← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 9878

تيسير العلام شرح عمدة الأحكام

عبد الله البسام

Полный текст (741 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

٢- أن دية [شبه العمد] ومثله [الخطأ] تكون على عاقلة القاتل، وهم [الذكور من عصبته القريبون والبعيدون، ولو لم يكونوا وارثين] لأن مبنى العصوبة، التناصر والتآزر. وهذه الجائحة وقعت عليه بلا قصد، فناسب مساعدتهم له ولو كان غنيا، ولكن تخفف عنهم، بتوزيعها عليهم حسب قرْبهم، وتؤجل عليهم مقسطة إلى ثلاث سنوات. ٣- أن دية الجنين الذي سقط ميتا بسبب الجناية [غرة] عبد أو أمة. قدر الفقهاء قيمة هذه الغرة بخمس من الإبل، تورث عنه كأنه سقط حياً. ودية الجنين على القاتل لا على العاقلة، لأنها أقل من ثلث الدية. وما كان أقل من ثلث الدية فإن العاقلة لا تتحمله. ٤- أن الدية تكون ميراثا بعد المقتول، لأنها بدل نفسه، وليس للعاقلة فيها شيء. ٥- قال العلماء: إنما كره النبي ﷺ سجع حَمَل بن النابغة لأمرين: الأمر الأول: أنه عارض به حكم الله تعالى وشرعه، ورام إبطاله. الأمر الثاني: أنه تكلف هذه السجعات بخطابه لنصر الباطل كما كان الكهان يروجون أقاويلهم الباطلة بأسجاع تروق السامعين، فيستميلون بها القلوب، ويستضيفون بها الأسماع. فأما إذا وقع السجع بغير هذا التكلف ولم يقصد به نصر الباطل، فهو غير مذموم. وقد جاء في كلام النبي ﷺ فقد خاطب الأنصار بقوله: "أما إنكم تقلون عند الطمع، وتكثرون عند الفزع". وفي دعائه ﷺ : [اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقول لا يسمع وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع] . الحديث التاسع عَنْ عِمْرَانَ بن حُصَيْن ﵁: أنَّ رَجُلا عَضَّ يَدَ رَجُل، فَنَزَعَ يَده مِنْ فِيهِ فوقعت ثِنِيَتَاهُ فَاخْتَصَمَا إلَى النبي ﷺ فَقَالَ: "يَعَضُّ أحدكم أخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الفحل؟ اذهَبْ لا دِيَةَ لَكَ". المفردات: يعض الفحل: يريد به الذكر من الإبل، ويطلق على غيره من ذكور الدواب. المعنى الإجمالي: اعتدى رجل على آخر فعض يده، فانتزع المعضوض يده من فم العاض، فسقطت ثنيتاه

стр. 632

فاختصما إلى النبي ﷺ . العاض يطالب بدية ثنيتيه الساقطتين. المعضوض يدافع عن نفسه بأنه يريد إنقاذ يده من أسنانه. فأنكر النبي ﷺ على المدعِي العاض، كيف يفعل مثل ما يفعله غلاظ الحيوانات فيعضُّ أحدكم أخاه، ثم بعد هذا يأتي ليطالب بدية أسنانه الجانية؟! ليس لك دية، فالبادي هو المعتدى. ما يستفاد من الحديث: ١- أن من عض يد إنسان فانتزعها منه، فسقطت أسنانه أو بعضها، فلا قَودَ عليه ولا دِيَة. ٢- هذا الحكم عام في كل من صال عليه إنسان أو حيوان، فدافع عن نفسه، أو عن عرضه، أو عن حرمه، أو ماله، فجرح الصائل، أو قتله، فلا شيء عليه لأنه يدافعِ عمَّا تجب عليه حمايته، وذلك هو المعتدى الباغي. ولقوله ﷺ : "من قُتِل دون نفسه فهو شهيد، ومن قُتِلَ دون أهله فهو شهيد". ٣- قيد العلماء حكم هذا الحديث وأمثاله، بأنه يدافع عن نفسه بالأسهل فالأسهل من وسائل الدفاع. قال العلماء: وهذا التقييد مأخوذ من القواعد الكلية العامة في الشرع. الحديث العاشر عَنِ الحَسَنِ بنِ أبي الَحسَنِ البصري قَالَ: حَدَّثَنَا جندب في هذَا الْمَسجِدِ (١) وَمَا نَسِينا منهُ حديثا، وَمَا نَخْشى أن يَكُونَ ُجندُب كَذَبَ عَلَى رسولِ الله ﷺ قال: قَالَ رسول الله ﷺ : "كَانَ فيمَن كَانَ قبلكم رَجُل بِهِ جرح، فَجَزع، فَأخَذَ سكينا فَحَزَّ بهَا يَدَهُ فَمَا رَقأ الدًمُ حَتى مَاتَ. قالَ الله : عبدي بَادَرَني بِنَفْسِهِ، فَحَرمْتُ عَلَيْهِ الجَنةَ". الغريب: جندب: بضم الجيم، وسكون النون، وضم الدال وفتحها، بعدها باء. هو ابن عبد الله البجلي من قبيلة [بجيلة] . قال الجوهري: [إنهم من العدنانيين] مساكنهم الآن بين مكة والمدينة.

стр. 633

فحز بها يده: بالحاء المهملة، وبعدها زاي مشددة: أي قطعها. فما رقأ الدم: بفتح الراء والقاف مهموز: أي ما انقطع دمه حتى مات. المعنى الإجمالي: روى العالم الصالح الزاهد العابد، الحسن البصري عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁: أنه حدث في مسجد الكوفة بهذا الحديث الذي معنا: أن النبي ﷺ حدث أصحابه عن رجل كان فيمن قبلنا من الأمم الماضية فيه جرح جزع منه، فأيس من رحمة الله تعالى وشفائه، ولم يصبر على ألمه رجاء ثوابه، لضعف داعي الإيمان واليقين في قلبه، فأخذ سكينا فقطع بها يده، فأصابه نزيف في دمه، فلم يرقأ وينقطع حتى مات. قال الله تعالى ما معناه: هذا عبدي استبطأ رحمتي وشفائي، ولم يكن له جَلدّ على بلاءي، فعجل إلى نفسه بجنايته عليها، وظن أنه قصر أجله بقتله نفسه، لذا فقد حرمت عليه الجنة، ومن حرم الجنة، فالنار مثواه. فكان هذا الهارب من وجع الجرح إلى عذاب النار، كالمستجير من الرمضاء بالنار. فنعوذ بالله تعالى من سوء الخاتمة. ما يستفاد من الحديث: ١- فيه تحريم قتل النفس بغير حق، وحرمتها، وعظم شأنها، وخطرها. وأنه أمر كبير، قال ابن دقيق العيد: الحديث أصل كبير في تعظيم قتل النفس سواء كانت نفس الإنسان أو غيره. ٢- وجوب الصبر عند المصائب عما يسخط الله تعالى من قول، كالنياحة. أو فعل، كاللطْمِ والشق. وأعظم منه، قتل النفس. ٣- أن الأحسن للمبتلي أن يقول -إذا كان لا بد من القول-: "اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي". ٤- قوله: "عبدي بادرني بنفسه" ليس فيه منافاة لقضاء الله وقدره السابق. فالله مقدر الأشياء قبل وجودها. وأطلقت عليه المبادرة بوجود صورتها. والذي قتل نفسه منُتهٍ أجله الذي كتب له بهذا السبب الذي فعله. ولكنه استبطأ شفاء الله ورحمته، وقنط من روحه ورحمته، وهذا ذنب عظيم قدر عليه أن يكون قتل نفسه بيده عقابا له على فساد نيته، التي نوى بها تعجيل أجله قبل انتهائه. والله لم يظلمه، فقد أعطاه الإرادة والقدرة على الفعل والترك، ولكنه تبع هواه فقتل نفسه.

стр. 634

٥- في هذا الحديث دليل على تحريم قتل الإنسان نفسه. لأنها ليست ملكه وإنما هي ملك خالقها، فلا يجوز له أن يتصرف إلا بما أذن فيه كالتداوي والحجامة. وقد فشا في هذه الأزمنة [الانتحار] لأتفَهِ الأسباب، والعياذ بالله تعالى من سوء الحال. فعندما تعاكسه الأمور، يعمد إلى قتل نفسه وتعجيلها إلى النار. وهذا يرجع إلى ضعف في العزيمة، وضيق في الفكر، وجبن عند الخطوب، وضحالة في الإيمان. ولو كان عنده شيء من إيمان بالله تعالى، أو يقين فيما عنده، لَرَََََجَا بمصيبته الثواب، ولَخَافَ من قتل نفسه العقاب، ولكن أكثرهم لا يفقهون. ٦- قوله: "حرمت عليه الجنة" تقدم أن الأحسن في مثل هذه النصوص إبقاءها على تهويلها وزجرها بلا تأويل، وهو مذهب جمهور العلماء.

стр. 635

كتابُ الحُدُود الحدود: جمع (حَد) وأصل الحد، المنع، وهو ما يحجز بين شيئين، فمنع اختلاطهما، ومنه أخذ معنى هذا. وأما الحدود -اصطلاحا- فهي عقوبات مقدرة شرعاً لتمنع من الوقوع، في مثل ما ارتكب من المعاصي. والحدود ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع العلماء في الجملة، ويقتضيها القياس الصحيح، فهي جزاء لما انتهكه العاصي من محارم الله تعالى. حكمتها التشريعية: لها حكم جليلة، ومعان سامية، وأهداف كريمة. ولذا ينبغي إقامتها، لداعي التأديب والتطهير والمعالجة، لا لغرض التشفي والانتقام، لتحصل البركة والمصلحة، فهي نعمة من الله تعالى كبيرة على خلقه. فهي للمحدود طهرة عن إثم المعصية، وكفارة عن عقابها الأخروي. وهي له ولغيره رادعة وزاجرة عن الوقوع في المعاصي. وهي مانعة وحاجزة من انتشار الشرور والفساد في الأرض. فهي أمان وضمان للجمهور على دمائهم، وأعراضهم، وأموالهم. وبإقامتها يصلح الكون، وتعمر الأرض، ويسود الهدوء والسكون، وتتم النعمة بانقماع أهل الشر والفساد. وبتركها -والعياذ بالله- ينتشر الشر ويكثر الفساد، فيحصل من الفضائح والقبائح، ما معه يكون بطن الأرض خيرا من ظهرها. ولا شك أنها من حكمة الله تعالى ورحمته. والله عزيز حكيم. على أن الشارع الرحيم حين شرع الحدود، سبقت رحمته فيها عقابه. فعفا عن الصغار، وذاهبي العقول. والذين فعلوا لجهل بحقيقتها. وصعب أيضا ثبوتها، فاشترط في الزنا أربعة رجال عدول، يشهدون بصريح وقوع الفاحشة، أو اعترافاً من الزاني بلا إكراه وبقاء منه على اعترافه حتى يقام عليه الحد. وفي السرقة لا قطع إلا بالثبوت التام، وانتفاء للشبهة، وتمام لشروط القطع. إلى غير ذلك مما هو مذكور في بابه. وأمر بدرء الحدود بالشبهات، كل هذا لتكون توبة العبد بينه وبين نفسه. والله غفور رحيم.

