← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9878

تيسير العلام شرح عمدة الأحكام

عبد الله البسام

Полный текст (741 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

٦- أن الزوج لا يرجع بشيء من صداقه بعد الدخول ولو كانت الفرقة من لعان. ٧- اللعان خاص بين الزوجين، أما غيرهما فيجرى فيه حكم القذف المعروف. ٨- كراهة المسائل التي لم تقع والبحث عنها، لاسيما ما فيه أمارة الفاحشة. ٩- قال العلماء: واختصت المرأة بلفظ (الغضب) لعظم الذنب بالنسبة إليها، على تقدير وقوعه، لما فيه من تلويث الفراش، والتعرض لإلحاق من ليس من الزوج به، وذلك أمر عظيم يترتب عليه مفاسد كثيرة، كانتشار المحرمية، وثبوت الولاية على الإناث واستحقاق الأموال بالتوارث، فلا جرم أن خصت بلفظ الغضب الذي هو أشد من اللعنة. ١٠- قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دليل على إجراء الأحكام على الظاهر. الحديث الثاني عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَر َرَضي الله عَنْهُمَا: أن رجلا رَمَى امرَأتَهُ وَانتفى مِنْ وَلدِهَا في زَمَانِ رسول اللْه ﷺ . فَأمَرَهُمَا رَسُول ﷺ ، فَتَلاعَنَا، كَما قالَ الله تعالى. ثم قَضَى بِالوَلَدِ للمرأة، وَفرَّقَ بين المتلاعنين. المعنى الإجمالي: في هذا الحديث يروى عبد الله بن عمر ﵄: أن رجلا قذف زوجته بالزنا، وانتفى من ولدها، وبرئ منه فكذبته في دعواه ولم تُقِرَّ على نفسها. فتلاعنا، بأن شهد الزوج بالله تعالى أربع مرات أنه صادق في قذفها، ولعن نفسه في الخامسة. ثم شهدت الزوجة بالله أربع مرات أنه كاذب، ودعت على نفسها بالغضب في الخامسة. فلما تمَّ اللعان بينهما، فرق بينهما النبي ﷺ فرقة دائمة، وجعل الولد تابعا للمرأة، منتسبا إليها، منقطعا عن الرجل، غير منسوب إليه. ما يؤخذ من الحديث: ١- ثبوت حكم اللعان حينما يرمي الرَّجل زوجه بالزنا وتكذبه. ٢- إذا تم اللعان، انتفى الولد الملاعن على نفسه من أبيه، وصار منسوبا إلى أمه فقط. ٣- الفرقة المؤبدة الدائمة بين المتلاعنين، فلا تحل له بعد تمام اللعان بحال من الأحوال. ٤- إذا تحقق الزوج أن الولد من غيره، فيجب عليه نفيه، واللعان عليه، إن كذبته. لئلا يلحقه نسبه، فيفضي إلى أمور منكرة، حيث يستحل من الإرث ولحوق النسب، والاختلاط بالمحارم، وغير ذلك، وهو أجنبي عنهم.

стр. 597

٥- الأحسن في رعاية النساء التوسط، فلا يكثر الرجل من الوساوس التي لم تبن على قرائن، ولا يحجبها عما هو متعارف ومألوف بين الناس المحافظين مادام لم ير ريبة، ولا يتركها مهملة، تذهب حين شاءت، وتكلم من شاءت، فهذا هو التفريط. ومع الريبة دياثة. الحديث الثالث عَنْ أبي هريرة ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُل مِنْ بَني فزارة إلَى النَبي ﷺ فَقَالَ: إنَّ امرأتي وَلَدَتْ غلاما أسود. فَقَالَ الَّنبِيُّ ﷺ : "هَلْ لَكَ إبِل"؟ قال: نَعَمْ. قَالَ " فَمَا ألوانها"؟ قالَ: حُمْر. قَالَ: " فَهَلْ يَكُونُ فِيهَا مِنْ أوْرَقَ "؟ قَالَ: إنَّ فِيهَا لوُرْقاً. قَالَ: "فَأنىَّ أتَاهَا ذلِكَ"؟ قالَ: عَسَى أنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عرق. قَالَ: "وَهذَا عَسَى أنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْق". الغريب: رجل من بنى فَزَارة: بفتح الفاء والزاي، من غطَفان (قبيلة عدنانية) والرجل اسمه ضمضم بن قتادة. أنَّي أتاه: بفتح الهمزة وتشديد النون، أي مما أتاه هذا اللون المخالف للون أبويه. أورق: بفتح القاف لأنه لا ينصرف، وهو الأسود الذي لم يخلص سواده وإنما فيه غبرة. وجمعه وُرْق، كأحمر وحُمْر. نزعه عرق: العرق، بكسر العين وسكون الراء، هو الأصل. والنزع هو الجذب. والمعنى -هنا- لعله جذبه أصل من النسب، فأشبه المجذوب الجاذب في لونه وخلقه. المعنى الإجمالي: ولد لرجل من قبيلة فزارة غلام خالف لونه لون أبيه وأمه، فصار في نفس أبيه شك منه. فذهب إلى النبي ﷺ معرضا بقذف زوجه وأخبره بأنه ولد له غلام أسود. ففهم النبي ﷺ مراده من تعريفه، فأراد ﷺ أن يقنعه ويزيل وساوسه، فضرب له مثلا مما يعرف ويألف. فقال: هل لك إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل يكون فيها من أورق مخالف لألوانها؟ قال: إن فيها لورقا. فقال: فمن أين أتاها ذلك اللون المخالف لألوانها؟. قال الرجل: عسى أن يكون جذبه عرق وأصل من آبائه وأجداده. فقال: فابنك كذلك، عسى أن يكون في آبائك وأجدادك من هو أسود، فجذبه في لونه. فقنع الرجل بهذا القياس المستقيم، وزال ما في نفسه من خواطر.

стр. 598

ما يؤخذ من الحديث: ١- أن التعريض بالقذف ليس قذفا، فلا يوجب الحد، وبه قال الجمهور: كما أنه لا يعد غيبة إذا جاء مستفتيا، ولم يقصد مجرد العيب والقدح. ٢- أن الولد يلحق بأبويه، ولو خالف لونه لونهما قال ابن دقيق العيد: فيه دليل على أن المخالفة في اللون بين الأب والابن بالبياض والسواد لا تبيح الانتفاء. ٣- الاحتياط للأنساب، وأن مجرد الاحتمال والظن، لا ينفي الولد من أبيه، فإن الولد للفراش. والشارع حريص على إلحاق الأنساب ووصلها. ٤- فيه ضرب الأمثال، وتشبيه المجهول بالمعلوم، ليكون أقرب إلى الفهم وهذا الحديث، من أدلة القياس في الشرع. قال الخطابي: هو أصل في قياس الشبه. وقال ابن العربي: فيه دليل على صحة الاعتبار بالنظير. ٥- فيه حسن تعليم النبي ﷺ ، وكيف يخاطب الناس بما يعرفون ويفهمون. فهذا أعرابي يعرف الإبل وضرابها وأنسابها. أزال عنه هذه الخواطر بهذا المثل، الذي يدركه فهمه وعقله، فراح قانعا مطمئنا. فهذا من الحكمة التي قال الله فيها ﴿ادع إلى سَبيلِ ربِّكَ بِالحِكمَةِ﴾ فكلٌّ يخَاطبُ على قدر فهمه وعلمه. بَابُ لحَاق النَّسب (١) الحديث الأول عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالت: اخْتَصَمَ سَعْدُ بنُ أبي وَقاص وَعبدُ بنُ زَمْعَةَ في غلام. فَقَالَ سَعْد: يا رسول الله، هذَا ابنُ أخي عُتْبَة بن أبي وقاص، عَهِدَ إلَيَّ أنهُ ابنه، انظُرْ إلَى شَبَهِهِ. وقال عَبْدُ بنُ زَمْعَةَ: هذَا أخِي يَا رسول الله، وُلِدَ عَلى فِرَاش أبي مِن وَلِيدَتِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ الله ﷺ فَرَأى شبها بيِّناً بِعُتْبَةَ. فَقَالَ: "هُوَ لَكَ يَا عَبدُ بنُ زَمعَةَ، الوَلدُ لِلفَرَاش، وَللعاهر الحجر واحتجبي مِنْه يَاسودة" فَلَمْ يَرَ سودة قَطُّ.

стр. 599

الغريب: عهد إلي أنه ابنه: يعنى أوصى إلي أنه ابنه، ألحقه بنسبه وأبيه. فراش أبي: يراد بالفراش صاحبه، وهو الزوج والسيد. الوليدة: الجارية التي وطئها سيدها، فجاءت منه بولد. للعاهر الحجر: العاهر: الزاني، ومعنى له الحجر: أي له الخيبة، ولا حق له في الولد. زمعة: بفتح الزاى وسكون الميم، سمى بإحدى الزمعات، وهن الشعرات المتعلقات بأنف الأرنب. المعنى الإجمالي: كانوا في الجاهلية يضربون على الإماء ضرائب يكتسبنها من فجورهن، ويلحقون الولد بالزاني إذا ادعاه. فزنا عتبة بن أبي وقاص بأمة لزمعة بن الأسود، فجاءت بغلام، فأوصى (عتبة) إلى أخيه (سعد) بأن يلحق هذا الغلام بنسبه. فلمَّا جاء فتح مكة، ورأى سعد الغلام، عرفه بشبهه بأخيه، فأراد استلحاقه. فاختصم عليه هو، وعبد بن زمعة، فأدلى سعد بحجته وهي: أن أخاه أقر بأنه ابنه، وبما بينهما من شبَه. فقال عبد بن زمعة: هو أخي، ولد من وليدة أبي. فنظر النبي ﷺ إلى الغلام، فرأى فيه شبها بيناً بعتبة. لأن الأصل أنَّه تابع لمالك الأمة، فقد قضى به لزمعه وقال الولد للفراش، وللعاهر الزاني الخيبة والخسار، فهو بعيد عن الولد. ولكن لما رأى شبه الغلام بعتبة، تورع ﷺ أن يستبيح النظر إلى أخته سودة بنت زمعة (١) بهذا النسب، فأمرها بالاحتجاب منه، احتياطا وتورُعاً. ما يؤخذ من الحديث: ١- أن الولد للفراش، بشرط إمكان الإلحاق بصاحب الفراش. قال ابن دقيق العيد: والحديث أصل في إلحاق الولد بصاحب الفراش وإن طرأ عليه وطء محرم. ٢- أن الزوجة تكون فراشاً بمجرد عقد النكاح، وأن الأمة فراش، لكن لا تعتبر إلا بوطء السيد، فلا يكفى مجرد الملك. والفرق بينهما، أن عقد النكاح مقصود للوطء، وأما تملك الأمة، فلمقاصد كثيرة. أما شيخ الإسلام ابن تيميه فقال: أشار أحمد أنه لا تكون الزوجة فراشا إلا مع العقد والدخول المحقق، لا الإمكان المشكوك فيه. قال ابن القيم: وهذا هو الصحيح المجزوم به، وإلا فكيف تصير المرأة فراشا، ولم يدخل بها الزوج، ولم يبن بها. ٣- أن الاستلحاق لا يختص بالأب، بل يجوز من الأخ وغيره من الأقارب.

стр. 600

٤- أن حكم الشبه إنما يعتمد عليه، إذا لم يكن هناك ما هو أقوى منه كالفراش. ٥- قال العلماء، من المالكية، والشافعية، والحنابلة: أمر النبي ﷺ زوجته سودة بالاحتجاب من الغلام على سبيل الاحتياط والورع لما رأى الشبه قويا بينه وبين عتبة بن أبي وقاص. ٦- أن حكم الوطء المحرم كالحلال في حرمة المصاهرة. ووجهه أن سودة أمرت بالاحتجاب. فدل على أن وطء عتبة بالزنا، له حكم. الوطء بالنكاح. وهذا مذهب الحنفية والحنابلة. وخالفهم المالكية والشافعية، فعندهم لا أثر لوطء الزنا، لعدم احترامه. ٧- أن حكم الحاكم لا يغير الأمر في الباطن. فإذا علم المحكوم له أنه مبطل، فهو حرام في حقه، ولا يبيحه له حكم الحاكم. قال شيخ الإسلام ومن وطئ امرأة بما يعتقده نكاحا فإنه يلحق به النسب ويثبت فيه حرمة المصاهرة باتفاق العلماء، فيما أعلم، وإن كان ذلك النكاح باطلا عند الله وعند رسوله وكذلك كل وطء اعتقد أنه ليس حراما وهو حرام. الحديث الثاني عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّها قَالَتْ: إنَّ رَسولَ اللَه ﷺ دَخَل عَلَيَّ مَسْروراً تَبْرُق أسارير وَْجهِهِ، فَقَالَ: " ألم ترَيْ أن مُجَزَّزاً نظَرَ آنِفا إلَى زَيْدِ بن حَارِثَةَ وأسامة بْن زَيْدٍ، فَقَالَ: إنَ بَعْضَ هذِهِ الأقدَام لَمِنْ بَعْض ". وفي لفظ: " كَانَ مجَزِّرٌ، قَائِفاً ". الغريب: تبْرُق: بضم الراء، تلمع وتضئ. أسارير وجهه: الأسارير، جمع أسرار، والأسرار جمع سَرَر أو سٌرر، وهو الحط في باطن الكف. وأريد بها هنا، الخطوط التي في الجبهة. مجززا: بضم الميم وفتح الجيم وكسر الزاى الأولى على صيغة اسم الفاعل وهو من بني مد لج قبيلة عرفت بالقيافة والحكم لا يختص بها وحدها. آنفا: أي في الزمن القريب من القول. قائفا: القائف هو من يعرف إلحاق الأنساب بالشبه، ويعرف الآثار، وجمعه قافة. المعنى الإجمالي: كان زيد بن حارثة أبيض اللون، وابنه أسامة أسمر، وكان الناس -من أجل اختلاف لونيهما- يرتابون فيهما، ويتكلمون ني صحة نسبة أسامة إلى أبيه، بما يؤذى رسول الله ﷺ .

