١ - شرح تنقيح الفصول: لأحمد بن محمد بن عثمان الأزدي المراكشي، المعروف بأبي العباس ابن البنا العدوي (١) . والشارح معاصر للشهاب القرافي؛ لأن ولادته كانت ٦٤٩ هـ.
٢ - تقييدات على تنقيح الفصول: لأحمد بن عبد الرحمن التادلي الفاسي (٢) . ذكر صاحب الديباج المذهب بأن له على تنقيح القرافي تقييداً مفيداً. وتوجد منه نسخة خطيّة في دار الكتب المصرية بالقاهرة في مجلد كبير تحت رقم (٨٠٥) أصول فقه.
٣ - شرح تنقيح الفصول: لأبي زكريا يحيى بن أبي زكريا المِسْطَاسي، الفاسي الدار. عاش في آخر القرن السابع، وتوفي في أول القرن الثامن.
وهو من الشروح القديمة؛ لأن إحدى النسخ كتبت سنة ٧٤٣ هـ. وجاء التعريف بهذا الشرح من ناسخ نسخة مكتبة الجامع الكبير بمكناس برقم (٣٥٢) ، قال: في آخرها: ((لخّص فيه أبو زكريا شرح القرافي على تنقيحه تلخيصاً جامعاً، وزاد عليه فوائد جليلة، وتنبيهات حسنة، أكثرها من كلام القرافي في شرح المحصول، وزاد على ذلك من كتاب سيف الدين الآمدي، وكتاب الباجي المترجم بالفصول، وهذا التقييد يغني عن شرح القرافي، ولا يغني هو عنه)) .
وشرح المسطاسي هذا من أهم مصادر شرح الشوشاوي حيث إنه اعتمد عليه كثيراً (٣) .
стр. 72
٤ - شرح تنقيح الفصول: لأبي الحسن علي بن يونس بن عبد الله الهواري التونسي (١) .
٥ - شرح التنقيح: لأبي الحسن علي بن ثابت الأموي التلمساني (٢) .
٦ - التوضيح على التنقيح: لأبي القاسم محمد بن محمد بن علي النويري (٣) .
٧ - التوضيح شرح التنقيح: لأبي العباس أحمد بن عبد الرحمن اليزليطني القروي الشهير بـ" حلولو " (٤) .
وشرحه هذا مطبوع بهامش شرح تنقيح الفصول للقرافي بالمطبعة التونسية عام
(١٣٢٨ هـ - ١٩١٠ هـ) . وسيأتي الكلام عنه عند مقارنته بشرح القرافي (٥) .
٨ - رفع النقاب عن تنقيح الشهاب: لحسين بن علي الشوشاوي (٦) .
стр. 73
وشرحه هذا كان رسالةً علمية للماجستير بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض سنة ١٤٠٧ هـ. حقق الدكتور / أحمد السَّراح القسم الأول من الكتاب، بينما حقق القسم الثاني منه الدكتور / عبد الرحمن الجبرين.
ولقد استفدت كثيراً من هذا الشرح في هذه الرسالة، فجزاهم الله خيراً. وسيأتي الحديث عنه عند مقارنته بشرح القرافي (١) .
٩ - شرح تنقيح الفصول: لداود بن علي بن محمد القلتاوي الأزهري (٢) .
١٠ - شرح فصول التنقيح: لأبي فارس عبد العزيز الأَدُوْزي السوسي (٣) .
١١ - منهج التحقيق والتوضيح لحلِّ غوامض التنقيح: لمحمد بن حمودة بن أحمد جعيط، مفتي الديار التونسية (٤) .
وحاشيته هذه مطبوعة بمطبعة النهضة سنة ١٣٤٥ هـ - ١٩٢٦ هـ بتونس، وسيأتي الكلام عنها عند مقارنتها بشرح القرافي (٥) .
١٢ - شرح تنقيح الفصول: للشيخ الطايع بن الحاج الفاسي (شيخ القرويين ورئيس مجلسها) ت: ١٣٧٧ هـ، كان شرحاً متداولاً بين أيدي طلابه، منهم:
عبد الرحمن الفاسي، وقد أثنى عليه كثيراً (٦) .
стр. 74
١٣ - حاشية التوضيح والتصحيح لمشكلات كتاب التنقيح: لمحمد الطاهر بن عاشور (١) وحاشيته هذه مطبوعة بمطبعة النهضة سنة ١٣٤١ هـ بتونس. وسيأتي الكلام عنها عند مقارنتها بشرح القرافي (٢) .
وأما مختصرات تنقيح الفصول فما عرفته منها هو ما يلي:
١ - إقليد الأصول. وهو مختصر تنقيح الفصول، للقاضي ابن فرحون اليعمري المدني (٣) ، وهذا المختصر لم يكمِّله صاحبه، بل وصل فيه إلى باب النسخ.
٢ - مختصر تنقيح الفصول. لمؤلفٍ مجهول.
والمختصر مطبوع بكامله ضمن مجموعة متون أخرى في كتاب واحد اسمه:
" متون أصولية مهمَّة في المذاهب الأربعة ". الناشر: مكتبة ابن تيمية بالقاهرة، سنة ١٤١٣ هـ.
المتن الأول: مختصر المنار لزين الدين الحلبي الحنفي (٤) .
المتن الثاني: الورقات لإمام الحرمين الجويني الشافعي.
المتن الثالث: مختصر تنقيح الفصول لشهاب الدين القرافي المالكي.
стр. 75
المتن الرابع: قواعد الأصول لصفي الدين البغدادي الحنبلي (١) .
ويلاحظ بأن تسمية مؤلف مختصر تنقيح الفصول بالشهاب القرافي تسمية خاطئة؛ لأنه لم يؤثر عن مصنفات القرافي مثل هذا المختصر؛ ولأنه كُتِب في آخر هذا المختصر ص (١٠٤) ((والحمد لله وحده، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. قال مختصِرُهُ: حُرِّر في مدينة دمشق)) . والقرافي لم يؤثر عنه خروجه من مصر ألبتة.
وقد جاء في أول هذا المختصر قوله: الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد: فهذا مختصر يتضمَّن فوائد جمَّة من قواعد الأصول التي شملها تنقيح الفصول. ورتّبته على عشرين باباً. والله وليُّ التوفيق.
وهذه المتون عليها تعليقات للشيخ القاسمي (٢) ، قال في نهاية تعليقه على مختصر تنقيح الفصول: ((والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وقد تمَّ تحرير هذه التعليقات في أوائل شوال عام ١٣٢٤ هـ بدمشق الشام بقلم الحقير جمال الدين القاسمي. ومجموعها مستمد من شرح الإمام القرافي ﵀ لأصله المطبوع سنة ١٣٠٧ هـ، فجزاه الله خير الجزاء، آمين)) .
هذه بعض الشروحات والحواشي والمختصرات التي أمكنني الوصول إلى معرفتها، وليس يبعد وجود غيرها مما لم أعلمه؛ وذلك لشهرة كتاب " تنقيح الفصول " واهتمام ذوي العلم به.
стр. 76
المبحث الثاني
عنوان الكتاب ونسبته إلى مؤلفه
المطلب الأول: عنوان الكتاب
لم يضع مصنِّفُه عنواناً محدداً له، فكلُّ الذي ذكره في هذا الصدد أن أطلق عليه اسم " شرح " فقط.
قال في نسخ الشرح الخطية ((أما بعد: فإن كتاب " تنقيح الفصول في اختصار المحصول " كان قد يسرَّه الله عليَّ ليكون مقدمة أول كتاب " الذخيرة في الفقه "، ثم رأيتُ جماعة كثيرة رغبوا في إفراده عنها، واشتغلوا به، فلمَّا كثر المشتغلون به رأيت أن أضع له شرحاً يكون عوناً لهم على فهمه وتحصيله. . .)) .
فالمصنف قد نسج للمتن تسميةً خاصةً به، وهي: " تنقيح الفصول في علم الأصول " كما جاء في نسخ المتن الخطيَّة (١) .
ولمَّا طفق يشرح متنه لم ينسج لشرحه تسميةً خاصةً به سوى أنه ذكر كلمة
" شرح "، وترددت هذه الكلمة في تضاعيف الكتاب حيث قال: ((وفي هذه المواطن مباحث ومُثُل كثيرة نقلتها في كتاب " شرح المحصول "، وجعلتها مسائل خلاف مستقلّة، ومعها مباحث شريفة هنالك، لا يحتمل هذا الشرح المختصر ذلك)) (٢) .
كما أن المصنف أشار إلى كتابه هذا " شرح تنقيح الفصول " في كتابه " العقد المنظوم في الخصوص والعموم " ولم يتجاوز كلمة " شرح "، فقال: ((إشكالٌ عظيم صعب، لي نحو عشرين سنة أُوْرِدُهُ على الفضلاء، والعلماء بالأصول والنحو، فلم أجد له جواباً يرضيني، وإلى الآن لم أجدْه، وقد ذكرته في شرح المحصول، وكتاب التنقيح، وشرح التنقيح، وغيرهما، مما يسَّره الله تعالى عليَّ من الموضوعات في هذا الشأن، وهو. . . إلخ)) (٣) .
