← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9879

جزء من شرح تنقيح الفصول في علم الأصول - رسالة ماجستير

القرافي

Полный текст (780 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وأمَّا (١) ما لا قُرْبة فيه كالأكل والشُّرْب واللِّباس (٢) فهو عند الباجِيّ للإباحة (٣) ، وعند بعض أصحابنا (٤) للندب (٥) . وأما إقْراره (٦) ﷺ [على الفعل] (٧) فيدل على جوازه. الشرح البيان يُعدُّ كأنّه (٨) منطوقٌ به في ذلك المُبيَّن، فبيانه ﷺ للحجِّ الوارد في كتاب الله تعالى يُعَدُّ منطوقاً (٩) به في آية الحج (١٠) ، كأنَّ الله تعالى قال: ولله على النَّاس حِجُّ البيت على هذه الصفة. وكذلك بيانه ﷺ لآية الجمعة (١١) فَعَلَها بخطبة وجماعة وجامع

стр. 247

وغير ذلك، فصار معنى الآية (١) : يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة - التي (٢) هذا شأنها - من يوم الجمعة فاسعوا* إلى ذكر الله. وإذا كان البيان يُعدُّ منطوقاً (٣) به في المبيَّن [كان حكمه حكم ذلك (٤) المبيَّن] (٥) : إن كان (٦) واجباً فواجب، أو (٧) مندوباً فمندوب، أو مباحاً فمباح. أدلة القائلين بوجوب اتباعه ﷺ إن لم يكن فعله بياناً وفيه قُرْبة حجة الوجوب: القرآن، والإجماع، والمعقول. أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٨) والفعل [مأتيٌّ به] (٩) فوجب أخذه؛ لأن ظاهر الأمر للوجوب. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ (١٠) جعل تعالى اتباع نبيَّه من لوازم [محبَّتِنا لله] (١١) تعالى، ومحبَّتُنا لله تعالى واجبة، ولازم الواجب واجب، فاتباعه ﷺ واجب (١٢) . وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ (١٣) والأمر للوجوب.

стр. 248

وأما الإجماع: فلأن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لما أخبرتهم عائشة ﵂ بأنه ﷺ اغتسل من التقاء الخِتَانَيْن (١) ، رجعوا إلى ذلك بعد اختلافهم، وذلك يدلُّ على أنَّه عندهم محمول على الوجوب. ولأنهم (٢) واصلوا الصيام لمَّا (٣) واصل (٤) ، وخلعوا نِعَالهم لمَّا (٥) خلع ﷺ (٦) ، وكانوا شديدين الاتباعَ له ﷺ في أفعاله. وأما المعقول فمن وجهين: الأول: أن فعله ﷺ يجوز أن يكون المراد به الوجوب، ويجوز أن لا يكون، والاحتياط يقتضي حمله على الوجوب (٧) .

стр. 249

الثاني: أن تعظيم رسول الله ﷺ واجب إجماعاً، والتزام مثل فعله ﷺ على سبيل الوجوب (١) - من تعظيمه، فيتعيَّن (٢) . دليل القائلين باستحباب اتباعه ﷺ ، إن لم يكن فعله بياناً وفيه قُرْبة حجة الندب: أن الأدلة السابقة (٣) دلَّتْ على رُجْحان الفعل (٤) ، والأصل الذي هو براءة الذمة دلَّ (٥) على عدم الحرج، فيُجْمع بين المُدْرَكَيْن (٦) ، فيُحْمل على الندب. وجوابه: أن ذلك الأصل ارتفع بظواهر الأوامر الدالَّة على الوجوب. أدلة القائلين بالوقف ت حجة الوقف: تعارض المدارك (٧) . ولأنه ﷺ قد يفعل ما هو خاصٌّ به وما يَعُمُّه مع أمَّته، والأصل التوقف حتى يرد البيان (٨) . والجواب عن الأول: قد ذهب التعارض بما تقدَّم (٩) من الجواب عن (١٠) أدلة الخصوم (١١) . وعن الثاني: أن الأصل استواؤه (١٢) ﷺ مع أمته في الأحكام إلاّ ما دلّ الدليل عليه.

стр. 250

حجة القائلين بأن أفعال النبي ﷺ التي لا قُرْبة فيها أنها على الإباحة حجة الإباحة فيما لا قُرْبة فيه: أن الأصل أن الطلب يتبع مصالح القربات، ولا قُرْبة، فلا مصلحة، فتعيَّنت الإباحة، لعصمته ﷺ من المنهي (١) عنه، و (٢) لأنه خلاف ظاهر حاله (٣) . حجة القائلين بأن أفعاله ﷺ فيما لا قُرْبة فيها على الندب حجة الندب: ظواهر الأوامر الدالة على جميع ما أتى به كما (٤) تقدمت (٥) . إقرار النبي ﷺ ومثال إقراره ﷺ الدالِّ على الجواز: أنه ﷺ مَرَّ في مَخْرجه للهجرة برَاعٍ، فذهب أبو بكرٍ الصدِّيق ﵁ فأتاه (٦) منه بلَبَنٍ (٧) ، فلم يُنْكِر (٨) عليه، فدلَّ ذلك على جوازه، ولأنَّ رسول الله ﷺ بُعث والناسُ يأكلون أنواعاً من الملاذِّ من لحوم الأنعام، والفواكه، وغيرها، وكذلك المراكب [وغيرها] (٩) ولم ينكرها ﷺ ، فدلَّ ذلك على إباحتها إلاَّ ما دلَّ الدليل على مَنْعه (١٠) .