стр. 601

فمرَّ عليهما (مجزِّز المدلجي) القائف، وهما قد غَطَّيَا رَأسيْهما في قطيفة، وبدت أرجلهما. فقال إن بعض هذه الأقدام لَمنْ بعض، لما رأى بينهن من الشبه. وكان كلام هذا القائف على سمع من النبي ﷺ ، فسُرَّ بذلك سرورا كثيرا، حتى دخل على عائشة وأسارير وجهه تَبْرق، فرحا واستبشارا للاطمئنان إلى صحة نسبة أسامة إلى أبيه، ولِدحْض كلام الذين يطلقون ألسنتهم في أعراض الناس بغير علم. ما يؤخذ من الحديث: ١- العمل بقول القافة في إلحاق النسب، مع عدم ما هو أقوى منها، كالفراش، وهو قول الأئمة الثلاثة، استدلالا بسرور النبي ﷺ في هذه القصة، ولا يسر إلا بحق. وخالفهم أبو حنيفة، فلم يعمل بها، واعتذر عن الحديث بأنه لم يقع فيه إلحاق متنازع فيه. ٢- يكفي قائف واحد، ولكن اشترط العلماء فيه أن يكون عَدْلا مجرباً في الإصابة وهذا حق. فإنَّه. لا يقبل الخبر، ولا ينفذ الحكم، إلا ممن اتصف بهذين الوصفين. ٣- تشوف الشارع الحكيم إلى صحة الأنساب، وإلحاقها بأصولها. ٤- الفرح والتبشير بالأخبار السارة، وإشاعتها. خصوصا ما فيه إزالة ريبة أو قالَة سوء. ٥- لا تختص بالقيافة قبيلة بعينها، وإنما يعمل بخبر من اجتمعت فيه شروط الإصابة من القافة. ٦- ظن الفقهاء أن القائف يمكن أن يلحق الولد بأكثر من أب، وأثبت الطب الحديث أن الحيوان المنوي الذي يحصل منه الإلقاح لا يكون من ماءَين لرجلين. الحديث الثالث عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدْري ﵁ قَالَ: ذُكِرَ العَزلُ لرسول اللَه ﷺ فَقَالَ: "ولِمَ يَفعَلُ ذلِكَ أحدكم"؟ -وَلَمَ يقل: فَلا يَفعَلْ ذلكَ أحدكم- فَإنَّهُ "لَيسَتْ نَفسٌ مَخْلُوقَة إلاَّ الله خالُقها". الغريب: العزل: نزع الذكر من الفرج إذا قارب الإنزال، ليزل خارجه. لم يفعل ذلك أحدكم؟ : استفهام بمعنى الإنكار. المعنى الإجمالي: ذكر العزل عند رسول الله ﷺ وأنه يفعله بعض الرجال في نسائهم وإمائهم. فاستفهم منهم النبي ﷺ عن السبب الباعث على ذلك بصيغة الإنكار. ثم أخبرهم ﷺ عن

стр. 602

قصدهم من هذا العمل بالجواب المقنع المانع عن فعلهم. وذلك بأن الله تعالى قد قدر المقادير، فليس عملكم هذا براد لنسمة قد كتب الله خلقها وقدر وجودها، لأنه مقدر الأسباب والمسببات. فإذا أراد خلق النطفة من ماء الرجل، سرى من حيث لا يشعر، إلى قراره المكين. ما يستفاد من الحديث: ١- يأتي حكم العزل والخلاف فيه قريبا، إن شاء الله تعالى. ٢- إنكار العزل بقصد التحرز عن خلق الولد، لأن فيه اعتمادا على الأسباب وحدها. ٣- أنه ما من نفس مخلوقة إلا وقد قدر الله وجودها، ففيه الإيمان بالقَدَر، وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وليس فيه تعطيل للأسباب، فإنه قدر الأشياء وقدر لها أسبابها، فلا بد من عمل الأسباب، والله يقدر ما يشاء ويفعل ما يريد. فتعطيل الأسباب، وعدم الإيمان بتأثيرها، أو الاعتماد عليها وحدها، كلاهما مذهب مذموم. والمذهب الحق المختار الوسط، هو الإيمان بقضاء الله وقدره، وأن للأسباب تأثيرا وهو مذهب أهل السنة، وبه تجتمع الأدلة العقلية والنقلية. ولله الحمد. الحديث الرابع عَن جَابِر ﵁ قالَ: كُنَّا نَعْزِلُ وَالقُرآن يَنْزِلُ. لَوْ كَانَ شيئا يُنهَى عَنْهُ لَنَهَانَا عَنْهُ القُرَانُ. المعنى الإجمالي: يخبر (جابر بن عبد الله) ﵄: أنهم كانوا يعزلون من نسائهم وإمائهم على عهد رسول الله ﷺ ، ويقرهم على ذلك، ولو لم يكن مباحا ما أقرهم عليه. فكأنه قيل له: لعله لم يبلغه صنيعكم؟ فقال: إذا كان لم يبلغه فإن الله- ﵎ يعلمه، والقرآن ينزله. ولو كان مما ينهى عنه، لنَهى عنه القرَان، ولما أقرنا عليه المشرع. ما يستفاد من الحديث: ١- أن الصحابة كانوا يعزلون على عهد رسول الله ﷺ والله سبحانه مطلع على عملهم، فأقرهم عليه، وكأن الراوي -سواء أكان جابراَ أم سفيان- أراد بهذا أن العزل موجود في زمن التشريع ولما لم ينزل به شيء استدل أنه جائز أقر الشارع عليه عباده، وبهذا يندفع استغراب ابن دقيق العيد. وقد جاء في صحيح (مسلم) أنه بلغه ذلك حيث قال جابر: (فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فلم ينهنا) .

стр. 603

٢- أن العزل مباح، حيث علمه ﷺ وأقرهم عليه، فإنه لا يقر على باطل، وشرعه قوله، وتقريره. وسيأتي الخلاف فيه. ٣- قال الصنعاني: قوله: (لو كان شيئا) هذا من أفراد مسلم، وليس هو من قول جابر، وإنما هو من قول سفيان بن عيينة راوي الحديث عن عطاء عن جابر، ولفظ مسلم (لو كان شيء ينهى عنه لنهينا عنه) . تفرد به سفيان استنباطا أدرجه في الحديث، ولفظ مؤلف العمدة يقتضي أنه من الحديث، وليس كذلك. ٤- استغرب ابن دقيق العيد هذا التقرير المنسوب إلى جابر، وهو تقرير الله، وحاول الصنعاني في أن يزيل هذا الاستغراب، ولكنه يزول تماما إذا علمنا أنه ليس من قول جابر. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في حكم العزل. فذهب الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، وأحمد إلى جوازه في الزوجة الحرة بإذنها وفي الزوجة الأمة بإذن سيدها، وفي الأمة بغير إذن أحد. واستدلوا على جوازه بهذين الحديثين المتقدمين وغيرهما من الأحاديث الصحيحة الصريحة. واستدلوا على تقييده بإذن الحرة، بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها". قال أبو داود: سمعت الإمام أحمد ذكر هذا الحديث، فما أنكره. وذهب الشافعي إلى جواز العزل مطلقا، في الحرة والأمة. ورويت الرخصة عن عشرة من الصحابة. وذهب إلى تحريمه مطلقا (ابن حزم) وطائفة. مستدلين بما رواه " مسلم عن جُذَامة بنت وهب قالت: حضرت رسول الله ﷺ في أناس، فسألوه عن العزل فقال: "ذلك الوأد الخفي" وجعلوا هذا الحديث ناسخاً لأحاديث الإباحة، التي هي على وفق البراءة الأصلية، وهذا الحديث ناقل عن البراءة الأصلية- هذا جوابهم. والأحسن، الجمع بين النصوص بلا نسخ، فيكون الأصل الإباحة. وهذا الحديث يحمل على ما إذا أراد بالعزل التحرز عن الولد، ويدل له قوله: " ذلك الوأد الخفي ".

стр. 604

الحديث الخامس عَنْ أبي ذرٍّ ﵁: أنه سَمِعَ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: " لَيسَ مِنْ رجل ادعَى لِغَيرِ أبِيهِ -وهو يعلمه- إلا كَفَرَ، وَمن ادعى مَا لَيس لَهُ فَلَيْس مِنَّا، وليتبوأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ. وَمَنْ دَعَا رُجُلا بِالكُفْرِ، أو قال: يَا عَدو الله، وَليسَ كَذلِكَ، إلا حَارَ عَليه ". كذا عند (مسلم) وللبخاري، نحوه. الغريب: وليتبوأ: أي فليتخذ له مباءة، وهي المنزل. إلا حار عليه: بالحاء المهملة، أي رجع عليه، ومنه قوله تعالى ﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ أي يرجع. المعنى الإجمالي: في هذا الحديث وعيد شديد وإنذار أكيد، لمن ارتكب عملا من هذه الثلاثة، فما بالك بمن عملها كلها؟. أولها: أن يكون عالما أباه، مثبتا نسبه فينكره ويتجاهله، مدعيا النسب إلى غير أبيه، أو إلى غير قبيلته. وثانيها: أن يدعي "وهو عالم" ما ليس له من نسب، أو مال، أو حق من الحقوق، أو عمل من الأعمال، أو يزعم صفة فيه يستغلها ويصرف بها وجوه الناس إليه. يدَّعي علما من شَرْعٍ، أو طب، أو غيرهما، ليكسب من وراء دعواه، فيكون ضرره عظيما، وشره خطيرا. أو يخاصم في أموال الناس عند الحكام، وهو كاذب فهذا عذابه عظيم، إذ تبرأ منه النبي ﷺ : وأمره أن يختار له مقرا في النار لأنه من أهلها، فكيف إذا أيد دعاويه الباطلة بالأيمان الكاذبة. ثالثها: أن يرمِىَ بريئا بالكفر، أو اليهودية، أو النصرانية، أو بأنه من أعداء الله. فمثل هذا يرجع عليه ما قال لأنه أحق بهذه الصفات القبيحة من المسلم الغافل، عن أعمال السوء وأقواله. ما يستفاد من الحديث: ١- فيه دليل على تحريم الانتفاء من نسبه المعروف، والانتساب إلى غيره. سواء أكان ذلك من أبيه القريب، أم من أجداده، ليخرج من قبيلته إلى قبيلة أخرى. لما يترتب عليه من المفاسد العظيمة، من ضياع الأنساب، واختلاط المحارم بغيرهم، وتقطع الأرحام، وغير ذلك. ٢- اشترط العلم، لأن تباعد القرون، وتسلسل الأجداد، قد يوقع في الخلل والجهل، والله لا يكلف نفساً إلا وُسْعَهَا، ولا يؤاخذ بالنسيان والخطأ.

