هذا الباب غيره من أبواب الفقه بمسائل. منها: أنه لابد أن يقرن مع اليمين لفظ " الشهادة "، وفي الخامسة الدعاء على نفسه باللعنة من الزوج، ومن الزوجة، الدعاء على نفسها في الخامسة بالغضب. ومنها: تكرير الأيمان. ومنها: أن الأصل أن البينة على المدعى، واليمين على من أنكر، هنا طلبت الإيمان من المدعى والمنكر. ٥- البداءة بالرجل في التحليف، كما هو ترتيب الآيات.

стр. 596

٦- أن الزوج لا يرجع بشيء من صداقه بعد الدخول ولو كانت الفرقة من لعان. ٧- اللعان خاص بين الزوجين، أما غيرهما فيجرى فيه حكم القذف المعروف. ٨- كراهة المسائل التي لم تقع والبحث عنها، لاسيما ما فيه أمارة الفاحشة. ٩- قال العلماء: واختصت المرأة بلفظ (الغضب) لعظم الذنب بالنسبة إليها، على تقدير وقوعه، لما فيه من تلويث الفراش، والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به، وذلك أمر عظيم يترتب عليه مفاسد كثيرة، كانتشار المحرمية، وثبوت الولاية على الإناث واستحقاق الأموال بالتوارث، فلا جرم أن خصت بلفظ الغضب الذي هو أشد من اللعنة. ١٠- قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دليل على إجراء الأحكام على الظاهر. الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَر َرَضي الله عَنْهُمَا: أن رجلا رَمَى امرَأتَهُ وَانتفى مِنْ وَلدِهَا في زَمَانِ رسول اللْه ﷺ . فَأمَرَهُمَا رَسُول ﷺ ، فَتَلاعَنَا، كَما قالَ الله تعالى. ثم قَضَى بِالوَلَدِ للمرأة، وَفرَّقَ بين المتلاعنين. المعنى الإجمالي: في هذا الحديث يروى عبد الله بن عمر ﵄: أن رجلا قذف زوجته بالزنا، وانتفى من ولدها، وبرئ منه فكذبته في دعواه ولم تُقِرَّ على نفسها. فتلاعنا، بأن شهد الزوج بالله تعالى أربع مرات أنه صادق في قذفها، ولعن نفسه في الخامسة. ثم شهدت الزوجة بالله أربع مرات أنه كاذب، ودعت على نفسها بالغضب في الخامسة. فلما تمَّ اللعان بينهما، فرق بينهما النبي ﷺ فرقة دائمة، وجعل الولد تابعا للمرأة، منتسبا إليها، منقطعا عن الرجل، غير منسوب إليه. ما يؤخذ من الحديث: ١- ثبوت حكم اللعان حينما يرمي الرَّجل زوجه بالزنا وتكذبه. ٢- إذا تم اللعان، انتفى الولد الملاعن على نفسه من أبيه، وصار منسوبا إلى أمه فقط. ٣- الفرقة المؤبدة الدائمة بين المتلاعنين، فلا تحل له بعد تمام اللعان بحال من الأحوال. ٤- إذا تحقق الزوج أن الولد من غيره، فيجب عليه نفيه، واللعان عليه، إن كذبته. لئلا يلحقه نسبه، فيفضي إلى أمور منكرة، حيث يستحل من الإرث ولحوق النسب، والاختلاط بالمحارم، وغير ذلك، وهو أجنبي عنهم.

стр. 597

٥- الأحسن في رعاية النساء التوسط، فلا يكثر الرجل من الوساوس التي لم تبن على قرائن، ولا يحجبها عما هو متعارف ومألوف بين الناس المحافظين مادام لم ير ريبة، ولا يتركها مهملة، تذهب حين شاءت، وتكلم من شاءت، فهذا هو التفريط. ومع الريبة دياثة. الحديث الثالث عَنْ أبي هريرة ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُل مِنْ بَني فزارة إلَى النَبي ﷺ فَقَالَ: إنَّ امرأتي وَلَدَتْ غلاما أسود. فَقَالَ الَّنبِيُّ ﷺ : "هَلْ لَكَ إبِل"؟ قال: نَعَمْ. قَالَ " فَمَا ألوانها"؟ قالَ: حُمْر. قَالَ: " فَهَلْ يَكُونُ فِيهَا مِنْ أوْرَقَ "؟ قَالَ: إنَّ فِيهَا لوُرْقاً. قَالَ: "فَأنىَّ أتَاهَا ذلِكَ"؟ قالَ: عَسَى أنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عرق. قَالَ: "وَهذَا عَسَى أنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْق". الغريب: رجل من بنى فَزَارة: بفتح الفاء والزاي، من غطَفان (قبيلة عدنانية) والرجل اسمه ضمضم بن قتادة. أنَّي أتاه: بفتح الهمزة وتشديد النون، أي مما أتاه هذا اللون المخالف للون أبويه. أورق: بفتح القاف لأنه لا ينصرف، وهو الأسود الذي لم يخلص سواده وإنما فيه غبرة. وجمعه وُرْق، كأحمر وحُمْر. نزعه عرق: العرق، بكسر العين وسكون الراء، هو الأصل. والنزع هو الجذب. والمعنى -هنا- لعله جذبه أصل من النسب، فأشبه المجذوب الجاذب في لونه وخلقه. المعنى الإجمالي: ولد لرجل من قبيلة فزارة غلام خالف لونه لون أبيه وأمه، فصار في نفس أبيه شك منه. فذهب إلى النبي ﷺ معرضا بقذف زوجه وأخبره بأنه ولد له غلام أسود. ففهم النبي ﷺ مراده من تعريفه، فأراد ﷺ أن يقنعه ويزيل وساوسه، فضرب له مثلا مما يعرف ويألف. فقال: هل لك إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل يكون فيها من أورق مخالف لألوانها؟ قال: إن فيها لورقا. فقال: فمن أين أتاها ذلك اللون المخالف لألوانها؟. قال الرجل: عسى أن يكون جذبه عرق وأصل من آبائه وأجداده. فقال: فابنك كذلك، عسى أن يكون في آبائك وأجدادك من هو أسود، فجذبه في لونه. فقنع الرجل بهذا القياس المستقيم، وزال ما في نفسه من خواطر.