стр. 251

الفصل الثاني في اتباعِهِ ﷺ (١) ص: قال جماهير الفقهاءِ والمعتزلةِ (٢) : يجب اتباعُه ﷺ في فِعْله، إذا عُلِم وجْهُه [وجب اتباعه] (٣) في ذلك الوَجْه، لقوله تعالى: ﴿وَمَا?آتَاكُم الرَّسُولُ?فخُذُوهُ﴾ (٤) والأمر ظاهر في الوجوب (٥) . وقال أبو علي بن خَلاَّدٍ (٦) به (٧) في العبادات فقط (٨) .

стр. 252

طرق معرفة صفات أفعاله ﷺ وإذا وجب التأسِّي به وجب معرفةُ وَجْهِ فِعْله ﷺ من الوجوب والندب والإباحةِ (١) : إمَّا بالنصِّ. أو بالتخْيِيْر بينه وبين غيره فيما (٢) عُلِم فيه [وجهٌ (٣) ، فيُسَوَّى به (٤) ] (٥) . أو بما يدلُّ على نفي قِسْمين فيتعيَّنُ الثالث. أو بالاستصحاب في عدم الوجوب، وبالقُرْبةِ (٦) على عدم (٧) الإباحة فيَحْصُل (٨) الندب. وبالقَضَاءِ (٩) على الوجوب. وبالإدَامة مع التَّرك في بعض الأوقاتِ على الندب (١٠) . وبعلامة الوجوب عليه كالأذان.

стр. 253

وبكونه جَزَاءً لسببِ الوجوبِ كالنَّذْر (١) . الشرح معنى (٢) يجب اتباعه في ذلك الوجه أيْ: إنْ فَعَلَه على وجه الندب وَجَبَ علينا أنْ نفعله على وجه الندب، أو فَعَله ﷺ على وجه الوجوب وجب علينا أن نفعله كذلك (٣) ، إذ لو خالفناه (٤) في النيَّة ذهب الاتباع. حجة ابن خلاَّد ووجه تخصيص الوجوب بالعبادات: قوله ﷺ : ((خُذُوا عَنِّي مناسككم)) (٥) و ((صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي)) (٦) وظاهر المنطوق (٧) الوجوب، لأنه أمر، ومفهومه (٨) أن غير المذكور لا يجب وهو المطلوب، ولحديث (٩) بَرِيْرة (١٠) قالت: يا رسول الله أَفَأَمْرٌ (١١) منك أم تَشْفع؟ فقال:» إنمّا أنا شفيع «. فقالت: لا حاجة لي به (١٢) .

стр. 254

فدلّ على أن ما عدا الأمر الجازم لا يجب الاتباع فيه (١) . وأصل التخيير التسوية: فإذا خُيِّر بين ذلك الفعل وبين ما عُلِم وجوبه كان ذلك الفعل واجباً، أو خُيِّر بينه وبين مندوب كان ذلك الفعل مندوباً، أو بينه وبين ما عُلِمتْ إباحته كان ذلك الفعل مباحاً. سؤال: قال بعض [فضلاء* العصر] (٢) : قول العلماء التخيير يقتضي التسوية (٣) يُشْكل، فإن (٤) رسول الله ﷺ أتِيَ (٥) ليلة الإسراء بقَدَحين، أحدهما لَبَن والآخر خَمْر، وخُيِّر بينهما، فاختار اللَّبَن، فقال له (٦) جبريل ﵇ لو اخْترتَ الخمر لغَوَتْ أمَّتُك (٧) . فالخمر موجِبٌ للإغواء، ومع ذلك خُيِّر بينه وبين موجب الهداية وهو اللَّبَن، وموجب الهداية مأمور به، وموجب الغَيّ والإغواء منهيٌ عنه، فقد وُجِد (٨) التخيير لا مع الاستواء في الأحكام. جوابه: أنَّ الحكم الشرعي كان في القدحين واحداً (٩) ، وهو الإباحة، غير أنَّ الشيئين قد يستويان في الحكم الشرعي، ويكون* اختلافهما بحسب العاقبة (١٠) لا بحسب الحكم، كما انعقد الإجماع على جواز بناء ما شِئْنا من الدُّوْر وشراء ما شِئْنا من