стр. 77
ويتلخّص مما تقدّم ذكره أن عنوان الكتاب هو:
" شرح تنقيح الفصول في علم الأصول (أو في اختصار المحصول) "
وتعضيداً لما سبق تقريره من تسميةٍ للكتاب يمكن الاستئناس بالأوجه التالية:
أولاً: لو رُحْنا نتصفّح فواتح النسخ الخطيّة وخواتيمها لوجدنا اختلافاً يسيراً في تسمية الكتاب، ففي صحائف عناوين النسخ نجد ما يلي:
* النسخة ز، م: شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول.
* النسخة ق: شرح تنقيح الفصول في علم الأصول.
* النسخة ش: شرح التنقيح في أصول الفقه.
* النسخة هـ: شرح التنقيح.
* النسخة ن: شرح كتاب التنقيح.
وقد خلت النسخ س، ص، ومن صفحة عنوان الكتاب إلاّ ما كان من صَنْعة المُفهرسين.
ونجد في خواتيم هذه النسخ ما يلي:
* النسخة ن: كَمُل شرح التنقيح.
* النسخة م: هذا آخر شرح الكتاب المسمَّى بـ" تنقيح الفصول في اختصار المحصول ".
* النسخة س: تمَّ شرح الكتاب نفع الله به المسلمين.
* النسخ ز، ص، ش، و: هذا آخر شرح الكتاب نفع الله به المسلمين.
أما النسخة هـ فلم ترد فيها خاتمة للكتاب؛ لأنها مجذوذة، بها وقفة كاتبٍ، كما سيأتي ذكر ذلك في وصفها (١) .
وبعد هذا العرض لهذا التفاوت اليسير في الأسماء يبدو لنا أن أكثرها يقوم على الرمز والإشارة إلى اسم الكتاب، لا على تحقيق اسمه كاملاً بالدقَّة، فالناسخ يصيغ اسماً
- ولو مُرمَّزاً - للدلالة وعلى مسمَّى الكتاب.
стр. 78
وأدقّ هذه التسميات وأتمها العبارات التي جاءت في فواتح النسخ ز، م، ق.
وقد اخترتُ إثبات تسمية النسخة " ق " على وجه هذه الرسالة باعتبارها نسخة عريقة ومصحَّحة ومدقَّقة.
ثانياً: النسخ المطبوعة من الكتاب:
- طبعة تونس التي بهامش حاشية محمد جعيط جاء اسم الكتاب: شرح تنقيح الفصول.
- طبعة تونس التي بهامش حاشية محمد الطاهر بن عاشور جاء اسم الكتاب: شرح تنقيح الفصول في الأصول.
- طبعة تونس التي بهامش شرح حلولو " التوضيح " جاء اسم الكتاب: شرح تنقيح الفصول في علم الأصول.
- طبعة مصر بتحقيق / طه عبد الرؤوف سعد جاء اسم الكتاب: شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول.
ثالثاً: الكتب التي ترجمت للمؤلف:
- جاء في الديباج المذهب ص (١٢٩) : ((وكتاب " التنقيح " في أصول الفقه وهو مقدمة " الذخيرة " وشرحه كتاب مفيد)) . وهو عين ما جاء في: شجرة النور الزكية (١ / ١٨٨) ، وقريباً منه في: الفتح المبين في طبقات الأصوليين (٢ / ٨٦) .
- وفي الوافي بالوفيات (٦ / ٢٣٣) : ((وله التنقيح وشرحه)) وهو عين ما جاء في: المنهل الصافي (١ / ٢١٦) .
- وفي حسن المحاضرة (١ / ٣١٦) : ((والتنقيح في الأصول وشرحه)) .
- في الأعلام (١ / ٩٥) : ((له مصنفات جليلة في الفقه والأصول، منها: شرح تنقيح الفصول - ط)) .
رابعاً: الكتب التي عُنيت بأسماء الكتب والمؤلفين:
- عدَّ في كشف الظنون ص (٤٩٩) كتاب " تنقيح الفصول في الأصول " من مصنفات الشهاب القرافي، ثم قال: ((وقيل: له شرحٌ عليه)) .
- وفي هديَّة العارفين (١ / ٩٩) ((وشرح التنقيح له)) .
стр. 79
خامساً: الكتب التي نقلت عن شرح التنقيح:
لم أقف على كتابٍ من الكتب التي أفادت من " شرح تنقيح الفصول " بحيث ذكرتْ تسميةَ الكتابِ تامَّة، فمعظمها اكتفى بالإشارة إلى الاسم، مثل: " شرح التنقيح " (١) .
стр. 80
المطلب الثاني: نسبة الكتاب إلى القرافي
لم أجد أحداً تردَّد في نسبة كتاب " شرح تنقيح الفصول " إلى الشهاب القرافي، فكلُّ من ذكره نسبه إليه. ولست أعلم كتاباً يحمل هذا العنوان حتى يُنْسب إلى غير القرافي. وكتاب القرافي هذا ليس من الكتب الخاملة - عديمةِ الشهرة - حتى يُخشى من وقوع اللبس والوهم في اعتزائه إليه.
ويمكن أن نستمد ثقتنا ويقيننا بأن هذا الكتاب صحيح الانتساب إلى الإمام الشهاب من الأمور التالية:
أو لاً: أن اسم مؤلفه جاء مسطوراً على جميع نسخ الشرح الخطيّة.
ثانياً: أن المؤلف أحال في تضاعيف كتابه هذا على بعض كتبه الأخرى التي عُلِمتْ صحة نسبتها إليه (١) ، من هذه الكتب:
أ - الذخيرة في الفقه. انظر: شرح التنقيح (المطبوع) ص ٧٥، ١١٤
ب - الأمنية (في إدراك النية) . انظر: شرح التنقيح (القسم التحقيقي)
ص ٣٨٣.
جـ - الاستغناء في أحكام الاستثناء. انظر: شرح التنقيح (المطبوع) ص ٦١، ٢٥٨.
د - شرح المحصول (نفائس الأصول) . انظر: شرح التنقيح (المطبوع)
ص ١٦، ٦٢، القسم التحقيقي ص ٦٠.
هـ - الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة. انظر: شرح التنقيح (القسم التحقيقي) ص ٦٠.
والإحكام في الفرق بين الفتاوى والأحكام وتصرف القاضي والإمام. انظر: شرح التنقيح (القسم التحقيقي) ص ٤٧٨.
ثالثاً: أن المؤلف أحال في كتابه: ((العقد المنظوم في الخصوص والعموم)) على كتابه هذا " شرح تنقيح الفصول ". انظر: الجزء الثاني منه ص (١٦١) .
стр. 81
رابعاً: ومما يُسعف في التحقُّق من نسبة الكتاب إلى القرافي إجماع المفهرسين للكتب، والمترجمين للقرافي الذين ذكروا الكتاب بنسبته إليه دون أدنى تلكؤٍ أو اختلاج رَيْب (١) .
خامساً: نقولات أرباب الأصول من كتاب " شرح تنقيح الفصول للقرافي " مع التصريح باسمه واعتمادهم عليه في اقتباساتهم، وهذا مسلك قوي، ومستمسك جليّ، يقطع بسلامة النسبة، ولاسيّما عند معارضة هذه النصوص المنقولة بأصل كتاب القرافي، فتظهر الموافقة والمطابقة (٢) .
سادساً: تصريح المصنف في الكتاب ببعض أسماء أشياخه (٣) الذين أخذ عنهم مشافهةً، هذا التصريح يدعم صحة نسبة الكتاب إليه. من ذلك:
أ - قول المصنف في شرح التنقيح (المطبوع) ص (٣٣) ((وكان الخسروشاهي يقرره، ولم أسمعه من أحدٍ إلاّ منه. . .)) .
ب - وقوله في شرح التنقيح (القسم التحقيقي) ص (٥٣٧) ((سئل الشيخ عز الدين ابن عبد السلام ﵀ عن قتل الهر المؤذي، هل يجوز أم لا؟ فكتب - رحمة الله عليه وأنا حاضرٌ - إذا خرجت أذيته عن عادة القطط، وتكرر ذلك منه قُتِل. . .)) .
سابعاً: وإذا كانت القيافة من وسائل إثبات النسب (٤) ، فإن من اقتاف أسلوب القرافي، وتتبَّع نهجه في كتابه لا يجدُ بُدّاً من تسليم صحة نسبته إليه، فإن من سبر أغواره، واستكشف أسراره، اشتمَّ منه نَفَسَ القرافي المعهود في سائر كتبه، ومن أصدق القرائن المحتفّة بالكتاب، الشاهدةِ بصحة هذه القيافة: ولوع القرافي بإيراد الإشكالات، وإبداء الفروقات، وتقرير القواعد، وتكثير الفوائد، وانتهاجُه منهاج الحِجَاج، وأسلوب المناظرة، وطريقة الجدل، وهذه عادةٌ قَرَافيَّةٌ جرت في كل ما وقفتُ عليه من كتبه.