стр. 605

٣- قوله " ومن ادَّعى ما ليس له" يدخل فيه كل دعوى باطلة، من نسب، أو مال، أو علم، أو صنعة، أو غير ذلك. فكل شيء يدَّعيه، وهو كاذب، فالنبي ﷺ برئ منه، وهو من أهل النار، فليختر مقامه فيها. كيف إذا أيد دعاويه الباطلة بالأيمان الكاذبة، ليأكل بها أموال الناس؟! فهذا ضرره عظيم وأمره كبير. ٤- الوعيد الثالث فيمن أطلق الكفر، أو الفسق، أو نفى الإيمان، أو غير ذلك على غير مستحق، فهو أحق منه به، لأن هذا راجع عليه، فالجزاء من جنس العمل. ٥- فيؤخذ منه التنبه على تحريم تكفير الناس بغير مسوغ شرعي، وكفر بواح ظاهر. فإن التكفير والإخراج من الملة، أمر خطير، لا يقدم عليه إلا عن بصيرة، وتثبت، وعلم. اختلاف العلماء: أجمع علماء السنة: على أن المسلم، لا يكفر بالمعاصي كفرا يخرجه من الملة. والشارع قد يطلق على فاعل المعاصي الكفر، كما في الحديث الذي معنا. فاختلف العلماء في ذلك. فالجمهور يَرَوْن: أن هذه أحاديث جاءت لقصد الزجر والردع، فتبقى على تخويفها وتهويلها، فلا تؤول. ومن العلماء من أولها فقال: يراد [بالكفر] كفر النعمة، أو بمعنى أنه قارب الكفر، أو أن هذا الوعيد لمن يستحل ذلك، فيكون رادا لنصوص الشريعة الصحيحة الصريحة، فيكفر. ومثل قوله: "ليس منا" يعنى ليس على طريقنا التامة المستقيمة، وإنما نقص إيمانه ودينه. والأحسن، مسلك الجمهور، وهو أن تبقى على إبهامها، ليبقى المعنى المقصود منها، فتكون زاجرة رادعة عن محارم الله تعالى. فإن النفوس مجبولة على اتباع الهوى، فعسى أن يكون لها رادع من مثل هذه النصوص الشريفة. والله أعلم.

стр. 606

كتاب الرَّضَاع الرَّضاع: بفتح الراء وكسرها، مصدر رضع الثدي إذا مصه. وتعريفه شرعا: مص لبن ثاب عن حمل أو شربه. وحكم الرضاع ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع. ونصوصه مشهورة. والأحكام المترتبة على الرضاع، تحريم النكاح، وإباحة النظر والخلوة، والمحرمية في السفر، لا وجوب النفقة والتوارث، وولاية النكاح. وحكمة هذه المحرمية والصلة، ظاهرة، فإنه حين تغذى بلبن هذه المرأة، نبت لحمه عليه، فكان كالنسب له منها. ولذا كره العلماء، استرضاع الكافرة، والفاسقة، وسيئة الخُلق أو مَنْ بها مرض مُعْد، لأنه يَسْرِى إلى الولد. واستحبوا أن يختار المرضعة، الحسنة الخُلُق والخَلْق، فإن الرضاع يُغير الطباع. والأحسن أنه لا يرضعه إلا أمه، لاًنَّه أنفع وأمري وأحسن عاقبة، من اختلاط المحارم، التي ربما توقع في مشاكل زوجية. وقد حث الأطباء على لبن الأم، لا سيما في الأشهر الأول. وقد ظهرت حكمة الله الكونية، حين جعل غذاء الطفل من لبن أمه، بالتجارب، وبتقارير الأطباء ونصائحهم. والله حكيم عليم. الحديث الأول عَن بن عَباس ﵄ قَالَ: قالَ رسول الله ﷺ في بِنتِ حَمْزَةَ "لا تَحِل لي، يَحْرُمُ مِنَ الرضَاع مَا يَحْرُمُ مِنَ النسَبِ، وَهِي ابنةُ أخي مِنَ الرضَاعَةِ ". الحديث الثاني عَنْ عَاِئشَةَ ﵂ قالَت: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إنُّ الرضَاعَةَ تُحَرِّمُ مَا يَحْرُمُ مِنَ الولادةَ ".

стр. 607

المعنى الإجمالي: رَغِبَ على بن أبي طالب ﵁، من النبي ﷺ أن يتزوج بنت عمهما حمزة (١) . فأخبره ﷺ أنها لا تحل له، لأنها بنت أخيه من الرضاعة. فإنه ﷺ ، وعمه حمزة رضعا من (ثويبة) وهى مولاة لأبي لهب، فصار أخاه من الرضاعة، فيكون عم ابنته، ويحرم بسبب الرضاع، ما يحرم مثله من الولادة. ما يستفاد من الحديث: ١- ما يثبت في الرضاع من المحرمية، ومنها تحريم النكاح. ٢- أنه يثبت فيه مثل ما يثبت في النسب. فكل امرأة حرمت نسبا، حرمت من تماثلها رضاعا. ٣- الذين تنشر فيهم المحرمية من أجل الرضاع، هم المرتضع وفروعه، أبناؤه وبناته ونسلهم. أما أصوله، من أب، وأم، وآبائهم، فلا يدخلون في المحرمية. وكذلك حواشيه، من إخوة وأخوات، وأعمام، وعمات، وأخوال، وخالات. كل هؤلاء غير داخلين في حكمه. والرضيع يكون كأحد أولاد المرضعة، فتكون أمه، وصاحب اللبان أباه، وأولادهما إخوته وأخواته وآباؤه منهما- وإن عَلوْا- أجداده، وأعمامهما: وعماتهما، وأخوالهما، وخالاتهما ووأعمامه، وأخواله، وإخوانهما وأخواتهما، أعمامه وعماته، وأخواله، وخالاته. الحديث الثالث وَعَنْهَا قَالَتْ: إن أفلحَ- أخَا أبي القُعَيْس- استأذن عَليَّ بَعْدَ مَا أنزل الحجاب، فَفُلْتُ: والله لا آذَنُ لَهُ حَتى أستأذن النبي ﷺ فإن أخا أبي القُعيس لَيسَ هُوَ أرضعني وَلكِن أرضعتني امرأة أبي القُعَيس. فَدَخلَ عَلى رَسُولُ الله ﷺ ، فَقُلْت يَا رسول الله إن الرَّجُلَ لَيسَ هُوَ أرضَعَنِي وَلكِنْ أرضَعَتْنِي امرأَتَهُ. فَقالَ: (اِئْذَنِي لَهُ) فَإِنَّهُ عَمُّكِ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ. قالَ عُرْوَةُ: فَبِذلِكَ كَانَتْ عَاِئِشَةُ تَقول: حَرِّمُوا مِن الرضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ.

стр. 608

في لفظ: ثم اِستأذَنَ عَلَيَّ أفلَحُ فَلَمْ آذَنْ لَهُ، فَقَالَ: أَتَحْتَجِبِين مِنِّي وَأَنَا عَمُّكِ؟ فَقُلْتُ: كَيفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أرْضَعَتْك امْرَأةُ أخِي بِلبَن أخِي. قَالتْ: فَسَألتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ: "صَدَقَ أفلحُ، ائذَني لَهُ، تَرِبَت يَمِينُكِ". تربت: أي افتقرت. والعرب تدعو على الرجل، ولا تريد وقوع الأمر به. الغريب: أفلح: بفتح الهمزة، بعدها فاء ساكنة، ثم لام، ثم حاء مهملة غير منون لأنه لا ينصرف. القعيس: بقاف مضمومة، ثم عين مهملة، فياء مثناة تحتية، فسين مهملة. عند الدارقطني: أن اسمه وائل بن أفلح الأشعري. آذن له: بالمد. بعد ما أنزل الحجاب: كان النساء في صدر الإسلام يُسْفِرْنَ بعد أعقاب الجاهلية فأنزل الله تعالى آية الحجاب ﴿يا أيها النبي قل لأزْوَاجكَ وَبَنَاتكَ وَنِسَاءِ المُؤمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِن مِنْ جلابيبهن﴾ الآية. سنة خمس فاحتجبن عن الرجال. والجلباب: هو الملحفة: مثل (العباءة) . تَرِبت يمينك: يعنى لصقت بالتراب من الفقر، دعاء تقوله العرب ولا تريد المقصود منه. المعنى الإجمالي: استرضعت عائشة ﵂ من زوجة أبي القُعَيس. وبعد ما أمر الله تعالى نساء النبي ﷺ وبناته ونساء المؤمنين بالحجاب عن الرجال الأجانب، جاء أخو والد عائشة من الرضاعة، يستأذن عليها بالدخول، فأبت أن تأذن له، لأن التي أرضعتها زوجة أبي القعيس، لا هو. واللبن للمرأة لا للرجل، فيما تظن. فدخل عليها رسول الله ﷺ ، فأخبرته الخبر فقال: " ائذني له فإنه عمك " فعلمت عائشة ﵂ أن اللبن الذي يرتضع، إنما هو من أثر ماء الرجل والمرأة. فكانت بعد هذا تقول: حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب. ما يستفاد من الحديث: ١- فيه دليل على ثبوت حكم الرضاع من زوج المرضعة وأقاربه، لأنه صاحب اللبن، فإن اللبن تسبب عن ماءه وماء المرأة جميعا. فوجب أن يكون الرضاع منهما وتنتشر الحرمة من قِبَلِهِمَا سواء. وهذا مذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، وأهل الحديث، وأصحاب المذاهب، خلافا لطائفة قليلة يرون: أن الحرمة لا تنتشر إلا من قبل المرأة فقط، وهو رد للنصوص الصحيحة.

стр. 609

٢- فيه دليل على وجوب احتجاب النساء من الرجال غير المحارم، مع صريح القرآن في ذلك، فقد كان التعذر في أول الإسلام فبقى على عادة الجاهلية حتى حرم سنة خمس من الهجرة وهكذا جميع الشرائع الإسلامية لم يلزم الناس بها دفعة واحدة، أو في سنة واحدة. وإنما تنزل شيئاً فشيئا، يستدرج بها الشارع الحكيم الناس لتخف عليهم فيقوموا بها. والله حكيم في شرعه، عليم بأحوال خلقه. وما يفوه به دعاة السفور، ممن لا حظ لهم من علم، ولا نصيب لهم من فكر، ولا وازع لهم من ضمير وخُلُق- مع كونهم لم يفكروا فيما يجره من المفاسد والعواقب الوخيمة، لم يستندوا فيه إلى نقل صحيح، ولا على عقل واع، ولا على ذوق مستقيم. وإلا فإن السفور هو أول الشر، وهو السبب في اختلاط الجنسين الذي جرَّ المصائب، وهتك الأعراض، وأفسد البيوت وفرق الأسر، وسبب الخيانات. والذين أباحوه- وهم قلة- لا يستندون إلى دليل، ولو رأوْا ما صار إليه الناس، وما آل إليه أمر البلاد التي تدرجت إلى الشر بإباحته، لتمنوا الرجوع إلى أجداثهم. ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمْرهِ أنْ تُصيِبَهُمْ فِتْنَة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ فإنا لله، وإنا إليه راجعون. اللهم بَصر عبادك في أمر دينهم، وأعدهمْ إلى حظيرته. يا سميع الدعاء. الحديث الرابع وَعَنْهَا قالَت: دَخَلَ عَلَي رسول الله ﷺ وعندي رجل، فَقَالَ: يَا عَاِئشَةُ، مَنْ هذَا؟ قُلْتُ: أخِي مِنَ الرضَاعَةِ. فَقالَ: "يَا عَائشَة، انظُرنَ مَنْ إخْوَانكُن، فإنمَا الرضَاعَةُ مِنَ المجَاعَةِ". المعنى الإجمالي: دخل النبي ﷺ على عائشة، فوجد عندها أخاها في الرضاعة- وهو لا يعلم عنه- فتغير وجهه ﷺ ، كراهةً لتك الحال، وغيرة على محارمه. فعلمت السبب الذي غيَّر وجهه، فأخبرته: أنه أخوها من الرضاعة. فقال: يا عائشة انظرْن وتثبتنَ في الرضاعة، فإن منها ما لا يسبب المحرمية، فلا بد من رضاعة ينبت عليها اللحم وتشتد بها العظام، وذلك أن تكون من المجاعة، حين يكون الطفل محتاجا إلى اللبن، فلا يتقوت بغيره، فيكون حينئذ كالجزء من المرضعة، فيصير كأحد أولادها، فّتثبت المحرمية.