стр. 636

الحديث الأول عَنْ أنس بن مَالِك ﵁ قَالَ: قدِم نَاس مِنْ عكل -أوْ عَرينةَ- فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأمَرَ لَهُم النبيُّ ﷺ بِلِقَاح، وأمَرهم أن يَشربُوا مِنْ أبوالها وَألبَانِهَا، فَانطَلَقوا. فَلَما صَحُّوا، قَتَلُوا رَاعِي النبيِّ ﷺ واستا قوا النَّعَمَ. فَجَاءَ الْخَبرُ في أوَّلِ النَّهَار، فبعَثَ في آثارِهِمْ، فَلما ارْتَفَعَ النَّهَارُ، جيءَ بِهِمْ فأمَرَ بِهِمْ فقطعت أيديهمْ وأرجلهم مِن خِلافِ وَسُمرَت أعينهم، وَتُرِكُوا في الحَرةِ يستسقُون فَلا يُسقَون. قالَ أبو قلابَةَ: فَهؤلاءِ سَرَقُوا وَقتلُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، وَحَارَبُوا الله وَرَسُولَهُ. أخرجه الجماعة. اجتويت البِلاد: إذَا كَرِهتَهَا، وَإنْ كانَتْ مُوَافِقِةً. وَاستوْبَأتَهَا: إذَا لَم تُوَافِقْكَ. الغريب: عُكْل: بضم العين المهملة وسكون الكاف [قبيلة عدنا نية] . عُرَيْنة: بضم العين، وفتح الراء وسكون التحتية وفتح النون [قبيلة قحطا نية] . اجتووا المدينة: بالجيم الساكنة، وفتح التاء الفوقية، وفتح الواو أيضا، وضم الثانية. وهي فاعل: كرهوها لداء أصابهم في أجوافهم، يقال له: [الجوى] فاشتق منه هذا الفعل. بلقاح: بكسر اللام، بعدها قاف، وبعد الألف حاء. جمع (لقحة) وهي الناقة الحلوب. النَّعم: بفتح النون والعين، واحد الأنعام، وهي الإبل. آثارهم: بالمد، جمع أثر من خلاف: فتقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى. سُمرت أعينهم: بضم السين وكسر الميم مبنى للمجهول، أي كُحلَتْ أعينهم بمسامير محماة بالنار. الحَرَّة: بفتح الحاء والراء المشددة، هي الأرض التي تعلوها حجارة سود، وهي أرض خارج المدينة. قلابة: بكسر القاف، هو عبد الله الجرمي. المعنى الإجمالي: قدم أناس إلى المدينة من البادية فأسلموا، وحين اختلف عليهم الجَو والمناخ، مرضوا، فضاقت أنفسهم بالمقام في المدينة. فطيب الأديان والأبدان، عرف داءهم ودواءهم، فأمرهم أن يعودوا إلى ما ألفته أجسامهم، فيذهبوا إلى حيث الهواء الطلق، ويشربوا من ألبان الإبل وأبوا لها ففعلوا. فلما صَحُّوا، طَغَوْا وَبَغَوْا، فقتلوا الراعي الذي مع الإبل بِسَمْلِ عينه، وارتدوا عن الإسلام، وهربوا بالإبل التي منحوا ألبانها. فجاء خبرهم إلى النبي ﷺ ، فبعث إليهم من

стр. 637

جاء بهم. فلما أقدموا على هذه القبائح العظيمة التي هي كما قال أبو قلابة: - السرقة والخيانة، والقتل، والكفر بالله تعالى، ومحاربة الله ورسوله بقطع الطريق، فكان نكالهم عظيما، وتعزيرهم بليغا، فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وفضخت أعينهم بالمسامير المحماة، وألقوا في الحرة يطلبون الماء فلا يسقون، فما زالوا في هذا العذاب حتى ماتوا. فهكذا جزاء من حارب الله ورسوله، وسعى في الأرض فسادا، وكفراً بأنعم اللَه، ليرتدع من خبثت نيته، فأراد أن يفعل مثل فعله. ما يستفاد من الحديث: ١- هذا العقاب الذي صبه النبي ﷺ على هؤلاء المفسدين، عقاب شديد ومثلة. وقد نهى النبي ﷺ عن المثلة، وقد أمر أيضا بإحسان القتل والذبح. فمن أجل هذا اختلف العلماء في حكم هؤلاء. فبعضهم يرى أنه منسوخ بالنهي عن المثلة. وهؤلاء محتاجون إلى بيان تاريخ ناسخه، ولا بيان. وبعضهم قال: هذا الحكم قبل أن تنزل الحدود. وقال ابن سيرين: وفيه نظر، فإن قصتهم متأخرة. وبعضهم قال: لم يسمل أعينهم، وإنما هم بها، وفيه نظر أيضا، فقد صح: [أنه سمل] [وأنه سمر أعينهم] . وأجابوا بغيرِ ذلك، وكلها أجوبة، لا تستقيم لأصحابها. والذي أرى: أن هذه العقوبة من باب التعزير. والتعزير: هو التأديب، ومرجعه إلى اجتهاد الإمام ونظره، فقد يكون خفيفا، وقد يكون شديداً، فيؤدب بالعقاب والتأنيب، ويؤدب بالحبس، ويؤدب بما يراه من الجلد، ويؤدب بالقتل، ويؤدب بأخذ المال. وكلها لها سند من السنة الحكيمة. وهؤلاء الأعراب عملوا أعمالا شنيعة، دلت على فساد قلوبهم وخُبْثِ طَوِيتهم. فقد ارتدوا عن الإسلام، وجزاء المرتد القتل وقتلوا الراعي القائم بخدمتهم، وسملوا عينيه بغير حق. وسرقوا الإبل التي هي لعامة المسلمين، فهذا غلول وسرقة وخيانة. وحاربوا الله ورسوله، بقطع الطريق، والإفساد في الأرض، وكفروا نعمة الله تعالى- وهي العافية- بعد المرض، والسمن بعد الهزال. فكانوا بهذا مستحقين لعذاب يقابل فعلهم ليردع من لم يدخل الإيمان قلبه من الجفاة.

стр. 638

أما حديث النهى عن المثلة، والأمر بإحسان القتلة والذبحة ونحو ذلك، فهو باق في حال من لم يرتكب مثل هذه الجرائم العظام. والله الموفق وهو العليم الحكيم. وقد سمل هؤلاء عيني الراعي ورموه في الشمس حتى مات عطشاً ففعل بهم النبي ﷺ مثل ذلك قصاصا، وقد مر بنا أن مذهب كثير من العلماء هو قتل الجافي بمثل ما قتل به لقوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ وسيأتي حديث الصحيحين "ومن قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة". ٢- في الحديث مشروعية التداوي وفعل الأسباب، وأن من العلاج، الرجوع إلى ما ألفته الأبدان، من المأكل، والمشرب والجو، والابتعاد عن الأراضي الموبوءة، والأهوية الرديئة. ٣- طهارة أبوال الإبل، ووجهته أن التداوي بالنجس والمحرم لا يجوز. ولو فرض أن النبي ﷺ أذن لهم في ضربها للضرورة، فإنه لم يأمرهم بغسل أفواههم وأوانيهم. و (تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز) ويقاس على الإبل، سائر الحيوانات المباحة الأكل. الحديث الثاني عن عُبَيْد الله بن عُتْبَةَ بن مَسْعُود عَنْ أبي هريرة وَزَيد بنِ خَالِد الْجهَني ﵄: أنَّهُمَا قالا: إنَّ رجلا مِن الأعراب أتَى رسولَ الله ﷺ فقَالَ: يا رسول الله، أنْشُدُكَ الله إلا قَضَيْتَ بَيْنَنا بكتاب الله. فَقَالَ الْخصم الآخر -وَهُوَ أفْقَه مِنْهُ: - نَعَمْ، فَاقْض بَينَنَا بِكِتابِ الله وائذن لي. فَقَالَ النبي ﷺ : "قُل". فقال: إن ابني كانَ عَسِيفاً عَلى هذَا، فزَنَى بامْرَأتِهِ، وَإنَي أخبرت أنَّ عَلى ابني الرَّجم، فَافْتَدَيت ِمنْهُ بمائة شَاة وَوَلِيدَةٍ، فسألت أهل الْعِلمِ فَأخبرونِي أنَّ ما عَلى ابني جلدُ مِائةٍ وتَغْرِيبُ عَام، وأنَ عَلى امْرَأةِ هذَا الرجمُ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسي بِيَدِهِ لأقْضِيَنَّ بَينكُمَا بِكِتَابِ الله، الولِيدَةُ وَالغنم ُ رٌَّد عَلَيكَ، وَعَلى ابنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْريبُ عَام، وَأنَّ عَلى امرأةِ هذا الرجْمُ، واغدُ يا أنيس -لِرَجُل من أسْلَم- إلَى امْرَأةِ هذَا، فَإنِ اعْترفَتْ فارْجُمهَا" فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْترَفَت. فَأمَرَ بِهَا رَسولُ اللَه ﷺ فرجِمَتْ. العَسِيفُ: الأجِيرُ. الغريب: أنشدك الله: بفتح الهمزة وسكون النون، وضم الشين والدال، أي أسألك بالله.

стр. 639

عسيفا: بفتح العين وكسر السين المهملة، وهو الأجر. مشتق من العسف، وهو الجور. أنيس: بضم الهمزة وفتح النون، آخره سين مهملة، مصغر. وهو ابن الضحاك الأسلمي. ما يستفاد من الحديث: ١- جفاء الأعراب، لبعدهم عن العلم والأحكام والآداب، حيث ناشد من لا ينطق عن الهوى أن لا يحكم إلا بكتاب الله تعالى. ٢- حسن خلق النبي ﷺ ، حيث لم يعنفه على سوء أدبه معه. ٣- أن حدَّ الزاني المحصن، الرجم بالحجارة حتى يموت. والمحصن: هو من جامع في نكاح صحيح، وهو حر مكلف. ٤- أن حد الزاني الذي لم يحصن، مائة جلدة، وتغريب عام. ٥- أنه لا يجوز أخذ العِوَض لتعطيل الحدود، وإن أخذت فهو من أكل الأموال بالباطل. ٦- أن من أقدم على محرم، جهلا أو نسيانا، لا يؤدب. بل يعلَّم. فهذا افتدى الحدَّ عن ابنه بمائة شاة ووليدة، ظانًّا إباحته وفائدته. فلم يكن من النبي ﷺ إلا أن أعلمه بالحكم، وردَ عليه شياهه ووليدته. ٧- وفى الحديث، قاعدة فرعية عامهَ وهى: " أن من فعل شيئا لظنه وجود سببه، فتبين عدم وجود السبب، فإن فله لاغ لا يُعتد به، ويرجع بما ترتب على ظنه الذي لم يتحقق. ٨- قال الحافظ ابن حجر: والحق أن الإذن بالتصرف مقيد بالعقود الصحيحة. قال ابن دقيق العيد: فما أخذ بالمعاوضة الفاسدة يجب رده ولا يملك. ٩- أنه يجوز التوكيل في إثبات الحدود واستيفائها. ١٠- أن الحدود مرجعها الإمام الأعظم أو نائبه، ولا يجوز لأحد استيفاؤها غيرهم. ١١- استدل بالحديث أنه يكفى لثبوت الحد وإقامته، الاعتراف مرة واحدة، ويأتي الخلاف في ذلك، إن شاء إن شاء الله تعالى. ١٢- قال (ابن القيم) في حكمة جلد الزاني: (وأما الزاني فإنه يزني بجميع بدنه، والتلذذ بقضاء الشهوة يعم البدن) . ١٣- والحكمة في رجم المحصن وجلد غير المحصن، أن الأول قد تمت عليه النعمة

стр. 640

بالزوجة، فإقدامه، على الزنا يُعَدُّ دليلا على أن الشر متأصل في نفسه، وأن علاجه عن تركه صعب، وأنه ليس له عذر في الإقدام عليه. وأما غير المحصن، فلعل داعي الشهوة غلبه على ذلك، فخفف عنه الحد، مراعاة لحاله وعذره. ١٤- القسم لتأييد صحة المسائل المهمة. وقد أمر الله تعالى نبيه في كتابه أن يقسم ثلاث مرات على أن البعث حق. ١٥- فيه دليل على صحة استفتاء أهل العلم في زمن النبي ﷺ وفيما بعده، وعلى جواز سؤال المفضول مع وجود من هو أفضل منه. ١٦- في الحدث، حُسْنُ الأدب مع أهل الفضل والعلم والكبار، وأن ذلك من الفقه. الحديث الثالث عَنْ عبيد الله بن عَبْد الله بنِ عتبة بْنِ مسْعُودٍ عن أبي هريرة وَزَيِد ابن خالد الْجُهَنِي ﵄ قَالا: سُئلَ النبُّي ﷺ عَنِ الأمة إذَا زَنتْ وَلم تحصن؟ . قالَ: "إنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم ولو بضفير". قال ابن شهاب: (ولا أدري، أبعد الثالثة أو الرابعة) والضفير الحبل. المعنى الإجمالي سئل النبي ﷺ عن حد الأمة إذا زنت ولم تحصن، بحيث لم توطأ في نكاح. فأخبر ﷺ : أن عليها الجلد، وجلدها نصف ما على الحرة من الحد، فيكون خمسين جلدة. ثم إذا زنت ثانية، تُجْلَدُ خمسين جلدة أيضا لعلها ترتدع عن الفاحشة. فإذا زنت الثالثة ولم يردعها الحد ولم تتب إلى الله تعالى وتخشى الفضيحة حينئذ، فاجلدوها الحد وبيعوها، ولو بأقل ثمن وهو الحبل الرخيص، لأنه لا خير في بقائها، وليس في استقامتها رجاء قريب وبعدها أولى من قربها، لئلا تكون سبب شر في البيت الذي تقيم فيه. ما يستفاد من الحديث: ١- حد الأمة إذا زنت ولم تحصن، الجلد، وهو نصف ما على الحرة. والحرة حدها مائة جلدة وتغريب عام، فيكون حدُّ الأمة خمسين جلدة ولا تغرب، لأن تغريبها يضر بسيدها، وربما أغراها بمعاودة الفاحشة.