стр. 255

الدَّواب وزواج ما شِئْنا من النِّساء، ومع ذلك إذا عَدَل الإنسان عن أحد هذه إلى غيره (١) أمكن أن يقول له صاحب الشرع: لو اخترت تلك الدار أو الدابة أو المرأة لكانت مشئومة، كما جاء في الحديث (٢) ، وإنْ كان للعلماء فيه خلاف في تأويله (٣) ، غير أن ذلك لا يمنع التمثيل (٤) ، فإنه يكفي الإمكان فيما يُتَوَقَّعُ في (٥) العواقب ولا (٦) يُغيِّر الحكم الشرعي، كذلك القَدَحان حكمهما الإباحة، وأخبر جبريل ﵇ أن الله تعالى* ربط بأحدهما حسن العاقبة، وبالآخر سوء العاقبة، وذلك غير الأحكام الشرعية. نعم، لو قال جبريل ﵇ لو اخْتَرْتَ الخمر لأَثِمَتْ [أمَّتُك] (٧) أشْكَل. أما العواقب فلا تُناقِض تَقَدُّم الإباحة. وقولي: " أو بما يدلُّ على نفي قسمين فيتعيّن الثالث " معناه: أنَّ فِعْل النبي ﷺ لا يقع فيه (٨) محرَّم لعصمته، ولا مكروه لظاهر حاله، فلم يَبْقَ إلا الوجوب والندب والإباحة، فهي ثلاثة، إذا دلَّ الدليل على نفي اثنين منها تعيَّن الثالث لضرورة الحَصْر،

стр. 256

فإذا ذهبت الإباحة والندب تعيَّن الوجوب، [أو الوجوب والإباحة تعيَّن الندب] (١) ، أو الندب والوجوب تعيَّنت الإباحة. ومعنى " الاستصحاب في عدم الوجوب وبالقُرْبة على عدم الإباحة " أي: من وجوه الاستدلال، أن يقول (٢) : هذه قُرْبة لأنها صلاة أو صيام - مثلاً - فلا تكون مباحة؛ لأن الأصل في هذه الأبواب عدم الإباحة (٣) ، والأصل أيضاً عدم الوجوب (٤) فيتعين (٥) الندب. وبالقضاء على الوجوب: هذا على مذهب مَالِكٍ أنَّ النوافل لا تُقْضَى (٦) . وأما على قاعدة الشَّافِعي أن العيدين يُقْضيان وكل نافلة لها سبب (٧) فلا نقدر أن نقول: هذا الفعل (٨) قضاه رسول الله ﷺ فيكون واجباً، لأن القضاء ليس من خصائص الواجب، وإنّما يأتي ذلك على مذهب مالك ومن قال بقوله (٩) .

стр. 257

وأما كون الأذان لا يكون إلا في واجب فظاهر، فإذا بَلَغَنا أنه ﷺ أمر بالأذان لصلاةٍ، قلنا: تلك الصلاة واجبة لوجود خصوصية (١) الوجوب. وإذا بَلَغَنا أن رسول الله ﷺ نذر صلاة أو غيرها من المندوبات وفعلها قضينا على ذلك الفعل بالوجوب، لأن فعل المنذور واجب. فهذه وجوهٌ من الاستدلال (٢) على حكم أفعاله ﷺ إذا وقعت. تعارض فعله ﷺ مع قوله، وتعارض الفعلين ص: تفريع (٣) : إذا وَجَب الاتباع، وعارض [فِعْلُه ﷺ قَوْله] (٤) : فإن تَقَدَّم القولُ وتَأَخَّر الفعلُ نسخ (٥) الفعلُ القولَ، كان القولُ خاصاً (٦) به أو بأمته أو عمهما، وإن (٧)

стр. 258

تأخَّر القولُ - وهو عامٌّ (١) له ولأمته ﷺ أَسقَطَ (٢) حُكمَ الفعلِ عن الكل، وإن اخْتَصَّ بأحدهما خصَّصهُ عن عمومِ حكمِ الفعل. وإِنْ تَعَقَّبَ الفعلُ القولَ من غير تراخٍ وعَمَّ القولُ له ولأمته ﵊ خصَّصه عن عموم القول، وإن اخْتَصَّ بالأُمَّةِ تَرَجَّح القول [على الفعل، وإنْ اختصَّ به جاز إن جوَّزْنا (٣) نسخ الشيء قبل وقته (٤) ] (٥) ، [وإلاّ فلا (٦) . وإنْ لم يتقدَّم واحدٌ منهما رجح القول] (٧) ؛ لاستغنائه [بدلالته عن غيره] (٨) من غير عَكْسٍ (٩) . فإن عارض الفعلُ الفعلَ بأنْ يُقِرَّ شَخْصاً على فِعْلٍ فَعَلَ - هو ﷺ ضِدَّه فيُعْلَم خروجُه عنه. أو يفعل ﷺ ضِدَّه في وقتٍ يُعْلم [لزومُ مِثْلِه له] (١٠) فيه فيكونُ نَسْخاً للأول (١١) .