стр. 610

ما يؤخذ من الحديث: ١- غيرة الرجل على أهله ومحارمه، من مخالطة الأجانب. ٢- إذا أحس الرجل من أهله ما يريبه، فعليه التثبت قبل الإنكار. ٣- التثبت من صحة الرضاع المحرم وضبطه. فهناك رضاع لا يحرم، كأن لا يصادف وقت الرضاع المحرم. ٤- أنه لابد أن يكون الرضاع في وقت الحاجة إلى تغذيته، فإن الرضاعة من المجاعة، ويأتي تحديد ذلك، عددا، ووقتا، والخلاف فيه، إن شاء الله. ٥- والحكمة في كون الرضاع المحرم هو ما كان من المجاعة، لأنه حين يتغذى بلبنها محتاجا إليه، يشب عليه لحمه، وتقوى عظامه، فيكون كالجزء منها، فيصير كولد لها تغذى في بطنها، وصار بضعة منها. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في قدر الرضاع المحرم. فذهب طائفة من السلف والخلف إلى أن قليل الرضاع وكثيره يحرم، وهو مروي عن علي، وابن عباس، وهو قول سعيد بن المسيب، والحسن البصري، والزهري، وقتادة، والأوزاعى، والثوري. وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، وحجتهم: أن الله علق التحريم باسم (الرضاعة) وكذلك (القرآن) أطلقها ولم يقيدْهَا بشيء، فحيث وجد اسمها وجد حكمها. وذهبت طائفة أخرى: إلى أنه لا يثبت التحريم بأقل من ثلاث رضعات. وهذا قول أبي ثور، وابن المنذر، وداود. وحجة هؤلاء، ما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يحرم المصة ولا المصتان" رواه مسلم. فمفهوم الحديث: أن ما زاد على المصتين يثبت به التحريم، وهو الثلاث فصاعداً. وذهبت طائفة ثالثة إلى أنه لا يثبت بأقَل من خمس رضعات. وهذا قول عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعطاء، وطاوس. وهو مذهب الأئمة الشافعي. وأحمد، وابن حزم. ودليل هؤلاء، ما ثبت في صحيح (مسلم) عن عائشة ﵂ قالت:

стр. 611

"كان فيما أنزل من القرآن عَشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفى رسول الله ﷺ ، وهى فيما يقرأ من القرآن". وما جاء في صحيح (مسلمٍ) أيضاً في قصة سهلة، زوجة أبي حذيفة، حينما قالت: [إنا كنا نرى سالما ولدا، وكان يأوي معي، ومع أبي حذيفةَ، في بيت واحد ويراني فضلى. وقد أنزل الله فيهم ما قد علمت، فكيف ترى فقال فيه؟. فقال ﷺ : "أرضعيه" فأرضعته خمس رضعات، فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة] . وأجابت هذه الطائفة، عن أدلة الطائفتين الأوليين فقالت: وأما من يرون أن قليله وكثيره يحرم، فجوابهم الحديث الصحيح المتقدم "لا تحرم المصة ولا المصتان". وأما جواب أصحاب الثلاث، فهو أن دليلهم مفهوم، والمنطوق مقدم عليه، والعمل بأحاديث الرضعات الخمس، إعمال للأحاديث كلها. فائدة: ما هي الرضعة التي يحصل بها العدد، وما مقدارها؟ الشارع ذكر الرضعة وأطلقها إلى ما يعرفه الناس ويعدونه رضعة، والرضعة، معناها، المرة من الرضعات، كالأكلة من الأكلات، والشربة من الشربات. والناس لا يعدون الأكلة: إلا الوجبة التامة، سواء تخللها قيام، أو اشتغال يسير، أو قطعها لعارض، ثم رجع إليها، لأنه لم يكملها. فهكذا الرضعة. فالصحيح أنها لا تحسب رضعة إلا ما رضعه الصبي، ثم تركه لغير عارض ولا شاغل، بل عن طيب نفس وري. وهو مذهب الشافعي، وهى الرواية الثانية عن الإمام أحمد ونصرها (ابن القيم) في (الهدى) واختارها شيخنا (عبد الرحمن آل سعدي) . أما إذا نقلته المرضعة من ثدي إلى ثدي، أو جاءه ما يلهيه ثم تركه، أو نحو ذلك، فالصحيح أن هذه المصة، لا تعد رضعة. واختلف العلماء في وقت الرضاع الذي يتعلق به التحريم، ولهم في ذلك أقوال، ولكن التي تصلح للبحث والمناقشة، ويستند إلى الأدلة، أربعة مذاهب هي: الأول: أن الرضاع المعتبر، هو ما كان في الحولين فقط. الثاني: هو ما كان في الصغر، ولم يقدروه بزمان.

стр. 612

الثالث: أن الرضاع يحرِّم ولو كان للكبير البالغ، أو الشيخ. الرابع: أن الرضاع لا يكون محرماً إلا ما كان في الصغر، إلا إذا دعت الحاجة إلى رضاع الكبير، الذي لا يستغنى عن دخوله، ويشق الاحتجاب منه. فذهب إلى الأول، الشافعي، وأحمد، وصاحبا أبي حنيفة، أبو يوسف، ومحمد بن الحسن. وصح عن عمر، وابن مسعود، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن عمر. وروى عن الشعبي، وهو قول سفيان، وإسحاق، وابن المنذر. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالوَالِدَاتُ يُرضِعْنَ أولادهُن حَولَين كَامِلَيْن لِمَنْ أرَادَ أن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فجعل تمام الرضاعة حولين، فلا حكم لما بعدهما، فلا يتعلق به تحريم. وحديث " إنما الرضاعة من المجاعة "، المتقدم، ومدة المجاعة، هي ما كان في الحولين. وما رواه الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عباس يرفعه "لا رضاع إلا ما كان في الحولين ". وفي سنن أبي داود من حديث ابن مسعود يرفعه "لا يحرم من الرضاع إلا ما أنبت اللحم وأنشز العظمْ". ورضاع الكبير لا ينبت اللحم ولا ينشز العظم. وذهب إلى القول الثاني، أزواج النبي ﷺ ، خلا عائشة. وروي عن ابن عمر، وابن المسيب، واختاره شيخ الإسلام (ابن تيميه) ودليل هؤلاء ما في الصحيحين أنه قال: "إنما الرضاعة من المجاعة" فيقتضي عمومه، أن مادام الطفل غذاؤه اللبن، أن ذلك الرضاع محرم، وهو نظر جيد، ومأخذه قَويّ. وذهب إلى القول الثالث، طائفة من السلف والخلف، منهم عائشة، وروي عن علي، وعروة، وعطاء، وقال به (الليث بن سعد) و (داود) و (ابن حزم) ونصره في كتابه [المحلى] ورد حجج المخالفين. وكانت عائشة إذا أحبت أن يدخل عليها أحد من الرجال، أمرت أختها أم كلثوم، أو بنات أخيها فأرضعته. ودليل هؤلاء، ما صح عن النبي ﷺ [أن سهلة بنت سهيل قالت: يا رسول الله، إن سالما مولى أبي حذيفة معنا في بيتنا، وقد بلغ ما يبلغ الرجال، فقال: "أرضعيه تحرمي عليه" فكان بمنزلة ولدها من الرضاعة، رواه مسلم.

стр. 613

وهذا حديث صحيح ليس في ثبوته كلام. ولكن أصحاب القول بالحولين يجيبون عنه بأحد جوابين. الأول: أنه منسوخ، ولكن دعوى النسخ، تحتاج إلى معرفة التأريخ بين النصوص، وليس هناك علم بالمتقدم منها والمتأخر. ولو كان منسوخا، لقاله الذين يُحَاجُّون عائشة في هذه المسألة ويناظرونها من أزواج النبي ﷺ وغيرهن. الجواب الثاني: دعوى الخصوصية، فيرون هذه رخصةً خاصة لسالم وسهلة، وليست لأحد غيرهما. وتخريج هذا المسلك لهم، أنهم يقولون: جاءت سهلة شاكية متحرجة من الإثم والضيق، لما نزلت (آية الحجاب) فرخص لها النبي ﷺ فكأنه استثناها عن عموم الحكم. قالوا: ويتعين هذا المسلك، وإلا لَزِمَنا أحدُ مسلكين، إما نسخ هذا الحديث بالأحاديث الدالة على اعتبار الصغر في التحريم، أو نسخها به. ولا يمكن هذا، لأننا لا نعلم تاريخ السابق منها واللاحق. وبهذا المسلك نتمكن من العمل بالأحاديث كلها فيكون هذا الحديث خاصا ب (سالم) و (سهلة) وسائر الأحاديث لعامة الأمة. وذهب إلى القول الرابع (وهو أن تأييد رضاع الكبير رخصة عامة لكل من هو في مثل حال (سهلة) شيخ الإسلام (ابن تيميه) وجعله توسطا بين الأدلة وجمعا بينها، حيث إن النسخ لا يمكن بين هذه النصوص، لعدم العلم بالتاريخ. والخصوصية لـ (سالم) وحده لم تثبت، فتكون خصوصية في مثل من هو في حال (سالم) وزوج أبو حذيفة، حيث يشق الاحتجاب عنه، ولا يستغني عن دخوله والخلوة به. ورجح هذا المسلك (ابن القيم) في (الهدى) فقال: وهذا أولى من النسخ ودعوى الخصوصية لشخص بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين، وقواعد الشرع تشهد له. والله الموفق.

стр. 614

الحديث الخامس عَنْ عُقْبَةَ بن الحَارِثِ: أنَهُ تَزَوَّجَ أم يحي بِنْت أبي إهَاب. فَجَاءت أمَة سَودَاء فَقَالَتْ: قَد أرضعتكما. فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِلنَّبي ﷺ ، قالَ: فَأعرَضَ عَنها. قَالَ: فَتَنَحَّيْتُ فَذَكَرتُ ذلِكَ لَهُ، فَقَالَ " وَكَيفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أن قَدْ أرْضَعَتْكُمَا " (١) . المعنى الإجمالي: تزوَّج (عقبة بن الحارث) أم يحيى بنت أبي إهاب (٢) فجاءت أمة سوداء فأخبرته أنها قد أرضعته وأرضعت زوجه، وأنهما أخوان من الرضاعة. فذكر للنبي ﷺ قولها، وأنها كاذبة في دعواها. فقال النبي ﷺ -منكرا عليه رغبته في البقاء معها، مع شهادة هذه الأمة-: كيف لك بذلك، وقد قالت هذه المرأة ما قالت، وشهدت بما علمت؟. ما يستفاد من الحديث: ١- أنه إذا ثبت الرضاع المحرم بين الزوجين، انفسخ نكاحهما. ٢- أن الرضاع يثبت، وتترتب أحكامه بشهادة امرأة واحدة، ويأتي الخلاف في ذلك، إن شاء الله تعالى. ٣- وفيه إثبات القاعدة الشرعية العامة وهي: (يثبت تبعا مالا يثبت استقلالا) ، ووجهه أن شهادة المرأة لا تكفي في فسخ النكاح وفي الطلاق، فإذا شهدت بالرضاع، ثبت حكمه، فيثبت فسخ النكاح تبعا له. ٤- قبول شهادة الرقيق إذا كان عَدْلاً، لقوله، " أمة " ولا بد في الشهود كلهم من العدالة، وانتفاء التهمة. ٥- الإنكار على من حاول البقاء على المحرمات، ولو يجعله تأويلاً. ٦- أن وطء الشبهة لا يوجب شيئاً، وصاحبه معذور عن حَدِّ الدنيا وعذاب الآخرة، لأن العلم شرط في إقامة الحدود، ووعيد الله على العامدين. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في شهادة ثبوت الرضاع.

стр. 615

فذب الشافعي، وعطاء: إلى أنه لابد من أربع نسوة، لأن كل امرأتين في منزلة الرجل الواحد. وذهب مالك، والحكم: إلى أنه لا يقبل إلا شهادة امرأتين، لأن الرجال أكمل شهادة، ومع هذا لا يقبل في الشهادة إلا رجلان. وذهب الحنفية: إلى أنه لا يقبل إلا رجلان، أو رجل وامرأتان. لقوله تعالى: ﴿وَاستشْهِدُوا شَهِيدَين مِنْ رِجالِكُم فَإنْ لَم يَكُونَا رَجُلَين فَرَجُل وَامرَأتانِ﴾ والجمهور على عدم العمل بهذا الحديث، وحملوه على أنه من باب الورع. وأن النهي فيه للتنزيه. وذهب الإمام أحمد وهو من مفرداته عن الأئمة الثلاثة: إلى أنه يكتفي لثبوت الرضاع بشهادة امرأة مرضية. وقد نقل عن عثمان وابن عباس. وقال بهذا القول طاوس، والحسن، والزهري، والأوزاعي، وإسحاق. ودليل هذا القول، حديث الباب الذي تقدم شرحه، وهو دليل واضح صحيح. والله الموفق. فائدة: ينبغي حفظ الرضاع وضبطه، في حينه، وكتابته. فيحفظ من رضع منه ولده، ومن شاركه في الرضاع، ومن رضع من لبنه، ويبين مقدار الرضاع، ووقته، حتى لا تقع المشكلات بعد النكاح، فيحصل التفرق والندم، وتشتت الأولاد، والأسف على الماضي، وغير ذلك من المفاسد الكثيرة. الحديث السادس عَنِ الْبَراء بْنِ عَازِب ﵁ قَالَ: خَرَج رَسُولُ الله ﷺ -يَعْني مِنْ مَكةَ- فَتَبِعَتْهُمُ ابُنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يا عم. فَتَنَاوَلَهَا عَلي فَأخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: دونَك ابنةَ عَمكِ فَاحتَمَلَتْهَا. فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلي، وَجَعْفَر، وَزيد. فقال عَلي: أنَا أحَقُّ بِهَا وَهِي ابنةُ عَمي. وَقَالَ جَعْفَر: ابنهُ عَمِّي وخالتها تَحْتي. وَقَالَ زيد: بنْتُ أخِي. فَقَضَى بِهَا رَسُولُ الله ﷺ لِخَالتهَا، وَقَالَ: "الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأم ". وقالَ لِعَلىِّ: " أنْتَ مِني وَأنَا مِنْك". قالَ لِجَعفَر: " أشبهت خَلْقِي وَخُلُقِي ". وقالَ لِزَيدٍ: " أنتَ أخونا ومولانا" (١)