стр. 641

٢- أنه إذا تكرر منها الزنى وحدتْ ولم يردعها الجلد فَلْتُبَع ولو بأرخص ثمن، لأنه لا خِير في بقائها، ولا فائدة في تأديبها. ٣- أن الزنا عيب في الرقيق، فإذا لم يعلم به المشترى فله الخيار في رده. ٤- أن للسيد إقامة الحد في الجلد خاصة على رقيقه. أما في القتل والقطع، فإقامته إلى الإمام. وغير الرقيق، لا يقيم عليه الحد إلا الإمام، سواء في الجلد أو في غيره. وهذا هو مذهب جهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة، مالك، والشافعي وأحمد. الحديث الرابع عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁: أنَّهُ قَالَ: أتَى رَجل مِن المسلِمِينَ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ في المسجدِ، فَنَاداهُ: فَقَالَ يا رسول الله، إنِّي زَنَيْتُ. فَأعرضَ عَنْهُ. فتنَحَّى تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَقَالَ: يا رسول اللَه إنِّي زَنَيْتُ، فَأعْرَضَ عَنْهُ. حَتى ثنى ذلِكَ عَلَيهِ أربَعَ مَرَّات. فلما شَهدَ عَلى نفْسِهِ أربَع شهَادَاتٍ، دَعَاهُ رسول الله ﷺ فَقَالَ: "أبِك جُنُون"؟ قالَ: لا. قَالَ: "فَهَل أحصنت؟ " قال: نعم. فقال رسول الله ﷺ : "اذهبوا به فارجموه". الحديث الخامس قال ابن شهاب: فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن: أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ يقول: كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى. فلما أذلقَتْه (١) الحجارة هرب، فأدركناه بالحرَّة فرجمناه. الرَّجل هو، ماعز بن مالك. وروى قصته، جابر ابن سمرة وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي (٢) . المعنى الإجمالي: أتى ماعز بن مالك الأسلمي ﵁ إلى النبي ﷺ وهو في المسجد، فناداه واعترف على نفسه بالزنا. فأعرض عنه النبي ﷺ ، لعله يرجع فيتوب فيما بينه وبين الله. ولكن قد جاء غاضبا على نفسه، جازما محلى تطهيرها بالحد، فقصده من تلقاء وجهه مرة أخرى، فاعترف بالزنا أيضا. فأعرض النبي ﷺ أيضا، حتى شهد على نفسه بالزنا أربع مرات. حينئذ

стр. 642

استثبت النبي ﷺ عن حاله، فسأله: هل به من جنون؟ قال: لا، وسأل أهله عن عقله، فأثنوا عليه خيرا. ثم سأله: هل هو محصن أم بكر لا يجب عليه الرجم؟ فأخبره أنه محصن. وسأله: لعله لم يأت ما يوجب الحد، من لمس أو تقبيل. فصرح بحقيقة الزنا. فلما استثبت ﷺ من كل ذلك، وتحقق من وجوب إقامة الحد، أمر أصحابه أن يذهبوا به فيرجموه. فخرجوا به إلى بقيع الغرقد -وهو مصلى الجنائز- فرجموه. فلما أحس بحر الحجارة، طلبت النفس البشرية النجاة، ورغبت في الفرار من الموت فهرب. فأدركوه بالحرة، فأجهزوا عليه حتى مات. ﵀، ورضي عنه. ما يستفاد من الحديث: ١- أن الزنا يثبت بالإقرار كما يثبت بالشهادة، ويأتي: هل يكفي الإقرار مرة، أم لابد من الإقرار أربع مرات كما في هذا الحديث؟. ٢- أن المجنون لا يعتبر إقراره، ولا يثبت عليه الحد، لأن اشرط الحد التكليف. ٣- أنه يجب على القاضي والمفتي، فالتثبت في الأحكام، والسؤال بالتفضيل عما يجب الاستفسار عنه، مما يغير الحكم في المسألة. فإن النبي ﷺ سأل المقر- هنا- عن عمله، حتى تبين له أنه فعل حقيقة الزنا. وسأل أهله عن عقله، وأعرض عنه حتى كرر الإقرار، وستثبت منه. قال في فتح الباري: فقد بالغ سلى الله عليه وسلم في الاستثبات غاية المبالغة، وهذا وقع بعد إقراره أربع مرات فهو يؤكد اشتراط العد، لأن هذا الاستثبات العجيب وقع بعده. ٤- أن حد المحصن الزاني رجمه بالحجارة حتى يموت، ولا يحفر له عند الرجم. ٥- أنه لا يشرط في إقامة الحد، حضور الإمام أو نائبه. والأولى حضور أحدهما ليؤمن الحيف والتلاعب بحدود الله تعالى. ٦- جواز إقامة الحدود في مصلى الجنائز. وكانوا في الأول، يجعلون للصلاة على الجنائز مصلّى خاصا. ٧- أن الحد كفارة للمعصية التي أقيم الحد لها، وهم إجماع. وقد جاء صريحا في قوله ﵊: "من فعل شيئا من ذلك، فعوقب في الدنيا، فهو كفارته". ٨- وأن إثم المعاصي يسقط بالتوبة النصوح، وهو إجماع المسلمين أيضاً. ٩- إعراض الإمام والحاكم عن المقر على نفسه بالزنا، لعله فعل ما لا يوجب الحد، فظنه موجبا، والحدود تدرأ بالشبهات.

стр. 643

١٠- هذه المنقبة العظيمة لماعز، ﵁، إذ جاء بنفسه، غضبا لله تعالى، وتطهيرا لها مع وجود الإعراض عنه، وتلقينه ما يسقط عنه الحد. اختلاف العلماء: اختلف العلماء: هل يشترط تكرار الإقرار بالزنا أربع مرات، أولا؟. ذهب الإمام أحمد، وجمهور العلماء، ومنهم الحكم، وابن أبي ليلى، والحنفية: إلى أنه لا بد من الإقرار أربع مرات، مستدلين بهذا الحديث الذي معنا. فإنه لم يقم النبي ﷺ على (ماعز) الحد إلا بعد أن شهد على نفسه أربع مرات. وقياسا على الشهادة بالزنا، فلا يقبل إلا أربعة شهود. ولا يشترط أن تكون الإقرارات في مجالس، خلافا للحنفية. وذهب مالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر: إلى أنه يكفي لإقامة الحد إقرار واحد لحديث "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها" ولم يذكر إقرارات أربعة. ورجم ﷺ الجهنية، وإنما اعترفت مرة واحدة. وأجابوا عن حديث ماعز، بأن الروايات في عدد الإقرارات مضطربة. فجاء أربع مرات، وجاء مرتين، أو ثلاثا. وأما القياس فلا يستقيم، لأن الإقرار في المال لابد فيه من عدلين، ولو أقر على نفسه مرة واحدة كفت إجماعا. والله أعلم. الحديث السادس عن عبد الله بن عمر ﵄: أنه قال: إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له: أنَّ امرأة منهم ورجلاً زنيا. فقال لهم رسول الله ﷺ : "ما تجدون في التوراة في شأن الرجم" فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها. فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: (ارفع يدك) فرفع يده فإذا فيها آية الرجم. فقال: صدق يا محمد. فأمر بهما النبي ﷺ فرُجِما. قال: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة (١) يَقِيهَا الحجارة. قال ﵁: الذي وضع يده على آية الرجم هو عبد اله بن صوريا.

стр. 644

الغريب: عبد الله بن سلام: بتخفيف اللام، ابن الحارث الإسرائيلي، عند قدوم النبي ﷺ المدينة، وشهد له بالجنة، وهو من علماء بني إسرائيل في التوراة والأحكام. يجنأ على المرأة: بفتح الياء التحتية وسكون الجيم، بعدها نون مفتوحة، بعدها همزة، أي يميل عليها وينكب. قال ابن فارس: [هو العطف على الشيء والحنو عليه] . صوريا: بضم الصاد، بعدها واو مخففة، ثم راء مكسورة، ثم ياء فألف. المعنى الإجمالي: زنا يهودي بيهودية في زمن النبي ﷺ . وكان اليهود يعلمون أن نبينا ﷺ نبي حقا، ويعلمون أن شريعته جاءت باليسر والسماح، وفك الآصار والأغلال. فجاءوا إليه بهذين اليهوديين الزانيين، ليحكم فيهما، لعل عنده حكما أخف مما عندهم في التوراة، فيكون لهم معذرة عند الله في عدم إقامة ما في التوراة من الحد. وكان النبي ﷺ عالما بحكم الزاني المحصن في التوراة، إما عن طريق الوحي، أو من أحد علماء اليهود الذين أسلموا. فسألهم ﷺ عن شأن الرجم في التوراة، متحدِّياَ ومبينا لهم أن القرآن والتوراة متفقان على هذا الحكم، فحاولوا التبديل والتغير على طريقتهم، فقالوا: نفضح الزناة ونجلدهم. وكان عبد الله بن سلام -الذي عنده علم الكتاب- حاضرا فقال: كذبتم. فيها آية الرجم. فجاءوا بالتوراة، فنشروها ليبحثوا عن آية الرجم فوضع عبد الله بن صوريا، يده على تلك الآية، وقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فوجدوا آية الرجم كما هي في الشريعة المحمدية. فأمر بهما النبي ﷺ فرجما عملا بقوله تعالى: "وأنِ احكم بَينهُمْ بما أنزل الله" فكان من شدة شفقة الرجل على المرأة، أنه ذكرها في تلك الحال الشديدة، فأخذ يقيها الحجارة بنفسه. ما يستفاد من الحديث: ١- وجوب حد الذمي إذا زنى، وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه. ٢- أن الإحصان ليس من شرطه الإسلام. وهو مذهب الشافعي وأحمد. فإذا وطئ الكافر في نكاح صحيح في شرعه، فهو محصن، تجرى عليه أحكام المسلمين المحصنين، إذا ترافعوا إلينا. ٣- أن شريعتنا حاكمة على غيرها من الشرائع، وناسخة لها. ولكن النبي ﷺ سألهم عن حكم التوراة في الرجم، ليقيم عليهم الحجة من كتابهم الذي أنكروا أن يكون فيه رجم المحصن، وليبيِّن لهم أن كتب الله متفقة على هذا الحكم الخالد، الذي فيه ردع المفسدين.

стр. 645

٤- أن حدَّ المحصن، إذا زنا، الرجم بالحجارة حتى يموت. ٥- أن اليهود أهل تغيير وتبديل لكتاب الله الذي أنزله عليهم، تبعاً لأهوائهم وأغراضهم ومادِّيَّتِهمْ. ٦- أن الكفار مخاطبون بالأحكام الفرعية، ومعاقبون عليها. الحديث السابع عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن رجلا -أو قال: امرءا- اطَّلع عليك بغير إذنك، فحذفته بحصاةٍ ففقأت عينه، ما كان عليك جناح". الغريب: حذفته: بالحاء والخاء وخطأ القرطبي رواية الحاء وجزم النووي أنه بالخاء المعجمة، ومعناها: رميته. فقأت عينه: أفسدتها. جناح: إثم. المعنى الإجمالي: للإنسان حرمة عظيمة ومقام كبير، وقد حظر الله تعالى ماله وعرضه ودمه. ولكنه إذا اعتدى على غيره، زالت حرمته، وصَغُر مقامه، إذ أهان نفسه وقلل خطره. فإذا اطلع على أحد بغير إذنه من وراء بابه أو من فوق جداره أو غيِر ذلك ففقأ عينه، فليس على هذا الفاقئ إثم ولا قصاص، لأنه أسقط حرمته، وأرخص عضوه، بجنايتها بالاطلاع على بيوت الناس وعوراتهم. فهذا من باب القصاص، لا من باب المدافعة، فتكون بالأسهل فالأسهل. ما يؤخذ من الحديث: ١- تحريم الاطلاع على أحوال الناس في منازلهم، والنظر إليهم والاستماع إِلى كلامهم. ٢- سقوط حرمة من فعل ذلك، وإهدار العضو الذي يطلع به على أحوالهم. ٣- أن لصاحب البيت أن يفقأ عينه وليس عليه إثم ولا قصاص ٤- ظاهر الحديث أن صاحب الدار لا يحتاج إلى إنذاره، ويؤيد ذلك ما أخرجه البخاري في عدة أبواب من صحيحه "أن رجلا اطلع في حجر باب رسول الله ﷺ فأخذ ﷺ مشقصا وجاء يختل الناظر بالمشقص" (فهذا من أبواب القصاص) ، لأن باب مدافعة الصائل هي التي تكون بالأسهل ثم الأصعب.