стр. 259

الشرح القاعدة (١) : أن الدليلين الشرعيين إذا تعارضا، وتأخَّر أحدُهما عن (٢) الآخر كان المتأخرُ [ينسخ المتقدِّمَ] (٣) . مسألة تقدُّم القول وتأخُّر الفعل ولذلك قلنا: ينسخُ الفعلُ القولَ، إذا تأخر. فإن كان خاصاً به والفعلُ أيضاً منه حصل النسخ (٤) . والخاصُّ بأمته يتقرَّر حُكْمه سابقاً ثم يأتي الفعل بعد ذلك (٥) ، ويجب تأسِّيهم به ﷺ فيتعلق بهم حكم الفعل أيضاً، وهو مناقض لما تقدَّم في حقِّهم من القول، فينسخ (٦) اللاحقُ السابقَ في حقِّهم أيضاً (٧) ؛ لأنه القاعدة. وكذلك أيضاً (٨) إذا عَمَّهما (٩) ، وحكم الفعل أيضاً يعمُّهما (١٠) ؛ أما هو ﷺ فلأنَّه المباشر له، ولا يباشر شيئاً إلا وهو يجوز له ﷺ [الإقدامُ عليه] (١١) ، وأمَّا هُمْ فلوجوب تأسِّيهم به وانْدِرَاجِهم في

стр. 260

كلِّ ما شُرع له ﷺ إلاَّ مادلَّ الدليل عليه، فيتناقض (١) ما تقدَّم في حقِّهم (٢) من دلالة القول، فينسخ (٣) الفعلُ المتأخرُ القولَ المتقدِّمَ (٤) عنه وعنهم. مسألة تقدُّم الفعل وتأخُّر القول وبهذا يظهر أن القول إذا تأخر عن الفعل نسخه (٥) بطريق الأوْلى إذا عمَّهما؛ لأنه أقوى من الفعل، والأقوى أولى بالنسخ للأضعف من غير عكس. فإنْ اختص القول بأحدهما أخرجه عن عموم حكم الفعل، وبقي الآخرُ على حكم الفعل (٦) ؛ لعدم معارضة القول له في ذلك القسم، والنسخ لابدَّ فيه من التعارض. مسألة تعقُّب الفعلِ القولَ وإنْ تعقَّب الفعلُ القولَ من غير تَرَاخٍ، تَعَذَّر في هذه الصورة النسخُ؛ لأنَّ من شرط النسخ التراخي على ما سيأتي (٧) ، وإذا تعذَّر النسخ لم يبْقَ إلا التخصيص. فإذا كان النص عامّاً له ولأمته ﷺ خَصَّصه - هو ﷺ من (٨) عموم ذلك القول، فيُعْلم أنه ﷺ غيرُ مُرادٍ بالعموم. وإن اختَّص القول بالأمة، والفعلُ أيضاً شأنه أن يترتَّب في حقِّهم حُكْمُه، وهما متناقضان متعارضان، فيُقَدَّم القولُ على الفعل لقوته؛ لأن دلالته بالوَضْع (٩) ، فلا يفتقر إلى دليلٍ يدلُّ على أنه حُجَّة، بخلاف الفعل لولا قوله تعالى:

стр. 261

﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (١) ونحوه لتَعذَّر علينا نَصْبُ الفعل دليلاً. مسألة تعارض الفعلين وإذا فَعَل ﷺ فِعْلاً وعُلِم بالدليل أنَّ غيره مكلَّفٌ بذلك الفعل، ثم يَرَى غيره يفعل ضِدَّ ذلك الفعل، فيُعْلم أن هذا الفاعلَ لهذا الضِدِّ خارجٌ من حكم ذلك الفعل المتقدِّم (٢) ، ويبقى غَيْرُ هذا الذي أقرَّه (٣) عليه* السلام مُنْدرِجاً في حكم ذلك الفعل. أو يُعْلم بالدليل أنه ﵊ يلزمه فِعْلٌ في وقت فيراه (٤) قد فَعَل ضِدَّ ذلك الفعل [في ذلك الوقت] (٥) ، فيُعلم نَسْخُه عنه ﷺ في ذلك الوقت وما بعده، فهذا هو معنى المسألتين الأخيرتين (٦) في هذا الفصل (٧) . فائدة: قال الإمام فخر الدين (٨) : التخصيص والنسخ في الحقيقة ما لَحِق إلا الدليلَ الدالَّ على وجوب التأسي، فإنه تناول* هذه الصورة وقد خرجت منه (٩) . سؤال: قال العلماء: من شرط الناسخ أن يكون مُساوياً للمنسوخ أو أقوى، والفعل أضعف، فكيف جعلوه في هذا المقام ناسخاً مع ضعفه عن المنسوخ؟ (١٠) .

стр. 262

جوابه: أنّ المراد بالمساواةِ المساواةُ (١) في السَّنَد (٢) لا غير (٣) ، وذلك لا يُناقض كَوْنَه فِعْلاً، ولذلك يجب أن نُفصِّل في هذه المسألة فنقول: القول والفعل إنْ كانا في زمانه ﷺ وبحضرته فقد استويا، وإن نُقلا إلينا تعيَّن أنْ لا نقضي (٤) بالنسخ إلا بعد الاستواء في نقل كل واحد منهما، فإنْ كان أحدُهما متواتراً (٥) والآخرُ آحاداً (٦) منَعْنا نسْخَ الآحادِ للمتواتر، هذا تلخيصُ هذا الَموْضعِ ولابدَّ منه. فائدة: قال الشيخ سيف الدين (٧) في " الإحكام " (٨) : إذا كان الفعل لا يتكرر بل يختص بذلك الزمان بأن يقول عَقِيْبه أو مُتَراخياً عنه: هذا الفعل لا يُفْعل بعد هذا الوقت، ثم يَرِدُ القولُ بعد ذلك، لا يحصل تعارضٌ ألْبتَّة.