стр. 82
المبحث الثالث
الباعث على تأليف الكتاب وزمن تأليفه
المطلب الأول: الباعث على تأليف الكتاب
لمعرفة دواعي التأليف فوائد جمَّة، لها أثر في معرفة منهج المؤلف، ونوعية الدراسة التي قام بها.
وقد تعارف المؤلفون على أن يُصدِّروا كتبهم بمقدّمةٍ يكشفون فيها سبب تأليف الكتاب، وطرفاً من معالم منهجهم فيه، وما يهمُّ القاريء معرفته حتى يكون على درايةٍ فيما يقرؤه.
وقد استهلَّ القرافي كتابه بمقدمةٍ أعلن فيها هدفه بوضوح، فقال: ((أما بعد فإن كتاب " تنقيح الفصول في اختصار المحصول " كان قد يسَّره الله عليّ ليكون مقدمة أول كتاب الذخيرة في الفقه. ثم رأيت جماعةً كثيرة رغبوا في إفراده عنها واشتغلوا به، فلمَّا كثر المشتغلون به رأيت أن أضع له شرحاً يكون عوناً لهم على فهمه وتحصيله، وأبيّن فيه مقاصد لا تكاد تُعْلم إلاّ من جهتي، لأني لم أنقلها عن غيري، وفيها
غموض،. . .)) .
وإذا ربطنا هذه المقدِّمة مع مقدِّمة المتن " تنقيح الفصول " (١) باعتبار الكتاب وحدة واحدة أمكن استخلاص بواعث القرافي على تأليف الكتاب متناً وشرحاً كما يلي:
١ - أن قواعد الفقه وأصوله من أنفس العلوم التي يحتاج إليها الفقيه عوناً له على التحصيل، وابتناءً لفروعه على التأصيل، وفهماً لمدارك العلماء في الأحكام، ومآخذ الفقهاء في الحلال والحرام.
٢ - كثرة المشتغلين بمتن الكتاب وتداوله بينهم إقراءً ومذاكرةً وشرحاً وتدريساً احتفاءً به واعترافاً بقدْره، هذا الشأن حدا بالمصنف أن يصنع لهم شرحاً له، ولاسيما أن المصنف انكشفت له بعض الملاحظات على المتن أو نُبّه عليها، فأراد إصلاحها في الشرح (٢) .
стр. 83
٣ - لقد بالغ القرافي في مختصره الأصولي في إيجاز العبارة بالرمز والإشارة، مما جعل كتابه في مسيس الحاجة إلى الشرح والإيضاح، فشرَحه على وجهٍ لا يُفضي إلى الإطناب، ولا يُخلّ بشيء من لطائف الكتاب، فلم يكن مطوَّلاً فيُمِلُّ إملالاً،
ولا مختصراً فيُخِلُّ إخلالاً.
٤ - مُكْنَة القرافي وأهليّته على إيفاء الكتاب حقّه، بتحرير معاقده، وتفسير مقاصده، وتذليل صعابه، وفكِّ غوامضه، وحلِّ ألفاظه، وتوضيح معانيه؛ لأن القرافي ضمَّن مختصره مباحث من بنات أفكاره دون أن ينقلها عن غيره، وفيها غموض لا يُزَال إلاّ من جهته.
٥ - إشهار المذهب المالكي الأصولي بين سائر المذاهب الأخرى، لتسمو مكانتهم ومنزلتهم الأصولية كما بزغتْ شمسهم في الفروع، وليرتفع العتب والملام عن الأئمة الأعلام عند مخالفة أحدهم لأصله لمعارضٍ أرجح منه. قال في الذخيرة (١ / ٣٩) : ((وبيّنتُ مذهب مالك في أصول الفقه ليظهر علوُّ شرفه في اختياره في الأصول، كما ظهر في الفروع، ويطّلع الفقيه على موافقته لأصله، أو مخالفته له؛ لمعارضٍ أرجح
منه، فيطلبه حتى يطّلع على مدركه، ويُطْلِع المخالفين في المناظرات على أصله)) .
стр. 84
المطلب الثاني: زمن تأليف الكتاب
ورَّث القرافي ثروة نفيسة من مؤلفاته في فنون متنوعة عبر مشوارٍ علمي حافل، ومعرفةُ زمن تأليف الكتاب له أثرٌ ملموس يظهر في تحديد سَبْق المؤلف إلى رأيٍ سديدٍ أو تحريرٍ مفيدٍ، كما يمكن تحديد مدى إفادة المعاصرين للمؤلف من مؤلَّفه (١) .
كما أن معرفة الظروف الزمانية المحيطة بتأليف الكتاب تفيد في معرفة الرأي الذي استقرَّ عليه المؤلف أخيراً، وتفيد أيضاً في الوقوف على الأقدار العلمية والأطوار الفكرية للمصنف، فما كتبه في صدر شبابه وبداية مشواره، ليس كالذي كُتِب في أوْج سِنِّه واستواء نُضْجه.
وكتاب شرح تنقيح الفصول لم يشر القرافي إلى بداية تأليفه له، ولا الفترة الزمنية المستغرقة في تأليفه، وإنما مشى المصنف مع ما جرت به عادة بعض المؤلفين من تسجيل تاريخ الفراغ من تصنيفه، فها هو يقول: ((كان الفراغ من تأليفه يوم الإثنين لتسع ليالٍ مضتْ من شهر شعبان سنة سبعٍ وسبعين وستمائة)) (٢) .
فعلى هذا يعدُّ هذا الكتاب من أواخر مصنفاته، لم يبق بينه وبين وفاته سوى سبع سنوات عليه رحمة الله تعالى.
وفي الصفحة التالية مخطَّطٌ زمني يحدد موقعه ضمن تآليفه الأخرى:
стр. 85
المبحث الرابع
موضوعات الكتاب ومضامينه، ونظام ترتيبه
المطلب الأول: موضوعات الكتاب ومضامينه:
كانت طريقة الأوائل في مقدمات تآليفهم أن يضبطوا مقالاتِ الكتاب وأبوابَه بحيث يقف الناظر من مقدمة الكتاب على ما في أثنائه من تفاصيله.
فكل علمٍ لا يستولي الطالب في ابتداء نظره على مجامعه ولا مبانيه، فلا مطمع له في الظفر بأسراره ومبانيه (١) .
وكتاب شرح تنقيح الفصول للقرافي لم ينوِّه صاحبه ﵀ في مطلع كتابه إلى موضوعات الكتاب ومضامينه سوى أنه وشَّحه بقواعد جليلة وفوائد جميلة (٢) .
بَيْد أنه صرَّح في كتابه المتن: " تنقيح الفصول " بأنه نَظَم مباحث الأصول في عشرين باباً تندرج تحتها مائة فصل وفصلان (٣) ، وسبق لي سرد هذه الأبواب إجمالاً في المبحث الأول من هذا الفصل (٤) .
ولعلَّ السرَّ الكامن وراء ترك القرافي تسمية هذه الأبواب والفصول في المقدمة هو كون الكتاب مختصراً، هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى كونه تابعاً إلى حدٍّ كبير ترتيب وتبويب المحصول للرازي.
قال الطوفي: ﵀ بعد أن عدد موضوعات تنقيح القرافي: ((وهو قريب من الترتيب قبله (وهو المحصول) ومقتضب منه، وهو (أي القرافي) كثيراً ما يَأْتمُّ بالإمام أبي عبد الله الرازي فيما يصحُّ عنده، على جهة التأدب والاعتراف بالفضيلة)) (٥) .
هذا، وليس القصد من وراء هذا المبحث عرض ما حواه هذا القسم الثالث من الكتاب من مباحث تفصيلية ومسائل جزئية؛ لأن هذا موضعه في فهارس الكتاب.
стр. 86
وإنما المراد إعطاء القاريء تصوّراً إجمالياً عن الموضوعات الرئيسية التي حفل بها هذا القسم، ومدى أهميّته في أصول الفقه.
وبنظرةٍ فاحصة شمولية إلى موضوعات الكتاب أمكن تثليثه إلى ثلاثة أجزاء:
القسم الأول (١) : يشتمل على التعريفات والحدود والاصطلاحات، والأحكام التكليفية والوضعية التي يُفْتقر إليها في أصول الفقه. وهذه موضوعات تعتبر بمثابة الإرهاصة والتقْدِمة لدراسة الأصول. وهو يبدأ من الباب الأول، وينتهي بنهاية الباب الثالث.
القسم الثاني (٢) : يشمل دلالات الألفاظ من الأمر والنهي، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبيّن، والمفاهيم. . . وهو يبدأ بالباب الرابع، وينتهي بالباب الثاني عشر. وهذه الموضوعات تعتبر ركيزة العمل الأصولي، فالأصوليون خاضوا معترك الدلالات باعتبارها طرق استثمار أدلة الأحكام الشرعية، وميدان الاجتهاد البياني.