стр. 646

باب حدِّ السَّرقة الأصل في القطع، الكتاب، والسنة، والإجماع والقياس قال تعالى: ﴿وَالسارق وَالسارقَةُ فَاقْطَعُوا أيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كسَبَا نكالاً منَ الله وَالله عَزيزٌٌٌٌٌ حَكِيم﴾ . والسنة، ما يأتي من الأحاديث. وأجمع عليه العلماء، استناداً إلى هذه النصوص. والقياس والحكمة تقتضي إقامة الحدود كلها كما أمر الله تعالى، حفظا للأنفس والأعراض والأموال. ولذا نرى البلاد التي عملت بحدود الله ونفذت حدوده، استتب فيها الأمن ولو كانت ضعيفة العُدة. ونرى الفوضى، وقتل الأنفس، وانتهاك الأعراض، وسلب الأموال، في البلاد التي حكمت القوانين (رحمة بالجناة المعتدين، من جهلهم بالرحمة وموضعها، ولو كانت قوية متمدينة. فمضت حياتها ما ببن صلب ونهب. الحديث الأول عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ ﵄: أنَّ النبي ﷺ قَطَعَ مِجَنّ قِيمَتُهُ ثَلاَثة درَاهِمَ. وفي لفظ: ثَمَنُهُ- ثَلاثَةُ درَاهِمَ. الحديث الثاني عَنْ عَاِئشَةَ ﵂: أنَّهَا سَمِعَتْ رَسولَ الله يَقُولُ: "تُقْطَعُ الْيَدُ في رُبْعِ دِينَار فَصَاعِداً". الغريب: القطع: يراد به الأمر بالقطع. قيمته: ما تنتهي إليه الرغبة من الثمن. الثمن: ما يقابل به المبيع. المجن: بكسر الميم وفتح الجيم، بعدها نون مشددة، هو الترس الذي يتقى به وقع السيف مأخوذ من الاجتنان والاختفاء، لأن الفارس يختفي به، وكسرت ميمه، لأنه اسم آلة. المعنى الإجمالي: أمن الله دماء الناس وأعراضهم وأموالهم، بكل ما يكفل ردع المفسدين المعتدين. فكان أن جعل عقوبة السارق (الذي أخذ المال من حرزه على وجه الاختفاء، قطع العضو الذي تناول به المال المسروق، ليكفر القطع ذنبه. وليرتدع هو وغيره عن الطرق الدنيئة، وينصرفوا إلى

стр. 647

اكتساب المال من الطرق الشرعية الكريمة"، فيكثر العمل، وتستخرج الثمار فيعمر الكون وتعز النفوس. ومن حكمته تعالى، أن جعل النصاب الذي تقطع فيه اليد، ما يعادل ربع دينار من الذهب، حماية للأموال، وصيانة للحياة، ليستتب الأمن، وتطمئن النفوس، وينشر الناس أموالهم للكسب والاستثمار. ما يستفاد من الحديث: ١- قطع يد السارق، والمراد بالسارق [الذي يأخذ المال من حرزه على وجه الاختفاء] وليس منه الغاصب والمنتهب والمختلس. قال القاضي عياض ﵀: (صان الله الأموال بإيجاب القطع على السارق، ولم يجعل ذلك في غير السرقة، كالاختلاس، والانتهاب، والغصب، لان ذلك قليل بالنسبة إلى السرقة، ولأنه يمكن استرجاع هذا النوع بالاستدعاء إلى ولاة الأمر، وتسهل إقامة البينة عليه، بخلاف السرقة، فإنه تندر إقامة البينة عليها، فعظم أمرها، واشتدت عقوبتها، ليكون أبلغ في الزجر عنها. وقد أجع المسلمون على قطع السارق في الجملة. ٢- في الحديثين، أن نصاب القطع ربع دينار من الذهب " أو ما قيمته ثلاثة دراهم من الفضة، ويأتي- قريبا- مذاهب العلماء في بيان النصاب. ٣- قال ابن دقيق العيد: القيمة والثمن مختلفان في الحقيقة، فلو اختلفت القيمة والثمن الذي اشتراه به مالكه لم تعتبر إلا القيمة. ٤- للعلماء شروط في قطع يد السارق، تقدم بعضها: وأهم الباقي أن يكون المسروق من حرز مثله، والحرز يختلف باختلاف الأموال والبلدان والحكام. ومرجع الحرز، العُرْفُ. فلا قطع في سرقة من غير حرز مثلها. وأن تنتفي الشبهة، فلا قطع من مال له فيه شبهة، كسرقة الابن من أبيه، أو الأب من ابنه، والفقير من غلة وقف على الفقراء، أو من مال له في شركة، وأن تثبت السرقة إما بإقرار من السارق معتبر، أو شاهدين عد لين. ٥- لهذا الحكم السامي، حكمته التشريعية العظمى. فالحدود كلها- على وجه العموم- رحمة ونعمة. فإن في المجموعة البشرية أفراد، أشْرِبَتْ نفوسهم حبَّ الأذى، وإقلاق

стр. 648

الناس، وإفزاعهم في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وأنه إذا لم يجعل لهؤلاء المجرمين رادع من التأديب والعقوبة، اضطربت الأحوال، وخاف الناس، وتقطعت السبل ومن رحمته تعالى، أن جعل عقوبات تناسب هذه الجرائم ليرتدع بها المجرم وليكف عن الجرائم من يحاول غشيانها. ومن ذلك قطع يد السارق. فهذا المعتدى الذي ترك ما أباح الله تعالى له، واستحسنه الناس من المكاسب الشريفة، التي تعود عليه وعلى مجتمعه بالصالح العام، فأقدم على أموال الناس بغير حق، وأفزعهم وأخافهم، يناسبه في العقوبة أن تقطع يده، لأنها الآلة الوحيدة [لعملية الإجرام] . ولكنا- مع الأسف- ابتلينا بهذه الطوائف المتزندقة، التي عشقت القوانين الأوروبية الآثمة، تلك القوانين التي لم تحجز المجرمين عن إفسادهم في الأرض، وإخافة الأبرياء في بيوتهم وسبلهم. عشقوا تلك القوانين التي حاولت إصلاح المجرمين المفسدة بغير ما أنزل الله تعالى عليهم، من العلاجات الشافية لهم، ولمن في قلبه مرض من أمثالهم، فلم تفلح، بل زادت عندهم الجرائم والمفاسد. لأن عقابهم وعلاجهم السجن، مهما عظمت المعصية، وكبر الإجرام. والسجن يلذ لكثير من المفسدين العاطلين، الذين يجدون فيه الطعام والشراب، وفي خارجه الجوع والبطالة. وبالتجارب وجدنا حكومتنا [السعودية] وفقها الله، لما حكمت- ولله الحمد- بالشرع الشريف، خفت عندها أعمال الإجرام، لاسيما سلب الأموال. بينما غيرها من الأمم القوية، تعج بالمنكرات، وعصابات المجرمين، وقطاع الطرق والمهاجمين. أعاد الله المسلمين إلى حظيرة دينهم، والعمل بما فيه من الخير والبركة. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في قدر النصاب الذي تقطع فيه يد السارق. فذهب الظاهرية: إلى أنه في القليل والكثير، مستدلين بقول الله تعالى ﴿وَالسارِقُ وَالسًارِقَةُ فَاقطَعُوا أيْديَهُمَا﴾ وهى مطلقة في سرقة القليل والكثير. وبما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة قال ﷺ : "لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده". وذهب جمهور العلماء: إلى أنه لابد في القطع من نصاب السرقة مستدلين الأحاديث الصحيحة في تحديد النصاب. وأجابوا عن أدلة الظاهرية بأن الآية مطلقة في جنس المسروق وقدره، والحديث بيان لها. وأما حديث البيضة والحبل، فالمراد بذلك بيان سخف وضعف عقل

стр. 649

السارق وخساسته ودناءته، فإنه يخاطر بقطع يده للأشياء الحقيرة التافهة. فهذا التعبير نوع من أنواع البلاغة، فيه التنفير، والتبشيع، وتصوير عمل المعاصي بالصورة المكروهة المستقبحة. ثم اختلف الجمهور في تحديد قدر النصاب الذي يقطع فيه، على أموال كثيرة، نذكر منها القوي. فذهب مالك، وأحمد وإسحاق: إلى أن النصاب ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو عَرَض تبلغ قيمته أحدهما. وذهب الشافعي إلى أن النصاب ربع دينار ذهبا، أو ما قيمته ربع دينار من الفضة أو العروض، وبه قال كثير من العلماء، منهم عائشة، وعمر بن عبد العزيز، والأوزعي، والليث، وأبو ثور. وذهب أبو حنيفة وأصحابه، وسفيان الثوري: إلى أن النصاب عشرة دراهم مضروبة أو ما يعادلها من ذهب أو عروض. استدل الإمام أحمد، ومالك، بما رواه أحمد ومسلم: أن النبي ﷺ قال: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا ". وكان ربع الدينار يومئذ، ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهما. رواه أحمد عن ابن عمر. وكما في حديث الباب عن ابن عمر: أنه ﷺ "قطع في مجن قيمته ثلاثة در اهم". واستدل الشافعي والجمهور بالحديث السابق " لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا " فإنه جعل الذهب أصلاً يرجع إليه في النصاب. ولا ينافي حديث ابن عمر، فإن قيمة الدراهم الثلاثة في ذلك الوقت ربع دينار، لأن صرف الدينار اثنا عشر درهماً. واستدل أبو حنيفة واتباعه، بما ثبت في الصحيحين من أنه ﷺ قطع في مجن، وقد اختلف في قيمة هذه المجن، حتى جاء بما أخرجه البيهقى والطحاوي من حديث ابن عباس. أنه كان ثمن المجن على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم. وهذه الرواية وإن خالفت ما في الصحيحين من أن قيمته ثلاثة دراهم، فالواجب الاحتياط فيما يستباح به قطع العضو المحرم، فيجب الأخذ به وهو الأكثر. وبما أخرجه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: " لاَ قطع إلا في عشرة دراهم " وضعف العلماء هذا الحديث. واختلف العلماء في حقيقة اليد التي تقطع على أقوال: وأصحها، ما ذهب إليه الجمهور،

стр. 650

بل نقل فيه الإجماع، من أنها الكف التي تبتدئ من الكوع، فالآية الكريمة ذكرت قطع اليد، واليد عند الإطلاق هي الكف فقط، ومع هذا فقد بينتها السنة، فإن الله تعالى قال: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ والنبي ﷺ مسح على كفيه فقط. ثم إن الجمهور ذهبوا إلى أن أول ما يقطع اليد اليمنى وبه قرأ ابن مسعود ﴿فاقطعوا أيمانهما﴾ فإن سرق ثانيا قطعت الرجل اليسرى، ثم إن سرق قطعت اليد اليسرى، ثم إن سرق فالرجل اليمنى، هذا عند الجمهور. وذكروا أدلتهم في المطولات. باب في إنكار الشفاعة في الحدود (١) والنهي عنها الحديث الثاني والخمسون بعد الثلاثمائة عَنْ عَاِئشَةَ ﵂: إنَّ قُرَيْشاً أهَمَّهُمْ شَأنُ الْمَخْزُومِيَّة التي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: مَنْ يُكَلِّمَ فِيهَا رَسُولَ الله ﷺ ؟. فَقَالوا: وَمَنْ يَجْتَرِئ عَلَيْهِ إلا أسَامَةُ بْنُ زَيد حِبُّ رَسُولِ الله ﷺ ؟. فَكَلَّمَهُ أسَامَةُ، فَقَالَ " أَتَشفَعُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله "؟. ثَُم قَامَ فاختَطَبَ، فَقَالَ: " إنَّمَا أهلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ أنَّهم كَانُوا إذَا سَرقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكَوهُ، وَإذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ. وَأيْمُ الله، لَوْ أنَّ فَاطِمَةَ بِنْت مُحَمَّدٍ سرَقتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا". وفي لفظ: كَانَت امْرأةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتجْحَدُهُ، فَأمَرَ النبيُ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا. الغريب: أهمهم: جلب لهم هما، أو صيرهم ذوي هم. المخزومية: هي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد، بنت أخي أبي سلمة. وبنو مخزوم أحد أفخاذ قريش، وهم من أشراف تلك القبيلة الشريفة فيسمونهم ريحانة قريش. من يكلم؟:. أي من يشفع فيها بترك قطع يدها. حِِبُ رسول الله: بكسر الحاء، أي محبوبة. وأيم الله: بفتح الهمزة وكسرها وضم الميم، وهو اسم مفرد، ولذا فإن همزته همزة قطع وإعرابه هنا: إنه مرفوع بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: قسمي، أو يميني.