стр. 263

فائدة: قال الشيخ سيف الدين (١) : أفعاله ﷺ لا يمكن وقوعُ التعارض فيها حتى يَنْسخ بعضُها بعضاً أو يُخَصِّصه (٢) ، فإنَّ الفِعْلين إنْ تَمَاثلا و (٣) كانا في وقتين كالظُّهْر اليومَ والظُّهر غداً فلا تعارض، وإن اختلفا وأمكن اجتماعهما كالصلاة والصوم فلا تعارض، وإنْ تَعذَّر اجتماعهما لتناقض أحكامِهما [كما لو صام] (٤) في وقتٍ وأكَل في مِثْل ذلك الوقت لم يتعارضا أيضاً؛ لأن الفعل لا عموم له حتى يَدُلَّ على لزوم ذلك الفعل (٥) في جميع الأوقات فيناقضه ضِدُّه إذا وقع في تلك الأوقات الأُخَر، فإن دَلَّ دليلٌ من خارجٍ غير الفعل على (٦) أن مثل ذلك الفعلِ يتكرر فالتخصيص (٧) والتعارض إنما عرض لذلك الدال على التكرار (٨) . وكذلك إقراره ﷺ لبعض الأمة على الترك مع القدرة على الفعل والعلم به لا يكون مُخصِّصاً وناسخاً إلا للدليل الدال على تكرار ذلك الفعل (٩) .

стр. 264

قال الغزالي (١) في " المستصفى " (٢) : لا يُتَصور التعارض بين الأفعال بما هي أفعال ألبتَّة؛ لأن الفعلين لا يجتمعان في زمان واحد ألبتَّة، وإذا تعدد الزمان فلا تعارض، بخلاف الأقوال لها صيغ تتناول بها الأزمان، فيُتَصور التعارض (٣) . فائدة: مهما أمكن التخصيص لا يُعْدل عنه إلى النسخ (٤) ؛ لأنه أقرب إلى الأصل من جهة أنه بيان المراد، فليس فيه إبطال مراد، بخلاف النسخ فيه إبطال المراد.

стр. 265

الفصل الثالث في تأسِّيه ﷺ (١) مسألة تعبُّد النبي ﷺ بشرع من قبله قبل نبوته ص: مذهب مالكٍ وأصحابِه أنه ﷺ لم يكن متعبِّداً بشرع مَنْ قَبْله قبل نُبُوَّته (٢) ، وقيل: كان متعبِّداً (٣) ، لنا أنه لو كان كذلك لافتخرتْ به أهل (٤) تلك الملة وليس فليس.

стр. 266

الشرح هذه المسألة المختار* فيها أن نقول ((متعبِّداً)) بكسر الباء (١) على أنه اسم فاعل (٢) ، ومعناه: أنه ﷺ كان -[كما قيل] (٣) في سيرته - ينظر إلى ما عليه الناس فيجدهم على طريقةٍ لا تليق بصانع العالم، فكان يخرج إلى غار حراء (٤) يَتَحَنَّث (٥) - أي: يَتَعَبَّد - ويقترح أشياء لقُرْبها من المناسب في اعتقاده. ويخشى أن لا تكون مناسبة لصانع العالم، فكان من ذلك في ألَمٍ عظيمٍ، حتى بعثه الله تعالى وعلَّمه جميع طرق الهداية وأوضح له جميع مسالك الضلالة، زال عنه ذلك الثِّقَل الذي كان يجده، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَك﴾ (٦) على أحد التأويلات، أي الثِّقَل الذي كُنْتَ تجده من أمر العبادة والتقرُّب (٧) ، فهذا

стр. 267

يتَّجه، أما بفتحها (١) فيقتضي أن يكون الله تعالى تعبَّده بشريعة سابقة، وذلك يأباه ما يحكونه من الخلاف هل كان متعبِّداً (٢) بشريعة موسى أو عيسى فإن شرائع بني إسرائيل لم تَتَعَدَّهم (٣) إلى بني إسماعيل (٤) ، بل كل نبي من موسى وعيسى وغيرهما إنما كان يُبْعث إلى قومه فلا تتعدى رسالته قومه، حتى نقل المفسرون أن موسى ﵇ لم يُبْعث إلى أهل مصر بل لبني إسرائيل، ليأخذهم من القِبْط (٥) من يد فرعون (٦) . ولذلك لما عَدَى البحر لم يرجع إلى مصر ليقيم فيها شريعته (٧) بل أعرض عنهم إعراضاً كُلّياً لما أخذ بني إسرائيل، وحينئذٍ لا يكون الله تعالى تعبَّد (٨) نبينا محمداً ﷺ بشرعهما (٩) ألبتَّة، فبطل (١٠) قولنا: إنه كان متعبَّداً بفتح الباء بل بكسرها كما تقدَّم (١١) ، وهذا بخلافه (١٢) بعد (١٣) نبوته ﷺ ، فإنه تعبده الله تعالى بشرع من قبله على - الخلاف في ذلك - بنصوص وردت عليه في الكتاب العزيز فيستقيم الفتح فيما بعد النبوة دون ما قبلها (١٤) .