стр. 598

ما يؤخذ من الحديث: ١- أن التعريض بالقذف ليس قذفا، فلا يوجب الحد، وبه قال الجمهور: كما أنه لا يعد غيبة إذا جاء مستفتيا، ولم يقصد مجرد العيب والقدح. ٢- أن الولد يلحق بأبويه، ولو خالف لونه لونهما قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على أن المخالفة في اللون بين الأب والابن بالبياض والسواد لا تبيح الانتفاء. ٣- الاحتياط للأنساب، وأن مجرد الاحتمال والظن، لا ينفي الولد من أبيه، فإن الولد للفراش. والشارع حريص على إلحاق الأنساب ووصلها. ٤- فيه ضرب الأمثال، وتشبيه المجهول بالمعلوم، ليكون أقرب إلى الفهم وهذا الحديث، من أدلة القياس في الشرع. قال الخطابي: هو أصل في قياس الشبه. وقال ابن العربي: فيه دليل على صحة الاعتبار بالنظير. ٥- فيه حسن تعليم النبي ﷺ ، وكيف يخاطب الناس بما يعرفون ويفهمون. فهذا أعرابي يعرف الإبل وضرابها وأنسابها. أزال عنه هذه الخواطر بهذا المثل، الذي يدركه فهمه وعقله، فراح قانعا مطمئنا. فهذا من الحكمة التي قال الله فيها ﴿ادع إلى سَبيلِ ربِّكَ بِالحِكمَةِ﴾ فكلٌّ يخَاطبُ على قدر فهمه وعلمه. بَابُ لحَاق النَّسب (١) الحديث الأول عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالت: اخْتَصَمَ سَعْدُ بنُ أبي وَقاص وَعبدُ بنُ زَمْعَةَ في غلام. فَقَالَ سَعْد: يا رسول الله، هذَا ابنُ أخي عُتْبَة بن أبي وقاص، عَهِدَ إلَيَّ أنهُ ابنه، انظُرْ إلَى شَبَهِهِ. وقال عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ: هذَا أخِي يَا رسول الله، وُلِدَ عَلى فِرَاش أبي مِن وَلِيدَتِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ الله ﷺ فَرَأى شبها بيِّناً بِعُتْبَةَ. فَقَالَ: "هُوَ لَكَ يَا عَبدُ بنُ زَمعَةَ، الوَلدُ لِلفَرَاش، وَللعاهر الحجر واحتجبي مِنْه يَاسودة" فَلَمْ يَرَ سودة قَطُّ.