стр. 651

المعنى الإجمالي: كانت امرأة من بنى مخزوم تستعير المتاع من الناس احتيالاً، ثم تجحده. فاستعارت مرةً حُلِيًا فجحدته، فوُجِدَ عندها، وبلغ أمرها النبي ﷺ فعزم على تنفيذ حد الله تعالى بقطع يدها، وكانت ذات شرف، ومن أسرة عريقة في قريش. فاهتمت قريش بها وبهذا الحكم الذي سينفذ فيها، وتشاوروا فيمن يجعلونه واسطة إلى النبي ﷺ ليكلمه في خلاصها، فلم يروا أولى من أسامة بن زيد، فإنه المقرب المحبوب للني ﷺ . فكلمه أسامة. فغضب منه ﷺ وقال له - منكراً عليه: - "أتشفع في حدًٍّ من حدود الله"؟ ثم قام خطيبا في الناس ليبين لهم خطورة مثل هذه الشفاعة التي تعطل بها حدود الله، ولأن الموضوع يهم الكثير منهم، فأخبرهم أن سبب هلاك من قبلنا في دينهم وفي دنياهم: أنهم يقيمون الحدود على الضعفاء والفقراء، ويتركون الأقوياء والأغنياء، فتعم فيهم الفوضى وينتشر الشر والفساد، فيحق عليهم غضب الله وعقابه. ثم أقسم ﷺ وهو الصادق المصدوق- لو وقع هذا الفعل من سيدة نساء العالمين ابنته فاطمة- أعاذها الله من ذلك- لنفذ فيها حكم الله تعالى. ﷺ . ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم! الشفاعة في الحدود، والإنكار على الشافع، وذلك قبل أن تبلغ الحاكم. قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دليل على امتناع الشفاعة في الحد بعد بلوغه السلطان، وفيه تعظيم أمر المحاباة للأشراف في حقوق الله تعالى. قلت في تقييد ذلك بـ (قبل بلوغها الحاكم) ليس مأخوذا من هذا الحديث الذي معنا، وإنما يؤخذ من نصوص أخر، مثل ما أخرجه أصحاب السنن، وأحمد، عن صفوان بن أمية: أن النبي ﷺ قال: لما أمر بقطع الذي سر ق رداء هـ فشفع فيه: هلا كان ذلك قبل أن تأتيني به؟. أما قبل بلوغ الحاكم، فهل يرفعه أو يتركه؟.

стр. 652

الأولى أن ينظر في ذلك إلى ما يترتب على ذلك من المصالح أو المفاسد. فإن كان ليس من أهل الشر والأذى، فالنبي ﷺ قال"أقيلوا ذوى الهيئات زلاَّتهم". فإن كان يترتب عليه شيء من المفاسد فمثل هذا، الأحسن عدم رفعه. وإن كان في تركه مفسدة، وهو من أهل الأذى ونحو دْلك من دواعي الرفع، فالأولى رفعه. ٢- أن جاحد العاريَة حكمه حكم السارق، فيقطع. ويأتي الخلاف فيه ٣- وجوب العدل والمساواة بين الناس، سواء منهم الغني أو الفقر، والشريف أو الوضيع، في الأحكام والحدود، وفيما هم مشتركون فيه. ٤- أن إقامة الحدود على الضعفاء وتعطيلها في حق الأقوياء، سبب الهلاك والدمار، وشقاوة الدارين. ٥- القَسَمُ في الأمور الهامة، لتأكيدها وتأييدها. ٦- جواز المبالغة في الكلام، والتشبيه والتمثيل. لتوضيح الحق وتبيينه وتأكيده. ٧- منقبة كبرى لأسامة، إذ لم يروا أولى منه للشفاعة عند الني ﷺ وقد وقعت الحادثة في فتح مكة. اختلاف العلماء: اختلف العلماء في جاحد العارية: هل يقطع أو لا؟ فذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك والشافعي: إلى أنه لا يقطع، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها من أصحابه الخِرَقِي، وأبو الخطاب، و (ابن قدامه) صاحب الشرح الكبير، لقوله ﷺ : "لا قطع على خائن". وأجابوا عن حديث الباب بأنها ذكرت بجحد العارية للتعريف، لا لأنها قطعت من أجله، وقد قطعت لأجل السرقة، ولذا وردت لفظة [السرقة] في الحديث. وأجابوا بغير ذلك، ولكنها أجوبة غير ناهضة. والرواية الثانية عن الإمام أحمد: أنه يقطع، وهو المذهب. قال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبى فقلت له: تذهب إلى هذا الحديث؟

стр. 653

فقال: لا أعلم شيئاً يدفعه. وبهذا القول، قال إسحاق، والظاهرية، وانتصر له ابن حزم. واستدلوا بهذا الحديث الذي جاء في قصة المخزومية، وجعلوا حديث "لا قطع على خائن " مخصصا بغير خائن العارية لحديث الباب. والمعنى الموجود في السارق موجود مثله في جاحد العارية، بل. الأخير أعظم، لأنه لا يمكن التحرز منه. والمعُيِرُ مُحْسِن، والجاحد ير يد قطع الإحسان والمعروف بين الناس، فهو مسيء من جهات. تنبيه: بإجماع العلماء أن الغاصب والمختلس والمنتهب لا يقطعون، وليس ذلك لأنهم غير مجرمين أو مفسدين، بل هم آثمون ويجب عليهم التعزير، وقد يكون تعزيرهم بليغاً ويجب عليهم ردّ ما أخذوه. وإنما لم يقطعوا، لما نقلناه في أول الباب عن القاضي عياض ولِحكَمٍ أيضاً، لا يعلمها إلا الذي شرع للناس، ما يصلح حالهم. بَابُ حد الخمْر للخمر- في اللغةَ ثلاثة معان: ١- الستر والتغطية، ومنه: اختمرت المرأة إذا غطت رأسها ووجهها بالخمار. ٢- والمخالطة: ومنه قول كثير عزة: هنيئا مريئا غير داء مخامر....... أي: مخالط. ٣- والإدراك، ومنه قولهم: خمرت العجين (١) وهو أن تتركه حتى يبلغ وقت إداكه. فمن هذه المعانيْ الثلاثة أخذ اسم الخمرة، لأنها تُغطى العقل وتستره، ولأنها تخالط العقل، ولأنها تترك حتى تدرك وتستوى. وتعريفها- شرعاً: أنها اسم لكل ما خامر العقل وغطَاه من أي نوع من الأشربة لحديث "كل مسكر خمر وكل خمر حرام".

стр. 654

وهو محرم بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿يَا آُيَّهَا الذِينَ آمَنُوا إنَمَا الْخمر وَالْميسِرُ والأنْصَابُ والأزْلامُ رِجْس مِنْ عَمَل الشيطَانِ فَاجَتَنِبُوهُ لعلَّكم تفلحون﴾ فقرنه مع عبادة الأصنام، التي هي الشرك الأكبر بالله تعالى. وأما السنة: فأحاديث كثيرة، منها ما رواه مسلم: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام" وأجمعت الأمة على تحريمها. حكمة تحريمها التشريعية: لا يحتمل المقام هنا ذكر ما علمناه ووقفنا عليه من المفاسد، التي تجرها وتسببها ويكفيك قوله تعالى: ﴿إنَّمَا يُريدُ الشيطَانُ أنْ يُوقِعَ بَينَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغضَاءَ في الخَمْرِ وَالميسِرِ وَيَصُدَّ كم عَنْ ذِكْرِ الله وَعَن الصلاةِ فَهَلْ أنتمْ مُنْتَهُون؟﴾ فذكر أنه سبب في كل شر، وعائق عن كل خير. وقال ﷺ : " الخمر أم الخبائث " فجعلها أما وأساسا لكل شر وخُبْثٍ. أما مضرتها الدينية، والأخلاقية، والعقلية، فهي مما لا يحتاج إلى بيان وتفصيل. وأما مضرتها البدنية، فقد أجمع عليها الأطباء لأنهم وجدوها سببا في كثير من الأمراض الخطيرة المستعصية. لهذا حرمها الشارع الحكيم، وإنَ ما تجره هذه الجريمة المنكرة من المفاسد والشرور ليطول عَدُّه، ويصعب حَصْرُه. ولو لم يكن فيها إلا ذهاب العقل لكفى سببا للتحريم فكيف يشرب المرء تلك الآثَمة التي تزيل عقله، فيكون بحال يضحك منها الصبيان، ويتصرف تصرف المجانين. فَدَاء هذا بعض أمراضه، كيف يرضاه عاقل لنفسه؟! ولِعظَمِ خطرها، وكثرة ضررها، حاربتها الحكومات في (الولايات المتحدة) وغيرها. ولكن كثيرا من الناس لا يعقلون، فتجدهم يتهافتون عليها، فيذْهِبُونَ بها عقولهم، وأديانهم، وأعراضهم، وأموالهم، وشيمتهم، وصحتهم. فإنا لله وإنا إليه راجعون الحديث الثالث والخمسون بعد الثلاثمائة عن أنسَ بْنِ مَالِك ﵁: أنَّ النَّبيَّ صَلَّي الله عَلَيْهِ وَسَلَّم أتي بِرَجُلِ قدْ شَرِبَ الَخَمْرَ، فَجَلَدَهُ بِجَريِدِةٍ نَحْوَ أربعين. قالَ: وَفَعَلَهُ أبُو بَكْر، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ، اسْتَشَارَ النَّاسَ، فقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: " أخَفُّ الُحْدُودِ، ثَماَنُونَ ". فَأمَرَ به عمر ﵁ (١) .

стр. 655

المعنى الإجمالي: شرب رجل الخمر على عهد النبي ﷺ ، فجلده بجريدة من سعف النخل نحو أربعين جلدة. وجلد أبو بكر ﵁ شارب خمر في خلافته مثل جلد النبي ﷺ . فلما جاءت خلافة عمر، وكثرت الفتوحات، واختلط المسلمون بغيرهم، كثر شربهم لها. فاستشار علماء الصحابة في الحد الذي يطبقه عليهم ليردعهم كعادته في الأمور الهامة، والمسائل الاجتهادية. فقال عبد الرحمن بن عوف: اجعله مثل أخف الحدود، ثمانين. وهو حد القاذف، فجعله عمر ثمانين جلدة. ما يستفاد من الحديث: ١- ثبوت الحد في الخمر، وهو مذهب عامة العلماء. ٢- أن حده على عهد النبي ﷺ نحو أربعين جلدة، وتبعه أبو بكر على هذا. ٣- أن عمر- بعد استشارة الصحابة- جعله ثمانين. ٤- الاجتهاد في المسائل ومشاورة العلماء عليها، وهذا دأب أهل الحق وطالبي الصواب. أما الاستبداد، فعمل المعجبين بأنفسهم، المتكبرين الذين لا يريدون الحقائق. اختلاق العلماء: اختلف العلماء في حد الخمر: هل هو ثمانون جلدة، أو أربعون، وما بين الأربعين والثمانيِن يكون من باب التعزير إن رأى الحاكم الزيادة وإلا اقتصر على الأربعين؟. ذهب الأئمة أحمد، ومالك، وأبو حنيفة، والثوري، ومن تبعهم من العلماء: إلى أن الحد ثمانون، ودليلهم على ذلك إجماع الصحابة، لما استشارهم عمر فقال عبد الرحمن بن عوف: (اجعله كأخف الحدود ثمانين) فجعله. وذهب الشافعي إلى أن الحد أربعون، وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها جملة من أصحابه، منهم أبو بكر، وشيخ الإسلام (ابن تيميةَ) و (ابن القيم) وشيخنا (عبد الرحمن بن سعدى) رحمهم الله تعالى. قال شيخ الإسلام (ابن تيميه) فيما نقل عنه في الاختيارات: (والصحيح في حد الخمر إحدى الروايتين الموافقة لمذهب الشافعي وغيره أن الزيادة على الأربعين إلى الثمانين ليست واجبة على الإطلاق بل يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام، كما جوزنا له الاجتهاد في صفة الضرب فيه) .