стр. 268

حجة النّافين لتعبُّده ﷺ بشرع مَنْ قبله قبل نبوته ومما يؤكد أنه ﷺ لم يكن متعبِّداً قبل نبوته بشرع أحدٍ (١) : أن تلك (٢) الشرائع كانت داثرة لم يَبْقَ منها (٣) ما يمكن التمسك به لأهلها فضلاً عن غيرهم، وهو ﷺ لم يكن يسافر ولا يخالط أهل الكتاب (٤) حتى يطلَّع على أحوالهم (٥) ، فيَبْعُد مع هذا غاية البُعْد أن يَعْبُد الله تعالى بتلك (٦) الشرائع. ولأنه لو كان (٧) يتعبَّد (٨) بذلك (٩) [لكان يراجع] (١٠) علماء تلك الشرائع، ولو وقع ذلك لاشتهر. حجة المثبتين لتعبده ﷺ بشرع من قبله قبل نبوته احتج القائلون بذلك: بأنه ﷺ تناولته (١١) رسالة من قبله فيكون متعبِّداً بها (١٢) . ولأنه (١٣) عليه* الصلاة والسلام كان (١٤) يأكل اللحم، ويركب البهيمة، ويطوف

стр. 269

بالبيت، وهذه أمور (١) كلها (٢) لابدَّ له (٣) فيها من مستند، ولا مستند إلا الشرائع المتقدمة، خصوصاً على قول الأشاعرة (٤) : إن العقل لا يفيد الأحكام وإنما تفيدها (٥) الشرائع (٦) . والجواب عن الأول: أن ما ذكرتموه إنما [يتأتَّى في] (٧) إسماعيل وإبراهيم ونوح ﵈، لأنه ﷺ من ذريتهم، أما موسى وعيسى ﵉ فلا، وقد وقع الخلاف في هؤلاء كلهم (٨) : أيّهم كان (٩) يَعْبد الله تعالى على شريعته؟ فأما هؤلاء الثلاثة فقد دَرَسَتْ (١٠) شرائعهم، وما دَرَس لا يكون حجة ولا يُعْبد الله تعالى به. وعن الثاني: أن هذه الأفعال وإن قلنا بأن (١١) الأحكام لا تثبت إلا بالشرع (١٢) فإنها تُسْتَصْحَب (١٣) فيها براءةُ الذمَّة من التَّبِعات (١٤) ، فإن الإنسان ولد بريئاً من جميع

стр. 270

الحقوق، فهو يَسْتَصْحِب هذه الحالة، حتى يدلَّ دليلٌ على شَغْل الذمَّة بحقٍّ، فهذا يكفي في مباشرته ﷺ لهذه الأفعال. فائدة: تقدَّم أن الصواب كَسْر الباء (١) ، وهو الذي يظهر لي (٢) ، غير أنه وقع لسيف الدين في هذه المسألة كلام يدل على خلاف ذلك، وهو أن قال: غير مستبعد في العقل أن يعلم الله تعالى مصلحة شخص معين في تكليفه شريعة مَنْ قبله (٣) ، وهذا كلام يقتضي فتح الباء، فانظرْ في ذلك لنفْسِك، وأما غيره فلم [أرَ له تعرضاً] (٤) لذلك (٥) ، فما أدري، هل اغترَّ بالموضع فأطلق هذه العبارة في الاستدلال، أو (٦) هو أصل يعتمد عليه؟. فائدة: حكاية الخلاف في أنه ﷺ كان متعبِّداً قبل نبوته بشرع من قبله، يجب أن يكون مخصوصاً بالفروع دون الأصول. فإن قواعد العقائد كان الناس في الجاهلية مكلفين بها إجماعاً، ولذلك (٧) انعقد الإجماع على أن موتاهم في النار يُعذَّبون على كفرهم، ولولا التكليف* لما عُذِّبوا (٨) ، فهو ﷺ مُتعبَّد

стр. 271

بشرع (١) من قبله بفتح الباء بمعنى: مُكلَّف، هذا لا مِرْيَة فيه، إنما الخلاف في الفروع خاصةً؛ فعموم إطلاق العلماء مخصوص (٢) بالإجماع. فائدة: قال المَازَري (٣) والأبْيَاري (٤) في " شرح البرهان " (٥) (٦) ، وإمام الحرمين (٧) :