وأما القسم الثالث: فلقد حفل بأهم موضوعات الأصول، التي هي أساس استنباط الأحكام الشرعية، وينبوع التفاريع الفقهية، فأتت موضوعاته على النحو التالي: أفعال النبي ﷺ ، والنسخ، والإجماع، والخبر، والقياس، والتعارض والترجيح، والاجتهاد، والتقليد والفتوى، والأدلة المختلف في الاحتجاج بها.
وهذه المواد تشغل حيزاً كبيراً من كتب الأصول، بل هي لبُّه وأساسه. وناهيك بمبحث القياس وما يكتنفه من وعورة وعمقٍ عن غيره من المباحث، إليه المَفْزع إذا فُقِدتْ نصوص الشرائع، وظُنَّ ضيقُ المسالك وانسداد الذرائع.
إذا أعْيا الفقيهَ وجودُ نصٍ تعلَّق لا محالةَ بالقياس (٣)
ثم إن النظر في الأدلة من اختصاص المجتهد، فلابد من معرفة مؤهلاته وصفاته وشرائطه ومسالكه في درء التعارض الواقع بين الأدلة والتراجيح بينها.
تلكم هي الخطوط العريضة لمضامين هذا الجزء أو القسم من هذا الكتاب الذي قمت بتحقيقه ودراسته.
стр. 87
المطلب الثاني: نظام الكتاب وترتيبه
أما نظام ترتيب أبواب الكتاب وموضوعاته، فلا تسأل عن حُسنه وجودته، قد انتظم عِقْده في تسلسل منطقي ملائم، بحيث تبدو العلاقة واضحةً بين الموضوع في سياقه وسباقه ولحاقه.
فإذا نظرنا إلى الأقسام الثلاثة السالفة الذكر وجدناها متَّسقةً ومنسجمة، فالبدء كان بالحدود والتعريفات والأحكام الشرعية، ثم بمباحث دلالات الألفاظ، ثم بأدلة الشريعة المتفق عليها، فالمختلف فيها.
لكن لو جال البصر في نطاق دائرة القسم الأول لبدا لنا من الوهلة الأولى وجود بعثرةٍ في بعض فصول الباب الأول الذي أدرج القرافي تحته عشرين فصلاً. ففي الفصل الأول يتحدث عن حدِّ الحدّ، ثم ينتقل في الفصل الثاني إلى تفسير أصول الفقه، وفي الفصل الثالث: يبحث في الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل. وهكذا يجيء في الفصل الحادي عشر إلى الكلام عن خمس حقائق لا تتعلق بالمستقبل من الزمان وبالمعدوم، ثم عن الحكم الشرعي، ثم عن الحسن والقبح، ثم عن الحقوق، ثم عن المعلومات وهكذا، وفي الباب الثالث يعقد مبحثاً في تعارض الألفاظ، وربما كان الأليق به أن يتأخر حتى يُدمج مع الباب الثامن عشر الذي في التعارض والترجيح.
وإذا كانت البعثرة والشَّتات سِمةً للقسم الأول من الكتاب، فإنك لا تلمس ذلك في بقية الكتاب، بل لقد جاءت مباحثه فصولاً وأبواباً منتظمة ومتسلسلة في حلقات يأخذ خِطَامُ بعضِها ببعض.
وتبياناً لهذا التسلسل المنطقي والترتيب الموضوعي أقول:
? الأدلة التشريعية إما أن تكون نصِّية أو مستنبطة. والنصيّة إما قولية أو فعلية ممن لا يجوز عليهم الخطأ، وهم: الله تعالى، والنبي ﷺ ، وإجماع الأمة. والصادر عن رسول الله ﵊ وعن الأئمة إما قولٌ أو فعلٌ، والفعل لا يدل إلاّ مع القول فتكون الدلالة القولية مقدمة على الدلالة الفعلية، والدلالة القولية تتناول البحث عن دلالات الألفاظ.
? ثم يجيء ذكر أفعال النبي ﷺ بعدها، وتقدمها على النسخ إنما كان؛ لأن الأفعال موجِبة ومثبتة ويدخل عليها النسخ.
?
стр. 88
ثم يأتي النسخ بعد الأفعال وقبل الإجماع؛ لأنه يدخل على الخطاب والأفعال، ويغيّر الأحكام، وهو لا يدخل على الإجماع.
? ويُذكر الإجماع ويقدّم على الخبر والقياس؛ لأن الإجماع دليل مقطوع به والخبر أكثره مظنون، وبالإجماع يُستدل على حجيّة القياس فكان أصلاً للقياس، والأصل مقدّم على الفرع.
? ثم يجيء ذكر الخبر بعد الأدلة المنصوصة القولية والفعلية والإجماع؛ لأن من لم يشاهد الرسول ﷺ ولا أهل الإجماع، لا تصل إليه هذه الأدلة إلاّ بالنقل، فلابد من البحث عن النقل، وأحوال النقلة، وهو باب الأخبار.
? ويقدّم باب القياس على باب التعارض والترجيح، وباب الاجتهاد، وباب الأدلة المختلف فيها؛ لأنه دليل من أدلة الشرع مثبت، والمجتهد إنما يفتي إذا عرف القياس، وأدلة التشريع، والترجيح بين الأدلة البادية التعارض.
? وإذا ما انتهت مباحث الأدلة المتفق عليها (الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس) كان ختام الكتاب بذكر أدلةٍ اختلف المجتهدون في كونها طُرقاً إلى الأحكام الشرعية (١) .
وبهذا جاءت أبواب الكتاب وفصوله متتابعة النَّسق، متراصِفَة النَّظم، متناسبة الفِقَر، مطَّردة الانسجام، حسنة المنحى، منطقية التسلسل.
وفي ختام هذا المبحث يجدر التنبيه على ثلاث ملاحظات طالما أن مقام الكلام هنا عن النظام والترتيب والتبويب (٢) .
الملاحظة الأولى: أن القرافي قال في مقدّمة كتابه " تنقيح الفصول ": ((ولخَّصْتُ جميع ذلك في مائة فصل وفصلين في عشرين باباً)) (٣) .
فلو عَدَدْتَ فصول الكتاب لم تجد فيها زيادة على المائة إلاّ فصلاً واحداً مع أن المؤلف قال هنا: مائة فصل وفصلين، فبم يُجاب؟
стр. 89
أجيب (١) : بأن الفصل المتمم لهذا العدد هو الفصل الأول في حقيقة الاجتهاد في الباب التاسع عشر (٢) ؛ لأن المصنف أسقط لفظ الفصل هنالك مع أنه مرادٌ في المعنى، إذ عادة المصنف في سائر الأبواب أنه يقدّم فصل الحقيقة. فالصواب أن يقول المصنف: ((الباب التاسع عشر: في الاجتهاد، وفيه عشرة فصول. الفصل الأول: في حقيقته. وهو استفراغ الوسع في المطلوب لغةً. . .)) . وبهذا يتم استيفاء العدد المذكور.
الملاحظة الثانية: أن قول القرافي بأنه رتَّب كتابه في عشرين باباً يوهم بأن كل بابٍ تحته فصول أو فصلان على أقل تقدير. وحقيقة الأمر أن هناك خمسة أبوابٍ ليس فيها فصلٌ أصلاً، وهي:
الباب الثاني: في معاني حروف يحتاج إليها الفقيه (٣) .
الباب الثالث: في تعارض مقتضيات الألفاظ (٤) .
الباب السابع: في أقل الجمع (٥) .
الباب العاشر: في المطلق والمقيد (٦) .
الباب الحادي عشر: في دليل الخطاب (٧) .
كما أن من عادته عنونة الفصول بما يناسبها من العناوين، ما عدا الفصل الأول من الباب الثامن عشر، فإن القرافي لعلَّه ذهل عن تسجيل عوان له (٨) .
الملاحظة الثالثة: أن القرافي قسّم الباب العشرين إلى فصلين. الفصل الأول: في أدلة المجتهدين. والفصل الثاني: في تصرفات المكلفين.
أما الفصل الأول فهو من صميم مباحث أصول الفقه. وأما الفصل الثاني فليس من اختصاص الأصولي بل يتعلّق بنظر الفقيه، فلا علاقة له ألبتة بمباحث أصول الفقه (٩) .
стр. 90
ولقد حاول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور تسويغ عقد المصنف لهذا الفصل ضمن مباحث الأصول، فقال: ((ذكر في هذا الفصل قواعد وضوابط تتفرّع عنها تصاريف أبواب الفقه، وتفيد العالم بها ملكةً يفهم بها خواص الأبواب وفروقها، فلا تكاد تشتبه عليه أحكام الأبواب المتشابهة، وذلك عون كبير على فقه القضاء والفتوى.