стр. 656

وقال في المغنى (ولا ينعقد الإجماع على ما خالف فعل النبي ِ، وأبي بكر وعليّ، فتحمل الزيادة من عمر على أنها تعزيز، يجوز فعلها إذا رآه الإمام) . ويقصد بهذا، الرد على من قال: إن الثمانين كانت بإجماع من الصحابة. وقد أجمعت الأمة على أن الشارب إذا سكر بأي نوع من الأنواع المسكرة، فعليه الحد، وأجمعت أيضا على أنه من شرب عصير العنب المتخمر، فعليه الحد، ولو لم يسكر شاربه. وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف: إلى أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، من أي نوع من أنواع المسكرات، ويستوي أن تكون من عصير العنب، أو التمر، أو الحنطة، أو الشعير، أو غير ذلك. وهو مروى عن عمر، وعلى، وابن مسعود، وابن عمر، وأبي هريرة، وسعد بن أبى وقاص، وأبي بن كعب، وأنس، وعائشة رضى الله عنهم. وبه قال عطاء، ومجاهد، وطاوس، والقاسم بن محمد، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز. وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أحمد، والشافعي، ومالك، وأتباعهم، وذهب إليه أبو ثور، وإسحاق. وأما أهل الكوفة فيرون أن الأشربة المسكرة من غير عصير العنب لا يحد شاربها ما لم تبلغ حد الإسكار. أما مع الإسكار فقد تقدم أن الإجماع على إقامة الحد. وليس لهؤلاء من الأدلة إلا أن اسم الخمر حقيقة لا يطلق- عندهم- إلا على عصير العنب أما غيره فيلحق به مجازا. واستدلوا على مذهبهم بأحاديث. قال العلماء- ومنهم الأثرم، وابن المنذر: إنها معلولة ضعيفة. وأما أدلة جماهير الأمة، على أن كل مسكر خمر، يحرم قليله وكثيره. فمن الكتاب العزيز، والسنة الصحيحة، واللغة الفصيحة. فأما الكتاب، فعمم تحريم الخمر، ونهى عنه. والخمر: - ما خامر العقل وغطاه من أي نوع. وأما السنة فقد صح عنه ﷺ أنه قال " كل مسكر خمر وكل خمر حرام " وقال ﷺ " ما أسكر كثيره فقليله حرام " رواه أبو داود والأثرم.

стр. 657

وقال عمر بن الخطاب ﵁ [نزل تحريم الخمر وهي من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير والخمر ما خامر العقل] متفق عليه. وأما اللغة، فقد قال صاحب القاموس (الخمر: ما أسكر من عصير العنب، أو هو عامَ) والعموم أصح لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب، وكان شرابهم البسر والتمر) . وقال الخطابي: (زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب، فيقال لهم: إن الصحابة الذين سموا غيرِ المتخذ من العنب خمرا، عرب فصحاء. ولو لم يكن هذا الاسم صحيحا، لما أطلقوه) . ومن أحسن ما ينقل من كلام العلماء في هذه المسألة، ما قاله القرطبي: (الأحاديث الواردة عن أنس وغيره- على صحتها وكثرتها- تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إ لا من العنب، وما كان من غيرهْ لا يسمى خمرا ولا يتناوله اسم الخمر. وهو قول مخالف للغة العرب، وللسنة الصحيحة، وللصحابة، لأنهم- لما نزل تحريم الخمر- فهموا من الأمر بالاجتناب، تحريم كل ما يسكر. ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره. بل سووا بينهما، وحرموا كل ما يسكر نوعه. ولم يتوقفوا، ولم يستفصلوا ولم يشكل عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، رهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن فلو كان عندهم تردد، لتوقفوا عن الإراقة حتى يستفصلوا ويتحققوا التحريم. ثم ساق القرطبي الأثر المتقدم عن عمر بن الخطاب ﵁. وهذا كلام جيد، يقطع شبهة المخالف، والله الموفق. بَابُ التعزير (١) التعزير- لغة- هو مصدر (عزَّر) وأصل العز ر: المنع، فأخذ منه، لأنه يمنع من الوقوع في المعصية. وشرعاً: - التأديب على ذنب لا حد فيه ولا كفارة، كالاستمتاع من المرأة بما دون الفرج، أو السرقة من غيرِ حرز، والقذف بغير الزنا، والمعاصي التي لم يقدر لها حدود، هي الكثرة الغالبة. أما ما فيه حدّ مقدر من الشارع، فهو القليل المحصور، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على مقدار هذه العقوبة والخلاف فيه.

стр. 658

أما حكمته التشريعية: - فهو من جملة الحدود التي تقدم الكلام في فوائدها ومنافعها. وحكمه ثابت، في الكتاب، والسنة، والإجماع. ونصوصه كثيرة مشهورة. الحديث الرابع والخمسون بعد الثلاثمائة عَنْ أبي بُرْدَةَ هانئ بْنِ نِيَار البلويِّ ﵁: أنَّهُ سَمِع رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: " لا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرَةِ أسْوَاطٍ إلا في حَدٍّ مِنْ حدود الله". المعنى الإجمالي: يراد بحدود الله تعالى، أوامره ونواهيه. فهذه لها عقوبات رادعة عنها، إما مقدرة، كالزنا والقذف أو غيره مقدرة، كالإفطار في نهار رمضان، ومنع الزكاة، وغير ذلك من قِبَلِ المحرمات، أو ترك الواجبات. وهناك تأديبات وتعزيرات للنساء والصبيان، لغير معصية الله.. وإنما تفعل لتقويمهم وتهذيبهم. فهذه لا يزايد فيها على عشرة أسواط، ماداموا لم يتركوا واجبا من دينهم، أو يفعلوا محرما عليهم من ربهم. ما يستفاد من الحديث: ١- أن حدود الله تعالى، التي أمر بها، أو نهى عنها، لها عقوبات تردع عنها، إما مقدرة من الشارع، أو راجع وتقديرها إلى المصلحة التي يراها الحاكم. وهى أنواع كما يأتي. ٢- أن تأديب الصبيان والنساء والخدم ونحوهم، يكون خفيفا بقدر التوجيه والتخويف، فلا يزاد فيه على عشرة أسواط والأولى تهذيبهم بدون الضرب، بل بالتوجيه، والتعليم، والإرشاد، والتشويق، فهو أدعى للقبول واللطف في التعليم. والأحوال في هذا المقام تختلف كثيراً، فينبغي فعل الأصلح. ٣- ظاهر هذا الحديث تحريم الزيادة على عشرة أسواط، لأن الحديث جاء بصيغة النَهْي ويقتضي التحريم. اختلاق العلماء: اختلاف العلماء في المراد من معنى قوله " إلا في حَدٍّ من حدود الله " فذهب بعضهم: إلى أن المراد (بالحدود) هي التي قدرت عقوباتها شرعاً كحد الزنا، والقذف، والسرقة، والقصاص

стр. 659

في النفس، وما دونها من الأطراف والجروح. فعلى هذا، يكون ما عداها من المعاصي، هو الذي عقوبة مرتكبه التعزير، وهو من عشرة أسواط فأدنى، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد. على أن الأصحاب يريدون بالتعزير المقدر، لمن كان قد فعل المعصية. أما المقيم عليها، فيُعزَّر حتى يُقلع عنها، ولذا قال شيخ الإسلام: (والذين قدروا التعزير من أصحابنا، إنما هو فيما إذا كان تعزيرا على ما مضى من فعل أو ترك. فإن كان تعزيرا لأجل ترك ما هو فاعل له، فهو بمنزلة قتل المرتد والحربي، وقتال الباغي. وهذا تعزير ليس يقدر، بل ينتهي إلى القتل، كما في الصائل لأخذ المال، يجوز أن يمنع ولو بالقتل) وله بقية. وعنه أن كل معصية لها مثل المقدر، لا يبلغ بها حدًا المقدَر، كأن يزني بجارية له فيها شرك، فيجلد مائة سوط إلا واحداً. ومذهب أبي حنيفة، والشافعي: أنه لا يبلغ بالتعزير، الحدود المقدرة. وذهب بعض العلماء: إلى أن معنى قوله "إلا في حد من حدود الله" أن المراد بحدود الله، أوامره ونواهيه، وأنه مادام التعزير لأجل ارتكاب معصية بترك واجب أو فعل محرم، فيبلغ به الحد الذي يراه الإمام رادعاً وزاجراً من ارتكابه والعودة إليه، وذلك يختلف باختلاف المكان والزمان، وباختلاف الأشخاص، وباختلاف المعصية. فللأزمنة: والأمكنة، حكم بالتحفيف أوالتشديد في عقوبة العصاة، وكذلك الأشخاص، لكل منهم أدبه اللائق والكافي لردعه. فبعضهم يكفيه التوبيخ، وبعضهم الضرب والجلد. وبعضهم الحبس. وبعضهم أخذ المال. والذين يندر أن تقع منهم المعاصي _ وهم ذوو الهيئات _ فينبغي التجاوز عنهم. وبعضهم مجاهرون معاندون، فينبغي النكاية بهم. والمعاصي تختلف في عِظَمِها وخفتها. فينبغي للحاكم ملاحظة الأحوال، والظروف، والملابسات، ليكون على بصيرة من أمره، ولتكون تعزيرا ته وتأديباته واقعة مواقعها، وافية بمقصودها، وهو راجع إ إلى رأي الحاكم، فقد يكون بالتوبيخ، وقد يكون بالهجر، وقد يكون بالجلد، وقد يكون بالحبس، وقد يكون بأخذ المال، وقد يكون بالقتل. وكل هذه العقوبات، لها أصل في الشرع. وإليك كلام العلماء في هذا الباب. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى- فيمن شرب خمراً في نهار رمضان، أو أتى شيئاً نحو هذا-: (أقيم عليه الحد وغلظ عليه، مثل الذي يقتل في الحرم، ودية وثلث دية) وقال أيضاً: (إذا أتت المرأة المرأة، تعاقبان وتؤدًبان) .

стр. 660

وقال أيضاً- فيمن طعن على الصحابة-: (إنه قد وجب على السلطان عقوبته، فإن تاب وإلا أعاد العقوبة) . وقد أطال الناقل عن شيخ الإسلام في " الاختيارات " في هذا الباب فنجتزئ من ذلك بفقرات تُبيِّن رأيه، وتنير الطريق في هذه المسألة. قال ﵀: (وقد يكون التعزير بالعزل والنَّيْلِ من عِرْضِه، مثل أن يقال: يا ظالم، يا معتدى، وبإقامته من المجلس) . وقال: (والتعزير بالمال سائغ، إتلافاً، وأخذا، وهو جار على أصل أحمد، لأنه لم يختلف أصحابه أن العقوبات في الأموال غير منسوخة كلها) . وقول الشيخ أبى محمد المقدسى (ابن قدامه) : (ولا يجوز أخذ مال المعزر) ، إشارة منه إلى ما يفعله الولاة الظلمة. وقال: (ويملك السلطان تعزير من ثبت عنده أنه كتم الخبر الواجب. كما يملك تعزير المقر إقراراً مجهولا حتى يفسره، أو من كتم الإقرار) . وقد يكون التعزير بتركه المستحب كما يعزر العاطس الذي لم يحمد الله، (بترك تشميته) . وقال: (وأفتيت أميرا مقدماً على عسكر كبير في الحربية، فإذا نهبوا أموال المسلمين ولم ينز جروا إلا بالقتل، أن يقتل من يَكفون بقتله ولو أنهم عشرة إذ هو من باب دفع الصائل) . وقال (ابن القيم) : (الصواب أن المراد بالحدود هنا، الحقوق التي هي أوامر الله ونواهييه. وهي المرادة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يتعدَّ حُدودَ الله فأولئكَ هُمُ الظالمون﴾ وفي أخرى (فَقَدْ ظَلَمَ نَفسَهُ) وقال: ﴿تِلْكَ حُدُوُد الله فلا تَقرَبُوها﴾ فلا يزاد على الجلدات العشر، في التأديبات التي لا تتعلق بمعِصية، كتأديب الأب ولده الصغير) . وقال أبو يوسف- صاحب أبي حنيفة-: (التعزير على قدر عظم الذنب وصغره، على قدر ما يرى الحاكم من احتمال المضروب، فيما بينه وبين أقل من ثمانين) . وقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: (التعزير على قدر الجرم. فإن كان جرمه أعظم من القذف، ضُرِبَ مَائة أو أكثر) . وقال أبو ثور: (التعزير على قدر الجناية وتسرعِ الفاعل في الشر، وعلى قدر ما يكون أنكل وأبلغ في الأدب، وإن جاوز التعزير الحد، إذا كان الجرم عظيما، مثل أن يقتل الرجل عبده، أو يقطع منه شيئاً، أو يعاقبه عقوبة يسرف فيها، فتكون العقوبة فيه على قدر ذلك. وما يراه الإمام إذا كان عدلا مأمونا) .