стр. 616

الغريب: دونكِ: بكسر الكاف، خطاب، لأنثى، وهو اسم فعل منقول من الظرف بمعنى خُذِيهَا. وقال زيد: بنت أخي: البنت لحمزة بن عبد المطلب، وزيد من قبيلة كلب. فمراده إذا الأخوة الإسلامية، التي آخاها النبي ﷺ من المهاجرين، حين هاجروا إلى المدينة. خَلقي: بفتح الخاء وإسكان اللام، والمراد به، الصفات الظاهرة. وخُلُقِي: بضم الخاء واللام، المراد به الصفات الباطنة. ومولانا: أي عتيقنا، فالمولى يطلق على السيد، فيكون مولىً من أعلى، ويطلق على العتيق، فيكون مولىً من أسفل. المعنى الإجمالي: لما فرغ النبي ﷺ ، من "عمرة القضاء" في السنة السابعة،: وخرجوا من مكة، تبعتهم ابنة حمزة بن عبد المطلب، تنادى: "يا عم يا عم" فتناولها ابن عمها على بن أبي طالب ﵁، فأخذ بيدها وقال لزوجه فاطمة: خذي ابنة عمك، فاحتملتها. فاختصم في الأحقية بحضانتها ثلاثة: ١- على ٢- وأخوه جعفر ٣- وزيد بن حارثة الكلبي، مولى رسول الله ﷺ ، وكل منهم أدلى بحجته لاستحقاق الحضانة. فقال علي: هي ابنة عمى، فأنا أحق بها. وقال جعفر: هي ابنة عمى، وخالتها: زوجتي. وقال زيد: هي بنت أخي الذي عقد بيني وبينه رسول الله ﷺ مؤاخاة، يثبت بها التوارث والتناصر، فأنا أحق بها. فحكم النبي ﷺ بما أرضى قلوبهم، وطيب خواطرهم. فقضى بالبنت للخالة، لأنها بمنزلة الأم في الحُنُوَّ والشفقة، وكانت عند جعفر. وقال لِعلي: " أنت مني وأنا منك " وكفى بهذا فخراً، وفضلا. وقال لجعفر: " أشبهت خَلقِي وَخُلُقِي " فأنت مثلي بالأخلاق الظاهرة والصورة، ومثلي في الأخلاق الحميدة الباطنة، من الحلم، والكرم، واللطف وغيرها، وكفى بهذه بشارة وسروراً. فقد طيب خاطره لأن الحكم بالحضانة له من أجل زوجه وهي خالة المحضونة لا من أجله هو. وقال لزيد: أنت أخونا في الإسلام، ومولانا، ومولى القوم منهم. فكل منهم رضي واغتبط بهذا الفضل العظيم.

стр. 617

ما يستفاد من الحديث: ١- ثبوت الحضانة لحق الصغير والمعتوه، لحفظه، وصيانته، والقيام بشئونه. وهي من رحمة الله تعالى بخلقه. ٢- أن العصبة من الرجال، لهم أصل في الحضانة، ما لم يوجد من هو أحق منهم، حيث أقر ﷺ كلا من عَلي، وجعفر في ادِّعائه حضانة ابنة عمه، ولم ينكر عليهما. ٣- أن الأم مقدمة في الحضانة على كل أحد، فإنه لم يعطها الخالة في هذه القصة إلا لأنها (بمنزلة الأم) لكمال شفقتها وبِرِّهَا. ٤- أن الخالة تَلي الأم في الحضانة، فهي بمنزلتها في الحُنُو والشفقة. ٥- أن الأصل في الحضانة، هو طلب تحقق الشفقة والرحمة لهذا العاجز القاصر، وهذا من رحمة الله تعالى ورأفته بالعاجزين والمقطعين، إذ هيأ لهم القلوب الرحيمة. ٦- أنَّ المرأة المزوجة، لا تسقط حضانتها إذا رضي زوجها بقيامها بالحضانة، لأنها لم تسقط عنها إلا لأجل التفرغ لحقوق الزوج، والقيام ببيته وشئونه. فإذا رضي بقيامها بالحضانة، فهي باقية على حقها منها. وبهذا يحصل التوفيق بين قضاء النبي ﷺ بالحضانة لجعفر، وبين قوله ﷺ للمرأة المطلقة -حين نازعها مطلقها في ابنهما-: " أنت أحق به ما لم تُنْكَحِي " رواه أحمد، وأبو داود. ٧- حُسْنُ خلق النبي ﷺ ولطفه، إذ حكم لواحد من الثلاثة وأرضاهم جميعاً بما طَيَّب أنفسهم، وأرضى ضمائرهم، فراحوا مسرورين مغتبطين. فصلوات اللَه وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. قال شيخ الإسلام: فكل من قدمناه من الأبوين إنما نقدمه إذا حصل به مصلحتها (أي البنت) أو اندفعت به مفسدتها، فأما مع وجود فساد أمرها مع أحدهما فالآخر أولى بها بلا ريب، حتى الصغير إذا اختار أحد أبويه، وقدمناه إنما نقدمه بشرط حصول مصلحته وزوال مفسدته فإنه ضعيف العقل قد يختار أحدهما لكونه يوافق هواه الفاسد، ويكون الصبي مقصده معاشرة الأضرار وترك ما ينفعه من العلم والدين والأدب والصناعة، فيختار من أبويه من يحصل له معه ما يهواه، ومتى كان الأمر كذلك فلا ريب أنه لا يمكن من

стр. 618

يفسد معه حاله. وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالقرابة والنكاح والولاية، بل هو من جنس (الولاية) ولاية النكاح والمال التي لابد فيها من القدرة على الواجب وفعله بحسب الإمكان. ومما ينبغي أن يعلم أن الشارع ليس له نص عام في تقديم أحد الأبوين مطلقاً، ولا تخيير أحد الأبوين مطلقا، والعلماء متفقون على أنه لا يتعين أحدهما مطلقا، بل مع العدوان والتفريط لا يقدم من يكون كذلك على البر العادل المحسن القائم بالواجب. والله أعلم. ثم قال ﵀: إذا تزوجت الأم فلا حضانة لها، ومن حضنت الطفل ولم تكن الحضانة لها وطالبت بالنفقة لم يكن لها ذلك فإنها ظالمة بالحضانة، فلا تستحق المطالبة بالنفقة. وقال الصنعاني: لم يتكلم الشارح (أي ابن دقيق العيد) على التوفيق بين حديث الباب والحكم بالحضانة للخالة وبين حديث عمرو بن شعيب أن امرأة قالت: يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثدي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينتزعه مني، فقال لها رسول الله ﷺ : "أنت أحق به ما لم تنكحي" أخرجه أبو داود. وقال ابن القيم: إنه حديث احتاج الناس فيه إلى عمروبن شعيب، ولم يجدوا بدًّا من الاحتجاج به، وليس عن النبي ﷺ حديث في سقوط الحضانة بالتزوج غير هذا. وقد ذهب إليه الأئمة الأربعة وغيرهم. ووجه المعارضة أنه ﷺ حكم بابنة حمزة لخالتها، وهي متزوجة بجعفر، ولم يقل: إنها سقطت حضانتها بتزويجها وجمع بينهما بأن الزوج إذا رضي بأن امرأته تحضن من لها حق في حضانته بقي حقها ثابتا في حضانة من يستحق حضانته، وها هنا قد كان الزوج وهو جعفر هو المطالب في حق حضانة بنت حمزة لخالتها، فهو رضا منه وزيادة. قيل: وكأن وجه سقوط حق المرأة في الحضانة إذا تزوجت هو شغلها بحق الزوج عن الحضانة، فإذا رضى الزوج بقي حقها ثابتا لعدم المقتضي سقوط حقها في الحضانة.

стр. 619

كِتَابُ القِصَاص قال (ابن فارس) : (القاف والصاد، أصل صحيح، يدل على تَتَبعِ الشيء ومن ذلك قوله اقتصصت الأثر إذا تتبعته، ومن ذلك اشتقاق القصاص في الجراح وذلك أنه يفعل به، مثل فعله بالأول) . فهو شرعا: تتبع الدم بالقَوَدِ. والأصل في القصاص، الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. فأما الكتاب فلقوله تعالى: ﴿النَّفس بِالنَّفْس﴾ الآية، و ﴿كُتِبَ عليكم القِصَاصُ في القتلى﴾ . وأما السنة، فكثير. ومنه قوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث- إلى قوله: - والنفس بالنفس". وأجمع العلماء عليه في الجملة. وهو مقتضى القياس، فهو المساواة بين الجاني والمجني عليه. حكمته التشريعية: حكمته متجلية في هذه الآية الكريمة البليغة ﴿ولكم في القِصَاص حَيَاة﴾ قال الشوكاني: (أي لكم في هذا الحكم الذي شرعه الله لكم حياة) . وذلك لأن الرجل إذا علم أنه يقتل قصاصاً إذا قتل آخر، كَفَّ عن القتل وانزجر عن التسرع إليه، والوقوع فيه، فيكون ذلك بمنزلة الحياة للنفوس الإنسانية. وهذا نوع من البلاغة بليغ، وجنس من الفصاحة رفيع، فإنَّه جعل القصاص الذي هو موت حياةً باعتبار ما يؤول إليه من ارتداع الناس عن قتل بعضهم بعضاً، إبقاء على أنفسهم، واستدامة لحياتهم. ولهذا نجد كثرة القتل: الجرائم عند الأمم التي زعمت المدنية، فحكمت بالقوانين الوضعية، فلم تجاز الجاني بما يستحق، بل حكمت بالسجن تَمَدُّناً ورحمة. ولم ترحم المقتول الذي فقده أهله، وبنوه. ولم ترحم الإنسانية، التي أصبحت غير آمنة على دمائها بيد هؤلاء السفهاء، والذين لا تلذ لهم الحياة إلا في غياهب السجون. فهؤلاء الذين عدلوا عن القوانين السماوية إلى القوانين الأرضية، لم يفكروا في عواقب الأمور، لأنهم ليسوا من "أولى الألباب" الذين يتدبرون فيعقلون.

стр. 620

الحديث الأول عَنْ عبدِ الله بْنِ مسعُودٍ ﵁ قال: قالَ رَسولُ الله ﷺ : " لا يَحِلُّ دَمُ امرئ مُسْلمٍ يَشهدُ أن لا إله إلا الله وَأني رَسُولُ الله إلا بإحْدَى ثلاث: ١- الثيبُ الزًاني ٢- وَالنفْسُ بِالنَفْس ٣- وَالتاركُ لِدِينهِ المُفَارِقُ لِلجمَاعَةِ. المعنى الإجمالي: حرص الشارع الحكيم الرحيم على إبقاء النفوس وأمْنِها، فجعل لها من شرعه حماية ووقاية، فجعل أعظم الذنوب -بعد الإشراك بالله- قتل النفس التي حرم الله. وحرم -هنا- قتل المسلم الذي أقر بالشهادتين إلا أن يرتكب واحدة من الخصال الثلاث. الأولى: أن يزني وقد مَن الله عليه بالإحصان، وأعف فرجه بالنكاح الصحيح. والثانية: أن يعمد إلى نفس معصومة، فيزهقها عدوانا وظلما. فالعدل والمساواة لمثل هذا، أن يلقى مثل ما صنع إرجاعا للحق إلى نصابه وردعا للنفوس الباغية عن العدوان. والثالثة: من يبتغى غير سبيل المؤمنين، بالارتداد عن دينه، والرجوع عن عقيدته، فهذا يقتل لأنه لا خير في بقاء من ذاق حلاوة الإيمان، ثم رغب عنه وزهد فيه. فهؤلاء الثلاثة يقتلون، لأن في قتلهم سلامة الأديان والأبدان والأعراض. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم قتل المسلم من ذكر وأنثى، وصغير وكبير، بغير حق. ٢- أن من أتى بالشهادتين (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وأتى بما تقتضيانه وابتعد عما يناقضهما، فهو المسلم. محرم الدم والمال والعرض، له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم. ٣- تحريم فعل هذه الخصال الثلاث أو بعضها، وأن من فعل شيئا منها، استحق عقوبة القتل، إما كفرا، أوحدا، فدمه هدر. ٤- الثيب، يراد به المحصن، وهو من جامع وهو حُر مكلف، في نكاح صحيح، سواء أكان رجلا أم امرأة. فإذا زنا، فعقوبته الرجم بالحجارة حتى يموت. ٥- أن من قتل معصوما عمدا عدواناً، فهو مستحق للقصاص بشروطه.