ويُعبّر عن هاته الضوابط والقواعد والكليات بـ" الأصول القريبة "؛ لأنها تتفرع عنها أحكام فقهية، ووصِفتْ بالقرب؛ لأن علاقتها بالفقه أقرب من علاقة مسائل الأصول المتعارفة به، حتى إنك تجد كثيراً منها عبارةً عن مسائل فقهية مدونة بكيفيةٍ كليةٍ تنطبق على أبواب كثيرة، وهي نفسها متفرِّعة عن دلائل الفقه الإجمالية التي هي الأصول المتعارفة. فإذا نُظر إليها بالنسبة لعلم الأصول كانت فروعاً، وإذا نظر إليها بالنسبة لجمعها فروعاً كثيرةً في جهةٍ واحدة بحيث يمكن للفقيه أن يستحضر بسببها بعض الفروع كانت أصولاً، فسمَّوها " القريبة " للاحتراز عن أصول الفقه.
وقد ذكر المصنف هنا منها طائفةً نافعة بعد فراغه من أصول الفقه قصداً لجعلها برزخاً بين الأصول وبين الفقه الذي ذكره في كتابه " الذخيرة " التي جعل لها هذا الكتاب توطئةً كما قدَّمه في الديباجة)) (١) .
ثمَّ إن اختتام الكتاب بمثل هذا الفصل النافع الجامع لتصرفات المكلفين لعلَّه تمشّياً مع عادة مالكية حميدة، امتازت بها طريقة التصنيف عندهم، ولهذا لا عجب أن ختم القرافي كتابه " الذخيرة " بكتاب الجامع، وعبّر عن سرِّ صنيعه هذا بقوله: ((وهذا الكتاب (يقصد: الجامع) يختصُّ بمذهب مالك، ولا يوجد في تصانيف غيره من المذاهب، وهو من محاسن التصنيف؛ لأنه تقع فيه مسائل لا يناسب وضعها في رُبْعٍ من أرباع الفقه، أعني: العبادات، والمعاملات، والأنكحة، والجنايات. فجمعها المالكية في أواخر تصانيفهم وسمَّوْها بـ" الجامع " أي: جامع الأشتات من المسائل التي
لا تناسب غيره من الكتب، وهي ثلاثة أجناس: ما يتعلق بالعقيدة، وما يتعلق
بالأقوال، وما يتعلق بالأفعال. . .)) (٢) .
стр. 91
ومهما قيل من أسباب، فإننا يمكن أن نَسْتَلْهِم سبب إقحام هذا الفصل في كتابه المؤسس على أصول الفقه مما ذكره في عبارته الأخيرة من المتن " تنقيح الفصول " إذ يقول: ((فهذه أبواب مختلفة الحقائق والأحكام، فينبغي للفقيه الإحاطة بها لتنشأ له الفروق، والمدارك في الفروع)) (١) .
стр. 92
المبحث الخامس
موارد الكتاب ومصادره
إن مما يميّز الكتاب، ويرجِّح كِفَّة ميزانه أصالة مصادره وتنوّعها، وكذلك قدرة مؤلفه على الإفادة منها، وحسن اقتناص الفوائد التي حوتها.
وإن الواقف على كتب القرافي في جملتها يلمح حرصه البالغ، واهتمامه الشديد بالكتب والتآليف والمراجع؛ لأن إنطلاقة العلم والبحث لا يمكن أن تسمو وترقى دون أن تستند إلى أرضية صلبة من تراث الأمة الفكري. ويُخيَّل إليَّ أن القرافي يمتلك مكتبة كبيرة جداً عامرةً بشتى الفنون والعلوم.
فانظر - يا رعاك الله - إليه وهو يحشد عدداً كبيراً من كتب الفقه المالكي فقط عند تأليفه للذخيرة ناهيك عن مصادره الأخرى فيه. قال في الذخيرة (١ / ٣٩) :
((
وقد جمعت له من تصانيف المذهب نحو أربعين تصنيفاً ما بين شرحٍ، وكتابٍ مستقل، خارجاً عن كتب الحديث واللغة)) .
وأمَّا مصادره الأصولية التي هي موضع احتفائنا بها هنا فقد نيَّفت على الثلاثين مصدراً في كتابه " نفائس الأصول " حيث قال: ((وجمعت له نحو ثلاثين تصنيفاً
في أصول الفقه للمتقدّمين والمتأخرين من أهل السنة والمعتزلة، وأرباب المذاهب
الأربعة. . .)) (١) .
هذه الوفرة الكثيرة من المصادر كانت تلازم القرافي باعتبارها آليَّات بحثه وتأليفه. ولهذا لمّا عرضتْ له مشكلة بدا فيها تناقض الرازي في محصوله في لفظة " البَخْت "
و" البحث "، قال: ((ثم بعد وضع كتاب الفصول طالعت كتباً كثيرة فوجدت هذه اللفظة فيها مضبوطة. . .)) (٢) .
وانظر موقع " شرح تنقيح الفصول " الزمني، إذ يُعدُّ من خواتيم تآليفه، فالظن عندي غالبٌ أن القرافي قد استفاد كثيراً من جملة المصادر التي سلف اعتماده عليها. ولقد زَخَر هذا الشرح بالنصوص والآراء المنقولة عن العلماء السابقين، وقد
стр. 93
أفاد منها القرافي، لكن المصنف لم يصرِّح بجميع موارده في الكتاب، ولم يكشف في مقدّمة شرحه عن المصادر التي استمدّ منها مادته، والمراجع التي ارتوى منها. نعم لقد نصَّ في المتن " تنقيح الفصول ": بأنه أفاد من " الإفادة "، وحصّل من " المحصول "، وأشار إلى " الإشارة "، ونقل باختصار من " مقدمة ابن القصّار " (١) .
وفي الحقيقة ليست هذه كل مصادره، بل أفاد من عدد يزيد على أضعاف أضعافها في " شرح التنقيح ". ولقد استفتيتُ كتاب القرافي نفسه، واستنطقتُ سطوره وكلماته، وذلك بملازمة قراءته، وتمعُّنِ مادّته، وعرض محتوياته على مصادر التوثيق المتنوعة، وكان همّي - وأنا أحقق الكتاب - مراجعة النصوص من مصادرها الأصلية، ولاسيما التي ذُكرتْ أسماؤها، ولقد وُفِّقتُ في توثيق كثيرٍ منها، لكنَّ أسباباً حالت دون ذلك في بعضها الآخر، منها:
- ضياع بعض الكتب وفقدانها، أو أنها في غياهب خزائن المخطوطات في زوايا مهملة لم تُعرِّف بها الفهارس والمسارد.
- بقاء بعضها مخطوطاً لم يقيّض له أن يطبع حتى كتابة هذه السطور.
- تنائي بعضها عن الأيدي مما لم يمكِّن الباحث من الوصول إليه بسهولة.
مسرد المصادر:
وإليك الآن مسرداً بالمصادر التي استقى منها القرافي مادته العلمية دون التعريف
بها؛ لأن ما نصَّ عليه المؤلف قد جاء التعريف به في موضعه في أثناء التحقيق، وما لم ينصَّ عليه جاءت بياناته مستوفاةً في فهرس المصادر.
وقد جعلتُ المسرد في قسمين، القسم الأول: في المصادر المصرّح بأسمائها، وفي هذا القسم لم أشر إلى مواضع الاستفادة منها في الكتاب؛ لأن فهرس أسماء الكتب الواردة في النص فيه غناء عن ذلك. والقسم الثاني: في المصادر التي أفاد منها دون التصريح بأسمائها، وهي على ضَرْبين، الضرب الأول: مصادر كتابيّة، وقد أحلت على بعض المواضع من الكتاب التي أحسب أنه أفاد منها، والثاني: مصادر شفوية، وهي ما سمعه القرافي من مشايخه وأقرانه ونظرائه مشافهةً من غير واسطة.
стр. 94
القسم الأول: المصادر المصرَّح بأسمائها:
أولاً: في أصول الفقه:
١ - الرسالة للإمام الشافعي (ط) .
٢ - الملخَّص للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي.
٣ - المعتمد لأبي الحسين البصري (ط) .
٤ - اللُّمع لأبي إسحاق الشيرازي (ط) .
٥ - البرهان لإمام الحرمين الجويني (ط) .
٦ - المستصفى لأبي حامد الغزالي (ط) .
٧ - شفاء الغليل في بيان الشَّبه والمخيل ومسالك التعليل لأبي حامد الغزالي (ط) .
٨ - الأوسط لابن بَرْهان البغدادي.
٩ - شرح البرهان، المسمَّى: إيضاح المحصول من برهان الأصول لأبي عبد الله المازري.
١٠ - المحصول للإمام الرازي (ط) .
١١ - شرح البرهان، المسمَّى: التحقيق والبيان في شرح البرهان لأبي الحسن الأبياري (رسالة دكتوراه بأم القرى) .
١٢ - التنقيح في اختصار المحصول، المسمَّى: تنقيح محصول ابن الخطيب لأمين الدين المظفَّر التبريزي (رسالة دكتوراه بأم القرى) .
١٣ - الإحكام في أصول الأحكام لسيف الدين الآمدي (ط) .