стр. 272

هذه المسألة لا تظهر (١) لها ثمرة في الأصول ولا في الفروع ألبتَّة، بل تجري مجرى التواريخ المنقولة، ولا يترتَّب (٢) عليها حكم في الشريعة ألبتة (٣) ، وكذلك قاله (٤) التَّبْريْزي (٥) (٦) . مسألة تعبُّد النبي ﷺ بشرع من قبله بعد نبوته ص: وأما بعد نبوته ﷺ : فمذهب مالكٍ ﵀ وجمهور (٧) أصحابه وأصحاب الشافعي وأصحاب (٨) أبي حنيفة رحمة الله عليهم أجمعين أنه متعبَّد بشرع من قبله، وكذلك أمته، إلا ما خَصَّه (٩) الدليل (١٠) . ومنع [من ذلك] (١١) القاضي أبو بكر

стр. 273

وغيره [من أصحابنا] (١) . لنا قوله تعالى*: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (٢) ، وهو (٣) عام لأنه اسم جنس (٤) أضيف. الشرح شرائع من قبلنا ثلاثة أقسام (٥) : منها ما لا (٦) يُعْلم إلا بقولهم، كما في لفظ ما بأيديهم (٧) من التوراة أن الله تعالى حَرَّم لحم الجَدْي (٨) بلبن أمه (٩) يشيرون إلى

стр. 274

المَضِيْرة (١) (٢) . ومنها (٣) : ما علم بشرعنا وأمِرْنا نحن أيضاً به (٤) وشُرع لنا، فهذا أيضاً لا خلاف في (٥) أنه شرع لنا كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ش (٦) مع قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٧) الآية (٨) . وثالثها: أن يدلّ شرعنا على أنَّ فِعْلاً كان مشروعاً لهم ولم يقل لنا شرع لكم أنتم أيضاً، فهذا هو محل الخلاف لا غير (٩) .

стр. 275

كقوله تعالى حكايةً عن المنادي (١) الذي بعثه يوسف ﵇: ﴿وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٢) فيستدل به على جواز الضمان (٣) ، وكذلك قوله تعالى حكايةً عن شُعَيْب (٤) وموسى ﵉: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾ (٥) الآية يستدل بها على جواز الإجارة (٦) ، بناءً على أن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟. أما ما لا يثبت إلا بأقوالهم فلا يكون حجة لعدم صحة السند وانقطاعه. ورواية الكفار لو وقعتْ (٧) لم تقبل، فكيف وليس في (٨) أهل الكتاب مَنْ يروي التوراة فضْلاً عن غيرها؟!. وما لا رواية فيه كيف يخطر بالبال أنه حجة؟!

стр. 276

وبهذا يظهر لك بطلان قول (١) من استدل في هذه المسألة بقضية (٢) رجم اليهوديَيْن (٣) ، وأن (٤) رسول الله اعتمد على أخبار ابن صُوْريا (٥) أن فيها الرجم، ووجد فيها كما قال (٦) ، فان من أسلم من اليهود لم يكن له رواية في التوراة، وإنما كانوا يُعْمِلون فيها ما رأوه (٧) ، أما أنَّ (٨) لهم سنداً متصلاً (٩) بموسى ﵇ كما فعله (١٠) المسلمون في كتب الحديث فلا، وهذا معلوم بالضرورة لمن اطَّلع على أحوال القوم

стр. 277

وكاشفهم وعرف ما هم عليه، بل رسول الله يجب أنْ يُعْتقد أنه إنما اعتمد في رجم اليهوديين على وَحْي جاءه (١) من قبل الله تعالى، أما غير ذلك فلا يجوز (٢) ، ولا يُقْدِم رسول الله ﷺ على دماء الخلق بغير مستندٍ صحيحٍ، فالاستدلال في هذه المسألة بهذه القضية (٣) لا يصحُّ (٤) ، بل لا يندرج في هذه المسألة إلا ما عُلِم أنه من شرعهم بكتابنا ومن قِبَل نبينا فقط. حجة المثبتين من (٥) وجوه: أحدها: ما تقدّم من الآية (٦) . وثانيها: قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٧) [و" ما " عامة في جملة ما وصى به نوحاً ووصى به إبراهيم وموسى* وعيسى] (٨) . وثالثها: قوله تعالى: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٩) . تقديره: اتبعوا ملة أبيكم (١٠) إبراهيم (١١) (١٢) .

стр. 278

ويَردُ على الكل أن المقصود قواعد العقائد لا جزئيات الفروع؛ لأنها هي التي وقع الاشتراك فيها بين الأنبياء كلهم، وكذلك* القواعد الكلية من الفروع (١) . أما جزئيات المسائل فلا اشتراك فيها (٢) ، بل هي مختلفة في الشرائع (٣) . حجة النافين (٤) من وجوه: أحدها: أنه (٥) لو كان ﷺ متعبَّداً بشرع من قبله لوجب عليه مراجعة تلك الكتب، ولا يتوقف إلى نزول الوحي، لكنه لم (٦) يفعل ذلك لوجهين، أحدهما: أنه لو فعله لاشْتَهر. والثاني: أن عمر ﵁ طالع ورقة من التوراة فغضب (٧) ، وقال: ((لو كان موسى حيّاً ما وسعه إلا اتباعي)) (٨) . وثانيها: أنه ﷺ لو كان متعبَّداً [بشرع من قبله] (٩) لوجب على علماء الأمصار والأعصار أن يفعلوا ذلك ويراجعوا شرع من قبلهم، ليعلموا ما فيه، وليس كذلك.