стр. 621

٦- أن المرتد عن الإسلام يقتل، لأن ردته دليل على خبث طويته، وأن قلبه خال من الخير وغير مستعد لقبوله، سوءا أكان ذكرا أم أنثى، فإن كفره أعظم من الكفر الأصلي. ٧- استدل بهذا الحديث على أن تارك الصلاة لا يقتل بتركها، لكونه ليس من الأمور الثلاثة. أما ابن القيم فقد قال في كتاب الصلاة: وأما حديث ابن مسعود- ولا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث- فهو حجة لنا في قتل تارك الصلاة، فإنه جعل منهم التارك لدينه، والصلاة ركن الدين الأعظم، ولا سيما إن قلنا بأنه كافر، فقد ترك الدين بالكلية، وأنه إن لم يكفر فقد ترك عمود الدين. الحديث الثاني عن عبد الله بن مسعود ﵁ قالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "أول ما يقضى بيْنَ الناس يَوْمَ القيامَةِ، في الدماءِ". المعنى الإجمالي: يحاسب الله تعالى الخلائق يوم القيامة، ثم يقضي بينهم بعدله. ويبدأ من المظالم بالأهم. بما أن الدماء هي أعظم وأهم ما يكون من المظالم، فإنها أول ما يقضي به منها في ذلك اليوم العظيم. ما يستفاد من الحديث: ١- عِظَمُ شأن دم الإنسان، فإنه لم يبدأ به يوم القيامة إلا لكونه أهم وأعظم من غيره من أنواع مظالم العباد. قال ابن دقيق العيد: فيه تعظيم لأمر الدماء، فإن البداءة تكون بالأهم فالأهم، وهي حقيقة بذلك فإن الذنوب تعظم بحسب عظم المفردة الواقعة بها، أو بحسب فوات المصالح المعلقة بعدمها، وهدم البنية الإنسانية من أهم المفاسد، ولا ينبغي أن يكون بعد الكفر بالله تعالى أعظم منه. ٢- إثبات يوم القيامة والحساب والقضاء: الجزاء فيه. ٣- هذا الحديث لا ينافي ما أخرجه أصحاب السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 622

أول ما يحاسب عنه العبد صلاته، لأن حديث الباب فيما بين العبد وبين غيره من الخلق، وحديث الصلاة، فيما يتعلق بحقوق الخالق. ولا شك أن أعظم حقوق الناس هي الدماء، وأن أعظم حقوق الله على المسلم، الصلاة. ٤- أنه على القضاء والمحاكم العناية بأمر قضايا الدماء والقتل، وجعل الأهمية لها والأولوية على غيرها من القضايا. الحديث الثالث عَنْ سَهْل بْنِ أبي حَشمَةَ قَال: انطلق عَبْدُ الله بْن سهل وَمحَيصَةُ بْنُ مَسْعُود إلَى خَيْبَرَ -وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْح- فَتَفَرَّقَا. فَأتَى مُحَيصةُ إلَى عَبْدِ الله بْن سَهْل وَهُوَ يَتَشَحطُ فِي دَمِه قَتِيلا. فَدَفَنَهُ. ثُمً قَدِمَ المَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرحمن بنُ سَهْل وَمُحَيصَةُ وَحُريصَةُ ابنا مَسْعُود إلى النبي ﷺ . فَذَهَبَ عَبْدُ الرحمن يتكلم. فَقَالَ ﷺ : (كَبِّر كَبِّر) وَهُو أحدث القَوْم، فَسكَتَ، فَتَكَلَمَا. فَقَال: "أتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقونَ قاتلكم أوْ صاحبكم "؟. قَالوا: وَكَيفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَرَ؟ قَال: "فتبرئكم يهود بِخَمسِينَ يمينا؟ ". قَالوا: وَكَيفَ بأيمان قَوْم كُفَّار؟. فَعَقَلَهُ النَّبي ﷺ مِنْ عِنْدِهِ. وَفي حَدَيثِ حَمادِ بن زَيدٍ: فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : "يقسم خَمْسُونَ منكم عَلَى رَجُل مِنْهُمْ فيدْفعُ بِرمتِهِ" قالوا: أمْر لَم نشهده، كَيفَ نَحْلِفُ؟. قال: "فتبرئكم يهود بِأيمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ " قالوا: يَا رسول الله، قوم كُفَّار؟. وَفي حَدِيِثِ سعد بن عبيد: فَكَرِهَ رَسُولُ الله ﷺ أنْ يُبطِل دمه، فَوَدَاهُ بمِائةٍ مِن إبِل الصَّدَقَةِ. الغريب: مُحَيصة: بضم الميم فحاء مهملة، فمثناة تحتية مشددة، فصاد مهملة، على صيغة التصغير. يتشحط: بفتح الياء التحتية والتاء الفوقية أيضا، بعدها شين معجمة، ثم حاء مهملة مشددة، بعدها طاء. يعنى: يضطرب ويتخبط. حُوَيِّصة: بضم الحاء وفتح الواو، فمثناة تحتية مشدَّدة، فصاد مهملة. كبَّر كَبِّر: بلفظ الأمر فيهما، والثاني تأكيد لفظي للأول. يعنى: ليتكلم الكبير سناً. أحدث القوم: أصغرهم. فعقله: أصله أن القاتل كان إذا قَتَل، جمع الديةَ من الإبل فعقلها بفناء أولياء المقتول أي: شدها في عقلها، ليسلمها إلى أهله. فسميت (عقلا) بالمصدر، وكثر استعماله للدية ولو بالنقود.

стр. 623

بِرمته: بضم الراء المهملة بعدها ميم مشددة مفتوحة، والرمة: الحبل، والمراد إذا استحققتم بأيمانكم قتله دفع إليكم أسيرا مقيدا بحبله، لا يستطع الهرب. فوداه: يعني: دفع دية. ما يستفاد من الحديث: ١- هذا الحديث أًصل في (مسألة القسامة (١) وصفتها: - أن يوجد قتيل بجراح أو غيره ولا يعرف قاتله، ولا تقوم البينة على من قتله، ويدَّعى أولياء المقتول على واحدٍ أو جماعة قتله، وتقوم القرائن على صدق الولي المدَّعِي، إما بعداوة بين القتيل والمدعي عليه، أو أن يوجد في داره قتيلا، أو يوجد أثاثه مع إنسان، ونحو ذلك من القرائن، فيحلف المدعي خمسين يمينا ويستحق دم الذي يزعم أنه القاتل. قال في فتح الباري: اتفقوا على أنها لا تجب لمجرد دعوى الأولياء حتى تقرن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها. فإن نكل، حلف المدعي عليه خمسين يمينا وبرئ. وإن نكل، قضى عليه بالنكول. ٢- المشهور من مذهب الإمام أحمد أنه لابد في صحة دعوى المدَّعِي من قرينة العداوة بين المقتول والمدعى عليه، وهو ما يسمى (باللوث) . فإن لم يكن ثَم عداوة، فلا قسامة. والرواية الثانية عنه: صحة الدعوى، وتُوَجَّه التُهمَةُ بما يغلب على الظن من القرائن، كأن يوجد القتيل في دار إنسان، أو يرى أثاثه عنده، أو توجد شهادة لا تثبت القتل، كشهادة الصبيان ونحو ذلك من القرائن. واختار هذه الرواية (ابن الجوزي) وشيخ الإسلام (ابن تيميه) . قال في (الإنصاف) : وهو الصواب، وهى مذهب الإمام الشافعي. ٣- دعوى القسامة خالفت سائر الدعاوى بأمور: الأول: أن اليمين توجهت على المدعي، وبقية الدعاوى، البينة على المدَّعي واليمين على المدعى عليه المنكر. الثاني: أنه يبدأ بأيمان المدعي أو المدعين، إن كانوا أكثر. الثالث: تكرير اليمين، وفي سائر الدعاوى يمين واحدة. وتشابه القسامة (مسألة اللعان) وتقدمت في بابها. ٤- إذا وجد القتيل المجهول القاتل، ووجدت القرائن على قاتله، حلف أولياء المقتول خمسين

стр. 624

يمينا على صحة دعواهم، فيستحقون دم المدعى عليه إذا كان القتل عمداً محضا، روى عن جماعة من الصحابة، وهو مذهب مالك، وأحمد، وأبي ثور، وابن المنذر، وهو المذهب القديم للشافعي، لقوله ﷺ " يُقْسِمُ خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع إليكم برمته". ولـ (مسلم) ويسلم إليكم. وفي لفظ [تستحقون دم صاحبكم] ، ولأنه حجة قويةِ، يثبت بها العمد، فيجب بها القتل، كالبينة. أما المشهور من مذهب الشافعي، فلا يستحقون إلا الدية لقوله: ﷺ " إما أن يَدوا صاحبكم، وإما أن يُؤذَنُوا بحرب". وإن كان القتل غير عمد وثبت القول على المتهم فعليه الدية. ٥- إذا نكل المدعون عن الدعوى، أو كانوا من غير أهل الأيمان [النساء والصبيان] توجهت الأيمان على المتهمين في القتل فيحلفون خمسين يمينا، أنهم لم يقتلوه، وأنهم لا يعلمون قاتله فإذا حلفوا برئوا، وإن نكلوا، أُدِينُوا بصدق الدعوى عليهم. ٦- إذا نكل أولياء المقتول على الأيمان، وحلف المدعى عليهم فحينئذ تكون دية القتيل من بيت المال، حتى لا يضيع دمه. ومثله المقتول في زحام حج، أو مسجد، أو حفل، أو وجد مقتولا ولا يعلم قاتله، ولا تدل القرائن على قاتل. كل هؤلاء ونحوهم تكون دياتهم من خزينة الدولة. ٧- أن اليمين تكون في جانب الأقوى من المتخاصمين. ففي [دعوى القسامة] توجهت الأيمان على أولياء المقتول أولا، لأن جانبهم تقوى بالقرائن الدالة على صحة دعواهم في قتل صاحبهم. والقرائن إذا قويت، فإنها من البيانات الواضحة. فإن نكلوا عن الأيمان، دل نكولهم على قوة جانب المدعى عليهم فيحلفون ويبرأون من التهمة. ٨- استحباب تقديم الأكبر سنا في الأمور، لما له من شرف السن، وكثرة العبادة، وممارسة الأمور، وكثرة الخبرة. ٩- قوله: [فوداه بمائة من إبل الصدقة] دليل على جواز صرف الزكاة في المصالح العامة. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيل الله﴾ . فسبيل الله، كل مصلحة عامة، فيها نفع للمسلمين. ١٠- جواز الوكالة في المطالبة بالحدود. ١١- وفيه دليل على رد اليمين على المدَّعِي من المدَّعَى عليه، أو عند نكول المدعي عليه. ١٢- وعلى أن الدعوى بين المسلم والذمي، كالدعوى بين المسلمين، وأن الأيمان تُقَبل من الكفار.

стр. 625

الحديث الرابع عِنْ أنَس بنِ مَالك ﵁: أنَ جَارِيَةً وُجدَ رأسها مَرْضُوضاً بين حجرين، فَقِيل مَنْ فَعَل هذَا بِكِ؟ فلان، فلان، حَتَّى ذكِرَ يهودي، فَأوْمَأتْ برأسها. فَأخِذَ اليَهْودِيُّ فَاعْتَرَفَ، فَأمَرَ النَبي ﷺ أنْ يُرَضَّ رَأسُهُ بَيْنَ حجرينِ. الحديث الخامس ولـ (مسلم) ، وَالنِّسَائِي (١) عَن أنَس: أن يهوديًّا قَتَلَ جَارِيَة عَلى أوْضَاح فَأقَادَهُ بِها رَسُولُ ﷺ . الغريب: مرضوضا: اسم مفعول، أي مدقوقا. أوضاح: بالفاء المعجمة، وبعد الألف حاء مهملة، وهي قطع الفضة، سميت أوضاحا لبياضها. المعنى الإجمالي: وجد على عهد النبي ﷺ جارية قد رض رأسها بين حجرين، وبها بقية من حياة، فسألوها عن قاتلها يعددون عليها من يظنون أنهم قتلوها، حتى أتوا على اسم يهودي، فأومأت برأسها: أي نعم، هو الذي رض رأسها، فصار متهما بقتلها. فأخذوه وقرروه حتى اعترف بقتلها من أجل حُليِّ فضة عليها. فأمر النبي ﷺ أن يجازى بمثل ما فعل، فرضَّ رَأسه بين حجرين، تأويلا لقوله تعالى: ﴿وَإن عَاقبتمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْل مَا عُوقبتمْ بِهِ﴾ فقتلوه كما قتل الجارية، صيانة للدماء، وردعا للسفهاء. ما يستفاد من الحديث: ١- أن الرجل يقتل بالمرأة. قال تعالى: ﴿النفس بالنًفْس﴾ قال النووي: وهو إجماع من يعتد به. ٢- ثبوت القصاص في القتل بالمثل، وأنه لا يختص بالمحدد، وهو مذهب جمهور العلماء ومنهم الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد.