١٤ - شرح المحصول، المسمَّى: نفائس الأصول. للمؤلف نفسه.
ثانياً: في الفنون الأخرى:
١ - التوراة (العهد القديم) (ط) .
٢ - النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات، لابن أبي زيد القيرواني، في الفقه (مخطوط) .
٣ - المحلَّى لابن حزم، في الفقه (ط) .
٤ - المقدمات الممهدات لبيان ما اقتضته رسوم المدونة من الأحكام الشرعيات والتحصيلات المحكمات الأمهات مسائل المشكلات. لابن رشد (الجد) ، في الفقه
(ط) .
стр. 95
٥ - الجدل للحصكفي، في الجدل.
٦ - الشامل في أصول الدين لإمام الحرمين، في علم الكلام (طبع منه جزء، والباقي مخطوط أو مفقود) .
٧ - الأجوبة الفاخرة عن الأسئلة الفاجرة للمصنف نفسه، في العقيدة (ط) .
٨ - الغياثي ويسمى أيضاً: غياث الأمم في التياث الظُّلَم، في السياسة الشرعية
(ط) .
٩ - الإيضاح العضدي لأبي علي الفارسي، في علم الصرف (ط) .
١٠ - إحياء علوم الدين للغزالي، في الرقائق والتصوف (ط) .
١١ - الشفا بتعريف حقوق المصطفى للقاضي عياض، في السيرة والشمائل
(ط) .
١٢ - الأمنية في إدراك النية للمؤلف نفسه، في الفروق والقواعد الفقهية (ط) .
١٣ - الإحكام في تمييز الفتاوى والأحكام في تصرفات القاضي والإمام للمؤلف نفسه، في الفروق والقواعد الفقهية (ط) .
القسم الثاني: المصادر غير المصرح بأسمائها .
إنما جازت الدعوى بأن المصنف نقل منها؛ لأنه صرَّح بأسمائهم دون كتبهم، ومن المعلوم أن النقل سيكون من كتبهم؛ لأنني بالتتبع والاستقراء وجدت القرافي لم يلجأ إلى النقل بالواسطة، والله أعلم.
الضرب الأول: المصادر الكتابيّة:
١ - المقدِّمة في أصول الفقه لابن القصّار المالكي، في الأصول (ط) انظر مواضع الإفادة في: ٣، ٤٤١، ٤٤٥، من القسم التحقيقي.
٢ - التقريب والإرشاد للباقلاني، في الأصول (طبع منه ثلاثة أجزاء) . انظر: ص ٤٥ من القسم التحقيقي، وانظر: ص ١٤٩ من المطبوع.
٣ - الإفادة للقاضي عبد الوهاب البغدادي، في الأصول. انظر ص ٢٦٧ من المطبوع.
٤ - إحكام الفصول في أحكام الأصول لأبي الوليد الباجي، في الأصول (ط) . انظر الصفحات: ٥، ٥١٣ من القسم التحقيق.
стр. 96
٥ - الإشارة في معرفة الأصول لأبي الوليد الباجي، في الأصول (ط) انظر:
ص ٤٢٤، ٤٢٧ من القسم التحقيقي.
٦ - شرح اللمع لأبي إسحاق الشيرازي، في الأصول (ط) . انظر: ص ٦٤ من القسم التحقيقي.
٧ - المنتخب للإمام الرازي، في الأصول (رسالة دكتوراة بجامعة الإمام) .
انظر: ص (٤٨٥) القسم التحقيقي.
٨ - المعالم للإمام الرازي، في الأصول (ط) . انظر (٤٦) القسم التحقيقي.
٩ - الحاصل من المحصول لتاج الدين الأرموي (١) ، في الأصول (ط) . انظر: ص (١٧٣) القسم التحقيقي.
١٠ - التحصيل من المحصول لسراج الدين الأرموي، في الأصول (ط) . انظر: ص (١٧٣) القسم التحقيقي.
١١ - تلخيص المحصول لنجم الدين النقشواني (٢) ، في الأصول (رسالة دكتوراة بالجامعة الإسلامية) . انظر: ص (١٧٣) القسم التحقيقي.
١٢ - قواعد الأحكام في مصالح الأنام لعز الدين بن عبد السلام، في الأصول والقواعد الفقهية (ط) . انظر: ص (٥٢٥) القسم التحقيقي.
١٣ - الكشاف للزمخشري (٣) ، في التفسير (ط) . انظر: ص (٢٥) القسم التحقيقي.
стр. 97
١٤ - تكملة إصلاح ما تغلط فيه العامة لابن الجواليقي (١) . في اللغة (ط) . انظر: ص (١٩٦) القسم التحقيقي.
١٥ - نقَلَ عن الزناتي، ويخيَّل إليّ أنه من رسالة له بعنوان: الكشط عن
المقلدين. انظر: ص (٤٤٦) القسم التحقيقي.
الضرب الثاني: المصادر الشفوية .
١ - نقل عن العز بن عبد السلام في مواضع منها:
- قوله: ((وكان الشيخ الإمام عز الدين بن عبد السلام قدس الله روحه من الشافعية، يقول في هذا الفرع: إنه آثم. . .)) انظر: ص (٤٤٩) القسم التحقيقي.
- قوله: ((وقد قصد الشيخ عز الدين بن عبد السلام تغيير محراب قبة الشافعي، والمدرسة، ومصلَّى خولان، فعاجله ما منعه من ذلك. . .)) . انظر: ص (٤٥٤) القسم التحقيقي.
- قوله: ((سئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن قتل الهر المؤذي هل يجوز
أم لا؟ فكتب ﵀ وأنا حاضر. . .)) . انظر: ص (٥٣٧) القسم التحقيقي.
٢ - ونقل عن بعض الحنابلة، قال: ((مع أني سألت الحنابلة، فقالوا مشهور مذهبنا منع التقليد. . .)) . انظر: ص (٤٨٩) القسم التحقيقي.
وختاماً ينبغي التنبيه إلى أن المصادر التي سردتها آنفاً إنما اختصت بالقسم الثالث من الكتاب الذي قمتُ بتحقيقه (من الباب الثالث عشر إلى الباب العشرين) .
ولكن الكتاب قد حوى جملةً وافرةً من المصادر في القسم الذي لم أحققه قد صرَّح بأسمائها، أرى أنه من المناسب الإشارة إليها هنا مع الإحالة على كتاب شرح تنقيح الفصول (المطبوع) ؛ لأن من فوائد التذكير بها أنه ليس من المستبعد أن تكون مصادرَ له في القسم الثالث من غير أن يصرّح بأسمائها، وإليك أسماءها ومصنفيها:
أولاً: في أصول الفقه
١ - الإفادة للقاضي عبد الوهاب. انظر: ص ٢٦٧.
стр. 98
٢ - المنتخب لفخر الدين الرازي (رسالة دكتوراه بجامعة الإمام) . انظر:
ص ١٨٣.
٣ - المعالم لفخر الدين الرازي (ط) . انظر: ص ١٢٢.
٤ - روضة الناظر لابن قدامة المقدسي (ط) . انظر: ص ١٨٠.
٥ - شرح المعالم لابن التلمساني الفهري (١) (ط) . انظر: ص ١١٦.
ثانياً: في الفقه
١ - مختصر الخرقي (٢) في الفقه الحنبلي (ط) . انظر: ص ٢٤٥.
٢ - النكت والفروق لمسائل المدونة لعبد الحق محمد السهمي الصقلّي (٣) (مخطوط) انظر: ص ٥٤.
٣ - المدخل في الفقه لابن طلحة الأندلسي (٤) . انظر: ص ٢٤٤.
٤ - الطراز لسند بن عنان الأزدي (٥) . انظر: ص ١٥٨.
٥ - الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس (٦) (ط) . انظر:
ص ٢٤٦.
٦ - الذخيرة في الفقه للمؤلف نفسه (ط) . انظر: ص ٧٥.
المبحث السادس
منهج المؤلف في الكتاب وأسلوبه
المطلب الأول: منهج المؤلف في الكتاب
من الملاحظ في عادات البشر أنها جارية وفق سَنَنٍ واحدٍ. والإمام الشهاب القرافي لم يُصرِّح بمنهجه في كتابه " شرح تنقيح الفصول "، لكنه جرى فيه على حَذْو منهجه المرسوم في كتابه الموسوعة " الذخيرة ".
ولعلّ عدم تصريحه بمنهجه في هذا الكتاب أنه كتاب متوسط أو دونه بقليل، فلم ير حاجةً إلى إبراز معالم منهجه فيه. بينما أجْلى طريقته ومنهجه في كتابه
" الذخيرة " لأنه مشروع عمره، وذخره عند الله تعالى في يوم المعاد، وذخيرة لطلبة العلم في تحصيل مطالبهم (١) .