стр. 661

وقال شيخنا (عبد الرحمن بن سعدى) رحمه الله تعالى: و (الصحيح جواز الزيادة في التعزير على عشر جلدات بحسب المصلحة والزجر) . فهذه أقوال الأئمة وآراؤهم في التعزير رحمهم الله تعالى. والمراد بقوله ﷺ : (لا يجلد أحد فوق عشر جلدات إلا في حَد من حدود الله) : أن المراد به المعصية، وأن الذي لا يزاد على ذلك، تأديب الصغير، والزوجة، والخادم، ونحوهم في غير معصية. فوائد منقوله عن شيخ الإسلام: الأولى: كان عمر بن الخطاب يكرر التعزير في الفعل إذا اشتمل على أنواع من المحرمات فكان يعرز في اليوم الأول مائة، وفي الثاني مائة، وفي الثالث مائة، يفرق التعزير لئلا يفضى إلى فساد بعض الأعضاء. الثانية: الذي عنده مماليك وغلمان يجب عليه أن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر. وإذا كان قادرا على عقوبتهم فينبغي له أن يعزرهم على ذلك إذا لم يؤدوا الواجبات ويتركوا المحرمات. الثالثة: الاستمناء باليد حرام عند جمهور العلماء، وهو أصح القولين في مذهب أحمد، وفي القول الآخر هو مكروه غير محرم، وأكثرهم لا يبيحونه لخوف العنت ... ونقل عن طائفة من الصحابة والتابعين أنهم رخصوا فيه للضرورة، مثل أن يخشى الزنا، فلا يعصم منه إلا به، ومثل إن لم يفعله أن يمرض، وهذا قول أحمد وغيره وأما بدون الضرورة فما علمت أحدا أرخص فيه. والله. أعلم.

стр. 662

كِتاب الأيمَان والنذور الأيمان- لغة- بفتح الهمزة جمع (يمين) . واليمين خلاف اليسار، وأطلقت على الحلف، لأنهم كانوا إذا تحالفوا، أخذ كل منهم يمين صاحبه. وتعريفه شرعاً: تحقيق الأمر المحتمل أو تأكيده، بذكر اسم من أسماء الله تعالى، أو صفة من صفاته. والأصل فيه، الكتاب، والسنة، والإجماع. فأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ الله باللغو في أيمانكم﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾ . والسنة، شهيرة بذلك، ومنه ما يأتي من الأحاديث إن شاء الله. وقد أجمعت الأمة على مشروعيه اليمين، وثبوت أحكامها. ولا ينبغي الإكثار من الحلف، ويشرع مع الحاجة لإزالة شبهة، أو نَفْى تهمة، أو تأكيد خبر. فقد أمر الله تعالى نبيه محمدا ﷺ أن يقسم على البعث في ثلاثة مواضع من القرآن ﴿ويستنبؤنك أحَقٌّ هُوَ؟ قُلْ إي وربِّى﴾ ﴿قُلْ بلَى وربِّى لتبْعَثنَّ﴾ ﴿قلَ بَلَى وربِّى لَتَأتِينَّكم﴾ وأقسم ﷺ لمناسبات كثيرة. والحلف أنواع، جاء في الأحاديث التي ذكرها المؤلف (اليمين الغموس) و [اليمين التي تدخلها الكفارة] وسيأتي الكلام عليهما. ولم يذكر المؤلف [لَغوَ اليمين] وأحسن ما فسر به نوعان: الأول: أنها اليمين التي لا يقصدها الحالف، بل تجرى على لسانه من غير تعقيد ولا تأكيد، كما جاء عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "هو كلام الرجل في بيته، " لا والله "و "بلى والله". وجاء عنها هذا الأثر موقوفا أيضاً.

стр. 663

الثاني: أن يعقد الحالف اليمين ظانًّا صدق نفسه، ثم يتبين بخلافه. فهذان النوعان من لَغْوِ اليمين، ليس على صاحبها إثم ولا كفارة. الحديث الأول عِنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ سَمُرةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ﷺ : " يَا عَبْدَ الرَّحْمنِ بْن سَمُرَةَ، لا تسأل الإمَارَةَ، فَإنَّك إن أعطيتها عَنْ مَسْألةٍ وُكِلْتَ إلَيْهَا، وَإنْ أعطيتها عَنْ غَيْر مَسْألةٍ أعنْتَ عَلَيْهَا. وإذا حَلَفْتَ على يِمِين فَرَأيْتَ غَيرَهَا خَيْراً مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَائْتِ الًذِي هُوَ خَير". الحديث الثاني عَنْ أبي مُوسىَ ﵁ قَال: قَالَ رسول الله ﷺ : "إني والله- إنْ شَاءَ الله- لا أحْلِفُ على يَمِين فَأرى غيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا إلا أتيت الًذِي هُوَ خَير، وَتَحَلَّلْتُهَا". المعنى الإجمالي: يرشد النبي ﷺ عبد الرحمن بن سمرة، وهذا النصح والإرشاد للأمة عامة. فيقول: لا تطلب الإمارة، والولايات والوظائف عامة، وتحرص عليها وعلى تحصيلها بالوسائل والوسائط. فإن وليتها عن هذا الطريق، فإنك ستُوكَلُ إلى جهدك وقوتك. وأنت- بلا عَوْنِ الله تعالى وتوفيقه- ضعيف قاصر. ولذا فإنك ستخفق في عملك. وذلك إنك اتَّكَلْتَ على جهدك، وجئت العمل عن غرور وعجب بنفسك، ولم يكن- لطلب العون من الله والتوفيق- محل في نفسك. فحريٌّ إن يخذلك. ولأنك غالبا ما طلبتها إلا لأغراضك الخاصة. وستكون أغراضك من مال أو جاهٍ، أو غيرهما، هي مقصود ك وهدفك، ولن تعطى العمل حقه، فيكون ذلك سبباً لإخفاقك وعدم نجاحك أيضاً. أما إن جاءتك من غير مسألة ولا طلب، فالغالب أنك- حين لم تستشرف لها- ستكون مهتما للقيام بها، والاجتهاد فيها. وهذا سيدعوك إلى الالتجاء إلى الله تعالى بطلب مدده وعونه وتسديده، وستحرص على القيام بها، وبهذا تعان عليها فتنجح فيها. ثم ذكر أنه قد يفرط منك يمين، بسبب الامتناع عن الإمارة أو قبولها، فأمرك أنك إذا حلفت على أمر لتفعله أو لِتَدَعَهُ، فإن كان لا يترتب على حلفك شيء، فأنت مخيَّر بين المضي فيها أو التكفير. وإن كان الأحسن هو فعل المحلوف على تركه، أو ترك المحلوف على فعله فَائتِ الذي

стр. 664

هو خير، وكفرْ عن يمينك. وكما أن هذا أمره، فهو فعله الرشيد أيضاً، كما بينه في الحديث الثاني، حيث أقسم ﷺ : أنه لا يحلف على يمين فيرى غيرها خيراً إلا أتى الذي هو خير، وتحلل من يمينه بكفارة. ما يستفاد من الحديثين ١- كراهة طلب الإمارة، والمراد بها، الولايات والوظائف كلها، والحرص عليها لما جاء عن النبي ﷺ وهو "من ابتغى القضاء وسأله وكل إلى نفسه، ومن كره عليه أنزل الله ملكاً يسدده" ولما في ذلك من تعريض نفسه لعمل قد لا يقوم بحقوقه فيكون مُعَرِّضاً نفسه للخطر، ولما في ذلك- غالباً- من العجب والغرور، فإنه ما طلبه إلا معتدا بنفسه وقوته، وناسيا إعانة الله تعالى وتوفيقه، ولما فيه غالبا من سوء القصد، فإنه لن يطلبها مع وجود من يقدم بها غيره إلا لغرض مال، أو جاهٍ أو غير ذلك من المقاصد الدنيئة. ٢- أن من جاءته الولاية بلا طلب ولا استشراف، فَسَيُعَانُ عليها، لأنه يرى القصور بنفسه، ويخاف العجز عنها، وحينئذ سيلتجئ إلى الله تعالى، فتأتيه الألطاف الإلهية بالعون والتسديد.، وسيحرص على عمله ويخلص فيه، فيكون سبباً لنجاحه وقيامه به. ٣- مناسبة هذه الفقرة في الحديث لما بعدها، ولعلها تكون ما بينه الزركشى بقوله [لاحتمال أن يؤديه الامتناع عن الإمارة] إلى الحلف، وتكون المصلحة في القبول] . ٤- أن من حلف أن لا يفعل كذا، أو أن يفعله، ثم رأى الخير في غير الذي حلف عليه، إما الفعل وإما الترك، فَليَأتِ الذي هو خير، ولْيكَفِّر عن يمينه. ويختلف هذا، باختلاف المحلوف عليه. فقد يكون الحنث واجباً، وقد يكون مستحبا، وقد يكون حراماً، وقد يكون مباحاً. فيخَير بين البقاء على يمينه، أو الحنث مع التكفير. ٥- عند جمهور العلماء أن الكفارة رخصة شرعها الله تعالى لحل ما عقدت اليمين، ولذلك تجزئ قبل الحنث وبعده، وذكر عياض أن الذين قالوا بتقديم التكفير من الصحابة أربعة عشر صحابيا، كما قال به قبل الحنث ربيعه والأوزاعي والليث ومالك وأحمد وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي.

стр. 665

٦- أن هذا التشريع، كما هو أمر النبي ﷺ ، فهو- أيضا- فعله. فقد أخبر أنه لا يحلف على يمين فيرى غيرها خيرا منها إلا أتى الذي هو خير، وكفر عن يمينه. وهذا هو عين المصلحة، وهو تخفيف من ربنا ورحمة. وكانت الأمم السابقة، ليس عندهم تحليل وتكفير، فلا بد من الوفاء بأيمانهم. ولذا فإن أيوب ﵇، لما حلف أن يضرب زوجته، وترك عزمه. لم يجد لقضاء يمينه إلا أن يضربها بِضِغْثِ (١) فيه عدد الجلدات المرادة. الحديث الثالث عَنْ عُمَرَ بْن الخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : إنَّ الله ينهاكم أنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ". ولـ"مسلم ": "فَمَنْ كَانَ حَالِفاً (٢) فَلْيَحْلِفْ بِالله أوْ لِيَصْمُت". وفي رواية: قالَ عُمَرُ: فوالله مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله يَنْهَى عَنْهَا، ذَاكِراً وَلا آثِراً (يعني: حَاكِياً عَنْ غَيْرِي انَّهُ حَلَفَ بِهَا) . الغريب: ليصمت: بضم الميم وكسرها. ذاكراً: يعني عامداً. آثرا: بهمزة ممدودة، فثاء مثلثة مكسورة. يعنى حاكياً عن غيري: أن حلف بها. ومنه الزيادة ثابتة في صحيح (البخاري) أيضا من حديث ابن عمر، فتوجه فيها نقدان: أحدهما: كونها ليست من أفراد (مسلم) . الثاني: أنها ليست من سند عمر. المعنى الإجمالي: الحلف: معناه تأكيد الفعل أو الترك، بذكر المعظم في النفس، المرهوب السطوة والانتقام، والتعظيم المطلق، والخوف والخشية من الأعمال التي لا تكون إلا لله. وصرفها لغيره، أو صرف بعضها، شرك. لهذا ذكر النبي ﷺ أن الله جل وعلا، ينهانا أن نحلف بشيء غيره كآبائنا، تلك العادة الجارية في الجاهلية، وأمرنا- إذا حلفنا- أن لا نحلف إلا بالله تعالى، لأنه المستحق للتعظيم، وهو القادر- وحده- على الانتقام من الكاذب، وهو

стр. 666

الضار النافع. وإن لم نكن حالفين بالله فَلْنَصْمُتْ وَلنسكتْ عن الحلف بغيره، فإنه شرك كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود، والحاكم، من حديث ابن عمر: (من حلف بغير الله كفر) ولما علم الصحابة ﵃ بالنهي عن ذلك، انتهوا عنه واجتنبوه. فكانوا لا يحلفون إلا بالله، أو بصفاته العلية. ولذا قال عمر رضى الله عنه: (فو الله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عنها، لا عامدا، ولا حاكيا، أي ناقلا كلام غيري) . كل هذا احتراز من الوقوع في المحظور وابتعاد عنه. ما يستفاد من الحديث: ١- تحريم الحلف بالآباء، لأنه الأصل في النهي. والنهي عن الحلف بالآَباء عام لكل شيء. فلا يحل لمخلوق- كائنا ً من كان- أن يقسم ويحلف بغير الله جل وعلا. أما الله فله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته. ولهذا، فلا يحلْ الحلف بغير الله تعالى وصفاته، مهما كان عظم المحلوف به، كالنبي ﷺ ، والكعبة المشرفة، وغيرها. ٢- أن من أراد الحلف بغير اللَه فليلزم الصمت، فإنه أسلم له. ٣- وعلة النهى: أن الحلف يراد به التأكيد بذكر أعظم شيء في نفس الحالة وأشد عقاب وانتقام. وهذا لا يكون إلا لله تعالى وحده. وصرفه لغيره كفر كما جاء في حديث ابن عمر. ولكنه كفر لا يخرج من الملة، فإن الكفر أنواع وأقسام. ٤- وأما ما وقع مما يخالف هذا النهى من قوله ﷺ : "أفلح وأبوه إن صدق) فقيل بعدم صحتها. قال ابن عبد البر: هذه اللفظة غير محفوظة. وقيل: إن " وأبيه " مصحفة عن (والله) قال ابن حجر: هو محتمل. وقيل إن هذا اللفظ مما يجرى على الألسنة بغير قصد القسم به وذكر النووي أنه ربما كان جائزا ثم نسخ. ٥- فضيلة عمر ﵁، بسرعة امتثاله وحسن فهمه وتورعِه. فلم يحلف بغير الله بنفسه، ولم يحك قَسَمَ غيره بغير الله، امتثالا وابتعاداً، لئلا يتعود لسانه عليه، فيخف عليه ويعتاده.