стр. 626

٣- قبول قول المجني عليه في مثل هذه الحال لإلقاء التُّهمة على أحد، فيقرر ويحبس ويسأل ويناقش، فإن ثبت عليه القتل، أخِذَ به، وإلاَّ، حلف وتُرك. ٤- أن القاتل يقتل بمثل ما قتل به، فإن قتل بسيف قتل به، وإن قتل ببندقية قتل بها، أو بغرق غرق، أو بتحريق حرق جزاء لما فعل، وعملا بقوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فَعَاقِبُوا بمثل مَا عوقبتم بِهِ﴾ ﴿وجزاء سيِّئةٍ سيِّئة مِثْلُهَا﴾ ﴿فمن اعتَدَى عَلَيكم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْل مَا اعْتَدَى عليكم﴾ وهي إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، اختارها الشيخ (ابن تيميه) وقال: [هذا أشبه بالكتاب والسنة والعدل] . قال الزركشي: [وهي أصح دليلا] وهو مذهب عمر بن عبد العزيز، ومذهب الأئمة مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، واختارها شيخنا (عبد الرحمن بن سعدي) . وفي هذا يظهر العدل، ويكمل معنى القصاص، ويرتدع المجرمون. أما المشهور من مذهب الحنابلة، فلا يستوفى القصاص في النفس إلا بالسيف، لقوله ﷺ : [لا قَوَدَ إلا بالسيف] رواه ابن ماجة. لكن الحديث ضعيف، فقد قال ابن عدي: [طرقه كلها ضعيفة] . الحديث السادس عَنْ أبي هريرة ﵁ قالَ: لَمَّا فَتَحَ الله عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَكَّةَ، قَتَلَتْ هُذَيْل رَجلا مِنْ بَني لَيْثٍ بِقتِيل كَان لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَامَ النبي ﷺ فَقَالَ: " إنَّ الله قَدْ حَبَسَ عَنْ مكَّةَ الفِيلَ، وَسلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤمِنِينِ. وَإنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأحَدٍ كَانَ قبلي وَلا تَحِلُّ لأحَدٍ بَعدِي، وَإنَمَا أحلّت لي سَاعَة مِن النَّهار، وَإنَّهَا ساعتي هذِهِ حَرَام: لا يُعضَدُ شَجَرُهَا وَلا يختلى خَلاهَا ولا يُعْضَدُ شَوْكهَا وَلا تُلْتَقَط ساقِطتهَا إلا لِمُنْشِدٍ. وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتيل فهو بخير النَّظَرَين: إما أن يَقتُل وإمَّا إن يُدَى ". فقَامَ رَجُل مِنْ أهْلِ اليمن يُقَالُ له أبُو شَاهٍ، فَقَالَ: يا رسول الله، اكْتُبُوا لي. فَقَالَ رَسُول الله ﷺ " اكْتُبُوا لأبي شاهٍ ". ثُمَّ قَامَ الْعَبَّاسُ فَقَالَ: يَارَسُولَ الله، إلا الأذخِر، فَإنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيوتِنَا وقُبُورنَا. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ "إلا الأذْخِرَ" (١) .

стр. 627

الغريب: هذيل: بضم الهاء بعد ذال مفتوحة. ثم ياء فلام. قبيلة مُضرِية مشهورة لا تزال مساكنهم بالقرب من مكة. ليث: بالثاء المثلثة، قبيلة مشهورة تنسب إلى ليث بن بكر بن كنانة، من قبائل مضر. لا يُعْضَد شجرها: بضم الياء التحتية وسكون السين المهملة وفتح الضاد المعجمة، آخره دال. أي، لا يقطع. ولا يُخْتَلَى خلاها: بضم الياء التحتية وسكون الخاء، وفتح التاء واللام المقصورة: وهو الرطب من الحشيش: أي لا يُجَزُ ولا يُقطَعُ. لمنشد: اسم فاعل من (أنشد) وهو المُعَرف على اللقطة. بخير النظرين: أخذُ الدية أو القصاص. أن يُودِيَ: بسكون الواو أي يعطى القاتل أو أولياءه الدية لأولياء المقتول. أبو شاه: بالشين المعجمة، بعدها ألف، فهاء، بالوقف والدرج، ولا يقال بالتاء. الإذخر: بكسر الهمزة، وبعدها ذال فخاء معجمتان، ثم راء: نبت معروف طيب الرائحة، دقيق الأصل، صغير الشجر. ما يؤخذ من الحديث: تقدمت أكثر معاني هذا الحديث في [كتاب الحج] ونجملها هنا مفصلين الفوائد الزوائد. ١- فيه دليل على أن مكة فتنحت عَنْوَة، إذ [حبس الله عنا الفيل] ، وسلط عليها رسوله والمؤمنين قال النووي في شرح مسلم: من خصائص الحرم ألا يحارب أهله فإن بغوا على أهل العدل، فقد قال بعض الفقهاء: يحرم قتالهم بل يضيق عليهم حتى يرجعوا إلى الطاعة، ويدخلوا في أحكام العدل. وقال الجمهور: يقاتلون على بغيهم. إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا بالقتال، لأن قتال البغاة من حقوق الله التي لا يجوز إضاعتها فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها. ٢- أن مكة محرمة، لم تحِلَّ لأحد، وأنها لا تزال ولن تزال محرمة، فلا يعضد شجرها وشوكها، ولا يقطع أو يُجَز خلاها. ففي هذا بيان شرفها وحرمتها عند الله تعالى. ٣- استثنى من ذلك ما أنبته الآدمي وما وجد مقطوعا، ورَعي البهائم، والكمأة والإذخر، فهذه مباحة. ٤- أن لقطة الحرم لا تحل إلا لمن أراد التعريف عليها حتى يجدها صاحبها. فإذا أيس من صاحبها، تصدق بها عنه بنية تعويضه عنها، إذا جاء يطلبها. ٥- كتابة العلم، ففيها حفظه وتقييده عن الضياع. وقد حث الله تعالى على الكتابة بقوله: ﴿عَلَّمَ بالقلم عَلَّّم الإنسان ما لَم يعْلَمْ﴾ وعظمها بقوله تعالى: ﴿ن والقَلَم وما يَسْطًرُونَ﴾ ففي الكتابة مصالح الدنيا والآخرة.

стр. 628

٦- قوله: "ومن قتِلَ له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتل وإما أن يُودَى" فيه دليل على أن لأولياء المقتول [وهم ورثته] العفو مطلقا وهو أفضل لهم والعفو إلى الدية، وأن لهم القصاص والتخيير، وهو المشهور من مذهبنا. وكان القصاص مُتحَتِّما في التوراة، فخفف الله عن هذه الأمة بجواز العفو عن القاتل إلى الدية بقوله: ﴿فَمن عُفي لَهُ مِنْ أخِيه شيء فاتِّباع بالمَعروفِ وَأدَاء إليهِ بِإحْسَانٍ ذلِكَ تَخْفِيف من ربكم وَرَحَمْة﴾ . والقصاص عدل، والعفو إحسان، فينبغي أن يوافق موقعه، ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيميه: (استيفاء الإنسان حقه من الدم عَدْل، والعفو إحسان، والإحسان - هنا، أفضل، لكن هذا الإحسان لا يكون إحسانا بعد العدل، وهو أن يحصل ضرر، فإذا حصل منه ضرر، كان ظلما من العافي، إما لنفسه، وإما لغيره، فلا يشرع. قال في (الإنصاف) : وهذا عين الصواب. الحديث السابع عَن عُمَرَ بنِ الَخطَّاب ﵁: أنَّهُ اسْتشارَ النَّاسَ فِي إمْلاصِ الْمَرأةِ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بنُ شُعبةَ ﵁: شَهِدْتُ النًبي ﷺ قَضىَ فِيهِ بِغُرَّة: عَبْدٍ أو أمَةٍ. فَقَالَ: "لتأتينَّ بِمَنْ يِشْهَدُ مَعَكَ" فشهد معه محمد ابن مَسْلَمةَ. إمْلاصُ الْمَرأةِ: أنْ تُلْقِي جَنينَهَا مَيْتاً. الغريب: إملاص المرأة: بكسر الهمزة وسكون الميم، آخره صاد مهملة، مصدر (أملص) أملصت المرأة ولدها: أي أزلفته، وهو أن تضعه قبل أوانه. بغرة: بضم الغين المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، بعدها تاء، وهى-في الأصل- بياض في الوجه. واستعمل -هنا- في العبد والأمة ولو كانا أسودين، لكرم الآدمي على الله. المعنى الإجمالي: وضعت امرأة ولدها ميتا قبل أوان الولادة على إثر جناية عليها. وكان من عادة الخليفة العادل عمر بن الخطاب ﵁ أن يستشير أصحابه وعلماءهم في أموره وقضاياه، لاسيما المستجد فيها، يستشيرهم مع ما أوتيه من سعة في العلم، وقوة في الفكر. لما في أخذ رأيهم من استخراج غامض العلم وإصابة لصادق الحكم، وتأليف قلوبهم، وجبر

стр. 629

خواطرهم، والعمل بقوله تعالى: ﴿وأمرهم شُورَى بينهم﴾ . فحين أسقطت هذه المرأة جنينا ميتا غير تام، أشكل عليه الحكم في ديته. فاستشار الصحابة ﵃ في ذلك. فأخبره المغيرة بن شعبة أنه شهد النبي ﷺ قضى بدية الجنين "بغرَّة" عبد أو أمة. فأراد عمر التَّثبُتَ من هذا الحكم، الذي سيكون تشريعاً عاما إلى يوم القيامة. فأكد على المغيرة أن يأتي بمن يشهد على صدق قوله وصحة نقله. فشهد محمد بن مسلمة الأنصاري على صدق ما قال. ﵃ أجمعين. ما يستفاد من الحديث: ١- أن دية الجنين إذا سقط ميتا، بسبب الجناية، عبد أو أمة. أما إذا سقط حياً ثم مات بسببها، ففيه دية كاملة. ٢- استشارة أهل العلم والعقل فى مهام الأمور ومستجدها، لطلب الحق والصواب. ٣- التثبت في المسائل، وطلب صحة الأخبار فيها، وإلا فخبر الواحد كافٍ متى توفرت فيه شروط العدالة والحفظ. ٤- قال (ابن دقيق العيد) : [وفى ذلك دليل على أن العلم الخاص قد يخفى على الأكابر ويعلمه من هو دونهم، وذلك يصد في وجه من يغلو من المقلدين إذا استدل عليه بحديث، فقال: لو كان صحيحا لعلمه فلان مثلا، فإن ذلك إذا خفي على أكابر الصحابة وجاز عليهم، فهو على غيرهم أخفى] . ٥- في الحديث دليل على أنه لا اجتهاد مع النص. ووجهته أن عمر أراد استثارة الصحابة وأخذ رأيهم في القضية. فلما علموا بالنص، لم يلتفتوا إلى غيره، وهو أمر معروف. الحديث الثامن عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁ قالَ: اقتَتلَتِ امْرأتَانِ مِن هُذَيْل، فَرَمَتْ إحداهما الأخرى بِحَجَر فَقَتَلتهَا وَمَا في بَطنِهَا فاختصموا إلَى النبي ﷺ . فَقَضَى النَّبي ﷺ أنّ ديِةَ جَنِينهَا غُرَّة عبد أو وَليِدَة. وقضَى بدية المرأة على عاقلتها، وورَّثَهَا ولدَهَا وَمَن معهم. فَقَامَ حَمَلُ بنُ النابغة الهُذَلُي فَقَالَ: يَا رسُولَ الله، كَيْفَ أغْرَمُ مَنْ لا شَرِبَ ولا أكَلَ، وَلا نَطَقَ ولا اسْتَهَلَّ؟ فَمِثْلُ ذلك يُطَلُّ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إنَّمَا هُوَ مِن إخوان الكهَّان ". مِنْ أجْلِ سَجْعِهِ الذي سَجَعَ.