стр. 279

وثالثها: أنه ﷺ صَوَّب مُعاذاً في حكمه باجتهاد نفسه إذا عَدِم الحُكْمَ في الكتاب والسنة (١) ، وذلك يقتضي أنه لا يلزمه (٢) اتباع الشرائع المتقدمة. والجواب عن الأول: أنه قد تَقَدَّم (٣) أن شرع من قبلنا إنما يلزمنا إذا علمناه (٤)

стр. 280

من قبل نبينا ﷺ بوحيٍ، أمَّا مِنْ قِبَلِهم فلا تلزم (١) مراجعتهم لعدم ال فائدة في ذلك (٢) . وهو الجواب عن الثاني. وعن الثالث: أن من جملة الكتاب (٣) دلالته على اتباع الشرائع المتقدمة (٤) . فائدة (٥) : قال الإمام فخر الدين: إذا قلنا بأنه كان متعبَّداً فقيل: بشرع إبراهيم، وقيل: بل بموسى، وقيل: بل بعيسى عليهم الصلاة والسلام (٦) . وهذا (٧) الذي نقله الإمام في هذه المسألة لم ينقله " البرهان "، ولا " المستصفى " ولا سيف الدين، ونقلوا هذا النقل بعينه فيما قبل النبوة (٨) ، ونقل المازري الخلاف بعينه في المسألتين (٩) ، وكذلك القاضي عبد الوهاب (١٠) في " الملخص " (١١) ، وزاد في النقل

стр. 281

فقال: من الناس من قال كان متعبَّداً بشريعة (١) كل نبيٍّ تقدَّمه إلا ما نُسِخ أو دُرس (٢) ، وهذا لم تنقله الجماعة (٣) ، مع أنه غالب بحث الفقهاء في المباحث، فلا يخصُّون (٤) شرعاً معيناً دون غيره. قال القاضي: ومذهب المالكية (٥) أن جميع شرائع الأمم شرع لنا إلا ما نسخ، ولا فرق بين موسى ﵇ وغيره (٦) . قال ابن بَرْهان (٧) : وقيل كان متعبِّداً قبل النبوة بشرع آدم ﵇؛ [لأنه أول الشرائع] (٨) ، وقيل كان على دين نوح ﵇ (٩) .

стр. 282

الباب الرابع عشر في النسخ وفيه خمسة فصول:

стр. 283

الفصل الأول في حقيقته (١) ص: قال القاضي منا (٢) والغزالي (٣) (٤) : هو خِطابٌ دَالٌّ على ارتفاع حُكْمٍ ثابتٍ بخطابٍ متقدِّمٍ على وَجْهٍ لولاه لكان (٥) ثابتاً مع تراخِيْهِ عنه (٦) . وقال الإمام فَخْرُ الدِّيْن: الناسخُ طريقٌ شرعيٌّ يدلُّ على أنَّ مِثْلَ الحكمِ الثَّابتِ بطريقٍ شرعيٍّ (٧) لا يوجد بعده، متراخياً عنه بحيث لولاه لكان ثابتاً (٨) ، فالطريق

стр. 284

يشمل (١) سائر المدارك: الخطابَ وغيرَه، وقوله: ((مثل الحكم)) : لأن الثابت قبل النسخ غيرُ المعدوم بعده (٢) . وقوله: ((متراخياً عنه (٣)) ) ؛ لئلا يَتَهَافَتَ (٤) الخطاب. وقوله: ((لولاه لكان ثابتاً)) احترازاً من المُغَيَّات (٥) نحو الخطاب (٦) بالإفطار بعد (٧) [غروب الشمس] (٨) فإنه ليس ناسخاً (٩) [لوجوب الصوم] (١٠) . الشرح يَرِدُ على الأول أن النسخ قد يكون بالفعل كما تقدَّم (١١) فلا يكون الحَدُّ (١٢)

стр. 285

جامعاً (١) ، وكذلك يَنْتَقِض بالإقرار (٢) وبجميع المدارك التي ليست خطاباً (٣) ، وكذلك يَبْطُل بجميع ذلك اشتراطُه في الحكم السابق أن يكون [ثابتاً بالخطاب، فإنه قد يكون] (٤) ثابتاً بأحد هذه الأمور، فلذلك عَدَل الإمام لقوله: ((طريق شرعي)) لِيَعُمَّ جميع هذه الأمور، فإن قُلْتَ: أنت شَرَعْتَ تَحُدُّ النسخ، والطريقُ ناسِخةٌ لا نَسْخٌ (٥) ، والمصدر (٦) غير الفاعل، فقد خرج جميع أفراد المحدود من الحَدِّ فيكون باطلاً. قلتُ: الناسخ في الحقيقة إنما هو الله تعالى؛ ولذلك (٧) قال الله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ (٨) ، فأضاف تعالى فِعْل (٩) النسخ إليه ، وفعله تعالى هو هذه المدارك (١٠) وجعلها ناسخة، فالمصدر في التحقيق هو هذه (١١) المدارك فاندفع السؤال (١٢) .
следующие страницы →