стр. 667

٦- إنما خصَّ النهي عن الحلف بالآباء، مع أنه عامُّ في كل ما سوى الله تعالى، لأن هذه عادة جاهلية، فنص عليها بعينها، مع فهم المراد العام منها. فقد أدرك النبي ﷺ عمر بن الخطاب مع رَكب فسمعه يحلف بأبيه، فذكر الحديث. الحديث الرابع عَنْ أبي هُرَيرةَ ﵁ عَنِ النَبي ﷺ قَالَ: " قَالَ سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ ﵉: لأطُوفَنَّ الّليلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأةً تَلِدُ كُلُّ امْرَأةٍ مِنْهُنً غلاماً يُقَاتِلُ في سَبِيلِ الله. فَقِيلَ لَهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ الله. فَلَمْ يَقُلْ. فَطَافَ بِهنَّ فَلَمْ تَلِدْ مِنْهُن إلا. امْرَأة وَاحِدَة نِصْفَ إنْسَانٍ. قَالَ: فَقَال رَسُولُ الله ﷺ " لَوْ قَالَ: إنْ شَاء الله لَمْ يَحْنَثْ، وَكَانَ ذلِكَ دَرَكاً لِحَاجَتِهِ ". قوله: " قيل له: قُلْ: إنْ شَاءَ الله " يَعْني قال لَهُ المَلَكُ. الغريب: لأطوفن: اللام واقعة في جواب قسم مقّدر محذوف، كأنه قال: (والله لأطوفن) والنون للتأكيد. وطاف بنسائه: ألَم بِهنَّ وقاربهن، والمراد به المجامعة. دَرَكاً لحاجته: بفتح الدال المهملة والراء، اسم مصدر لـ (أدرك) والمراد به: اللحاق والوصول إلى الشيء. والملك: بفتح الميم واللام، أحد الملائكْة. المعنى الإجمالي: سليمان ﵇ نبي من أنبياء الله تعالى إلى بنى إسرائيل، وقد أعطاه الله من الملكً ما لم يعطه أحدا. وكان من حرصه ورغبته في الخير وإعلاء كلمة الله بجهاد أعدائه، أن أقسم بالله تعالى أن يجامع تسعين امرأة، تلد كل واحدة منهن غلاما يشب ويقوى، حتى يجاهد في سبيل الله وأتى إلى شهوته بهذه النية الصالحة، لتكون عبادةً تقربه من ربه ﵎، جاء واثقاً بربه، مخلصاً في مقصده، جازماً في تحقق مراده فأذهله ذلك، وأنساه عن الاستثناء بيمينه بأن يقول: (إن شاء الله) مع تذكير الملك له ذلك. فطاف بهن، فلم تلد له منهن إلا واحدة جاءت بنصف إنسان، تأديبا من الله تعالى، وعظة لأوليائه وأصفيائه، وليرجعهم إلى كمالهم بالتعلق به وإدامةْ ذكره ومراقبته، فيما يأتون وما يذرون، وليعلم الناس أن الأمر لله وحده، وأنه المدبر المتصرف بالأمور. فليس لنبي ولا لملك ولا لغيرهما مشاركة معه في ملكه وتصرفه، فهو القادر على كل شيء

стр. 668

والمدبر لكل شيء. فلو أن سليمان ﵇، استثنى في يمينه بمشيئة الله تعالى، لأدرك حاجته، ونال مطلوبه. ولكن الله قدر هذا، ليكون تشريعاً لخلقه، وعِظَة وعبرة للناس أجمعين. ما يستفاد من الحديث: ١- أن الاستثناء في اليمين، وهو قول الحالف (إن شاء الله) نافع ومفيد جداً لتحقيق المطلوب، ونَيْلِ المرغوب، فاٍن مشيئة الله تعالى نافذة على كل شيء، وبركة ويمن. ٢- أن المستثنى لا يحنث في يمينه، إذا علقه على مشيئة الله تعالى. ٣- في هذا الحديث، عبرة وعظة وقعت لنبي من أنبياء الله تعالى، صمم في أمره بلا مشيئة الله، فلم يشفع له قربه من الله جلا وعلا أن يحقق طلبه إلا أن يذكره فلا ينساه، فكيف بمن هو دون الأنبياء رتبة ومنزلة؟! فسبحانك من مرب حكيم. ٤- أن عادات أنبياء الله وأوليائه، تكون بسبب نيا تهم الصالحة عبادات. فهم يجامعون- مثلا- ليحصنوا فروجهم وأعينهم عن الحرام، وليحصنوا زوجاتهم أو ليرزقوا أولاداً صالحين، أو ليحصل كل هذا. فتكون العادة عبادة بسبب هذه النية الصالحة، والمقاصد السامية. أما الغافلون فعباداتهم كعاداتهم. فهم يأتون المساجد للصلاة، جَرْياً على العادة المتبعة عند المسلمين، وليس لذكر الله في قلوبهم مقام. فإنا لله وإنا إليه راجعون. ٥- يُجْرِى الله تعالى ويُقدر مثل هذه الأمور على الكَمَلَةِ من عباده لِيرىَ الناس أن الأمر له وحده، وأنه المتفرد بالتدبير والتصريف، وأن ليس له مشارك في حكمه وأمره. ٦- قال ابن دقيق العيد: وقد يؤخذ من الحديث جواز الإخبار عن وقوع الشيء بناء على الظن، فإن هذا الإخبار من سليمان لم يكن عن وحي، وإلا لوجب أن يقع ما أخبر به. الحديث الخامس عَنْ عَبْدِ اللَه بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمينِ صَبْرٍ، يَقتَطِعُ بها مال امرئٍ مسلم، هُوَ فِيها فاجر، لقي الله وٍهُوَ عَلَيْهِ غضبانُ " و َنَزَلَت ﴿إنَّ الَذِيَنَ يَشتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثَمنا قلِيلا﴾ إلى آخر الآية.

стр. 669

الغريب: يمين صبر: بإضافة يمين إلى صبر، و (صَبْر) هو بفتح الصاد وسكون الباء الموحدة، والصبر: الحبس. وصفت اليمين بالصبر تجوُّزاً، لأنَّ الحبس وقع على الحالف المصبور عليها، الملزَم بها. المعنى الإجمالي: في هذا الحديث وعيد شديد لمن اقتطع مال امرئ بغير حق. وإنما اقتطعه وأخذه بخصومته الفاجرة، ويمينه الكاذبة الآثمة. فهذا يلقي الله وهو عليه غضبان، ومن غضب اللَه عليه فهو هالك. ثم تلا النبي ﷺ هذه الآية الكريمة، مصداقاً لهذا الوعيد الأكيد الشديد من القرآن الكريم. وبيانها: أن الذين يعتاضون ويستبدلون بعهد الله عليهم وبأيمانِهم الكاذبة الآثمة، أعراض الحياة الدنيا، ليس لهم نصيب من الآخرة، وليس لهم من لطف الله ورحمته في ذلك اليوم العظيم، حظ ولا نصيب، ولا يطهرهم من ذنوبهم وأدر انهم، ولا يذكرهم في الملأ الأعلى بما يَسُرهم، ومع هذا، فلهم عذاب أليم لما في عملهم من مخادعة اللًه ورسوله وإيثارهم الحياة الدنيا على الآخرة، وأكلهم أموال الناس بالباطل، والتضليل في الخصومات والدعاوى. وهذه صفات اليهود، الذين يتهالكون على المادة بكل طريق ولو بالسفالة والمهانة والنذالة. فمن أحب أن يتصف بصفاتهم، ويتلطخ بأخلاقهم، ويسلك مسلكهم، ليحشر معهم، فَلْيَعْمَلْ عملهم، فليس عند الله محاباة. فالناس مراتبهم عنده بأعمالهم. نسأل الله تعالى سلوك الطريق السَّوِيِّ إلى مرضاته. ما يستفاد هن الحديث: ١-تحريم أخذ أموال الناس بالدعاوى الفاجرة والأيمان الكاذبة، وهو من كبائر الذنوب، لأن ما ترتب عليه غضب الحليم- جل وعلا- كبيرة. ٢- التقييد (بالمسلم) من باب التعبير بالغالب، وإلا فمثله الذّميُّ والمعاهد. ٣- شرط العقاب على مرتكب هذه اليمين، ما لم يتب ويتحلل من الإثم. فإن تاب، فالتوبة تَجُبُّ ما قبلها، وهو إجماع العلماء. ٤- قوله: - (هو فيها فاجر) ليخرج الناسي والجاهل، فإن الإثم والجزاء لا يستحقهما إلا العامد. ٥- إثبات صفة الغضب لله تعالى على وجه يليق بجلاله تعالى ﴿ليْس كَمِثلِهِ شيء وَهُوَ السَمِيعُ البصير﴾ .

стр. 670

٦- تفسير هذه الآية الكريمة بهذه القضية، وهو تفسير مرفوع، فيكون الحديث مبينا لمعناها، موضحاً للمراد منها. ٧- ملخص معنى الآية الكريمة: أن من استبدل بأيمانه- بالله ورسوله ونكث بما أخذ عليه من الإيمان الوثيقة- الحياة الدنيا وأعراضها، فقد خاب وخسرت صفقته. لأن عوضه ولو كان الدنيا كلها، هو قليل فجزاء هذا الحرمان من الآخرة والهجران من كلام اللطف والعطف ونظر الرحمة والحنان من الكريم الحنان وسيبقى في آثامه وأرجاسه فلن يطهر. ومع هذا فلن يترك. فإن له عذاباً أليماً أعاذنا الله من ذلك ووالدينا وأقاربنا ومشايخنا وٍ إخواننا المسلمين. آمين. الحديث السادس عَنِ الأشْعَثِ بْن قَيْس قَالَ: كَانَ بيني وَبَيْنَ رَجُل خُصُومَةٌ في بِئر، فاخْتَصَمْنَا إلى رَسُولَ الله ﷺ . فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " شَاهِدَاكَ أوْ يَمِينُهُ ". قُلْتُ: إذن يَحْلِفَ ولا يُبَالي. فَقاَلَ رَسُولُ الله ﷺ : " مَنْ حَلَفَ عَلَى يِمِيِنِ صبْرٍ يقتطع بِهَا مَالَ امْرِئ مسلم هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. ما يستفاد من الحديث: المعنى المقصود في هذا الحديث، تقدم شرحه في الحديث السابق، ويبقى استخراج الفوائد والأحكام، ونجملها هنا: ١- أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، هي القاعدة الإسلامية في الخصومات، وهي من فصل الخطاب المشار إليه في قوله تعالى ﴿وآتيناه الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ . ٢- ثبوت الحق بالشاهدين. فإن لم توجد البينة عند المدعِي، فعلى المدعى عليه باليمين. ٣- تحريم اليمين (الغموس) وهي الكاذبة، التي تقتطع بها حق غيره، وأنها من الكبائر، التي تعرض صاحبها لغضب الله وعقابه. ٤- أن حكم الحاكم يرفع الخلاف الظاهر فقط، أما الباطن، فلا يزال باقياً فعلى هذا لا يحل المحكوم به، ما لم يكن مباحا للمحكوم له.
следующие страницы →