стр. 630

الغريب: جنين: مأخوذ من الاجتنان، وهو الاختفاء. عاقلتها: العاقلة هم الأقارب الذين يقومون بدفع دية الخطأ عن قريبهم القاتل. سموا (عاقلة) لأنهم يمنعون عن القاتل. فالعقل، المنع. حَمَل: بفتح الحاء المهملة، ثم ميم مفتوحة أيضاً مخففة، هو ابن مالك بن النابغة. ولا استهل: الاستهلال: رفع الصوت يريد: أنه لم تعلم حياته بصوت نطق أو بكاء. يُطَلُّ: بضم الِياء المثناة التحتية، وفتح الطاء، وتشديد اللام، أي: يُهدرُ ويُلْغَى. وروى بالباء الموحدة، على أنه فعل ماض. من البطلان. قال عياض: وهو المروى للجمهور في صحيح (مسلم) . قال النووي: وأكثر نسخ بلادنا بالمثنَّاهَ. السجع: هو الإتيان بفقرات الكلام، منتهية بفواصل، كقوافي الشعر. والمذموم: ما جاء متكلفا، أو قصد به نصر الباطل، وإخماد الحق، وإلا فقد ورد في الكلام النبوي. المعنى الإجمالي: اختصمت امرأتان ضرتان من قبيلة هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر صغير، لا يقتل غالبا، ولكنه قتلها وقتل جنينها الذي في بطنها. فقضى النبي ﷺ أن دية الجنين، عبدا أو أمة، سوءا أكان الجنين ذكرا أم أنثى، وتكون ديته على القاتلة. وقضى للمرأة المقتولة بالدية، لكون قتلها [شبه عمد] وتكون على عاقلة المرأة، لأن مبناها على التناصر والتعادل، ولكون القتل غير عمد. بما أن الدية ميراث بعد المقتولة فقد أخذها ولدها ومن معهم من الورثة، وليس للعاقلة منه شيء. فقال حمل بن النابغة-والد القاتلة: - يا رسول الله، كيف نغرم من سقط ميتا، فلم يأكل، ولم يشرب، ولم ينطق، حتى تعرف بذلك حياته؟ يقول ذلك بأسلوب خطابي مسجوع. فكره النبي ﷺ مقالته، لما فيها من رد الأحكام الشرعية بهذه الأسجاع المتكلفة المشابهة لأسجاع الكهان الذين يأكلون بها أموال الناس بالباطل. ما يستفاد من الحديث: ١- هذا الحديث أصل في النوع الثالث من القتل، وهو [شبه العمد] . وهو أن يقصد الجاني الجناية بما لا يقتل غالباً، كالقتل بالحجر الصغير، أو العصا الصغيرة. فحكم هذا النوع من القتل، أن تغلظ الدية على القاتل ولا يقتل

стр. 631

٢- أن دية [شبه العمد] ومثله [الخطأ] تكون على عاقلة القاتل، وهم [الذكور من عصبته القريبون والبعيدون، ولو لم يكونوا وارثين] لأن مبنى العصوبة، التناصر والتآزر. وهذه الجائحة وقعت عليه بلا قصد، فناسب مساعدتهم له ولو كان غنيا، ولكن تخفف عنهم، بتوزيعها عليهم حسب قرْبهم، وتؤجل عليهم مقسطة إلى ثلاث سنوات. ٣- أن دية الجنين الذي سقط ميتا بسبب الجناية [غرة] عبد أو أمة. قدر الفقهاء قيمة هذه الغرة بخمس من الإبل، تورث عنه كأنه سقط حياً. ودية الجنين على القاتل لا على العاقلة، لأنها أقل من ثلث الدية. وما كان أقل من ثلث الدية فإن العاقلة لا تتحمله. ٤- أن الدية تكون ميراثا بعد المقتول، لأنها بدل نفسه، وليس للعاقلة فيها شيء. ٥- قال العلماء: إنما كره النبي ﷺ سجع حَمَل بن النابغة لأمرين: الأمر الأول: أنه عارض به حكم الله تعالى وشرعه، ورام إبطاله. الأمر الثاني: أنه تكلف هذه السجعات بخطابه لنصر الباطل كما كان الكهان يروجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين، فيستميلون بها القلوب، ويستضيفون بها الأسماع. فأما إذا وقع السجع بغير هذا التكلف ولم يقصد به نصر الباطل، فهو غير مذموم. وقد جاء في كلام النبي ﷺ فقد خاطب الأنصار بقوله: "أما إنكم تقلون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع". وفي دعائه ﷺ : [اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقول لا يسمع وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع] . الحديث التاسع عَنْ عِمْرَانَ بن حُصَيْن ﵁: أنَّ رَجُلا عَضَّ يَدَ رَجُل، فَنَزَعَ يَده مِنْ فِيهِ فوقعت ثِنِيَتَاهُ فَاخْتَصَمَا إلَى النبي ﷺ فَقَالَ: "يَعَضُّ أحدكم أخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الفحل؟ اذهَبْ لا دِيَةَ لَكَ". المفردات: يعض الفحل: يريد به الذكر من الإبل، ويطلق على غيره من ذكور الدواب. المعنى الإجمالي: اعتدى رجل على آخر فعض يده، فانتزع المعضوض يده من فم العاض، فسقطت ثنيتاه

стр. 632

فاختصما إلى النبي ﷺ . العاض يطالب بدية ثنيتيه الساقطتين. المعضوض يدافع عن نفسه بأنه يريد إنقاذ يده من أسنانه. فأنكر النبي ﷺ على المدعِي العاض، كيف يفعل مثل ما يفعله غلاظ الحيوانات فيعضُّ أحدكم أخاه، ثم بعد هذا يأتي ليطالب بدية أسنانه الجانية؟! ليس لك دية، فالبادي هو المعتدى. ما يستفاد من الحديث: ١- أن من عض يد إنسان فانتزعها منه، فسقطت أسنانه أو بعضها، فلا قَودَ عليه ولا دِيَة. ٢- هذا الحكم عام في كل من صال عليه إنسان أو حيوان، فدافع عن نفسه، أو عن عرضه، أو عن حرمه، أو ماله، فجرح الصائل، أو قتله، فلا شيء عليه لأنه يدافعِ عمَّا تجب عليه حمايته، وذلك هو المعتدى الباغي. ولقوله ﷺ : "من قُتِل دون نفسه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون أهله فهو شهيد". ٣- قيد العلماء حكم هذا الحديث وأمثاله، بأنه يدافع عن نفسه بالأسهل فالأسهل من وسائل الدفاع. قال العلماء: وهذا التقييد مأخوذ من القواعد الكلية العامة في الشرع. الحديث العاشر عَنِ الحَسَنِ بنِ أبي الَحسَنِ البصري قَالَ: حَدَّثَنَا جندب في هذَا الْمَسجِدِ (١) وَمَا نَسِينا منهُ حديثا، وَمَا نَخْشى أن يَكُونَ ُجندُب كَذَبَ عَلَى رسولِ الله ﷺ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : "كَانَ فيمَن كَانَ قبلكم رَجُل بِهِ جرح، فَجَزع، فَأخَذَ سكينا فَحَزَّ بهَا يَدَهُ فَمَا رَقأ الدًمُ حَتى مَاتَ. قالَ الله : عبدي بَادَرَني بِنَفْسِهِ، فَحَرمْتُ عَلَيْهِ الجَنةَ". الغريب: جندب: بضم الجيم، وسكون النون، وضم الدال وفتحها، بعدها باء. هو ابن عبد الله البجلي من قبيلة [بجيلة] . قال الجوهري: [إنهم من العدنانيين] مساكنهم الآن بين مكة والمدينة.

стр. 633

فحز بها يده: بالحاء المهملة، وبعدها زاي مشددة: أي قطعها. فما رقأ الدم: بفتح الراء والقاف مهموز: أي ما انقطع دمه حتى مات. المعنى الإجمالي: روى العالم الصالح الزاهد العابد، الحسن البصري عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁: أنه حدث في مسجد الكوفة بهذا الحديث الذي معنا: أن النبي ﷺ حدث أصحابه عن رجل كان فيمن قبلنا من الأمم الماضية فيه جرح جزع منه، فأيس من رحمة الله تعالى وشفائه، ولم يصبر على ألمه رجاء ثوابه، لضعف داعي الإيمان واليقين في قلبه، فأخذ سكينا فقطع بها يده، فأصابه نزيف في دمه، فلم يرقأ وينقطع حتى مات. قال الله تعالى ما معناه: هذا عبدي استبطأ رحمتي وشفائي، ولم يكن له جَلدّ على بلاءي، فعجل إلى نفسه بجنايته عليها، وظن أنه قصر أجله بقتله نفسه، لذا فقد حرمت عليه الجنة، ومن حرم الجنة، فالنار مثواه. فكان هذا الهارب من وجع الجرح إلى عذاب النار، كالمستجير من الرمضاء بالنار. فنعوذ بالله تعالى من سوء الخاتمة. ما يستفاد من الحديث: ١- فيه تحريم قتل النفس بغير حق، وحرمتها، وعظم شأنها، وخطرها. وأنه أمر كبير، قال ابن دقيق العيد: الحديث أصل كبير في تعظيم قتل النفس سواء كانت نفس الإنسان أو غيره. ٢- وجوب الصبر عند المصائب عما يسخط الله تعالى من قول، كالنياحة. أو فعل، كاللطْمِ والشق. وأعظم منه، قتل النفس. ٣- أن الأحسن للمبتلي أن يقول -إذا كان لا بد من القول-: "اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي". ٤- قوله: "عبدي بادرني بنفسه" ليس فيه منافاة لقضاء الله وقدره السابق. فالله مقدر الأشياء قبل وجودها. وأطلقت عليه المبادرة بوجود صورتها. والذي قتل نفسه منُتهٍ أجله الذي كتب له بهذا السبب الذي فعله. ولكنه استبطأ شفاء الله ورحمته، وقنط من روحه ورحمته، وهذا ذنب عظيم قدر عليه أن يكون قتل نفسه بيده عقابا له على فساد نيته، التي نوى بها تعجيل أجله قبل انتهائه. والله لم يظلمه، فقد أعطاه الإرادة والقدرة على الفعل والترك، ولكنه تبع هواه فقتل نفسه.

стр. 634

٥- في هذا الحديث دليل على تحريم قتل الإنسان نفسه. لأنها ليست ملكه وإنما هي ملك خالقها، فلا يجوز له أن يتصرف إلا بما أذن فيه كالتداوي والحجامة. وقد فشا في هذه الأزمنة [الانتحار] لأتفَهِ الأسباب، والعياذ بالله تعالى من سوء الحال. فعندما تعاكسه الأمور، يعمد إلى قتل نفسه وتعجيلها إلى النار. وهذا يرجع إلى ضعف في العزيمة، وضيق في الفكر، وجبن عند الخطوب، وضحالة في الإيمان. ولو كان عنده شيء من إيمان بالله تعالى، أو يقين فيما عنده، لَرَََََجَا بمصيبته الثواب، ولَخَافَ من قتل نفسه العقاب، ولكن أكثرهم لا يفقهون. ٦- قوله: "حرمت عليه الجنة" تقدم أن الأحسن في مثل هذه النصوص إبقاءها على تهويلها وزجرها بلا تأويل، وهو مذهب جمهور العلماء.

стр. 635

كتابُ الحُدُود الحدود: جمع (حَد) وأصل الحد، المنع، وهو ما يحجز بين شيئين، فمنع اختلاطهما، ومنه أخذ معنى هذا. وأما الحدود -اصطلاحا- فهي عقوبات مقدرة شرعاً لتمنع من الوقوع، في مثل ما ارتكب من المعاصي. والحدود ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع العلماء في الجملة، ويقتضيها القياس الصحيح، فهي جزاء لما انتهكه العاصي من محارم الله تعالى. حكمتها التشريعية: لها حكم جليلة، ومعان سامية، وأهداف كريمة. ولذا ينبغي إقامتها، لداعي التأديب والتطهير والمعالجة، لا لغرض التشفي والانتقام، لتحصل البركة والمصلحة، فهي نعمة من الله تعالى كبيرة على خلقه. فهي للمحدود طهرة عن إثم المعصية، وكفارة عن عقابها الأخروي. وهي له ولغيره رادعة وزاجرة عن الوقوع في المعاصي. وهي مانعة وحاجزة من انتشار الشرور والفساد في الأرض. فهي أمان وضمان للجمهور على دمائهم، وأعراضهم، وأموالهم. وبإقامتها يصلح الكون، وتعمر الأرض، ويسود الهدوء والسكون، وتتم النعمة بانقماع أهل الشر والفساد. وبتركها -والعياذ بالله- ينتشر الشر ويكثر الفساد، فيحصل من الفضائح والقبائح، ما معه يكون بطن الأرض خيرا من ظهرها. ولا شك أنها من حكمة الله تعالى ورحمته. والله عزيز حكيم. على أن الشارع الرحيم حين شرع الحدود، سبقت رحمته فيها عقابه. فعفا عن الصغار، وذاهبي العقول. والذين فعلوا لجهل بحقيقتها. وصعب أيضا ثبوتها، فاشترط في الزنا أربعة رجال عدول، يشهدون بصريح وقوع الفاحشة، أو اعترافاً من الزاني بلا إكراه وبقاء منه على اعترافه حتى يقام عليه الحد. وفي السرقة لا قطع إلا بالثبوت التام، وانتفاء للشبهة، وتمام لشروط القطع. إلى غير ذلك مما هو مذكور في بابه. وأمر بدرء الحدود بالشبهات، كل هذا لتكون توبة العبد بينه وبين نفسه. والله غفور رحيم.
следующие страницы →