стр. 599

الغريب: عهد إلي أنه ابنه: يعنى أوصى إلي أنه ابنه، ألحقه بنسبه وأبيه. فراش أبي: يراد بالفراش صاحبه، وهو الزوج والسيد. الوليدة: الجارية التي وطئها سيدها، فجاءت منه بولد. للعاهر الحجر: العاهر: الزاني، ومعنى له الحجر: أي له الخيبة، ولا حق له في الولد. زمعة: بفتح الزاى وسكون الميم، سمى بإحدى الزمعات، وهن الشعرات المتعلقات بأنف الأرنب. المعنى الإجمالي: كانوا في الجاهلية يضربون على الإماء ضرائب يكتسبنها من فجورهن، ويلحقون الولد بالزاني إذا ادعاه. فزنا عتبة بن أبي وقاص بأمة لزمعة بن الأسود، فجاءت بغلام، فأوصى (عتبة) إلى أخيه (سعد) بأن يلحق هذا الغلام بنسبه. فلمَّا جاء فتح مكة، ورأى سعد الغلام، عرفه بشبهه بأخيه، فأراد استلحاقه. فاختصم عليه هو، وعبد بن زمعة، فأدلى سعد بحجته وهي: أن أخاه أقر بأنه ابنه، وبما بينهما من شبَه. فقال عبد بن زمعة: هو أخي، ولد من وليدة أبي. فنظر النبي ﷺ إلى الغلام، فرأى فيه شبها بيناً بعتبة. لأن الأصل أنَّه تابع لمالك الأمة، فقد قضى به لزمعه وقال الولد للفراش، وللعاهر الزاني الخيبة والخسار، فهو بعيد عن الولد. ولكن لما رأى شبه الغلام بعتبة، تورع ﷺ أن يستبيح النظر إلى أخته سودة بنت زمعة (١) بهذا النسب، فأمرها بالاحتجاب منه، احتياطا وتورُعاً. ما يؤخذ من الحديث: ١- أن الولد للفراش، بشرط إمكان الإلحاق بصاحب الفراش. قال ابن دقيق العيد: والحديث أصل في إلحاق الولد بصاحب الفراش وإن طرأ عليه وطء محرم. ٢- أن الزوجة تكون فراشاً بمجرد عقد النكاح، وأن الأمة فراش، لكن لا تعتبر إلا بوطء السيد، فلا يكفى مجرد الملك. والفرق بينهما، أن عقد النكاح مقصود للوطء، وأما تملك الأمة، فلمقاصد كثيرة. أما شيخ الإسلام ابن تيميه فقال: أشار أحمد أنه لا تكون الزوجة فراشا إلا مع العقد والدخول المحقق، لا الإمكان المشكوك فيه. قال ابن القيم: وهذا هو الصحيح المجزوم به، وإلا فكيف تصير المرأة فراشا، ولم يدخل بها الزوج، ولم يبن بها. ٣- أن الاستلحاق لا يختص بالأب، بل يجوز من الأخ وغيره من الأقارب.

стр. 600

٤- أن حكم الشبه إنما يعتمد عليه، إذا لم يكن هناك ما هو أقوى منه كالفراش. ٥- قال العلماء، من المالكية، والشافعية، والحنابلة: أمر النبي ﷺ زوجته سودة بالاحتجاب من الغلام على سبيل الاحتياط والورع لما رأى الشبه قويا بينه وبين عتبة بن أبي وقاص. ٦- أن حكم الوطء المحرم كالحلال في حرمة المصاهرة. ووجهه أن سودة أمرت بالاحتجاب. فدل على أن وطء عتبة بالزنا، له حكم. الوطء بالنكاح. وهذا مذهب الحنفية والحنابلة. وخالفهم المالكية والشافعية، فعندهم لا أثر لوطء الزنا، لعدم احترامه. ٧- أن حكم الحاكم لا يغير الأمر في الباطن. فإذا علم المحكوم له أنه مبطل، فهو حرام في حقه، ولا يبيحه له حكم الحاكم. قال شيخ الإسلام ومن وطئ امرأة بما يعتقده نكاحا فإنه يلحق به النسب ويثبت فيه حرمة المصاهرة باتفاق العلماء، فيما أعلم، وإن كان ذلك النكاح باطلا عند الله وعند رسوله وكذلك كل وطء اعتقد أنه ليس حراما وهو حرام. الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّها قَالَتْ: إنَّ رَسولَ اللَه ﷺ دَخَل عَلَيَّ مَسْروراً تَبْرُق أسارير وَْجهِهِ، فَقَالَ: " ألم ترَيْ أن مُجَزَّزاً نظَرَ آنِفا إلَى زَيْدِ بن حَارِثَةَ وأسامة بْن زَيْدٍ، فَقَالَ: إنَ بَعْضَ هذِهِ الأقدَام لَمِنْ بَعْض ". وفي لفظ: " كَانَ مجَزِّرٌ، قَائِفاً ". الغريب: تبْرُق: بضم الراء، تلمع وتضئ. أسارير وجهه: الأسارير، جمع أسرار، والأسرار جمع سَرَر أو سٌرر، وهو الحط في باطن الكف. وأريد بها هنا، الخطوط التي في الجبهة. مجززا: بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاى الأولى على صيغة اسم الفاعل وهو من بني مد لج قبيلة عرفت بالقيافة والحكم لا يختص بها وحدها. آنفا: أي في الزمن القريب من القول. قائفا: القائف هو من يعرف إلحاق الأنساب بالشبه، ويعرف الآثار، وجمعه قافة. المعنى الإجمالي: كان زيد بن حارثة أبيض اللون، وابنه أسامة أسمر، وكان الناس -من أجل اختلاف لونيهما- يرتابون فيهما، ويتكلمون ني صحة نسبة أسامة إلى أبيه، بما يؤذى رسول الله ﷺ .
следующие страницы →