قد تختلف طرائق التأليف والمناهج بالنظر إلى طبيعة البحث، فهناك مغايرات في منهجية البحث الفقهي، والبحث الأصولي. بَيْد أن هناك أموراً مشتركة في كل
بحث، فلنأخذ في بيان هذه القواسم المشتركة التي جاءت في كتبه: " الذخيرة "
و" نفائس الأصول " و" شرح تنقيح الفصول ". نذكرها مجملةً، ثم نفصِّلها بعد
ذلك، علماً بأن هذه الملامح تمثِّل مميزات القرافي المنهجية:
- حرص على جمع الأقوال والآراء والمذاهب في المسألة، والتزم بعزو كل نقل لقائله في الأعم الأغلب، حتى إذا وقع خلل في النقل استدركه المطالع من موضع العزو، وهذا من مميزاته.
- سعى إلى إبراز المذهب المالكي في المسائل على وجه الخصوص؛ لإظهار شرفه بين المذاهب.
- حرَّر المسائل وقرَّرها وفق منهج علمي سليم، يقوم على ذكر الآراء وتحرير النزاع إن اقتضى المقام، ثم يذكر أدلة كل فريقٍ في تجرُّدٍ تام، وموضوعية خالية عن التعصب، ثم يجيل النظر في تلك الأدلة، مناقشاً لها، ومفنِّداً لأدلة الخصم، بما لا يدع
стр. 102
لهم حجة قوية، حتى يخلص إلى القول الفصل فيها مستخدماً أسلوب تقرير القاعدة في الحجاج، وأحياناً تتساوى أدلة الطرفين في نظره، فلا يغلِّب رأياً على رأي، ثم هو يفصح عن منشأ الخلاف وسببه، وعن ثمرته في بعض الأحايين.
- كما يلاحظ في منهجيات القرافي في كتبه سعيه الحثيث على إيراد الإشكالات والسؤالات التي قد تنشأ في خاطر القاريء، ثم يجيب عنها إن أسعفه الجواب، وإلا يتركها كما هي، إن استبدَّ الإشكال في نفسه، وعجز عن الجواب عنه. وهذا مما امتاز به القرافي عن غيره.
- حرص القرافي على إثبات الفروقات بين المسائل المتشابهة كلما أمكنه ذلك وهذه خصيصة تميَّز بها منهج القرافي في تآليفه.
- من عادته وديدنه إثبات ما يحضره من فوائد وقواعد، وتنبيهات وتفريعات، واستطرادات قد تكون خارجة عن الموضوع في ثنايا كتبه، وقد سطَّرها تحت عنوانات صغيرة، كقوله: فائدة، تنبيه، فرع. . . إلخ.
- له عناية فائقة بالحدود والتعريفات، مقارنةً وشرحاً واعتراضاً وترجيحاً، هذه العناية تحكم ببراعة القرافي ودقته حيال تعامله مع الألفاظ والاصطلاحات.
تلكم هي أبرز خصائص منهج القرافي في سائر كتبه، وتِيْكم هي الخطوط العريضة لهذا المنهج. فالقرافي يبدو من خلاله أنه متابعٌ لغيره في بعض الخطوات، لكن له انفرادات تميّز بها دون أن يشركه فيها غيره.
وإن القاريء لكتاب " شرح تنقيح الفصول " بفحْصٍ وتأملٍ يمكنه تلمُّس تلك السمات المنهجية العامة في هذا الكتاب.
فإلى بيان المنهج الذي انتهجه القرافي وترسَّم خطاه في الجوانب التفصيلية التالية:
أولاً: تعامل المؤلف مع المتن:
سبقت الإشارة إلى أن الكتاب متناً وشرحاً يعتبر وحدة واحدة لا يمكن الفصل بينهما (١) ، ولكن كيف كان المؤلف يشرح المتن؟
стр. 103
تعامل القرافي مع متن الكتاب تعاملاً مطَّرداً في الغالب، فهو يأتي به أولاً بحسب المقطع الذي يريد التعليق عليه، ثم يطفق في شرحه له. ولكن هناك تفاوت يسير وقع في هذا التعامل، يمكن حصره في نمطين:
١ - تفاوت تقطيعه للمتن، فمرَّةً يأتي بمقطعٍ طويل في عدة صفحات، ثم يعقبه بتعليق قصير في بضع أسطر (١) . وحيناً يأتي بقطعةٍ صغيرة في بضع أسطر، ثم يشرحها في عدة صفحات (٢) ، أو يأتي بجزء سطرٍ ويشرحه في أكثر من صفحة (٣) .
٢ - أحياناً يورد المتن، ثم عند شرحه له يقسِّمه إلى جُملٍ وفقرات، ويقدّم لبعضها بقوله: ((قولي: كذا وكذا. . .)) (٤) أو يقول: ((قوله: كذا وكذا)) (٥) .
ثانياً: اصطلاحات الكتاب
استعمل القرافي اصطلاحات معينة في كتابه على سبيل الاختصار والترميز، يمكن الكشف عن مراده منها بالاستقراء والتتبُّع، فمنها:
المصطلح ... الإمام ... القاضي ... الأستاذ ... قولي في ... قولي في ... لنا، قلنا، أصحابنا، عندنا، مذهبنا، أصلنا ... أهل الحق
" الأصل " ... " الكتاب "
المراد منه ... فخر الدين الرازي ... أبو بكر الباقلاني ... أبو إسحاق الإسفراييني ... المتن ... المتن ... المالكية ... الأشاعرة
ملاحظات:
١ - شذَّ مرَّةً في لفظ " الإمام " فقد أطلقه على إمام الحرمين (٦) ، ومرَّةً قيَّد فقال: ((قال الإمام في البرهان)) (٧) .
٢ - شذَّ في موضعين في إطلاق لفظ " القاضي " على القاضي عبد الوهاب (٨) .
стр. 104
٣ - إذا عطف أصحاب مالك على الإمام مالك فإنه يقول: وأصحابه، ولكن في مواضع من كتابه كان يقول ((عند أصحابه)) دون سابق ذكرٍ للإمام مالك، وكان يريد بهم أصحاب مالك وقد نبَّه المصنف نفسه عليها (١) .
ثالثاً: طريقة عرض المسائل:
لم يَسِر القرافي على نمطٍ واحدٍ في عرض مسائل الكتاب، بل سلك فيها سبلاً متنوعة، ربما كان مرد هذا الاختلاف طبيعة المسائل المراد بحثها.
وإليك أنماطاً من كيفية عرض المسائل وفق النقاط التالية:
١ - عرض الأقوال والأدلة:
أ - في غالب المسائل يذكر الأقوال، وأدلة كلِّ قولٍ مبتدئاً بالقول الراجح عنده غالباً، ذاكراً دليله بدون مناقشة، ثم يذكر أدلة الأقوال الأخرى المرجوحة، مناقشاً لها ومعترضاً عليها، والأمثلة على ذلك: دلالة فعله ﷺ (٢) ، مسألة تعبده ﷺ بشرع من قبله قبل النبوة (٣) ، حجية الإجماع (٤) ، إفادة التواتر العلم (٥) ، حجية القياس (٦) ، حكم التقليد في الفروع (٧) .
ب - وتارةً قليلة يذكر الأقوال، والأدلة، مع الاعتراض على جميع الأدلة، دون الإجابة عنها، وربما كان هذا الصنيع إيماءً إلى ضعف الاستدلال بما استدل به كل
فريق، ومثاله شرع من قبلنا، أهو شرعٌ لنا أم لا؟ (٨)
جـ - وتارة كثيرة يذكر الأقوال، وأدلتها، دون مناقشةٍ لها ولا ترجيح. وفي هذا إشارة عند المصنف إلى قوة الخلاف في المسألة، ووجاهة مدرك كل واحد منها.
стр. 105
والأمثلة على ذلك: الاختلاف في اشتراط الفقيه في الراوي (١) ، حجية المرسل (٢) ، حجية الإجماع السكوتي (٣) ، مسلك الطرد (٤) ، تفويض الحكم إلى المجتهد
(العصمة) (٥) .
د - وتارة قليلة يكتفي بمجرد ذكر الأقوال دون أدلتها، ربما لأنها أقوال لا تقوم على مستندات قويةً، مثل: الخلاف في الشرع الذي كان ﷺ متعبداً به (٦) ، هل المباح حكم شرعي (٧) ؟
هـ - وتارة متوسطة يذكر رأي الجمهور أو الأكثرين دونما إشارة إلى المخالفين، مع ذكر أدلة الطرفين في الشرح، مثل: التعليل بالعلة المركبة (٨) ، القياس في العقليات (٩) ، القياس في الأسباب (١٠) .
ووتارة قليلة يعدل عن ذكر رأي الجمهور، ويقتصر على قول الأقلِّين، مع الأدلة، مثل: حكم رواية المجهول (١١) ، إجماع الخلفاء الراشدين ﵃ (١٢) ، حكم إثبات القياس أصول العبادات (١٣) .
٢ - عرض المذاهب في المسألة:
لم يلتزم القرافي ترتيب الأقوال والمذاهب في المسألة بحسب زمن قائليها، وليس له في هذا العرض منهج ظاهر، فكان في أغلب الأحايين يقدم المذهب الذي يرتئيه،
стр. 106
وأحياناً يبدأ بقول الجمهور والأكثرين (١) ، وأحياناً يقدّم مذهب مالك وأصحابه، ويلاحظ عليه في عرض مذهب المالكية أنه يبدأ بهم ويعطف عليهم الجمهور، فمثلاً يقول: ((عندنا وعند الكافة)) (٢) ، ((مذهب مالك وجمهور العلماء)) (٣) ، ((والأكثرون من أصحابنا وغيرهم)) (٤) ، وأحياناً نادرة يؤخر مذهب مالك (٥) ، وأحياناً يحكي أقوال أفراد من العلماء في المسائل (٦) ، وفي أحايين يُبهم أصحاب الأقوال، فيقول: ((خلافاً لبعضهم)) (٧) ، ((خلافاً لقوم)) (٨) ، ((وجماعة)) (٩) . وفي مواطن كثيرة كان القرافي يقتصر في المسألة على مذهب الإمام الرازي وأقواله دون غيرها (١٠) .
ويلاحظ بصفة عامة أن المصنف كان يترك أقوالاً في المسألة، إما غفلة منه لها، أو لضعفها عنده وعدم انتهاض الدليل عليها، أو لسبب آخر.
٣ - طريقة التقرير للمسألة:
سلك القرافي طريقة التقرير في مسائل الاتفاق، أو كان الخلاف فيها غير معتبر
عنده، فإنه كان يكتفي بتقرير القول فيها كأنها مسلَّمة لا تقبل الجدل. ومن الأمثلة على ذلك:
أ - قال ((كل ما يتوقف العلم بكون الإجماع حجة عليه لا يثبت بالإجماع، كوجود الصانع وقدرته وعلمه، والنبوة. . .)) (١١) .
стр. 107
ب - قال ((وهو (أي الإجماع) مقدَّمٌ على الكتاب والسنة والقياس)) (١) .
جـ - قال ((وإذا زادت إحدى الروايتين على الأخرى - والمجلس مختلف - قُبلت، وإن كان واحداً - ويتأتَّى الذهول عن تلك الزيادة - قُبلتْ، وإلا لم تقبل)) (٢) .
د - قال ((يجوز التعليل بالأوصاف العرفية كالشرف، والخِسَّة، بشرط اطرادها وتميُّزها عن غيرها)) (٣) .
هـ - قال ((ويمتنع الترجيح في العقليات؛ لتعذر التفاوت بين القطعيين)) (٤) .
٤ - العناية بتصوير المسألة
عُني القرافي بتصوير بعض المسائل في ثنايا كتابه، من ذلك:
أ - قال في تصوير مسألة اتباعه ﷺ ((معنى يجب اتباعه في ذلك الوجه، أي: إنْ فَعَله على وجه الندب وجب علينا أن نفعله على وجه الندب، أو فَعَله ﷺ على وجه الوجوب وجب علينا أن نفعله كذلك، إذ لو خالفناه في النيّة ذهب الاتباع)) (٥) .
ب - قال في تصوير مسألة حكم نسخ الشيء قبل وقوعه ((المسائل في هذا المعنى أربع - ثم عدَّها وقال - فأما الثلاثة الأول، فهي في الفعل الواحد غير المتكرر، وأما الرابعة فوافقنا عليها المعتزلة. . .)) (٦) .
جـ - قال ((وأما المسألة الثانية فصورتها أن يكون لأهل العصر الأول قولان، ثم يتفق أهل العصر الثاني على أحد ذَيْنك القولين)) (٧) .
د - من الطرق المحصِّلة للعلم غير التواتر إخبار الجمع عن الوجدانيات، بيّن المصنف فيها صورة المسألة وقال ((فهذا هو صورة هذه المسألة)) (٨) .
стр. 108
٥ - تلخيص المسألة وتحصيلها:
انتهج القرافي هذه الطريقة في مواضع من كتبه، وهذا المنهج مفيد في طرائق
التعليم، فبعد بحث المسألة بتشعباتها ومناقشاتها قد يعزب عن ذهن المطالع أصل المسألة ولبُّها، فيعمد المؤلف إلى لملمة فلولها، وتجميع شعثها، وتلخيصها. فمن ذلك:
أ - قال في آخر مسألة تعارض فعله ﷺ مع قوله: ((فهذا هو معنى المسألتين الأخيرتين في هذا الفصل)) (١) وبعدها بأسطر قال: ((هذا تلخيص هذا الموضع، ولابد منه)) (٢) .
ب - قال في مسألة إحداث قول ثالث: ((فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال. . .)) (٣) .
جـ - عرض مسألة إمكان أن تخطيء جميع الأمة في ثلاث حالات، ثم قال:
((فهذا تلخيص هذه المسألة)) (٤) .
د - قال في مسألة قادح الفرق في آخرها: ((فهذا تلخيص هذا الموضع)) (٥) .
٦ - سوق الأمثلة على المسألة:
يظهر اهتمام القرافي بالتمثيل لبعض المسائل، وتخريج الفروع عليها، فمن ذلك التمثيل على: إقرار النبي ﷺ (٦) ، نفي الزيادة بالشرط (٧) ، نسخ ما لا تتوقف عليه العبادة (٨) ، إحداث قول ثالث (٩) ، المتواتر اللفظي والمعنوي (١٠) ، العلة التي لا تعود على الأصل بالتخصيص (١١) ، والتمثيل عموماً على مسالك العلة (١٢) وقوادحها (١٣) .
стр. 109
رابعاً: عرض مواطن الخلاف:
في مسائل عديدة كان المصنف يصرح بوقوع الاختلاف فيها، ويعبّر حيال ذلك بقوله: أ - ((اختلفوا في اشتراط الإرادة في حقيقة كونه خبراً. . .)) (١) .
ب - ((اختلفوا في جواز دخول القياس في العدم الأصلي)) (٢) .
جـ - ((اختلفوا: هل يجوز تساوي الأمارتين؟)) (٣) .
د - ((اختلف الناس في اشتراط العدد في التزكية والتخريج)) (٤) .
هـ - ((اخْتُلف في المبتدعة إذا كفرناهم)) (٥) .
ولنتعرف على منهج القرافي في عرض الخلافيات من حيث تحرير النزاع، ومنشأ الخلاف، وثمرته.
١ - محل الخلاف:
لم يحرِّر القرافي النزاع في جميع المسائل الخلافية إلا في عددٍ قليلٍ منها، التي ربما رأى أنها بحاجةٍ إلى تحرير أمناً من وقوع الالتباس فيها. مثل: مسألة شرائع من قبلنا (٦) ، نقل الخبر بالمعنى (٧) ، الخلاف في حجية القياس في الشرعيات دون الدنيويات (٨) ، القياس في اللغات (٩) .
٢ - تأصيل الخلاف:
في بعض الأحايين يبين القرافي منشأ الخلاف ومبناه، ومردَّه وسببه، والأغلب عليه تركه له. ومن الأمثلة على ذلك: مبنى الخلاف في نسخ الإجماع (١٠) ، الخلاف في
стр. 110
تكفير مخالف الإجماع مبنيٌّ على أنه قطعي أم ظنِّي (١) ، منشأ الخلاف في اختلاف العدد الذي يتحقق به التواتر (٢) .
٣ - ثمرة الخلاف:
في مواضع قليلة بيّن القرافي نوع الخلاف، وأنه لفظيّ لا ثمرة تترتب عليه. من أمثلة ذلك:
أ - قال: ((وقال الجاحظ: يجوز عروُّه عن الصدق والكذب، والخلاف لفظي)) (٣) .
ب - نقل عن بعض العلماء قولهم في مسألة تعبده ﷺ بشرع من قبله قبل نبوته:
((هذه المسألة لا تظهر لها ثمرة في الأصول، ولا في الفروع ألبتة، بل تجري مجرى التواريخ المنقولة، ولا يترتَّب عليها حكم في الشريعة ألبتة)) (٤) .
جـ - قال: ((أما من أنكر النسخ من المسلمين فهو معترف بنسخ تحريم
الشحوم. . . غير أنه يفسّر النسخ في هذه الصور بالغاية، وأنها انتهت بانتهاء غايتها، فلا خلاف في المعنى)) (٥) .
خامساً: الحدود والألفاظ:
١ - يولي القرافي الحدود عنايةً خاصةً، ورعايةً فائقةً.
- فهو يستهلُّ المصطلح بتعريفه لغةً، ثم يعقبه بالتعريف الاصطلاحي، كما في تعريفه: للتواتر (٦) ، والاجتهاد (٧) ، والسنة (٨) .
- وربَّما عكس فأتى بالتعريف اصطلاحاً أولاً، ثم في الشرح يعرِّفه لغةً، وهذا نوع استدراك منه على ما فاته في المتن. مثل تعريف: الإجماع (٩) ، والقياس (١٠) ، والسبر والتقسيم (١١) .